إبراهيم بن محمد بن عبيد الله المعروف بابن المدبر الكاتب؛ كان كاتبًا بليغًا شاعرًا فاضلًا مترسلًا، خدم المتوكل مدة طويلة، وكان في رتبة الوزارة، وكان قد غضب عليه المعتمد وحبسه، وله في الحبس أبيات كثيرة، منها:
أدموعها أم لؤلؤ متناثر يندى به الورد الجنيّ الزاهر
لا يؤيسنّك من كريم نبوةٌ فالسيف ينبو وهو عضبٌ باتر
هذا الزمان تسومني أيامه خسفًا وها أنا ذا عليه صابر
إن طال ليلي في الإسار فطالما أفنيت دهرًا ليله متقاصر
والسجن يحجبني وفي أكنافه مني على الضرّاء ليث خادر
عجبًا له كيف التقت أبوابه والجود فيه والربيع الباكر
هلا تقطّع أو تصدّع أو هوى فعذرته لكنه بي فاخر وله في المعنى:
_________________
(١) ص: جدًا
(٢) الزركشي ١: ٢٠ ومعجم الأدباء ١: ٢٢٦ والأغاني ٢٢: ١٥١ والجهشياري: ١٠٢ والوافي ٦: ١٠٧؛ ولم ترد هذه الترجمة في المطبوعة.
[ ١ / ٤٥ ]
ألا طرقت سلمى لدى وقفة الساري وحيدًا فريدًا (١) موثقًا نازح الدار
هو الحبس ما فيه عليّ غضاضةٌ وهل كان في حبس الخليفة من عار
ألست ترين الخمر يظهر حسنها وبهجتها بالحبس في الطين والقار
وما أنا إلاّ كالجواد يصونه مقوّمه للسبق في طيّ مضمار
أو الدرة الزهراء في قعر لجّةٍ فلا تجتلى إلاّ بهولٍ وأخطار
وهل هو إلاّ منزلٌ مثل منزلي وبيتٌ ودار مثل بيتي أو داري
فلا تنكرن طول المدى وأذى العدا فإنّ نهايات الأمور لإقصار
لعلّ وراء الغيب أمرًا يسرّنا يقدّره في علمه الخالق الباري ولما عزل من الأهواز جاء الناس يودعونه، فجاء أبو شراعة فأمسك الحراقة، وأنشد رافعًا صوته:
ليت شعري أيّ قومٍ أجدبوا فأُغيثوا بك من بعد العجف
نزل اليمن من الله بهم وحرمناك لذنبٍ قد سلف
يا أبا إسحاق سر في دعةٍ وامض مصحوبًا فما عنك خلف فضحك ووصله:
وقال العطوي (٢) الشاعر: استأذنت على ابن المدبر فحجبني، فكتبت إليه:
أتيتك مشتاقًا فلم أر جالسًا ولا ناظرًا إلاّ بعين قطوب
كأني غريمٌ مقتضٍ أو كأنني نهوض حبيبٍ أو جلوس (٣) رقيب فأدخلني وهو يقول: هي بالله، نهوض حبيب أو حضور رقيب.
ومن شعر ابن المدبر:
_________________
(١) ص: فريقًا، والتصويب عن الزركشي والوافي.
(٢) ص: العطري.
(٣) كذا في ص، وسترد في السطر التالي " حضور "، ووردت كذلك في الزركشي.
[ ١ / ٤٦ ]
يا كاشف الكرب بعد شدّته ومنزل الغيث بعدما قنطوا
لا تبل قلي بشحط بينهم فالموت دانٍ إذا هم شحطوا وله أيضًا:
قالوا أضرّ بنا السحاب بوكفه لمّا رأوه لمقلتي يحكي
لا تعجبوا ممّا ترون فإنّما هذه السماء لرحمتي تبكي توفي إبراهيم ببغداد سنة تسع وسبعين ومائتين، وولد سنة إحدى عشرة (١) ومائتين.
١٦ - (٢)