فقد كان حريصا - ﵁ - أن يسأل عن حديث رسول الله - ﷺ -، وأن يستزيد منه علما، فكان يسأل بعض الصحابة إن كان عندهم علم عن رسول الله - ﷺ -، ومن ذلك:
- أنه سأل زيد بن أرقم - ﵁ -: «أشهدت مع رسول الله - ﷺ - عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ قال: نعم. قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد، ثم رخص في الجمعة؛ فقال: من شاء أن يصلي فليصل» (^٢).
بل كان أيضا يرسل إليهم إن لم يكونوا حوله، ومن ذلك:
- أنه كتب إلى المغيرة بن شعبة - ﵁ -: «اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله - ﷺ -، قال فكتب إليه: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول إذا قضى الصلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
_________________
(١) العالم الإسلامي في العصر الأموي (٢/ ٨١).
(٢) إسناده ضعيف: أخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ٣٠٣)، وفي سنده إياس بن أبي رملة الشامي، مجهول، كما في التقريب (٥٨٧).
[ ٢١٨ ]
وسمعته يقول: إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» (^١).
- وكتب مرة أخرى إلى عائشة أم المؤمنين: «أن اكتبي إلي كتابا توصيني فيه، ولا تكثري عليَّ، فكتبت عائشة إلى معاوية: سلام عليك. أما بعد: فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من التمس رضاء الله بسخط الناس؛ كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله؛ وكله الله إلى الناس، والسلام عليك» (^٢).
ومن حرصه أيضا على السنة: أنه كان يحذر من التحديث عن رسول الله - ﷺ - بما لا يُعرف، فعن عبد الله بن عامر اليحصبي، قال: سمعت معاوية يقول: «إياكم وأحاديث رسول الله - ﷺ -؛ إلا حديثًا كان في عهد عمر، فإن عمر كان يخيف الناس في الله - ﷿ -» (^٣).
وكان إذا صنع شيئا عن اجتهاد منه، ثم جاءه نصٌّ عن النبي - ﷺ -؛ تراجع عن فعله، وقدَّم كلام رسول الله - ﷺ -، ومن ذلك:
- أنه «كان بينه وبين أهل الروم عهد، وكان يسير في بلادهم، حتى إذا انقضى العهد أغار عليهم، فإذا رجل على دابة أو على فرس، وهو يقول: الله أكبر، وفاء لا غدر، وإذا هو عمرو بن عبسة، فسأله معاوية عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يحلن عهدا، ولا يشدنه حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواء.
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٨٤٤، ٦٣٣٠)، ومسلم (٥٩٣)، عن وراد كاتب المغيرة بن شعبة.
(٢) إسناده صحيح موقوف: أخرجه الترمذي (٢٤١٤)، وقد رجَّح الترمذي، وأبو حاتم، وأبو زرعة الوقف على الرفع. انظر: العلل الكبير للترمذي (ص: ٣٣٢)، علل ابن أبي حاتم (٥/ ٥٨ - ٦٠).
(٣) أخرجه مسلم (١٠٣٧)، وفي صحيح ابن حبان (٣٤٠١) زيادة؛ وهي: أن معاوية قال ذلك على منبر دمشق.
[ ٢١٩ ]
فرجع معاوية بالناس» (^١).
- وعن أبي مريم الأزدي - ﵁ - قال: «دخلت على معاوية فقال: ما أنعمنا بك أبا فلان، وهي كلمة تقولها العرب، فقلتُ: حديثًا سمعته أخبرك به، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من ولَّاه الله ﷿ شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم؛ احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره. قال: فجعل معاوية رجلا على حوائج الناس» (^٢).
وكان حريصا على نشر ما يحتاج إليه المسلمون من حديث رسول الله - ﷺ -، يجهر بذلك، ويعلمه الناس، على منبره، وفي مجلسه، بل حتى فيما بينه وبين آحاد الناس، ومن ذلك:
- أنه «قام خطيبا بالمدينة -يعني: في قدمة قدمها، عام حج- خطبهم يوم عاشوراء، فقال: أين علماؤكم؟ يا أهل المدينة، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول -لهذا اليوم-: هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن أحب منكم أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر» (^٣).
- وفي خطبته تلك أيضا، وهو على المنبر: «تناول قصة من شعر كانت في يد حرسي، وقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن مثل هذه، ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم» (^٤).
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (١٧٠١٥)، وأبو داود (٢٧٥٩)، والترمذي (١٥٨٠) -وقال: حسن صحيح-، والنسائي في الكبرى (٨٦٧٩). والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١١٠٥، رقم: ٦٤٨٠).
(٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (١٥٦٥١، ١٨٠٣٣)، وأبو داود (٢٩٤٨)، والترمذي (١٣٣٣)، والحاكم (٤/ ١٠٥ - ١٠٦) -وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه-. والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٢٠٥ رقم: ٦٢٩).
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٢٠٠٣)، ومسلم (١١٢٩)، عن حميد بن عبد الرحمن.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٤٦٨)، ومسلم (٢١٢٧)، عن حميد بن عبد الرحمن.
[ ٢٢٠ ]
- وعن معبد الجهني قال: «كان معاوية قلَّما يحدث عن النبي - ﷺ -، قال: فكان قلما يكاد أن يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن رسول الله - ﷺ - يقول: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح فإنه الذبح» (^١).
- وعن حمران بن أبان، يحدث عن معاوية، قال: «إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا رسول الله - ﷺ - فما رأيناه يصليها، ولقد نهى عنهما -يعني: الركعتين بعد العصر-» (^٢).
- وعن أبي مجلز أن: «معاوية دخل - ﵁ - بيتا فيه ابن عامر وابن الزبير، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال له معاوية: اجلس فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من سرَّه أن يمثل له العباد قياما؛ فليتبوأ بيتا في النار» (^٣).
- وعن عمر بن عطاء بن أبي الخوار: «أن نافع بن جبير، أرسله إلى السائب -ابن أخت نمر- يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة (^٤)، فلما سلم الإمام قمت في مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله - ﷺ - أمرنا بذلك، أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج» (^٥).
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (١٦٨٤٦)، وهو في الصحيحين بسياق آخر.
(٢) صحيح البخاري (٥٨٧).
(٣) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (١٦٨٤٥)، وأبو داود (٥٢٢٩)، والترمذي (٢٧٥٥) -وقال: حديث حسن-.
(٤) المقصورة: حجرة مبنية في المسجد، أحدثها معاوية بعدما ضربه الخارجي.
(٥) صحيح مسلم (٨٨٣).
[ ٢٢١ ]
- وعن عيسى بن طلحة قال: «كنت عند معاوية بن أبي سفيان، فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة فقال معاوية: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة» (^١).
- ولربما سمع معاوية بأمر خلاف السنة وقع في غير بلده، فلا يتوانى عن الإرسال بتغييره، أو القيام في الناس بالتحذير منه.
فعن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج: «أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وقد كانا جعلا صداقا، فكتب معاوية بن أبي سفيان - وهو خليفة - إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ -» (^٢).
- وعن محمد بن جبير بن مطعم: «أنه بلغ معاوية، وهو عنده في وفد من قريش: أن عبد الله بن عمرو، يحدث: أنه سيكون ملك من قحطان، فغضب، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنه بلغني أن رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا توثر عن رسول الله - ﷺ -، وأولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين» (^٣).
- ومن أعجب ما وقفتُ عليه في اتباعه للنبي - ﷺ -: ما نقله عنه حاجبه أبو يوسف، قال: «قدم أبو موسى الأشعري، فنزل بعض الدور بدمشق، فكان معاوية يخرج ليلا يستمع قراءته» (^٤).
_________________
(١) صحيح مسلم (٣٨٧).
(٢) إسناده حسن: أخرجه أحمد (١٦٨٥٦)، وأبو داود (٢٠٧٥)، وفي سنده محمد بن إسحاق بن يسار المدني، صدوق يدلس، كما في التقريب (٥٧٢٥)، وقد صَّرح بالتحديث، فأُمن تدليسه.
(٣) صحيح البخاري (٧١٣٩).
(٤) إسناده صحيح إلى أبي يوسف: أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (ص: ٢٣١).
[ ٢٢٢ ]
وهذا هديٌ نبويٌ، فإن النبي - ﷺ - كان يستمع لقراءة أبي موسى ليلا، ولما أصبح قال له: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة؟! لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» (^١).
- وكان في صلاته من أشبه الناس بصلاة رسول الله - ﷺ -.
فعن قيس بن الحارث، عن أبي عبد الله الصنابحي، عن أبي الدرداء، قال: «ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من أميركم هذا -يعني: معاوية-.
قيل لقيس: أين صلاته من صلاة عمر؟ قال: لا أخالها إلا مثلها» (^٢).
فلا غَرْوَ بعد ما تقدَّم أن ينعته حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن: عبد الله بن عباس - ﵁ -؛ بالفقيه.
فعن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، قال: «قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: أصاب، إنه فقيه» (^٣).
وقد ذكره ابن حزم ضمن مرتبة المتوسطين في الفتيا من الصحابة - ﵃ - (^٤).