لما استشعر معاوية - ﵁ - دُنوَّ أجله، خطب الناس، فوعظهم وذكَّرهم، وكذلك أوصى ولده يزيد، وأعلمه ما يصنع عند موته.
فعن ثمامة بن كلثوم: «أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس، إني من زَرْعٍ قد استحصد، وإني قد وليتكم، ولن يليكم أحد بعدي إلا من هو شر مني، كما كان من وليكم قبلي خيرا مني، ويا يزيد! إذا وفى أجلي فول غسلي رجلا لبيبا، فإن اللبيب من الله بمكان، فلينعم الغسل وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب رسول الله - ﷺ -، وقراضة من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفي وفمي وأذني وعيني، واجعل الثوب يلي جلدي دون أكفاني، ويا يزيد! احفظ وصية الله في الوالدين، فإذا أدرجتموني في جريدتي، ووضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية وأرحم الراحمين» (^١).
وقد أصابت معاوية - ﵁ - لقوة (^٢) في آخر عمره، فكان يستر وجهه، ويقول: «رحم الله عبدا دعا لي بالعافية، فقد رُميت في أحسني وما يبدو مني» (^٣).
لكن يبدو أن هناك إصابة أخرى أقعدته في بيته، وهي أشبه ما تكون بقرحة ظهرت في جنبه، فكانت بسببها وفاته.
فعن أبي بردة، قال: «دخلتُ على معاوية حيث أصابته قرحته، فقال: هلم يا بن أخي نحوي فانظر، فنظرت فإذا هي قد سبرت، فقلت: ليس عليك بأس يا أمير المؤمنين، فدخل يزيد، فقال معاوية: إن وليت من أمر الناس شيئا فاستوص بهذا، فإن أباه كان لي خليلا -أو: نحو ذلك من القول- غير أني رأيت في القتال ما لم يره» (^٤).
_________________
(١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٦٥)، وثمامة هذا قال عنه الذهبي في الميزان (١/ ٣٧٢): "لا يُعرف".
(٢) اللقوة: داء في الوجه.
(٣) معرفة الصحابة (٥/ ٢٤٩٦)، تاريخ دمشق (٥٩/ ٢١٤)، البداية والنهاية (١١/ ٣٩٧).
(٤) إسناده صحيح: أخرجه الطبري في تاريخه (٥/ ٣٣٢).
[ ٢٠٧ ]
وعن محمد بن سيرين قال: «أخذت معاوية قِرَّة (^١)، واتخذ لُحَفًا خِفافا، فكانت تلقى عليه، فلا يلبث أن ينادي بها، فإذا أخذت عنه سأل أن ترد عليه، فقال: قبحك الله دارا، مكثت فيك عشرين سنة أميرا، وعشرين سنة خليفة، ثم صرت إلى ما أرى» (^٢).
وقال ابن كثير: «وذكروا أنه في آخر عمره اشتد به البرد، فكان إذا لبس أو تغطى بشيء ثقيل يغمه، فاتخذ له ثوب من حواصل الطير (^٣)، ثم ثقل عليه بعد ذلك، فقال: تبا لك من دار، ملكتك أربعين سنة; عشرين أميرا، وعشرين خليفة، ثم هذا حالي فيك، ومصيري منك، تبا للدنيا ومحبيها» (^٤).
وقد أثَّر المرض فيه، حتى ذبل جسمه، وشحب لونه، وأصبح حاله لا يخفى على زائره وناظره.
_________________
(١) القِرَّة: ما يصيب الإنسان وغيره من البرد، وسيأتي في رواية أخرى: "قرحة" بدلا من قرة.
(٢) في سنده ضعف: أخرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٦١)، وفي سنده يوسف بن عبدة، ليِّن الحديث، كما في التقريب (٧٨٧١)، وقد أخرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٣٠١) من طريق يوسف بن عبدة أيضا، لكنه جعله عن ثابت البناني، بدلا من ابن سيرين؛ بلفظ: "لما كبر معاوية خرجت له قرحة في ظهره، فكان إذا لبس دثارا ثقيلا - والشام أرض باردة - أثقله ذلك وغمه؛ فقال: اصنعوا لي دثارا خفيفا دفيئا من هذه السخال، فصنع له، فلما ألقي عليه تسار إليه ساعة، ثم غمه، فقال: جافوه عني، ثم لبسه، ثم غمه فألقاه، ففعل ذلك مرارا ثم قال: قبحك الله من دار، ملكتك أربعين سنة، عشرين خليفة، وعشرين أميرا، ثم صيرتني إلى ما أرى، قبحك الله من دار".
(٣) الحواصل: جمع حوصلة، وهي للطائر بمنزلة المعدة للإنسان.
(٤) البداية والنهاية (١١/ ٤٥٥).
[ ٢٠٨ ]
فعن قيس بن أبي حازم قال: «دخلنا على معاوية في مرضه الذي مات فيه، وكأن ذراعيه سعفتان (^١) محترقتان، فقال: إنكم تقلبون غدا فتى حُوَّلا قُلَّبا (^٢). وأيُّ فتى أهلِ بيتٍ إن نجا غدا من النار؟» (^٣).
وعن عبد الملك بن عمير قال: «دخل عمرو بن سعيد على معاوية في مرضه، فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد انخرط (^٤) أنفك، وذبلت شفتاك، وتغير لونك، وما رأيت أحدا من أهل بيتك في مثل حالك إلا ما ترى! فقال معاوية:
فإن الموت لم يَخْلُق جديدا (^٥) ولا هَضْبا (^٦) تُوَقِّلُه (^٧) الوِبَارُ (^٨)
ولكن كالشهاب يضي ويخبو وحادي الموت عنه ما يُحار
فهل من خالد إما هلكنا وهل بالموت يا للناسِ عار» (^٩).
_________________
(١) السَّعف: ورق النخل اليابس.
(٢) رجل حُوَّل قُلَّب: محتال بصير بتقليب الأمور.
(٣) إسناد لا بأس به: أخرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٥٥)، وفي سنده النضر بن إسماعيل، قال عنه الإمام أحمد -كما في ترجمته في تهذيب الكمال (٢٩/ ٣٧٤) -: "قد كتبنا عَنْه، ليس بقوي، يعتبر بحديثه، ولكن ما كَانَ من رقائق". وقد أخرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٥٤) من طريق آخر، بلفظ: "أخرج معاوية ذراعيه كأنهما عسيبا نخل، ثم قال: ما الدنيا إلا ما ذقنا وجربنا، والله لوددت أني لم أغبر فيكم ثلاثا حتى ألحق بالله، قالوا: يا أمير المؤمنين! إلى رحمة الله وإلى رضوانه، قال: إلى ما شاء الله، قد علم الله أني لم آل، وما أنا إن يُغَيِّر غَيَّر".
(٤) انخرط: نَحُف.
(٥) في تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٢١): "فإن المرء لم يُخلق حديدا".
(٦) الهضْب: جمع هضبة، وهضب الرجل هضبا: مشى مشية البليد من الدواب.
(٧) توقّل في الجبل: صعَّد فيه.
(٨) الوبار: جمع وبْر، وهو حيوان في حجم الأرنب، قصير الذنب، يحرك فكه السفلي كأنه يجتر.
(٩) إسناده صحيح إلى عبد الملك: أخرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٦٠).
[ ٢٠٩ ]
وعن محمد بن عقبة قال: «لما نزل بمعاوية الموت قال: ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى، وأني لم أل من هذا الأمر شيئا» (^١).