[٣٨٩]
علي بن محمد بن علي بن رستم، أبو حسن الدمشقي الخراساني، المعروف بابن الساعاتي.
شاعر حشو ابراده، محسن في إصداره وإيراده؛ فرد زمانه في صناعه القريض، بحر خاطره متدفق يفيض، ذو قول أبهج من أنيق الرياض، وأخلب للقلوب من غمزات الحدق المراض.
فلله دره! ما أعذب كلامه، وأحسن نظامه، وأحلي قطوفه ومجانيه، وأرق الفاظه وأدق معانيه!، يكاد ماء الحسن يقطر من أطرافه، ويرى بالجوهر النفيس في ترصيفه /١٤٧ أ/ وائتلافه. مدح الملوك من بني أيوب مع رؤساهم ووزارئهم وامراء تلك الديار.
وديوان شعره موجود، يدخل في مجلدتين، أحسن فيه ما شاء؛ يدل على فضله وغزاره علمه وتمكنه من الأدب، ولطافه مزاجه، وجزاله عباراته، وملح استعارته.
[ ٣ / ٢١٧ ]
وكان مع ذلك شابًا سريًا جميلًا لطيفًا، مليح الصوره، مطبوع الشمائل، ولد في سنه اربع واربعين وخمسمائه، وتوفي في شهر رمضان سنه أربع وستمائه بالقاهره، بالديار المصريه-رحمه الله تعالى-.
أنشدني أبو منصور بن يوسف بن أبي منصور العصافيري الموصلي؛ قال: أنشدني ابن الساعاتي لنفسه مبدأ قصيده: [من الطويل]
ألمت سليمي والنسيم عليل فخيل لي أن الشمال شمول
كأن الخزامي صفقت منه قرقفًا فللكسر أعناق المطي تميل
شديد إلى باب البريد حنينه وليس إلى باب البريد سبيل
منازل أما ماؤها فمصفق زلال وأما ظلها فظليل
نحلن وما قولي نحلت تعجبًا هل الحب إلا لوعه ونحول
/١٤٧ ب/ وأنشدني لنفسه في السعيد بن سناء الملك، وقد وقع عن بغل له، وكان يسمى البغل الجمل: [من البسيط]
قالوا السعيد تعاطى بغله نزقًا فزل عنه وأهل ذاك للزلل
فقل له لا أقال الله عثرته ولا سقته بنان العارض الهطل
أبغضت بالطبع أم المؤمنين ولم تحبب أباها وهذي وقعه الجمل
وقال أيضًا: [من الوافر]
أتهويما وليل الهم داجي فهات من السلاف سنى السراج
وأطلع بالسقاه بدور تم تدير الشمس في صبح الزجاج
ونصليها رماحًا من الشموع لوامع تحت رايات الدياجي
ولو ركبت لتقتنص الأماني بنان يدتسالم في الهياج
تجيد الضرب لكن في مقام دخان كبابه رهج العجاج
[ ٣ / ٢١٨ ]
بكي الرواق مرجانًا نثيرًا ونظم لؤلؤًا أضحك المزاج
فقد نسج الحيا جسرًاوحلى بدر النور اجساد الفجاج
وأرشفها ثغورًا من أقاح صوامت وهي مفصحه النتاج
/١٤٨ أ/ كأن الأرض وجه من حبيب تبلج عن سرور وابتهاج
وأغيد فاتن الحركات يسطو بأدمع فاتر اللحظات الساجي
يتيه بوجنه كالورد حسنًا يحيط به عذار كالسياج
كما نمنمت خطًا ذا خفاء على سطحين من ذهب وعاج
وجسم حسم داء الوجد فيه إذا ما الهم جل عن العلاج
فغصن البان منه في اهتزاز ودعص الرمل منه في ارتجاج
ونقطه خاله والصدع نور يروقك بانفراد وازدواج
كأن الليل قبل خد الصبح فأثر ذاك حسن الأمتزاج
وقال من قصيده: [من الكامل]
عج بالحمى ومهفهفات غصونه وحدار من غيد الكثيب وعينه
من كل وسنان كأن لحاظه نصلت ذوابل قومه من دونه
كيف الخلاص لمن هواه هوانه في حبه ومناه ريب منونه
ما كدت تغلبني جيوش جماله لولا العذار يمدها بكمينه
كالسيف يعرف حده من هزه خشنًا ويعرف صفحه من لينه
أهدي إلى الأغصان لين قوامه وأعار جسم الصب سقم جفونه
/١٤٨ ب/ تتقابل الأضداد عند محبه في حسنه فتبين عن مكنونه
فسقام مقلته لصحه لفظه وظلام طرته لصبح جبينه
وكتب إلى صديق له يلقب بالنجم-صدر كتاب-: [من الطويل]
وأبيض من نجل الكرام كأنما خلائقه في لطفهن ابنه الكرم
تجلى ظلام الدهر عني بوجهه واقلع صرف النائبات عن الظلم
[ ٣ / ٢١٩ ]
وأني لأستجدي العلا من جنابه وما خاب مستجدي المعالي من النجم
