لا يكاد يخلو مصدرٌ من مصادر ترجمته - ﵁ - من ذكر هذه المنقبة له، وهي: أنه كان كاتبًا بين يدي النبي - ﷺ -، بل عدَّ بعضهم هذا من الأمور المتواترة عن معاوية - ﵁ -.
يقول شيخُ الإسلام ابن تيْميَّة: «فإنَّ معاويةَ ثبت بالتواتر أنه أَمَره النبي - ﷺ - كما أمر غيره، وجاهد معه، وكان أمينًا عنده- يكتب له الوحي، وما اتَّهمه النبيُّ - ﷺ - في كتابة الوحي» (^٤).
وفيما يلي بعضُ نصوص العلماء -على اختلاف أزمانهم وأماكنهم- في هذه المسألة:
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٧/ ٤٠).
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (١٧٣٠)، ومسلم (١٢٤٦) -واللفظ له، وليس في رواية البخاري ذكر المروة-. وقد وقع خلاف يسير في إسناد هذا الحديث لا يقدح فيه إن شاء الله، فانظر: علل الدارقطني (٧/ ٥١ - ٥٢). ثم هناك نزاع أشد من ذلك وقع بين العلماء، وهو في تحديد هذا النسك، هل كان عمرة، أم حجًا؟ وإن كان عمرة؛ فهل هي عمرة الجعرانة؟ أم القضاء؟ فانظر في ذلك: شرح النووي على مسلم (٨/ ٢٣١ - ٢٣٢)، فتح الباري (٣/ ٥٦٥ - ٥٦٦).
(٣) منهاج السنة النبوية (٧/ ٤٠).
(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٧٢).
[ ٣٨ ]
قال المعافى بن عمران (^١): «معاوية - ﵁ - كاتبه، وصاحبه، وصهره، وأمينه على وحي الله - ﷿ -» (^٢).
وقال خليفةُ بن خيَّاط: «تسمية من كَتَبَ له - ﷺ -: زيد بن ثابت كاتب الوحي، وقد كتب له معاوية بن أبي سفيان» (^٣).
وقال الإمامُ مُسلمٌ: «أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان، كاتب رسول الله - ﷺ -» (^٤).
وقال الطبريُّ: «ذِكْرُ من كان يكتب لرسول الله - ﷺ -: وكَتَبَ له معاوية بن أبي سفيان» (^٥).
وقال أبو نعيمٍ: «كان من الكَتَبَة الحَسَبَة الفَصَحَة» (^٦).
وقال ابنُ حزمٍ -وهو يتحدَّثُ عن كُتَّابه - ﷺ -: «وكان زيد بن ثابت من ألزم النَّاس لذلك، ثُمَّ تلاه مُعاويةُ بعد الفتح، فكانا مُلازِمَيْن للكتابة بين يديه - ﷺ - في الوحي وغير ذلك، لا عمل لهما غير ذلك» (^٧).
وقال ابنُ عبد البرِّ: «وهو أحد الذين كتبوا لرسول الله - ﷺ -» (^٨).
وقال الخطيبُ البغداديُّ: «واستكتبه النبيُّ - ﷺ -» (^٩).
وقال ابنُ عساكرٍ: «كاتبُ وحي ربِّ العالمين» (^١٠).
_________________
(١) من تلاميذ سفيان الثوري الذين لازموه، وتأدب بآدابه، وكان سفيان يسميه: ياقوتة العلماء، ثقة عابد فقيه، مات سنة خمس -وقيل: ست- وثمانين ومئة. انظر: تهذيب التهذيب (١٠/ ١٩٩).
(٢) إسناده صحيح: أخرجه الآجري في الشريعة (٥/ ٢٤٦٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢٧٨٥).
(٣) تاريخ خليفة بن خياط (ص: ٩٩).
(٤) الكنى والأسماء (٢٠١٣).
(٥) تاريخ الطبري (٣/ ١٧٣).
(٦) معرفة الصحابة (٥/ ٢٤٩٦).
(٧) جوامع السيرة لابن حزم (ص: ٢٦ - ٢٧).
