إسماعيل بن علي، الإمام العالم الفاضل السلطان الملك المؤيد عماد الدين أبو الفدا ابن الأفضل ابن الملك المظفر ابن الملك المنصور، صاحب حماة؛ مات في الكهولة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، كان أميرًا بدمشق، وخدم الملك الناصر لما كن بالكرك وبالغ في ذلك، فوعده بحماة ووفى له بذلك وأعطاه حماة لما أمر لأسندمر بحلب بعد موت نائبها قبجق، وجعله سلطانًا يفعل فيها ما يشاء من إقطاع وغيره، ليس لأحد من الدولة بمصر من نائب ووزير معه حكم، وأركبه في القاهرة بشعار الملك وأبهة السلطنة، ومشى الأمراء والناس في خدمته، حتى الأمير سيف الدين أرغون النائب، وقام له القاضي كريم الدين بكل ما يحتاج
_________________
(١) ابن عساكر: عنها فقلت محال محال.
(٢) الزركشي: ٧٣ والدرر الكامنة ١: ٣٩٦ والبداية والنهاية ١٤: ١٥٨ والنجوم الزاهرة ٩: ٢٩٢ وطبقات السبكي ٦: ٨٤ والوافي (ج؟: ٩) .
[ ١ / ١٨٣ ]
إليه في ذلك المهم من التشاريف والإنعامات على وجوه الدولة وغيره، ولقبوه الملك الصالح، ثم بعد قليل لقبه الملك المؤيد.
وكان كل سنة يتوجه إلى مصر بأنواع من الخيل والرقيق والجواهر وسائر الأصناف الغريبة، هذا إلى ما هو مستمر طول السنة مما يهديه من التحف والطرف، وتقدم السلطان الملك الناصر إلى نوابه بأن يكتبوا إليه يقبل الأرض وكان الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى يكتب إليه يقبل الأرض بالمقام العالي الشريف المولوي السلطاني الملكي المؤيدي العمادي وفي العنوان صاحب حماة ويكتب إليه السلطان أخوه محمد بن قلاوون أعز الله أنصار المقام الشريف العالي السلطان الملكي المؤيدي العمادي بلا مولوي.
وكان الملك المؤيد فيه مكارم وفضيلة تامة من فقه وطب وحكمة وغير ذلك، وأجود ما كان يعرفه علم الهيئة لأن أتقنه، وإن كان قد شراك في سائر العلوم مشاركة جيدة. وكان محبًا لأهل العلم مقربًا لهم، أوى إليه أمين الدين الأبهري وأقام عنده، ورتب له ما يكفيه، وكان قد رتب لجمال الدين محمد بن نباتة كل سنة ستمائة درهم، وهو مقيم بدمشق، غير ما يتحفه به.
ونظم الحاوي في الفقه، ولو لم يعرفه معرفة جيدة ما نظمه، وله تاريخ مليح، وكتاب الكناش مجلدات كثيرة، وكتاب تقويم البلدان هذبه وجدوله وأجاد فيه ما شاء، وله كتاب الموازين جوده وهو صغير.
ومات وهو في الستين، رحمه الله تعالى؛ وله شعر، ومحاسنه كثيرة.
ولما مات رثاه الشيخ جمال الدين بن نباتة بقصيدة أولها:
ما للنّدى لا يلبي صوت داعيه أظنّ أنّ ابن شادي قام ناعيه
ما للرجاء قد اشتدّت مذاهبه ما للزمان قد اسودّت نواحيه
نعى المؤيد ناعيه فيما أسفا للغيث كيف غدت عنّا غواديه منها:
[ ١ / ١٨٤ ]
كان المديح له عرسًا (١) بدولته فأحسن الله للشّعر العزا فيه
يا آل أيّوب صبرًا إن إرثكم من اسم أيوب صبرًا كان منجيه
هي المنايا على الأقوام دائرة كلٌّ سيأتيه منها دور ساقيه وتوجه الملك المؤيد بعض السنين إلى مصر ومعه ابنه الملك الأفضل محمد، فمرض ولده، فجهز إليه السلطان الحكيم جمال الدين ابن المغربي رئيس الأطباء، فكان يجيء إليه بكرة وعشيًا، فيراه ويبحث معه في مرضه، ويقرر الدواء، ويطبخ الشراب بيده في دست فضة، فقال له ابن المغربي: يا خوند، أنت والله ما تحتاج إلي، وما أجي إلا امتثالًا لأمر السلطان. ولما عوفي أعطاه بغلة بسرج وكنبوش (٢) زركش وتعبية قماش وعشرة آلاف درهم والدست الفضة، وقال: يا مولاي، اعذرني فإني لما خرجت من حماة ما حسبت مرض هذا الابن.
