أحمد بن محمد بن علي بن جعفر، الصدر الأديب الرئيس سيف الدين
_________________
(١) هو الحسين بن عبد السلام المصري، انظر ترجمته في تهذيب ابن عساكر ٣: ٣٠٦ والمغرب (قسم مصر) ١: ٢٧٠ وانظر معجم الأدباء ١٠: ١٢١ وكتاب الكندي وابن خلكان ٧: ٥٦.
(٢) الزركشي: ٦٠ والوافي ٨: ٦٦ وأعيان العصر ١: ١٢٠.
[ ١ / ١٣٤ ]
السامري - بفتح الميم وتشديد الراء - نسبة إلى سامرا، نزيل دمشق؛ شيخ متميز متمول ظريف حلو المجالسة مطبوع النادرة جيد الشعر، طويل الباع في الهجو، من سروات الناس ببغداد، قدم الشام بأمواله وحظي عند الملك الناصر صاحب الشام وامتدحه، وعمل تلك الأرجوزة المشهورة بالسامرية التي أولها:
يا سائق العيس إلى الشّآم وقاطع الوهاد والآكام حط فيها على الكتاب وأغرى الناصر بمصادرتهم.
وكان مزاحًا كثير الهزل، لا يكاد يتحمل، مع أن الصاحب بهاء الدين ابن حنا صادره وأخذ منه نحو ثلاثين ألف دينار عندما قدم أخوه نور الدولة السامري من اليمن، ونكب في دولة المنصور، وطلبه الشجاعي إلى مصر، وأخذت منه حزرما وغيرها ومائتا (١) ألف درهم، وكان يسكن داره المليحة التي وقفها خانقاه ووقف عليها باقي أملاكه. وكانت وفاته سنة ست وتسعين وستمائة.
ومولده ؛ من شعره:
من سرّ من رّاء ومن أهلها عند اللطيف الخالق الباري
وأي شيء أنا حتى إذا أذنبت لا تغفر أوزاري
يا رب ما لي غير سبّ الورى أرجو به الفوز من النّار وكان قد سافر مع وجيه الدين ابن سويد إلى الموصل، فحضر المكاسة فعفوا عن جمال الوجيه، ومكسوا جمال السامري وأجحفوا به، فقال:
صحبت وجيه الدين في الدهر مرةً ليحمل أثقالي ويخفر أحمالي
فوزّنني عن كلّ حق وباطل وعن فرسي والبغل والجمل الخالي فبلغ ذلك صاحب الموصل فأطلق القفل بأجمعه.
_________________
(١) ص: ومائتي.
[ ١ / ١٣٥ ]
وقال:
قبّح الله كلّ من بدمشقٍ من أصيحابنا سوى ابن سعيد
فهو مع شحّه وما يتعاطا هـ من اللُّؤم أصلح الموجود وقال يهجو خاله وخال أبيه:
إذا ما قيل من بالكرخ نذلٌ لئيم الأصل مذموم الفعال
أجبتهم إجابة لوذعيٍّ هما النّذلان خال أبي وخالي وكتب إلى نور الدين الإسعردي مع غلام حسن الصورة يأخذ له ورقة برواحه إلى مصر من والي دمشق، وكان النور كاتبًا عنده:
أمولاي نور الدين عارض هذه بغير كلامٍ إن أردت ينام
فلا تخش أمرًا إن خلوت ولطبه حلالًا فتأخير اللّياط حرام
وقد رام إطلاقًا إلى مصر فانهه فلي فيه وجدٌ زائد وغرام
ونجل الخطيب التاج نصر ينيكه إذا حلّ مصرًا ليس فيه كلام
أغار على تلك الروادف أنها تذال لغيري لائط وتسام
وليس على المملوك إن غاب شخصه عن العين في أرض الشآم مقام
ومولاي من عهد التفقه شيخنا به نهتدي في الفسق وهو إمام
سقى الله أيام النظامية التي فسقنا بها والمنكرون نيام
نغازل فيها كلّ أحوى مهفهف يدار علينا من لماه مدام
من الغيد يحكي الخيزرانة قامةً على مثلها عذر المحبّ يقام
وإن علم المولى الوجيه محمد وعاتبني فيه فأنت تلام
وليس على المملوك بعد وصوله إليك وإيصال الجواب ملام فأجابه نور الدين الإسعردي يقول:
عجبت لسيف الدين كيف يجود لي بظبي له فيه هوىً وغرام
[ ١ / ١٣٦ ]
يمينًا لقد بالغت فهي مروءة كعادتك الحسنى ولست تلام
فلا تخش من نصر فليس بضائر إذا ما تراضوا ما عليك أثام
وذكرتني عهد النظاميّة الذي أفاد المنى والمنكرون نيام
ولم أنس بالمستنصريّة أنسنا على الأنس في دار السلام سلام
سقى نهر عيسى والمحول والحمى ال؟ رصافيّ والكرخ المنيع غمام
وعيشك ما ذكري لعيشي بها أسىً ووجد ولا بي لوعة وغرام
ولكنّ لي قلبًا له أريحيّة وذكر لمن فارقته وذمام ومن شعر سيف الدين السامري:
أترى وميض البارق الخفاق يهدي إلى أهل الحمى أشواقي
ولعلّ أنفاس النسيم إذا سرى يحكي تحيّة مغرم مشتاق
أحبابنا ما آن بعد فراقكم أن تسمحوا لمحبكم بتلاق
بنتم فضنّت بالرقاد نواظري أسفًا وجادت بالدّموع مآقي
أجريت من جفني على أطلالكم دمعًا غدا وقفًا على الإطلاق
أتراكم ترعون صبًّا رعتم أحشاءه بقطيعةٍ وفراق
بين الدّموع وحرّ نار جوانحي عذّبت بالإغراق والإحراق
بالله يا ريح الشّمال تحمّلي واقري سلام الواله المشتاق
وإذا مررت على الدّيار فبلّغي أهل الكثيب بكلّ ما أنا لاقي
فهناك لي رشأ أغنّ مهفهفٌ يصمي القلوب بأسهم الأحداق
متمنّعٌ من قدّه بمثقّف ومن الجفون بأسهمٍ ورقاق
فإذا انثنى فضح القنا وإذا رنا سفكت لواحظه دما العشاق
ويزين غصن القدّ منه شعره وكذا الغصون تزان بالأوراق ومن شعره في ابن المقدسي لما حبس بالعذراوية (١):
_________________
(١) العذراوية مدرسة أنشأتها الست عذراء بنت أخي صلاح الدين الأيوبي داخل باب النصر بدمشق، وكانت وقفًا على الشافعية والحنفية (الدارس ١: ٣٧٣) .
