[٢٢٤]
طاهر بن محمد، أبو الفوائد الفاريابي:
شاعر عالم، وكان مقامه بأذربيجان، واشتهر ذكره هنالك، كان يشعر باللسانين، عربيًا، وفارسيًا، والغالب عليه اللسان الفارسي، امتدح جماعة من ملوك تلك البلاد، وسلاطينها، ورؤسائها، وأشرفها.
وأخبرني من أثق به أنه كان حيًا بعد الستمائة، وصار إلى مجموع أشعاره، وفيه شعر بالعربية يسير، فاخترت قوله يمدح بعض الرؤساء، وهو ربيب الدين أبو القاسم: [من الطويل]
دعاني وما اضمرت من لوعة الهوى ففي القلب منّي ما خييت بلابل
أاشفي سقامي بعد ما قد مضى الصِّبا ورنَّح أغصان وحنَّ بلابل؟
وإنَّ شفائي في كؤوس رويَّة يساعدني فيها حبيب مجامل
فبدِّد للدَّمع المصون قلائد وحرك للقلب المشوق سلاسل
/٩٢ ب/ ومنها:
ورقَّ كمام الورد عنه كأنَّه كواعب بيض شفَّ عنها غلائل
أقلاَّ ملامي إنَّ ذنبي لديكما كثير وأيام الرَّبيع قلائل
هل العيش إلا أن تنوَّر روضة عليها لنوء المرزمين مخايل؟
يفئ إلى أطلالهنَّ هواجرًا وقد طلقت أسحارها والأصائل
الثَّ رباب المزن فيها كأنَّه بنعمى ربيب الدِّين هام وهاطل
أبو القاسم المقسوم في الناس عرفه فإن جاد وفرًا جاذبته الوسائل
أقام عماد المجد والمجد ساقط ونوَّه باسم الفضل والفضل خامل
[ ٢ / ١٣٧ ]
وصبَّ على الآفاق سجلًا من النَّدى ففاضت به عذرانها والمسايل
وقال من قصيدة: [من الرمل]
أقبل السَّاقي بريحان وراح هاتها تفتَّر عن ثغر الملاح
أنبهن في السُّكر أغصان الرُّبى ما لصحبي بين سكران وصاح؟
ومنها في المديح:
قام في نصر الهدى مستنصرًا أحرز الملك بأطراف الرِّماح
/٩٣ أ/ ينتحي أرض العدا في جحفل ضلَّ في لألائه ضوء الصَّباح
ثابت الإقبال منصور اللِّوا مستقيم الأمر مأمول النَّجاح
[٢٢٥]
طاهر بن محمد بن قريش بن أحمد بن عبد الملك بن قريش، أبو محمد العتابي البغدادي:
من أهل العتابيين، وهي محلة مشهورة غربي بغداد، كان يتفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁- وكان له طبع يطاوعه فيما يرومه من صناعة الشعر، وقول سهل متسق، يشبه بعضه بعضًا في رقة الألفاظ ولينها.
وكان فيه خفة روح ودعابة ودماثة، ورأيت له من جمعه كتابًا مطبوعًا سماه: غنية النديم، في وصف الخمر والغناء، وأخبار المغنين، وطرف من أخبار الطفيلية، مما يستحسن في ذلك من الأشعار والنوادر والحكايات.
ونظم قصيدة مزدوجة في أهل مصر، وأودعها نكتًا طريفة، وسبب إنشائها أنَّ بعض المصرية عمل رسالة هجا /٩٣ ب/ بها بغداد، فأنشأ أبو الطيب هذه الأرجوزة، ورسمها بالأرجوزة البغدادية المنتقمة من الرسالة المصرية، هجا بها المصريين.
وسكن بآخره سنجار، وبها توفي في رجب سنة تسع وستمائة، أنشدني
[ ٢ / ١٣٨ ]
أبو الحسن علي بن الحسن بن علي الأواني الموصلي قال: أنشدني طاهر بن محمد العتابي لنفسه، وأنشدنيها الصاحب شرف الدين قال: أنشدني طاهر لنفسه:
[من الخفيف]
درست معهد النَّعيم الدُّروس فالام الوقار والنَّاموس؟
فاعمروه في العمر عمرًا فقد رقـ ـقت وراقت في كأسها الخندريس
وليال بالدَّير دير سعيد حبَّذا ذلك الزَّمان الأنيس
وسقى فيه غرفة لأبي جا بر غيث فربعها مأنوس
قهوة عيسويَّة طال ما صلـ ـلت عليها وسبَّحتها القسوس
بزلت وهي بالشام فدانت بسناها بأرض كسرى المجوس
وغناء يكاد ينبعث الشَّا هد منه حيًا ويبدو الحبيس
والرَّوابي بالزَّهر تزهو كما يز هو بألوان ريشه الطَّاووس
/٩٤ أ/ ونديم له معين على اللَّهـ ووثلاث كأس وكسٌّ وكيس
يخلص الود للجليس وما للـ ـراح طيب حتى يطيب الجليس
كلَّما رتَّل المثاني والزِّيـ ـر اذانًا أجابه ناقوس
قسما بالّذي تزفُّ إليه طلب الأجر والثواب العيس
ما لليل الهموم إلا شموس دائرات أفلاكهنَّ شموس
وأنشدني قال أنشدني أيضًا لنفسه: [من مخلع البسيط]
هذي شيبتي شبه شخص منافق معلن مصر
بظاهر فيه كلُّ خير وباطن فيه كلُّ شر
