أحمد بن عبد الله بن هريرة أبو العباس الأعيمى الاشبيلي، توفي سنة خمس وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. من شعره (٣):
بحياة عصياني عليك عواذلي إن كانت القربات عندك تنفع
هل تذكرين لياليًا سلفت لنا لا أنت باخلةٌ ولا أنا أقنع وله أيضًا (٤):
أعد نظرًا في روضتي ذلك الخدّ فإني أخاف الياسمين على الورد
وخذ لهما دمعي وعلّلهما به فإنّ دموعي لا تعيد ولا تبدي
_________________
(١) كذا في ص.
(٢) الزركشي: ٣١ وقلائد العقيان: ٢٧٣ والذخيرة (القسم الثاني: ٢١٥) وبغية الملتمس: ١٧٦ والمغرب ٢: ٤٥١ وتحفة القادم: ٢٧ ونكت الهميان: ١١٠ والوافي ٧: ١٢٦ ومقدمة ديوانه (ط. دار الثقافة ١٩٦٣)؛ ولم ترد هذه الترجمة في المطبوعة.
(٣) ديوانه: ٧٨.
(٤) ديوانه: ٣٣.
[ ١ / ٩٠ ]
وإلاّ ففي كأس المدامة بلغة تقوم مقام الدنّ عندك أو عندي
وفي ريقك المعسول لو أن روضة تعلّل بالكافور والمسك والشهد
وماء شبابي كان أعذب موردًا لو أن الليالي لم تزاحمك في الورد
أمنك الخيال الطارقي كلّ ليلةٍ على مثل حدّ السيف أو طرّة البرد
منىً لا أبالي أن تكون كواذبًا فتفنى ولكن المدار على وجدي
وليلة وافاني وقد ملت ميلةً وكنت أنا والنجم بتنا على وعد
ألّم فحيا بين رقبا ورقبةٍ ولا شيء أحلى من دنوٍّ على بعد
وقد زانه لمحٌ من البدر في الدجى كما لاح وسم الشيب في الشعر الجعد
رأى أدمعي حمرًا وشيبي ناصعًا وفرط نحولي واصفراري على خدي
فودّ لو أني عقده أو وشاحه وإن لم يطق حمل الوشاح ولا العقد
ألمّ فأعداني ضناه وسهده وقد كان هذا الشوق أولى بأن يعدي
وولّى فلا تسأل بحالي بعده ولكن سل الأيّام عن حاله بعدي
تفاوت قومي (١) في الحظوظ وسبلها فمكدٍ على حرصٍ ومثرٍ على زهد
وأمّا أنا والحضرميّ فإنّنا قسمنا المعالي بين (٢) غور إلى نجد
فأبت أنا بالشعر أحمي لواءه وآب ابن عيسى بالسيادة والمجد
فتىً لا يبالي فوز من فاز بالعلا إذا امتلأت كفا يديه من الحمد وله أيضًا (٣):
وبديع الأوصاف كالشمس كالد مية كالغصن كالقنا كالريم
سكريّ اللمى وضيء المحيّا يستخفّ النفوس قبل الجسوم
متهدّ (٤) إلى الحلوم بلحظ ربّما كان ضلّةً للحلوم
_________________
(١) الديوان: قوم.
(٢) الديوان: قسمنا العلا ما بين.
(٣) ديوانه: ١٦٥.
(٤) ص: مستمد.
[ ١ / ٩١ ]
ما (١) يبالي من بات يلهو به إن لم ينل ملك فارس والروم
قمت أسقيه من لمى ثغره العذ ب على صحن خدّه المرقوم
بين ليلٍ كخضرة الروض في اللو ن وصبحٍ كعرفه في الشميم
وكأن النجوم في غبش الصب؟ ح وقد لفها فرادى (٢) بتوم
أعين العاشقين أدهشها البي؟ ن فأغضت بين الضنى والوجوم (٣) وله أيضًا (٤):
أما والهوى وهو إحدى الملل لقد مال قدّك حتى اعتدل
وأشرق وجهك للعاذلات حتى رأت كيف يعصى العذل
ولم أر أفتك من مقلتيه على أن لي خبرةً بالمقل
كحلتهما يهوىً قاتل وقلت الردى حيلة في الكحل
وانّي وإن كنت ذا غفلةٍ (٥) لأعلم كيف تكون الحيل
ولست أسائل عينيك بي ولكن بعهد الرضى ما فعل
وقد كنت جاريت تلك الجفون إلى الموت بين المنى والعلل وقال يرثي شابًا قتل غيلة (٦):
خذا حدثاني عن فل وفلان لعلتي أرى باق على الحدثان
وعن دول حسن الديار وأهلها فنين وصرف الدهر ليس بفان
وعن هرمي مصر الغداة أمتّعا بشرخ شباب أم هما هرمان
وعن نخلتي حلوان كيف تناءتا ولم يطويا كشحًا على شنآن
_________________
(١) الديوان: لا.