[ ١ / ١٣٧ ]
ورد البشير بما أقرّ الأعينا فشفى الصدور وبلّغ الناس المنى
واستبشروا وتزايدت أفراحهم فالخلق مشتركون في هذا الهنا
ثبتت مخازي ابن القتيلة عند من وجدت لديه في الخيانة والخنا
بشهادة الستر الرفيع وقولها من غير واسطة لسلطان الدنا
وبنى البناء بلا أساسٍ ثابتٍ فانهار ما شاد النكيح وما بنى
وتقدّم الأمر الشريف بأخذ ما نهب اللعين من البلاد وما اقتنى
يا سيد الأمراء يا شمس الهدى يا ماضي العزمات يا رحب الفنا
يا من له عزمٌ وجأشٌ ثابتٌ يغنيه عن حمل الصوارم والقنا
عجّل بذبح العلق وادفنه وما من حقّ علقٍ مثله أن يدفنا
واغلظ عليه ولا ترقّ، وكل ما يلقى بما كسبت يداه وما جنى
فلكم يتيم مدقع ويتيمة من جوره ماتا على فرش الضنى
ولكم غنيّ ظلّ في أيامه مسترفدًا (١) للناس من بعد الغنى
إن أنكر العلق القطيم فعاله بالمسلمين فأوّل القتلى أنا ولما عدل القاضي صدر الدين ابن سني الدولة جمال الدين ابن اليزدي، وخلع عليه خلعة بطيلسان، وأحضره مجلسه مع العدول وأشهد (٢) عليه، قال السامري:
طاب شرب المدام في رمضان واصطفاق العيدان عند الأذان
والزنا واللواط في حرم الل؟ هـ وترك الصلاة بالقرآن
منذ صار اليزديّ في سكك الشا م يطوف الحانات بالطيلسان
وإذا صارت العدالة في الفس؟ اق واللاّئطين بالمردان
فجديرٌ بأن أكون نبيًا ويكون الصديق لي التلمساني
يا عدول الشآم قد سمح القا ضي لأصحابه بنيل الأماني
_________________
(١) ص: مسترفد.
(٢) ص: وأشهده.
[ ١ / ١٣٨ ]
قامروا واشربوا وقودوا ولوطوا وافسقوا والحدوا إذن بأمان
وارفعوا عنكم التستر بالفس؟ ق فلا حاجةٌ إلى كتمان قال: فلما بلغت الأبيات القاضي صدر الدين عز عليه، وأعرض عن اليزدي ومنعه من الشهادة، فحضر اليزدي إلى سيف الدين السامري، ودخل عليه. ولا زال به إلى أن عمل:
قل لقاضي القضاة أيده الل؟ هـ ولا زال للجماعة ظلاّ
قد تصدّقت بالعدالة حوشي؟ ت بقول الأغراض إن يقض عدلا
ولئن أجمعوا على فسق ذاك الشي؟ خ والبائس الذي قلّ عقلا
عدلوا عن طرائق العدل فيه ورموه بالزور والإفك نقلا
نبزوه بقلّة الدين والخي؟ ر وترك الصلاة ظلمًا وجهلا
وإذا لاط أو زنى وهو شاب ما عليه عارٌ إذا صار كهلا
وجهه في مجالس الحكم يجزي من رآه بشرًا وكيسًا وفضلا
إن تحلّى بالطّيلسان فبالح قّ جدير بمثله يتحلّى
كل من كان شاهدًا بمحال أو بزور لما تولّى تولّى
وكذا لم يزل لكلّ اجتماع بين خلين بالتجمع أهلا وكتب إلى طوغان وأسندمر، ولكل منهما أستادار يسمى العلم سنجر ونائب البر يسمى الشجاع همام:
اسم الولاية للأمير وما له فيها سوى الأوزار والآثام
وجباية (١) القتلى وكل مصيبةٍ تجبى منافعها إلى همام
سيفان قد وليا وكلٌّ منهما ماضي العزائم دائم الإقدام (٢)
_________________
(١) الوافي: وجناية.
(٢) الوافي: في حفظ ما وليه كالضرغام.
[ ١ / ١٣٩ ]
وبباب كلٍّ منهما علم ينكِّ؟ ل ما يجود به من الإنعام (١)
ما الناس عندهما بناسٍ لا ولا يريان هاذ الناس كالأنعام
وقد استحلاّ منهم ما لم يزل من مالهم ودمائهم بحرام
فمتى أرى الدنيا بغير سناجرٍ والقطع والتنكيس للأعلام ٥٣ (٢)