على نفس منوال أبي بكر - ﵁ - في استعمال معاوية - ﵁ - في الغزو والجهاد، نَسَجَ الخليفة الجديد عمر - ﵁ -، وفي المقابل: فإن معاوية لم يألُ جهدًا في خلافة عمر في السمع والطاعة، والبذل والحركة، وساعده على ذلك ما كان فيه من نشاط الشباب وحماسه.
ففي سنة خمس عشرة من الهجرة (^٢)،
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ٣٧٣).
(٢) هكذا أرَّخ لها الطبري، لكن خالفه غيره، فنقل ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١٤١٧) -بسند صحيح- عن الوليد بن مسلم أن فتح قيسارية على يد معاوية كان في العام التاسع عشر للهجرة، ونقل مثله أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (ص: ١٧٩) عن أحمد بن حنبل، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ١١٥ - ١١٦) عن الليث بن سعد، فالله أعلم بالصواب. ثم وجدتُ الطبري في موضع آخر (٤/ ١٠٢) ذكر خلافا أوسع من ذلك، فقال: "وقال أبو معشر: كان فتح قيسارية في هذه السنة- أعني سنة تسع عشرة- وأميرها معاوية بن أبي سفيان. وكالذي قال أبو معشر في ذلك قال الواقدي. وأما ابن إسحاق فإنه قال: كان فتح قيسارية من فلسطين وهرب هرقل وفتح مصر في سنة عشرين. وأما سيف بن عمر فإنه قال: كان فتحها في سنة ست عشرة".
[ ٤٧ ]
بعث عمر - ﵁ - إلى يزيد بن أبي سفيان أن يُسرِّح معاوية إلى قيسارية، وأرسل إلى معاوية بكتابٍ، جاء فيه: «أما بعد، فإنِّي قد ولَّيتُك قيسارية، فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول: لا حول ولا قوَّة إلا بالله، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا، نعم المولى ونعم النصير».
وامتثل معاوية - ﵁ -، وسار في جنده حتى نزل على أهل قيسارية، وعليهم أبنى، فهزمه وحصره في قيسارية، ثم إنَّهم جعلوا يزاحفونه، وجعلوا لا يزاحفونه من مرة إلا هزمهم وردَّهم إلى حصنهم، ثم زاحفوه آخر ذلك، وخرجوا من صياصيهم، فاقتتلوا في حفيظة واستماتة، فبلغت قتلاهم في المعركة ثمانين ألفًا، وكملها في هزيمتهم مائة ألف، وبعث بالفتح مع رجلين من بني الضبيب، ثم خاف منهما الضعف، فبعث عبد الله بن علقمة الفراسي، وزهير بن الحلاب الخثعمي، وأمرهما أن يتبعاهما ويسبقاهما، فلحقاهما، فطوياهما وهما نائمان.
وانتهى بريد معاوية إلى عمر بالخبر، فجمع الناس وأباتهم على الفرح ليلًا، فحمد الله وقال: لتحمدوا الله على فتح قيسارية، وجعل معاوية قَبْل الفتح وبعده يحبس الأسرى عنده، ويقول: ما صنع ميخائيل بأسرانا صنعنا بأسراهم مثله، ففطمه عن العبث بأسرى المسلمين حتى افتتحها» (^١).
وفي سنة سبع عشرة أمَّر عمرُ معاويةَ على الأردن (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف: أخرجه الطبري في تاريخه (٣/ ٦٠٣ - ٦٠٤)، وفي سنده سيف بن عمر التميمي، تقدَّم أنه مع ضعفه فهو عمدة في التاريخ، كما أن في السند انقطاعًا بين الطبري وسيف.
(٢) تاريخ الطبري (٤/ ٦٧).
[ ٤٨ ]