وكتب إلى تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي؛ وقد ابل مرض:
[من الطويل]
ليهن الورى برء العلا والفضائل هناء الثرى بالمدجنات الهواطل
لقد شرحت صدر الورى قسماته وردت وضوحًا في وجوه الأصائل
واصبح قس ماثلًا في اياده وانشر بعد اليأس سحبان وائل
سقت أنمل السحب بلاد لأجله واتام بعد العقم حمل الخمائل
له حل في الآفاق حبوته الحيًا فحلت أيادي مزنه كل عاطل
/١٤٩ أ/ وهز قدود البان ناشيه الصبا كما هز عطف الشرب قهوه بابل
وقال: بديهة: [من الطويل]
وصاحب أنس أن تعشق الفضل نفسه وحسبك ذو نفس تيممها الفضل
أخو فطنه لم يمزح العيش وده ولا هز من عطفي رصانته الجهل
وقال أيضًا بديهة: [من الكامل]
يا صاحبي والأفق قد لبس الدجى وكواكب الظلماء لم تتقوض
حيث المجره في السماء كأنها ماء جوانبه تشاب بعرمض
أو ما ترى لون السماء كأنه ترس يناط من الهلا بمقبض
وكأن كل شهاب رجم ثاقب سهم أصاب وربه لم ينبض
أو إبره نفذت رداء ازرقًا والنور يتبعه كخيط ابيض
وقال في صبي أصفر اللون من غير عله، وقد سئل ذلك: [من الخفيف]
وبروحي من وجهه شفقي اللون كالشمس روعت بالفراق
[ ٣ / ٢٢٠ ]
لا لدا لكنَّه عمَّ جدا لم يدع غير هائم مشتاق
راق ماء الجمال في وجنتيه فهو مرآة أوجه العشاق
/١٤٩ ب/ وقال في شجر المشمش: [من الطويل]
ألست براء كلَّ يا نعة غدت جني كل غصن يانع متأود
إذا قابلتك شمس الآصائل خلتها كواكب تبر في سماء زبر جد
وقال بديهًا في البدر على الماء: [من البسيط]
أما ترى البدر يجلوه الغدير غدت تحفُّه قضب بالنور في لثم
كخوذة فوق درع حولها أسلٌ سمر اسنتًّها مخضوبةٌ بدم
وقال أيضًا: [من الكامل]
ولقد نزلت بروضة حزنيَّة رتعت نواظرنا بها والآنفس
فظللت أعجب حيث يحلف صاحبي والمسك من نفحاتها يتنفَّس
ما الجوُّ إلًاّ عنبر والدوح إلا جوهر والروض إلا سندس
سفرت شفائفها فهم الأقحوان بلثمها فرنا إليه النرجس
فكأنَّ ذا خدٌ وذا ثغر يحا وله وذا أبداّ عيونٌ تحرس
وله وقد حضر قبل خروجه من دمشق مع جماعة من الأصدقاء بالنيرب /١٥٠ أ/
على شرا ب وعندهم سقاة كالشموس؛ وجاء مطركثير ورعد وبرق؛ فسألوه أن يسم ذلك
اليوم بشئ؛ فقال بديهًا: [من الكامل]
لله يوم النَّيربين ووجهه طلقٌ وثغر اللهو ثغرٌ اشنب
وكأنَّما فنن الأرآكة منبرٌ وهزارها فوق الذِّوائب يخطب
والرَّعد يشدو والحيا يسقي وغصن البان يرقص والخمائل تشرب
[ ٣ / ٢٢١ ]
وكأنَّما الساقي يطوف بكأسه بدر الدُّجى والكفُّ منه كوكب
بكرٌ بها نقع الغليل ومعجب نقع الغليل بجذوة تتلهَّب
يفتضٌّها ماء الغمام ويا له عجبًا غداة الدَّجن وهو لها أب
حمراء حاربنا الصُّروف بصرفها فزجاجها يدم الهموم مخضَّب
والقطر نيلٌ والغدير سوابغٌ موضونةٌ والبرق سيف مذهب
وكتب عند وصول البشير إلى الأجل صفي الدين أبي الفتح نصر بن القابض؛ يهنثه
ويشكره على حسن عنائه، وكان قد كثر الإرجاف على الملك الناصر /١٥٠ ب/ صلاح
الدين يوسف بن أيوب ﵁ -: [من الكامل]
سر الحسود بما أساء وأرجفا والله مما كنت خائفة كفى
بعث الشفاء إلى الزمان وأهله من بعد ما كانوا وكان على شفا
وافى البشير فكان كل مؤمل لقياه يعقوبًا ويوسف يوسفا
أهدى السرور إلى القلوب كتابه عظمت به النعمى وكان ملطفا
نباأهو الماء الزلال أتى على ظمأ فأطفا لوعةً وتلهُّفا
من كإبن أيوب ومن كصفيه نصر إذا ما النصر أعوز والصَّفا
لسما سمو الشمس في صدر الضُّحى وفللت بالعزم الحسام المرهفا
وكلآكما محيي السَّماح وقد ثوى ومثبِّتٌ حلم الزمان وقد هفا
أعطى ومن على المسيء بعفوه عنه فأنشر حاتما والآحنفا