وأنشدني أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الصيقل الشاعر الموصلي قال: أنشدني طاهر بن محمد لنفسه: [من الكامل]
شم سيف لحظك عن فؤاد التَّائه فمثال شخصك منه في سودائه
[ ٢ / ١٣٩ ]
عجبًا لوجهك وهو بدر كيف لا يخفي شعاع الشَّمس نور بهائه
ولحسن قدِّك وهو لدن كيف لا يلويه من ترف هبوب هوائه
/٩٤ ب/ ولخال خدِّك كيف ينبت مسكه في ناره ويخوض لجَّة مائه
وأنشدني أبو الربيع سليمان بن الحسن بن علي البصري الموصلي قال: أنشدني طاهر لنفسه: [من البسيط]
مررت في بعض أحياني بمعصرة وللمدامة في أرجائها لهب
وكلَّما أخمدت نار العصير بها أذكى سناها مجاري دمعها العنب
وللسُّقاة اضطراب في قرارتها تخب أرجلهم طورًا ةتضطرب
فقلت والعين ما تقضي بهم عجبًا والخمر ما زال في حالاتها عجب
ايرقصون ولمَّا يشربوا قدحًا منها فكيف بهم لو أنهم شربوا؟
وقال أيضًا: [من السريع]
قوِّض خيام الشُّكر عن معشر برق الأماني عندهم خلَّب
لا بأسهم يخشى ولا برهم يرجى ولا ذكرهم طيِّب
يصدق من يثلم أعراضهم بقدر ما مادحهم يكذب
أموالهم باللوم محروسة نعم وأعراضهم تنهب
إن صفعوا بالكف لم يغضبوا أو سئلوا خردلة فطَّبوا
/٩٥ أ/ يهدون في طرق المخازي فإن ضلَّوا إلى مكرمة نكَّبوا
تقاسم النَّاس النَّدى كلَّه وأوسقوا منه وهم غيب
فحين جاءوا وجدوا اللؤم في موضعه قد حلَّ فاستحقبوا
لو مثل الجود سفينًا وقد القوا بقعر البحر لم يركبوا
وقال: وقد طلب من بعضهم حماضًا، فما طله به ولم يعطه شيئًا: [من الخفيف]
قصرت في المكارم الأغراض ما لخلق إلى ذراها انتهاض
كرم مخلف السَّحائب لا يصـ ـدق فيه برق ولؤم مفاض
فدع المدح والهجاء ولا تلـ ـمم بشعر فللقريض انقراض
ما بقي في الأعراض موضع ظفر يتمشى في قطعة المقراض
[ ٢ / ١٤٠ ]
كم تحمضت وامتقعت فلا كنـ ـت ولا كان ذلك الحمَّاض
وقال أيضًا: [من السريع]
يا ذا الذي درهمه ربَّه وعرضه من لؤمه عبده
يسجد للدِّرهم حّبًا له وعرضه اتعبه كدُّه
سألت عنه بعض جيرانه والضدُّ قد يظهره ضدُّه
/٩٥ ب/ فقال لي هذا الّذي وجهه ثكلته من حجر جلده
هذا يشمّ الخبز غلاَّ به كأنَّما كثرته نده
وجوده أعمى عيون الورى فليتها يكحلها فقده
هذا الَّذي قد مات من بخله وهذه أثوابه لحده
وقال يهجو: [من السريع]
وليلة بتُّ على طولها أفكر في عرض ابن عمَّار
لعل أن افتح من هجوه بيت خلًا في بيت أشعار
فلم أجد فيه سوى رقعة قد خلقت من كثرة العار
وقال أيضًا: [من البسيط]
لو كان عرضك مبيضًا رقمت له من الهجاء طرازا غير مندرس
لكنَّه بالخنا واللُّؤم مذ وضعت عنك التَّمائم مشحون من الدَّنس
بخلت حتّى لو أنَّ النَّار طوعك في الـ ـجحيم ما نالها مصباح مقتبس
فاصبر فسوف يفيق الدَّهر عن كثب فالدَّهر لو لم يكن قد جنَّ لم ترس
وقال أيضًا: [من الطويل]
وذي ثروة لا يطرق الضَّيف بابه سمين إهاب الذَّم نضو المحامد
/٩٦ أ/ فكعبته في ماردين وداره دنيسر لا بل وجهه سور آمد
وقال أيضًا: [من الطويل]
عذيري من قوم وردت بمدحهم على أيَّما واد من اللؤم مترع
(مدحتهم وحدي فلمَّا هجرتهم هجرتهم والنَّاس كلُّهم معي)
وقال أيضًا: [من السريع]
[ ٢ / ١٤١ ]
وباخل قلت له مرة خبز فهزَّت جسمه البارده
رأيت في منزله مصحفًا وليس فيه سورة المائده
وقال أيضًا: [من الطويل]
وما بذل القوم القليل لأنَّهم كرام ولا عادوا عن اللُّؤم والبخل
ولكنَّهم صاروا نصارى جهالة وهذا الذي يعطونه جزية الجهل
وله في أبي غالب الماوردي الطبيب النصراني: [من السريع]
لا تستطبنَّ أبا غالب فإنَّما تدبيره قاتل
يحكم بالتَّخمين في غيره وهو بما في نفسه جاهل
يمشي إلى المرضى فيمشي على آثاره الحفَّار والغاسل
/٩٦ ب/ وقال أيضًا: [من الطويل]
وقالوا فلان ذو يسار وثروة ولكن بخيل ما ينيل ولا يقري
فقل فيه شعرًا يعرف النَّاس لؤمه فما يكشف اللؤم المستَّر كالشِّعر
فقلت اعذروني ذاك بالبخل ميِّت وقد قيل قدمًا عدِّ عن صاحب القبر
