كان لكثرة القتل الذي وقع في الطرفين، مع الإجهاد والإعياء الذي أصاب الجميع أثرٌ في الوصول إلى وقف القتال، والدعوة إلى التحكيم.
يقول محمد بن سيرين: «بلغ قتلى صفِّين سبعين ألفًا» (^٢).
وقال خليفة بن خيَّاط: «وكان ممن قُتِل مع معاوية: ذو كلاع، وحوشب، وعبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعمرو بن الحضرمي، وحابس بن سعد الطائي، وعروة بن داود الدمشقي، في جماعة كثيرة.
وقُتِل من أصحاب علي: عمار بن ياسر، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعبد الله بن كعب المرادي، وعبد الرحمن بن كلدة الجمحي، في جماعة كثيرة» (^٣).
_________________
(١) البداية والنهاية (١٠/ ٥٤٢ - ٥٤٣).
(٢) إسناده صحيح: أخرجه خليفة بن خياط في تاريخه (ص: ١٩٦).
(٣) تاريخ خليفة بن خياط (ص: ١٩٤).
[ ١٠٢ ]
وعن عبد الرحمن بن أبزي، قال: «شهدنا مع علي ثمان مائة، فاقتتلوا يوم الأربعاء، ويوم الخميس، ويوم الجمعة، وليلة السبت، ثم رفعت المصاحف ودعوا إلى الصلح» (^١).
وكان الداعون إلى التحكيم ووقف القتال: أهلَ الشام، ووافقهم عليٌّ على ما ذهبوا إليه.
فعن حبيب بن أبي ثابت، قال: «أتيتُ أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم عليٌّ بالنهروان، فيما استجابوا له، وفيما فارقوه، وفيما استحل قتالهم، قال: كنا بصفِّين فلما استحرَّ القتل بأهل الشام اعتصموا بتلٍّ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى عليٍّ بمصحف، وادعه إلى كتاب الله، فإنه لن يأبى عليك، فجاء به رجل، فقال: بيننا وبينكم كتاب الله ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله، ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم، وهم معرضون﴾، فقال عليٌّ: نعم أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتاب الله، قال: فجاءته الخوارج، ونحن ندعوهم يومئذ القرَّاء، وسيوفهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما ننتظر بهؤلاء القوم الذين على التلِّ ألا نمشي إليهم بسيوفنا، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فتكلم سهل بن حنيف، فقال: يا أيها الناس اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني الصلح الذي كان بين رسول الله - ﷺ - وبين المشركين، ولو نرى قتالا لقاتلنا» (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف: أخرجه خليفة بن خياط في تاريخه (ص: ١٩٣ - ١٩٤)، وفي سنده عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، مقبول، كما في التقريب (٣٤٢٣).
(٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (١٥٩٧٥)، وهو عند البخاري (٤٨٤٤)، ومسلم (١٧٨٥)، مختصرا عن هذا السياق.
[ ١٠٣ ]
قال الطبريُّ: «فكُتب كتاب القضية بين علي ومعاوية- فيما قيل- يوم الأربعاء، لثلاث عشرة خلت من صفر، سنة سبع وثلاثين من الهجرة، على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في شهر رمضان، مع كل واحد منهما أربعمائة من أصحابه وأتباعه» (^١).