ويحسن بنا أن نختم هذه الرسالة القيمة بأثر جاء بسند صحيح وعلى لسان عليّ ﵁ نفسه، وفيه ذكر فضائل الشيخين ومنزلتهما في الإسلام، فالمسألة قد حكم فيها صاحب الشأن، وفيه أن مسألة التفضيل لها جذور تاريخية قديمة، وأنها ليست مجرد تفضيل بل تستخدم من بعض أهل الأهواء للطعن في كبار الصحابة أبي بكر وعمر - ﵄.
فعن سويد بن غَفلة (١٤٦) قال: مررت بنفر من الشيعة وهم يتناولون أبا بكر وعمر - ﵄ - وينتقصونهما، قال: فدخلت على علي بن أبي
_________________
(١) الجعفي، مخضرم من كبار التابعين، توفي سنة ثمانين. (التقريب ص٢٦٠) .
[ ١٣ / ١٢٤٢ ]
طالب - ﵁ - فقلت له: يا أمير المؤمنين إني مررت آنفا بنفر من أصحابك وهم يذكرون أبا بكر وعمر بغير الذي هما له من الأمر أهل، ولولا أنهم يرون أنك تضمر لهما بمثل ما أعلنوا ما اجتروا على ذلك، فقال علي: أعوذ بالله أن أُضمِر لهما إلا الحسن الجميل، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله - ﷺ - وصاحباه ووزيراه - رحمة الله عليهما - ثم نهض دامعا عيناه يبكي قابضا على يديّ حتى دخل المسجد، وصعد المنبر فجلس عليه متمكنا قابضا على لحيته ينظر فيها - وهي بيضاء - حتى اجتمع له الناس، ثم قام فتشهد بخطبة بليغة موجزة، ثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش، وأبوي المسلمين بما أنا عنه متنزه وعما يقولون بريء وعلى ما يقولون معاقب، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر رديء؛ صحبا رسول الله - ﷺ - على الوفاء والصدق، يأمران وينهيان ويقضيان ويعاقبان، ولا يجاوزان رأي رسول الله - ﷺ - ولا كان رسول الله - ﷺ - يرى مثل رأيهما رأيا، ولا يحب كحبهما أحدا، مضى رسول الله - ﷺ - وهو عنهما راض، ومضيا والمؤمنون عنهما راضون، أمر رسول الله - ﷺ - أبا بكر على صلاة المؤمنين فصلى بهم تسعة أيام في حياة رسول الله - ﷺ -، فلما قبض الله نبيه - ﷺ - واختار له ما عنده، ولاّه المؤمنون ذلك، ثم أعطوه البيعة طائعين غير كارهين، أنا أول من سن ذلك من بني عبد المطلب، وهو لذلك كاره، يود لو أن أحدنا كفاه ذلك، كان والله خير من بقي وأرحمه رحمة وأرأفه رأفة وأبينه ورعا وأقدمه سنا وإسلاما، شبهه رسول الله - ﷺ - بميكائل رحمة، وبإبراهيم عفوا ووقار، فسار بنا سيرة رسول الله - ﷺ - حتى مضى على ذلك - رحمة الله عليه -، ثم ولي الأمر بعده عمر بن الخطاب - ﵁ - واستأمر المسلمين في ذلك، فمنهم
[ ١٣ / ١٢٤٣ ]
من رضي ومنهم من كره فكنت فيمن رضي، فلم يفارق الدنيا حتى رضي من كان كرهه وأقام الأمر على منهاج النبي - ﷺ - وصاحبه، يتبع آثارهما كاتباع الفصيل أثر أمه، كان والله رفيقا رحيما بالضعفاء والمؤمنين، عونا وناصرا للمظلومين على الظالمين، لا تأخذه في الله لومة لائم، ثم ضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شأنه حتى إن كنا لنظن أن ملكا ينطق على لسانه، أعز الله بإسلامه الإسلام، وجعل هجرته للدين قواما، ألقى الله له في قلوب المنافقين الرهبة، وفي قلوب المؤمنين المحبة، شبهه رسول الله - ﷺ - بجبريل: فظا غليظا على الأعداء، وبنوح حنقا مغتاظا على الكفار، الضراء في طاعة الله آثر عنده من السراء في معصية الله. من لكم بمثلهما - رحمة الله عليهما - ورزقنا المضي على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا باتباع آثارهما، والحب لهما، فمن أحبني فليحبهما ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشد العقوبة، إنه لا ينبغي أن أعاقب قبل التقدم، ألا فمن أُتيت به يقول هذا بعد اليوم فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق وعمر الفاروق، ثم الله أعلم بالخير أين هو، أقول قولي هذا ويغفر الله لي ولكم (١٤٧) .
_________________
(١) أبو إسحاق الفزاري: كتاب السير ص٣٢٧ (٦٤٧) ورجاله رجال الصحيح، وأورد هذا النص كاملا ابن قدامة في منهاج القاصدين في فضائل الخلفاء الراشدين ق٧٥، ٧٦، ٧٧، وأورده بألفاظ مقاربة خيثمة بن سليمان، من حديث خيثمة بن سليمان ص١٢٢، ١٢٣، ١٢٤، والتيمي في سير السلف ص١٦٢، ١٦٣. وأورده مختصرا ابن الأثير في أسد الغابة ٣/٦٦١، وذكره المتقي الهندي في كنز العمال ١٣/٢٢،٢٣. وانظر في ثناء علي على عمر - ﵄ - بعد موته، ابن عبد الهادي: محض الصواب ٣/٨٥٤.
[ ١٣ / ١٢٤٤ ]