وقال أيضًا: [مجزوء الرجز]
يا إخوتي تفهَّموا وكلكم تعلَّموا
نصيحة يحظى بها سامعها ويغنم
هذا الزَّمان فرض أوقاته تغتنم
وذا الرَّبيع مقبل ووشيه المنمنم
والماء في مروجه بقسطه مقسَّم
والطَّير قد أفصح منـ ـهنَّ اللسان الأعجم
والراح تجلوها على الشـ ـشرب الزُّجاج المحكم
كأنَّما شعاعها في الكأس نار تضرم
أو ذوب تبر قد علا هـ لؤلؤ منظَّم
يكسى بها كفُّ المديـ ـر صبغة والمعصم
/٩٧ أ/ أنحلها الدّهر فما يدركها التَّوهم
[ ٢ / ١٤٢ ]
فهي من الدَّهر وإن طال مداه أقدم
آنس موسى نورها واللَّيل داج مظلم
فقال آنست لكم نارًا وأنتم نوَّم
وهي التي كانت تسقِّيها لعيسى مريم
حرَّمها النَّص وكم يرتكب المحرم
يسعى بها ظبي على عشَّاقه محتكم
حلَّة حسن وجهه له العذار علم
وقدُّه من القضيـ ـب الخيزران أقوم
فلو رآه صنم دان لديه الصَّنم
يقتلني إذا أنتشى كلامه المجمجم
لبَّى من الفقه فما حقَّ الفقيه يرحم
يموت بالجوع وفي دماغه التبرطم
وهو على حرقته مقمَّص معمَّم
وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]
/٩٧ ب/ يا عاذلي هات المدامه ودع التبرطم والملامه
فأنا الشَّقيُّ بشربها لا أنت في يوم القيامه
أنا مذهبي مذ كنت طفـ لًا رشف كاسات المدامه
أتعجَّل العيش اللَّذيـ ـذ وأسأل الله السَّلامه
لو كنت شاهدنا وبد ر التِّم قد أرخى لثامه
مثل القصيب اللَّدن قد زانته أعطاف وقامه
يسعى بشمس مدامه والليل مدرع ظلامه
فتخاله صبحا إذا أبصرت طلعته وجامه
وسماع مطربة لها مع حسن صورتها وسامه
أخلاقها مثل النسيـ ـم أرق من ماء الغمامه
ألفاظها كالدُّرَّ أتـ ـقن حذق ناظمه نظامه
حوت الفصاحة والملا حة فهي بين النَّاس شامه
[ ٢ / ١٤٣ ]
تشدو فتطرب ثم تطـ ـرب وهي للقفص الحمامة
فيجيبها مثل المحبـ ـب يبثُّ محبوبًا غرامه
إن أذَّن الوتر الفصيـ ـح بمجلس فهي الإمامه
/٩٨ أ/ تقضي صلاة سرورنا في الحال من قبل الإقامه
قم نطَّرح قول النَّصو ح فلا تطعه ولا كرامه
فأشرب إذا طاف الغلا م بها وطرَّبت الغلامه
وكتب إلى نقيب العلويين بالموصل، وكان قد مدحه فأبطأ في جائزته:
[من السريع]
يا سيدي يا طلعة البدر ويا سليل الأنجم الزُّهر
ألست من قوم أتى مدحهم في ﴿هل أتى﴾ في محكم الذكر؟
ألست من قوم أنا خوا حمى أموالهم في الحمد والشُّكر؟
ألست من قوم إذا فاخروا بذُّوا جميع الخلق بالفخر؟
ألست من قوم إذا استمطرت أكفُّهم أربت على القطر؟
قد عشت شيعيًا إلى أن مضى في حبكّم سبعون من عمري
فكيف ترضى لي وحوشيت أن أبدِّل الإيمان بالكفر؟
وأن أرى مدحك كلاَّ على لفظي وأن أمحوه من شعري
وما احتالي في غد إن خلت صحيفتي عنه وما عذري؟
إن قلت: قد أعرض عنِّي وقد أضرب عن حمدي وعن شكري
/٩٨ ب/ كذَّبني الخلق جميعًا فوا فضيحتي في موقف الحشر
وقال أيضًا: [من البسيط]
شحُّو فلو مرضوا دهرًا وقيل لهم هبوا لنا ألم الحمَّى لما وهبوا
ولو راوا في زلال الماء مكرمة وهم عطاش لعافوه وما شربوا
وقال أيضًا: [من البسيط]
[ ٢ / ١٤٤ ]
اليوم ما اجترح الندمان مغفور ومجلس الراح في النيروز مأثور
فبادر الرَّاح واشربها معتَّقة فقد دعاك إليها البمُّ والزِّير
كأنما نثرت من نور جوهرها على ثياب نداماها دنانير
صفراء روميَّة قد طال ما بزلت فأمها في ظلام اللَّيل مقرور
ناريَّة اللَّون عند النَّوح عظَّمها كسرى وصلَّى لها في البيت سابور
إذا تحلَّت عقود الدرِّ دائرة دارت على أذرع الساقي أساوير
تكسو الزَّجاجة لونًا لا بقاء له فالكأس من كسيها عار ومستور
كأنَّها فضَّة في وسطها ذهب من حولها حبب كالدرِّ منثور
سواذج فإذا طاف السُّقاة بها تشكَّلت في تلاليها تصاوير
يا حبَّذا أرض سنجار إذا لبست نور الرَّبيع وزانتها الأزاهير
/٩٩ ب/ وحبَّذا المرج حيث الزَّهر منتظم في سلك أغصانه والماء مذعور
والورد وهو أمير الزَّهر يقدمه فرسانه ولها [في الأرض] تشهير
