الحمد لله والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله، أما بعد
فقد تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في هذه الرسالة عن فضل أبي بكر الصديق وفضل علي ﵄، وملخصها كما يلي:
- إن هناك فرقا بين "الخصائص" التي لم يشارك فيها أحدهما الآخر، كثبوت الخلة لأبي بكر - ﵁ - لو كان للنبي - ﷺ - خليل، وكذلك أمره - ﷺ - لأبي بكر - ﵁ - أن يصلي بالناس مدة مرضه، من خصائصه التي لم يشركه فيها أحد.
وكذلك تأميره له من المدينة على الحج إقامة للسنة ومحوًا لأثر الجاهلية هو بين المناقب والفضائل التي هي مشتركة بينه وبين غيره.
[ ١٣ / ١٢١٩ ]
وكقوله - ﷺ - في علي بن أبي طالب - ﵁ - «أنت مني وأنا منك»، وهذه العبارة قد قالها - ﷺ - أيضا لجليبيب - ﵁ - الذي قتل عدة من الكفار: «هذا مني وأنه منه»، وكذلك قال - ﷺ - للأشعريين: «هم مني وأنا منهم» .
- لم يرد في حديث صحيح خصيصة لعلي بن أبي طالب - ﵁ - امتاز بها على أبي بكر الصديق - ﵁ - وكل ما ورد فيه إما صحيح غير صريح أو صريح غير صحيح.
- وردت أحاديث صحيحة في مناقب علي - ﵁ - ومنها:-
١- «أنت مني وأنا منك» .
٢- «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» .
٣- «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» .
فهذه الأحاديث صحيحة صريحة في فضله - ﵁ - لكنها لا تدل على أنه أفضل الخلق؛ فإنه ثبتت مثل هذه العبارة والفضائل لغيره من الصحابة سواه - ﵃ أجمعين.
وقد وردت أحاديث كثيرة في فضائل أبي بكر - ﵁ - ومنها ما امتاز بها على غيره وهي كثيرة، مما يدل على أنه أفضل هذه الأمة بعد رسول الله - ﷺ -.
هذا - وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ عليه وعلى صحبه الهداة المهتدين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
أما بعد:
[ ١٣ / ١٢٢٠ ]
فإن الله جلَّ ثناؤه وتباركت أسماؤه قد أرسل محمدًا - ﷺ - رحمة للعالمين ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الكفر والشرك إلى الإيمان والتوحيد فاستجاب له وآمن به قوم أشرق نور الإيمان في قلوبهم، فانجلت عنها ظلمة الشرك، فأبصروا الحق الذي دعاهم إليه.
فما زال النبي - ﷺ - يغذيهم بالقرآن والحكمة، ويزكيهم بالعمل حتى صار هذا الدين أعظم ما يكون في قلوبهم، وصار الرسول - ﷺ - أحبّ إليهم من آبائهم وأبنائهم وأموالهم بل وأنفسهم، فناصروه في دعوته وتحملوا معه في سبيل الله أقصى ما يمكن أن يتحمله بشر - غير الأنبياء - من أجل العقيدة، ذلك الجيل الربّاني الذي آمن بالنبي - ﷺ - وآزره ونصره هم صحابته الكرام الذين اختصهم الله وشرفهم بصحبة نبيه وإقامة شرعه.
كان مجتمعهم طرازا فريدا، ونسيجا وحيدا، هو أفضل المجتمعات وخيرها.
شهد لهم النبي - ﷺ - بأنهم خير القرون حيث قال: «بُعثتُ من خير قُرُون بني آدم، قَرْنًا فقرْنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه» (١) .
وقال - ﷺ -: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبِقُ شهادةُ أحدِهِم يمينه، ويَمينُه شَهادتَه» (٢) .
وأفضل هذا المجتمع الفريد، الذين هم أفضل أتباع الأنبياء أبو بكر الصديق - ﵁.
فقد أخرج البخاري من حديث ابن عمر - ﵄ - قال: كنّا نُخيِّر بين الناس في زمن النبي - ﷺ - فنُخَيِّر أبا بكر، ثم عُمرَ بن الخطاب، ثُمّ عُثمان ابن عفَّان - ﵃ (٣) .
_________________
(١) البخاري: الصحيح، كتاب المناقب ٣/١٣٠٥ رقم ٣٣٦٤.
(٢) البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة ٣/١٣٣٥ رقم ٣٤٥١.
(٣) البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة ٣/١٣٣٧ رقم ٣٤٥٥.
[ ١٣ / ١٢٢١ ]
وأخرج البخاري من حديث ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: «لو كنتُ مُتّخِذًا من أُمَّتي خليلا لاتَّخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي» (٤) .
وأخرج البخاري من حديث محمد بن الحَنَفِيِّة قال: قُلتُ لأبي: أيُّ الناس خيرٌ بعد رسول الله - ﷺ -؟ قال: «أبو بكر» قلت: «ثم من»؟ قال: «ثم عمر» وخشيت أن يقولَ عُثمان، قلت: «ثُمَّ أنت»؟ قال: «ما أنا إلا رجل من المسلمين» (٥) .
وفي هذه الرسالة أبان شيخ الإسلام بن تيمية فضل أبي بكر على من سواه، بأسلوب علمي رصين وحجج واضحة بينة، رحمه الله تعالى.
وقد سرت في تحقيق هذه الرسالة على النحو الآتي: