مع كل ما بذله عثمان - ﵁ - من محاولاتٍ لردِّ هؤلاء الغوغاء والمتمردين عليه، وسلوكه كل سبيلٍ شرعيٍّ متاحٍ لإسكاتهم، ورد شبههم؛ إلا أنَّ الشرَّ كان قد تمكَّن من نفوسهم، وما تفرَّقوا عنه مرة إلا ليجتمعوا عليه أخرى، ولما أحسَّ عثمان بتفاقم الأزمة، أرسل إلى بعض عمَّاله على الأمصار ليستشيرهم، وكان من هؤلاء: معاوية - ﵁ -.
عن محمد بن عبد الله، وطلحة بن الأعلم، وعطية بن الحارث؛ قالوا: «كتب عثمان إلى أهل الأمصار: أما بعد، فإني آخذ العمال بموافاتي في كل موسم، وقد سلَّطتُ الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يرفع علي شيءٌ ولا على أحدٍ من عمالي إلا أعطيته، وليس لي ولعيالي حقٌ قبل الرعية إلا متروكٌ لهم، وقد رفع إلي أهل المدينة أن أقوامًا يُشتمون، وآخرون يُضربون، فيا من ضُرب سرًا، وشُتم سرًا، من ادَّعى شيئًا من ذلك فليوافِ الموسم فليأخذ بحقه حيث كان، مني أو من عمالي، أو تصدقوا فإن الله يجزى المتصدقين، فلما قُرئ في الأمصار أبكى الناس، ودعوا لعثمان وقالوا: إن الأمة لتمخض بشرٍّ.
_________________
(١) إسناده ضعيف: أخرجه الطبري في تاريخه (٤/ ٣١٧ - ٣٢٢، ٤/ ٣٢٨)، وفي سنده سيف بن عمر التميمي، تقدَّم أنه مع ضعفه فهو عمدة في التاريخ، والراوي عنه: شعيب بن إبراهيم، تقدَّم أن فيه جهالة. وقد ذكرها الطبري في تاريخه (٤/ ٣٢٢) بسند آخر مختصرة، لكن في سنده الواقدي، تقدم أنه مع إمامته في المغازي متروك في الحديث.
[ ٦٩ ]
وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه: عبد الله بن عامر، ومعاوية، وعبد الله بن سعد، وأدخل معهم في المشورة سعيدًا وعَمْرًا -هما: ابنا العاص-، فقال: ويحكم! ما هذه الشكاية؟ وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائفٌ أن تكونوا مصدوقًا عليكم، وما يعصب هذا إلا بي، فقالوا له: ألم تبعث؟! ألم نرجع إليك الخبر عن القوم؟! ألم يرجعوا ولم يشافههم أحدٌ بشيء؟! لا والله ما صدقوا ولا بروا، ولا نعلم لهذا الأمر أصلًا، وما كنتَ لتأخذ به أحدًا فيقيمك على شيء، وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها، ولا الانتهاء إليها.
قال: فأشيروا عليَّ، فقال سعيد بن العاص: هذا أمرٌ مصنوعٌ يصنع في السر، فيلقى به غير ذي المعرفة، فيخبر به، فيتحدث به في مجالسهم، قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم.
وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم، فإنه خيرٌ من أن تدعهم.
قال معاوية: قد وليتني فوليت قومًا لا يأتيك عنهم إلا الخير، والرجلان أعلم بناحيتيهما، قال: فما الرأي؟ قال: حسن الأدب، قال: فما ترى يا عمرو؟ قال: أرى أنك قد لِنتَ لهم، وتراخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك، فتشتد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين، إنَّ الشدة تنبغي لمن لا يألو الناس شرًا، واللين لمن يخلف الناس بالنصح، وقد فرشتهما جميعًا اللين.
[ ٧٠ ]
وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه، وقال: كل ما أشرتم به عليَّ قد سمعتُ، ولكل أمر بابٌ يُؤتَى منه، إن هذا الأمر الذي يُخاف على هذه الأمة كائنٌ، وإن بابه الذي يغلق عليه فيُكَفْكَفُ به: اللين والمؤاتاة والمتابعة، إلا في حدود الله تعالى ذكره، التي لا يستطيع أحدٌ أن يبادي بعيب أحدها، فإن سده شيءٌ فرفق، فذاك والله ليفتحن، وليست لأحدٍ عليَّ حجة حق، وقد علم الله أني لم آل الناس خيرًا، ولا نفسي، ووالله إنَّ رحا الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها، كفكفوا الناس، وهَبُوا لهم حقوقهم، واغتفروا لهم، وإذا تُعُوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها» (^١).
