ثمَّ روايات تفيد أن معاوية - ﵁ - أوصى عند موته ابنه يزيد بكيفية التعامل مع المعترضين على حكمه، وكذا كيفية التعامل مع الأمصار المختلفة، لكنَّ ضعفها، وما في متنها من نكارة؛ لا يجعلها صالحة للذكر هنا (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٧٤)، وفي سنده زكريا بن منظور، ضعيف، كما في التقريب (٢٠٢٦).
(٢) وأمثل ما ورد في ذلك: ما أخرجه الطبري في تاريخه (٥/ ٣٢٣) قال: "قال هشام: قال عوانة: قد سمعنا في حديث آخر أن معاوية لما حضره الموت- وذلك في سنة ستين- وكان يزيد غائبا، فدعا بالضحاك بن قيس الفهري- وكان صاحب شرطته- ومسلم بن عقبة المري، فأوصى إليهما فقال: بلغا يزيد وصيتي، أنظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب، وأنظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل أحب إلي من أن تشهر عليك مائة ألف سيف، وأنظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن نابك شيء من عدوك فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم، وإني لست أخاف من قريش إلا ثلاثة: حسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله ابن الزبير، فأما ابن عمر فرجل قد وقذه الدين، فليس ملتمسا شيئا قبلك، وأما الحسين بن علي فإنه رجل خفيف، وأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه، وخذل أخاه، وإن له رحما ماسة، وحقا عظيما، وقرابة من محمد - ﷺ -، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه، فإن قدرت عليه فاصفح عنه، فإني لو أني صاحبه عفوت عنه، وأما ابن الزبير فإنه خب ضب، فإذا شخص لك فألبد له، إلا أن يلتمس منك صلحا، فإن فعل فاقبل، واحقن دماء قومك ما استطعت". وهذا إسناد ضعيف مهلهل، ففيه انقطاع بين الطبري وهشام، وإرسال عوانة، وضعف هشام الكلبي، فقد رُمي بالكذب، كما في لسان الميزان (٨/ ٣٣٨).
[ ٢١٠ ]
والأصح من ذلك: ما قدَّمناه من خطبته في الناس، وكذا وصيته ليزيد في كيفية تكفينه، وإن كان في هذه الرواية ضعف، إلا أنها تتقوى بما يلي:
عن ميمون بن مهران: «أن معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: إن رسول الله - ﷺ - كساني قميصا فرفعته، وقلم أظفاره يوما، فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة، فإذا مت: فألبسوني ذلك القميص، وقطعوا تلك القلامة، واسحقوها وذروها في عيني، وفي في، فعسى الله أن يرحمني ببركتها!
ثم قال متمثلا بشعر الأشهب بن رميلة النهشلي يمدح به القباع:
إذا مت مات الجود وانقطع الندى من الناس إلا من قليل مصرد
وردت أكف السائلين وأمسكوا من الدين والدنيا بخلف مجدد
فقالت إحدى بناته- أو غيرها-: كلا يا أمير المؤمنين، بل يدفع الله عنك، فقال متمثلا:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فقال: لمن حضره من أهله: اتقوا الله ﷿، فإن الله سبحانه يقي من اتقاه، ولا واقي لمن لا يتقي الله، ثم قضى» (^١).
قال ابن كثير: «وقد ورد من غير وجه أنه أوصى إليه أن يكفن في ثوب رسول الله - ﷺ - الذي كساه إياه، وكان مدخرا عنده لهذا اليوم، وأن يجعل ما عنده من شعره وقلامة أظفاره في فمه، وأنفه، وعينيه، وأذنيه» (^٢).
_________________
(١) إسناده حسن إلى ميمون: أخرجه الطبري في تاريخه (٥/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، وفي سنده عبد الأعلى بن ميمون، ترجم له البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٧٠)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٢٧)، وأثبتا له السماع من أبيه، ولم يذكرا فيه شيئا، وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ١٢٩)، فخبره هنا عن أبيه مما يُتساهل فيه إن شاء الله.
