بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [٢/أ]
الحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين وسلم تسليما، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وبعد أعزك الله وأدام توفيقك، وجعلك من المتثبتين فى الدّين، ووقاك الافراط وحبّب إليك الفحص، فإنى لمَّا عارضت شيخنا أبا الحسن، ﵁، فى كتابه الذى طعن به على خبر الواحد، وقلت فى إثباته وإيجاب قبوله فى المواضع التى ذكرتها، وعلى الشرائط التى بينتها ما وقفت عليه، خفت عليك أن تجاوز الحد فى حسن الظن بأخبار كثير من المنتسبين إلى الحديث، وأن تغتر بانتشار ذكرهم، وبُعد صوتهم عند أصحابهم، فعملت كتابى هذا، وذكرت لك فيه أحوال القوم، وما قاله بعضهم فى بعض دون ما قاله فيهم خصومهم، ووصفوهم به من المناقضة والجهل، والخطأ لتعرف بذللث مقدارهم، وتعلم أن من الواجب اللازم التثبت، وتقديم سوء الظن إلا بما ينظر فيه مما رووه فتجده غير مخالف لكتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولسنة رسول الله - ﷺ - المجمع عليها، أو لإجماع الأمة التى توعد الله من ابتغى غير سبيلها، أو لعمل الصدر الأول من السلف الصالح رضوان الله عليهم؛ فإنّهم كانوا أعلم بمراد الرسول - ﷺ -، وهم الذين شاهدوا النبى - ﷺ - وعرفوا الناسخ والمنسوخ، والمتأخر، والسبب، والقصة، واستدلوا بالحال والإشارة، أو للعقل الذى جعله الله حجة على عباده [٢/ب] ليس كالتوحيد والعدل اللذين لا يجوز أن يتغير الحكم فيهما فى حال من الأحوال، ولا على لسان رسول من الرسل، ولا بقول أحد من السلف، ولا بوجه من الوجوه، ولا بسبب من الأسباب، وأنهما إذا كانا كذلك لم يكن للإخبار فيهما عمل أكثر من تأكيد ما يوحيه العقل أو يخيره فيهما والحث على التمسك بذلك.
وتعلم أيضًا أنَّ أصول الكلام المجتمع عليها ليس يجب أن يقبل فيها إلَّا الأخبار المتواترة التى لا يحتاج فيها إلى أسانيد، ولا إلى فلان عن فلان، وكذلك الأمر العام الذى يحتاج إليه الأكثر ليس يقبل فيه إلَّا خبر الجماعة وعمل الأمة، لأن ما يقوله النبى - ﷺ - فيه يجب أن يكون على حسب الحاجة إليه، وأن خبر الاثنين والثلاثة إذا رووه عن أمثالهم وظهرت عدالتهم، أو وقع حسسن الظن بهم وسلم خبرهم مما ذكرنا، وكان على الشرائط التى وصفنا إنما يقبل فى الفروع وبأكثر الرأى لا باليقين، وكما تقبل شهادة
[ ١ / ١٧ ]
الشاهدين وقول حامل الهدية وغيرهم مما ذكرنا فى كتابنا الأول.
ولكن إذا ورد عليك حديث احتجت إلى معرفة أصله ومخرجه، أو احتج به عليك أحد خصومك، رجعت إلى أسماء هؤلاء الرجال الذين ذكرتهم لك، وإلى قصصهم، فوقفت على صحة إسناده وسقمه، وتيسر عليك إقامة الحجة على خصمك فيه وأردت مع ذلك أن ينظر شباب أصحابنا فيما بينت ويعرفوه، فإنهم لا يكادون يلتفتون إليه وخصومهم يتسلقون عليهم من جهته وينسبونهم إلى قلة العلم به، وربما حجوهم فى النبى يسألونهم عنه.
وقد جعلت هذا الكتاب أعزك الله أبوابًا، فذكرت فى باب منه ما رواه القوم من تعمد جماعة منهم الكذب، وفى باب: ما رووه عن رءوسائهم من خوفهم للإفراط فى طلب ما طلبوه من الحديث وعنوانه من الاستكثار منه، وفى باب: ما روى عن النبى - ﷺ - وعن السلف رضوان الله عليهم [٣ / أ] من ترك قبول ما تدفعه العقول ويخالف الكتاب والسنة، وفى باب: ما رووه عن ثقاتهم مما أجمعت الأمة على العمل بخلافه، وفى باب ما غلطوا فيه الغلط الظاهر الذى لا يتدافعونه ولا يسألون عنه، وفى باب: ما رووه عن كثير منهم من الركاكة والسخف مع شهرتهم فيهم وارتفاع منزلتهم عندهم مما لو كان الأمر فيه التئامًا رويناه عليهم، ولا مزقناه فيهم اللهم فى البعض دون الكل، وفى باب: طعنهم بالجهل على جماعة من الصحابة وجماعة من التابعين بإحسان مما نبرأ نحن عن كثير منه ولا نقوله فيهم وما قالوه فى سلطانهم وأئمتهم وأغاليط المشهورين منهم باسم رجل رجل وما قالوه وأوفروا به على ثقاتهم ومن عليه يعتمدون فى تصحيح الأسانيد وانتقاد الحديث وهم، أيوب، وابن عون، ويونس، والثورى، ومالك ابن أنس منهم، وفى باب: أسماء من ضعفوه وأسقطوه ولم يعتدوا به مع تكثرهم بالرواية عنه فلا هم يسقطون حديثهم فيريحوا المسلمين من تخليطهم ولا هم يوثقونهم ويقبلونهم.
