مع إعذار العلماء لمعاوية ومن قاتل معه -كما سيأتي لاحقًا إن شاء الله- إلا أنهم لم يرتضوا منهم هذا التأويل للحديث، ورأوه بعيدًا عن المراد منه، وهذا من الإنصاف.
قال أبو عبد الله القرطبي: «وقد أجاب عليٌّ - ﵁ - عن قول معاوية بأن قال: فرسول الله - ﷺ - إذًا قتل حمزة حين أخرجه، وهذا من علي - ﵁ - إلزامٌ لا جواب عنه، وحجةٌ لا اعتراض عليها. قاله الإمام الحافظ أبو الخطاب بن دحية» (^٢).
وقال ابن تيْميَّة: «وأما الحديث الذي روي عن النبي - ﷺ - أنه قال لعمَّار: تقتلك الفئة الباغية، فبعضهم ضعَّفه، وبعضهم تأوَّله، فقال بعضهم: ما يروى عن معاوية - ﵁ - أنه قال لما ذُكر له هذا الحديث: أونحن قتلناه؟ إنما قتله عليٌّ وأصحابه حيث ألقوه بين أسيافنا.
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه معمر في جامعه (مصنف عبد الرزاق- ٢٠٤٢٧) -ومن طريقه أحمد (١٧٧٧٨)، وأبو يعلى (٧١٧٥)، والحاكم (٢٦٦٣) -.
(٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ١٠٨٩).
[ ٩٨ ]
ورُوي عن علي - ﵁ - أنه ذُكر له هذا التأويل، فقال: فرسول الله - ﷺ - وأصحابه يكونون حينئذ قد قتلوا حمزة وأصحابه يوم أحد؛ لأنه قاتل معهم المشركين.
وهذا القول لا أعلم له قائلًا من أصحاب الأئمة الأربعة ونحوهم من أهل السنة، ولكن هو قول كثير من المروانية ومن وافقهم» (^١).
وقال أيضًا: «ويُروى أن معاوية تأوَّل أن الذي قتله هو الذي جاء به دون مقاتليه، وأن عليًَّا ردَّ هذا التأويل بقوله: فنحن إذًا قتلنا حمزة. ولا ريب أن ما قاله علي هو الصواب» (^٢).
وقال ابن القيِّم: «نعم، التأويل الباطل تأويل أهل الشام قوله لعمَّار: تقتلك الفئة الباغية، فقالوا: نحن لم نقتله، إنما قتله من جاء به حتى أوقعه بين رماحنا! فهذا هو التأويل الباطل المخالف لحقيقة اللفظ وظاهره، فإن الذي قتله هو الذي باشر قتله لا من استنصر به، ولهذا ردَّ عليهم من هو أولى بالحق والحقيقة منهم؛ فقالوا: فيكون رسول الله - ﷺ - وأصحابه هم الذين قتلوا حمزة والشهداء معه، لأنهم أتوا بهم حتى أوقعوهم تحت سيوف المشركين» (^٣).
وقال ابن كثير: «فقول معاوية: إنما قتله من قدمه إلى سيوفنا؛ تأويلٌ بعيدٌ جدًا، إذ لو كان كذلك لكان أمير الجيش هو القاتل للذين يقتلون في سبيل الله، حيث قدَّمهم إلى سيوف الأعداء» (^٤).
ولعلَّ من أقوى ما يردُّ هذا التأويل: فهمَ عبد الله بن عمرو بن العاص للحديث كما فهمه عليٌّ وأصحابه، مع أنه لم يكن في جيشهم.
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٧٧).
(٣) الصواعق المرسلة (١/ ١٨٤ - ١٨٥).
(٤) البداية والنهاية (٩/ ١٩٦).
[ ٩٩ ]
فعن حنظلة بن خويلد العنبري، قال: «بينما أنا عند معاوية، إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمَّار، يقول: كل واحد منهما أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطِبْ به أحدكما نفسًا لصاحبه، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: تقتله الفئة الباغية، قال معاوية: فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: أطع أباك ما دام حيا، ولا تعصه. فأنا معكم ولست أقاتل» (^١).
فعبد الله بن عمرو مع كونه مع أبيه عمرو ومعاوية، إلا أنه لم يرتضِ تأويل معاوية، وأجرى الحديث على ظاهره، مُقِرًَّا بأن من باشر القتل هو الباغي.
ولكن ثمَّ تأويلٌ آخر، لعل له وجهًا وحظًَّا من النظر، ذكره شيخ الإسلام ابن تيْميَّة، وهو قوله:
«ثم (إنَّ عمَّارا تقتله الفئة الباغية) ليس نصًا في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه، بل يمكن أنه أُريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته، وهي طائفة من العسكر، ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها. ومن المعلوم أنه كان في العسكر من لم يرض بقتل عمَّار: كعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيره؛ بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمَّار، حتى معاوية، وعمرو» (^٢).