ففدى صلاح الدين كلُّ متوجٍ كالنجم يفدي الشمس من أن تكسفا
وبقيت تعضده وتحمي سرب دولته إذا خطب أغدَّ وأوجفا
فلقد ذوى روض الثَّناء كأهله فأعدته بندى يديك مفوفا
وصفا معين الرفد فهو مصفق وحلفت لولا راحتاك لما صفا
/١٥١ أ/ وسواك إما جدَّ جدَّ تصنعا منه وإما جاد جاد تكلفا
حطت البلاد وما سللت لحفظها سيفا ورعت وما هززت مثقَّفا
بخلائق غيد وبأس تحتها خشن كما نبع الزلال من الصفا
[ ٣ / ٢٢٢ ]
همم جمعن المجد ثم شددن منته وكان مبدَّدًا مستضعفا
وسلكن نهجا واضحًا هو العلا جدد يؤم مدى الزمان ويقتفى
فلك الهناء وللورى بك إنها نعمى شفت نضو العلاء المدنفا
وقال من قصيدة: [من الطويل]
شكوت هوى في مثله تسمع الشكوى فما عن من أشكو إليه ولا ألوى
صبابة قلب يحمد الموت عندها وإن كان مذموما وتستعذب البلوى
وإنى لأباء على كل عاذل إذا ما حوى رقى هضيم الحشا أحوى
وما الناس في التمثيل إلًا قصيدة هم اللفظ من أبياتها وهو الفحوى
وهوب إذا ما النجم أخلف نوءه وقور إذا ما طاش من حادث رضوى
مناقبه شهب الليالي فلا خبت ومنزله ربع المعاني فلا أقوى
وقال من أبيات: [من الكامل]
أنظر إلى نسج الربيع وحوكه والشمس ترقم والسحائب تحبك
/١٥١ ب/ والأرض تجلى في معارض سندس والنهر ردن بالنسيم يفرك
حيث الوجوه من القاع سوافر والأقحوان بها ثغور تضحك
فعقولنا وهي المراتع تجتلى وقلوبنا وهي العرئس تملك
وفضاء هاتيك السماء معنبر ونسيم ذاك الجو منه ممسك
والطل في جيد الغصون منظم وعلى السهول مبدَّد لا يسلك
كم فض من بطحائها من فضة بدد وتبر لو يصاغ ويسبك
ومنها:
عجبا تخاف الفقر أو ترجو الغنى ويداك تأخذ ما تشاء وتترك
فاهجر معاتبة الليالي واصلًا دم كرمة في عرس لهو يسفك
سخط الأنام على الزمان وصرفه ورضا الخلائق غاية لا تدرك
ونهاية الدنيا وموعد أهلها ملك يزول وستر قوم يهتك
[ ٣ / ٢٢٣ ]
كم لذة فيها تشاب بذلة أمنية هي بالمنية تنهك
تحلو فتعقب غصة ومرارة وتحب وهي بنا تصول وتفتك
فأعجب لهذا الكون من متحرك يلقى السكون وساكن يتحرَّك
وقال يمدح الملك المظفر / ١٥٢ أ/تقي الدين أبا الفتح عمر بن شهنشاه بن
أبوب: [من الكامل]
وافى فهز من القوام مثقَّفا ورنا فسَّل من اللَّواحط مرهفا
ثمل القوام كان رقة جسمه ماء صفا وفؤاده مثل الصفا
يحبو الغزال بجيده وبلحظه والغصن يمنحه القوام الأهيفا
با عطفه كيف الملاذ بعطفه هلاَّ تعلم منك أن يتعطفا
متدلل خلف الحمام وعنده وعد الوصال أخا الحياة فأخلقا
جد بالشفاء لعاشق أسقمته يمسي ويصبح من هواك على شفا
ودع الصدود فمأ أطيق زيادة عندي من الوجد المبرح ما كفا
يا مانعي طرفًا لقلبي خاطفًا ومقبلًا خصرًا مخطفا
ما الخال نقطة قد صدغك إنما قلبي محبته حباه تلهفا
وكفاك عذرك إنما صدغاك قد كتبا على مرآة وجهك أخرفا
زهر وللزهر الحياة من الحيا تجنيه من نار الحياء مفوَّفا
ومنها في المدح:
متايد حلمًا فإن عرضت له فرض السماح فما أغذَّ وأوجفا
/١٥٢ ب/ أعطى على عدم وقد ضن الحيا ووفى على مضض وفد غاض الوفا
كم منية أهدى وذى زيغ هدى وحشاشة أحيا ومال أتلفا
يعطيك عفوًا أو يسامح مذنبًا عفوًا إذا غضب الكريم وسوَّفا
جود وحلم لا تؤبن بعده لابل تؤنب حاتمًا والأحنفا
نيطا بعزم لا يقال له ونى خورًا ورأي لا يقال له هفا
[ ٣ / ٢٢٤ ]
لطفت كما لطف الزُّلال خلاله وصفت موارد راحتيه كما صفا
في السلم ماء وهى نار في الوغى موت إذا يسطو حياة إن عفا
وقال يمدح الملك الأفضل نور الدين أبا الحسن علي بن يوسف بن أبوب، حين قدم
