لما وصل معاوية - ﵁ - مكة، وأدَّى عمرته: بدأ اللقاء مع هؤلاء الصحابة المعترضين على البيعة.
يقول القاسم بن محمد بن أبي بكر: «لما قدم معاوية مكة تلقَّاه عبد الله بن الزبير بالتنعيم، فضاحكه معاوية وسأله عن الأموال، ولم يعرض بشيء من الأمر الذي بلغه، ثم لقي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر؛ فتفاوضا معه في أمر يزيد، ثم دعا معاوية ابن الزبير فقال له: هذا صنيعك أنت، استزللت هذين الرجلين، وسننت هذا الأمر، وإنما أنت ثعلب رواغ لا تخرج من جحر إلا دخلت في آخر، فقال ابن الزبير: ليس بي شقاق، ولكن أكره أن أبايع رجلين، أيكما أُطِيع بعد أن أعطيكما العهود والمواثيق؟ فإن كنت مللت الإمارة فبايع ليزيد، فنحن نبايعه معك» (^١).
وثمَّ رواياتٌ أخرى ذكرت ما دار من حوار بين معاوية وابن عمر، وعبد الرحمن - ﵃ -.
فعن ذكوان مولى عائشة قال: «قدم معاوية مكة فقضى طوافه ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهَّد وقال: أما بعد يا بن عمر، فإنك قد كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك أمير، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم، فلما سكت تكلم ابن عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت أنت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار، وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين وأن أسعى في فساد ذات بينهم، ولم أكن لأفعل، إنما أنا رجل من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم، فقال: يرحمك الله، فخرج ابن عمر.
وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فتشهَّد وأخذ في الكلام فقطع عليه كلامه، فقال: إنك والله لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لانفعل، والله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنعيدنها عليك جذعة، ثم وثب فقام.
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٣٠ - ٣٣١).
[ ١٨٦ ]
فقال معاوية: اللهم اكفنيه بم شئت، ثم قال: على رسلك أيها الرجل، لا تشرفن بأهل الشام، فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعت، ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك.
ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا ابن الزبير، إنما أنت ثعلب رواغ كلما خرج من جحر دخل آخر، وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما، وحملتهما على غير رأيهما، فتكلم ابن الزبير فقال: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع؟ لأيكما نطيع؟ لا نجمع البيعة لكما والله أبدا، ثم قام.
فراح معاوية فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذوات عوار، زعموا أن ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر الصديق لم يبايعوا يزيد، قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له، فقال أهل الشام: لا والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الناس وإلا ضربنا أعناقهم، فقال: مه، سبحان الله، ما أسرع الناس إلى قريش بالسوء، لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم، ثم نزل، فقال الناس: بايع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر، ويقولون: لا والله ما بايعنا، ويقول الناس: بلى لقد بايعتم، وارتحل معاوية فلحق بالشام» (^١).
وفي رواية: «فقام معاوية حين أبوا عليه؛ فقال: ألا إن حديث الناس ذات غور، وقد كان بلغني عن هؤلاء الرهط أحاديث وجدتها كذبا، وقد سمعوا وأطاعوا ودخلوا في صلح ما دخلت فيه الأمة» (^٢).
_________________
(١) في إسناده مقال: أخرجه خليفة بن خياط في تاريخه (ص: ٢١٣)، وفي سنده النعمان بن راشد، تقدَّم أنه صدوق سيء الحفظ.
(٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٣٠ - ٣٣١). ولم يعش عبد الرحمن بن أبي بكر بعد ذلك إلا يسيرا، ثم وافته منيته، فقد قال محمد بن القاسم بن أبي بكر -في نفس الرواية عند البخاري في التاريخ الصغير-: "فلم يلبث ابن أبي بكر إلا يسيرا حتى توفي، بعدما خرج معاوية من المدينة".