وضفت أسماء هؤلاء على حروف المعجم ليسهل طلب من يحتاج إلى الوقوف عليه منهم وكان يجب أن يرتب هؤلاء وغيرهم ممن ذكرنا على حسب طبقاتهم وتقدم بعضهم لبعض فى الزمان والقدر فعاق عن ذلك الشغل بما هو أوجب منه مما نحن مشغولون به، وفى باب: ذكر من نسبوه إلى أنه مبتدع صاحب هوى مع قولهم: بأن أكثرهم أو كثيرًا منهم ثقات مأمونون ومع تصديرهم كتبهم ومجالسهم بالرواية عنهم، وفى باب: ذكر ما قيل فى [٣/ب] المدلسين والتدليس.
[ ١ / ١٨ ]
وليس قولنا فى كل من نسبوه إلى البدعة أو أسقطوه وضعفوه قولهم، معاذ الله من ذلك بل كثير من أولئك عندنا أهل عدالة وطهارة وبرّ وتقوى، ولكنا حكينا عنهم طعنهم على من يروون عنه إذا احتاجوا إليه فإذا احتج خصومهم عليهم به أو بحديثه قالوا: هذا ضعيف وهذأ مبتدع تأمرًا على عهد وركونًا بالهوى وميلًا إلى العصبية وإعراضًا عن الحق ولو استقصيت أسعدك الله هذه الأبواب لطال الكتاب.
ولكنى أتيت بالجمل التى تدل على المراد وعليها المدار وأنا أسأل الله أن يصلى على محمد وأهل بيته الطيبين، وأن ينفعنا وإياك بما كتبنا ويجعله لوجهه وأن يوفقنا لشكر نعمته التى لا نحصيها، بمنه ولطفه إنه على ما يشاء قدير وذلك عليه يسير.
ويجب أيّدك الله أن تكثر فكرك فى قوله - ﷺ -: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" (١).
ليعلم أنه ﵇ نطق بتوفيق ربه ﷿ حتى كأنه مشاهد لنا، ولأحوالنا ولما نحتاج إليه فيما روى لنا عنه - ﷺ - ولنتبين أن هذه الوصية مخالفة لمذهب من يزعم أن الواجب أن يقال ما فى الحديث ولا يفسر، ويقول من يقول: أمِرُّوها كما جاءت وربما ترك تغيير اللحن والسخف.
لو كان هذا هو الواجب أكرمك الله ما كان لما حكينا من قول نبينا - ﷺ - وجه ولا معنى ولكنه حث على النظر فى الحديث إذا ورد ونفى ما لحقه من تحريف غال أو انتحال مبطل أو تأويل جاهل، ولو أن الأمة بل الخلق اجتمعوا على أن يجمعوا معاني هذه الكلمات فى مقدار حروفها ما قدروا إلَّا بتوفيق الله جلَّ ذكره فصلوات الله على محمد نبيه وعلى أهل بيته الطيبين وإن رغمت أنوف النابتة الماضين.
[٤/أ] واعلم علمك الله الخير وجعلك من أهله أنَّا إذا قلنا: المنتسبين إلى الحديث ثم
_________________
(١) أطراف الحديث عند: ابن كثير فى البداية والنهاية (١٠/ ٣٣٧). ابن الجوزى فى الموضوعات (١/ ٢١). ابن عدى فى الكامل فى الضعفاء (١/ ١٥٢، ١٥٣، ٣/ ٩٠٤). القرطبى فى التفسير (١/ ٣٦، ٧/ ٣١١). المتقى الهندى فى كنز العمال (٢٨٩١٨). التبريزى فى مشكاة المصابيح (٢٤٨). البغدادى فى شرف أصحاب الحديث (١٤/ ٥٢. ٥٥، ٥٦). إبن الجوزى فى زاد المسير (٥/ ٣٠٥).
[ ١ / ١٩ ]
قصدنا عنهم، والطعن عليهم، فلسنا نريد مشايخ أهل العلم وحملة الآثار والسنن، أولئك سلفنا ومن نتولاه وندين بتعظيمه وإنما نريد هؤلاء الذين حدثوا فى دهرنا وقبله بقليل فحملوا دينهم على العصبية ودخلوا فيما ليس من شأنهم وخالفوا السلف فتكلموا وطالبوا الرئاسة بإظهار التشبيه وغيره من فنون الكفر والضلال.
[ ١ / ٢٠ ]