إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة المعروف بالسيد الحميري؛ كان شاعرًا محسنًا كثير القول، إلا أنه كان رافضي جلد زائغ (٢) عن القصد؛ له مدائح جمة في آل البيت ﵈، وكان مقيمًا بالبصرة، وكان أبواه يبغضان عليًّا، وسمعهما يسبانه بعد صلاة الفجر، فقال:
لعن الله والديّ جميعًا ثمّ أصلاهما عذاب الجحيم وكان يرى رجعة محمد بن الحنفية في الدنيا، وكان كثير الشاعر يرى هذا
_________________
(١) طبقات ابن المعتز: ٣٢ والأغاني ٧: ٢٢٤٢ وابن خلكان ٦: ٣٤٣ والوافي ٩ رقم ٥٠٠٣ وفتوح ابن أعثم ٢: ٢٢٤ ورجال الكشي: ٢٤٢ وقد طبع في النجف (١٩٦٥) كتاب للمرزباني بعنوان «أخبار السيد الحميري» . وقد جمع ديوانه شاكر هادي شكر (بيروت؛ دون تاريخ) .
(٢) كذا هو في ص، دون اعراب.
[ ١ / ١٨٨ ]
الرأي، وكان السيد يعتقد أن ابن الحنفية لم يمت، وأنه في جبل بين أسد ونمر يحفظانه، وعنده عينان نضاختان تجريان بماء وعسل، ويعود بعد الغيبة فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، ويقال إن السيد اجتمع بجعفر الصادق ﵇ فعرفه خطأه وأنه على ضلالة فتاب.
وقال المرزباني في معجم الشعراء: إنه إسماعيل بن محمد بن وداع الحميري، ولذلك يقول (١):
إنّي امرؤٌ حميريٌّ حين تنسبني جدّي رعينٌ وأخوالي ذوو يزن
ثمّ الولاء الذي أرجوا النجاة (٢) به يوم القيامة للهادي أبي الحسن وكان أسمر تام القامة حسن الألفاظ جميل الخطاب، مقدمًا عند المنصور والمهدي. ومات أول أيام الرشيد سنة ثلاث وسبعين ومائة، وولد سنة خمس ومائة. وكان أحد الشعراء الثلاثة (٣) الذين لم يضبط ما لهم من الشعر، هو وبشار وأبو العتاهية، وإنما أمات ذكره وهجره الناس لسبه الصحابة وبغض أمهات المؤمنين وإفحاشه في قذفهم، فتحاماه الرواة.
قال المازني: سمعت أبا عبيدة يقول: ما هجا بني أمية أحد كما هجاهم يزيد ابن مفرغ والسيد الحميري.
وقال السيد: أتى بي أبي وأنا صغير إلى محمد بن سيرين فقال لي: يا بني، اقصص رؤياك، فقلت: رأيت كأني في أرض سبخة، وإلى جانبها أرض حسنة، وفيها النبي ﷺ واقفًا، وليس فيها نبت، وفي الأرض السبخة شوك ونخل، فقال لي: يا إسماعيل، أتدري لمن هذا النخل؟ قلت: لا، قال: هذا لامرىء القيس بن حجر، فانقله إلى هذه الأرض الطيبة التي أنا فيها، فجعلت
_________________
(١) ورد البيتان في ديوانه: ٤٣٩ برواية مختلفة.
(٢) ص: النجاء.
(٣) ص: الثلاث.
[ ١ / ١٨٩ ]
أنقله، إلى أن نقلت جميع النخل وحولت شيئًا من الشوك، فقال ابن سيرين لأبي: أما ابنك هذا فسيقول الشعر في مدح طهرة أبرار، فما مضت إلا مدة حتى قلت الشعر.
قال ابن سلام: فكانوا يرون أن النخل مدحه أمير المؤمنين وذريته، وأن الشوك حوله وما أمر بتحويله هو ما خلط به شعره من سب السلف.
وقال الصولي: حدثنا محمد بن الفضل بن الأسود، حدثنا علي بن محمد بن سليمان، قال: كان السيد يزعم أن عليًا ﵁ سمى محمد بن الحنفية المهدي، وأنه الذي بشر به النبي ﷺ، وأنه حي في جبال رضوى.
قال الصولي: قال أبو العيناء للسيد: بلغني أنك تقول بالرجعة، قال: هو ما بلغك، قال: فأعطني دينارًا بمائة دينار إلى الرجعة، فقال له السيد: على أن توثق لي بمن يضمن أنك ترجع إنسانًا، أخاف أن ترجع قردًا أو كلبًا فيذهب مالي.
وكان السيد إذا سئل عن مذهبه أنشد من قصيدته المشهورة (١):
سميّ نبيّنا لم يبق منهم سواه فعنده حصل الرجاء
فغيّب غيبةً من غير موت ولا قتل وسار به القضاء
وبين الوحش ترعى في رياضٍ من الآفات مرتعها خلاء
تحلّ فما بها بشرٌ سواه بعقوته له عسل وماء
إلى وقت، ومدة كل وقت وإن طالت عليه لها انقضاء
فقل للناصب الهاذي ضلالًا يقوم وليس عندهم غناء
فداء لابن خولة كل نذل يطيف به، وأنت له فداء
كأنا يا بن خولة عن قريبٍ وربّ العرش يفعل ما يشاء
_________________
(١) ديوانه: ٤٩ وهي منقولة عن الفوات.
