جرول بن أوس بن مالك، الحطيئة الشاعر؛ لقب بالحطيئة لقربه من الأرض، فإنه كان قصيرًا. وهو من فحول الشعراء وفصحائهم، وكان ذا شر، ونسبه متدافع بين القبائل كان ينتمي إلى كل واحدة منها إذا غضب على الأخرى، وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام وأسلم ثم ارتد وقال:
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا فيا لعباد الله ما لأبي بكر
أيورثها بكرٌ إذا مات بعده وتلك لعمر الله قاصمة الظهر وقال يهجو أمه:
تنحّي فاجلسي عني بعيدا أراح الله منك العالمينا
أغربالًا إذا استودعت سرًا وكانونا على المتحدّثينا
حياتك ما علمت حياة سوءٍ وموتك قد يسرّ الصالحينا والتمس يومًا إنسانًا يهجوه فلم يجد، فضاق عليه ذلك فقال:
أبت شفتاي اليوم إلاّ تكلما بشرٍّ فما أردي لمن أنا قائله وجعل يدور هذا البيت في حلقه ولا يرى إنسانًا، فاطلع في حوض ماء فرأى وجهه فيه فقال:
أرى لي وجهًا قبّح الله خلقه فقبّح من وجهٍ وقبح حامله
_________________
(١) الأغاني ١: ٤١، ١٦: ٣٨ والوافي والخزانة ١: ٤٠٨ والعيني ١: ٤٧٣ والإصابة ٢: ٦٣ وطبقات ابن سلام: ٩٣ والشعر والشعراء: ٢٣٨، وقد نشر ديوانه بتحقيق الأستاذ نعمان أمين طه (القاهرة: ١٠٥٨)، وقد استوفت المطبوعة معظم هذه الترجمة.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وقدم المدينة في سنة مجدبة، فجمع أشرافها له من بينهم شيئًا (١) إلى أن تكمل له أربعمائة دينار وأعطوه إياها، فلما كان يوم الجمعة استقبل الإمام ونادى: من يحملني على نعلين كفاه الله كبة جهنم.
قال الأصمعي: كان الحطيئة سؤولًا ملحفًا دنيء النفس كثير الشر قليل الخير، بخيلًا قبيح المنظر رث الهيئة مغموز النسب فاسد الدين.
وهجا الزبرقان بن بدر بالأبيات التي منها:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فاستعدى عليه الزبرقان إلى (٢) عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فرفعه عمر إليه واستنشده، وقال لحسان: أتراه هجاه؟ قال: نعم، وسلح عليه، فحبسه في بئر وأبقى عليه شيئًا، فقال:
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةٍ فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ألقت إليك مقاليد النهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدّموك لها لكن لأنفسهم كانت بك الاثر فأخرجه وقال: إياك وهجاء الناس، قال: إذن تموت عيالي جوعًا، هذا مكسبي ومنه معاشي، قال: إياك والمقذع، قال: وما المقذع؟ قال: أن تخاير بين الناس فتقول: فلان خير من فلان، وآل فلان خير من آل فلان، قال: فأنت والله أهجى مني، فقال عمر ﵁: لولا أن تكون سنة لقطعت لسانه، ولكن اذهب فأنت له يا زبرقان، فألقى الزبرقان في رقبته عمامته واقتاده بها، فعارضته غطفان وقالت له: يا أبا شذرة (٣) إخوتك وبنو عمك فهبه لهم، فوهبه لهم.
_________________
(١) ص: شيء.
(٢) كذا في ص: والأصوب حذف «إلى» .
(٣) ص: سدرة.
[ ١ / ٢٧٧ ]
وقيل إن عمر لما أطلقه اشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، ليؤكد الحجة عليه.
ولما حضرت الحطيئة الوفاة واجتمع إليه القوم، فقالوا: يا أبا مليكة، أوص، فقال: ويل للشعراء من رواة السوء، فقالوا له: أوص يرحمك الله، فقال: من هو الذي يقول (١):
إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز فقالوا: أوص ويحك بما ينفعك، فقال: أبلغوا امرأ القيس أنه أشعر العرب حيث يقول (٢):
فيا لك من ليل كأن نجومه بكل مغار الفتل شدت بيذبل فقالوا: اتق الله ودع عنك هذا، فقال: أبلغوا الأنصار أن شاعرهم أشعر العرب حيث يقول (٣):
يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل فقالوا: إن هذا لا يغني عنك شيئًا، فقل غير ما أنت فيه، فقال:
الشعر صعبٌ وطويلٌ سلّمه إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلّت به إلى الحضيض قدمه يريد أن يعربه (٤) فيعجمه فقالوا: هذا مثل ما كنت فيه، فقال:
قد كنت أحيانًا شديد المعتمد وكنت ذا غربٍ على الخصم الألد فوردت نفسي وما كادت ترد
_________________
(١) البيت للشماخ بن ضرار، ديوانه: ١٩١.
(٢) البيت من معلقة امرئ القيس، ديوانه: ١٩.
(٣) لحسان بن ثابت، ديوانه: ٧٤.
(٤) ص: يعرفه.
[ ١ / ٢٧٨ ]
فقالوا: يا أبا مليكة، ألك حاجة؟ قال: لا، ولكنني أجزع على المديح الجيد يمدح به من ليس له أهلًا، فقالوا: من أشعر الناس؟ فأومأ بيده إلى فيه، وقال: هذا إذا طمع في خير، واستعبر باكيًا، فقالوا له: قل لا إله إلا الله، فقال:
قالت وفيها حيدةٌ وذعر عوذٌ بربي منكم وحجر ١ قالوا: ما تقول في عبيدك وإمائك؟ قال: هم عبيد قن، ما عاقب الليل النهار، قالوا: فأوص للفقراء بشيء، قال: أوصيهم بالإلحاح في المسألة، واست المسئول أضيق، قالوا: فما تقول في مالك؟ قال: للأنثى مثل حظ الذكر، قالوا: ليس هكذا قضى الله ﷿، قال: لكني هكذا قضيت، قالوا: فما توصي لليتامى؟ قال: كلوا أموالهم وافعلوا بأمهاتهم، قالوا ٢: فهل تعهد غير هذا؟ قال: نعم، احملوني ٣ على أتان وتتركوني راكبًا حتى أموت، فإن الكريم لا يموت على فراشه، والأتان مركب لم يمت عليه كريم قط، فحملوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون حتى مات، وهو يقول:
لا أحدٌ ألأم من حطيّه هجا بنيه وهجا المريّه من لؤمه مات على فريّه الفرية: الأتان.
وتوفي في حدود الثلاثين للهجرة.
[ ١ / ٢٧٩ ]
٩٧ - (١)