[٣٧٧]
عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن الحسن بن عبد الله بن جعفر بن عليّ بن إسماعيل بن تميم بن همام الطائي، أبو محمدٍ المصري، المعروف بابن أبي الأصبع.
حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي -رحمه الله تعالى- قال: أخبرني عبد العظيم، أنه ولد بمصر فى المحرم سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وأصله من الميمون قرية من كورة /١٠١ أ/ بوش، هكذا أملى علي.
ورد إربل في شهر رجب سنة ست عشرة وستمائة؛ شاب لطيف الأخلاق، حسن الفاكهة، أسمر شديد السمرة، طويل.
سألته أي أجداده أبو الإصبع؛ فقال: هو عبد الله، وسمي بذلك لإصبع زائدة في يده، فهم يعرفون ببني أبي الإصبع؛ ثم قال: وحدثني أنه سمع على أبي اليمن الكندي -رحمه الله تعالى- كتب من أدب الشعرية.
[ ٣ / ١٥٩ ]
شاعر ذلق اللسان، أحسن في قوله غاية الإحسان، له في الشعر مجال فسيح، ونظر في صنعته صحيح كصر استعماله في لزوم البديع، حتى نال فيه المحل الرفيع.
خرج عن الديار المصرية، وحال في أقطار البلاد الشامية، ومدح ملوكها، ولقي سلاطينها، وكان عنده ك من كل صنف غريب من النوادر والمحاضرات مع معرفته بالنحو والعروض والقوافي، وعمل الموشحات.
أنشدني له سليمان بن سليمان الصائغ الإربلي الشاعر؛ قال: أنشدني عبد العظيم من قصيدة اوّلها: [من الطويل]
تصدّق بوصل إنّ دمعي سائل وزوّد فوادي نظرةً فهو راحل
فخدّك موجودٌ به التّبر والغنى وحسنك معدومٌ لديه المماثل
/١٠١ ب/أيا قمرًا من شمس وجنته لنا وظلّ عذاريه الضحى والأصائل
تنقلت من طرف لقلب مع النّوى وهاتيك للبدر التّمام منازل
إذا ذكرت عيناك للصّبّ درسها من السّحر قامت بالدليل الدلائل
جعلتك بالتّمييز نصبًا لناظري فهلاّ رفعت الهجر والهجر فاعل
أعاذل قد أبصرت حبّي وحسنه فإن لمتني فيه فما أنت عادل
محياه قنديلٌ لديجور شعره تعلّقه فيه فما أنت عادل
محياه قنديلٌ لديجور شعره تعلّقه بالصّدغ منها السلاسل
غدا القدّ غضًّا منه يعطفه الصّبا فلا غرو أن هاجت عليه البلابل
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يمدح الملك الأشرف موسى بن محمد بن أيوب: [من الطويل]
أظنّ خيال العامريّة قد ضنّا وحاشاه لكن ليس لي مقلةٌ وسنى
وكيف يزور الطّيف صبًّا يراقب الـ ـنّجوم إذا ما ليله موهنًا جنّا
سميري ما للّطيف ذنبٌ لأنّه رأى خدته وهو الكرى قد جفا الجفنا
[ ٣ / ١٦٠ ]
وكم ليلةٍ فاوضته أن يلمّ بي إذا ما هدا ليلي فعنّ وما عتّى
بكيت فناداني: أتبكى وبيننا بحكم التّداني قاب قوسين أو أدنى
/١٠٢ أ/ فقلت كذا كنّا بمنعرج اللّوى ولكنّنا من بعد ذاك تفرّقنا
رأيت بفيه إذ تبسّم أدمعًا فقلت رنا لي إذ بكى فمه حزنًا
أجاد له في النّظم شاعر ثغره ولكنّه من مقلتي سرق المعنى
ومنها في المديح:
إذا رعدت خيلٌ لبرق سيوفه غدا الوبل نبلًا والقسيّ لها دجنا
إذا امطرت أرض الوعى من عداته جماجم ريحان ببيض الظّبى تجنى
تأمّل إذا ما جئته لملمّة ترى اليسر في اليسرى كما اليمن في اليمنى
تظن بها من كثرة اللّثم حمرةً وحاشا اليد البيضاء من أثر الحنّا
وقال أيضًا:
أرى الخج تبدي ناره جنةّ خضرا اسطري به أم خطّ من صدغه سطرا
عجبت له خدًّا تورّد خجلةً يريك بياض الصّدغ فيه الدّجى ظهرا
ترى كحل الأجفان ذاب بدمعه الدّلال فخلناه على متنه شعرا
ومعسول ظلم الرّيق ظالم صبّه على أنّه للهجر أعدل من كسرى
رفعت له من دمع عينى ظلامةً أروم بها عطفًا فوقّع لي تجرى
يقول وقد غال البكا مقلتي: قف لتنظر قلت: اشهد فلي مقلةٌ أخرى
/١٠٢ ب/ أمكسور ذاك الجفن جد بتعطّف لمكسور هذا القلب واهدله جبرا
أيا قيصري الخدّ والثّغر والطّلى ويا قاصر الألحاظ ملّكتني قسرا
رعى الله أيّامًا جنيت بها المنى تقضّت وما أبقت لقلبي سوى الذّكرى
ليالي سقاني الرّاح فيها بمنطقً أصار سقام اللّحظ من طرفه خصرا
تلألأ لي في غيهب الشّعر وجهه فخيّلت أنّ الليل أبدى لنا البدرا
وأبرز من خدر الدّنان خبيئةً ولا غرو أن تسبى أن تحجب العذرا
وأنكحها الماء النّقاخ فأصبح النّثار عليها من حباب الحيا درّوا
وجاد بها عنّا وجاد بريقه فملنا كما مال القضيب به سكرا
شممنا وقد رام الغناء ولم يفه شذًا لم تلذّ النّفس من دونه عطرا
[ ٣ / ١٦١ ]
إلى أن تعنّى مدح موسى فحقّفت بأنّ اسمه أهدى لها ذلك البشرى
وأنشدني أبو الفتح محمد بن بدل النيسابوري، قال: أنشدني عبد العظيم لنفسه:
[من الوافر]
وربّ مهفهف وافى بكأسٍ وباقة نرجسٍ فسقى وحيّا
فقلت لصاحبي أبصرت بدرًا سقى شمسًا وحيًّا بالثّريّا
وأنشدني أيضًا قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]
/١٠٣ أ/ وشاد شدا فابتّز عقل جليسه فخلناه يسقيه معتّقة الخمر
يغير على الألباب ضربًا كأنّما تطالبها أو تاره بالوتر
فقلت له: راحا سقيت فقال: لا ولكنّ ضرب العود ضربٌ من السّحر
فقلت له: ما ثمّ سحرٌ فقال لي: عجيبٌ أتنفيه وأصلك من مصر!
وقال أيضًا: [من الطويل]
وأدهم جارى الشمس في مثل كونه سباقًا من الغرب القصيّ إلى الشّرق
فجاء إليه قبلها متمهّلًا فأعطاه من أنواه قصب السّبق
وله في اجتماع الملك الأشرف موسى وابن عمّه الملك الظافر الخصر بن يوسف بالرقة: [من الطويل]
قرانّ أرانا برجه الشمس والبدرا فاضحى لنا بل للأنام به البشرى
غدا مجمع البحرين شاطي فراتنا ألم تر موسى فيه قد لقي الخضرا
به اجتمعا لكنّ ذا لم يقل لذا غداة أتى: لن تستطيع معي صبرا
وكيف ترى هذا وموسى بفهمه أحاط بعلم الكون من فطنة خبرا
أيا ابن أبي بكر زمانك فترةٌ بها مالك الأقطار لا رسلهم تترى
/١٠٣ ب/ ظفرت بلقيا الظّافر الملك الَّذي نجوم علاه في الدّنى تبهر الزّهرا
غدا ناهلًا ماء الحياة بقربكم فيهنؤه ربّي أطال له العمرا
توافق فعل المالكين كرامةً فلم يعص إنسان لصاحبه أمرا
[ ٣ / ١٦٢ ]
وكان ناديت نفسّا فلم تقل لقد جئت في ذا الأمر يا صاحبي إمرا
وقال أيضًا: [من الوافر]
وفدت على الكمال إذ أنّ كيسي غدا صفرًا الصّفر الثّقال
فما لمحت بريق العين عيني ولا نالت يسيرًا من نوال
أجيبت فيّ دعوى قائلٍ لي كفاك إلا هنا عين الكمال
وقال أيضًا: [من السريع]
إبن فلانٍ أكرم الناس لا يمنع ذا الحاجة من فلسه
وهو فقيه النفس لكنّه نصّ على التقليد في درسه
يستحسن البحث على وجهه ويطلب الدّخل على نفسه
وقال يهجو رجلًا ناظرًا بالغربية، والغربية من أعمال مصر، وهي المحلّة وأعمالها: [من الطويل]
/١٠٤ أ/ لحا الله بالغربيّة الآن ناظرًا تصلّب لمّا أن شكوت له العدما
ولا سقيت أرضٌ بها سببت له معالم ذكركنّ من قبلها رسما
بلاد لئامٍ لا ترى حقّ وافدٍ ترى هل يريني الله ناظرها أعمى
وله يوشح قصيدة أبي تمّام الطائي؛ يمدح بها الحسين بن علي بن أبي طالب –صلوات الله عليهما وسلامه-: [من الطويل [
هو البحر أودى بل هو المجتبى البرّ
هو ابن البتول الطّهر الحبر
سلامٌ عليه مات من بعده الصّبر
أقول وللأحزان في كبدي جمر
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر وليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذر
***
لقد فاز من ولاّه بالأمن في غد
كما فاز من قد أمّه وهو مجتدي
فقولوا لسارٍ في دجى الليل منجد
[ ٣ / ١٦٣ ]
يؤمّل إن يحظى برؤية منجد
قضى الجود من بعد ابن بنت محمّد وأصبح في شغلٍ عن السّفر السّفر
***
سرى مؤثرًا يعدى بطول بقائه
من الموت ذكراه وطي ثنائه
مضي حين فلّ الفوت غرب مضائه
فتّى كان يستسقى الحيا من حيائه
غدا غدوةٌ والحمد نسج ردائه فلم ينصرف إلاّ واكفانه الأجر
***
/١٠٤ ب/ تولّى الَّذي ما أبصر الدّهر مثله
أباّ وإباءً فاق في الدّهر أهله
فلو تحسن الأيّام تمدح فضله
لقالت وقد ولّى نؤّبن فعله
ألا في سبيل الله من عطّلت له فجاج سبيل الله واثغر الثّغر
***
مخيلته أكرم بها من مخيلة
مخيلة سمحٍ ربّ كلّ فضيلة
تنال المنى منها بادنى وسيلة
فسقيا لآب عاب كلّ رذيلة
فتّى كلّما فاضت عيون قبيلةٍ دمًا ضحكت منه الأحاديث والذكر
***
تزوّد عزمًا ثمّ ودّع طيبة
ويمّم أرض الطّفّ لم يبغ ريبةً
فلاقى الحمّام المرّ
أقدم يردي بالكتائب هيبةً
فتى مات بين الطّعن والضّرب ميتةً تقوم مقام النّصر إذا فاته النّصر
[ ٣ / ١٦٤ ]
ترى هل يريني الله زائر طيفه
لأسأل عن حكم البغاة وحيفه
ومين خذولٍ لم يعنه وزيفه
غدا رآه الموت أكرم ضيفه
ومات حتى مات مضرب سيفه من الضرب واعتلّت عليه القنا السّمر
***
له الله ما أورى لدى الرّوع زنده
جلادًا وما أخلى الرّدى فيه عنده
تقدّم والإقدام مرهف حدّه
فباشر أهوال المنيّة وحده
وقد كان فوت الموت سهلًا فردّه إليه الحفاظ المرّ والخلق الوعر
***
/١٠٥ أ/ أبى عزمه الماضي هنالك أنّه
يرى ناكصًا والصّبر أضحى مجنّه
وبأسٌ أبوه الأنزع الحبر سنّه
وجأشٌ إذا جاش الرّدى كان قرنه
ونفسّ تخاف العار حتى كأنّه هو الكفر يوم الرّوع أو دونه القبر
***
إمامي الحسين الله كمّل فضله
وأبكى عليه عالم الكون كلّه
درى أنّ هذي الدّار ليست محلّه
وأنذ الردى لابدّ من أن يحلّه
فأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر
***
فعدا مقدمًا والسيف في العام قد عتا
وزرق عيون السّمر أن تتلفّتا
[ ٣ / ١٦٥ ]
وطاعن عن ميراثه مثبّتا
فلمّا نحاه السيف عريان مصلتا
تردّى ثياب الموت حمرًا فما أتى لها الليل إلاّ وهي من سندسٍ خضر