[ ١٨٧ ]
هؤلاء من ذكرَتْ الروايات اعتراضهم على معاوية في أمر بيعة يزيد، وأما الحسين بن علي - ﵁ - فلم نقف على رواية صحيحة تفيد ما وقع بينه وبين معاوية بخصوص هذه البيعة (^١)،
_________________
(١) أخرج الطبري في تاريخه (٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤) -بسند ضعيف معضل- عن رجل بنخلة، قال: "بايع الناس ليزيد بن معاوية؛ غير: الحسين بن علي، وابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عباس، فلما قدم معاوية أرسل الى الحسين بن على، فقال: يا ابن أخي، قد استوسق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم، يا ابن أخي، فما إربك إلى الخلاف؟ قال: أنا أقودهم! قال: نعم، أنت تقودهم، قال: فأرسل إليهم، فإن بايعوا كنت رجلا منهم، وإلا لم تكن عجلت علي بأمر، قال: وتفعل؟ قال: نعم، قال: فأخذ عليه ألا يخبر بحديثهم أحدا، قال: فالتوى عليه، ثم أعطاه ذلك، فخرج وقد أقعد له ابن الزبير رجلا بالطريق قال: يقول لك أخوك ابن الزبير: ما كان؟ فلم يزل به حتى استخرج منه شيئا. ثم أرسل بعده إلى ابن الزبير، فقال له: قد استوسق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم، يا بن أخي! فما إربك إلى الخلاف؟ قال: أنا أقودهم! قال: نعم، أنت تقودهم، قال: فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلا منهم، وإلا لم تكن عجلت علي بأمر، قال: وتفعل؟ قال: نعم، قال: فأخذ عليه ألا يخبر بحديثهم أحدا، قال: يا أمير المؤمنين، نحن في حرم الله ﷿، وعهد الله سبحانه ثقيل، فأبى عليه، وخرج. ثم أرسل بعده إلى ابن عمر فكلمه بكلام هو ألين من كلام صاحبه، فقال: إني أرهب أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعى لها، وقد استوسق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم، فما إربك إلى الخلاف! قال: هل لك في أمر يذهب الذم، ويحقن الدم، وتدرك به حاجتك؟ قال: وددت! قال: تبرز سريرك، ثم أجيء فأبايعك، على أني أدخل بعدك فيما تجتمع عليه الأمة، فو الله لو أن الأمة اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الأمة، قال: وتفعل؟ قال: نعم، ثم خرج فأتى منزله فأطبق بابه، وجعل الناس يجيئون فلا يأذن لهم. فأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: يا بن أبي بكر، بأية يد أو رجل تقدم على معصيتي! قال: أرجو أن يكون ذلك خيرا لي، فقال: والله لقد هممت أن أقتلك، قال: لو فعلت لأتبعك الله به لعنة في الدنيا، وأدخلك به في الآخرة النار. قال: ولم يذكر ابن عباس".
[ ١٨٨ ]
باستثناء رواية ليس فيها كبير تفصيل؛ وهي:
عن مسافع بن شيبة قال: «لقي الحسين معاوية بمكة عند الردم، فأخذ بخطام راحلته فأناخ به، ثم سارَّه حسين طويلا وانصرف، فزجر معاوية راحلته، فقال له يزيد: لا يزال رجل قد عرض لك فأناخ بك، قال: دعه، فلعله يطلبها من غيري فلا يسوغه فيقتله» (^١).
فهذه الرواية -مع صغر ما فيها- تبين أن ثمَّة حوار دار بين الحسين ومعاوية حول الخلافة من بعده، وأن معاوية علم أن هناك من يُمني الحسين بالخلافة بعد معاوية، لكنَّ معاوية يعلم أن هؤلاء لن ينصروا حسينا، بل قد يكونون سببا لقتله (^٢)، وقد وقع بالفعل للحسين - ﵁ - بعد ذلك ما توقَّعه معاوية.
_________________
(١) إسناده حسن: أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (المتمم الصحابة - الطبقة الخامسة، ١/ ٤٤١)، وفي سنده جويرية بن أسماء، صدوق، كما في التقريب (٩٨٨).
(٢) وانظر في الرسائل التي أرسلها أهل الكوفة لحسين بن علي: الطبقات الكبرى (المتمم الصحابة - الطبقة الخامسة، ١/ ٤٣٩ - ٤٤٠).
[ ١٨٩ ]