ليس غائبًا عن نظر متصفِّح لتاريخ المسلمين في زمن عثمان - ﵁ - ما وصلت إليه حدود بلاد المسلمين، واتساع رقعة الدولة الإسلامية في عهده، وقد كان لمعاوية - ﵁ - من تلك الفتوحات سهمٌ مشهور. وفيما يلي سردٌ لأهم ما وقفنا عليه من غزواتٍ وفتوحاتٍ على يديه، وتاريخها:
١ - صدُّه الروم عن بلاد الشام، وتقدُّمه إلى بلادهم بعد وصول مددٍ إليه بأمر من الخليفة، فأصاب المسلمون ما شاؤوا من سبي، وملؤوا أيديهم من المغنم، وافتتحوا بها حصونًا كثيرة، سنة أربع وعشرين (^٢).
٢ - فتح الحصون، سنة خمس وعشرين (^٣).
٣ - غزوه قنسرين، سنة سبع وعشرين (^٤).
٤ - فتح قُبْرُس، وغَزْو البحر:
مرَّ بنا آنفًا أنَّ بعض الروايات ذكرتْ استئذان معاويةَ عُمَرَ في غزو البحر، وأنَّ هذا الطلب قُوبل بالرفض، إلا أنَّ الفكرة لم تفارق ذهن معاوية، بل ظلَّت ماثلةً في عقله، يترقَّب فرصةً سانحةً لإخراجها مرةً أخرى، وقد واتته تلك الفرصة في عهد عثمان، خاصةً بعد ما زادت ثقة عثمان به، وجمع له الشام كلها وجعلها تحت إمرته.
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٧/ ٤٠٦)، وانظر: تاريخ دمشق (٥٩/ ١١٦).
(٢) تاريخ الطبري (٤/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
(٣) المصدر السابق (٤/ ٢٥٠).
(٤) المصدر السابق (٤/ ٢٥٧).
[ ٥٨ ]
عن خالد بن معدان، قال: «أوَّلُ من غزا في البحر معاوية بن أبي سفيان زمان عثمان بن عفان، وقد كان استأذن عمر فيه فلم يأذن له، فلما ولي عثمان لم يزل به معاوية حتى عزم عثمان على ذلك بآخرة، وقال: لا تنتخب الناس، ولا تقرع بينهم، خيِّرهم، فمن اختار الغزو طائعًا فاحمله وأعنه، ففعل واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الجاسي حليف بني فزارة، فغزا خمسين غزاة من بين شاتية وصائفة في البحر، ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب، وكان يدعو الله أن يرزقه العافية في جنده، وألا يبتليه بمصاب أحد منهم، ففعل» (^١).
وقال أنسُ بنُ مالك: « أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية» (^٢).
ونقل الحافظُ ابنُ حجرٍ أنَّ: «معاوية أول من ركب البحر للغزاة، وذلك في خلافة عثمان» (^٣).
وقد غزا هذه الغزوة مع معاوية - ﵁ - جماعةٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ -؛ فيهم: أبو ذرٍّ، وعُبادة بن الصامت، ومعه زوجته أمُّ حَرَام، والمقداد، وأبو الدرداء، وشدَّاد بن أوس (^٤).
وبعد أن تمَّ لمعاوية الظفر على أهل قُبرس، صالحهم على جزيةٍ سنويةٍ، وشروط اشترطها عليهم.
_________________
(١) في إسناده مقال: أخرجه الطبري في تاريخه (٤/ ٢٦٠ - ٢٦١) وفي سنده سيف بن عمر التميمي، تقدَّم أنه مع ضعفه فهو عمدة في التاريخ، والراوي عنه: شعيب بن إبراهيم، تقدَّم أن فيه جهالة.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٢٧٩٩) -واللفظ له- ومسلم (١٩١٢).
(٣) فتح الباري (٦/ ٧٧).
(٤) تاريخ الطبري (٤/ ٢٦٠).
[ ٥٩ ]
فعن سليمان بن أبي كريمة، والليث بن سعد: «أنَّ صلح قبرس وقع على جزية سبعة آلاف دينار يؤدونها إلى المسلمين في كل سنة، ويؤدون إلى الروم مثلها، ليس للمسلمين أن يحولوا بينهم وبين ذلك، على ألا يغزوهم، ولا يقاتلوا من وراءهم ممن أرادهم من خلفهم، وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم إليهم، وعلى أن يبطرق إمام المسلمين عليهم منهم» (^١).
وقد اختلف العلماء في تحديد زمن هذه الغزوة على عدَّة أقوال:
القول الأول: أنها كانت في سنة خمسٍ وعشرين.
قال يزيد بن عبيدة بن أبي المهاجر: «غزا معاوية بن أبي سفيان قبرس سنة خمس وعشرين» (^٢).
القول الثاني: أنها كانت في سنة سبعٍ وعشرين.
قال الحافظ ابن حجرٍ: «وأرَّخها يعقوب بن سفيان في المحرم سنة سبع وعشرين، قال: كانت فيه غزاة قبرس الأولى» (^٣).
وقد ذكر الطبريُّ هذا القول، ولم يسمِّ قائله (^٤). واختاره ابن كثير (^٥).
القول الثالث: أنها كانت في سنة ثمانٍ وعشرين.
وهو قول الواقدي (^٦)، وخليفة بن خيَّاط (^٧)، واختاره الطبريُّ (^٨).
وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ: «وأرَّخها في سنة ثمان وعشرين غير واحد، وبه جَزَمَ ابنُ أبي حاتم» (^٩).
ثم ذكر باقي الأقوال، ورجَّح هذا القول، وقال: «هو أصحُّ» (^١٠).
القول الرابع: أنها كانت في سنة ثلاث وثلاثين.
_________________
(١) إسناده صحيح إلى سليمان والليث: أخرجه الطبري في تاريخه (٤/ ٢٦٢)، ويبقى النظر فيما وراء سليمان والليث من رجال لم يُذكروا.
(٢) إسناده صحيح إلى يزيد: أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (ص: ١٨٤).
(٣) فتح الباري (١١/ ٧٥).
(٤) تاريخ الطبري (٤/ ٢٥٧)، حيث قال: "وقال بعضهم".
(٥) البداية والنهاية (١١/ ٣٩٩).
(٦) تاريخ الطبري (٤/ ٢٥٧، ٢٦٢).
(٧) تاريخ خليفة بن خياط (ص: ١٦٠).
(٨) تاريخ الطبري (٤/ ٢٥٧).
(٩) فتح الباري (١١/ ٧٥).
(١٠) المصدر السابق (١١/ ٧٦).
[ ٦٠ ]
وقد نُسب هذا القول إلى أبي مَعْشَر المدني نَجيح بن عبد الرحمن (^١).
وعلى كل حال، فمهما كان الراجح في هذه الأقوال، فكلها متفقةٌ على أنَّ تلك الغزوة وقعت في زمن عثمان بن عفان - ﵁ -، وأن أميرها كان معاوية - ﵁ -.
قال الحافظ ابن حجر: «فتحصَّلنا على ثلاثة أقوال (^٢)، والأول أصحّ، وكلها في خلافة عثمان أيضًا، لأنه قُتل في آخر سنة خمسٍ وثلاثين» (^٣).
٥ - غزوة المضيق - يعني: مضيق القسطنطينية-، سنة ثنتين وثلاثين (^٤).
٦ - غزوه ملطية.
٧ - غزوه أفريقية.
٨ - غزوه حصن المرأة من أرض الروم.
وهذه الثلاث الأخيرة كانت في سنة ثلاثٍ وثلاثين (^٥).