والأقحوان كمبيض الثغور له أزرار تبر وحول التِّبر كافور
والسَّوسن الغضُّ بين الرَّوض تحسبه أعلام جيش فمطري ومنشور
أرض كأجنحة الطاووس مختلف ألوانها والنَّدامى حولها سور
والطَّير إن أعجمت لحنا بلابلها عنَّت به أعربت عنها الشَّحارير
فبادروا غفلات الدَّهر واغتنموا أوقاته فزمان العمر محضور
وله وقد صعد صديق له إلى كرسي، قرية من قرى سنجار، فتركه في البستان يومه أجمع، ولم يطعمه شيئًا، ومضى في بعض أشغاله، فقال فيه ارتجالًا:
[من الخفيف]
يا أبا طالب رويدك ما عنـ ـدك لا كلفة ولا تقصير
قد تناهيت في الضَّيافة هذي روضة غضَّة وهذا غدير
يترجَّى بها إذا عدم الزَّا د ويعطى خير الجزاء الصَّبور
كحمار القصَّار يقنع بالما ء ويعدو وإن عداه الشَّعير
/٩٩ ب/ وله وهو مريض، وقد سأله صديق له عن حاله فقال: [من الكامل]
يا عائدي لا تسألن عن حالة جلَّت عن الآلام والتَّبريح
[ ٢ / ١٤٥ ]
فلقد ضنى جسمي فلو كشَّفته لعلمت منه صنعة التَّشريح
وقال أيضًا في مرضه: [من مجزوء الكامل]
ألف السَّقام جوارحي حتَّى خفيت عن الضمير
فكأنِّني في مضجعي من بعض طاقات الحصير
وقال من ربيعية: [من الوافر]
ألا هبَّا فقد صفت الخمور لشاربها وغرَّدت الطُّيور
وهبَّ نسيم أنفاس الخزامى ولاح الصَّبح وانشقَّ الغدير
وأزهار الرَّبيع مفتَّحات الـ ـجفون كأنهَّا حدق تدور
فصوص قد نثرن على حرير فأظهر حسن رونقها الحرير
إذا ما احضرَّ وجه الأرض فابكر إلى حمراء حقَّ لها البكور
ومطربة متى ما شئت غنَّت مكانك أيَّها القلب الأسير
وقال أيضًا: [من المنسرح]
/١٠٠ أ/ واحسرتا ضاعت الدَّراهم من كيسي وأصبحت اشتكي عدمي
وقام إن قام من هويت إلى جنبي وقد قام وهو لم يقم
وقال أيضًا: [من المنسرح]
الحمد لله قد رجعت إلى الـ ـحقِّ وزالت عن قلبي الرِّيب
وتبت إلا عن شرب صافية صفراء يجلو كاساتها الحبب
إذا بدا كرمها يقدِّح بالأو راق يبدو في نفسي الطَّرب
وأنثني كلما مررت به لا سيَّما أن يلوَّن العنب
وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]
ذكر الصِّبا وزمانه فصبا وتمايلت أعطافه طربا
شيخ يكاد يطير من فرح بين الكرام إذا رأى العنبا
ويعود ريعان الشَّباب له غضًّا إذا ما خمسة شربا
لا يصطلي في القرِّ غير سنى لهب الكؤوس ويربح الحطبا
وقال أيضًا: [من الخفيف]
[ ٢ / ١٤٦ ]
عج على حانة الدَّنان ففيها كسرويَّ غطّى عليه الغبار
نسخ العنكبوت فيها بيوتًا عاونته في نسجها الأعصار
/١٠٠ ب/ قف يمينًا على البزال وحاذر ربما طار من سناها الشَّرار
إنَّ شيخًا من النَّصارى كبيرًا عاين الدُّرَّ أفرغت فيه نار
وقال أيضًا: [من البسيط]
وعاذل لجَّ في عذلي وعنَّفني على المدام وعيشي دونها نغص
إنِّي لبيب وما شربي لها رفث ولا فسوق كما جاءت به القصص
لكن غصصت بزاد الهم اطعمه والخمر حلّ إلى أن يذهب الغصص
وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]
بادر صلاتك في الغلس والق الدُّروس لمن درس
وذر الخليع وقهوة حمراء تلمع كالقبس
واغفل إذا الزَّما ن فلذَّة الدُّنيا خلس
وقال أيضًا: [من الطويل]
وليلة قرَّيت أهزم بردها بجيشين من خمر عتيق ومن جمر
فطورًا ظنَّ الخمر ذائب جمرها وطورا أظن الجمر من جيِّد الخمر
وقال أيضًا: [من الكامل]
بادر صبو حك مطلع النَّجم إنَّ البدار قضيَّة الحزم
/١٠١ أ/ أو ما ترى جيش الصَّباح وقد غارت أشاهبه على الدُّهم؟
ولخير ما زوَّجت مبتكرًا ماء الغمام كريمة الكرم
ومدامة لطفت فليس لنا منها سوى الإدراك بالوهم
لم يبق إلاَّ رسم صورتها فكأنَّها روح بلا جسم
تغري السَّفيه على سفاهته وتمدُّ ربَّ الحلم بالحلم
وتثير حربًا للعقول على خدع لها في صورة السَّلم
وتعلَّم الكرم البخيل فلا يخشى إذا دارت من العدم
تبدو طلائعها ملبَّسة زردًا فتهزم عسكر الهمَّ
[ ٢ / ١٤٧ ]
وقال أيضًا: [من السريع]
لا تخلين بيتك من خابيه ورواقن تجري إلى باطنه
