أحمد بن عبد الملك العزازي التاجر بقيسارية جركس (٢)، الشاعر المشهور؛ كان كيسًا ظريفًا، جيد النظم في الشعر والموشحات، فمن شعره يمدح رسول الله ﷺ:
دمي بأطلال ذات الخال مطلول وجيش صبري مهزوم ومفلول
ومن يلاق (٣) العيون الفاتكات بلا صبر يدافع عنه فهو مخذول
لم يدر من سلب العشاق أنفسهم بأنّه عن دم العشّاق مسئول
وبي أغنّ غضيض الطرف معتدل القوام لدن مهزّ العطف مجدول
كأنّه في تثنّيه وخطرته غصن من البان مطلول ومشمول
سلافة منه تسبيني وسالفة وعاسل منه يصبيني ومعسول
وكلّما مرضت أجفان مقلته يصحّ إلاّ غرامي فهو منحول
يا برق كيف الثنايا الغرّ من إضمٍ يا برق أم كيف لي منهنّ تقبيل
ويا نسيم الصّبا كرر على أذني حديثهنّ فما التكرار مملول
ويا حداة المطايا دون ذي سلم عوجوا وشرقيّ بانات اللّوى قيلوا منها:
منازل لأكف الغيث توشيةٌ بها وللنّور توشيع وتكليل
_________________
(١) الزركشي: ٣٢٠ والوافي ٧: ١٤٨ وأعيان العصر ١: ٨٩ والدرر الكامنة ١: ١٩١ والمنهل الصافي ١: ٣٤٠ والنجوم الزاهرة ٩: ٢١٤ والشذرات ٦: ٢١.
(٢) الوافي: جهاركس.
(٣) ص: يلاقي.
[ ١ / ٩٥ ]
كأنّما طيب ريّاها ونفحتها بطيب ترب رسول الله مجبول
أوفى النبيّين برهانًا ومعجزةً وخير من جاءه بالوحي جبريل
له يد وله باع يزينهما في السلم طولٌ وفي يوم الوغى طول
سلّ الإله به سيفًا لملّته وذلك السيف حتى الحشر مسلول
وشاد ركنًا أثيلًا من نبوّته والكفر واهٍ وعرش الشرك مثلول
ويلٌ لمن جحدوا برهانه وثنى عنان رشدهم غيٌّ وتضليل
أولئك الخاسرون الخاسئون ومن لهم من الله تعذيبٌ وتنكيل
نمته من هاشم أسدٌ ضراغمة لها السيوف بيوتٌ والقنا غيل
إذا تفاخر أرباب العلى فهم ال؟ غرّ المغاوير والصّيد البهاليل
لهم على العرب العرباء قاطبةً به افتخارٌ وترجيح وتفضيل
قومٌ عمائمهم ذلّت لعزّتها ال؟ قعساء تيجان كسرى والأكاليل وله أيضًا ﵀:
منذ عشقت الشارعيّ الذي بالحسن يختال ويغتال
لم يبق في ظهري ولا راحتي تالله لا ماء ولا مال وله أيضًا (١):
ما عذر مثلك والركاب تساق ألا تفيض بدمعك الآماق
فأذل مصونات الدموع فإنّما هي سنةٌ قد سنّها العشّاق
ولربّ دمعٍ خان بعد وفائه مذ حان من ذاك الفريق فراق
ووراء ذيّاك العذيب منيزلٌ لعبت بقلبك نحوه الأشراق
خذ أيمن الوادي فكم من عاشقٍ فتكت به من أهله (٢) الأحداق
_________________
(١) هذه القطعة لم ترد في المطبوعة.
(٢) الوافي: سربه.