***
قضى ظاميًا أثوابه الآن فضّهٌ
تطوف بها حوراء غيداء بضّةٌ
بروحي روحٌ منه في الخطب عرضةٌ
ذوت بعدها آمالنا وهي غضّةٌ
مضى طاهر الأثواب لم تبق روضةٌ من الأرض إلاّ واشتهت أنّها قبر
***
صلاة إله العرش وزن صلاته
عليه فكم أغنى الورى بهباته
فكأنًّ بني الزهراء يوم وفاته
نجوم سماءٍ خرّ من بينها البدر
***
فوا حزنهم إذ مزّقته يد البلى
ويا شوقهم مذبزّه منهم القلى
/١٠٥ ب/ لقد ودّعوا إذا أودعوا شخصه الفلا
حياّ طالما روّى من العين ممحلا
يعزّون عنء ثاوٍ به قد ثوى العلا ويبكي عليه الناس والجود والشّعر
إليك ففي أكبادهم لاعج الغضا
على مالك منهم رضوان يعوّضا
ففلا تعد فيهم بالملام معرّضا
فحزنهم للصبر أمسى مقوّضا
وإنّي لم أصبر عليه وقد مضى إلى الموت حتى استشهدا هو والصّبر
***
[ ٣ / ١٦٦ ]
أيا ابن رسول الله فقدك بزّني
ثياب عرائي فيك الحزن عزّني
إذا ما عراني ذكر يومك هزّني
جوّى فأنادي والشؤون تؤزّني
عليك سلام الله وفقًا فإنّني رأيت الكريم الحرّ ليس له عمر
***
وقال يمدح الملك الأشرف مظفر الدين أبا الفتح موسى بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي: [من الطويل]
ثلاث خمور غال عقلي السّكر لواحظك المرضى وريقك والنّشر
ومالي أخصٌّ اللّحظ والرّيق والشّذا بخمر ولي من كلّ معنّى بها خمر
ومن أعجب الأشياء سكري دائمٌ ولم يّبد لولا الدّمع للكاشح السّرّ
/١٠٦ أ/ جرت شهب دمع العين في الهجر مثلما جرت في النّوى منها سوابقها الحمر
فكانت لنا خيل البريد جرت بما جرى بيننا للناس فانهتك السّتر
أقول لعذّالي عليها لجهلهم ودمعي غديرٌ: ليس من شيمتي العذر
دعوني فإني كلّما مر ذكرها يكاد فؤدي ليس يمسكه الصّدر
نحلت فصار الجسم سلكًا نظمت إذ بكيت به دمعي كما انتظم الدّرّ
فلمّا رأتني جرّدت سيف لحظها وقالت لغير العقد ما صلح النّحر
حكيت خيالي بالنّحول فزرتها وأوهمتها أنّي استزارني الفكر
فظنّت بأنّي زرتها في منامها وأنّ النهار الليل إذ ادمعي زهر
بكت لؤلؤًا عند الوداع وأمطرت جفوني عقيقًا فالتقى الماء والخمر
يورّد دمعي الخدّ منّي وخدّها يورّد منها الدمع إذ يشتكى الهجر
أغنّى وأنسى نظم عيني ونثره فتبكي ومن خوف المراقب تفتر
يعارض شعري والتّرسّل مبسمٌ ودمعٌ بخدّيها هما النّظم والنّثر
تقول لتربيها بدت سرقاته فسجعاته دمعي وأبياته الثّغر
[ ٣ / ١٦٧ ]
أيجحد قلبي صنوه وهو زادها جمالًا به لو أنصفت يجب الشّكر
ولم أنس إذ حيّت بكأس وكل جار جارحة سكر
/١٠٦ ب/ وغنّت وهزّت عطفها كحمامةٍ شدت فتثنّى تحتها الغصن النّضر
يرنّحها سكر الصّبا وتهّزّني إذا ردّدت أو صاف شاه أو من السّكر
تقول فدت روحي ملكيًا بذكره غدت نكهتي يعزى إلى طيبها العطر
ولولا اسمه لم يعشق الناس صورتي ولا طاب في أوصاف غانية شعر
فمٌ ميمه والصّدع واوٌ وسينه إذا حقّقوها مبسمٌ وهو مفترّ
وحسن اعتدال القدّ من ألف اسمه الـ ـتي سكنت بالقصر يا حبذا القصر
مليكٌ تناديه السعادة نب إلى مرادك فالأقدار طوعك والدّهر
أبو الفتح ربّ الفتح منه اعتزامه إذا ما غزا لكن أخو غزوه النّصر
يعود لديه البعد قربًا بعزمه ويغدو له سهلًا إذا رامه الوعر
فلو قصدت محو النّجوم عقابه محاربةً لا نقضّ من خوفها النّسر
كريمٌ يمين الله ظهر يمينه على أنّها من بطنها يقتنى الشّذر
إذا ارتضع العافون باللّثم كفّه الـ ـكريمة أضحى الدرّ وحولهم درّ
فيمناه واليسرى لقاصد برّه إذا أمّه دون الورى اليمن واليسر
حكى وهو موسى أحمدًا حين اتبعت لقصاده الأوراق أنمله العشر
اباغي النّدى يمّم ذرى ملك الورى أبي الفتح موسى خير من أمّه السّفر
/١٠٧ أ/ تر الفجر بشرًا من أسارير ماجد مواهبه شفعٌ وسؤدده وتر
هو اللّيث لكنّ الوشيح عرينهً هو الغيث لمتّ النّضار له قطر
تمنّت سيوف البرق خطّ سيوقه وقد صدئت بالضّرب والجوّ مغبرّ
على طول أسياف البروق وصقلها وأن ظباه غير مصقوله بتر
بسعد أخيه الكامل الملك قد غدا يعيش به الإسلام إذ يهيك الكفر
وتهدي له الدنيا الممالك كلها ويهدي غدًا جنّات عدن له الحشر
فطوبى لعبد قد أطاع محمدًا فراح ولا لومٌ عليه ولا وزر
حروف اسمه ملكٌ وحمدٌ مخلّدٌ ومال ودينٌ البرّ
فمن كان من أعوانه نال باسمه جميع الأماني واغتدى عبده الدّهر
[ ٣ / ١٦٨ ]
لقد شرّف التّشريف بالأشرف الَّذي به شرفت إذ حلّ ساحتها مصر
ولمّا أهان التّبر كسر لقلبه دعا مالكًا للناس مذهبه الجبر
فشرّفه باللّبس رفعًا لقدره وكم جرّه للاّئذين به الحرّ
ركبت بذا التّشريف ليلًا فاشرقت دياجيه حتى قيل قد طلع الفجر
وقد نثرت فيه المجرّة زهرها عليك وأضحت وهي فوق الرّبى زهر
وظّنّك قصر الفاطميين رّبه الـ ـخليقة إذ وافى إليه بل الفخر
/١٠٧ ب/ غدا مجلس الدّاعي يقول أعيدلي إذًا عصر أحبابي فيا حبّذا العصر
رقبناك في ليل العماية طالعًا وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
أغاية قصدى بطن يمناك غايةً بترتبها للمعتفي ينبت التّبر
فضحت الحيا والبحر جودًا فقد بكى الحيا من حياء منك والتطم البحر
اسلطاننا أنت العزيز بمصرنا وقد مسّنا والأًهل بالعدم الضّرّ
أعد نظرًا لي بالجميل فإنّ بي لجودك فقرٌ ليس يشبهه فقر
ألم تدر أنّي غرس نعماك فاسق من غيوثك غرسًا بعض أثماره الشعر
وخذها تهادى في حليّ تديّها كما تتهادى في الحلى الظّبية البكر
حياءً من التّقصير يحمر وجهها وضرّاتها الحسّاد أوجهم صفر
عيون معانيها سماحٌ وأعينٌ ملامحٌ مراضٌ تلك في حسنها سرّ
أضاعت عقولًا حين ضاعت فما درت أبابل قد أهدت إليها أم الشّجر
هي السّحر فاعجب لامرئٍ جاء يرتجي عواطف من موسى وصنعته السّحر
بقيت لقصاد نصيبًك منهم ومن ربّهم نظم المدائح والأجر
[٣٧٨]
عبد المجيد بن هبة الله /١٠٨ أ/ بن محمد بن محمد بن الحسين ابن أبي الحديد المدائنّي
[ ٣ / ١٦٩ ]
من بيت القضاء ببلده، كاتب فاضل أديب، ذو فضل غزير، وأدب وافر، وذكاء باهر، شاعر مجيد، سريع الإدراك، جيد الفكرة، خدم في عدّة أعمال آخرها كتابة ديوان الزّمام المعمور.
أخبرني أنه ولد غرّة ذي الحجة بالمدائن سنة ست وثمانين وخمسمائة، وتأدّب على الشيخ أبيس البقاء عبد الله بن الحسين النحوي العكبري، ثم على أبي الخير مصدّق بن شبيب الواسطي.
واشتغل بفقه الإمام الشافعي –﵁- وقرأ علم الأصول، وهو شاعر، وكان أبوه يتقلّد قضاء المدائن، لقيت أبا محمد بمدينة السلام مرارًا، ولم يقدر أن آخذ عنه شيئًا من شعره.
من بيت القضاء ببلده، كاتب فاضل أديب، ذو فضل غزير، وأدب وافر، وذكاء باهر، شاعر مجيد، سريع الإدراك، جيد الفكرة، خدم في عدّة أعمال آخرها كتابة ديوان الزّمام المعمور.
أخبرني أنه ولد غرّة ذي الحجة بالمدائن سنة ست ثمانين وخمسمائة، وتأدّب على الشيخ أبي البقاء عبد الله بن الحسين النحوي العكبري، ثم على أبي الخير مصدّق بن شبيب الواسطي.
واشتغل بفقه الإمام الشافعي –﵁- وقرأ علم الأصول، وهو شاعر، وكان أبوه يتقلّد قضاء المدائن، لقيت أبا محمد بمدينة السلام مرارًا، ولم يقدر أن آخذ عنه شيئًا من شعره.
ثم رأيت له قصيدة بخطّه عملها في الوزير أبي الأزهر أحمد بن محمد بن علي بن الناقد، وزير المستنصر بالله أبي جعفر المنصور –﵀-. ولما توجهت نحو مدينة السلام في سنة تسع وثلاثين وستمائة، اجتمعت به في منزله، وذلك في شهر جمادى الآخرة من العام المذكور، فألفيته متمرّضاَ /١٠٨ ب/ فقرأتها عليه، وذكر لي أنّ له كتابًا مجموعًا غير مرتب سمّاه "العبقري الحسان"، يحتوي على مسائل شتى في علم الكلام والمنطق والطبيعي والأصول، ونبذ من التاريخ والرسائل والأشعار مما أختير من ذلك ويدخل الكتاب في نحو خمس مجلدات.
وصنّف كتابًا آخر ترجمه "بالفلك الدائر على المثل السائر" اعترض فيه على
[ ٣ / ١٧٠ ]
مصنّفه أبي الفتح نصر الله بن محمد بن عبد الكريم الكاتب الجزري، وذكر أغاليطه وخطأه في مواضع أخذها عليه في تفسير شعر، ونقد معان وغير ذلك.
وكان قد ولي في الأيام الناصرية مشرفًا بأعمال طريق خراسان، وبقي إلى الأيام الظاهرية، ثم صار في الدولة المستنصرية كاتبًا في الديوان العزيز، ثم انتقل من ذلك، ورتّب كاتبًا في المخزن لمحروس، ودار التشريفات، وهو اليوم يتولّى الإشراف بأعمال السواد.
أنشدني الشيخ أبو محمد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن أبي الحديد المدائني، ما كتبه إلى القاضي أبي صالح نصر بن عبد الرازق بن عبد القادر الجيلي: /١٠٩ أ/ في أيام ولايته قاضي القضاة: [من الطويل]
أبا صالح ما أدّعي لك سؤددًا فيطعن في دعواي حيٌ من الناس
فلو اجمعوا في الدّين إجماعهم على كمالك أغفو من شكوك ووسواس
وقار أبي بكرٍ وأحكام حيدر وصدق أبي ذرٍّ وفتيا ابن عبّاس
ألا لا تقل كان ابن معروف قبله وقام شريحٌ أو إياسٌ بقسطاس
فإنهم كانوا هضابًا منيعةً وذا العلم المشهور والجبل الرّاسي
إذا ذكروا كانوا كجثمان سؤددا وذا الرّاس للجثمان والعين للرّاس
فلو أن دستا ينبت النّور زخرفت دست عماد الدين بالورد والآس
عتبت على الأيام فينا فاعتبت وليّنت من قلب الزّمان لنا القاسي
وقوّيت من آمالنا فكّانما نصرت لنا جيش الرّجاء على الياس
فلو كنت في أيام يكر بن وائلٍ لأخمدت نارًا شبّها جزم جسّاس
وهيبة تقوّى قمّصتك شعارها تضاءل فيها كلّ أغلب معّاس
كانت صروف زماننا فمذ قمت فهو الصّاغر الرّاغم الـ ..
