كان معاوية مهتما بهؤلاء الذين خرجو على عليٍّ، وقاتلهم يوم النهروان، لعلمه بما قد يسببوه له من اضطرابات ونزاعات.
قال أبو وائل شقيق بن سلمة: «، فرجع الناس، فبايعوا معاوية - ﵁ -، ولم يكن لمعاوية همٌّ إلا الذين بالنهروان فجعلوا يتساقطون عليه فيبايعونه، حتى بقي منهم ثلاثمائة ونيِّف، وهم أصحاب النخيلة» (^٢).
ويبدو أن هذه القلة الباقية، وبعض أتباع لهم أثاروا قلقا، ودخلوا في مناوشات حربية مع معاوية - ﵁ -.
يقول الطبري: «وفيها -أي: في سنة إحدى وأربعين- خرجت الخوارج التي اعتزلت أيام علي - ﵁ - بشهرزور على معاوية» (^٣).
وقال أيضا: «وفي هذه السنة -أي: في سنة اثنتين وأربعين- تحركت الخوارج الذين انحازوا عمن قتل منهم بالنهروان، ومن كان ارتث من جرحاهم بالنهروان فبرءوا، وعفا عنهم علي بن أبي طالب - ﵁ -» (^٤).
وقد كان هؤلاء على ما كانوا عليه في زمن علي - ﵁ -، من تكفير، وقتل، واستباحة للدماء، ولو كان المقتول من أصحاب النبي - ﷺ -!
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٣/ ١٥٧ - ١٥٨).
(٢) إسناده صحيح: أخرجه إسحاق بن راهويه، وابن أبي شيبة في مسنديهما -كما في المطالب العالية (١٨/ ٢١٦) -، وقال الحافظ ابن حجر هناك: "هذا الإسناد صحيح".
(٣) تاريخ الطبري (٥/ ١٦٥).
(٤) تاريخ الطبري (٥/ ١٧٢).
[ ١٦٦ ]
فعن حميد بن هلال، عن عبادة بن قُرْص الليثي - ﵁ -: «أنه أقبل من الغزو، فكان بالأهواز يبيع أثوابا، فسمع أذانا فأقبل نحوه، فإذا هو بالحرورية، فقالوا: من أنت؟ فقال: أخوكم، فقالوا: أنت أخو الشيطان، فلما أرادوا قتله قال: أما ترضون بما رضي النبي - ﷺ - مني؟! أتيته وأنا مشرك فشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ فخلَّى عني، فقتلوه» (^١).
وقد أورد الطبري عدة روايات في تفاصيل خروج هؤلاء على معاوية، ومن تزعَّمهم، ومن قُتل منهم، وكيف أنهم جميعا لم يكونوا في مكان واحد، فبعضهم كان بالكوفة، وبعضهم كان بالبصرة.
إلا أن هذه الروايات -وبكل أسف- ليس فيها ما يصلح الاستشهاد به، وذلك لضعف أسانيدها كلها (^٢)!
وعلى كل حال: فالذي تتفق عليه هذه الروايات: أن معاوية استطاع إخماد كل هذه الحركات، بالاستعانة بولاته في هذا الوقت، فنازلوهم، وقتلوا من قتلوا منهم، وحبسوا من حبسوا، واستخدموا معهم وسائل الشدة والقمع، وفرضوا هيبة الدولة على الجميع (^٣).
_________________
(١) إسناده حسن: أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٩٣ - ٩٤)، وفي سنده ضِرار بن صُرد، صدوق له أوهام وخطأ، كما في التقريب (٢٩٨٢). وانظر الخبر مطولا، وفيه تصالحهم مع معاوية في تاريخ الطبري (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، وسنده ضعيف هناك.
(٢) انظر هذه المرويات في: مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري (ص: ١٤٥ - ١٦٨)، وانظر في نقدها: صحيح وضعيف تاريخ الطبري (٩/ ١٣) فما بعدها.
(٣) انظر أهم الدروس والفوائد في محاربة معاوية للخوارج، في: معاوية بن أبي سفيان للصلابي (ص: ٢٧٦ - ٢٧٩)، وكذلك السمات العامة لحركات الخوارج في نفس الكتاب (ص: ٢٧٩ - ٢٨٠).
[ ١٦٧ ]