وصاحب يستر في حالة الـ ـسُّكر على عورتك الباديه
يعني كتابًا
وسلِّم الدُّنيا إلى أهلها فإنمَّا مدَّتها فانيه
من عرف النَّاس أنزوى عنهم وضمَّه في بيته زاويه
وقال أيضًا: [من الخفيف]
/١٠١ ب/ خلَّني حلس منزلي فنداما ي كؤؤس مملوءة وقناني
فظروف المدام خير لمن قد خبر الخلق من ظراف الزَّمان
وقال أيضًا: [من الخفيف]
ربَّ يوم قابلت فيه شعاع الش ـشمس بالضَّعف من شعاع السلاف
وكأنَّ الراووق مفصود عرق سائلًا أو ممرَّض بالرُّعاف
وقال أيضًا: [من الوافر]
وكم ليل شربنا الرَّاح حتَّى وشى بحديثنا ضوء النَّهار
ولم تحفل بنا الأقداح حتَّى شربناها وعيشك بالجرار
وقال في عنقود قد تخمر ارتجالًا في مجلس: [من البسيط]
ما أحسن الخمر في العنقود كامنة لم يبتذل حسنها كف ولا قدم
بكر عروس وقفناها وما انفصلت ولا تشقَّق حتى أبرزت رحم
ولا اشتكت لفحات الشَّمس ضرَّبتها ولا تناولها في مجلس خدم
ثم قيل له: ومعه، فقال في الحال: [من البسيط]
لا تشرب الرَّاح إلاَّ في الزُّجاج [وقد] تعنَّست وجنتيها الأعصر القدم
/١٠٢ أ/ وعافها الدَّنُّ حتَّى أبرزت شبحًا كأنَّه قبس يخفي سناه فم
واستجلها وتأمَّل حسن صبغتها كالشَّمس تشرق من لألائها الظُّلم
بعدًا لها وهي في العنقود يسترها كأنَّ أفواهها من سارق حلم
[ ٢ / ١٤٨ ]
وقال أيضًا: [من البسيط]
قالوا اطبخ الخمر واشربها محلَّلة فقلت كفرا فما للنَّار والرَّاح؟
فإنَّني لا أحبُّ الخمر قد عصرت من كرمة غرسوا فيها بمصباح
وكان قد وعده مؤيد الدين أبو المحاسن ابن الصابوني بمطبوخ، فأبطأ عليه، فكتب إليه: [من البسيط]
مؤيَّد الدِّين ما المطبوخ من أربي وكيف أصبر حتى تطبخ العنبا؟
فإن مضى نصفه بالنَّار تأكله فإنَّ أطيب نصفيه الذي ذهبا
لكن أخو الودِّ من يسقي معاقرة في شرعة الرَّاح بالكأس الذي شربا
فإن بعثت به نيئًا رضيت به والأمر أمرك فيه فأربح الحطبا
وقال أيضًا: [من الطويل]
وقيِّم دير جئته بعد هجعة وقد حان من نجم الثريا شروقها
/٢٠٢ ب/ فقام سريعًا والنُّعاس يردُّه وقد بان من أجفان عينيه موقها
وملنا إلى كرم فعاينت جذوة فقلت لحاك الله ممَّ حريقها؟
فقال معاذ الله بل هي قطرة من الدَّنِّ حتَّى يستبين طريقها
وقال يذم مغنيًا: [من السريع]
ومطرب ترجيع الحانه من كلِّ شيء وحش أوحش
فليته يخرس أو ليتنا إذا تغنَّى بيننا نطرش
وقال أيضًا: [من السريع]
وذي وفاء لجَّ في توبتي والنُّصح ممّا يبعث الودُّ
فقلت أنظرني وحسبي به عذرًا إلى أن ينقضي الورد
وقال أيضًا، وهي الأجوزة البغدادية، المنتقمة من الرسالة المصرية، التي هجا بها [أحد المصريين] بغداد: [من الرجز]
يا سادتي هل عائد وراجع دهر مضى والشَّمل فيه جامع
وهل يعود عيشنا والدَّار جامعة والحبُّ فيها جار
هذا كتاب مدنف كئيب مبعَّد عن أهله غريب
[ ٢ / ١٤٩ ]
/١٠٣ أ/ مسهَّد باللَّيل ما ينام ودمعه لبينه سجام
يرتاح إن أقبل ركب الشَّام وإن أثار كامن الغرام
لعلَّ فيه من ديار الموصل مخبِّرًا عنها وإن لم يسأل
لعلَّه أن يبرد الغليلا وأن يداوي جسدًا عليلا
كنت أظنُّ العزَّ في الترحُّل وأنَّ طيب العيش في التَّنقُّل
وأنَّ من يستوطن البلادا لا يحرز الكمال والسَّدادا
أدرس ما قد قيل في الأسفار ونفعها من ملح الأشعار
فلم أزل يسوقني القضاء والطَّمع الكاذب والرَّجاء
حتّى سلكت المسلك البعيدا واللَّقم المرتَّق المسدودا
مفاوز جميعها مهالك مجهولة يحا فيها السَّالك
وقلت مصر بلد كبير وماله وخيره كثير
وما علمت إذ دخلت مصرا لشقوتي أني دخلت القبرا
البوم في دورهم يصيح وبقُّهم منَّته تفوح
أزهارهم تجمع في الغفاري وشربهم من كدر الآمزار
وصرُّهم أجوده مادوَّدا وكان في ما عونه مقدَّدا
/١٠٣ ب/ ونقلهم ألذه المدلينس وبقلهم أطيبه البقدونس
والزفر الماشي إذا ما احتفلوا عليه في شربهم المعوَّل
هذا وإن قدِّمت القضامة فما بقي عتب ولا ملامه
