أحمد بن محمد بن سلمان بن حمائل بن علي بن معلى بن طرف ابن أبي جميل بن جعفر بن موسى بن إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي الزينبي الجعفري، ابن بنت القدوة الشيخ غانم؛ إمام كاتب مترسل، نديم أخباري يتفيهق في كلامه، يستحضر من اللغة ومن شعر العرب شيئًا كثيرًا،
_________________
(١) الوافي ٨: ١٩ وأعيان العصر ١: ١١٥ والدرر الكامنة ١: ٢٦٥ والشذرات ١: ٢٦٥ والزركشي: ٣٦.
[ ١ / ١٢٧ ]
ويحفظ شعر المعري؛ باشر الإنشاء بصفد وغزة وقلعة الروم وفي كل مكان له وقائع مع نواب ذلك وأوابد، ويخرج هاربًا، وكتب قدام الصاحب شمس الدين غبريال، فاتفق أنه هرب مملوك الأمير شهاب الدين قرطاي، فظفر به الصاحب، وأمره أن يكتب على يده كتابًا إلى مخدومه يقول فيه: إنما هرب خوفًا منك، فكتب الكتاب، وجاء في المعنى المقصود، فقال: إذا خشن المقر حسن المفر، فلما وقف الصاحب على ذلك أنكره وقال: ما هذه مليحة، فطار عقل شهاب الدين، لأنه ظن أن ذلك يصادف موقعًا يهش له، فضرب الدواة بالأرض، وقال: ما أنا ملزوم بالقلف الغلف وخرج متوجهًا إلى اليمن وكتب لصاحبها، ثم خرج منها هاربًا.
وكان خشن الملبس شظف (١) العيش مطرح الكلفة، يلبس البابوج والجمجم (٢)، ويلف الطول المقصص (٣) الإسكندراني والقماش القصير. وكان حلو المعاشرة، ألف به القاضي فخر الدين ناظر الجيش واستكتبه في باب السلطان.
ولما مات فخر الدين رجع إلى الشام كاتب إنشاء، واختل (٤) قبل موته بسنتين.
وكان مولده سنة خمسين بمكة، شرفها الله تعالى، ووفاته بعد أخيه علاء الدين في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، ومات وله سبع وثمانون سنة تقريبًا؛ وسمع من ابن عبد الدايم وقرأ على ابن مالك وعلى ولده بدر الدين وعلى مجد الدين ابن الظهير الإربلي.
وكان إذا أنشأ أطال فكره، ونتف شعر ذقنه، أو وضعه في فمه وقرضه بثناياه، ﵀.
فمن شعره:
_________________
(١) ص: شيطف.
(٢) ذكره دوزي في ملحق المعاجم بفتح الجيمين (وبضمهما في المعجم الفارسي) وعرفه بأنه نعل يلبسه الدراويش، ويصنع من قطن.
(٣) الوافي: المقفص؛ ولم أجد شرحًا لما سماه " الطول المقصص " أو " المقفص ".
(٤) الوافي: واختلط.
[ ١ / ١٢٨ ]
والله ما أدعو على هاجري إلاّ بأن يمحن بالعشق
حتى يرى مقدار ما قد جرى منه وما قد تمّ في حقّي وله أيضًا:
يا حسنها من رياضٍ مثل النّضار نضاره
كالزّهر زهرًا وعنها حسن (١) العبير عباره وله أيضًا:
بأبي صائغ مليح التّثنّي بقوامٍ يزري بخوط البان
أمسك الكلبتين يا صاح فاعجب لغزالٍ بكفّه كلبتان وله أيضًا:
طرفك هذا به فتور أضحى كقلبي به فتون
قد كنت لولاه في أمانٍ لله ما تفعل العيون وله أيضًا:
ما اعتكاف الفقيه أخذًا بأجرٍ بل لحكم قضى به رمضان
هو شهر تغلّ فيه الشياطي؟ ن ولا شك أنه شيطان وله أيضًا:
أيها اللائمي لأكلي كروشًا أتقنوها في غاية الإتقان
لا تلمني على الكروش فحبي وطني من دلائل (٢) الإيمان أخذ هذا المعنى من النصير الحمامي حيث قال:
رأيت شخصًا آكلًا كرشةً وهو أخو ذوقٍ وفيه فطن
_________________
(١) الوافي: ريح.
(٢) الوافي: علائم.