دمشق مالكًا لها في جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة:
[من الخفيف]
ما على الركب من تلافي تلافي بين تلك الغصون والآحقاف
يا خليلي بالحمى ضاع قلبي بين بيض الدمى وسود الآثافي
بي ماضي الحسام واللحظ في العشاق لدن القناة والأعطاف
رشا جفنه سقيم صحيح هو باللحظ مسقم وهو شافي
/١٥٣ أ/ ثقف الحسن قدُّه مثلما ثقف قدَّ القناة حسن الثقاف
شغفتني شمائل منه في البان ومعنى من ريقه في السلاف
يا ولاة الهوى قدرتم مع الضعف ودنتم بقلة الإنصاف
من لخد به من الدمع خدَّ وفؤاد صب إلى الهيف هافي
حيث ذل القلوب للوجد في الأطلال ذل الحضور للأرداف
ومنها:
وليال شفت غليلًا ووجدًا فلها في القلوب وخز الأشافي
مشرقات كطلعة الملك الأفضل بحر العفاة والأضياف
ومنها:
أصبحت جلق به جنة الخلد وباتت فسيحة الأكناف
لا ترى غير عين ماء بها نجلاء في وجه روضة ميناف
أى بعل جلًا عليه عروس المدن بعد النشور يوم الزفاف
[ ٣ / ٢٢٥ ]
لم يزل قبل ذلك الخطب خطب والليالي شديدة الإلحاف
في رقيبي صدودها والتَّجنيِّ وردائي جمالها والعفاف
أي بشرى للخيل جلَّت عن الشكر ونعمى نداكم الأحقاف
/١٥٣ ب/ حملت خير من تحلَّت به يوم مصاع عواطل الأسياف
قمرًا في نجوم خطيِّه الآسمر جادت به سماء الفيافي
فأتى رحمة كما أقبلت غر الغوادى حوافل الآخلاف
طود حلم عن المسيء فإن شيم نداه فمزنة الآلطاف
وقال أيضًا من قصيدة: [من الطويل]
شهيدا غرامي أدمعي وسجومها وخصما ولوعي بابل ونسيمها
أنست بوجودي فىظباء كناسها فلست على إلف النفارألومها
لقد نحلت أجفانها وخصورها كما نحلت أجسامنا ورسومها
وحتًّام أشكو الحب والحب ظالم إلى سلوة أعيا فؤادي حليمها
فكم حلبة للغيث دمعي جوادها وكم وقعة للجود صبري هزيمها
ولولا الهوى ما غرَّ قلبي غريرها ولا رام أن يسطو على الأسد ريمها
[٣٩٠]
عليُّبن محمَّد بن يوسف بن يحي، المعروف بابن النبيه
أبو الحسن، المصريُّ الربعيُّ
كان من مفاخر المصرين، ومحاسن الشعراء العصريين؛ شاغرًا /١٥٤ أ/ملء
[ ٣ / ٢٢٦ ]
جلبابه، أبرَّبقوله على نظرائه وأضرابه، ذا عارضة في النظم شديدة، يتوصل بلطيف ذهنه
إلى الأغراض البعيدة، حسن المعاني أنيقها، حلو الألفاظ رشيقها، شعره في تهايتة
الحلاوة، ياوح عليه رونق الملاحة والطراوة.
وكان يتولى بمصر ديوان الخراج والحساب، ومدح الملوك من بني أيوب، ووزراء
تلك الدولة وأكابرها؛ ثم اتصل بخدمة الملك الأشرف مظفر الدين أبي الفتح موسى بن
محمد بن أيوب بن شاذي، فانتظم في سلك شعراء دولته، وسكن نصيبين، وبها مات في
سنة تسع عشرة وستمائة؛ فقال الملك الأشرف عند موته، وكان معجبًا بمحاسن شعره، وما
يأتي به من بديع الكلام"مات رب القريض".
أنشدني أبو المجد أسعد بن إبراهيم الكاتب النشابي الإربلي؛ قال: أنشدني أبو
الحسن علي بن محمد بن النبيه المصري لنفسه؛ يمدح الإمام الناصر لدين الله أمير
المؤمنين أبا العباس أحمد- رضوان الله عليه-[من البسيط]
باكر صبوحك أهنا الغيش باكرهٌ فقد ترنَّم فوق الآيك طائرهٌ
/١٥٤ ب/ والليل تجري الدَّراري في مجرَّته كالرَّوض تطفو على نهر مزاهرهٌ
وكوكب الصُّبح نجَّابٌ على يده مخلَّق تملأ الدُّنيا بشائرهٌ
فانهض إلى دوب يا قوت له حببٌ تنوب عن ثغر من تهوى جواهرهٌ
حمراء في وجنة السَّاقي لها شبهٌ فكم جناه مع العنقود عاصرهٌ؟
ساق تلوَّن من صبح ومن غسق فأبيض خدَّاه واسودَّت غدائرهٌ
بيضٌ سوالفه، لعسٌ مراشفه نعسٌ نواظره خرسٌ أساوره
مفلَّج الثَّغر، معسول اللما غنجٌ، مؤنَّث الخضر، عبل الردف وافرهٌ