(٨) الاستيعاب (٣/ ١٤١٦).
(٩) تاريخ بغداد (١/ ٢٢٢).
(١٠) تاريخ دمشق (٥٩/ ٥٥).
[ ٣٩ ]
وقال الشيخ عبدُ الله السعد: «وكون معاوية - ﵁ - كاتبًا لرسول الله - ﷺ - أمرٌ مشهورٌ عند أهل العلم، واتِّخاذ سيد الخلق له كاتبًا لوحي الله - ﷿ - منقبةٌ عظيمةٌ لمعاوية - ﵁ -» (^١).
إلا أنه قد رُوي أن كتابته للنبي - ﷺ - كانت خاصة بالمراسلات بينه وبينه العرب، وقد ورد ما يردُّ هذا القول.
قال الذهبيُّ: «وذكر المفضَّل الغلابي: أنَّ زيد بن ثابت كان كاتب وحي رسول الله - ﷺ -، وكان معاوية كاتبه فيما بينه وبين العرب.
كذا قال! وقد صحَّ عن ابن عباس قال: كنت ألعب، فدعاني رسول الله - ﷺ - وقال: ادع لي معاوية، وكان يكتب الوحي (^٢)» (^٣).
ولما نقل ابن تيْميَّة قولَ ابن المطهِّر عن أهل السنة: «وسمُّوه: كاتب الوحي، ولم يكتب له كلمةً من الوحي»؛ أجاب عن ذلك فقال: «فهذا قولٌ بلا حجةٍ، فما الدليلُ على أنه لم يكتب له كلمة واحدة من الوحي، وإنما كان يكتب له الرسائل؟» (^٤).
_________________
(١) فتح الواحد العليِّ في الدفاع عن صحابة النبي - ﷺ - (ص: ٩٥).
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٥١) بلفظ: "وكان كاتبه"، وأما لفظة: "وكان يكتب الوحي" فهي في دلائل النبوة للبيهقي (٦/ ٢٤٣)، وأصل الحديث في مسلم (٢٦٠٤) بدون هذه الزيادة، وسيأتي الكلام عن هذا الحديث -إن شاء الله- في فصل: "شبهات وردود".
(٣) تاريخ الإسلام (٤/ ٣٠٩). ونقله الذهبي أيضا في سير أعلام النبلاء (٣/ ١٢٢) لكنه جعله من قول أبي الحسن الكوفي، فقال: "ونقل المفضل الغلابي، عن أبي الحسن الكوفي"؛ فذكره، ولم يتعقبه الذهبي هناك، وأبو الحسن هذا هو المدائني، فقد نسب ابن حجر هذا القول إليه في الإصابة (٦/ ١٢١)، وقد تقدم الكلام في المدائني. وقد ذكر الذهبي أيضا في الموضع السابق (٣/ ١٢٠) أنه "كتب للنبي - ﷺ - مرات يسيرة"!
(٤) منهاج السنة النبوية (٤/ ٤٢٧).
[ ٤٠ ]
وقال عنه في موطنٍ آخر: «وكان يكتب الوحي، فهو ممن ائتمنه النبيُّ - ﷺ - على كتابة الوحي، كما ائتمن غيره من الصحابة» (^١).
وتذكر إحدى الروايات أن الذي طلب من النبي - ﷺ - استكتاب معاوية هو: والده أبا سفيان.
فعن ابن عباس، قال: «كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي - ﷺ -: يا نبيَّ الله! ثلاثٌ أعطنيهن، قال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها، قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال: نعم، قال: وتؤمِّرني حتى أقاتلَ الكفار كما كنتُ أقاتل المسلمين، قال: نعم» (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق (٧/ ٤٠).
