تكاد المصادر التاريخية تُجمع على أن القتال بين الطرفين توقَّف، وثمة صلح وتحكيم وقع بينهما، بعد أن استشرى القتل في الفريقين، مع صبر الجميع وشجاعتهم واستبسالهم في القتال.
_________________
(١) هذه الردود مُستفادٌ كثير منها من مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري (ص: ٤٠٤ - ٤١٣)، وقد زاد المؤلِّف وجوها أخر، واقتصرت هنا على أهمها وأقواها. وكذا يُنظر في نقد مرويات التحكيم: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (١/ ٢٠٩ - ٢٣٥)
[ ١١٠ ]
قال ابن كثير: «ورغب أكثر الناس من العراقيين والشاميين بكمالهم إلى المصالحة والمسالمة مدة، لعلهم يتفقون على أمر يكون فيه مصلحةٌ لحقن دماء المسلمين، فإن الناس قد تفانوا في هذه المدة، ولا سيما في هذه الثلاثة الأيام المتأخرة، التي كان آخرها ليلة الجمعة، وهي ليلة الهرير. وقد صبر كل من الجيشين للآخر صبرًا لم يُر مثله، لما كان فيهم من الشجعان والأبطال ما ليس يوجد مثلهم في الدنيا، ولهذا لم يفر أحدٌ عن أحدٍ، بل صبروا حتى قُتل من الفريقين -فيما ذكره غير واحد- سبعون ألفًا (^١) ; خمسة وأربعون ألفًا من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفًا من أهل العراق (^٢).
وكان بينهم في هذه المدة تسعون زحفًا، واختُلف في مدة المقام بصفِّين; فقال سيف: سبعة أشهر، أو تسعة أشهر، وقال أبو الحسن بن البراء: مائة وعشرة أيام.
قلتُ (أي: ابن كثير): ومقتضى كلام أبي مخنف أنه كان من مستهل ذي الحجة في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر، وذلك ثلاثة وسبعون يومًا. فالله أعلم» (^٣).
_________________
(١) صحَّ هذا عن ابن سيرين، كما تقدَّم.
(٢) يُشكِّكُ بعض الباحثين في هذه الأعداد المنقولة للقتلى، ويرون فيها مبالغة غير مقبولة، ومن هؤلاء: د. علي الصلابي، حيث يقول في كتابه سيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان (ص: ١٣٢): "ولا شك أن هذه الأرقام غير دقيقه، بل أرقام خيالية، فالقتال الحقيقي والصدام الجماعي استمر ثلاثة أيام، مع وقف القتال بالليل إلا مساء الجمعة، فيكون مجموع القتال حوالي ثلاثين ساعة، ومهما كان القتال عنيفًا، فلن يفوق شدة القادسية التي كان عدد الشهداء فيها ثمانية الآلف وخمسمائة، وبالتالي يصعب عقلًا أن نقبل تلك الروايات التي ذكرت الأرقام الكبيرة".
(٣) البداية والنهاية (١٠/ ٥٤٩ - ٥٥٠).
[ ١١١ ]
وقال خليفة بن خيَّاط: «كانت وقعة صفِّين يوم الأربعاء، لسبع خلون من صفر، سنة سبع وثلاثين، وكان الصلح ليلة السبت، لعشر خلون من صفر، وفيها اجتمع الحكمان أبو موسى الأشعري من قبل علي، وعمرو بن العاص من قبل معاوية، بدومة الجندل في شهر رمضان، ويقال بأذرح، وهي من دومة الجندل قريب، فبعث علي ابن عباس ولم يحضر، وحضر معاوية، فلم يتفق الحكمان على شيء وافترق الناس» (^١).
بل صحَّ عن أبي صالح ذكوان السمَّان (^٢): «أن عليًَّا قال لأبي موسى: احكم، ولو بحزِّ عنقي» (^٣).
وبعد هذا الاتفاق بين المصادر على التوقف والصلح، لا نكاد نجد آثارًا صحيحة تبين بدقة ما الذي جرى بين الطرفين في هذه الهدنة، وما الذي توصَّلُوا إليه. ولذا وجب التوقف عن التحديث بهذه الروايات المنكرة متونها، الواهية أسانيدها، والتي تطعن في ديانة وأخلاق من زكَّاهم الله ورسوله - ﷺ -.
يقول ابنُ العربيِّ -بعد ردِّه لروايات التحكيم الضعيفة، واعتماده لرواية حُضين بن المنذر التي تقدَّمت-: «فهذا كان بدء الحديث ومنتهاه، فأعرِضوا عن الغاوين، وازجروا العاوين، وعرِّجوا عن سبيل الناكثين، إلى سنن المهتدين، وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين.
_________________
(١) تاريخ خليفة بن خياط (ص: ١٩١ - ١٩٢). وانظر كذلك الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٣٢)، وتاريخ الطبري (٥/ ٦٦ - ٦٧).
(٢) إمام ثقة، وقد شهد الدار زمن عثمان - ﵁ -، كما في ترجمته في التهذيب (٣/ ٢١٩).
(٣) إسناده صحيح إلى أبي صالح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣٧٨٥٣)، ولكن يبقى أن رواية أبي صالح عن علي مرسلة، كما في جامع التحصيل (ص: ١٧٤).
[ ١١٢ ]
وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقد هلك من كان أصحاب النبي - ﷺ - خصمه، ودعوا ما مضى، فقد قضى الله ما قضى، وخذوا لأنفسكم الجد فيما يلزمكم اعتقادًا وعملًا، ولا تسترسلوا بألسنتكم فيما لا يعينكم مع كل ناعق اتخذ الدين هملًا، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا» (^١).
والخلاصة كما قال الطبريُّ: «وفي هذه السنة (^٢) - فيما ذُكر- جرت بين علي وبين معاوية المهادنة- بعد مكاتبات جرت بينهما يطول بذكرها الكتاب- على وضع الحرب بينهما، ويكون لعلي العراق ولمعاوية الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيشٍ، ولا غارةٍ، ولا غزو» (^٣).