أحمد بن أبي بكر شهاب الدين أبو جلنك الحلبي الشاعر المشهور بالعشرة والنوادر؛ كان فيه همة وشجاعة، نزل من قلعة حلب للإغارة على التتار، فوقع في فرسه سهم، فوقع وبقي راجلًا، فأسروه وأحضر بين يدي مقدم التتار، فسأله عن عسكر المسلمين، فكثرهم وعظم شأنهم، فضرب عنقه سنة سبعمائة (٢):
يقال: إنه دخل الموصل وقصد الطهارة، وعلى بابها خادم، وعنده أكيال، وهو مرصد لمن يدخل يناوله كيل ماء للاستنجاء، فدخل أبو جلنك على عادة البلاد، ولم يعلم بالأكيال، فصاح به ذلك الخادم، وقال: قف خذ الكيل، فقال: أنا أخرا جزاف (٣)، فبلغت الحكاية صاحب الموصل، فقال: هذا مطبوع، فطلبه ونادمه.
قال القاضي جمال الدين ابن ريان: لازمنا مدة، فكان ينتبه نصف الليل فيكرر علي محافيظه، منها مختصر ابن الحاجب ثم يشبب ويزمزم، فإذا أصبح توضأ وصلى الصبح. من شعره لغز في مسعود:
اسم الذي أهواه في حروفه مسألة في طيّها مسائل
خمساه فعلٌ وهو في تصحيفه مبيّنٌ والعكس سمّ قاتل
تضيء بعد العصر إن جئت به مكررًا من عكسك المنازل
_________________
(١) الزركشي ١: ٢٥ والمنهل الصافي ١: ٢٠٦ والوافي ٦: ٢٧١ وأعيان العصر: ٥٠ والنجوم الزاهرة ٨: ١٩٤.
(٢) أحمد سبعمائة: لم يرد في المطبوعة.
(٣) كذا في ص.
[ ١ / ٦٠ ]
وهو إذا صحفته مكررًا فاكهة يلتذّ منها الآكل
وفيه طيب مطربٌ وطالما هاجت على أمثاله البلابل (١) ومن شعره:
أتى العذار بماذا أنت معتذر وأنت كالوجد لا تبقي ولا تذر
لا عذر يقبل إن نمّ العذار ولا ينجيك من خوفه بأس ولا حذر
كأنني بوحوش الشّعر قد نزلت بوجنتيك وبالعشاق قد نفروا
وكلما مرّ بي مردٌ أقول لهم: قفوا انظروا وجه هذا الحر واعتبروا وكان قد مدح قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان، فوقع له برطلين خبز، فكتب على بستانه (٢):
لله بستانٌ حللنا دوحه والورق قد صدحت عليه لما بها (٣)
والبان تحسبه سنانيرًا رأت قاضي القضاة فنفّشت أذنابها (٤) يقال إن الشيخ بدر الدين ابن مالك وضع على هذين البيتين كراسة في البديع.
وله أيضًا:
لا تحسبن خضابها النامي على ال؟ قدمين بالمتكلّف المصنوع
لكنها بالهجر خاضت في دمي فتسربلت أقدامها بنجيع وله أيضًا:
جعلتك المقصد الأقصى وموطنك ال؟ بيت المقدس من روحي وجثماني
_________________
(١) قال القاضي البلابل: لم يرد في المطبوعة.
(٢) العبارة في المطبوعة: برطلين خبزًا كل يوم، فكتب على لسانه وقد دخل بستانًا للقاضي فيه منظرة، فكتب فيها.
(٣) الوافي: في جنة قد فتحت أبوابها.
(٤) قال صاحب المنهل الصافي: لعله وهم في هذه الحكاية، وما هي مشهورة إلا عن قاضي القضاة ابن الزملكاني.
[ ١ / ٦١ ]
وقلبك الصخرة الصماء حين قست قامت قيامة أشواقي وأشجاني
أما إذا كنت ترضى أن تقاطعني وأن يزورك ذو زور وبهتان
فلا تغرّنك نار في حشاي فمن وادي جهنم تجري عين سلواني ألطف من هذا قول القائل:
أيا قدس حسنٍ قلبه الصخرة التي قست فهي لا ترثي لصبّ متيم
ويا سؤلي الأقصى عسى باب رحمةٍ ففي كبد المشتاق وادي جهنم ومن شعره أيضًا:
ماذا على الغصن (١) الميال لو عطفا ومال عن طرق الهجران وانحرفا
وعاد لي (٢) عائدٌ منه إلى صلةٍ حسبي من الشوق ما لاقيته وكفى
صفا له القلب حتى لا يمازجه شيء سواه وأمّا قلبه فصفا
وزارني طيفه وهنًا ليؤنسني فاستصحب النوم من جفنيّ وانصرفا
ورمت من خصره برءًا فزدت ضنىً وطالب البرء والمطلوب قد ضعفا
حكى الدجى شعره طولًا فحاكمه (٣) فضاع بينهما عمري وما انتصفا ٢٦ (٤)