[٨٩٧]
هارون بن الحسين بن كرجى بن هارون
ذكره الصاحب الوزير شرف الدين أبو البركات المستوفىرضي الله عنه فى تأريخه،
وقال: إربلى المولد والمنشأ، خدين لا يطمع الغدر فى وفاته، وقرين لا يحل الدهر عقد إخائه، ومصاحب استوى فى الصحبة مغيبه ومشهده، ومخالط اعتدل فى الخلطة مصدره
ومورده، فهو مأمونة مكائده وغوائله، محمودة أواخره وأوائله، عذبت أخلاقه رقَّة صفاء،
وملئ وجهه بشرًا وحياءً، له أدب نفس كالزهر النضير، ووثيقة رأى محكمة التدبير،
إشفاق على معاشره وصديقه، تجاوز إشفاق الأخ على شقيقه، ونصيحة للمستشير بارائه، يستشف المغيب من ورائه.
وكان شيخنا أبو المظَّفر المبارك بن طاهر الخزاعى البغدادى - رحمه الله تعالى
يسمَّيه شيخ /١٥٧ ب/ الجماعة، لما عنده من العقل والحزم، وجودة التصرٌّف، وكثيرًا كان
يصفه وفيه يقول: [من البسيط]
شيخ الجماعة مخدوم ومشكور وربعه ببنى الحاجات معمور
وقال فيه أيضًا: [من البسيط]
شيخ الجماعة بدر الدِّين هارون بالخير والبرِّ ولإحسان معجون
ذو الفهم يعرفه والغمر يجهله كالدر والدٌّرَّ فى الأصداف مكنون
ثم قال: وعنده دين لا يهديه إلى غير الصدق سبيله، ويقين لا يميل به عن سواء الحق دليله، حنفىٌّ المذهب، مائل [إلى] التشيع غير مغال فيه، مواظب على الصلوات الخمس، وصيام كل خميس. كناه شيخنا أبو المظفر ابن طاهر الخزاعى بأبى الرأى.
[ ٧ / ١٨١ ]
وكان من أولاد الأمراء الأجناد، وذوى العدَّة والعتاد. وكان أبوه –﵀ – وأدركته، من المشهورين بإربل فى زمن الحاجب أبى منصور سرفتكين ابن عبدالله – متوليها – يقوم إذا غاب عنها، ولا يتخلف عنه إذا عاد إليها.
أولد خمسة من البنين لم يكن /١٥٨ أ/ فيهم أبرع منه ولدًا ولا أكثر سؤددا. وكان ربما قرض البيتين الأبيات من الشعر، سلامة طبع جبل عليها، وصحة خاطر هداه الظرف إليها، وأنا ذاكر جميع ما وقفنى عليه من ذلك عن آخره.
وكانت وفاته بعد عشاء الآخرة من الليلة المسفرة عن الأحد الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة ثمان وستمائة بإربل، فأسكنه الله فسيح جنانه، وأورده موارد غفرانه،
فى نعيم غير منقطع أمده، وثواب لا يحصى عدده.
وكان مولده بإربل فى شهر رمضان سنة ستين وخمسمائة، وسمع الحديث على أبى المعالى نصر الله بن سلامة الهيتى، وأبى المعالى صاعد بن على بن عمر الواسطى الواعظ،
وأبى المظفر المبارك بن طاهر بن المبارك الخزاعى البغدادى وغيرهم.