فضلت الورى بالعلم والحلم والتّقى وبذل النّدى والعزم والحزم والباس
فاحبطت مدح المادحين ولو أتوا بجرول يطري آل لأي بن شمّاس
/١٠٩ ب/ ولو لم يقل جدّي الَّذي تعرفونه عرفنا عقار الدّنّ بالخمر والكاس
أتى رجبٌ يحيك نسكًا وعفّةً وأين من الدّيباج سربال كرباس
وهيهات منّا حصر أوصافك التي تعجز عدّا واضعي قاطغر ياسي
[ ٣ / ١٧١ ]
ولإنّي بما أثني عليك كجاعل مثالًا لنور الشّمس من نور نبراس
فلا برحت حسّاد نعماك مثلها فليس لهم آسٍ وليس لها ناسي
وكتب إلى عماد الدين بن الدامغاني –قاضي القضاة- في أيام ولايته قصيدة نظمها ولم يبلغ الحلم أوّلها": [من الخفيف]
عارضٌ عنّ في الهواء طخاء فرّقته الرياح فهو جفاء
فسقته أيدي الشّمال فلا ينـ ـظر منه في الأفق إلاّ عماء
ثمّ ساقت منه الجنوب ركامًا مكفهرًا يضيق عنه الفضاء
فهو جونٌ تظنّ في كلّ أفقٍ من نواحيه ظلمةٌ حمّاء
وتدلّت دون السماء سما مثلها بيد أنّها سوداء
واستطارت به البروق ففي كـ ـل مكان من ضزئها لألاء
وتداعت به الرعود فلا يسـ ـمع إلاّ الأصّوات والضّوضاء
/١١٠ أ/ ثمّ درّت أخلافه فكأنّ الـ ـجوّ نارٌ وأرضه دأماء
فأعالي الجبال ماءٌ وتحت الـ ـأرض ماءٌ وظاهر الأرض ماء
فهو يحكي قاضي القضاة عماد الـ ـدين إذ أحدقت به اللأواء
وبعيدٌ ما بين في الجو هذا ضحكٌ وذاك بكاء
وكتب إلى بعض الأصدقاء العلويين بالمدائن: [من الكامل]
الجسم مضنّى والوداد صحيح والقلب يضمر والدّموع تبوح
والنار في كبدي تشبّ فادمعي كالجمر في ماء الخدود تلوح
راع الفؤاد زقاء طير هاتف ووميض برق بالعقيق يلوح
يأبن الأراكة هل بعينك جمرّةٌ من اضلعي تغدوا بها وتروح
يا بعد ما بيني وبينك في الهوى أنا نائحٌ باك وأنت صدوح
لو كنت تضمر بعض ما أكننته لذوت فروع البّان حين تنوح
أهوى وتهوى هاجرًا ومواصلًا وشحيح حبِّ الهاجرين بريح
يا باخلًا عن قدرةٍ بكلامه إنّ الشحيح بنطقه لشحيح
[ ٣ / ١٧٢ ]
هبني أبيح إذا صبرت محبّتي فإذا عفا جللًا فكيف أبيح
/١١٠ ب/ لولا ومن الوفاء إذا يعدّ قبيح
وأغرّ أزهر من أورمة هاشم ماء الجمال بوجهه مسفوح
إن تأته في حادث أو كارثً فالبعض من تعريضه التّصريح
لا يستكين لنازل كّالطّود لاّ يلويه إن سهلت عليه الريح
وهو الفلان الطّالبي فإنّه لي في الخطوب مثقّفٌ وصفيح
هو ساعدي المستدّ والعضد الَّذي نيطت إليه ومنكبي المشبوح
لو كان للطّوفان فسحة صدره لم ينج منه بالسفينة نوح
من كل زوج خلفه فلأجل ذا لا يحتويه من البريّة روح
ها روضةٌ للطلّ في أرجائها درٌّ على كافورها منضوح
ضحكت بها الأزهار والنّوار إذ عبست لها جون الغمام دلوح
ما الجود الإثراء أبعد صحبةُ من أن يصاحب نبتها
لو حلّها الظّربان أصبح فأرةً في داره منها العبير يفوح
يومًا بأعطر من ذلايقه التي هي للصّبوح من المدام صبوح
لا ضالعي ضلع إليه بجوانحي حرقٌ عليه جنوح
فلذاك لست لترك وجدي واجدًا أبدًا كما لا تبرح التّبريح
/١١١ أ/ وقال في الإمام الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله –صلوات الله عليهما- لمّا أطلق من ماله خمسة آلاف دينار في عمارة المشهد الشريف الكاظمي بعد احتراقه، وذلك في سنة ثلاث وعشرين وستمائة: [من الطويل]
تهنّ أمير المؤمنين محمّدا بعارفة حلّت وجوه بنى فهر
وصلت بها أرحام آل محمّد وفقت بها أهل النّباهة والذكر
سررت عظامًا بالصفيح رميمةً لموتى وأثقلت الجواد من البرّ
وأنشرت موتى بالبقيع واعظمًا بطوس وسامراء طيّبة النّشر
ورمسين رمسًا بالغريّ مقدّسًا ورمسًا بأرض الطّفَ مشتهر الأمر
ولو سئل القبر الشريف بطيبة لأثنى لما أوليته صاحب القبر
بنو عمّكم دون الأنام وأهلكمً وإخوانكم في العسر طورًا وفي اليسر
[ ٣ / ١٧٣ ]
أبو طالب عام المجاعة لم يجد سوى صنوه العبّاس في الخطب من ظهر
وكانت متى يغضب إلى السيف يعتضد برأي أخٍ ثبت العزيمة في الذكر
/١١١ ب/ فمولاكم مولاهم وأبوكم أبوهم وبرّ الأهل يفسح في العمر
وأنت عليم بالذي كان واشجًا من الودّ بين السّبط والسّبط والحبر
فلو تنطق الزهراء اثنت وخبّرت أباها بما قدّمت من صالح الذّخر
وأرضيت ربّ الناس والناس فاغتدى بنانك مملوءًا من الأجر والشكر
فلا برحت راياتك السود تهزو الـ ـجنود بنصرٍ أيّدٍ يا أبا نصر
وكتب إليه النقيب الطاهر قطب الدين بن الأقساسي جزءًا من شعره، لتأمله، وكتب على ظهره: [من الكامل]
لا غرو إن فقت الأنام فصاحةً وأبوك أفصح ناطق بالضاد
منع القريض صيانةً لمقامه ورزقت منه قلائد الأجياد
فكلاكما ذو معجز لكنّك التالى له وهو النبيّ الهادي
طبع يفيض بلاغةً وفصاحةً فيض الأتي إلى قرار الوداي
يدنو فيهزأ بالوليد وتارةً يعلو فيسخر من قريض زياد
. لجرجرة الفنيق إذا رغا وصل الشّقاشق منه بالإزباد
/١١٢ أ/ لا غاض هذا البحر منك ولا خبت جمرات هذا الخطاب الوقّاد
وإذا ذوى عود البيان فلا ذوى من دوح فضلك أنضر الأعواد
وبقيت محسودًا على درك العلا فمن السعادة كثرة الحسّاد
فكتب النقيب الجواب: [من الكامل]
عبد الحميد جزيت عنّي خير ما يجزى صديقٌ حافظٌ لوداد
وبلغت في الحساد أنهى ما يرى ذو نعمة في الكبت للحسّاد
حزت الخلال الصالحات بأسرها من عفّةً ونزاهة وسداد
وجمعت أشتات العلوم مغبّرًا من شأوهًا في وجه كلّ جواد
ورأيت ما أصّلت عمرًا ثانيًا والبذور يبقى بعد كلّ حصاد
وكذا الَّذي تسمو به همّاته حتى يكون فتى من الأمجاد
قد كنت لا أبدي القريض مراقبًا خللًا يعدّده ذوو الإنشاد
[ ٣ / ١٧٤ ]
وأقول إنّ له أعادي ربما عدلوا عن الإصلاح للإفساد
وأقول لست بمظهر ولدي إلى من ليس يعرف حرمة الأولاد
حتى رأيتك أهل ذاك فلم أكن لأصونه عن منصف نقاد
فوصفت منه ما أسار رواته في كلّ قطرٍ في البلادً ونادي
/١١٢ ب/ أطلقت منه ما حبست بشكره لك ظاهر بين الخليقة بادي
وعددت شعري عند وصفك منحةً رقدت بها عيني وقرّ وسادي
ولأعطفنًّ عليك منه محامدًا ذللًا إليك على يد الحقّاد
تكوك أبراد الثّناء فإنّها ناهيك للفضلاء من ابراد
يبقى عليك بها ما غرّدت قمريةٌ وحدا القلائص حادي
وكتب إلى فخر الدين أبي المظفر هبة الله بن الموسوي عند تربيته صدرًا بالمخزن المعمور في سنة عشرين وستمائة: [من الكامل]
لي في الرجال فراسةٌ لا تكذب قد أخبرتني أنّ جدّك يغلب
وارى الأمور إلى يديك ستنتهي غاياتها وإلي علاك ستنسب
خلت البلاد من الكماة فلا ندى يرجى ولا فتكٌ يهاب ويرهب
ذاخائرٌ طمعًا وذا مسترسلٌ عجزًا وذا متهوّرٌ متوثّب
وتقسّمت أعمالها في معشر خربت بسوء فعالهم وستخرب
إنّ البغاث بأرضنا مستنسرٌ والشّاء في طرقاتنا تستذئب
قد أعضل الداء الَّذي بقراطه تدبيرك الحسن الأسدّ الأصوب
/١١٣ أ/ ومنها:
ما المخزن المعمور إلاّ أيّمٌ قلت الرجال وأقسمت لا تخطب
فنكاحها متعذّر وطريقها متغيّرٌ ولقاؤها مستعصب
رغبت عن الأكفاء عزًّا واغتدت في مجدها السامي المكانة ترغب
يا بن اللّيوث وقد نصحتك فاستمع مثلًا فقد هدر الفنيق المصعب
لا تخرجنّ العصب منك فربما كان الَّذي ينجيك ممّا يعطب
ومنها وقد ذكر ترتيبه مشرفًا حينئذٍ بطريق خراسان: [من الكامل]
[ ٣ / ١٧٥ ]
فانظر أنار الله سعدك مادجا ليلٌ وأشرق في الدجنّة كوكب
هل مثل مشرفك الَّذي ترتيبه في مشرفي الأعمال لمّا رتّبوا
جمعت له شعب الفضائل كلها لمّا غدت في غيره تتشعّب
حدث الشّبيبه وهو إن مارسته كهلٌ خبيرٌ بالأمور مجرّب
يقظان ملتهب الفؤاد جنانه ذكرٌ وعزمته حسامٌ مقضب
يغني عن النّظار إن فقدوا كما يغني عن الكتّاب ساعة يكتب
إن شئت فهو أبو رشيد حاسبًا وإذا تشاء فمشرفٌ لا يحسب
/١١٣ ب/ في هذا البيت كناية عن معنىّ كان بينهما:
كتبت عليه الرّقّ طول حياته جهتان إحسانٌ إليه ومذهب
وكتب إليه أيضًا: [من الخفيف]
لو بحفظ العهود كنت وفّيًا ما سعرت الهوى عليّ وفيّا
هدّني ضعف مقلتيك وقد قيـ ـل ضعيفان يغلبان قويّا
ملكٌ مثّلته لي يكره الحـ ـب غلامًا بين الأنام سويًا
عذت بالله منك والمخزن المعـ ـمور إن كنت يا غلام تقيّا
بحمى ماجد إذا ضيم للأمـ ـجاد جارٌ كان الغيور الأسيّا
من قبيلٍ يتلى الكتاب عليهم فيخرون سجّدًا وبكيّا
خلفونا أيا المظفّر من مجـ ـدك ما يكبت الحسود الشّقيّا
أمّل الدّرّة التي أنجبت من جوهر المجد راضيًا مرضيّا
وأبوك الإمام موسى كظيم الـ ـغيظ حتى يعيده مرضيّا
وأبوه تاج الهدى جعفر الصّا دق وحيًا عن الغيوب وحيّا
وأبوه محمّدٌ باقر العلـ ـم مضى هاديًا لنا مهديّا
وأبوه السّجّاد أنقى عباد الـ ـاه في الكون مجلسًا و
/١١٤ أ/ والحسين الَّذي تخيًّر أن يو دي عزيزًا ولا يعيش دنيّا
وأبوه الوصيّ أشرف من طا ف ولبّى سعيًا وساق الهديّا
طامنت مجده قريشٌ فأعطتـ ـه إلى سدّة السماء رقيّا
أهملت صيته فطار إلى أن ملأ الأفق ضجّةً ودويّا
[ ٣ / ١٧٦ ]
وأبو طالب كفيل أبي القاسـ ـم كهلًا ويافعًا وصبيّا
