[٣٠٣]
عبد الرَّحيم بن أحمد بن قائد بن محمد بن عبد الرحمن،
الحموني القائديُّ، أبو المكارم، وقيل أبو المظفِّر بن أبي نصر:
من أهل خويّ، ومن بيت الرئاسة المشهورة بها، الرئيس الفاضل الصدر، وكانت وفاته /٢٥٦ أ/ فيما أخبرني عبد السلام بن أحمد الحموني، يوم الثلاثاء ثالث ذي الحجة من سنة ثلاث وستمائة بخوي، ودفن بظاهر البلد بسوق دشنبه، جوار المدرسة التي أنشأها والده مجد الإسلام أبو نصر أحمد بن قائد.
أجرى ذكره الإمام محمد بن محمد الكاتب في خريدته، وقال: "هو الرئيس بعد أبيه، الوارث مجده وفضله"، ثم قال: "أنشدني له الحكيم يوسف ابن القطب الخونجي، وقد قدم بغداد سنة اثنتين وستين وخمسمائة أبياتًا كتبها عبد الرحيم رئيس خويّ إلى أخيه الأكبر يستهدي شرابًا: [من الكامل]
بلِّغ جمال الدِّين عبد الواحد صدر الأنام الماجد ابن الماجد
برد الهواء وزاد في قلبي الهوى فانعم عليَّ بقلب ضدِّ البارد
ضد البارد، الحار، وقلبه: الراح".
وله في شمعة: [من الطويل]
تساهرني في ظلمة الليل شمعةٌ تشاركني في لوعتي وسهادي
لها ذوب جسم وانسكاب مدامعي وصفرة لوني واحتراق فؤادي
/٢٥٦ ب/ وقال أيضًا: [من الطويل]
[ ٢ / ٣٥٤ ]
يقولون: لا تجف القوافي بعدما إلى فكرك الوقَّاد ألقت زمامها
فقلت: الثُّريا لو تشتَّت شملها أنفت لنفسي أن أعيد نظامها
[٣٠٤]
عبد الرحيم بن النَّفيس بن هبة الله بن وهبان بن روميّ بن
سلمان بن محمد بن سلمان بن صالح بن محمد بن وهبان، أبو
نصر بن أبي جعفر البزوريُّ السلميُّ الحديثيُّ:
كان من حديثه النورة، على فراسخ من الأنبار، قلعة حصينة في وسط الفرات، والماء محيط بها.
كان كثير الطلب للحديث وسماعه، سمع أبا السعادات المبارك عبد الرحمن القزاز، وأبا منصور عبد الله بن محمد بن عبد السلام، وأبا الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، وغيرهم.
طاف البلدان، وسمع بمصر، والحجاز، والشام، ودخل إلى خراسان، وأقام بمرور، وكان طالبًا، ثقة، حافظًا، متقنًا، عارفًا باللغة، قيِّمًا بها، تفقه على مذهب الإمام الشافعي /٢٥٧ أ/ ﵁.
وله رسائل وشعر، صحبه أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، في القراءة على جماعة وافرة من مشايخ مرو وخوارزم، وتركه في خوارزم في سنة سبع عشرة
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وستمائة، فقتله التتر شهيدًا.
وكانت ولادته على ما أخبرني القاضي الإمام أبو القاسم بن أبي الحسن الحلبي قال: أخبرني إبراهيم الصريفيني [في] عاشر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة بالحديثة.