يا حبَّذا رائحة السِّمَّان مقدَّدًا في الملح في البراني
فريحه أطيب من أخلاقهم وماؤه أطيب من أعراقهم
والطَّائر البرَّيِّ وهو الغار يأكله من أهله التجَّار
يقول يا أسود كم بدرهم؟ يقول عشر فاكتسبها تغنم
وحزمة الحشيش في أيلون فرض عليهم ليس بالمسنون
ترشُّها المرأة في الحيطان تحرزًا من أعين الجيران
[ ٢ / ١٥٠ ]
رئيسهم يشرب وهو نائم وعبده بين يديه قائم
في يده اليمنى وغير فخر لفتيَّة قد ملئت بمزر
وبطَّة للبول في شماله والعبد لا يقصر في امتثاله
حتَّى إذا أراد أن يبولا أشار إن أشفق أن يقولا
ورفع اليسار من رجليه وكلُّ شخص ناظر إليه
وجاءه غلامه بالبطَّه وغير بدع إن أتى بضرطه
/١٠٤ أ/ فيدخل البطَّه في إحليله من غير أن يستر عن خليله
وإن تدشَّا واحد بنفره فهو اللَّطيف بين أهل الحضره
هذه تذكر في المناقب ليست إذا عدت من المثالب
هذا وإن عاقرهم غريب فليس شخص دونه محجوب
بنوهم يسقون والبنات وربَّما قيَّنت الزَّوجات
وربما كاسرربُّ الدَّار وقال أمضي قاعة المزار
ثمَّ مضى وغلَّق الأبوابا يوهم أنِّي أحضر الشَّربا
وربما غاب جميع اليوم وقال كنت عند بعض القوم
وقصده أن يخلو الإنسان بعرسه لأنَّه قرنان
وهذه شنشنة قد ورثت من العزيز سالفًا ودونت
إذ قال يا يوسف أعرض وأترك واستغفري يا هذه لذنبك
حديثهم جميعه خرافه وجلُّ حلوائهم الكنافه
وبيدة كأنَّها رجيع الفلس في قنطارها يضيع
وقولهم عند التَّلاقي شفت وكيف حتى كان هذا البخت
وانقشرت بوشِّك الميمون وجاءني البلاَّن بالتَّبلين
/١٠٤ ب/ والتُّوم والتُّوت وتوري وكذا ولَّهتني قرفان من ذاك الغذا
[ ٢ / ١٥١ ]
والعدس في قاعتها والفول فاسمع من المرأة ما تقول
وطاجن البوريِّ واللُّفاتي وكلُّ هذا الشَّرِّ من حماتي
فتبرز المرأة كالشَّراره قد خربت بكفِّها إزاره
تقول فتِّش حزبتي يا قازي هذا غلام الله ذو المخازي
ومرهف يشهد والدِّرغام بأنَّه في فسقه مقدام
ومصطفى وخيلجان شهدا بأنَّه لماله قد بدَّدا
وابنتي قد عافها من شهر وها لخبزي وبقولي مزري
يحكي بما يقشعه وشيرجي فما الذي من مثل هذا ارتجي
ومقعدي قد بعته وسفلي فهل يرى بعد طلاقي مثلي؟
وهو لحيني رجل رقَّاص فكيف من نكاحه الخلاص؟
وقال لي يومًا صديق صادق لا كاذب الودِّ ولا مماذق
بأنَّني حضرت دار القاضي ملازم خصمي للتَّقاضي
فجاء شخصان كما أنبيكا فوضعا بين يديه ديكا
ثمَّ تبدَّى واحد فهيَّطا ونال من صاحبه وخبَّطا
/١٠٥ أ/ وقال هذا باعني دجاجه كأنَّها في حسنها درَّاجه
وكنت قد حسبتها تقفُّ وخير مما قد لقيت الحتف
وأنت قد عددتها بياضه فما وجدت مثلها غضاضه
فخرجت كما تراها ديكا إنَّ العيان يذهب الشُّكوكا
فردهَّا الحاكم بالتَّدليس أحسن بذاك الحكم الخسيس
وقيل لي: جاء إلى الشنباشي يومًا فلان راكبًا أو ماشي
فقال في جارتنا سمَّان قد شاع عنه النَّحس والبهتان
أرسلت مع جاريتي محبوبه إليه ربعًا طالعًا خروبه
فقالت: اقنع لي به قطاره فغرَّها وباعها عصاره
حرى إليه صحبتي رقاصا يأخذ لي من خصمي القصاصا
وسم عليه ساعة من يوم فما عليك بعدها من لوم
خبز له في الخزبل في العينه فإنَّها حصينة أمينه
[ ٢ / ١٥٢ ]
غيومهم جميعها جهام فما يبلُّ تربهم غمام
ما للقطاط عندهم مقام إذ ليس في دورهم طعام
بل الدُّروب كلَّها كلاب لكنَّهم ليس لهم أذناب
/١٠٥ ب/ مركوبهم جميعهم حمير ولبس أعيانهم المقصور
ينقش في عرسهم الرِّجال أمارة بأنَّهم جهَّال
وهذه من سمة النّسوان لا سمة الكهول والشُّبَّان
خلق كثير مالهم خلاق ودينهم جميعه نفاق
لا يقبسون الضيف فضل نار ولا يردُّون يدًا عن جار
بل يضمرون الغلَّ والخيانه وما لهم عهد ولا أمانه
المكر من عادتهم والختل واللُّؤم في طباعهم والبخل
قد حزِّبوا في دينهم أحزابا وعبدوا من جهلهم أرباب
ففرقة تقول بالتَّشبيه وظاهر الأخبار والتَّمويه
قد جعلوا احلامهم في النَّوم دلائلًا يا ضعف رأي القوم!