ومن شعره ما انشدنى الصاحب الوزير أبو البركات المستوفى الإربلى بها – رحمة الله عليه – فى خمس وعشرين وستمائة، قال: أنشدنى أبو الرأى هارون بن الحسين لنفسه:
[من البسيط]
/١٥٨ ب/ ى موقد النَّار فى قلبى وفى كبدى هلاَّ رحمت قتيل الهمِّ والكمد
هلاَّ عطفت على صبٍّ اسير هوًى مغرى بحبِّك فى قرب وفى بعد
يفنى الزَّمان ولا تفنى صبابته مخيرًا فيك بين الَّشًوق والسٌّهد
كن كيف ما شئت لا صبر ولا جلد لم يبق هجرك لا صبرى ولا جلدى
وانشدنى أيضًا، قال: أنشدنى هارون بن الحسين لنفسه: [من الطويل]
ينام خلىٌّ القلب من ليس عنده من الشوق ما تطوى عليه اضالعى
لقد لامنى الواشون فيمن احٌّبه ولكنَّ دون العذل سدَّت مسامعى
كتمت الهوى خوف الوشاة ولومهم فنمت عليه جاريات مدامعى
[ ٧ / ١٨٢ ]
وأنشدنى، قال: أنشدنى أبو الرأى قوله فى صفر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة:
[من الكامل]
يا لائمى فى حِّبه ومعَّنفى مهلًا فما ذقت الَّذى قد ذقته
والله لو علق الفؤاد من الورى بهوى حبيب غيره مزَّقته
/١٥٩ أ/ قال العواذل خلِّه فأجبتهم لو كنت اصبر عن هواه تركته
وأنشدنى، قال أنشدنى أبو الرأى لنفسه: [من السريع]
يا غافلًا عِّنى بلذاته إشرب وطب دام لك العمر
وارحم فتًى لا يرتقى دمعه قد خانه وصلك والدَّهر
وأنشدنى، قال أنشدنى من شعره: [من الكامل]
يا تائهًا بالحسن صلنى فقد اشتفى الهجران مِّنى
إرجع إلى طيب الرَّضا فإلى متى هذا التَّجنَّى
يا لائمى فى حبِّه ومعارضى فى كلِّ فنِّ
دعنى اموت بحِّبه يا لائمى بالله دعنى
لو كان عندك بعض ما اخفيه من ألم وحزن
لعذرتنى فيما لقيت مـ ـن الغرام ولمً تلمنى
وأنشدنى، قال: أنشدنى لنفسه: [من الكامل]
/١٥٩ ب/ هنِّيت بالخلِّ الجديد يا ناقصًا ابدًا عهودى
حتَّى م ارغب فى الوصا ل وانت ترغب فى الصٌّدود
والله لولا ان يقا ل اعير سلوان الجديد
لأتاك منى مايليـ ـن لوقعه صلب الحديد
يا ايٌّها القمر الَّذى تنمى برؤيته سعودى
إرجع إلى حسن الرِّضا فقد اشتفى منِّى حسودى
واقبل وصايا الله فى حسن الرِّعاية للعبيد
[ ٧ / ١٨٣ ]
[٨٩٨]
هذاب بن محمد بن الحسن بن عبد الكريم بن هذّاب ،
أبو المفاخر الأسعردىٌّ الكاتب، المعروف بابن العالمة.
كان ذا أدب وكتابة وفضل وشعر.
أنشدنى الشيخ الحافظ أبو على الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن عمروك
البكرى – من لفظه – بحلب بخانكاه القصر فى ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وستمائة، قال:
أنشدنى أبو المفاخر هذاب بن محمد بن الحسن الكاتب الأسعردى لنفسه: [من السريع]
/١٦٠ ا/ جوهر العالم مكنونة يبرزها من بحره الغائص
والطَّير لا يحظى بغرِّيدها فى النَّاس إلَّا الرجل القانص
وأنشدنى، قال: أنشدنى أبو المفاخر انفسه يصف الشبَّابة: [من المتقارب]
وساجعة من بنات النَّبات لها نغم لست تعلم ماهى
مصوِّتة تستفزٌّ العقول ولكنَّ اوكارها فى الشِّفاه
[٨٩٩]
هرير بن المعمَّر بن سنان بن غفيلة بن شبانة، أحد بنى قديمة بن
نباتة بن عامر بن ربيعة بن عقيلٍ العقيلى.
أخبرنى الصاحب الوزير شرف الدين أبو البركات المستوفى بإربل – من لفظه رحمه
الله تعالى – قال: كان بين هرير وبين عيسى بن المفدّى صفاء ومودّة لا يشوبه ريب من مفاوضة بالمال والأنفس. ثم ضرب الدَّهر ضربانه، فاحتربو الأمور بينهم ومنافسات.
وكانوا على زمان صفائهم وودادهم، يقول هرير الأشعار فى عيسى بن المفذَدى،
وقتل يوم ثاج، قتله/١٦٠ ب/ عيسى بن المفدَّى. وكان حسبه دارعًا فاعترضه وهو يطرد
الخيل، فنظمه برمح على الفريضة، فبرز من الفريضة الأخرى، فلمّا على انَّه قد قتله أسف
عليه أسفًا شديدًا، وبلغ ذلك أخا هرير مرغما ً فأقسم لا يأخذ عن كلّ طرف
[ ٧ / ١٨٤ ]
منه إلَّا قتيلًا. ثم التقوا بعد ذلك بالجيش وكان قتل هرير سنةّ ستٍّ او سبع وستمائة. وكان من قبيلة قد بلغو من العز والمنعة ما لم تبلغه قبيلة من قبائل العرب حتى بلغوا أربعمائة فارس تركب الخيل.