ثمّ شيخ البّطحاء تاج معدٍّ شيبة الحمد هل علمت سميّا
وأبو عمرو العلا هاشم الجو دومن مثل هاشمٍ بشريّا
وأبوه الهمام عبد منافٍ قل تقل صادقاّ وسديديّا
ثمّ زيدٌ أعني قصيّ الَّذي لم يك عن رتبة العلاء قصيّا
نسبٌ إن يلفّع النّسب المحـ ـض لفاعًا عان السّليب العريّا
وإذا أظلمت [به] بيضة الإنـ سان يومًا كان المنير الجليّا
تالدٌ مجده على قدم الدّهـ ـر وقد يفصل العتيق الطريّا
وإذا ما عددت أجدادك الغـ ـرّ فيكفيك أن تعدّ النبيّا
شرفٌ أفحم الزمان فلو حا ولت وصفًا له لعد غنيّا
وعتيقًا إذا عددت وكسرى أورثاه لسان صدق عليّا
/١١٤ ب/ ملكي فارسٍ وعدنان فافخر عربّيًا إن شئت أو فارسيّا
وإذا ما فخرت من جهة الأعـ ـمام فادع السّبط الجليل الزّكيّا
حسنّا وادع جعفرًا تدع ليثًا يرهب الليث بأسه شمّريّا
وادع عمّيك حمزة الحرب والعبّـ ـاس ذمرًا وسيدًا لوذعيّا
الإمام الحبر المعظّم عبّد الـ ـله والعابد التّقيّ النّقيّا
وابنه الكامل الجليل فقل ما شئت فيه فقد أصبت الرّميّا
وبني عمّك الجحاجح والصّيـ ـد سريًّا من بينهم فسريّا
وبينه أئمّة الدّين هل تذ كر منهم إلاّ شجاعًا كميّا
أو عظيمًا مرشّحًا أو أميرًا أو إمامًا مستخلفًا أو وصيّا
وإذا ما النّديّ فاخر بالأخـ ـوال فافخر فقد شأوت النّديا
بسميّ الخليل واذكر أخاه قاسمًا تذكر الوصيّ البهيّا
وأذكر الطّيّب المطهّر والطّا هر نحو العلا الغريّا
بضعات من المؤيّد بالوحـ ـي نورًا من الإله جليّا
بكم استعيذ من روعه المو قف جمعًا حول الجحيم جثيّا
حين يستفرغ الملائك من كـ ـلّ قبيلٍ أوفى القبيل عتيّا
[ ٣ / ١٧٧ ]
/١١٥ أ/ ربّ لا تجعلنّني في الألى كا نوا بنار الجحيم ولى صليّا
فاتح الأمر منكم ولدى الخا تم منكم وعدًا لكم مقضيّا
وكتب إلى شرف الدين معد الموسري، يذكر نهر ملك بالفولوجة، وقد أحكمه بناءً: [من المتقارب]
منازل ليلى وأوطانها سقيت من المزن هتّانها
ولا سحبت مثقلات السّحاب بغير صعيدك أشطانها
منازل جار عليها الزمان فأبدك بالوحش غزلانها
وربتما ليلة بتّها أعاقر بالراح سكّانها
وقد عمّم النور ضلع النّجاد منها وجلّل غيطانها
وليلى على العهد لا حذرات ولا خفت هجرانها
تبوح إلينا بأسرارها ونأمن في الوعد ليّانها
فما ضرّها لو أدامت لنا زكاةً عن الحسن إحسانها
تحكي عن وصلها البارقا ت توقد في البيض نيرانها
وصمّ الأنابيب عسّالةً تضاهي سنى الغصن مرّانها
/١١٥ ب/ ومقربة من نبات قب تجاذب ارسانها
تحفّ من الشّوس ذا نخوة أبيّ العشيرة غيرانها
لو ارتاب بالطّيف في نوم مقًـ ـلتيه لأسهر أجفانها
فغار عليها من الشمس أن تقابل بالنّور جثمانها
حذار الأحاديث إنّ الكريـ ـم ليخشى ثناها وبهتانها
أحبُّ أخا العزم لو سار الـ ـجبال لزعزع ثلانها
يكاد بهمّته أن ينا ل نجوم السماء وأعنانها
كعزم معد بن موسى الَّذي إذا زان ملكًا علا زانها
هو الطاهر الطّيب المرتجى إذا حارد الشّول البانها
وأمست هشيمًا رياض النّدى وأفنت يد المحل أفنانها
وذو العزم لو قذف الجنَّ منـ ـه شهابٌ لأحرق شيطانها
ينأل بأدناه مثنى الصِّعا ب من المجد إن وجدانها
[ ٣ / ١٧٨ ]
هنيئًا لأرض تولّيتها وأحييت بالعدل قطّانها
وكادت تكاد من الجور أن تميد فثبّت أركانها
ذوى نبتها وعفا رسمها فأحييت بالعرف سكانها
/١١٦ أ/ كأنّك موسى ونهر المليـ ـك مصرٌ ودينك قد دانها
وأعطى يرعك بين اليرا ع معاني عصاه وبرهانها
فأصبح يبطل ما موّهتـ ـه حبالًا تلقّف ثعبانها
تداركت بالحلم جزم الجنا ة وكفّرت بالعفو عصيانها
ومازال صفحك بين الأنا م يلمّ ويجبر نقصانها
لفعل أبيك وقد ضمَّت الـ ـعقاب سلّه عقبانها
عفا والإساءة لم ولم يطل العهد أزمانها
إذا ما أردءت ابتياع العلا وجدت من الحلم أثمانها
عجبت لإيداع نهر المليـ ـك أتي الفرات وطوفانها
وقطعك آذيّ تيَّارها بما أصحب الضَّبَّ حيتانها
لطافة ذهن سلبت البريَّة أذهانها
أكان متعالها ما قطعـ ـت به البحر أم كان شعرانها
لقد أعجز الإنس ما قد فعلـ
_________________
(١) ت فهل كنت مستخدمًا جانها وبعد سليمان ما سخرت يا سليمانها لتبق العلا أبدًا ما بقيت ويا دعوة صادفت آنها /١١٦ ب/ وكتبت إليه وهو متوجِّه إلى الأعمال الواسطية عوضًا عن ابن التجاري: [من البسيط] سر تحت ألوية الإقبال والظَّفر يهزُّك العزم عند الصارم الذَكر للسعد حولك فسطاط تطيف به مواكب النصر كالأكمام بالثمر واقصد بلادًا متى تحلل بساحتها تقدم عليها قدوم المزن بالمطر ألات حين انبرى بادي القسيِّ لها وعاين النَّهج قصدًا مدلج السَّحر يا جائرًا عن سمت مسلكه إرفع جفونك هذي طلعة القمر
[ ٣ / ١٧٩ ]
هذا معد النقيب الموسوي متى تحلل بساحته تأمن من الدَّعر
أمن الحمائم بالبيت الحرام ومن يأمن من البحر لا يغرق من النَّهر
اليوم يا شرف الدين المهام جرى طرف المعالي فحاز السَّبق بالحضر
هذا المنير منير الشمس جالبةً للنفع دامغةً للبؤس والضَّرر
لولا تنقُّلها لاختلَّ مضطربًا ما بالبسيطة من حي ومن شجر
تحدى بك الأعوجيَّات العتاق كما حدت بجدِّك في الأبطال من مضر
إنِّي لأعجب من أرض حللت بها ثمَّ ارتحلت فلم ترحل ولم تسر
/١١٧ أ/ ومن بلاد درت أنَّ الزعيم لها تدبير مجدك لم يطر
تّبًا لشائنك المشؤوم طائره ألم يخف ضربات الضَّغيم الهصر
غرَّته منك أناةٌ لا شبيه لها ألا يكون شهاب النار في الحجر
الرِّفق أنجح للمسعى وأجدر في الـ ـعقبى وأطيب ذكرٍ شاع في خبر
ولا فضيله ما مدَّ في طول الـ ـمعاصي أزيد له في الرِّزق والعمر
جزيت عن ناصر الإسلام مالكنا خير الجزاء لقد أجملت في الأثر
عممت بالعدل والبر البلاد فقد جمعت بين أيود الغيل والحمر
يا ابن الأكارم لولا العدل ما سطرت غر المدائح في كسرى وفي شمر
ما استثمر المال وازداد النَّماء بمثـ ـل العدل في سالف الأيّام والعصر
حال العراق مع الحجاج يعرفه أهل التواريخ في التكريم للبقر
فاشدد يديك بما أوتيت من نعم الـ ـلهِ العليِّ وسر قصدًا من السِّير
رفقّا وعنفّا وحلمًا تحته نقمٌ كالوصل والهجر أو كالشَّهد والصَّبر
وعش فعش بصلاحٍ ما بقيت لنا كأنَّنا ورقٌ في عودك النَّضر
وكتب إلهي عند رجوعه من زيارة بعض المشاهد: [من الكامل]
/١١٧ ب/ أزيارةً أم حجَّةً مبرورةً قضَّيت يا ملكًا عظيمًا شانه
لو يستطيع القبر حين وقفت في عرصاته أثنى عليك لسانه
ويكاد يستلك الضريح يديك إلـ ـزامًا فينشر عرفها عرفانه
[ ٣ / ١٨٠ ]
ورد البشير إليه أنَّك زائرٌ فهتلَّلت لسروره جدرانه
وصدرت مسرورًا وها نورٌ على صفحات وجهك ظاهرٌ برهانه
فالنصر مضروبٌ عليك رواقه والدَّهر مكتوبٌ لديك أمانه
إنَّ الإله لشاكرٌ راضٍ أوليته يا شائعًا إحسانه
ودليله إنَّ الخليفة شاكرٌ راضٍ وفي رضوانه رضوانه
فإذا حمى ثغرًا فأنت عديده وإذا سطا غضبًا فأنت سنانه
وإذا عفا صفحًا فأنت أناته وإذا همى جودًا فأنت بنانه
فاسلم لعافٍ إن يكن في سابقٍ رب التَّرافد بالزمان زمانه
ومن كلامه أيضًا؛ وهو نسخة توقيع كتبه لبعض كتاب الأعمال، أيام كان في المخزن المعمور بالخدمة، وفيه تحذير من مكيدةتمَّت على الكاتب قبله:
/١١٨ أ/ قد عوّل في الكتابة بالمعاملات الفلانية، وما يجري منها على فلان، لما برز في مضمار البرهان، وحمع إلى أدوات الكتابة عفّة اليد واللسان، وشهد تكرير الامتحان له والجريب؛ أنه الضَّرب الأديب، والفرد اللبيب، والمهذّب الَّذي بلغ أقصى مراتب التهذيب، فليستخر الله تعالى، ويشرع في تحقيق حساب المعاملات المذكورة، وإصلاح ما عساه يجده فيه من الخلل، وتهذيب ما يلمحه من الخطل والزَّلل، وتقويم المائل منه والمائد، وتثقيف الحائل منه والحائد، والخروج به إلى الطريقة المسلوكة، وإعادته إلى الأوضاع الصحيحة المعهودة، والبداية باسترفاع المشاريح بالضمانات، ووجوه العين بأسرها، لسنة كذا الخراجية من كافة الكتّاب والمقابلة بها، لتذاكر الأعمال مما وجده من زيادة في المشاريح أضافها وكلمَّها، وسأل عن صورة الحال فيها، وأنهى إلى المخزن المعمور حقيقة واقعتها، ثم يشرع في تخريج ما يختلف بالمعاملات من وجوه العين، وأثمان المعاملات للسنة المذكورة /١١٨ ب/ وما قبلها، ويجث على استيفائها، ويحاسب المعاملين عن آخرهم، ويحقق ضماناتهم من
[ ٣ / ١٨١ ]
أبوابهم، ويسألهم عن نقداتهم، وتواريخ تصحيحاتهم، ويلمح الروزات التي عساها تكون بأيديهم، ويسلك معهم مسلك التحقيق والإنصاف، ويعدل بهم عما كانوا من العنف والإجحاف، ويوطِّئ لهم أكنافه، ويليِّن أعطافه، ويحسن إليهم بمداراتهم واحتمالهم، وسعة الصدر اسماع أحاديثهم وأقوالهم، فالضجور الطائش لا يبلغ غرضًا، وسوء الخلق من الأمراض، وكفى به مرضًا، ولو كان العبوس جمالًا، لكان عبئًا ثقيلًا، ولو كان البشر إنسانًا لكان حسنًا جميلًا.