[ ١ / ١٢٩ ]
وقال ما زلت محبًّا لها قلت من الإيمان حب الوطن وكان قد أضافه الملك الكامل، ولما خرج نسي جبّته عنده، فطلبها منه فمطله بها فكتب إليه:
يا ذا الذي أطعمني في بيته سبع لقم
ورام أخذ جبّتي هذا على الرطل بكم ولما كان قراسنقر نائبًا بدمشق أمر أن يبيت كل ليلة بالقصر واحد من الموقعين، فنام ليلة الشيخ نجم الدين الصفدي، وكتب في حائط المكان الذي يبيتون فيه:
عذبت ليلة المبيت بقلبي فهي عندي مأمولة التوقيت فلما كانت الليلة الثانية نام الشيخ شهاب الدين ابن غانم، ورأى البيت فكتب تحته:
ليت شعري من بيّت الشيخ حتى راح يثني خيرًا على التبييت وكتب إلى قاضي القضاة جمال الدين بن واصل، وقد أقعده عاقدًا بحماة في مكتب فيه السيف ابن المغيزل:
مولاي قاضي القضاة يا من له على العبد ألف منّه
إليك أشكو قرين سوء بليت منه بألف محنه
شهرته بيننا اعتداء أغمده فالسيف سيف فتنه وكان ليلة في سماع فرقصوا ثم جلسوا، وقام من بينهم شخص وطال الحال في استماعه، وزاد الأمر وشهاب الدين ساكت مطرق، فقال له شخص: أيش بك مطرق كأنه يوحى إليك؟ فقال: نعم، قد أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن.
[ ١ / ١٣٠ ]
وكان يومًا عند صاحب حماة الملك المنصور وقد حضر السماط، وكان أكثره مرق، فقال شهاب الدين، لما قيل له الصلاة، بسم الله الرحمن الرحيم، نويت رفع الحدث واستباحة الصلاة، الله أكبر. وكان المظفر ولد المنصور يكره شهاب الدين فاغتنم الوقيعة فيه عند والده، فقال: اسمع ما يقوله ابن غانم، يهجن طعامنا ويشبهه بالماء الذي يرفع به الحدث، فعاتبه المنصور على ذلك فقال: ما قصدت ذلك، ولكن البسملة في بدء كل شيء مستحبة، والحدث الذي نويت رفعه حدث الجوع، واستباحة الصلاة في الأكل، قال: فما معنى الله أكبر، قال: على كل ثقيل، فاستحسن الملك ذلك وخلع عليه.
واجتمع ليلة عند كريم الدين الكبير في مولد بعلاء الدين ابن عبد الظاهر، فجاء إليه شخص وقال: معاوية الخادم يقصد الاجتماع بك، فقال: ويلك من يفارق علي (١) ويروح إلى معاوية؟.
كان شهاب الدين قد فارق أباه هو صغير، وتوجه إلى السماوة ونزل على الأمير حسين ابن خفاجة، وأقام عنده مدة يصلي به، وكان الوقت قريب العهد بخراب بغداد وقتل المستعصم وتشتت أهل بغداد في البلاد فظن به أنه ابن المستعصم واشتهر ذلك، واتصل بالملك الظاهر، فلم يزل في اجتهاد إلى أن أقدمه عليه لما أهمه من أمره، فلما حضر سأله: ابن من أنت؟ فقال: ابن شمس الدين ابن غانم، فطلب والده إلى القاهرة وحضرا بين يدي الملك الظاهر واعترف والده به، فقال: خذه فأخذه وتوجه به إلى دمشق.
وكان مع صاحب حماة قد خرج مرة إلى شجرات (٢) المعرة، وكان إذ ذاك في خدمة الملك الظاهر، وقد ضربت الوطاقات، وامتلأت الصحراء خيامًا، فاحتاج شهاب الدين إلى الخلا، وما كان يرى الدخول إلى الخربشت (٣)، فصعد
_________________
(١) كذا في ص.
(٢) الوافي: شجريات.
(٣) لعلها من " خربشته " الفارسية، بمعنى خيمة، وهو هنا يعني المرحاض.
[ ١ / ١٣١ ]
إلى شجرة تين ليتخلى، والملك المنصور يشاهده ولم يعلم ما يريد، فأرسل إليه شخصًا ليرى ما يصنع، فلما صار تحت الشجرة قال له: يا من في هذه الشجرة أطعمني من هذه التينة، فقال له: خذ، وسلح في وجهه، قال: ما هذا؟ قال: أطعمتك من التينة، فلما اطلع المنصور على القضية وقع مغشيًا عليه من الضحك.
ومن شعره:
قالوا: ذؤابته مقصوصة حسدًا فقلت: قاطعها للحسن صواغ
صدغان كان فؤادي هائمًا بهما فكيف أسلو وكلّ الشعر أصداغ ٥١ (١)