كأنَّه بسواد الصُّدغ مكتحلٌ أوركبت فوق صدغيه محاجرهٌ
نبيُّ حسن أضلَّته ذوائبه وقام في فترة اللأجفان ناظرهٌ
[ ٣ / ٢٢٧ ]
فلو رأت مقلتا هاروت آيته الكبرى لآمن بعد الكفر ساحرهُ
قامت أدلَّه صدغيه لعاشقه على عزول أتى فيه يناظره
خذ من حبيبك ما أعطاك مغتنمًا وأنت ناه لهذا الدَّهر آمره
فالعمر كالكأس تستحلى أوائله لكنه ربما مجَّت أواخره
وكيف يخذل في يوم المعاد فتى والناصر ابن رسول الله ناصره
/١٥٥ أ/ إمام عدل لتقوى الله باطنه وللجلالة والإحسان ظاهره
تجسَّد الحقُّ في أثناء بردته وتوِّجت باسمه العالي منابره
له على سرّ ِستر الغيب مسترقٌ فما موارده إلاَّ مصادره
راع بطرف حمى الإسلام ساهره ساط بسيف أباد الكفر شاهره
في صدره البحر أو في بطن راحته كلاهما يغمر السؤَّال زاخره
يقضى بتفضيله سادات عترته لو كان صادقه حيا وباقره
كلُّ الصِّلاة خداجٌ لا تمام لها إذا تقضت ولم يذكره ذاكره
كل الكلام قصير عن مناقبه إلاَّ إذا نظم القرآن شاعره
محجب في سجوف العز فرجت عن نور وجه يباهي الصبح باهره
رأيت ملكًا كبيرًا فوق سدَّته جبريل داعيه أو ميكال زائره
طورًا أضاءت لموسى نار جذوته حتى أنجلت لمناجاة بصائره
نضاه سيفًا على أعداء دولته ما كلُّ سف له تثنى خناجره
فضل أصطفاء أتى من غير مسألة يغنى به عن أخ برَّ يؤازره
تهنَّ نعمى أمير المؤمنين ودم يا أيها الأشراف الميمون طائره
بحدً سيفك آيات العصا نسخت إذا تفر عن يوم الرَّوع كافره
/١٥٥ ب/ سل الكلى والطلى يا من يسجله فالرمح ناظمه والسيف ناثره
تنجست بدم القتلى صوارمه وطهرت بيد التقوى مازره
نض النوال سريع البطش متَّئد كالدهر يرجى وما تخشى بوادره
إذا حبا أغنت الأيدى مواهبه وإن سطا سدت الدنيا عساكره
أين المفرُّ لمن عاداه من يده والوحش والطير أتباع تسايره؟
[ ٣ / ٢٢٨ ]
إن يصعد الجو ناشته خواطفه أو يهبط الأرض غالته كواسره
يا جامعًا بالعطايا شمل عترته كالقطب لولاه ما صحت دوائره
إن جاد شعري فهذا الفضل علمني من غاص في البحر جاءته جواهره
وقال يمدح الملك الأشرف، مظفر الدين، أبا الفتح، موسى بن محمد بن
أبوب بن شاذي: [من البسيط]
الله أكبر ليس الحسن في العرب كم تحت كمة ذا التركي من عجب!
صبح الجبين بليل الشعر منعقد والخدُّ يجمع بين الماء واللهب
تنفَّست عن عبير الرًاح ريقته وافتر مبسمه الشهدي عن حبب
لآفي العذيب ولآفي بارق غزلي بل في جنى فمه أو ريقه الشنب
/١٥٦ أ/ ثغر إذا ما الدُّجى ولى تنفس عن ريح من الندَّ أو ضرب من الضرب
كأنه حين يرمي عن حنيته والهائم الصب فيها غير مقترب
أليس من نكد الأيام يحرمها فمي ويلثمها سهم من الخشب؟
لدن المعاطف قَّاسي القلب مبتسم لا عن رضًا معرض عني بلا غضب
فكم له في أخلاق الذنب من سبب وليس لي في قيام العذر من سبب
[ ٣ / ٢٢٩ ]
تميل أعطاافه تيهًا بغرته كما تميل رماح الخط بالعذب
أشار نحوي وجنح الليل معتكر بمعصم بشعاع الكأس مختضب
بكر جلاها أبوها قبل ما جليت في حجرة الدَّنَّ أو في قشرة العنب
حمراء تفعل بالأحزان ما فعلت أسياف شاه أرمن في عسكر لجب
ملك تفرَّق يوم السلم ما جمعت في الحرب يمناه بالهندية القضب
ثبت تحف جماهير الجيوش به كأنَّ أفلاكها دارت على قطب
دم العدا وصليل المرهفات له أحلى وأطيب من كأس على طرب
في غير موسى أحاديث الورى اختلفت هو الكريم بلا شكَّ ولا ريب
الأشرف الواهب الآلاف مبتسمًا وذا [ك] يعجز عنه عيشه الصخب
/١٥٦ ب/ صحَّت له كيمياء الحمد إذ سبكت يمناه للبذل إكسرًا من الذهب
لا تعجبن لأموال يفرقها بقاؤها للعطايا غايه العجب
