بكر بن علي الصابوني؛ قال ابن رشيق في الأنموذج: كان شيخًا معمرًا شاعرًا مطبوعًا صاحب نوادر هجاء خبيثًا، وأقدر الناس على بديهة، وكان نقي الشيبة والثياب، حسن الصمت والخطاب، وكان مولعًا بأذى أبي بكر الوسطاني، وضرب بينه وبين القاضي محمد بن عبد الله بن هاشم عداوة، وكان سبب خروجه من القيروان ناجيًا بروحه إلى مصر، وكان قد صنع قبل ذلك قصيدة أولها:
_________________
(١) لم يرد منها في المطبوعة إلا شيء يسير؛ وانظر الوافي ومسالك الأبصار ١١: ٣٥٨.
[ ١ / ٢٢١ ]
أمرض بالوعظ القلوب الصّحاح ما قاله الهاتف عند الصباح
أيقظني (١) من نومتي في الدجى شخصٌ سمعت القول منه كفاح
يقول: كم ترقد يا غافلًا والدهر إن لم يغد بالموت راح
تركن للدنيا كأن لا براح منها وتغدو لاهيًا في مزاح
ما الدهر والأيام في مرّها إلاّ كبرقٍ خاطفٍ ثم راح مدح فيها عبد الله بن محمد الكاتب بعد مواعظ كثيرة، وهجا ابن الوسطاني أقبح هجاء، وذكر أنه يستتر بالعزائم والرقى، ويسر الفسق والزنا، وأنشده إياها حذاء باب السلام بحضرة أشياخ الدولة، وكان الراي الشاعر حاضر (٢)، وله عناية بابن الوسطاني، فقال: أتيت بشعر غيرك تسفه به على أهل الرتب بين يدي الملوك، والله إنك مستحق العقوبة، فقال: أما قولك تسفه فسفه منك وقلة أدب لأني جئت محتسبًا فيما يعلمه الله والقاضي وجماعة المسلمين. وأما قولك أهل الرتب فتلك الرتبة التي اشتكينا بما سمعت، لأنها رتبة مصحفة، وأما قولك شعر غيرك فإن أذن لي أبو محمد عرفتك أنه شعري، فقال عبد الله للراي: ما ترى؟ فقال: إيذن له، فقال: شأنك، فأنشد كأنه يحفظه:
سألتك بالقمر الأزهر وبالعين والحاجب الأنور
وبالسيد الماجد المرتجى لدفع المظالم والمنكر
حسام الخلافة وابن الحسام ومنصورنا جوهر الجوهر
أجرني من الناقص الأعور فلولاك في النّاس لم يذكر
هو النّحس حلّ به نحسه فلا خلق أنحس من أعور
إذا رام خيرًا وما رامه أبته شيمة البربر فقال الراي: قد انتقصت بسيدنا العزيز بالله لأنه من البربر، فقال بكر:
_________________
(١) ص: أيقضني.
(٢) كذا في ص.
[ ١ / ٢٢٢ ]
لحا الله ناقصه بيننا وإن كنت ذاك ولم تشعر
وفي أي شيء تنقصته وقد حلّ في (١) البيت من حمير فكأنما ألقمه حجرًا.
ودخل إلى صاحب قيان، فوجد جماعة من أصحابه يشربون، منهم أبو (٢) حفص الكاتب، ورأى برذونه قائمًا في السقيفة، فقال: كم لكم ها هنا فقالوا: كذا وكذا يوم، فشرب نهاره أجمع وليلته، وأراد الانصراف من الغد، فافتقد رداه ودراهم كانت معه، وسأل القوم فما وقع على عين ولا أثر، فقال لابن أبي حفص: سألتك بالله إلا ما نزلت إلى هذا العبد الصالح، فاستوهب لنا منه بأن يفضح الله سارقنا، أو يجمع علينا ما راح منا، فإنه صائم النهار قائم الليل، قال: أي عبد يكون هذا؟ قال: هو برذونك يا سيدي. فضحك الجماعة وخرج وهو يقول:
وغرفةٍ نكّس أعلاها للفسق والعصيان أنشاها
قد وضع الميزان في وسطها وكنت من أول قتلاها
من يعرف الله فلا يأتها فما بها من يعرف الله ومن هجائه:
أذاب والٍ بسوسة مخّي يعرف بين الأنام بالفرخ
يزعم عبد العزيز والده وأير عبد العزيز مسترخي وتوفي سنة تسع وأربعمائة، وقد زاحم المائة، رحمه الله تعالى وإيانا.
_________________
(١) ص: من.
(٢) ص: أبي.
[ ١ / ٢٢٣ ]
٨٢ - (١)