[ ١ / ٩٦ ]
واحفظ (١) فؤادك إن هفا برق الحمى أو هبّ منه نسيمه الخفّاق وقال أيضًا:
تعشّقته ساحر المقلتين كبدر يلوح وغصن يميل
إذا احمرّ من وجنتيه الأسيل واحورّ من مقلتيه الكحيل
فقل للشقائق ماذا ترين وللنّرجس الغضّ ماذا تقول
وقالوا: ذبول بأعطافه فقلت: يزين القناة الذبول
وعابوا تمرض أجفانه فقلت: أصحّ النّسيم العليل وكتب شهاب الدين العزازي إلى ناصر الدين ابن النقيب ملغزا في شبابة وأحسن:
وما صفراء شاحبة ولكن يزيّنها النّضارة والشباب
مكتّبةٌ وليس لها بنان منقبةٌ وليس لها نقاب
تصيخ لها إذا قبّلت فاها أحاديثًا تلذّ وتستطاب
ويحلو المدح والتشبيب فيها وما هي لا سعاد ولا الرّباب فأجابه ناصر الدين ابن النقيب:
أتت عجمية أعربت عنها لسلمانٍ يكون لها انتساب
ويفهم ما تقول ولا سؤال إذا حققت ذاك ولا جواب
يكاد لها الجماد يهزّ عطفًا ويرقص في زجاجته الحباب وقال الشهاب العزازي ملغزًا في القوس والنشاب:
ما عجوزٌ كبيرةٌ بلغت عم؟ رًا طويلًا وتتّقيها الرجال
قد علا جسمها صفارٌ ولم تش؟ ك سقامًا ولا عراها هزال
ولها في البنين سهمٌ وقسم وبنوها كبار قدرٍ نبال
وبنوها لم يشبهوها ففي الأ مّ اعوجاجٌ وفي البنين اعتدال
_________________
(١) ص: واخفض.
[ ١ / ٩٧ ]
وقال أيضًا:
قال لي من أحبه عند لثمي وجنات تحدّث الورد عنها
خلّ عني أما شبعت فنادي ت رأيت الحياة يشبع منها؟ ووقفت على ديوان الاعزازي، وهو في مجلدين: شعر وموشح، فمن موشحاته:
يا ليلة الوصل وكاس العقار دون استتار علّمتماني كيف خلع العذار اغتنم اللذات قبل الذهاب وجرّ أذيال الصّبا والشباب واشرب فقد طابت كؤوس الشراب
على خدودٍ تنبت الجلّنار ذات احمرار طرّزها الحسن بآس العذار الراح لا شك حياة النفوس فحلّ منها عاطلات الكؤوس واستجلها بين الندامى عروس
تجلى على خطّابها في إزار من النّضار حبابها قسام مقام النثار أما ترى وجه الهنا قد بدا وطائر الأشجار قد غرّدا والروض قد وشّاه قطر النّدى
فكمّل اللهو بكأس تدار على افترار مباسم النّوّار غبّ القطار اجن من الوصل ثمار المنى وواصل الكأس بما أمكنا مع طيّب الريقة حلو الجنى
[ ١ / ٩٨ ]
بمقلة أفتك من ذي (١) الفقار ذات احورار منصورة الأجفان بالانكسار زار وقد حلّ عقود الجفا وافترّ عن ثغر الرضى والوفا فقلت والوقت لنا قد صفا
يا ليلةً أنعم فيها وزار شمس النهار حيّيت من دون (٢) الليالي القصار وقال أيضًا:
ما سلّت الأعين الفواتر من غمد أجفانها الصفاح
إلاّ أسالت دم المحاجر من غير حرب ولا كفاح
تالله ما حرّك السّواكن غير الظباء الجآذر
لما استجابت بكل طاعن من القدود النّواضر
وفوّقت أسهم الكنائن من كلّ جفنٍ وناظر
عربٌ إذا صحن يال عامر بين سرايا من الملاح
طلّت علينا من المحاجر طلائعٌ تحمل السلاح
أحبب بما تطلع الجنوب منها وما تبرز (٣) الكلل
من أقمرٍ ما لها مغيب وأغصنٍ زانها الميل
هيهات أن تعدل القلوب عنها ولو جارت المقل
لمّا توشّحن بالغدائر سفرن عن أوجهٍ صباح
فانهزم اللّيل وهو عاثر بذيله واختفى الصّباح
_________________
(١) ص: ذو.
(٢) الوافي: من بين.
(٣) ص: تبدي، وأثبت ما في الوافي.