الطاهر النَّسب أين الطاهر النَّسب أين الطَّاهر النًّسب أين الطَّاهر النَّسب
نفس لآبائها من فضلها شرف كذا الثمار لها فضل على الخشب
عليه نور إلهي أشعَّته تغنيه عن كثيرة الحجاب والحجب
مت يا حسود أنتظارًا إنَّ مولده قد كان في برج سعد غير منقلب
وقف على جو زهر الرَّأس عاشره وبيت أعدائه وقف على الذنب
ياكوكبًا أسعد الأيام طالعه وهو الوبال لأهل الشرك والصُّلب
لا خيب الله في ذا العيد دعوة من رجاؤه من ندى كفيك لم يخب
وقال أيضًا يمدحه: [من مجزوء الوافر]
تعالى الله ما أحسن شقيقًا حفَّ بالسوسن
خدود لثمها يبري من الأسقًام لو أمكن
فما تجنى وحارسها بقفل الصدغ قد زرفن
[ ٣ / ٢٣٠ ]
غزال ضيق الأجفان يسبي الرشأ الأعين
له قلب وأعطاف فما أقسى وما ألين
/١٥٧ أ/ ولم أر قبل مبسمه صغير الجوهر المثمن
فتنت بحسن صورته ومن يهوى الدُّمى يفتن
عزيز يوسفيُّ الحسن لم يشر ولم يسجن
قد أبيضت به عيني وللمهجور أن يحزن
أبث هواه من حرقي لنجم اللَّيل لمَّا جن
وما ينفع كتماني ودمع العين قد أعلن
وكم أسكنته قلبي فسار وأحرق المسكن
فأنسي بعد وحشه بنظم مديح شاه أرمن
كريم باسل قتلاه في يوم الوغى تدفن
على الأموال والأعداء كم من غارة قد شن
فما ينفع ما يلقاه درع لا ولا جوشن
رصين الجأش لمَّا جاش بحر خميسه الأرعن
عجاف خيله والوحش يوم نزاله تسمن
له بشر لسائله كفيل بالندى يضمن
ومن لايكدره علينا بالأذى والمن
/١٥٧ ب/ فذاك المال مبذول وذاك العرض ما أصون
ملكت الأرض يا موسى وعندك قدرها أهوان
فأورد خيلك الدنيا فكل مدينة مدين
ملأت الأرض إحسانا وغيرك يملًا المخزن
له نور إلهيُّ لرونق حسنه زيَّن
وجود يجبر العافي وبأس للعدا أوهن
[ ٣ / ٢٣١ ]
فهذا ينطق الآلكن وهذا يخرس الآلسن
صلاة صلاته قامت وحيَّ على العدا أذن
فلو علم مدح ما تغالي في الَّذي دوَّن
أيا مولآي زال البأس والبرُّ قد استمكن
لك الحسنى وربُّك لآ يضيع أجر من أحسن
وقال أيضًا يمدحه: [من الوافر]
ممنعَّةٌ لها جفن سقيمٌ شديد الآخد للقلب البري
تغازلني وتزوي حاجيبها كما أبرت السهام من القسيِّ
وتخترق الصُّفوف بروق فيها وهل يخى شذا المسك الذكي؟
وشاحاها على خضر عديم ومنزرها على ردف مليِّ
ومعجزها على ليل يهيم ويرفعها على قمر سنيِّ
تردُّ شبا القنا عن وجنتيها كمنع الشوك للورد الجنيِّ
إذا مأرمت أقطفه بعيني يقول حذار من مر عى وبيِّ
لسان السيف من أذانى وشاتي ومن رقباي طرف السمهريِّ
كأنَّ لجفنها في كل قلبٍ فعال المشر فيِّ الآشرفي
حسامًا جاء متنقلًا له عن أمير المؤمنين عن النبي
سيسمع عنهما ما قد علمنا به عن ذي الفقار وعن عليِّ
[ ٣ / ٢٣٢ ]
/١٥٨ ب/ إذا يده الكريمة صافحته فقل في لآمع أو ألمعي
يقول الناس أيهما حسامٌ إذا استبقا إلى هام والكميِّ
تخيَّره وعاف سواه حرا بأخد الجيد أوردِّ الرَّديِّ
رمى أعداءه منهم بسهم يصيب نهاية الغرض القصيِّ
أبا الفتح افتخر وأبدأ بنفس لها شرفٌ على الفلك العلي
لك الكرم الَّذي فضح الغوادي فميز برقها خجل الدَّعيِّ
يخص بماءها في الحين أرضًا وما لك للفقير وللغني
لك الجيش الَّذي إن جاش أرضًا وفي الهضبات كالسيل الآتيّ
وكيف تبيت طودًا مشمخرًا وأنت أخفُّ من أسد طويِّ
وفي تلك البيضاء غضبٌ يحقق كل فعل موسويِّ
إذا اشتجر القنا النقفاه حطمًا كما التقف الحبال مع العصيِّ
قهرت به الجبابرة أقتدارًا وأنصفت الضعيف من القويِّ
فإن تلك كالجحيم على عدوِّ فأنك كالجنان على الوليِّ
بقيت لهذه الدنيا جمالًا سعيد الجد في عمر هنيِّ
وقال أيضًا يمدحه: [من الطويل]