(٢) ص: فوادي.
(٣) ص: والرحوم.
(٤) ديوانه: ١٣٠.
(٥) الديوان: كنت داهنتني.
(٦) هو ابن اليناقي، انظر ديوانه: ٢٢٤.
[ ١ / ٩٢ ]
وطال ثواء (١) الفرقدين بغبطةٍ وما علما أن سوف يفترقان
وزايل بين الشعريين تصرف من الدهر لا وانٍ ولا متواني
فإن تذهب الشعرى العبور لشانها فإن الغميصا في بقية شان
وجن سهيل (٢) بالثريا جنونه ولكن سلاه كيف يلتقيان
وهيهات من جور القضاء وعدله شآمية ألوت بدين يماني
فأزمع عنها آخر الدهر سلوةً على طمعٍ خلاه للدبران
وأعلن صرف الدهر لابني نويرة بيوم تناءٍ غال كلّ تدان
وكانا كندماني جذيمة حقبة من الدّهر لو لم ينصرم لأوان
فهان دم بين الدكادك فاللوى وما كان في أمثالها بمهان
وضاعت دموع بات يبعثها الأسى يهيّجها قبرٌ بكلّ مكان
ومال على عبس وذبيان ميلةً فأودى بمجنيٍّ عليه وجان
فعوجا على جفر الهباءة فاعجبا بضيعة أعلاق هناك ثمان
دماء جرت منها التلاع بمثلها ولا ذحل إلاّ أن جرت فرسان
وأيّام حرب لا ينادى وليدها أهاب بها في الحيّ يوم رهان
فآب الربيع والبلاد تهزه ولا مثل مودٍ (٣) من وراء عمان
وأنحى على ابني وائل فتهاصرا غصون الردى من كزة ولدان
تعاطى كليب فاستمرّ بطعنة أقامت لها الأبطال سوق طعان
وبات عديٌّ بالذنائب يصطلي بنار وغىً ليست بذات دخان
فذلّت رقابٌ من رجال أعزّةٍ إليهم تناهي عزّ كلّ زمان
وهبوا يلاقون الصوارم والقنا بكلّ جبينٍ واضحٍ ولسان
فلا خدّ إلاّ فيه حدّ مهنّدٍ ولا صدر إلاّ فيه صدر سنان
وصال على الجونين بالشّعب فانثنى بأسلاب مطلولٍ وربقة عان
_________________
(١) ص: ثوى.
(٢) ص: سهيلا.
(٣) ص: مرد.
[ ١ / ٩٣ ]
وأمضى على أبناء قيلة حكمه على شرسٍ (١) أدلوا به وليان
ولو شاء عدوان الزمان ولو يشا لكان عذير (٢) الحيّ من عدوان
وأي قبيل لم يصدع جميعهم ببكر من الأرزاء أو بعوان
خليليّ أبصرت الرّدى وسمعته فإن كنتما في مريةٍ فسلاني
ولا تعداني أن أعيش إلى غدٍ لعلّ المنايا دون ما تعداني
ونبهني ناعٍ مع الصبح كلّما تشاغلت عنه عنّ لي وعناني
أُغمّض أجفاني كأنّي نائمٌ وقد لجت الأحشاء في الخفقان
أبا حسنٍ أما أخوك فقد مضى فوالهف نفسي ما التقى أخوان
أبا حسن إحدى يديك رزئتها فهل لك بالصبر الجميل يدان
أبا حسنٍ ألق (٣) السلاح فإنّها منايا وإن قال الجهول أماني
أبا حسن هل يدفع الموت حينه بأيد شجاع أبو بكيد جبان
توقوه شيئًا ثمّ كروا فجعجعوا (٤) بأروع فضفاض الرداءٍ هجان
قليل حديث النّفس عمّا يروعه وإن لم يزل من ظنّه بمكان
أبيّ وإن تتبع رضاه فمصحب بعيد وإن تطلب جداه فداني
بنفسي وأهلي أي بدر دجنّةٍ لستّ خلت من شهره وثمان
يقولون لا يبعد ولله درّه وقد حيل بين العير والنّزوان
ويأبون إلاّ ليته ولعلّه ومن أين للمقصوص بالطيران
ليشعركما السلوان أنّ محمّدًا مجاور حورٍ في الجنان حسان
وأن النّجوم الزهر في كل مطلع يجدن به مثل الذي تجدان
سفاك كدمعي أو كجودك واكفٌ من المزن بين السحّ والهملان
_________________
(١) ص: شرش.
(٢) ص: عزيز.
(٣) ص: القي.
(٤) ص: فجمجموا.
[ ١ / ٩٤ ]
٤١ - (١)