أنشدني أبو بكر محمد بن عبد الغني بن نقطة البغدادي قال: أنشدني أبو نصر عبد الرحيم بن وهبان لنفسه: [من البسيط]
لي صاحبٌ لم أؤِّكد عقد خلَّته إلاَّ وقابلني في حلِّها دابا
يزورُّ عن جهة الإنصاف مقصده جهلًا فإن سمته حفظ الوداد أبى
داريته زمنًا رعيًا لذمَّته رجاء أن يرعوي عن غيِّه فنبا
فحيث عيل به صبري وأعجزني قطعت من ودِّه المخلولق السِّببا
وقلت: رح غير مصحوب إلى سقرٍ فكم أكابد فيك الويل والحربا
وأنشدني أيضًا قال: أنشدني أبو نصر لنفسه، وكتبها إلى المفيد يونس /٢٥٧ ب/ بن أبي بكر البغدادي الفقيه الحربي، يتقاضاه بوعد الاجتماع:
[من المجتث]
ما هكذا كان ظنِّي مع المفيد الأجلِّ
أنجزت وعد التَّلاقي لكن بليٍّ ومطل
وعدتني منك قربًا ينسي الهموم ويبلي
فبتُّ أرقب طيف الـ ـخيال جهد المقلِّ
أجفى وأقصى ويحظى غيري بلذَّة وصل
يا قومنا ناصفونا ماذا قضيَّة عدل
[ ٢ / ٣٥٦ ]
حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أبي الحسين العقيلي قال: خرجت يومًا من سماع الحديث على شيخنا أبي هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي الحلبي، ومعي أبو نصر عبد الرحيم بن وهبان، فناولني في الطريق رقعة بخطه من شعره في فضل أصحاب الحديث، فتأملتها فإذا فيها، وكتبتها من خطه: [من الكامل]
علم الحديث أجلُّ علمٍ يذكر وله خصائص فضلها لا ينكر
/٢٥٨ أ/ ركنٌ من أركان الشَّريعة موثقٌ وبنصِّه أي الكتاب يفسَّر
وهو الطَّريق إلى الهدى وضياؤه لظلام إشكال الأمور منوَّر
وهو الذَّريعة في معالم ديننا وبه الفقيه اللَّوذعيّ يعبِّر
لولاه لم يعرف لقوم سيرةٌ فلسانه عن كلِّ قرن يخبر
ورجاله أهل الزَّهادة والتُّقى وهم بتحقيق المناقب أجدر
وقفوا نفوسهم عليه فجدُّهم لا ينثني ودؤوبهم لا يفتر
ينفون عنه إفك كلٍّ معاندٍ بدلائلٍ متلألئاتٍ تزهر
ويقونه شبه الشُّكوك بجهدهم فيظلُّ بعد الشَّكِّ وهو مشهّر
ويميِّزون صحيحه وسقيمه بمقالة تبيانها لا يقصر
لله درُّهم رجالًا ما لهم في هذه الدُّنيا مغانٍ تعمر
في الله محياهم وفيه مماتهم وهم على كلف المشَّقَّة صبَّر
قنعوا بمجرى قوتهم من دارهم ورضوا بأطمارٍ رثاثٍ تستر
ما ضرَّهم ما فات من دنياهم فلذيذ عيشهم الهنيُّ مؤخَّر
وأنشدنا القاضي الإمام الكامل زين الدين أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن /٢٥٨ ب/ بن عبد الله ابن علوان الأسدي –﵀- بمنزله المعمور، يوم الثلاثاء،
[ ٢ / ٣٥٧ ]
ثاني عشر رجب سنة أربع وثلاثين وستمائة قال: أنشدني عبد الرحيم بن وهبان لنفسه:
[من المجتث]
أراك تنظر قولي فتزدريني لأجله
وقد حوى لو ذعيًا شاعت محاسن فضله
يكفيك فعلًا وقولًا في عقد أمرٍ وحلِّه
إما بلوت حسامًا فانظر إلى حدِّ نصله
ولا يغرَّك منه غمدٌ جديدٌ لصقله
بل اختبر ظبتيه تحط بكنه محلَّه
وأوله من شفيقٍ حمدًا وذَّمًا بفعله
هذا هو الرُّشد فاسلك منه مناهج عدله
[٣٠٥]
عبد الرَّحيم بن عليِّ بن إسحق بن شيث بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن مروان
بن محمد الحمار، أبو القاسم بن أبي الحسن الكاتب الصعيدي المصري /٢٥٩ أ/ القرشي:
بقية الشيوخ الكتاب البلغاء، وأصحاب الدواوين الفضلاء، وكان ذا فضائل كثيرة، ورسائل شهيرة، وتصانيف حسنة في أصول الدين والرقائق.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
كتب الإنشاء بديوان مصر للملك العزيز عماد الدين عثمان بن يوسف بن أيوب بن شادى، وبعد الملك العزيز رحل إلى دمشق، وصار منشئًا لسلطانها الملك المعظم عيسى بن أبي بكر بن أيوب- رحمه الله تعالى- وتوفي فيما بلغني في المحرم سنة خمس وعشرين وستمائة، وكانت ولادته في سنة ثلاث وستين وخمسمائة.