ثم يشرع في تخريج جرائد البذور والتقاوى والفروض من ارتفاع سنة كذا الخرجية، وما قبلها ليستوفي منها ي القسمة ما يساعد الحاصل عليه، ويغضي النظر في مصلحة العمل إليه؛ وليكن مهيمنًا على كافة العمال، ومطالبًا لهم بما يتكمَّل عندهم من الحقوق والأموال، ويلتمس منهم حساب المعاملة /١١٩ أ/ إلَّا إلى قلمه وعقله وفكره؛ فالمثل السائر: ما حكَّ جلد المرء كظفره، ومن استعان باليد الغريبة عرّض نفسه للخطر، ومن سلَّم زمامه إلى غيره فقد ركب الغرر، أيّ غرر.
وليلازم ديوان المعاملة زمانه كلّه، وليوطن نفيه على أن يحمل ثقل العمل وكلَّه، فمن تعب استراح، وإنما يحمد السَّير عند الصباح، وليطالع المخزن المعمور بالمتجددات في أوقاتها، فتأخر المصالح سبب فواتها، وأهم ما يؤمر به وإن كان كلّه مهمًا وأوجب ما يلزمه وإن كان جميعه واجبًا وحتمًا ما هو دأبه وعادته وطريقته المألوفة، وقاعدته من التقمص بجلباب الأمانة، التي هي أجمل الخلال الحميدة شعارًا، وأعلاها منارًا، وأحمدها إيرادًا وإصدارًا.
فالغنيُّ على الحقيقة هو القانع، وإنًّما تقطع أعناق الرجال المطامع، ومن كان أمير نفسه، فهو الأمير، ومن لم يغنه القليل لم
[ ٣ / ١٨٢ ]
يستغن بالكثير؛ والنفوس مجبولة على الحرص والطلب، ولو كان لابن آدم واديان من ذهب، وطالما كان الحريص هو المحروم، ولم يؤمن بالنبوة ولم يؤمن أنَّ الرزق مقسوم.
/١١٩ ب/ وربُّما كانت الحيلة في البقاء علّة الممات، وربّ أكلة حرمت أكلات، والمال يلعب بالعقول والألباب، ويعمي عين من لا يملأً عينه إلّا التراب، فليحذر عن أن يزلَّ عن المنهج القويم، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولو استغنى أحد عن الوصيّة، لعفافه وغضّ أطرافه؛ لكان غنيًا عنها لما عرف من أمانته، وغير محتاج إليها لما تحقق من نزاهته وصيانته؛ لكنّه قد يوصى الحكيم ويحثّ الجواد، ويهزم الصارم وهو يأكل الأغماد.
والمفروض له في هذه الخدمة كذا وكذا، إلى آخر ما جرت به العادة بذكره في التواقيع والأجل، فلأنَّ الدَّيَّن الناظر يعمل بذلك ويحسبه ويساعده على تحقيق الحساب وجمعه وإيضاحه ورفعه، وكل ما يلتمسه من العمال وغيرهم من النواب من حساب التحويلات وغيرها، في أسرع وقت، وأقرب الديوان ورجاؤه، وبدء حسابه ومنتهاه".
/١٢٠ أ/ نسخة لمشرف بعض الأعمال، كتبه في أيام الخدمة بالمخزن المعمور، وفيه تحذير من مكيدة تمَّت على المشرف قبله:
"لمّا تحلّى الأجل فلان، تحلى المحاسن والخصائص، وتزين بدرِّ الأمانة، الَّذي أتعب كل رئي التعويل عليه، بردّ إشراف المعاملات الفلانية إليه، علمًا أنَّه الشهم الندب، والرجل الضَّرب، والحاذق الطَّبّ، فليُقابل ما أنعم الله به عليه، من أفراده، بالاختيار والإصطفاء، وتقديمه على كافة الأضراب والأكفاء.
فالخدمة التي يكون بها قاضيًا حق تقدمه على الكفاة، ومؤديًا
[ ٣ / ١٨٣ ]
فرض المناصحة، التي هي أفرض من الصوم والصلاة.
وليجعل الأمانة جنتّه الواقية، وذخيرته الباقية، وعصمته المانعة، وعدته النافعة، ولسانه النَّناض، ودرعه الفضاض، وسيفه القاطع، وحصنه الدافع، وبابه الَّذي إذا ولجه فقد أتى البيوت من أبوابها، وكتابه إذا كانت كلّ أمة تدعى إلى كتابها، وليحذر نزغ /١٢٠ ب/ الشيطان وتسويله ووساوسه، وأظاليله ومكائده، وتخييله وخدعه وأباطيله.
فإنَّه إن أجابه وأطاعه، وبسط إلى غوايته باعه، أصبح من النادمين بل من الهالكين، ﴿كمثل الشَّيطان إذ قال للإنسان اكفر فلمَّا قال إنِّي بريءٌ منك إنِّي أخاف الله ربَّ العالمين﴾.
وليبدأ بطوال المعاملات واستقرائها وتصفحها واستبرائها وإثبات قدمها ورجالها، والبحث عن أحوال معاملتها وعمالها، والتأمّل لمصالحها ووفورها، واستعلام الواضح والخفي من أمورها، وحراسة ما بها من متخلف ارتفاع سنة كذا وكذا الخراجية، والتطلع على ذلك، إلى أن لا يترك وراءه متطلعًا، والاجتهاد به إلى أن لا يبقي في قوس الاجتهاد منزعًا، والحث على استيفاء المتخلّف من ضمان السنة الخراجية المذكورة، ومطالبة العمال والعاملين بذلك، والتماس جريدة محرّرة بالمتخلف من وجوه العين بأسرها للسنة الخراجيّة المذكورة، وإرهاف العزائم على تحصيلها، والبحث عن علّة /١٢١ أ/ تأخيرها، والمطالبة ببقايا السنة الخالية قبلها، وتحقيق القروض والتقاوي والبذور المسلّمة من ارتفاع سنة كذا الخراجية، وتعجيل قسمة الغلّات الجارية على الأمانة، واستعادة القروض المذكورة منها، والمحافظة عليها من اطراح المراقبة فيها، والإهمال
[ ٣ / ١٨٤ ]
لها، والتغاضي عنها وإفراد بذور الوكلاء الله تعالى. هو حسب ما يخرجه كاتب المعاملات من أجود الأجناس وأضربها، كيل مثلها وتتخير المحارز الحصينة، وترتيب المذكورين الثقات عليها، والاتفاق مع نواب المخزن المعمور على اعتماد سائر المصالح في أوقاتها، والمطالعة بها قبل فواتها، يتقدم إليه ما يحتذيه ويكون الجزاء والمفروض له عن هذه الخدمة كذا وكذا، والأجل السيد فلان الدين ينفق معه على حراسة الأموال، وتدبير الأعمال، وحفظ الارتفاع، وكفّ الأطماع، ما يعود بصلاح العمل واستقامة الأمور، وما يرضي الله تعالى، والمخزن المعمور- إن شاء الله تعالى".
/١٢١ ب/ وجدت في آخر كتاب "العبقريّ الحسان" هذا الفصل من كلام أبي محمد ابن أبي الحديد من جملته:
"وقد مضى من الوسائط بين هذين الطرفين الشريفيم من النكت الدقيقة، والمعاني البديعة، والاختيارات الحسنة؛ ما فيه مقنع وبلاغ، وقد تضمن هذا المجموع أشياء تتعلق بستة عشر علمًا وهي: الكلام، أصول الفقه، المنطق، الطبيعات، الإلهيات، النحو، اللغة، التصريف، العروض، القوافي، النظم، النثر، صناعة الشعر، النسب، الاشتقاق، السير، والتواريخ".
ومن كلامه؛ نسخة توقيع لمشرف بعض الأعمال:
"ولما اجتمع في الأجل فلان، أدام الله رفعته، ومن الخصائص المشكورة، والمزايا المأثورة، والمحاسن المشهورة، ما يوجب له تقديم القدم، والتعويل عليه من الملحوظ من الأعمال والخدم، رؤي التعيين عليه ورد الأشراف /١٢٢ أ/ بالمعاملات الفلانية إليه، علمًا أنَّه الكفؤ الكافي، والطب الشافي، إلى ما يحرسه ويليه، والموثوق بما يشارفه ويراعيه.
فليقدم استخارة الله تعالى في مقاصده وانحائه، والتوكل عليه،
[ ٣ / ١٨٥ ]
في مرامي أغراضه، ومطارح آرائه، وليستمر على ما ألف منه من التقمص بجلباب الأمانة، واشتهر عنه من التدرع بجنَّة النزاهة والصيانة؛ فإنها الدرع التي تسخر بالنبال، وتهزأ بالنصال، وتضمن سلامة دراعها يوم النزال، وقلّ من أصبح منها حاسرًا إلّا ومشى في صفقته خاسرًا، أو كان لها مجانيًا إلا وترك السعادة جانبًا؛ فالأمانة سرّ المرء وجوهره، وباطن الإنسان ومخبره، وبها يستدل على شريف نفسه ودنائتها، ومنها يعلم ثمنها ومقدار قيمتها، فإن كملت وتمّت، دّلت على غزّة النفس وعلوها واحتقارها لدنايا الحطام وسموها، وإن نقصت وأسلمت أبانت عن لؤم المرء ونقصه، وكشفت عن شرهه وحرصه، فليستكف على جلاء قبح الذكر، ويتحمل ادلاء أثقال الوزر، وقلّ أن يعدم /١٢٢ ب/ بينهما تقديم العقوبة وتعجيلها، وطروق الحادثة وحلولها، فليكن عصمه الله ممن يستشعر الحذر، ويشاهد الأشياء بالبصيرة قبل مشاهدتها بالبصر، في تطواف المزدرعات [و] ملاحظتها، وملابسة الأعمال ومشارفتها، وما تخلف من ارتفاع المعاملات لسنة كذا الخراجيّة، وما قبلها، بجمعه من مظانه، ويحرسه بنفسه وأعوانه، وينصب من التذاكر ما يحتوي على المحارز والعزول، عند وخروجها إلى حيّز المعلوم، عن صبر المجهول، ويطالب بجرائد البقايا ما يرجى حصوله منها، ويسأل السبب من إرجائها، والمقتضي لتأخير استيفائها، ويهتم غاية الاهتمام بتطواف المزدرعات لسنة كذا الخراجية، وحراستها من القطع، والرعي والحثّ على تعاهدها بالنظارة والسبي.
وإذا استعدت للحصاد، وراجت ثمرة الاجتهاد وأعمل جيد /١٢٣ أ/ فكرته، في استعلام حقائق الأحوال، واختيار بواطن الرجال، وتخيّر من ألطافه الثقات أرباب الديانات، أو أرباب"
[ ٣ / ١٨٦ ]
الأمانات، فمن جهل حاله فليرجع فيه إلى الكفالات، وليباشر بنفيه أو من يقوم مقامه، كل ما يمسح في قسم، ويحرز ويقرر، ويجل ويعقد، ويستوفي ويستخرج غير مستهين بالنزر اليسير، ولا مغض عن الأمر الحقير، ولا مسامح في الفتيل ولا النَّقير، فقد يهدى الأبؤسً الغوير، وكم مطير، وليطالع بما قلَّ وجلّ من المتجددات إذا فاتها، ليتقدم بتدبيرها قبل فواتها، فالمصالح المتجددة لا يجوز أن تؤخر وتترك، وأوقاتها كأوقات الحج، فارطها لا يستدرك، والمفروض له عن هذه الخدمة".
نسخة توقيع لمشرف عمل أيضًا:
لما كان الأجل فلان –أدام الله رفعته- من أعيان الرجال، وأرباب العمال، وممن اشتهر بمحاسن الأفعال، وأعرب عن تخصيصه لسان الحال، قبل لسان المقال، رؤي الإنعام عليه /١٢٣ ب/ ردَّ الأشراف بالمعاملات الفلانية، إليه إلى تدرعه من العفّة والنزاهة، بأوفى جنَّة، والاعتضاد من حولها، وقوتهما بأتّم حول، وأعظم منه، واتحادهما أكرم فضل، وآكد سنة.