وفرقة ينتظرون الحاكم وأنَّه في كلِّ وقت قادم
إذا رأوا عن بعد حمارا قالوا الإمام قد أتى جهارا
وفرقة قالت تصير فالا رأيته لذاته مثالا
واثبتت تناسخ الأرواح منقولة في سائر الأشباح
وفرقة قالت بأنَّ زيدا إمام حقِّ قد أكيد كيدا
/١٠٦ أ/ وإنَّنا نلقى إله الحقِّ بدينه فهو إمام حقِّ
وفرقة تقول إسماعيل إمام حقِّ ماله عديل
قد شملت آل عبيد دعوته وأنهم نوَّابه وأسرته
وإنَّ منهم نرتجي الرِّضوانا والفوز والعطاء والإحسانا
وآخرون من سراة القاهرة أفعالهم بما ادَّعوه ظاهره
تزعم أنَّ الحقَّ في محمَّد في حاضر وغائب معتقد
وأنَّنا أتباعه في الأرض في كلِّ مستور وكلِّ فرض
وأنَّه في وقتنا إمام محكَّم بعدله قوَّام
[ ٢ / ١٥٣ ]
وفرقة تخلِّق الأركانا قالوا الإمام خلف هذا كانا
وقد حكى لي رجل ظريف أنَّ وراء كنهم كنيف
وفرقة يرون قول الزُّور شهادة من أحسن الأمور
وهذه معتقدات فاسده جميعها منتحلات باردة
يجمعها من الضِّلال جامع والحق ما بين الجميع ضائع
هذا وفرعون لهم إله قدمًا فكم قد عمهوا وتاهوا
/١٠٦ ب/ وعبدوا بعد عبور البحر عجلًا مصاغًا من حلي التِّبر
وقال قولوا حطَّة ثمَّ ادخلوا فصحَّفوها حنطة وبدَّلو
وهبطوا من بعد موسى مصرا وحملوا من النَّكال إصرا
والبسوا الذِّلَّة والصَّغارا وورِّثوا الغباء والزَّيارا
وفرقة جميعهم سودان كأنَّما أشخاصهم غيلان
قد سكنوا الأرياف والسَّوادا وأضموا الفتنة والأحقادا
حتَّى لقد أغراهم الشَّيطان وعصبة عقيدهم ريحان
وكان رأس القوم لمَّا التأموا على اليمين رجل منجِّم
حكى لهم من طالع البروج ما حمل القوم على الخروج
وقال قد آن لكم أن تملكوا ودولة التُّرك سريعًا تهلك
واتَّخذوا المنجِّم الوزيرا ووقَّروا منصبة ترقيرا
وأخرجوه في رباع الفاضل يسكن منها أحسن المنازل
وقال يوم ستَّة وعشر من شهر شوال ظهور الأمر
فوثبوا بعد عشاء الآخره وشهروا السُّيوف وسط القاهرة
واخترقوا الدُّروب والأسواقا وأظهروا الفتنة والشِّقاقا
/١٠٧ أ/ وانتظروا أحلافهم فخانوا ونكثوا عهودهم ومانوا
ووقفوا هنيهة وارتكبوا وقام في الحال الأمير موسك
واستيقظت عساكر السُّلطان وعرفت مكائد السُّودان
[ ٢ / ١٥٤ ]
فأمسكوا من وجدوه إلبا وصلبوا على الجذوع صلبا
وأخذوا المنجِّم الكذَّابا فافرغوا من فوقه العذابا
تبًا لهم اللمليك الناصر فوق مديد الأرض من مجاهر!؟
كيف وقد أطاعه الجماد وفتحت بسيفه البلاد!؟
وغمرت بعدله العباد يا بؤس ما ترهَّموا وكادوا
وفرقة للكيمياء وظَّفوا قد أحكموا كيزانه ورصَّفوا
إن صلب الزِّئبق منهم عامل فهو على رأي الجميع واصل
وأي نفع كان في تبييضه وإنَّما شيطانه يلهو به
حتَّى إذا أفسدها المرواس عاد إلى دماغه الوسواس
وإن رأى تبييضه في الدَّهر يقول قد فزت بملك العمر
وما درى أنَّ العمى مآله وأنَّه قد غرَّه محاله
حتَّى إذا ضاقت عليهم الحيل مالوا إلى ضرب الزَّبوق والزَّغل
/١٠٧ ب/ وفرقة تدور في المطالب تسلك فيه أصعب المذاهب
يضيِّعون العمر في المحال وينفقون حاصل الأموال
وأيُّ شخص ظفرت يداه بمطلب بلَّغه مناه
وفرقة تبخِّر الكواكبا تسلك في تبخيرها عجائبا
لهم دعاء ولهم بخور وهكذا تلبَّس الأمور
فليس السواد أصحاب زحل مع الخضوع والخشوع والوجل
يلبث طول اللَّيل في الوهاد منغمسًا في أهبة السَّواد
وآخر للمشتري تبخيره قد طال في تبخيره تخييره
هيأته البياض والوقار واللُّطف والطِّيب له شعار
وهذه من ترَّهات القيل يغنى بها الغرُّ بلا تحصيل
صنَّفها إبليس للجهَّال كي تنقضي الأعمال في المحال
وهل سمعتم والظُّنون تكذب في الدَّهر من لبَّى نداه كوكب؟
والسِّيميا وصنعة التَّنجيم وعمل الخاتم والتَّغريم
هذا وعندي لهم دفاتر مكسورة يسرح فيها الخاطر
[ ٢ / ١٥٥ ]
أكبر أفراحهم الخليج لهم إليه أبدًا حجيج
/١٠٨ أ/ ينتظرون العام ثمَّ يكسر وما الَّذي في ذاك لو تدبروا؟
وجانباه كلَّها تراب وقعره الزِّحام والضَّراب
وما الخليج غير نهر جاري يمدُّه البول من المجاري
يدوم شهرًا سيله وينشف وكلَّ عام حافتاه تكشف
حتَّى إذا عاد لبعض الأرض في عمقه وطوله والعرض
ثوى به الذُّباب والنَّاموس والفأر والجرذان والعروس
إن حكَّموا عند التَّداعي قاضي في حالة النُّفور والتَّراضي
يقول شيخ القوم هذي حوزتي قد خزنت كتابها وجرتي
وعندها القلقاس والفقوس والزِّير والوردة والقادوس
والقدر والحصير والسَّرير والقمح والجلبان والشَّعير
وقد أكلت بعده أشنانا وذي خوافي يأكل اللّحمانا
صنيعة الملك متاع العادل وخذ قماشي من زمام الفاضل