حدثني القاضي أبو القاسم- أدام الله سعادته- قال: كان يكتب بين يدي القاضي الفاضل، وقدم علينا مدينة حلب في صفر من سنة ثلاث عشرة وستمائة في دولة الملك الظاهر، فأنزله، وأكرمه، وعرض عليه الإقامة بحلب ليستخدمه، ورشحه لوزارته، فأقام مدَّة، ولم يتهيأ له ما أراد، فتجهز للرحيل عن حلب، فصدّه الملك الظاهر، ووعده بوعود كثيرة /٢٥٩ ب/، وطالت إقامته بحلب، وكان متشوقًا إلى التوجه إلى الملك الأشرف موسى بن الملك العادل، وقد كان بينه وبينه معرفة أكيدة، وخدمة سالفة، حين كان الملك الأشرف بالبيت المقدس، فتوجه إليه، فلم يحظ عنده بما يريد، فأقام مدة، ثم عاد، واجتاز بحلب بعد موت الملك الظاهر، وتوجه إلى حماة، فأقام بها مدة في ضيافة الملك المنصور محمد بن عمر، ثم سار عن حماة إلى دمشق، وعاد إلى خدمة الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بها.
وكنت اجتمعت به بالبيت المقدس في سنة تسع وستمائة، وهو إذ ذاك يتولى الديوان بها، فأنشدني شيئًا من نظمه، ووهبني كتابًا من تأليفه، قرأته عليه، وأنشدني بحلب أقطاعًا كثيرة من شعره، وكان حسن النظم والنثر، بليغًا في الكتابة، وسألته عن مولده فقال: في محرم سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وكان قد ترشح قبل موته بأيام لوزارة الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم بن أبي بكر بن أيوب.
أنشدني القاضي أبو المآثر عبد الصمد /٢٦٠ أ/ بن عبد الله بن أحمد المصري قال: أنشدني أبو القاسم بن شيث لنفسه: [من الطويل]
[ ٢ / ٣٥٩ ]
وما قلمي في شرح ما أنا واجدٌ وإن كان في كفِّي ينوب منابي
فلست أرى يومي كتابي بالغًا مرادي ومن هذا قطعت كتابي
وأنَّ الذي بيني وبينك خالدٌ ليؤنسني في البعد عند غيابي
وأنشدني أبو المجد أسعد بن إبراهيم الكاتب الإربلي قال: أنشدني أبو القا سم ابن شيث لنفسه: [من الطويل]
إذا نحن أهدينا إليك فإنَّما بفعلك نهدى لا بجودك نهتدي
وما عندنا إلاَّ عطاياك فالَّذي يوافيك منّا بعض مالك من يد
وأنشدني قال: أنشدني أبو القاسم من شعره: [من الكامل]
ثقتي بفضلك توجب استرسالي ومحبَّتي لك تقتضي إدلالي
وكفى بأنَّك صافحٌ في ذا الَّذي أبديه من قولي ومن أفعالي
وقال أيضًا: [من الطويل]
وقد كنت ارجو من زماني لقاءه وأهواه من قبل اللِّقاء سماعا
فلمّا تلاقينا ومتَّعت ناظري برؤيته كان اللَّقاء وداعا
[٣٠٦]
عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن يونس بن محمد بن
منعة بن مالك، أبو القاسم بن أبي عبد الله الموصليُّ
من أبناء الفقهاء المدرسين، ومن بيت العلم والفقه، وأبو القاسم كانت ولادته في سنة أربع وستمائة.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
تفقه على عمِّ والده الشيخ العلاَّمة أبي المعالي موسى بن يونس بن محمد بن منعة، وتميز على أبناء زمانه، وصار معيد درسه بالمدرسة المولوية البدرية – خلّد الله ملك منشئها-.