/١٥٩ أ/ رنا وأنثنى كالسيف والصعدة السمرا فما أكثر القتلى وما أرخص الآسرى
خذوا حذركم من خارجيِّ عذاره قفد جاء زحفًا في كتيبته الخضرا
غلام أراد الله إطفاء فتنة بعارضه فاستؤنفت أخرى
فزرفن بالآصداغ جنَّة خده وأرخي عليها من ذوائبه سترا
أغنُّ يناجى شعره حلي خضره كما يعتب المعشوق عآشقه سرًا
أخوض غمار الموت من دون ثغره كذاك يغوص البحر من طلب الدُّرا
وصلت بداجي شعره ليل وصله فلم أرصبحًا غير غرَّته الغرَّا
غزال رخيم إلى في يوم سلمه وليث له في حربه البطشة الكبرى
دريُّ بحمل الكأس في يوم لذًّة ولكن بحمل السَّيف يوم الوغى أدرى
[ ٣ / ٢٣٣ ]
أهيم به في عقده ونجاده فلابد في السرَّاء منه وفي الضَّراَّ
وصامته الخلخال أنَّ وشاحها فهذا قد أستغنى وذا شتكى الفقرا
تلأ لآ العقد تيهًا بجيدها وساكن ذاك البحر لآ يكدر البحرا
لها معصم لولا السوار يصده إذا حسرتأكمامها لجرى نهرا
دعتني إلى السلوان عنه بحبِّها وما كنت أرضى بعد إيماني الكفرا
بأيِّ اعتذار ألتقي حسن وجهه لحى الله رب الشعر لو نظم الشِّعرا
/١٥٩ ب/ ألم ترنىي بين السماطين منشدًا كأنيِّ على شاه أرمن أنثر الدرَّا
مليكٌ كريمٌ باسلٌ عمَّ جوده فمن حاتمٌ وابن الوليد ومن كسرى
أبيُّ سخيُّ تحت سطوته الغنى فخف وتيقن أن مع عسره اليسرا
هو البحر بل أستغفر الله إنَّ في بنان يديه للندى أبحراّ عشرا
إذا قام يسميه الخطيب بمنبر تأودتيها وأكتسي ورقًا خضرا
لحا الله حربًا لم تكن قيل جيشهًا ومجلس عدل لا تكونبه صدرا
أطلَّ على أخلاط يوم قدومه بلجَّة جيش تملأ السهل والوعرا
وقد برزت في شكًّة من سلاحها فلو أمرت أخلاط ما خالفت أمرا
تاقَّاه من بعد المسافة أهلها فذا رافعٌ كفًا وذا ساجدٌ شكرا
فشككت أن الناس قد حشروا ضحى أم الناس يستسقون ربهم القطرا
تسير ملوك الأرض تحت ركابه وأعناقهم من هول هيبته صعرا
فللَّه يوم تفليس حربه وسارت إلى أرض العراق به البشرى
تهن أمير المؤمنين بمثله نصيرًا يسدُّ الثغر أو يفتح الثَّغرا
حسام إذا هزته يمناك هزَّةً تروَّق ماء والتظى حدُّه جمرا
/١٦٠ أ/ طراز على كم الخلافة مذهب وجوهرة في تاجها تكسف البدرا
[ ٣ / ٢٣٤ ]
أبا الفتح شكرًا لاختصاص صنيعة فحسبك في الدنيا جلالًا وفي الأخرى
وقال أيضًا يمدحه: [من الكامل]
مالي وللتشبيب بالأوطان لي شاغل بجمالك الفتان
الرَّيق والثغر العذيب وبارق وقباك مزرور على نعمان
وسنان حورىُّ الصفات كأنه مل الجنان ففر من رضوان
طاقت على عطفيه ليلة شعره فترنحا كالعاشق الولهان
فاخضر فوق الورد كأس عذاره فعجبت للجنَّات في النيران
جنت بمنظره البديع عيوننا فتسلسلت نمدامح الأحفان
غزلي به ومديح موسى روضة جمعت فنون الحسن والإحسان
ملك به أخضر الزمان كأنما أيام دولته ربيع ثاني
أثرى ثراه بعد محل محله بدوام سح سحابه الهتان
فلكل غادية رحيق سلسل ولكلَّ غصن هزة النشوان
والنهر خد بالشعاع مورَّد قد دب فيه عذار ظل البان
والماء في سوق الغصون خلاخل من فضة والزَّهر كالتيجان
/١٦٠ ب/ وكأن طائرها خطيب مصقع قد قام فوق منابر الأغصان
يشدو وأنشد فالمدائح بيننا تهدى إلى موسى بكل لسان
إشرب ثلاثًا يا نديم وسقني واطرب لعجمة نغمة وبيان
كأسًا إذا صافحتهأ أثرت يدي من فضَّة ملئت من العقيان
حمراء رصعها الحباب بجوهر كالزهر في مرج من المرجان
والله لو عقل المجوس لكأسها جعلوه بيت عبادة النيران
سكر المدام وشكر موسى مذهبي فلقد محوت بطاعتي عصياني
شغلي مدائحه وغيري لم يزل كالبوم يندب دارس الجدران
للبيد والكوم الرَّوامس معشر عدل السقاة بشانهم عن شاني
