[٣٣٨]
/٣٢ ب/ عبد القاهر بن الحسن بن عبد القاهر بن ثمامه بن الحسين بن شجاع، أبو القاسم بن أبي عليٍّ الكلبيُّ، المعروف بابن المطهَّر.
كان في أجداده من يلقب بالمطهَّر، اصله من حماة وجدّه عبد القاهر، كان خطيبها، وبنو عمَّه قضاتها. وأبو القاسم ولد بدمشق في حدود سنة اثنتين وستين وخمسمائه؛ قرأ الفقه بها علي القاضي محيي الدين، واشتغل بالخلاف علي الخطيب الدولعي، وسمع الحديث علي ابي المفرج الثقفي وغيره، وعنده فضل، ويقول شعرًا حسنًا.
شاهدته بدمشق بمسجدها الجامع شرقيه، يكتب بها المشروط، وهو أحد عدولها المتميزين، شيخنا كبيرًا، طلق اللسان، وذلك في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائه.
ووجدته كثيرًا ما يشكو من الزمان ويتظلم من أبنائه، وخبِّرت أنه كان في أيام الملك المعظم عيسي بن أبي بكر /٣٣ أ/ ابن أيوب - صاحب دمشق - بخير وحسن حال، وله ثروة ويسار متجمِّلًا يتولي الأمر ناظرًا فطمحت نفسه، وامتدت يده في مال السلطان، فتناول منه فوِّبخ عليه وحبس وصودر، فاستوصل منه عشرة آلاف درهم، فتضعضع امره، ورقت حاله، وأثَّر الفقر عليه، وهو يجتدي بشعره صدور دمشق فيثاب علي ذلك بأنزر شئ وأطفِّه فيقنع به.
[ ٣ / ٤٩ ]
وقيل لي عنه: إنذَه يبيع لمنتحلي صناعة الشعر قصائد من نظمه ليمحوا بها الناس بأحقر ثمن، يبعثه على ذلك قلّة ذات يده، والحاجة والإملاق، فالله تعالي يغنينا بفضله عمن سواه، إنَّه جواد كريم.
فارقته بدمشق وهو حي يرزق في سنة اربعين وستمائة، وذُكر لي انه لحق باللطيف الخبير.
أنشدني من شعره في التاريخ المذكور: [من البسيط]
تصرُّف الدَّهر في هذا الورى عجب تصرُّفٌ فيه من خلف به ريب
وحكمه في بنيه من تناقضه أن التناقض منه يعجب العجب
يعطي ويسلب ما يعطي مفاجأةً ويستردُّ علي الفور الَّذي يهب
/٢٣ ب/ وقد تدَّبرت ما قد قاله مثلًا ذو خبرة قول صدق ما به كذب
فقال حيث أجاد القول منتخبًا معانيًا مثلها في الشِّعر ينتخب
[ما النَّاس إلَّا مع الدُّنيا وصاحبها فكيفما انقلبت يومًا به انقلبوا]
يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت يومًا عليه بما لا يشتهي وثبوا]
إن يسمعوا الخير اخفوه وإن سمعوا شرًا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
واحزم النَّاس من يخشي غوائلهم ومن يظنُّ بهم شرًّا فيجتنب
ولا تصاحب منهم صاحبًا أبدًا إلّا وتحذره طبعًا وتجتنب
والصَّاحب الوغد يعدي من يصاحبه كأنَّما هو في إعدائه الجرب
والعاقل الفطن النَّدب اللبَّيب ومن في كلَّ حالاته مستيقظٌ درب
لا تركننَّ إلى الدُّنيا فراحتها للرَّاكنين إليها كلُّها تعب
لأنها دار آفات سلامتها لمن تسالمه من أهلها عطب
ما إن بخيرٍ إلى من ينتهي انقلبت إلَّا بشرٍّ إليه بعد تنقلب
تالله لولا عياٌل كلُّهم حرمٌ كدِّي عليهنَّ شرعًا بعض ما يجب
طلَّقتها قبل ما فيها يطلِّقني هذي الحياة الَّتي بالموت تغتصب
بئس الحياة يعود المرء مستلبًا منها وما حاز فيها للعدا سلب
/٣٤ أ/ هذا سجيُّه هذا الدَّهر قد ذهبت في أهله وعليها أهله ذهبوا
[ ٣ / ٥٠ ]
ولست عنه براضٍ، والرَّضا خلقي وإن غضبت عليه حقَّ لي الغضب
والعلم في صغري مازلت اطلبه من اهله راعيًا يا حبّ! ذا الطلب
وما برحت حليف الفضل في كبري لمَّا تكسَّبته والفضل مكتسب
وقد عرفت بني الدُّنيا كمعرفتي نفسي إلى حسب التقوي لها حسب
وقد خبرت أناسًا ران من طبعٍ علي قلوبٍ حووها اللَّهو واللَّعب
في القول الذي ما كانوا إذا صدقوا والفعل أبعد ما كانوا اذا قربوا
عبيد من كانت الدُّنيا له فإذا ولَّت عن المرء ولَّوا عنه وانجذبوا
[٣٣٩]
عبد القاهر بن الفضل بن عبدالقاهر بن محمدٍ القرشيُّ، أبو غانمٍ.