(٢) البداية والنهاية (١١/ ٤٥٨ - ٤٥٩).
[ ٢١١ ]
وعن محمد بن الحكم، عن أبيه: «أن معاوية لما حُضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال، كأنه أراد أن يطيب له الباقي؛ لأن عمر قاسم عماله» (^١).
وعن محمد بن سيرين قال: «مرض معاوية مرضا شديدا، فنزل عن السرير، وكشف ما بينه وبين الأرض، وجعل يلزق ذا الخد مرة بالأرض، وذا الخد مرة بالأرض، ويبكي ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. اجعلني ممن تشاء أن تغفر له» (^٢).
وعن أبي عمرو بن العلاء المازني قال: «لما حضرت معاوية الوفاة قيل له: يا أمير المؤمنين! ألا توصي؟ فقال:
هو الموت لا منجى من الموت والذي نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع
ثم قال: اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك، فما وراءك مذهب. ثم مات» (^٣).
وقد اختُلف فيمن صلَّى عليه:
فذهب بعضهم إلى أن ابنه يزيد هو من صلَّى عليه.
قال خليفة بن خيَّاط: «وصلى عليه ابنه يزيد بن معاوية» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البلاذري في أنساب الأشراف (٥/ ٢٨)، والطبري في تاريخه (٥/ ٣٢٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٢٠)، ورواية الطبري وابن عساكر أُبهم فيها ذكر الحكم، فقيل: عن محمد بن الحكم، عمَّن حدَّثه. ولم أستطع تمييز محمد بن الحكم هذا، والأثر صححه صاحبا صحيح تاريخ الطبري (٤/ ٣٨).
(٢) إسناده حسن إلى ابن سيرين: أخرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٣٤٠)، وفي سنده أبو عقيل الأسدي يحيى بن حبيب، صدوق ربما وهم، كما في التقريب (٧٥٢٥).
(٣) إسناده ضعيف: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٢٧)، وفي سنده محمد بن الحسن بن دريد، كان كثير الرواية للأخبار وأيام الناس، إلا أنه لم يكن ثقة، كما في لسان الميزان (٧/ ٧٩). وله إسناد آخر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٢٦) من طريق محمد بن زكريا العتبي، عن أبيه، لكن العتبي هذا لم أعرفه!
(٤) تاريخ خليفة بن خياط (ص: ٢٢٦).
[ ٢١٢ ]
وقال ابن حبان: «وقد قيل إن يزيد بن معاوية هو الذي صلى عليه» (^١).
وقال ابن كثير: «وقال محمد بن إسحاق والشافعي: صلى عليه ابنه يزيد» (^٢).
بينما ذهب آخرون إلى أن الضحاك بن قيس الفهري هو من صلَّى عليه، وكان ابنه يزيد غائبا.
قال أبو الحسن المدائني: «صلى على معاوية: الضحاك بن قيس الفهري، وكان يزيد غائبا حين مات معاوية» (^٣).
وهذا القول هو ما اختاره الطبري، حيث أورده ولم يورد قولا سواه.
وقال خليفة بن خيَّاط: «ويُقال: لم يحضر يزيد، صلى عليه الضحاك بن قيس» (^٤).
وقال ابن حبان: «وصلَّى عليه بن قيس الفهري» (^٥).
وقال ابن كثير: «وقال آخرون: بل كان ابنه يزيد غائبا، فصلى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق» (^٦).
_________________
(١) الثقات لابن حبان (٢/ ٣٠٦).
(٢) البداية والنهاية (١١/ ٤٥٨ - ٤٥٩)، وانظر تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٣٨).
(٣) إسناده صحيح إلى المدائني: أخرجه الطبري في تاريخه (٥/ ٣٢٧).
(٤) تاريخ خليفة بن خياط (ص: ٢٢٦).
(٥) الثقات لابن حبان (٢/ ٣٠٦)، مشاهير علماء الأمصار (ص: ٨٦).
(٦) البداية والنهاية (١١/ ٤٥٨ - ٤٥٩).
[ ٢١٣ ]