جاريتي خازنة أمينة تنظف القاعة بالبلينه
أباعها مني بتسحتحشر شيخ وكيل لحظايا شاور
دورهم مشحونة خنافس فمن ترى في طيبها ينافس؟
/١٠٨ ب/ والحيَّة النَّاظر في الآبار والفأر والعروس ملء الدَّار
لو مسح السُّلطان سوء صور لسئلوا قد حلَّ في القدور
وأرسل الرِّجال والأحمالا والخيل والبغال والجمالا
وجمع النّمل الذي بمصر وسيَّروه نحو ذاك الثَّغر
وقد حكى لي رجل سفَّار والصَّدق ما يحدِّث التُّجَّار
قال سكنت حجرة في خان مليحة القسمة والبنيان
والخان في الشَّارع وسط القاهرة طباقه مرتفعات عامره
وكان قد جاء معي غلامي كالبدر في إنارة التَّمام
أبيض رومي طويل الشعر لحاظه قد ملئت بالسِّحر
وقدُّه كأنَّه القضيب وردفه كأنَّه كثيب
[ ٢ / ١٥٦ ]
وعارضاه كمدبَّ النَّمل وحاجباه كقسيِّ النَّبل
وثغره كالدُّر في نظام وشعره كسدفة الظَّلام
فبتُّ في بعض اللَّيالي وحدي معانقًا في طول ليلي زندي
ونام مملوكي في الخزانة وكنت قد اريته الإهانة
/١٠٩ أ/ وبتُّ طول اللَّيل في وسواسي وفي سبيل الحبِّ ما أقاسي
حتى تبدَّى الصُّبح في المشارق واللَّيل لا يرثي لوجد العاشق
فقمت ولهانًا إلى الغلام أبلُّ من تقبيله أوامي
فحين أقبلت على دواجه مخالسًا أحذر من إزعاجه
وجدت في ثني اللِّحاف عبدا قد مدَّ من فوق الفراش مدّا
أسود في سواده تنقيط وقد علا من نومه الغطيط
فصحت لمَّا عاينت عيناي تبدل الأسود من مناي
وكاد أن يذهب منِّي عقلي وقلت هذا كلُّه من فعلي
وانتبهوا من كان في جواري واقبلت عصابة التُّجار
وأقبل الحارس بالسِّلاح قد ملاء الأقطار بالصِّياح
وقال ما شأنك يا مولاي ليس الزَّعيم فيهم سواي
فقلت قد أبدل لي غلام مثل النَّهار اغتاله الظَّلام
ولم يكن في سالف الأزمان عوائدي أرغب في السُّوادن
واعجبًا أين مضى الرُّوميُّ ونام في مكانه زنجيُّ؟ !
فأقبل الحارس كالضِّر غام مفكِّرًا في قصَّة الغلام
/١٠٩ ب/ ثمَّ دنا ورفع الإزارا وصاح عارًا يا تجار عادرًا
هذي البراغيث على الغلام لا خير في إجارة الطَّغام
وهذه أرجوزة وجيزه رائقة في نظمها عزيزه
نظمتها والغرض الإحماض والعقل تستخفُّه الأعراض
ولو تتبَّعت الخصال كلَّها لكان من طالعها قد ملَّها
وإنَّما التَّطويل والإكثار حاصله الملال والإضجار
والحمد للواهب جمع الشَّمل وملحقي عن كثب بأهلي
[ ٢ / ١٥٧ ]
عليَّ للرَّحمن صوم شهر إن فارقت عيناي أرض مصر
[٢٢٦]
طاهر بن ثابت بن أبي المعالي ب ثابت بن حسان ابن أبي نصر بن محمَّد بن لؤلؤ، أبو الطَّيب القاضي البوازيجي:
ذكر لي ولده أبو عبد الله الحسين، أنهم يرجعون في نسبتهم إلى حسان بن ثابت الأنصاري شاعر النبي ﷺ، وأبو الطيب ولد بالبوازيج، ونشأ بها، وقدم الموصل، وتفقه بها على الإمام/١١٠ أ/ أبي حامد بن يونس بن محمد بن منعة الفقيه الموصلي، المدرس الشافعي مدة طويلة، وتميز في الفقه، واتصل بخدمة القاضي حجة الدين أبي منصور بن عبد القاهر بن الحسن الشهرزوري، فسمع شهادته، ولازمه مدة، ثم عاد إلى شيخه أبي حامد محمد بن يونس، وسكن المدرسة الزينية، ثم عاد إلى خدمة القاضي حجة الدين أبي منصور، ولازمه، وكان يصحبه في [حمل] الرسائل إلى ديوان الخلافة وغيره، وفوض إليه عقود الأنكحة، والتدريس بالمدرسة الكمالية، فأقام بها برهة من الزمان، يدرس ويفتي، وذكر بها كتاب الشمل، للإمام أبي نصر ابن الصباغ في الدرس، وكان القاضي حجة الدين يأذن له في سماع الشهادة والحكم في بعض القضايا، وبقي على ذلك مدّة، ثم ولاه نيابة القضاء، واستقل بسماع البيّنات، قبول الكتب الحكمية، والحكم، والتثبيت، والإشهاد عليه بذلك.
[ ٢ / ١٥٨ ]
واستمرت أحواله على الانتظام، ولم يزل كذلك إلى أن توفي يوم الأحد، سادس وعشرين صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة /١١٠ ب/ وصلي عليه من الغد بالموصل بالجامع النوري، ودفن في داره.
وكان حسن السيرة، مددًا في القضاء، قيمًا بمعرفة المذهب، متطرفًا من سائر العلوم الدينية، وكان قد سمع من الحديث شيئًا كثيرًا على أبي حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد، وقال الشعر، أنشدني الإمام أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الموصلي الفقيه الشافعي –أدام الله إقباله- بمدينة حلب في سنة أربع وثلاثين وستمائة قال: أنشدني القاضي أبو الطيب طاهر بن ثابت البوزايجي من شعره: [من الطويل]
فلا تغترر يومًا بطيِّب عيشة وقرب حبيب فالفراق قريب
فإني أمنت الدَّهر يومًا فخانني على عجل إنَّ الزَّمان عجيب
[ ٢ / ١٥٩ ]