من أهل حلب، كانت ولادته بها في شهر الله رجب سنة سبع وستين وخمسمائة، وهو عدل من عدولها، ويتولّي النظر في وقف المدارس، وهو شيخ طويل له حرمه وقدر سمع حماد البزاغي، وابن اخيه أبا الفوارس البزاغي.
أنشدني لنفسه هذة الابيات، وأوصي ان تكتب علي قبره بعد موته: [من الرمل]
هذة تربة عبد مذنبٍ بخطاياه ثوي في لحده
ترك الأولاد والمال معًا ليس يدري ما جري من بعده
كان إن مسَّ من ترابٌ برده خاف من تأثيره في برده
/٣٥ ب/ أصبح اليوم بقبر موحش] والثَّري ملتصقٌ في خدِّه
يسأل الله نعيمًا ورضًا ثمَّ يرجو رحمةً من عنده
[ ٣ / ٥١ ]
[٣٤٠]
عبد القاهر بن محمد بن الحسن بن علي بن عبد الله بن عبد العزيز، أبو محمدٍ البغداديُّ، المعروف بابن الفوطي.
من حفاظ القرآن الكريم، ومن أهل المعرفة، طلق اللسان في الكلام إذا شرع، وأخذ في المحادثة، وهو شاب أسمر ربع القامة.
اجتمعت به غير مرة بالموصل وبغداد، ولم ينشدني شيئًا من أشعاره، وبعد ذلك عثرت له علي هذة القصيدة البائية؛ يقولها في شيخه حين لبس الحرير ومال إلى رياسة الدُّنيا وزينتها، وحبّ المال والجاه والعزّ والحشمه والأمر والنهي، وطلب المناصب الدنيوية، وكان ينهي عن ذلك كلّه ويرزي علي من يروم بنفسه حبّ المراتب، وجمع المال ونهي أصحابه ومريديه عن التعرض للدنيا. وكان قبل ذلك فقيرًا مملقًا /٣٦ أ/ علي قدم التجردّ، زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الاخره، يلبس الصوف، ويسلك طريق الزهد، والانقطاع إلى الله – ﷿ – والاجتهاد والرياضة؛ فأنشأ أبو محمد هذة القصيدة، زاريًا عليه فيما صدر عنه.