فليستخر الله تعالى وليواظب على حج كعبتهما، والتوجه إلى قبلتهما، والتدين بشرعهما، والسلوك في شرعتهما، وليستمر على التقمص ببردهما السني، والتعري عن ثوب الإسفاف الَّذي ، ولنفسه عن معطم السوء إذا اعترض قاهرًا، وفيما ثبتت قدمه جاهدًا، وللشيطان له مجاهدًا، ليكون بأفعاله الحسنة مكافيًا للأنعام، ومستحقًا لزيادة الموهبة والدوام؛ تقديمًا في المثل: الزم الصحة يلزمك العمل.
وليبدأ فيما تخلف بالمعاملات من ارتفاع كذا الخراجية عليه، موضع ختمه على المحارز في اعتبارها بالأوزان والكيول، ولينصب من التذاكر، ما يكون حاويًا لأصول الارتفاعات
[ ٣ / ١٨٧ ]
وفروعها، ومحيطًا بجملها وتفاصيلها.
وليلتمس جرائد البقايا /١٢٤ أ/ ويحثّ على استيفاء ما تيسّر منها، ويبحث عن علّة تأخير متخلفها، يسترفع من مستوفي الأعمال، مشاريح الفدن والبذور، ويعتبر مواقعها، ويلازم تطواف المزدرعات، لسنة كذا الخراجيّة، وحراستها مما يليها، ويتطلع على بعيد الأعمال وقريبها، فإذا حان وقت الحصاد، ونفقت الأكمم عن ثمار الاجتهاد، رتّب من ألطافه والأعوان من يثق بمنصاحته، ويسكن إلى حراسته، وأدلّ عليهم عيون التطلع، أصغى إليهم بمسامع التصفح والتتبع، فمن وجده للمحجَّة سالكًا، وللدناءة تاركًا، أقرّه واستخدمه، وأدناه وأكرمه، ومن ألفاه عن الجدّ ناكبًا، ولأثباج الطمع راكبًا، أحصن تأديبه وتقويمه، وفرى بغرب الياسةى أديمه، وجعل ما يعتمده من نكاله رادعًا لأمثاله، وبأفعاله في مستقبل أمره وماله؛ فليس الكهل كالحدث الصبي، ولا القارح كالجذع الفتي، والحوادث ذخيرة العواقب، والمصائب أثمان التجارب.
وليباشر بنفسه أو من يقوم مقامه، سائر ما يستوفس ويستخرج /١٢٤ ب/ ويمسح ويقسم، وينشر ويبرم، ويحل ويعقد، ويحرز ويقدّر، ويزاد وينقص، ويخمن ويضمن، ويكال ويوزن، ليحيط عمله وقلمه بالجليل والقليل، والكبير والصغير، والخطير والحقير، ويتمثل أحوال العمل عنده شخص نصب عينه، وتلقاء وجهه، وتجاه ناظره.
وليفرد في التسمية بذور الوكلاء بموجب ما يشهد به حساب المعاملة من أجود الأجناس ، وأوفى الكيول وأكثرها، وليختر لها المحارز الحصينة، والنواحي الأمينة، وليجهد في حراستها في حالتي إحرازها وإخراجها؛ فهي البضاعة الملحوظة، والذخيرة المرموقة، والسلعة النفيسة، والجوهرة الثمينة، ورأس
[ ٣ / ١٨٨ ]
المال المصون، وبالكسر الَّذي تناقله الألسنة، وتمتدّ إليه العيون، وليصدق المظنون فيه في حراسة جميع ما يلاحظه. في حمايته، عمن يتناوله او يتلفه، عليه بعد تعيينه واختياره، وأفراده بالتقديم والتأهيل، وإيثاره أن يهجر لذّة الرُّقاد، في بلوغ المراد، وأن يكون لين المهاد، وعنده أخشن من شوك القتاد /١٢٥ أ/ إلى أن يقال له: قد وفيت وكفيت، وعولج بلك فشفيت.
وليواصل متجددات العمل في أوقاتها، قبل اختلاف أنواعها وجهاتها، ولا يستحقر منها حقيرًا، ولا يستصغر منها صغيرًا، فالكتاب سطر إلى سطر، وأول الغيث قطر، والمفروض له عن هذه الخدمة".
نسخة توقيع لناظر بعض الأعمال:
"لما ظهر منكفاية الأجل فلان –أدام الله علوّه- ما يستوجب به شمول الإنعام والاصطناع، ومن آثار خدماته ما يستحق به سمو الطرف، وإطالة الباع، وأسندت أخبار حسناته إلى مرأى العيان، لا إلى مروي السماع، ونيطت به مهمات الأعمال فكفاها، وعولجت، بنظرة أدواؤها المعضلة فشفافها. رأى المخزن المعمور، أن به على الأضراب والأكفاء، ونجذب بضبعه إلى رتبة الرئاسة والعلا، فعوّل عليه في النظر بالمعاملات الفلانية؛ يكونًا إلى أمانته وعفافه، وركونًا إلى نزاهته /١٢٥ ب/ وصيانة أطرافه، ووثوقًا بتقاعسه عن الدَّنس وإيضاعه إلى الخير والجافة، وعلمًا بما عنده من الجدّ والتشمير والهمّة، التي تستقّل الكثير، وتستصغر الكبير، والقوة التي تنهض بالأثقال، ولو كلفت حمل يذبل وثبير، فليشكر هذا الإنعام، بلسان الاجتهاد، فالشكر بالفعل لا بالقول، هو الشكر المراد.
وليبدأ بتطواف المعاملات المذكورة، وتصفح أحوالها، وإثبات مدَّتها ورجالها ، العوامل وانتحابها، وترغيب الأكرة
[ ٣ / ١٨٩ ]
واستجلابها، وحفر الأعمدة ومحولاتها، وخرق مردوها، وإصلاح فوهاتها، وما عساه تخلف من الحفر يستدركه قبل فواته، وتهريف الزرع مومن من تطرف آفاته، فلتنتهز الفرصة حال إمكانها، القدرة قبل إنقضاء ومانها.
فأقول المزدرعات ناقصة البخت، وفضيلة الصلاة في أول الوقت، وتضريب البذور وحفظها من أكبر المصالح، وأتمها وأشملها نفعًا في العاقبة وأعمها فإياه أن يسامح في ، أو يغضي على عيب من عيوبها /١٢٦ أ/ فيصبح غدًا كالضّمان المغرور، بسراب بقيعة حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، أو كالقابض على الماء خانته فروج الأنامل!، فأدّى ذلك القبض إلى ما لم يفده. وحراسة الغلاّت من القطع والرعي، وتعاهدها بالماء والسقي، واستصلاح الضياع المحببة، والبقاع الطيبة، والمغارس الزكيّة، والمنابت .
وكلُّ ذلك من أصول الالستغلال، وإن كان عمارة الأعمال، فإذا راحت للحصاد، وأينعت ثمرة الاجتهاد، فليرتب عليها من الثقات من يخبر باطن دخلته، ويعرف خبي نحلته، وتستشف ضمائره، بفراسة ظواهره، ويعرف من اسرار وجهه، ما في مطاوي سرائره، وليدب جنيد نفسه في جميع متفرقها، وضمّ متمزقها، وينقلها في اختلاف الأطوار، وتعاقب الأدوار من الحصاد، والرقاع والدياس، إلى التصفية والقروشة بالقسطاس، فإذا صارت في تصرف النّواب والعمال، وحكمت عليها يد القسمة بأنها حق من حقوق بيت المال، وخرجت من خير الشركة إلى خير الانفراد والاستقلال، فليواصل بالحمول /١٢٦ ب/ الدارة التي تجعل ميزانه راجحًا، وقدحه فائزًا، وسهمه رابحًا، وليواصل المخزن المعمور بمطالعاته، وإنهاء المتجدد من حركات عمله ، ليدبّره بآرائه الصائبة، وأوامره النافذة، وإرشاده الَّذي يقوّم الاعوجاج، ويفيد الناكبين عن
[ ٣ / ١٩٠ ]
طريق الإصابة إلى سواء المنهاج، والمفروض عن هذه الخدمة".
وقال يمدح الوزير أحمد لن الناقد: [من الخفيف]
قد بدا ما تسرُّ فيما تقول إنَّما أنت عاشقٌ لا عذول
رابني منك في ملامك تكثيـ ـرٌ لصبري ببعضه تقليل
زحيثٌ ملجلجٌ فيه للقلـ ـب على السِّر آيةٌ ودليل
قاتل الله شادنًا أمست الأضـ ـداد فيه للحسن وهي شكول
قسم اليدر بيننا فله النُّو ر وعندي محاقه والذُّبول
أجدٌ النَّاس ذا يماثله ذا ك وفيه قد اعوز التَّمثيل
وأرى الخلق عرضة لزوال وارى أنَّ حسنه لا يزول
يا حميد الجفاء وهو ذميمٌ وخفيف الدَّلال وهو ثقيل
/١٢٧ أ/ هذه مهجتي بكفِّك فافعل ما ترى لست عن هواك أحول
اسمح النَّاس ناصحٌ مستخانٌ ومحبٌ على الحبيب بخيل
أتراني أروم عنك بديلًا أنت أخحلى وغيرك المملول
إنّما أنت مهجتي واتخاذي بدلًا عن حشاشتي مستحيل
لا تظنَّنَّ جفوتي عن سلوٍّ عزَّ ما خلته وسدَّ السَّبيل
كما وصول هو القطوع نفاقًا وقطوع هو المحبُّ الوصول
لست أرضىً بأن تجودبوصل وامتناني عليك نزرٌ قليل
إنَّ لؤمًا أن يطلب العاشق الوصـ ـل ولم تسبق العيون السُّيول
في جميل قبيحٌ عند مثلى وفي القبيح جميل
ثروتي دون همَّتي ومرامي فوق طوقي وساعدي مغلول
فإلى م الرِّضا بما أنا فيه مشروعٌ ميِّتٌ وحيٌّ دليل
في نهوضي لها وترك اقتناعي مطلبٌ منفسٌ وكسبٌ جليل
وانتجاع الوزير أحمد عندي أحمد الفعل والرُّكام مخيل
[ ٣ / ١٩١ ]
[٣٧٩]
عبد الجليل بن عثمان /١٢٧ ب/ ابن منصورٍ لن أبي الفوارس، أبو محمدٍ الإربليُّ.
وقد مرَّ شعر أًخويه؛ عبد العزيز وعبد الرحمن في مواضعهما.
وأبو محمد هذا حفظ القرآن العزيز بإربل، وشدا طرفًا من الفقه على مذهب الإمام الشاعفيّ – - ﵁ -، وقال شعرًا صالحًا.
لقيته وهو بحلب؛ شيخ ربعة من الرجال، وذكر لي أنه ولد بإربل سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وكان اجتماعي به في شهر شعبان سنة خمس وثلاثين وستمائة بحلب المحروسة.