وتذكر الرواية نفسها أن: «معاوية قال لعثمان غداة ودَّعه وخرج: يا أمير المؤمنين! انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قِبَلَ لك به، فإن أهل الشام على الأمر لم يزالوا، فقال: أنا لا أبيع جوار رسول الله - ﷺ - بشيء، وإن كان فيه قطع خيط عنقي، قال: فأبعث إليك جندًا منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابتْ المدينة أو إياك، قال: أنا أُقتِّر على جيران رسول الله - ﷺ - الأرزاق بجند تساكنهم، وأضيق على أهل دار الهجرة والنصرة؟! قال: والله يا أمير المؤمنين، لتغتالنَّ أو لتغزينَّ، قال: حسبي الله ونعم الوكيل» (^٢).
ولقد حدث كلُّ ما توقعه معاوية، فجاءت جموع أهل الفتنة لتحاصرَ عثمان - ﵁ - وتغتاله في النهاية. وحين جاء هؤلاء الثوَّار من مختلف الأقاليم لا نجد من بينهم جماعة من أهل الشام (^٣).
_________________
(١) في إسناده مقال: أخرجه الطبري في تاريخه (٤/ ٣٤٢ - ٣٤٣) وفي سنده سيف بن عمر التميمي، تقدَّم الحديث عن إمامته في المغازي، وضعفه في الحديث.
(٢) المصدر السابق.
(٣) عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة للعودة (ص: ١٥٢).
[ ٧١ ]
ومن كل ما سبق نجد أننا أمام والٍ كبيرٍ، يشق طريقه بجدارة من بين الولاة إلى ما هو أبعد من الولاية، فقد استطاع أن يجعل من إقليم الشام الإقليم المهيَّأ لقيادة بقية الأقاليم في الدولة الإسلامية بما عمَّق فيه من حسن الطاعة للقيادة، وبما ثبَّت فيه من دعائم الاستقرار، وقطعه لأسباب الفتنة وعوامل الفرقة فيه، وهذا ما لا نجده في غيره من الأقاليم (^١).
فلما رأى معاوية رفض عثمان لما عرض عليه، لم يملك بعد ذلك إلا أن يوصي الصحابة في المدينة به خيرًا من بعده.
فعن موسى بن طلحة، قال: «أرسل عثمان إلى طلحة يدعوه، فخرجتُ معه حتى دخل على عثمان، وإذ علي وسعد والزبير وعثمان ومعاوية، فحمد الله معاوية وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أنتم أصحاب رسول الله - ﷺ -، وخيرته في الأرض، وولاة أمر هذه الأمة، لا يطمع في ذلك أحدٌ غيركم، اخترتم صاحبكم عن غير غلبةٍ ولا طمع، وقد كبرت سنه، وولى عمره، ولو انتظرتم به الهرم كان قريبا، مع أني أرجو أن يكون أكرم على الله أن يبلغ به ذلك، وقد فشت قالةٌ خِفتُها عليكم، فما عتبتم فيه من شيءٍ فهذه يدي لكم به، ولا تطمعوا الناس في أمركم، فو الله لئن طمعوا في ذلك لا رأيتم فيها أبدًا إلا إدبارًا» (^٢).
ولقد قام الصحابة رضوان الله عليهم بما يمكن أن يقوموا به للدفاع عن عثمان، إلا أن الخليفة الراشد - ﵁ - لم يكن يحب أن تهراق قطرة دم بسببه، فكان يرد من جاء من أصحابه للدفاع عنه، حتى استطاع الثوار المتمردون أن يتسوَّرُوا عليه بيته، ويتكالبوا عليه، ويقتلوه في شهر ذي الحجة، من سنة خمسٍ وثلاثين من الهجرة.
_________________
(١) أثر العلماء في الحياة السياسية لعبد الله الخرعان (ص: ٧٦).
(٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة (٣/ ١٠٩٠)، والطبري في تاريخه (٤/ ٣٤٤)، وفي سنده إسحاق بن يحيى بن طلحة، ضعيف، كما في التقريب (٣٩٠).
[ ٧٢ ]
قال النوويُّ: «وأمَّا عثمان - ﵁ -: فخلافته صحيحة بالإجماع، وقُتِل مظلومًا، وقتلته فسقة لأن موجبات القتل مضبوطة، ولم يَجْرِ منه - ﵁ - ما يقتضيه، ولم يشارك في قتله أحدٌ من الصحابة، وإنما قتله همجٌ ورعاعٌ من غوغاء القبائل، وسفلة الأطراف والأرذال، تحزبوا وقصدوه من مصر، فعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم، فحصروه حتى قتلوه - ﵁ -» (^١).