ثم اجتمعت به بمدينة السلام؛ بالمدرسة الشريفة المستنصرية، وذلك في اواخر ربيع الاخر من سنة تسع وثلاثين وستمائة، فاستنشدته القصيدة جميعها وغيرها من شعره، وسألته عن ولادته، فذكر إنَّه ولد ببغداد ليلة الخميس الثالث والعشرين من ربيع الاول سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
وسمع جملة من الحديث، ورأيت له طبعاَ جيدًا في الكتابة الانشائية، وفصولًا املاها علي، وتفقه علي المذهب الاحمدي، وتأدب، وتولي في الايام المستنصرية، مشرفأ علي منشر التمور: [من المنسرح]
ناديت شيخي من شدَّة العجب وشيخنا في الحرير والذَّهب
في دسته جالسًا ببسملة بين يديه ان قام في أرب
وركبه منه كنت أعهده يذم أبناؤها علي الرَّيب
/٣٦ ب/ وكان أربابها لديه علي سخط من الله شامل الغضب
أصافي الرَّأي من دعاك لها وأنت لمَّا أجبت لم تصب
[ ٣ / ٥٢ ]
أول صوت دعاك عن عرض لبيته مقبلًا علي السَّبب
قد كنت ذاك الَّذي يظنُّ به لو لم تكن مسرعًا إلى الرُّتب
إن كان ما قد منحت ممتحنًا فما صبرت اصطبار ذي أرب
أو كنت مستخفيًا سعيت لها يا خسرها صفقةً علي النصب
شيخي أين الَّذي يعلَّمنا الزُّهد ويعتدُّه من القرب
أين الَّذي لم يزل يسلَّكنا إلى خروجٍ عن كلِّ مكتسب
أين الَّذي لم يزل يعرِّفنا فضل التعري والجوع والسَّغب
أين الَّذي لم يزل يرغِّبنا في الصُّوف لبسًا له وفي الجشب
وأين من كان مزعجًا اسقًا زفيره قلب كل مرتغب
وأين من كان قابلًا نسكًا فضل قميص من أكثف الحجب
وأين من كان في بدايته يهيج هيج الجمال في الجرب
وأين من غرَّنا بزخرفه حتَّى اعتقدناه زاهد العرب
وأين ذاك يشعرنا أن سواه في السَّعي لم يجب
/٣٧ أ/ وأين من لم يزل يذمُّ لنا الدُّنيا وقول المحال والكذب
وأين من لم يزل يوهَّمنا منها فرارًا بشدة الهرب
وأين من لم يزل بأدمعه يخدعنا باكيًا علي الخشب
واين تلك الأنفاس صاعدةً من شدَّة الخوف مورد الخطب
وأين من كان في مواعظه يصول زجرًا عن كل محتسب
ويقطع القول لا يتمِّمه منقلبًا بالسَّماع والطَّرب
ومن ير الشَّيخ بعد خطبته ير أمرًا غائبًا ولم يؤب
فيقسم العمر أئَّه رجلٌ ليس له في الوجود من أرب
لو كانت الأرض كلُّها ذهبًا أعرض عنها إعراض مكتئب
أسفر ذاك النَّاموس مختبئًا عن راغب في التُّراث مستلب
وكان ذاك الصُّراخ يزعجنا شكوي فقيرٍ علي الدُّني وصب
لو كان مولي الأنام عاينه يخطبنا في خشوع منتحب
أيقن منه بعد القبول إذا دعاء في رتبةٍ علي الرُّتب
[ ٣ / ٥٣ ]
وكان حاشاه حين وافقه قد ساء ظنًا في كلِّ مقترب
شيخي بعد الذظذضمِّ الصرَّيح لما أتيته جئته علي طلب
/٣٧ ب/نسيت ما قلته علي ورعٍ عنّي لمَّا اكتسبت بالدَّأب
ويلٌ له إن يمت بخدمته يمت كفورًا وليس بالعجب
ما كان مال السُّلطان مكتسبًا لمؤمنٍ سالمٍ من العطب
هذا ورزقي في وقفٍ أربطه قدرٌ طفيفٌ أعطاه بالتَّعب
ولست في تروة اسرُّ بها دنياي منها موفورة النَّشب
فليت شعري ماذا اقول وقد حللت منها في مربع خصب
في المال والجاه والتَشرَّف والعزِّ وأمرٍ يطاع في النَّسب
أعطيت كرَّاثةً فتنت بها عن طلب كان أشرف الطلب
لو أنها لحمةٌ جنيت علي دينك تركًا يكون عن كثب
وكان ذاك التَّحنيك منعطفًا لجام من يدَّعي ولم ينب
شيخي بعد التَّفصيل متقيًا ثوبًا قصيرًا مجاور الركُّب
إختلت في ملبسٍ دلادله تسحب من طولها علي التُّرب
يرفعها كلذُ شادن غنج يفتن نسَّاكنًا علي الرَّهب
واعتضت عن عصبة الزَّهادة مثني الغلمان بالقضب
لو كنت ما قلت زاهدًا ورعًا لم ترض دنيا الغرور واللَّعب
/٣٨ أ/ وكان في الله شاغلٌ أبدًا عمَّا تراه بعين محتجب
وبعد هذا فأنت مفتتنًا خيرٌ لها من سؤال
لا يغترر بعدها اخو ثقةٍ بمحسنٍ في جميل مطَّلب
وليتَّعظ مدعي تقربُّه بحال شيخي المفتون وليتب
[ ٣ / ٥٤ ]