[ ١ / ١٩٠ ]
تهز دوين عين الشمس سيفًا كلمع البرق أخلصه الجلاء
تشبه وجهه قمرًا منيرًا يضيء له إذا طلع السماء
فلا يخفى على أحدٍ فصبرٌ وهل بالشمس ضاحيةً خفاء
هنالك تعلم الأحزاب أنّا ليوثٌ لا ينهنهنا اللقاء
فندرك بالذحول بني أميٍّ وفي ذاك الذحول لهم فناء وحكي أن اثنين تلاحيا في أي الخلق أفضل بعد رسول الله ﷺ، فقال أحدهما: أبو بكر، وقال الآخر: علي، فتراضيا بالحكم إلى أول من يطلع عليهما، فطلع عليهما السيد الحميري، فقال القائل بفضل علي: قد تنافرت أنا وهذا إليك في أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ، فقلت أنا: علي، فقال السيد: وما قال هذا ابن الزانية؟ فقال ذاك: لم أقل شيئًا.
وقال الصولي: حدثنا محمد بن عبد الله التميمي قال حدثنا أحمد بن إبراهيم عن أبيه قال: قلت للفضل بن الربيع: رأيت السيد الحميري؟ قال: نعم، عهدي به واقفًا بين يدي الرشيد، وقد رفع إليه أن رافضي، وهو يقول: إن كان الرفض حبكم يا بني هاشم وتقديمكم على سائر الخلق فما أعتذر ولا أزول عنه، وإن كان غير ذلك فما أقول به، ثم أنشده (١):
شجاك الحيّ إذ بانوا فدمع العين هتّان
كأنّي يوم ردّوا العي س للرحلة نشوان
وفوق العيس إذ ولّوا مها عينٌ (٢) وغزلان
وما حازوا إلى الأعلى (٣) فأقمارٌ وأغصان
_________________
(١) ديوانه: ٤١٠.
(٢) ص: عينا؛ وفي الديوان: بها حور.
(٣) الديوان: وما جاوز للأعلى.
[ ١ / ١٩١ ]
منها:
عليٌّ وأبو ذرٍّ ومقدادٌ وسلمان
وعبّاسٌ وعمّارٌ وعبد الله إخوان
دعوا فاستودعوا علمًا فأدّوه وما خانوا
أدين الله بالدين ال ذي كانوا به دانوا منها:
فحبّي لك إيمان وميلي عنه كفران
فعدّ القوم ذا رفضًا فلا عدّوا ولا كانوا قال: فعهدي بالرشيد وقد ألطف له ووصله، وبره جماعة من الهاشميين، وتوفي بعد قليل (١) .
قيل لما استقام الأمر للسفاح خطب يومًا فأحسن الخطبة، فلما نزل عن المنبر قام إليه السيد الحميري فأنشده (٢):
دونكموها يا بني هاشم فجدّدوا من آيها الطّامسا
دونكموها فالبسوا تاجها لا تعدموا منكم لها لابسا
دونكموها لا علت كعب من أمسى عليكم ملكها نافسا
خلافة الله وسلطانه وعنصرٌ كان لكم دارسا
قد ساسها قبلكم ساسةٌ لم يتركوا رطبًا ولا يابسا
لو خيّر المنبر فرسانه ما اختار إلاّ منكم فارسا
فلست من أن تملكوها إلى هبوط عيسى منكم آيسا فقال السفاح سل حاجتك، قال: ترضى عن سليمان بن حبيب بن المهلب
_________________
(١) وقال الصولي قليل: لم يرد في المطبوعة.
(٢) ديوانه: ٢٥٨.
[ ١ / ١٩٢ ]
وتوليه الأهواز، قال (١): قد أمرت بذلك، وكتب عهده ودفعه إلى السيد، وقدم به عليه، فلما وقعت عينه عليه أنشده (٢):
أتيناك يا قرم أهل العراق بخير كتابٍ من القائم
أتيناك من عند خير الأنام فذاك ابن عم أبي القاسم (٣)
يولّيك فيه جسام الأمور فأنت صنيع بني هاشم
أتينا بعهدك من عنده على من يليك من العالم فقال له سليمان: شريف وشافع وشاعر ووافد ونسيب، سل حاجتك، فقال: جارية فارهة جميلة ومن يخدمها، وبدرة دراهم وحاملها، وفرس رائع وسائسه، وتخت من صنوف الثياب وحامله، قال: قد أمرت لك بكل ما سألت، وهو لك عندي كل سنة.
قال أبو ريحانة، وكان يشار إليه في التصوف والورع: حدثني رجل كان أبوه في جوار السيد قال: لما حضرته الوفاة جاءنا وليه فقال: هذا وإن كان مخلطًا فهو من أهل التوحيد، وهو جاركم، فادخلوا إليه ولقنوه الشهادة، قال: فدخلنا إليه وهو يجود بنفسه وقلنا له: قل (٤) لا إله إلا الله، قال: فاسود وجهه وفتح عينيه وقال: " وحيلَ بَيْنَهُمْ وبَينَ مَا يَشْتَهُون " سبأ قال: فخرجنا من عنده، فمات من ساعته.
_________________
(١) ص: قلت.
(٢) ديوانه: ٣٩٦.
(٣) سقط هذا البيت من المطبوعة.
(٤) ص: قول.
[ ١ / ١٩٣ ]
٧٣ - (١)