كان سعيد بن العاص لا يغشاه إلا نازلةُ أهل الكوفة ووجوه أهل الأيام وأهل القادسية وقرَّاء أهل البصرة والمتسمِّتون، وكان هؤلاء دَخَلَتَه إذا خلا، فأما إذا جلس للناس: فإنه يدخل عليه كل أحدٍ، فجلس للناس يومًا، فدخلوا عليه، فبينا هم جلوس يتحدثون قال خنيس بن فلان: ما أجود طلحة بن عبيد الله! فقال سعيد بن العاص: إن من له مثل النشاستج لحقيق أن يكون جوادًا، والله لو أنَّ لي مثله لأعاشكم الله عيشًا رغدًا، فقال عبد الرحمن بن خنيس- وهو حدث-: والله لوددتُ أنَّ هذا الملطاطَ لك- يعني ما كان لآل كسرى على جانب الفرات الذي يلي الكوفة- قالوا: فضَّ الله فاك! والله لقد هممنا بك، فقال: خنيس غلام فلا تجازوه، فقالوا: يتمنى له من سوادنا! قال: ويتمنى لكم أضعافه، قالوا: لا يتمنى لنا ولا له، قال: ما هذا بكم! قالوا: أنت والله أمرته بها، فثار إليه الأشتر وابن ذي الحبكة وجندب وصعصعة وابن الكواء وكميل بن زياد وعمير بن ضائى، فأخذوه فذهب أبوه ليمنع منه فضربوهما حتى غشي عليهما، وجعل سعيد يناشدهم ويأبون، حتى قضوا منهما وطرًا، فسمعت بذلك بنو أسد، فجاءوا وفيهم طليحة فأحاطوا بالقصر، وركبت القبائل، فعاذوا بسعيد، وقالوا: أفلتنا وخلصنا.
[ ٦٤ ]
فخرج سعيد إلى الناس، فقال: أيها الناس، قوم تنازعوا وتهاووا، وقد رزق الله العافية ثم قعدوا وعادوا في حديثهم، وتراجعوا فساءهم وردهم، وأفاق الرجلان، فقال: أبكما حياة؟ قالا: قتلتنا غاشيتك، قال: لا يغشوني والله أبدا، فاحفظا عليَّ ألسنتكما ولا تجرِّئا عليَّ الناس، ففعلا ولما انقطع رجاء أولئك النفر من ذلك قعدوا في بيوتهم، وأقبلوا على الإذاعة حتى لامه أهل الكوفة في أمرهم، فقال: هذا أميركم، وقد نهاني أن أحرك شيئًا، فمن أراد منكم أن يحرك شيئًا فليحركه.
فكتب أشراف أهل الكوفة وصلحاؤهم إلى عثمان في إخراجهم، فكتب: «إذا اجتمع ملؤكم على ذلك فألحقوهم بمعاوية»، فأخرجوهم، فذلوا وانقادوا حتى أتوه- وهم بضعة عشر- فكتبوا بذلك إلى عثمان، وكتب عثمان إلى معاوية: «إن أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفرًا خُلقوا للفتنة، فرعهم وقم عليهم، فإن آنست منهم رشدًا فاقبل منهم، وإن أعيوك فارددهم عليهم».
فلما قدموا على معاوية رحَّب بهم، وأنزلهم كنيسة تسمى مريم، وأجرى عليهم بأمر عثمان ما كان يجرى عليهم بالعراق، وجعل لا يزال يتغدى ويتعشى معهم، فقال لهم يوما: «إنكم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفًا، وغلبتم الأمم وحويتم مراتبهم ومواريثهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشًا، وأن قريشًا لو لم تكن عدتم أذلةً كما كنتم، إن أئمتكم لكم الى اليوم جُنَّة فلا تشذُّوا عن جنتكم، وإن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور، ويحتملون منكم المئونة، والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم.
فقال رجل من القوم: أمَّا ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا، وأما ما ذكرت من الجُنَّة فإن الجُنَّة إذا اختُرِقت خُلِص إلينا.