وهو شاب جميل، مناظر، فاضل، ذو كياسة ولطافة، وله أشعار رقيقة غزلة، أنشدني منها قوله: [من مجزوء الكامل]
قسمًا بنرجس مقلتيه وشقائق في وجنتيه
وسنى أقاحي ثغره وبنفسجٍ في عارضيه
وبنور صبح جبينه وظلام ليل ذؤابتيه
إنِّي لأهوى أن أمو ت متيَّمًا كلفًا عليه
وأنشدني أيضًا قوله: [من الرجز]
يا شادنًا نفَّرني عن السُّلوِّ إذا نفر
/٢٦١ أ/ فتَّرتني إذا فترت عيناك عن كلِّ البشر
هجرتني فالنَّوم مذ هجرتني جفني هجر
يا من له قدٌّ قضيـ ـبيٌّ وخصرٌ مختصر
سحرت ليلي بالجفا فما لليلى من سحر
أقصر عن الفتك فإن كلّ مستطر
أحلَّ قتل الصَّبِّ في التَّنبيه أم في المختصر؟
لمَّا بدا شاربه مع العذارين وطر
أيقنت أنِّي في الهوى أقضي ولا أقضي وطر
[٣٠٧]
عبد الرحيم بن عمر بن شهنشاه بن أيوب بن شاذي بن مروان بن
يعقوب، الملك الفائز، أبو منصورٍ بن الملك المظفر أبي المناقب:
[ ٢ / ٣٦١ ]
كانت ولادته بحماة في حدود سنة ست وثمانين وخمسمائة، هكذا ذكر لي لما سألته عن ذلك فقال: كان لنا في العمر سنة ونصف، لما توفي والدي، وكانت وفاة والده في سنة /٢٦١ ب/ ثمان وثمانين وخمسمائة، وكان اجتماعي بالملك الفائز في شهر ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة.
ترك ما كان عليه من أمور الإمارة والخدمة، وصار صوفيًا يطلب الصوفية، ويعاشرهم، ويعاني قول الشعر الحجازي، ويلقيه على المغنين فيغنون به، ويتداولونه.
وشعره سهل الألفاظ سلس، وهو كثير العناية بصنعة الدوبيت، وحضور السماعات، ومعاشرة الفقراء.
أنشدني بحلب المحروسة في شهر ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة لنفسه: [من الطويل]
إذا نفحت ريح المحصَّب من نجد طربت لمسراها بما هاج من وجدي
ثملت بريَّاها وحمَّلت نفحها غرامي بلقيا جيرة العلم الفرد
ألا يا صبا نجدٍ بحقِّك بلِّغي أحبَّتنا من شدَّة الشَّوق ما عندي
أسائلها عن ساكني الحيِّ سحرةً فتخبر أنَّ الظَّاعنين على عهدي
فيا لك من ريحٍ إذا هبَّ نفحها تزيد الَّذي في القلب من شدَّة الوقد
تحدِّث أخبار الغرام عن الحمى وتسنده نقلًا عن البارق النَّجدي
لها بأسانيد المحبَّة شاهدٌ صحيحٌ بما ترويه في الحبِّ عن عهد
/٢٦٢ أ/ عسى زائرٌ يأتمُّني من بلادهم أسائله من حلَّ دارهم بعدي
أحنُّ إلى الأوطان من ربع لعلعٍ وأعشق نشر الشِّيح والبان والرَّند
ولولا قدود الهيف ما كنت مولعًا بترنيح بان مذكرٍ أهيف القدِّ
فلا عيش إلاَّ ما قطعناه في الحمى بأيام لهوٍ أشبهت زمن الورد
[ ٢ / ٣٦٢ ]
[٣٠٨]
عبد الرَّحيم بن عبد الملك بن عليِّ بن عبد الكريم بن المفضَّل بن أبي شيبة القرشيُّ العبدريُّ
من أهل منبج، يكنى أبا شيبة، رجل من أهل الرئاسة والجلالة، أخبرني أنَّه ولد في شهر رجب سنة أربع وتسعين وخمسمائة.
حافظ للقرآن الكريم، وكانت وفاته بحلب في شهر الله رجب سنة ثمان وثلاثين وستمائة، في العشر الوسطى منه.
أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
ما لصرف الهموم غير المدام فاسقينها معرِّجًا عن ملامي
واغتنم ساعةً تريك سرورًا إنَّ عمر الإنسان بالأحلام
واتَّخذ في زمانك الآن خلًاّ فلقد عزَّ كلُّ خلٍّ محامي
/٢٦٢ ب/ واصطبح في غبوق كأسك واعلم أن كلًاّ ترديه كاس الحمام
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]
بلوت النَّاس في عقلي ولبِّي فلم أر شافيًا منهم لكربي
وعشت إذًا وحيدًا في خمولٍ وملت إلى القناعة فهي حسبي
وألجيت الأمور إلى إلهي إلى أن ينقضي رزقي ونحبي
[ ٢ / ٣٦٣ ]