لما كان أهل الشورى الذين سمَّاهم عمر قد آل أمر الاختيار بينهم إلى رجلين: عثمان وعليّ، ولما استقر الأمر على تقديم عثمان، ولما كان عثمان قد قُتِل غدرا دون أن يَستخلف؛ كان الترتيب المنطقي أن تؤول الخلافةُ إلى عليِّ بن أبي طالب، فقد كان هو أحقَّ الناس بها في ذلك الوقت، ولذا بايعه الصحابة.
قال الزهريُّ: «لما قُتِل عثمان: برز عليُّ بن أبي طالب للناس ودعاهم إلى البيعة، فبايعه الناس ولم يعدلوا به طلحة ولا غيره، وهذا لأن سائر من بقي من أصحاب الشورى كانوا قد تركوا حقوقهم عند بيعة عثمان، فلم يبق أحدٌ منهم لم يترك حقه إلا علي، وكان قد وفَّى بعهد عثمان حتى قُتل، وكان أفضل من بقي من الصحابة، فلم يكن أحدٌ أحقَّ بالخلافة منه، ثم لم يستبدَّ بها مع كونه أحق الناس بها حتى جرت له بيعة، وبايعه مع سائر الناس من بقي من أصحاب الشورى» (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف: أخرجه الطبري في تاريخه (٤/ ٥٦٢) وفي سنده سيف بن عمر التميمي، تقدَّم الحديث عن إمامته في المغازي، وضعفه في الحديث.
(٢) إسناده حسن إلى الزهري: أخرجه البيهقي في الاعتقاد (ص: ٣٧٠ - ٣٧١).
[ ٧٤ ]
وقال الحافظ ابن حجر: «وكانت بيعةُ عليٍّ بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر، وكتب بيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام، فكان بينهم بعد ما كان» (^١).
ولا يُفهم من هذا الكلام أن معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام امتنعوا عن مبايعة علي لأنهم يرون معاوية أو غيره أحق بالخلافة، لا، ولكنهم أرادوا الثَّأر أَوَّلًا لدم عثمان قبل مبايعة علي، خاصة معاوية، فهو ابن عم عثمان، ويرى أنه أحق من يطالب بدمه لأنه وليه، ومن هنا نشأ الخلاف، وشبَّت الفتنة بين علي ومعاوية.
عن عُبيد بن أبي أمية الإيادي، قال: «جاء أبو مسلم الخولاني وأناس معه إلى معاوية، فقالوا له: أنت تنازع عليًَّا! أم أنت مثله؟ فقال معاوية: لا والله، إني لأعلم أن عليًَّا أفضل مني، وأنه لأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أنَّ عثمان قُتل مظلومًا؟ وأنا ابن عمه، وإنما أطلب بدم عثمان، فائتوه فقولوا له، فليدفع إليَّ قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا عليًَّا فكلموه بذلك؛ فلم يدفعهم إليه» (^٢).
_________________
(١) فتح الباري (٧/ ٧٢).
(٢) إسناده صحيح إلى عبيد: أخرجه يحيى بن سليمان الجعفي في كتاب صفِّين - كما في فتح الباري (١٣/ ٨٦) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ١٣٢)، وحكم الحافظ ابن حجر على إسناده بأنه جيِّد.
[ ٧٥ ]
ويقول شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «لما طلب علي من معاوية ورعيته أن يبايعوه امتنعوا عن بيعته، ولم يبايعوا معاوية، ولا قال أحد قط: إن معاوية مثل علي، أو إنه أحق من علي بالبيعة، بل الناس كانوا متفقين على أنَّ عليًَّا أفضل وأحق، ولكن طلبوا من عليٍّ أن يقيم الحد على قتلة عثمان، وكان عليٌّ غيرَ متمكن من ذلك لتفرق الكلمة وانتشار الرعية وقوة المعركة لأولئك، فامتنع هؤلاء عن بيعته، إمَّا لاعتقادهم أنه عاجز عن أخذ حقهم، وإما لتوهمهم محاباة أولئك، فقاتلهم عليٌّ لامتناعهم من بيعته، لا لأجل تأمير معاوية» (^١).
وقال في موطن آخر: «وكذلك معاوية لم يبايعه أحد لما مات عثمان على الإمامة، ولا حين كان يقاتل عليًَّا بايعه أحد على الإمامة، ولا تسمَّى بأمير المؤمنين، ولا سمَّاه أحدٌ بذلك، ولا ادَّعى معاوية ولاية قبل حكم الحكمين.
وعليٌّ يسمي نفسه أمير المؤمنين في مدة خلافته، والمسلمون معه يسمونه أمير المؤمنين. لكن الذين قاتلوه مع معاوية ما كانوا يقرون له بذلك، ولا دخلوا في طاعته، مع اعترافهم بأنه ليس في القوم أفضل منه، ولكن ادعوا موانع تمنعهم عن طاعته.
ومع ذلك فلم يحاربوه، ولا دعوه وأصحابه إلى أن يبايع معاوية، ولا قالوا: أنت وإن كنت أفضل من معاوية لكنَّ معاوية أحق بالإمامة منك، فعليك أن تتبعه وإلا قاتلناك» (^٢).
_________________
(١) جامع المسائل لابن تيمية (٦/ ٢٦٣ - ١٦٤). وانظر كذلك: مجموع الفتاوى له (٣٥/ ٧٢ - ٧٣)، والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٤/ ١٢٤)، والصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة لابن حجر الهيتمي (٢/ ٦٢٢).
(٢) منهاج السنة النبوية (٦/ ٣٣٠ - ٣٣١).
[ ٧٦ ]
وقال ابنُ حجرٍ الهيتمي: «ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين علي ومعاوية -﵄- من الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة؛ للإجماع على أحقيتها لعلي، فلم تهج الفتنة بسببها، وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من عليٍّ تسليم قتلة عثمان إليهم، لكون معاوية ابن عمه فامتنع عليٌّ، ظنًَّا منه أن تسليمهم إليهم على الفور -مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بعسكر علي- يؤدي إلى اضطرابٍ وتزلزلٍ في أمر الخلافة التي بها انتظام كلمة أهل الإسلام، سيما وهي في ابتدائها لم يستحكم الأمر فيها، فرأى علي - ﵁ - أن تأخير تسليمهم أصوب، إلى أن يرسخ قدمه في الخلافة، ويتحقق التمكن من الأمور فيها على وجهها، ويتم له انتظام شملها، واتفاق كلمة المسلمين، ثم بعد ذلك يلتقطهم واحدًا فواحدًا ويسلمهم إليهم» (^١).
وبهذا يتبين نكارة كثير من الروايات -فضلًا عن وهاء سندها- التي تُصوِّر معاوية - ﵁ - محاربًا لأجل الخلافة والولاية، وأنَّ الأمر دائرٌ صراعه، وقائمةٌ حروبه وخلافاته على أمرٍ دنيويٍّ، وليس عن اجتهاد شرعي، يبغي كل طرف فيه الوصول إلى الحق الذي ينشده، وفيما يلي -بإذن الله- مزيد بيان لأحوال الصحابة والناس في تلك الفتنة.