قدم معاوية الحجاز معتمرا في شهر رجب سنة ست وخمسين (^١)، ومرَّ على المدينة قبل قدومه مكة، ولما سمع بعض الصحابة بقدومه، وأنه قد يطلب البيعة ليزيد؛ خرجوا من المدينة.
فعن ذكوان مولى عائشة قال: «لما أجمع معاوية أن يبايع لابنه يزيد حج، فقدم مكة في نحو من ألف رجل، فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ابنه يزيد فقال: من أحق بهذا الأمر منه؟ ثم ارتحل» (^٢).
وبعض الروايات تذكر أن خروج هؤلاء الصحابة كان قبل تحرك معاوية، وأن معاوية إنما تحرك بعد علمه بخروجهم.
فعن القاسم بن محمد بن أبي بكر: «قدِم معاوية المدينة حين أُخبر أن ابن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وابن الزبير، خرجوا عائذين بالكعبة من بيعة يزيد بن معاوية» (^٣).
_________________
(١) تاريخ الطبري (٥/ ٣٠١)، البداية والنهاية (١١/ ٣٠٧).
(٢) في إسناده مقال: أخرجه خليفة بن خياط في تاريخه (ص: ٢١٣)، وفي سنده النعمان بن راشد، صدوق سيء الحفظ، كما في التقريب (٧١٥٤).
(٣) إسناده صحيح: أخرجه البخاري في التاريخ الصغير (١/ ١٢٩ - ١٣٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٣٠).
[ ١٨٤ ]
على كل حال، وإن كان القول الأخير أصح سندا من الأول، فمآل الروايتين واحد في النهاية، والأمر في ذلك يسير، فالاتفاق على أن المعترضين من الصحابة خرجوا من المدينة قبل قدوم معاوية، وأنه قدم الحجاز للقائهم، وقد تمَّ له ذلك في مكة -كما سيأتي-.
ولما وصل معاوية - ﵁ - المدينة، لم يجد أحدا من المعترضين على بيعة يزيد، فخطب الناس، وأخذ منهم البيعة، ولم يعترض أحدٌ من الحاضرين على ذلك، أو بتعبير أدق: لم يُظهر أحد اعتراضا على بيعة يزيد، وإن كان من بين الصحابة من كان معترضا، إلا أنه جعل اعتراضه في نفسه، وسكت خشية فرقة الناس، وإثارة الفتنة.
فعن حميد بن عبد الرحمن الحميري قال: «دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - (^١) حين استخلف يزيد بن معاوية، فقال: أتقولون إن يزيد ليس بخير أمة محمد، لا أفقه فيها فقها، ولا أعظمها فيها شرفا؟ قلنا: نعم، قال: وأنا أقول ذلك، ولكن والله لئن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق، أرأيتم بابا لو دخل فيه أمة محمد وسعهم، أكان يعجز عن رجل واحد لو دخل فيه؟ قلنا: لا، قال: أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل رجل منهم لا أهريق دم أخي، ولا آخذ ماله، أكان هذا يسعهم؟ قلنا: نعم، قال: فذلك ما أقول لكم، ثم قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يأتيك من الحياء إلا خير» (^٢).
ولما تم لمعاوية الأمر في المدينة؛ توجَّه إلى مكة.
_________________
(١) ذكر الذهبي في تاريخ الإسلام (٤/ ١٦٩) أن اسمه بشير.
(٢) إسناده صحيح: أخرجه خليفة بن خياط في تاريخه (ص: ٢١٧).
[ ١٨٥ ]