وأنشدني كثيرًا من أشعاره، وعنده مفاكهة، وحسن محاضرة وتودّد. أنشدني عبد الجليل بن عثمان لنفسه: [من الخفيف]
أمدامٌ في ثغره أم رضاب عتَّقته تلك الثَّنايا العذاب
وشفيقٌ سطا على وجنتيه حين حال العتاب أم عنَّاب
رشا كلَّما أتى يتثنَّى هوَّة النَّزيف الشَّباب
إذا رأني عند الوداع بنانًا قد نمى من دمي عليه الخضاب
وتثنَّى تيهًا فأذهلت الأبصار منَّا وحارت الألباب
/١٢٨ أ/ وأراق الدَّما بأسهم جفنيه وولَّى وما عليه عقاب
أربي أن أفوز منه بطيب الوصل لو تنقضي لي الآراب
لا اروم السُّلو عن ذلك الحسن ولو عارضتني إلا
أيُّ صبِّ مثلس له كلَّ يومٍ من تباريح هجره أوصاب
[ ٣ / ١٩٢ ]
كلَّما قلت قد تقضَّى عذابٌ من جوى حبِّه علاه عذاب
ظالمٌ دأبه التَّعزُّز في الحبِّ ولي في الهوى التَّذلُّل داب
فلماذا أعلِّل القلب منه بأماني الوعود وهي سراب
يا خليلي في الجوانح منه زفرات لها لطى والتهاب
أتمنّى إذا مشى فوق أرض أنَّ جفِّني أرضٌ له وتراب
كيف أدنو إلى الَّذي منعتني عن لقاه أسدٌ لها السُّمر غاب
حجبوه وما دروا أنَّ من أسياف أجفانه عليه حجاب
يا رباب الغمام شقِّ ديارًا سكنتها أميمةٌ والرّباب
دمنٌ طالما سقاها سحابٌ من جفوني إذ ضمن عنها السَّحاب
وغدا في ربوعها كلَّ يومٍ للغوداي وللدموع انسكاب
كان من قبل يحدث الدَّهر وشك البين فيها السُّرور والإطراب
/١٢٨ ب/ إذ لشمس السُّرور عندي مقرٌ كلَّ يومٍ وللهموم اجتناب
وزماني مساعدٌ لي وأترابي فيه الكواعب الأتراب
وشبابي غضَّ نضيرٌ واعطافي به حلوة التَّثني رطاب
فمضت جدَّة النَّضارة منِّي حين ولَّت وحان منها الذَّهاب
وانثنى يعبث التَّفرُّق بالأحباب حتَّى تفرَّق الأحباب
لا زمان الشَّباب يبقى على العهد مقيمًا ولا الحسان الكعاب
وإذا جارت النَّوائب وامتدَّ لدهري إلى ظفرٌ وناب
حجب الحادثات عنِّي مليكٌ ما على جود راحتيه حجاب
وقال من قصيدة أخرى؛ وأنشدنيها بحلب: [من الكامل]
اغراه نحو حمى الأرأكة والأضا برقٌ نفى عنه الكرى إذا أومضا
وسما لهيمنة النَّيم تعلُّلًا ليروم برء سقامه فتمرَّضا
يصبو إلى ذات اللًّما ويهيجه أنَّى سرى ذكر الغضاة بذي الغضا
أأميم لولا فرط حبِّك لم أعم ظلمًا ولا ألمًا إلى سفح الأضا
ولما وقفت بسفح عاقل منشدًا قلبًا ولا مستعطفًا دهرًا مضى
/١٢٩ أ/ قج كان يسعفني وصالك قبل أن ألفي سواد الفود منِّي أبيضا
[ ٣ / ١٩٣ ]
فاليوم طبقك لو ألمَّ لبخله فالصَّبُّ في سنة الكرى ما عرِّضا
يا سعد إنَّ عذوبة الورد الَّذي قد كنت تعهده استحال وعرمضا
سر بي فلي في السِّرب قلبٌ سائرٌ إثر الفريق مخيِّمًا ومقوِّضا
وتوقَّ غزلان النَّقا فثمَّ لي علقٌ أبين لمقلتي أن تغمضا
وحذار إن يمَّمت سفح محجَّر فهناك أسياف المحاجر تنتضى
لله دهرٌ لا تزال خطوبةً ترمي بأسهمها اللَّبيب فتغرضا
يسطو عليَّ وما جنيت جنايةً إلَّا العلا ويسومني دون الرِّضا
قد قلت لمَّا مدَّ نحوي مخلبًا مهلًا كفاك من النَّوائب ما مضى
وظللت أذكر قول من قد ساءه الزَّمن الخؤون ونال منه فأجرضا
عندي من الأيَّام ما لو أنَّه أمسى بشارب مرقدٍ ما غمَّضا
وقوله من أخرى؛ وأنشدنيها بحلب: [من الخفيف]
ما لقول العذول عندي قبول في هوى من عذابه مقبول
لا ولا لي إلى السُّلوِّ سبيلٌ عن حبيب رضا به السلسبيل
/١٢٩ ب/ بدر تمٍّ يذرُّ من غصن بان وله في حشا الكئيب أفول
فاتر الطَّرف باعتلال جفونً فاترات بها يداوى العليل
يخجل البان باعتدال قوام هو عمَّا يراد منه عذول
زارني في الدُّجى بوجه جميل أبدًا يستثاب منه الجميل
جاد حَّى ظننت ما قال حقًّا وانثنى وهو في الكرى تضليل
لا يغرَّنك وعده إنَّما الوعد وعيدٌ ونيله تعليل
[٣٨٠]
عبد السيد بن محمدٍ الجزري.
كان والده يعرف بالجان؛ هو من الجزيرة العمريّة، وهو ابن أخت حمد الجرزي الشاعر، وقفت على قطعة كبيرة من شعره؛ فاخترت منها ما يصلح لهذا الكتاب.
[ ٣ / ١٩٤ ]
وخبِّرت أنه حيّ يرزق؛ وهو القائل من قصيدة أولها: [من الكامل]
يا هاجر طرد الكرى عن ناظري أفما لطيفك أن يكون مسامري
ومنها يقول:
/١٣٠ أ/ ما كان أطيب عيشنا فيما مضى والدَّار تجمعنا وأنت معاشري
فبأيِّ شرعٍ حلَّ قتلي في الهوى يا خير من عقدت عليه ضمائري
وقال من أبيات: [من الكامل]
ما بين منعرج اللِّوى والمنحنى ظبي أصاب صميم قلبي إذ رنا
قمرٌ أقام قيامتي بقوامه وكألأنَّما في لحظة سيف الفنا
متأوِّد كالخيرزانه أهيفٌ أي حبَّذا ذاك القوام إذا انثنى
في خدِّه وردٌ وفي رشفاته خمرٌ وفي حركاته قدُّ القنا
عبد الرازق بن رزق الله بن أبي بكر خلف بن أبي الهيجاء، أبو محمدٍ الرسعنيُّ.
كانت ولادته فيما قرأتها بخط يده، يوم الأحد بين الظهر والعصر الثالث والعشرين من رجب سنة تسع وثمانين وخمسمائة برأس عين.
[ ٣ / ١٩٥ ]
حفظ القرآن العزيز على الشيخ مبارك بن إسماعيل الحرّاني، وقرأه بالروايات المنقولة عن العشرة –﵁- ببغداد على أبي البقاء عبد الله بن الحسين /١٣٠ ب/ النحوي، وسمع الحديث الكثير على الإمام أبي محمد عبد الله بن أحمد المقدسي، وأخذ الفقه على المذهب الأحمدي –عنه أيضًا- وقرأ عليه كثيرًا من كتبه الفقهيّة وغيرها.
قدم الموصل في شوال سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ونزل بدار الحديث المهاجريَة بباب سكّة أبي نجح التي أنشأها أبو القاسم علي بن مهاجر بن علي الموصلي؛ وهو يسمع بها أحاديث رسول الله (ﷺ) يفيد الناس، وصنف عدّة مصنفات منها: كتاب "القمر المنير في علم التفسير"، وكتاب "أسنى المواهب في أحاديث المذاهب"، وكتاب "المنتصر في شرح المختصر" في الفقه، شرح به مختصر الحرقي، وكتاب "عقود العروض"، وكتاب "المشرع الصافي من المين في مصرع الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين –﵇-".
وهو فقيه محدّث شاعر فاضل، ذو قريحة في المنظوم والمنثور، أجازتي جميع رواياته ومصنفاته ومقولاته.
وأنشدني لنفسه بالموصل سنة ثلاثين وستمائة: [من الخفيف]
/١٣١ أ/ إنَّما هذه الحياة متاعٌ فلجزها بالزُّهد من فيه عقل
فطر العارف اللّبيب معنَّى الفكر فيها فلم يعرَّنه عقل
كم فتيل لها بسيف غرورٍ لا قصاصٌ فيه ولا فيه عقل
هى أحبولةٌ ولذَّاتها الحبُّ إذا رمته أصابك عقل
من عقل البعير، وهو أن يشدَّ وظيفه إلى ذراعه.
فهب العمر كلَّه في سرورٍ ونعيمٍ اليس عقباه عقل
[ ٣ / ١٩٦ ]
وأنشدني لنفسه من فاتحة كتاب إلى صاحب له اسمه يحيى بن سلامة:
قلت للقائلين جهلًا بحفظي حرمة الودِّ والإخاء سلامه
كيف أنسى يحيى وأسلو هواه وهو لي إن ألمَّ خطبٌ سلامه
ولو أنِّي أعطيت ما أتمنَّى لتمنَّيت أن أرى ابن سلامه
وأنشدني أيضًا لنفسه ابتداء كتاب كتبه إلى نجم الدين الفتح المغربي:
[من الطويل]
ترى منزلي من قلبه لاعدمته على بعده أو قربه من ثوى به
/١٣١ ب/ رجوت بودِّي منه أعاف ودِّه ولم أدر أنَّ الهجر بعض ثوابه
ومن عجب أنِّي أضلَّ عن المنى وأنت لنا نجمٌ وفتحٌ لبابه
وظنِّي أنَّ الحبَّ مازال بالنَّوى وإن حال قشر الهجر دون لبابه
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى ولده أبي الفضائل محمد حمراء: [من الوافر]
كتبت بما يشابه دمع عيني عليك إليك يا نظري وسمعي
لعلَّك أن ترقَّ لسوء حالي إذا نظرت عيونك شبه دمعي
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى صاحب له: [من الخفيف]
إنَّ شوقي إليك يا ناصح الدِّين على القرب والبعاد يزيد
ما على فرط ما لديَّ من الوجد وإن قلَّ في هواك مزيد
إنَّ يومًا أراك فيه سليمًا ول أنِّي أموت فيه سعيد
وعزيزٌ عليًّ أن يذهب العمر ومن اشتهيه منِّي بعيد
وأنشدني لنفسه، وقد فارق محمدًا وأخوته: [من الكامل]
/١٣٢ أ/ قف بالدَّيار إذا مررت مسلِّمًا وأبك الأحبَّة حسرةً وتندُّما
واستخبر الأطلال أين ترحَّلوا فعسى تخبِّر عنهم ولعلَّما
لا يوحشنَّك سوء منظرها فقد كانت وكان بها السرور مخيَّما
أيامنا ما كان أطيب عيشنا الخالي بمن نهوى بها وألذَّ ما
قل: يا منازل أين أهلك، أين من كنت السّماء لهم وكانوا أنجما؟
[ ٣ / ١٩٧ ]
أين الَّذي لا الشَّمس تشبه وجهه حسنًا ولا البدر المنير إذا سما؟
سارت بهم هوج المطي فهيَّجت شوقي وخلَّفت الفؤاد متيَّما
لم أدر أنَّ البين موتٌ أوَّل حتَّى وقفت مودِّعًا ومسلِّما
ورجعت أنظر بعدهم آثارهم فإذا بها تكبي جوى وتألما
أمحَّمدٌ لاحمد للدُّنيا متى لم التزمك مقبِّلًا منك الفما
أبنيَّ ما طمع الزًّمان بأن يرى عندي لخطب المعضلات تبرُّما!
