بعد تنازل الحسن ومبايعته لعلي، تتابعت بيعة الصحابة والتابعين له في هذا الزمان، وسُمِّي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الناس على معاوية، واتفاقهم، وانقطاع الحرب.
قال الأوزاعي: «أدركَتْ خلافة معاوية عِدَّةٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ -؛ منهم: سعد، وأسامة، وجابر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد، ورافع بن خديج، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، ورجال أكثر ممن سميت بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى، وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، وأخذوا عن رسول الله - ﷺ - تأويله، ومن التابعين لهم بإحسان إن شاء الله، منهم: المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد غوث، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن محيريز في أشباه لهم، لم ينزعوا يدا عن مجامعة في أمة محمد - ﷺ -» (^١).
وقال ابن حزم: «بُويع الحسن، ثم سلَّم الأمر إلى معاوية، وفي بقايا الصحابة من هو أفضل منهما بلا خلاف ممن أنفق قبل الفتح وقاتل، فكلهم أولهم عن آخرهم بايع معاوية ورأى إمامته» (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (ص: ١٩٠).
(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١٢٧).
[ ١٥٦ ]
وقال ابن بطَّال: «سلَّم الحسن لمعاوية الأمر، وبايعه على السمع والطاعة على إقامة كتاب الله وسنة نبيه، ثم دخلا الكوفة، فأخذ معاوية البيعة لنفسه على أهل العراقين، فكانت تلك السنة سنة الجماعة، لاجتماع الناس واتفاقهم وانقطاع الحرب، وبايع معاويةَ كلُّ من كان معتزلا عنه، وبايعه سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وتباشر الناس بذلك، وأجاز معاوية الحسن بن علي بثلاثمائة ألف، وألف ثوب، وثلاثين عبدًا، ومائة جمل، وانصرف الحسن بن علي إلى المدينة، وولَّى معاوية الكوفة: المغيرة بن شعبة، وولَّى البصرة: عبد الله بن عامر، وانصرف إلى دمشق، واتخذها دار مملكته» (^١).
قلتُ (أحمد): وقد اختلف المؤرِّخون في تحديد موعد الصلح وعام الجماعة، والأشهر أنه كان سنة إحدى وأربعين.
قال خليفة بن خيَّاط -عن سنة إحدى وأربعين-: «فيها سنة الجماعة، اجتمع الحسن بن علي بن أبي طالب ومعاوية، فاجتمعا بمسكن من أرض السواد ومن ناحية الأنبار، فاصطلحا، وسلَّم الحسن بن علي إلى معاوية، وذلك في شهر ربيع الآخر، أو في جمادى الأولى، سنة إحدى وأربعين» (^٢).
وأسند الطبري إلى علي بن محمد المدائني أنه قال: «سلم الحسن بن على - ﵁ - إلى معاوية الكوفة، ودخلها معاوية لخمس بقين من ربيع الأول، ويقال من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين» (^٣).
قال الطبري: «وقيل: إن الصلح تم بين الحسن - ﵁ - ومعاوية في هذه السنة -إحدى وأربعين- في شهر ربيع الآخر، ودخل معاوية الكوفة في غرة جمادى الأولى من هذه السنة، وقيل: دخلها في شهر ربيع الآخر، وهذا قول الواقدى» (^٤).
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٨/ ٩٧).
(٢) تاريخ خليفة بن خياط (ص: ٢٠٣).
(٣) إسناده صحيح إلى المدائني: أخرجه الطبري في تاريخه (٥/ ١٦٣).
(٤) تاريخ الطبري (٥/ ١٦٤ - ١٦٥).
[ ١٥٧ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «كان إصلاح ابن رسول الله - ﷺ - الحسن بن علي السيد بين فئتين من المؤمنين بنزوله عن الأمر عام إحدى وأربعين، في شهر جمادى الأولى، وسُمِّي: عام الجماعة لاجتماع الناس على معاوية» (^١).
وذهب آخرون إلى أنها كانت سنة أربعين.
قال أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي: «بويع معاوية سنة أربعين، وهو عام الجماعة» (^٢).
وقال ابن كثير: «المشهور أن مبايعة الحسن لمعاوية كانت في سنة أربعين، ولهذا يُقال له: عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على معاوية، والمشهور عند ابن جرير وغيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة إحدى وأربعين» (^٣).