[ ١ / ٩٩ ]
وأهيفٍ ناعم الشّمائل تهزه نسمة الشّمال
فينثني كالقضيب مائل كما انثنى شاربٌ ومال
له عذار كالند سائل لله كم من دم أسال
شقّت على نبته المرائر من داخل الأنفس الصحاح
تكلّ في وصفه الخواطر وتخرس الألسن الفصاح
ظبيٌ إلى الإنس لا يميل الشمس والبدر من حلاه
والحسن قالوا ولم يقولوا مبداه منه ومنتهاه
وطرفه الناعس الكحيل هيهات من صنعه النجاه
أذلّ بالسّحر كلّ ساحر فهو له خافض الجناح
يجول في باطن الضّمائر كما يجول القضا المتاح
أما ترى الصبح قد تطلع مذ غمّضت أعين الغسق
والبدر نحو الغروب أسرع كهاربٍ ناله فرق
والبرق بين السّحاب يلمع كصارم حين يمتشق
وتحسب الأنجم الزواهر أسنةً ألقت الرّماح
فانهزم النّهر وهو سائر فدرّعته يد الرّياح وقال أيضًا:
كأس رويّه جلا علينا النّديم أم سنا مصباح
أم شمس حسن قد توجتها النجوم في سما الأفراح
هات الكؤوسا ممزوجة بالرضاب من ثناياكا
واخطب عروسا تروق تحت الحباب كسجاياكا
وادع الجليسا لمجلسٍ وشراب مثل ريّاكا
[ ١ / ١٠٠ ]
واشرب سبيّه بها النفوس تهيم ولها ترتاح
من بنت دنِّ أليس نحن الجسوم وهي الأرواح
خذها مداما وجرّ ذيل المجون أيّما جرّ
وافضض فداما لها من الزرجون طيب النّشر
حيّا النّدامى بها سقيم الجفون ناحل الخصر
حرّ السّجيّه حلو الدلال رخيم خنثٌ مزّاح
لدن التّثنّي له قوامٌ قويم للقنا فضّاح
مدّ الربيع للورد أيّ بساط حفّ بالآس
قم يا خليع إلى الصّبوح بشاطي نهر باناس
فما الهجوع وقد دعاك معاطي جذوة الكاس
في سندسيّه أجرت عليها الغيوم مدمعًا سحاح
من ماء مزن وصال منها النّسيم أرجا نفاح
لنا خليل نراه منذ ليالي غائب عنّا
وما الشّمول لذيذة وهو سالي أليس منّا
قل يا رسول بأنّنا في ظلال روضة غنّا
زبرجديه وثمّ شادٍ وريم وبقايا راح
ويوم دجن وقد دعاك النديم أجب يا صاح
سقيًا لدهر مضى بعلّ ونهل وبغزلان
وطيب عمر قضى بليلة وصل ما لها ثاني
خلعت عذري فيها وقلت لخلي ولندماني
[ ١ / ١٠١ ]
في البابليّة لا تسمعن من يلوم واهجر النصاح
واشرب وغنّي يا ليلةً لو تدوم دامت الأفراح وقال موشح ذوبيتي:
أقسمت عليك بالأسيل القاني أن تنظر في حال الكئيب العاني
أو تقصر عن إطالة الهجران يا من سلب المنام من أجفاني ما أليق هذا الحسن بالإحسان
والله لقد ضاعفت عندي الكمدا مذ جزت من الهجر الطويل الأمدا
أدرك رمقي أوهب فؤادي جلدا يا من أخذ الرّوح وأبقى الجسدا ما أصنع بعد الروح بالجثمان؟
بالله إذا قضيت وجدًا وغرام فابسط عذري يوم عتابٍ وملام
قد كنت خليًا من عذار وقوام لا أعطي لصبوةٍ قيادًا وزمام حتى علقت بي أعين الغزلان
من لي بسقيم الجفن واهي الخصر يرنو بعيون كحّلت بالسحر
كم أوضح لي عذاره من عذر ما مال به الدلال ميل السكر إلاّ سجدت معاطف الغزلان
في مرشفه مواردٌ للقبل تحمى بفتور لحظه والكحل
كم قلت لمن كثّر فيه عذلي ما دام سواد طرفه لم يحل لا تطمع يا عذول في سلواني
بدريّ محيا غصنيّ القدّ يسبيك بجلنارة في الخدّ
ذو مبتسم عذب وخد وردي مذ عاينت العين نظام العقد منه نثرت قلائد العقيان
[ ١ / ١٠٢ ]
سالم لحظات طرفه الرشاق واستكف سهامًا ما لها من واق
أو خذ لك موثقًا من الأحداق واستخبر عن مصارع العشّاق تنبيك وعن مقاتل الفرسان وقال أيضًا:
وقفت مذ سارت المحامل واقتربت ساعة الفراق
أكفكف الدمع بالأنامل والدمع يأبى إلاّ اندفاق
أم هل لطيف الكرى مزار
هيهات والصبر مستحيل والقلب لا يملك القرار
إن أوحشت منهم الطلول فطالما آنسوا الدّيار
ساروا وقد زمّت المحامل بهم وأظعانهم تساق
وخلّفوا أضلعًا نواحل ترقّ مع أدمعٍ تراق
قف باللّوى نندب الرّبوعا على فراق الحبايب
واسفح بأطلالها الدموعا إن كنت خلّي وصاحبي
ملاعب تنبت الولوعا سقيًا لها من ملاعب
ما بال أقمارها أوافل وقد محا نورها المحاق
وما لباناتها ذوابل وكنّ مهزوزةً رشاق
بكيت من لوعتي ووجدي حتى فني كنز أدمعي
وكان يوم الفراق ودّي تبكي عيون الحيا معي
إن لم أف (١) بعدهم بعهدي فكنت في الحبّ مدّعي
_________________
(١) ص: ألم أفي.