كلاَّ ولم أجزع لوقع نباله حتى يريني من فراقك اسهما
افنت مدامعه حوادث دهره فبكى وقد نفدت مدامعه دما
في كل يوم قد أقام زمانه بفراق من يهوى لديه مأتما
وأنشدني لنفسه في المعنى: [من الطويل]
/١٣٢ ب/ وقائلة مالي اراك مسهَّدا وجسمك للأسقام أصبح موردا
فقلا وناذا تنكرين من الَّذي ترين وقد فارقت حتَّى محمَّدا
فكلُّ جوًى دون الَّذي بي من الجوى عليه وإن أظهرت عنه تجلُّدا
يرمون إطفاء الَّذي بي عذَّلي ألا إنَّه بالعذل زاد توقُّدا
إذا خطرت لي سلوةٌ عنه صدَّني غرامٌ بقلبي قد أقام واقعدا
أحنُّ إلى من جاء يخبر أنَّه رآه وأرعاها عليَّ له يدا
لئن كانت الأشواق تجري لغاية فشوقي إليه ليس يجري إلى مدى
وإنَّ سروري طالقٌ بعد بعده سوى ما أمنِّي القلب من قربه غدا
إلى أن أرى فوق الجمال جماله وأسمع حادي البين بالوصل قد حدا
وأنشدني لنفسه؛ يرثي شيخه الموفق عبد الله بن أحمد المقدسي: [من الطويل]
ألا ما لوجه المكرمات ملفَّع وما لعيون الدِّين تدمى وتدفع
وما لمغني الفقه أقوت فأصبحت معطَّلةً اركانها تتضعضع
وما بال نجم العلم ليس بناجمٍ وما بأل شمس الشَّرع لا تتشعشع
وما لصبا نجد صبت عن مهبِّهًا وما بأل نشر المسك لا يتضوَّع
/١٣٣ أ/ وما للورىً سكرى ولم يشربوا طلًا وما لغيوم الهمِّ لا تتقشَّع
ويا قوم ما للشمس أظلم ضوؤها وما لجبيت البجر أيضًا مبرقع
[ ٣ / ١٩٨ ]
أحقًّا خبا نورٌ من الله يسطع وغيِّب طود الحلم والعلم أدرع
وقام على الشَّيخ الموفَّق نادبٌ من الدِّين يبكي فضله ويرجَّع
لقد ماتت الآمال من أجل موته فكادت رحى الأفلاك إذ
وناجت عليه الكائنات بأسرها وما كلُّ ذي سمعٍ لذلك يسمع
وعيني اطأعتني بسفح دموعها عليه وقلبي بالصَّبابة أطوع
ولم أبكه إلاَّ ذكرت مصيره فيضحكني ما كان من قبل يدمع
ألا يا لقومي كيف سارت رجاله به وهو بحرٌ زاخر الموج مترع
وكيف استطاعوا أن يروه ونوره كبرق إذا ما شامِّه الطَّرف يلمع
عجبت له جنس الفضائل نوعه فما جنسه العالي وما يتنوَّع
وكلُّ المعالي بعضه وهي دونه فما بعضه الباقي الَّذي هو ارفع
فلو طالت الأعمار بالفضل لم يكن لموت على مثل الموفَّق مطمع
ولو أنَّه بالمشرفيَّة يتقَّى حمتًه سيوفٌ دونه تتقعقع
ولكَّنه حكمٌ من الله يستوي لديه ذليلٌ أو عزيزيٌ ممنَّع
/١٣٣ ب/ أيا قبره هل أنت دار من الَّذي حويت ومن في قعر لحدك مودع
فكعبة أهل العلم فيكً وإنّهم على فقدها أكبادهم تتصدَّع
فأنت لنا بيتٌ نحجُّك قربةً إلى الله إلَّا إنَّنا لا نودِّع
وإن لم تبلِّغنا إليك رواحلٌ أتتك قوافينا تخبُّ وتوضع
وإنِّى على ما في ثراك مولَّهٌ وإنِّي إلى من حلَّ فيك مولَّع
وها كبد يا لحرَّى عليك قريحةٌ وها جسدي ما فيه لليّقم موضع
ولا غرو إن جفَّت دموعس فإنها بنار الجوى في كلِّ وقت تلدذَّع
وقد تدمع العينان والقلب ضاحكٌ وقد يضحك الإنسان والقلب يدمع
ومنها يقول:
وبعد فلا زالت سحائب رحمةٍ من الله في لحد الموفَّق تهمع
وأنشدني قوله موصيًا نفسه: [من مجزوء الخفيف]
نفسي النُّصح تنعمي وابتغي الله تغنمي
[ ٣ / ١٩٩ ]
واسلكي منهج الرَّشاد تفوزي وتسلمي
واحفظي الله تحفظي واتَّقي الله تعلمي
/١٣٤ أ/ واعلمي بالَّذي علمت تزَّكي وتكرمي
واقصدي الحقَّ في الجدال تسودي وتفهمي
واهجري مربع الهوى واحذري مربعًا حمي
واتركي الكبر تكبري وارحمي الكبر ترجمي
واغفري إن بدئت يومًا بذنب تعظمي
وأنشدني لنفسه، من أبيات: [من الطويل]
وما الدَّهر إلاّ ما الممات ألذُه وما خير هذا الدَّهر إلاَّ عقاربه
وما هو إلاَّ حيَّةٌ لان مسُّها وسمَّت بأنواع العذاب مضاربه
وما زادت الأيام معرفتي بها ولا كسبتني غير ما أنا كاسبه
لقد حنَّكتني النَّائبات ومن يكن كذلك لم تعظم لديه نوائبه
فكن يا زماني كيف شئت فإنَّني حمولٌ إذا ما الخطب حطَّت ركائبه
غفرت لك الزَّلاَّت إلاَّ مذلَّتي فلا كان حرٌّ بالذُّل جانبه
ومن لم يذد عن مورد الذُّلِّ نفسه فذاك الَّذي كلُّ العيوب معائبه
ومن يسلب الدُّنيا ولم يكسب العلا فما أخسر الإكساب إلاَّ مكاسبه
وما قيمة الإنسان إلاَّ فعاله علت أو دنت أحسابه ومناصبه
/١٣٤ ب/ وأنشدني لنفسه من أبيات أوّلها: [من البسيط]
بما يعينيك من سحر ومن كحل وما بريقك من خمر ومن عسل
وما بفيك من الدُّر النَّظيم ومن حسن الحديث الَّذي ماشين بالخطل
وما بخدًّيك من ورد غنيت به فلم تزده أحمرارًا حمرة الخجل
وما بوجهك من حسنً إذا بزغت أنواره أخذ الإشراق في الطَّفل
صلي محبًَّا صلي منكمً بنار جوًى تزيد وقدًا على الإصباح والأصل
فبي ليَّ النَّوم علَّ الطَّيف يطرقني ليلًا فاقطف ورد الخدِّ بالقبل
[ ٣ / ٢٠٠ ]
يا ويلتا من تجنيها وخلفتها إني لأمر هواها غير ممتثل
تجني علي وترميني بما أكتسبت ظلمًا وأسألها صفحًا عن الزلل
وأفعل الشئ كي ترضى فيغضبها ياليت أ، ي لم أفعل ولم أقل
تميل عني كل الميل ذاهبه مع الدلال وعنها القلب لم يمل
أبكي إذا وصلتني خوف فرقتها كأنني في هجير الهجر لم أزل
ترضى فيمنعني من أن أسر به علمي بما عندها من سرعه الملل
إن كان مجنون ليلى قد مضى مثلًا فها أنا اليوم أقصى غايه الملل
قميص يوسف إن قدته من دبر يد الغرام فقلبي قد من قبل
/١٣٥ أ/يا من دنت فرمت قلبي لواحظها لما رنت بسهام العشق والغزل
أذبت روحي فسال أدمعي وأي روح بنار الوجد لم تسل
يزول رضوى على مر السنين وتبلى أعظمي ورسيس الحب لم يزل
كل تنقل عن أحبابه مللًا منهم وفرط الَّذي بي غير منتقل
حرمت منك المنى إن كان في خلدي يومًا سلوك أو أصغيت للعذل
سمعي لديك وعيني غير ناظره إلا إليك وكل منك في شغل
إن كان ظنك أو قول الوشاه سلًا حقًا فلا نلت أوطاري ولا أملي
حذار من مقلتيها إن سحرهما في القلب أمضى من العساله الذبل
غضوا نواظركم عن خال وجنتها فقد جنى لي جرحا غير مندمل
قوموا أنظروا ما أباحت لي محاسنها من النحول وغالتني من الغيل
وعللوني إذا ما خفتم تلفي بذكرها إنه يشفي من العلل
ما ذاق بؤسي ولا ذاق النعيم سوى فتى بخمر الغواني والهوى ثمل
ما كان ظني أن الأسد يأسرها ريم من الروم بين الحل والحلل
/١٣٥ ب/ ولا حسبت بأذن العشق يشغلني عن العلوم ويلهيني عن العمل
[ ٣ / ٢٠١ ]
أصبحت أروي أحاديث الغرام وما تجني النفوس بإسنادي عن المقل
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الكامل]
أنا يا لذيذ الأتصال قلبي بنار الشوق صالي
لما تملكت القياد قطعت اسباب الوصال
قسمًا بما كحلت به عيناك من سحر حلال
ما لذلي بعد النوى طعم الحياه ولا حلالي
يا من تفرد بالجمال فوجهه بالحسن حالي
كم ذا التجني والصدود أما ترق لسؤء حالي
أيس العزول وقد رأي ولعي به مما رجالي
فأنا النذير إليكم مما جرى لي يا رجالي
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من المديد]
أما وتوريد خديها وما كحلت به لواحظها من سحر هاروت
وما روت لي عيناها وقد غشيت أجفانها سنه من علم ماروت
لو أن وصلك يشري كنت أبذل ياقوتي وعيني له عيني وياقوتي
/١٣٦ أ/ وأنشدني لنفسه؛ وقد سمع الخبر بتسليم البيت المقدس إلى الفرنج-خذلهم الله تعالى-: [من الطويل]
تعالوا نقيم الحزن في مجمع الأنس ونصبغ أثواب المصيبه بالنقس
ونعمل للأسلام أعظم مأتم كما أن عباد الطواغيت في عرس
ونبكي دمًا بعد الدموع وإنه قليل على ما قد أصبنا من القدس
أيؤخذ فيه الأسلام فيه بقيه فواعجبًا أين النخاه من الحمس
عذيرك من ضرب النواقيس موضع الآذان وتبديل الأئمه بالقس
منامًا أرى أم يقظه ما سمعته أحقا عباد الله أم خانني حسي
لئن تم هذا الأمر لا تم أنه لأشهي إلى نفسي حلولي في رمسي
[ ٣ / ٢٠٢ ]
لئلا أرى داعي الضلال مصوتًا على المسجد الأقصى يؤذن بالنقس
لعمرك هذا الرزء لا هلك هالك ولا سلب مال لا ولا عدم نفس
وأنشدني أيضًا قوله: [من الكامل]
أترى لمن أسر الفراق عتاق أم هل لشمس وصالنا إشراق
أم هل تعود الدار تجمع بيننا فترى حدائق وصلنا اللأحداق
/١٣٦ ب/ لولاكم يا سادتي لم تضطرم في مهجتي نار لها إحراق
أنا من بعدكم سليم ليس لي إلا جميل وصالكم درياق
وتهتكي فيكم لقد صنع الهوى بي ما تذوب لسطره الأوراق
ما ليم قلبي فيكم إلا وقال هم المراد تكدروا أو راقوا
ما دار لي ذكر السلو بخاطر هيهاتاك من المحب نفاق
سوق المحبه ليس فيه لعاقل يبغى سلو العاشقين نفاق
ما استنكح العشاق من عذر الهوى إلا وقيل لها النفوس صداق
شرط الولي عليهم في عقدها أن لا يكون لها الزمان طلاق
عبد الولي بن قراتكين بن عبدالله، أبو محمد الحكيم الفاضل البغدادي.
كان والده مولى المستضئ بأمر الله-رضي الله عنه_اشتغل بعلوم الحكمه عن أبي الفتح يحيى بن حبش السهرودي، وأخذ علم عن فخر الدين محمد بن عبدالسلام، وصنف في الطب كتبًا كثيره منها؛ كتاب «شرح القانون لابن سينا»، /١٣٧ أ/ وكتاب «الرد على فخر الرازي»، فيما أخذه عن ابن سينا، «وأرجوزه في التشريح في الطب»، «وأرجوزه في المعالجه من القرن إلى القدم»، «وأرجوزه في الباه»، وكتاب «الباه»، و«نظم تذكره الكحالين» أرجوزه، وكتاب «الحاكم في الطب».
نزل سنجار، واتصل بملكيها عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن آق
[ ٣ / ٢٠٣ ]
سنقر، وبعده لولده قطب الدين محمد، وبعده لولده الملك العزيز شاهنشاه. فلما أخذت سنجار من بني أتابك، وصارت في يد الملك الأشرف شاه أرمن، رحل إلى آمد وانقطع إلى خدمه صاحبها الملك الصالح أبي الفتح محمود بن محمد، وبعدها لولده الملك المسعود مودود، ولم يزل بها مقيمًا إلى أن مات سنه تسع وعشرين وستمائه عن ثمانين سنه.
وأنشأ بسنجار مدرسه جعلها وقفًا على المشتغلين بعلم الطب، وأفيها القناه المشتهره المعروفه به إلى الآن، وكان إلى حين وفاته مكبًا على التصنيف، والناس يختلفون إليه للأفاده.
وله أشعار في المقطعات؛ أنشدني ولده/١٣٧ ب/ محمد، قال: أنشدني والدي لنفسه: [من المتقارب].
وقائله قد أتلك المشيب فما آن للدرس من آخر
فقلت علقت ببعض العلوم فقد غصت في بحره الزاخر
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني والدي لنفسه: [من الطويل]
وواعدتني عند الفراق يزورني خيالك إذبان الكرى لجفوني
وقد حاك ذاك الحال حتى كأنني خيال خيال في ضمير أمين
وأنشدني، قال: أنشدني والدي لنفسه في الخضاب: [من الطويل]
ولما رأتني قد خضبت تبسمت وقالت مضي طيب الزمان ورونقه
فواعجبًا عند الشباب هجرته أيطمع في هجري وقد شاب مفرقه
وأنشدني، قال: أ، شدني والدي لنفسه: [من الكامل]
في تليعفر للغريب مقاتل والضر بين أناسها مبثوث
وقت الهجيره للذباب مباضع ومع الدياجي البق والبرغوث
[ ٣ / ٢٠٤ ]