كان عليٌّ - ﵁ - يستشعر دنوَّ أجله، لكنه مع ذلك لم يعهد لأحد بالخلافة من بعده، ولم يشر على من حوله بشيء، وإنما تركهم ليختاروا لأنفسهم.
فعن عبد الله بن سبع، قال: «سمعت عليًَّا يقول: لتخضبن هذه من هذا، فما ينتظر بي الأشقى؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، فأخبرنا به نبير عترته، قال: إذا تالله تقتلون بي غير قاتلي، قالوا: فاستخلف علينا، قال: لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله - ﷺ -، قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم» (^١).
ولما أُصيب علي - ﵁ - حاول البعض أن يدفعوه لتوليه ابنه الحسن من بعده؛ فلم يستجب لهم.
يقول الطبريُّ: «وذُكر أن جندب بن عبد الله دخل على عليٍّ فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين، إنْ فقدناك- ولا نفقدك- فنبايع الحسن؟ فقال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر» (^٢).
وبعد دفن عليٍّ، سارع أهل الكوفة لمبايعة ولده الحسن على الخلافة من بعده، وكان ذلك سنة أربعين من الهجرة.
قال الطبري: «وفي هذه السنة- أعني سنة أربعين- بويع للحسن بن على - ﵁ - بالخلافة، وقيل: إن أول من بايعه قيس بن سعد، قال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله - ﷿ -، وسنة نبيه، وقتال المحلين، فقال له الحسن - ﵁ -: على كتاب الله وسنة نبيه، فإن ذلك يأتي من وراء كل شرط، فبايعه وسكت، وبايعه الناس» (^٣).
_________________
(١) صحيح الإسناد إلى ابن سبع: أخرجه أحمد (١٠٨٧)، وثم كلام في توثيق ابن سبع، لا ينزل حديثه عن الحسن إن شاء الله، فانظره مع تتمة تخريج الحديث وشواهده في كلام محققي المسند (٢/ ٣٢٥)، عند حاشية هذا الحديث.
(٢) تاريخ الطبري (٥/ ١٤٦ - ١٤٧).
(٣) تاريخ الطبري (٥/ ١٥٨)، وقد ورد هناك رواية صحيحة الإسناد إلى الزهري تفيد بمبايعة قيس بن سعد له، لكنها من مراسيل الزهري.
[ ١٤٦ ]
بعد أن استتب الأمر للحسن بالكوفة، عزم على التوجه للشام للقاء معاوية ومن ومعه، لكن يبدو أن الحسن - ﵁ - لم يكن ينوي قتالا هذه المرة، وإنما كان ينوي أمرًا آخر لم يتصوره أحد من أتباعه.
وقد وردت بعض الروايات التي تفيد أن الحسنَ راسل معاويةَ ليتفقا على تنازله مقابل شروط يشترطها، وأكثر هذه الشروط حول رغبة الحسن في عرض زائل من أعراض الدنيا! كذا زعموا.
إلا أن هذه الروايات ضعيفة الإسناد (^١)، منكرة المتن، ولا تقاوم الرواية الصحيحة التي فيها نزوع معاوية إلى الصلح، وبدؤه المراسلات مع الحسن لحفظ دماء المسلمين، وزهد الحسن في أمور الدنيا، واقتصاره في طلباته على ما يحتاجه المسلمون، وكذا هو وآل بيته -كما سيأتي لاحقا إن شاء الله-.
يقول الحافظ ابن حجر: «المحفوظ أن معاوية هو الذي بدأ بطلب الصلح» (^٢).