ومدحه الشعراء وأجازهم، ولما مات فرق كتبه على أصحابه، وأوقف منها جملة. ومن شعره:
اقرأ على طيب الحيا ة سلام صبٍّ مات حزنا
واعلم بذاك أحبّةً بخل الزمان بهم وضنّا
لو كان يشرى قربهم بالمال والأرواح جدنا
متجرّعٌ كأس الفرا ق يبيت للأشجان رهنا
صبٌّ قضى وجدًا ولم يقضى له ما قد تمنى وله أيضًا:
كم من دمٍ حلّلت وما ندمت تفعل ما تشتهي فلا عدمت
لو أمكن الشمس عند رؤيتها لثم مواطي أقدامها لثمت وله أيضًا:
_________________
(١) ص: عرس.
(٢) ص: وكبنوش؛ والكنبوش: جلال يتخذ للدابة.
[ ١ / ١٨٥ ]
سرى مسرى الصّبا فعجبت منه من الهجران كيف صبا إليّا
وكيف ألّم بي من غير وعدٍ وفارقني ولم يعطف عليّا وله موشح رحمه الله تعالى:
أوقعني العمر في لعلّ وهل يا ويح من عمره مضى بلعل
والشيب وافى وعنده نزلا وفرّ منه الشباب وارتحلا
ما أوقح الشّيب الآتي إذ حلّ لا عن مرضاتي
قد أضعفتني الستون لا زمني وخانني نقص قوّة البدن
لكن هوى القلب ليس ينتقص وفيه مع ذا من جرحه غصص
يهوى جميع اللذات كما له من عادات
يا عاذلي لا تطل ملامك (١) لي فإنّ سمعي نأى عن العذل
وليس يجدي الملام والفند فيمن صبابات عشقه جدد
دعني أنا في صبواتي أنت البري من زلاّتي
كم سرني الدهر غير مقتصر بالكاس والغانيات والوتر
نمرح في طيب عيشنا الرغد طرفي وروحي وسائر الجسد
وكم صفت لي خطراتي وساعدتني أوقاتي
مضى رسولي إلى معذبتي وعاد في بهجة مجدّدة
وقال: قالت تعال في عجل لمنزلي قبل أن يجي رجلي
_________________
(١) ص: ملالك.
[ ١ / ١٨٦ ]
واصعد وجز من طاقاتي ولا تخف من جاراتي قال: ومن الغريب أن السلطان، ﵀، كان يقول: ما أظن أني أستكمل من العمر ستين سنة، فما في أهلي يعني بيت تقي الدين من استكمله، وفي أوائل الستين من عمره قال هذا الموشح، ومات في بقية السنة، رحمه الله تعالى.
وهذه الموشحة جيدة في بابها، منيعة على طلابها، وقد عارض بوزنها موشحة لابن سناء الملك رحمه الله تعالى، أولها:
عسى ويا قلما تفيد عسى أرى لنفسي من الهوى نفسا
مذ بان عني من قد كلفت به قلبي قد لجّ في تقلّبه
وبي أذى شوق عاتي ومدمعي يومٌ شاتي
لا أترك اللهو والهوى أبدا وإن أطلت الغرام والفندا
إن شئت فاعذل فلست أستمع أنا الذي في الغرام أتبع
وتحتذى صباباتي وبدعي (١) وعاداتي
بي ملكٌ في الجمال لا بشر يظلم إن قيل إنّه قمر
يحسن فيه الولوع والوله وعزّ قلبي في أن أذلّ له
خدّي حذا إن ياتي ويرتعي حشاشاتي
لست أذم الزمان معتديا كم قد قطعت الزمان ملتهيا
وظلت في نعمة وفي نعم يلتذّ سمعي وناظري وفمي
_________________
(١) ص: ويدعى.
[ ١ / ١٨٧ ]
ولا قذى في كاساتي ومرتعي في الجنّات
وغادةٍ دينها مخالفتي ولا ترى في الهوى محالفتي
وتستبيني ولست أمنعها فقلت قولًا عساه يخدعها
ما هو كذا يا مولاتي اجري معي في ماواتي وموشحة السلطان، رحمه الله تعالى، نقصت عن موشحة ابن سناء الملك ما التزمه من القافيتين في الخرجة وهو الذال في كذا والعين في معي وخرجة ابن سناء الملك أحسن من خرجة السلطان، رحمهما الله تعالى.
٧٢ - (١)