[ ٦٥ ]
فقال معاوية: «عرفتكم الآن، علمتُ أن الذي أغراكم على هذا قلَّةُ العقول، وأنت خطيب القوم، ولا أرى لك عقلًا، أُعظم عليك أمر الإسلام، وأُذكِّرك به، وتذكرني الجاهلية! وقد وعظتك وتزعم لما يجنك أنه يخترق، ولا ينسب ما يخترق إلى الجنة، أخزى الله أقوامًا أعظموا أمركم، ورفعوا إلى خليفتكم! افقهوا- ولا أظنكم تفقهون- أن قريشًا لم تُعزّ في جاهليةٍ ولا إسلامٍ إلا بالله - ﷿ -، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدِّهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحسابًا، وأمحضهم أنسابًا، وأعظمهم أخطارًا، وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضًا إلا بالله الذي لا يُستذلُّ من أعزَّ، ولا يُوضعُ من رفع، فبوأهم حرمًا آمنًا يتخطف الناس من حولهم! هل تعرفون عربًا أو عجمًا أو سودًا أو حمرًا إلا قد أصابه الدهر في بلده وحرمته بدولة، إلا ما كان من قريش، فإنه لم يردهم أحد من الناس بكيدٍ إلا جعل الله خده الأسفل، حتى أراد الله أن يتنقذ من أكرم واتبع دينه من هوان الدنيا وسوء مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ارتضى له أصحابًا فكان خيارهم قريشًا، ثم بنى هذا الملك عليهم، وجعل هذه الخلافة فيهم، ولا يصلح ذلك إلا عليهم، فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم بالله، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه وقد حاطهم في الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكم! أفٍّ لك ولأصحابك! ولو أنَّ متكلمًا غيرك تكلم، ولكنك ابتدأت، فأمَّا أنت يا صعصعة فإن قريتك شرُّ قرى عربية، أنتنها نبتًا، وأعمقها واديًا، وأعرفها بالشر، وألأمها جيرانًا، لم يسكنها شريفٌ قطُّ ولا وضيعٌ إلا سُبَّ بها، وكانت عليه هجنةٌ، ثُمَّ كانوا أقبح العرب ألقابًا، وألأمه أصهارًا، نزاع الأمم، وأنتم جيران الخط وفعلة فارس، حتى أصابتكم دعوة النبي - ﷺ - ونكبتك دعوته، وأنت نزيع شطير في عمَّان، لم تسكن البحرين فتشركهم في دعوة النبي - ﷺ -، فأنت
[ ٦٦ ]
شرُّ قومك، حتى إذا أبرزك الإسلام، وخلطك بالناس، وحملك على الأمم التي كانت عليك، أقبلت تبغي دين الله عوجًا، وتنزع إلى اللآمة والذلة ولا يضع ذلك قريشًا، ولن يضرهم، ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم، إن الشيطان عنكم غير غافل، قد عرفكم بالشر من بين أمتكم، فأغرى بكم الناس، وهو صارعكم لقد علم أنه لا يستطيع أن يردَّ بكم قضاءً قضاه الله، ولا أمرًا أراده الله، ولا تدركون بالشر أمرًا أبدًا إلا فتح الله عليكم شرًا منه وأخزى».
ثم قام وتركهم، فتذامروا فتقاصرت إليهم أنفسهم، فلما كان بعد ذلك أتاهم فقال: «إني قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم، لا والله لا ينفع الله بكم أحدًا ولا يضره، ولا أنتم برجال منفعة ولا مضرة، ولكنكم رجال نكير.
وبعد، فإن أردتم النجاة فالزموا جماعتكم، وليسعكم ما وسع الدهماء، ولا يبطرنكم الأنعام، فإن البطر لا يعتري الخيار، اذهبوا حيث شئتم، فإني كاتبٌ إلى أمير المؤمنين فيكم».
فلما خرجوا دعاهم فقال: «إنِّي معيدٌ عليكم: إنَّ رسول الله - ﷺ - كان معصومًا فولَّاني، وأدخلني في أمره، ثم استُخلف أبو بكر - ﵁ - فولَّاني، ثم استُخلف عمر فولَّاني، ثم استُخلف عثمان فولَّاني، فلم أل لأحدٍ منهم ولم يولِّني إلا وهو راضٍ عني، وإنما طلب رسول الله - ﷺ - للأعمال أهل الجزاء عن المسلمين والغناء، ولم يطلب لها أهل الاجتهاد والجهل بها والضعف عنها، وإن الله ذو سطوات ونقمات يمكر بمن مكر به، فلا تعرضوا لأمر وأنتم تعلمون من أنفسكم غير ما تظهرون، فإن الله غير تارككم حتى يختبركم ويبدي للناس سرائركم، وقد قال ﷿: ﴿الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾».
[ ٦٧ ]
وكتب معاوية إلى عثمان: «إنه قدم عليَّ أقوامٌ ليست لهم عقولٌ ولا أديان، أثقلهم الإسلام، وأضجرهم العدل، لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة، إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم، وليسوا بالذين ينكون أحدًا إلا مع غيرهم، فانْهَ سَعيدًا ومن قبله عنهم، فإنهم ليسوا لاكثر من شغبٍ أو نكير».
وخرج القوم من دمشق فقالوا: لا ترجعوا إلى الكوفة، فإنهم يشمتون بكم، وميلوا بنا إلى الجزيرة، ودعوا العراق والشام فأووا إلى الجزيرة، وسمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد- وكان معاوية قد ولَّاه حمص وولى عامل الجزيرة حران والرقة- فدعا بهم، فقال: «يا آلة الشيطان، لا مرحبًا بكم ولا أهلًا! قد رجع الشيطان محسورًا وأنتم بعد نشاط، خسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدِّبكم حتى يحسركم، يا معشر من لا أدري أعرب أم عجم، لكي لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم تقولون لمعاوية، أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من قد عجمته العاجمات، أنا ابن فاقئ الردة، والله لئن بلغنى يا صعصعة ابن ذل أن أحدًا ممن معي دقَّ أنفك ثم امصك؛ لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى».
فأقامهم أشهرا كلما ركب أمشاهم، فإذا مر به صعصعة قال: «يا بن الحطيئة، أعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر! ما لك لا تقول كما كان يبلغني أنك تقول لسعيد ومعاوية»! فيقول ويقولون: نتوب إلى الله، أَقِلْنا أقالك الله! فما زالوا به حتى قال: «تاب الله عليكم».
[ ٦٨ ]
وسرح الأشتر إلى عثمان، وقال لهم: «ما شئتم، إن شئتم فاخرجوا، وإن شئتم فأقيموا وخرج الأشتر»، فأتى عثمان بالتوبة والندم والنزوع عنه وعن أصحابه، فقال: سلمكم الله، وقدم سعيد بن العاص، فقال عثمان للأشتر: «احلل حيث شئت»، فقال: مع عبد الرحمن بن خالد؟ وذكر من فضله، فقال: «ذاك إليكم»، فرجع إلى عبد الرحمن (^١).