ثم أنشد من شعر هرير هذا: [من الطويل]
اقول وقد حَّنت بجودة ناقتى ولم يدر ورد الماء. . . ما حنينها
تحنٌّ على عيسى وقد شطَّت النوى بعيسى وبيات البوادى تبينها
فيا ليت عيسى ينظر اليوم او يرى دموع امرئ بالماء جاد معينها
مضى زمن عينى تعين على البكا وذا العام عادت تبتغى من يعينها
وأنشدنى أيضًا من شعره يقول: [من الطويل]
/١٦١ أ/ عزيز علينا من عقيل ظعائن غدون من الدَّهنا بغير بعول
جررن ذيولًا للقطيعة عندنا على الغدر لا عادت لجرِّ ذيول
[٩٠٠]
همام بن راجى الله بن سرايا بن أبى الفتوح ناصر المصرىَ.
كانت ولادته فى أواخر سنة تسع وخمسين وخمسمائة
[ ٧ / ١٨٥ ]
كان شاعرًا فاضلًا، امتاح الملك الكامل ناصر الدين أبا المعالى محمد بن أبى بكر بن
أيوب – صاحب الديار المصرية.
أنشدنى الشيخ الأمين العدل أبو عبد الله محمد بن عبدالقاهر بن هبة الله بن النصيبى
بحلب – رحمه الله تعالى – قال: أنشدنى همام بن راجى الله لنفسه:
[من الطويل]
ارى الدَّهر فى كلَّ الأمور معاندى وما فيه لى عيب ولآ لى له ذنب
إذا طمحت نفسى لشئ انا له فإنَّ الذَّلول السَّهل لى مرتقًى صعب
إلى كم اقاسى ضيق عيشى ومكسبى كأنَّ زمانى قدغدا وهو لى حرب
وقد قلَّ فى الدنيا صديق مساعد إذا قلَّ مطلوبى وإن اعضل الخطب
ومن عجب الدَّنيا بأنِّى خامل وقد ضاق عن علمى بها الشَّرق والغرب
/١٦١ ب /ومن نكد الأيَّام انِّى إمامها ويحكم فى رزقى وفى مهجتى كلب
وامنع من حقِّى ويوقف راتبى ولى مسجد جاريه فى وقفه نهب
وقد حار قس فى بلوغ بلاغتى وفى وصف تصنيفى وتابعه وهب
ولو كنت ارضى الشِّعر عندى صناعة ً لما كان مذكورًا زهيرولا كعب
ومالى مركوب ولا لى مؤمة ولا لى ملبوس غليظ ولا شرب
ولكنَّما القى إذا ما شكوته إلى الكامل السٌّلطان لم يبق لى عتب
وأنشدنى أيضًا، قال: أنشدنى همام لنفسة: [من الطويل]
وكيف يلذ العيش فى مصر ساعة ولا حظَّ لى فيها ولست معظَّما
واعيظ ما لاقيت فيها بأنَّنى ارى كلَّ ذى نقص علىَّ تقدَّما
وأنشدنى أيضًا، قال: أنشدنى لنفسه: [من الطويل]
دع الفضل لا تعبأ به فى زماننا فإنَّ كمال الفضل للمرء عائب
يقدَّم فيه الطَّرد غير ملائم ويطرد فيه مشبه ومناسب
وأنشدنى، قال أنشدنى من شعره: [من الوافر]
قلونى إذ نشأت بهم وحيدًا وما لى فى البريَّة من يوازى
فدع قول المخرِّق واطَّرحه فليس بلا حقى ابن خطيب رازى
[ ٧ / ١٨٦ ]
اذئب للسِّباع يكون قرنًا وعصفور يطير مع البوازى
وأنشدنى، قال: أنشدنى لنفسه: [من البسيط]
قالوا: نراك قليل الحظِّ فى بلد وانت بالفضل معناه وناظره
[٩٠١]
الهيثم بن جعفر، أبو المتوكل الأشبيلى.
الأديب الفاضل الشاعر من المجيدين فى علم الأدب ونظم الشعر بقطره، يفوق أهل زمانه، فضلًا وفهمًا وفصاحةً ورجاحة.
ومن شعره ما قاله على لسان غيره: [من البسيط]
بأرض رنَّة اوطانى واوطارى ولى هوى فيهم عار من العار
سمىٌّ يحيى ولكن فى لواحظه عصا الكليم فماذا صنع سحَّار
وقوله وهو أوَّل شعر قاله فى المكتب: [من الخفيف]
/١٦٢ ب/هل تبدَّى فى النَّاس وجد كوجدى بهلال الملاح يحيى بن رشد
لاح عذرى للٌّاهى لله ما بى من غزال يشيبٌّ وجدًا بوجد
بذرتمَّ بدا، فقلت: تعالى جلَّ رب اهداك يا بدر سعد
أراد بقوله " اللاهى " من اللهو.
[ ٧ / ١٨٧ ]