[ ١ / ١٠٣ ]
فإن جفا النوم وهو واصل فكلّ شملٍ له افتراق
أو غاض دمعي وكان سائل فالنيل يعتاده احتراق
من لفتىً ساهر المآقي قد ذلّ في طاعة الهوى
يشكو إلى الله ما يلاقي من التّباريح والجوى
قد بلغت روحه التراقي مذ بعدت شقّة النوى
صبٌّ لثقل الغرام حامل وحمل ذيّاك لا يطاق
راح لكأس الفراق ناهل وكاسه مرة المذاق وقال أيضًا:
زمان شبابي كنت خير زمان فلا زلت مشكورًا بكلّ لسان
فلله كم جرّرت ذيل بطالتي وأطلقت للّذّات فيك عناني
وقد كنت سباقًا إلى غاية الصّبا مجيبًا إذا داعي المجون دعاني
أقبل ثغر الكأس أبيض واضحًا وألثم خدّ الراح أحمر قاني
ألا خلياني والتصابي فإنني أرى في التّصابي غير ما تريان
سأملأ من طيب العذار مفارقي وأخضب من صرف الكؤوس بناني وقال أيضًا:
أرامة للآرام كنت مراتعا فمالك للعشاق صرت مصارعا
فأين غصونٌ كنّ فيك موائسًا وأين بدور كنّ فيك طوالعا
وقفنا لتوديع الحمول عشيةً نبث صباباتٍ ونذري مدامعا
وعدنا وما بلّ الوداع غليلنا ولا بردت منّا الدموع الأضالعا
سألتكما ما ضرّ حادي ركابهم لو احتبس الأظعان أو كرّ راجعا
وماذا على المستودعين قلوبنا بحبلي زرود لو رددن الودائعا
تعرضن لي يوم الكثيب كأنما تعرض لي سربٌ من الرمل راتعا
[ ١ / ١٠٤ ]
وما كنت أدري أن بين ستورهم شموس الضحى حتى رفعن البراقعا وقال أيضًا:
أدرك بقية نفسٍ فات أكثرها أصبحت بالهجر تطويها وتنشرها
يا من إذا نظرت عيني محاسنه ألومها في هواه ثمّ أعذرها
حسبي علاقة حب قد برت جسدي حتّام أكتمها والدمع يظهرها
ومهجة يتحاماها تجلّدها إذا هجرت ويغشاها تذكرها
يا للرجال أما في الحبّ من حكمٍ ينهى العيون إذا جارت ويزجرها
ويا ولاة الهوى قوموا بنصر فتىً حقوقه بيّناتٌ وهي تنكرها
لا تطلبنّ من الأعطاف عاطفة فإن أعدلها في الحبّ أجورها وقال أيضًا:
يا راشق القلب منّي أصبت فاكفف سهامك
ويا كثير التجنّي منعت عنّي سلامك
وخنت ذمّة صبٍّ ما خان قط ذمامك
فاردد عليّ منامي فلا عدمت منامك
فمن رأى سوء حالي بكى عليّ ولامك
فلو أردت حياتي لما هززت قوامك
بمن أحلّك قلبي ارفع قليلًا لثامك
وابسم لعلّي أحيا إذا رأيت ابتسامك
يا خدّه ما أحبلى للعاشقين التثامك
بكيت دالًا وميمًا لمّا تأمّلت لامك
[ ١ / ١٠٥ ]
٤٢ - (١)