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٠١)، وابن حبان (٧٢٠٩). وقد وقع نزاع بين العلماء حول هذا الحديث، حتى أفرد بعضهم له مصنفا مستقلا، كما ذكر ذلك ابن كثير عن نفسه في البداية والنهاية (١١/ ١٤٦)، وقال النووي في شرحه لمسلم (١٦/ ٦٣ - ٦٤): "واعلم أن هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإشكال، ووجه الإشكال: أن أبا سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وهذا مشهور لا خلاف فيه، وكان النبي - ﷺ - قد تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمان طويل، قال القاضي: والذي في مسلم هنا أنه زوجها أبو سفيان غريب جدا! وخبرها مع أبي سفيان حين ورد المدينة في حال كفره مشهور. ولم يزد القاضي على هذا، وقال ابن حزم: هذا الحديث وهم من بعض الرواة، لأنه لا خلاف بين الناس أن النبي - ﷺ - تزوج أم حبيبة قبل الفتح بدهر وهي بأرض الحبشة وأبوها كافر، وفي رواية عن ابن حزم أيضا أنه قال: موضوع، قال: والآفة فيه من عكرمة بن عمار، الراوي عن أبي زميل، وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح هذا على ابن حزم، وبالغ في الشناعة عليه، قال: وهذا القول من جسارته، فإنه كان هجوما على تخطئة الأئمة الكبار، وإطلاق اللسان فيهم، قال: ولا نعلم أحدا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما، قال: وما توهمه ابن حزم من منافاة هذا الحديث لتقدم زواجها غلط منه وغفلة، لأنه يحتمل أنه سأله تجديد عقد النكاح تطييبا لقلبه، لأنه كان ربما يرى عليها غضاضة من رياسته ونسبه أن تزوج بنته بغير رضاه، أو أنه ظن أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد، وقد خفي أوضح من هذا على أكبر مرتبة من أبي سفيان ممن كثر علمه وطالت صحبته، هذا كلام أبي عمرو، وليس في الحديث أن النبي - ﷺ - جدد العقد، ولا قال لأبي سفيان إنه يحتاج إلى تجديده، فلعله - ﷺ - أراد بقوله: "نعم" أن مقصودك يحصل وإن لم يكن بحقيقة عقد، والله أعلم". وانظر أيضا كلام ابن القيم حول هذا الحديث في زاد المعاد (١/ ١٠٦ - ١٠٨).
[ ٤١ ]
وهذه الرواية -على مافيها من كلام- أصحُّ بكثيرٍ من هذه الروايات الواهية التي ساقها ابن عساكر في ترجمة معاوية - ﵁ - (^١)، والتي في بعضها أنَّ تكليفه بالكتابة جاء بوحيٍ من السماء (^٢)!
_________________
(١) تاريخ دمشق (٥٩/ ٦٨ - ٧٣).
(٢) ومن هذه الروايات الواهية: ما أخرجه الطبراني في الأوسط (١٨٣٨) -ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٦٩) - عن عائشة قالت: "لما كان يوم أم حبيبة من النبي - ﷺ - دق الباب داق، فقال النبي - ﷺ -: «انظروا من هذا» قالوا: معاوية، فقال: «ائذنوا له» ودخل، وعلى أذنه قلم له يخط به، فقال: «ما هذا القلم على أذنك يا معاوية؟» قال: قلم أعددته لله ولرسوله. قال: «جزاك الله عن نبيك خيرا، والله ما استكتبتك إلا بوحي من الله ﷿، وما أفعل من صغيرة ولا كبيرة إلا بوحي من الله ﷿، كيف بك لو قد قمصك الله قميصا؟» يعني: الخلافة. فقامت أم حبيبة: فجلست بين يديه، فقالت: يا رسول الله، وإن الله مقمص أخي قميصا؟ قال: «نعم، ولكن فيه هنات وهنات وهنات». فقالت: يا رسول الله، فادع له. فقال: «اللهم اهده بالهدى، وجنبه الردى، واغفر له في الآخرة والأولى» ". قال الطبراني عقبه: "لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا عبد الله بن يحيى، تفرد به: السري بن عاصم". قلتُ (أحمد): والآفة من السري هذا، فقد وهَّاه ابن عدي، وكذَّبه ابن خراش، وله ترجمة سيئة في لسان الميزان (٤/ ٢٢).
[ ٤٢ ]