[٣٢٩]
عبد الغنِّي بن عبد الكريم بن نعمةً بن مسرّة بن كتائب، أبو محمد الخندقيُّ الثوريُّ لأمِّه ولأبيه الشَّافعيُّ.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبه الله بن النصيبي، بحلب؛ قال: أنشدني أبو محمد الخندقي لنفسه: [من الخفيف]
يا دعيَّ الحساب سحقًا وبعدًا فلقد زدت في الحماقة جدَّا
رمت بالجهل ترتقي رتبة الفضـ ـل وتبني بسخف عقلك مجدا
والإمام الرَّشيد في الأرض حيٌّ نجمة لم يزل يقارن سعدا
من له العنصر الزكَّىُّ ومن أصـ بح مذ كان في الفضائل فردا
/١٤ ب/ كعبة الوافدين في كلِّ فنٍّ فإلى بابه الرَّكائب تحدي
ما رأي خطَّه ابن مقلة إلَّا ودَّلو يرتضيه في النَّاس عبدا
وكذا في الحسابٍ فاق شجاعًا وعلا رتبةً عليه وجدًّا
كم له طالب جوي كلَّ فضّلٍ ساحب في ذري البلاغة بردا
فاق سبحان في البلاغة والفضـ ـل فما إن رأي له الناس ندَّا
فدع الحمق إنَّ بين دعاويـ ـك وببن الَّذي بدا منك سدَّا
واغنم الرِّبح في السُّكوت فيكفي أنَّك اليوم بيننا لن تعدَّا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]
لئن كنت لم أبصر دمشق وحسنها وطيبة أيام بها للأفاضل
فحسبي بما قد قلت عنها وما به يحدِّث عنها كل حافٍ وناعل
وقال بالإسناد: [من الطويل]
إذا شئت أن تحظي برؤية جنَّةٍ علي الارض فيها كل ما تشتهي النَّفس
وحورٍ من العين الحسان صبت لمًا بدا من جمال حزنه الجنُّ والإنس
فبادر إلى تلقا دمشق فإنَّها محل سرور النَّفس طاب بها الأنس
[ ٣ / ٢٥ ]
وقم واغتنم طيب الحياة بها فما تراه من الأمصار من دونها حبس
/١٥ أ/ وقال بالإسناد: [من السريع]
يا سيدًا في عصرنا أوحد وقدره من دونه الفرقد
قل لي: أفي شرع الهوي جائزٌ محبكم إذ جاءكم يبعد
[٣٣٠]
عبد الغنِّي بن يوسف بن عبد الواحد بن الحسن بن الحسين أبو محمدٍ البكري المعروف بابن المؤذّن.
من أهل حرّان، شابٌّ لهجٌ بقول الشِّعر، واستكثر النظم منه، وامتدح به خلقًا من الأكابر والرؤساء، ولم يكن له حرفة سوي عمله الارتزاق به.
أنشدني من شعره كثيرًا بحلب، ومما أنشدني لنفسه بحرّان في أواخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة:
[من الطويل]
بنفسي من لو مرَّ برد بنانه علي كبدي كانت شفاءً من الوجد
نبيُّ سنا في فترة من جفونه أتي وصلالٍ في دجى شعره الجعد
تبارك من أنشاهٌّ للنَّاس فتنةً وصيَّرني في حبِّه أمَّه وحدي
جري جعفرًا سفَّاح دمعي تشوقًا إلى وجهه الهَّادي إلى سنن الرُّشد
[٣٣١]
/١٥ ب/ عبد الغني بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن تيميُّة، أبو محمد الخطيب بن الخطيب أبي عبد الله الحرّانيُّ.
قاضي حرَّان وخطيبها ونقيبها وعالمها وفقيهها علي المذهب الأحمدي، له
[ ٣ / ٢٦ ]
ولأسلافه مكانة عند أهل بلده وجاه طويل، سمع الحديث كثيرًا، وقال الشعر الحسن، وتوفي بحرَّان بكرة الأحد سابع عشر المحرم سنة تسع وثلاثين وستمائة.
أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن احمد بن أبي جرادة الحنفي – أيده الله تعالي – من لفظه، سنة أربعين وستمائة؛ قال: أنشدني القاضي الخطيب أبو محمد عبد الغني بن محمد بن تيميه لنفسه في الملك الناصر، صلاح الدين ابن أبي المظفر يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف – سلطان حلب، خلد الله ملكه – وقد فتح حديثه حران من أيدي الخوارزمية – خذلهم الله تعالي – سنة ثمان وثلاثين وستمائة. ووفد كبير الحرانيين عليه، مهنئين له، وهو فيهم، فخلع عليهم وأحسن /١٦ أ/ إليهم، وأورد بين يديه في القلعة فصلًا في الهناء: [من الخفيف]
قد شفي الله غلَّة الأكباد ببلوغ المني ونيل المراد
وتبدَّي الزَّمان غضًا جديدًا حيث وفَّي سوالف الميعاد
وبلغنا المني وغاية ماكـ - ـنَّا نرجِّيه من ضروب الأيادي
اخصبت ارضنا بكلِّ مرامٍ وأضاءت لنا بروق الغوادي
وحبانا بجوده كلُّ نوءً وأتانا بسيله كلُّ وادي
وقضي الدَّهر حاجةً طالما طول بالمطل وعدها في الفؤاد
هذه ذروة الكمال وقد نيلت علي رغم أنفس الحسَّاد
نالها ذو السَّعادة الملك الناصر كافي الإصدار والإيراد
قال فيها:
فتهنَّ السُّرور فالوقت مصقول الحواشي محبَّر الأبراد
أن تعيش فعش ألف عام كل يوم عيدٌ من الأعياد
أنت شبل السُّلطان حقًا وما الأشـ بال إلاَّ طبائع الآساد
فتوَّل البلاد وانهض لبعزم الـ - جد فالسعد في نما وازدياد
وابسط العدل واعتمد همَّم الاخـ ـيار والصَّالحين والزُّهاد
/١٦ ب/ واغتنم منهم الدُّعاء فما نصرك إلاَّ بهَّمة العبَّاد
[ ٣ / ٢٧ ]
وتحقق إنَّ الرَّعيَّة في حرَّان قد اخلصوك محض الوداد
فتوخ الإحسان جهدك فيهم والغ قول الحسَّاد والأضداد
يا لها من سعادة تمًّ بشراها ويا بردها علي الأكباد
وأنشدني أيضًا؛ قال: أنشدني لنفسه، وقد خلع عليه السلطان الملك الناصر صلاح الدين – أدام الله دولته -: [من الطويل]
بأيِّ لسانٍ يشكر العبد مولاه وتقصيره في كلِّ حال قصاراه
وكيف يطيق الجزر ان يشكر الحيا أذا جاده الجود النَّمير فّأحياه
وانَّي لمن اضحت عليه سوابغٌ من المنِّ ممَّن عرَّفتني عطاياه
عقيد الندي لا زال جودك جائدًا وكفك وكَّافًا علي الخلق جدواه
بسطت يدي حتّى ظننتك قابضًا يدُّ الدَّهر عني مع تفاقم بلواه
وعيلَّتني حتَّى ظننت بأننًّي سأعبر عن برج السِّماك ومأواه
وشرفَّتني طول الزَّمان بخلعة بلغت بها من شامخ العزِّ اقصاه
لئن كان جلباب التطوّل صافيًا علي باديك الكريم محيِّاه
كأنَّ جلابيب المحبَّة قد حوت فؤادي فأنت اليوم سرِّي ومعناه
/١٧ أ/ وإن كان رسم الثَّوب باللُّبس دارسًا فرسم هواك الدَّهر لا اتناساه
فلا قلب لي إلَّا وأنت نزيله ولا سرَّ لي إلاَّ وذكرك مأواه
بقيت علي مرِّ الليالي وكرِّها بعيش هنيٍّ يحمد المرء عقباه
[ ٣ / ٢٨ ]