سيما إذا التهب الهجير وحوَّمت فوق السَّراب حشاشة الظمان
[ ٣ / ٢٣٥ ]
والشَّمس ترسل فضل خيط لعابها يمتاح من عطشٍ ثرى الغدران
يشوي الوجوده سمومها فكأنَّما اعتاضوا عن الأكواب بالكيزن
فعلام ألقي للمضهالك مهجتي ةالأشرف السُّلطان قد اغناني
طرد القنيص بكلِّ ضارٍ ضامرٍ من مخلبيه مقرَّط الآذان
وبكلِّ مردفةٍ مغلغلة لها في كلِّ عضو مقلة الغضبان
/١٦١ أ/ تركَّية سبيتفسأل بخدِّها ما كان من كحل على الأجفان
قلنا وشلوا قميصها في صدرها هذا عناق العاشق الولهان
لو قال: يا موسى أجرني منهما لنجا واصبح في أعزِّ مكان
موسى الَّذي أزرى بكسرى آنفًا في أسر إيوان عن الإيوان
لمَّا أتاه على الجزيرة بعد ما سدَّت عليه الكرج كل مكان
بجحافل زمر الملائك فوقها مجفوفة بخواطف العقبان
لا يهتدون إذا أدل عجاجهم إلاَّ بشعلة صارمٍ وسنان
فجلا عن الإسلام ظلمة كفرهم وأعاده للعزِّ بعد هوان
طَّهرت أرمينيَّةً فاستبدلت من دقِّ ناقوسٍ بصوت أذان
نفذت جسومهم الرِّماح كأنَّهم يتلون آيات من القرآن
يا من يرى أيدي العفاة لماله أكفى الكفاةً وأوثق الخزًّان
يا من يرى أنَّ الثَّناء ذخيرةٌ تبقى عليه وكلُّ شيء فان
أغليت أعلاق المدائح بعد ما كانت تباع بأرخص الأثمان
شوَّال مثلك مطعمٌ فلأجل ذا أضحى له فضلٌ على شعبان
فتهنَّ يأملك الملوك بعيده في ظلِّ ملكٍ دائم السُّلطان
/١٦١ ب/ وقال أيضًا يمدحه: [من مجزوء الكامل]
[ ٣ / ٢٣٦ ]
بعذارك الفتَّان أعذر يا وجنة السَّيف المجوهر
خطٌ على خدٍّ يكاد لرقَّة يخفى ويظهر
غشقيقه ينشقُّ عن آس يروقً العين أخضر
مولاي وجهك جنةٌ ورضابك المعسول كوثر
يفتر منك ختامه عن مسكرٍ عطر وسكَّر
من نسل يافث نافثٌ وسنان يسهرني ويسحر
فتبسُّم بومزُّد من عقد ياقوت وجوهر
ولى بشعرٍ كالدُّجى وبدا فقلت: الصبح أسفر
ما خلت بل جبينه الكافور ينبت منه عنبر
يا قاصص الطَّرف القصيـ ـص كذلك الهنديَّ أبتر
يا غصن خصرك لا يطيـ ـق حياصةً عقدت وخنجر
يا بدركم من تائهٍ في ليل هجرك قد تحيَّر
رفقًا بصبٍّ كلَّما أخفى بليَّته تشهَّر
الجسم أصفر ناحلٌ دنفٌ ودمع العين أحمر
/١٦٢ أ/ لولا الدُّموع أذابه نفسٌ تصعَّد بل تسعَّر
من يعشق الظَّبي الغريـ ـر ينام عاذله ويسهر
غزلي له ومدائحي وقفٌ لمولانا مقر\ذضر
الأشرف الطَّلق النَّدى شاه أرمن موسى المظفَّر
ملكٌ إذا واليته اغنى وإن عاديت أفقر
يردي ويجدي كالزَّما ن فلم يزل يشكى ويشكر
صبٌّ بحدِّ السَّيف أحـ ـمرٌ أو بقدِّ الرُّمح أسمر
نجس الظذُبى ونجاده من كلِّ منقصة مطَّهر
فكأنَّ صارمه خطيـ ـبٌ مصقعٌ والعًام منبر
صلَّى بمحراب الطُّلى وصليله الله أكبر
بين الرِّماح كأنَّه غيلٌ على أسدٍ غضنفر
[ ٣ / ٢٣٧ ]
وكأنَّه بين الموا كب والقواضب والسَّنوَّر
جبلٌ تلاطم حوله بحرٌ من الماذيِّ أخضر
في قليه برٌّ وإن قتل العدوَّ وإن تغيَّر
غسل الفوارس بالدِّما ء وفي بطون الأرض تقبر
/١٦٢ ب/ قاسٍ إذا سيف عدا هـ ومارج الهيجاء يسعر
سحَّت سحاب عجاجه من نبله نبلًا كنهور
يا أيّها الملك الكريـ ـم صفات مجدك ليس تحصر
يا ناسيًا لصنيعة وهو المردَّد والمكرَّر
يا مورثًا أباءه شرفًا ليوم الحشر يذكر
لك سيرةٌ مع عدلها بأس فمن كسرى وقيصر
ولك الجمال مع الجميـ ـل فمنظر حسنٌ ومخبر
يا عبد مولانا الإما م جلال ظلِّ النَّعت أشهر
أوتيت في الدُّنيا به شرفًا وفي أخراك أكثر
فإن أصطفاك لنفسه فليسعدنَّ بمن تخيَّر
فافخر على الدُّنا بنفـ ـك أو به فكفاك مفخر
وتهنَّ صومًا حزت فيـ
_________________
(١) ÷ ثواب من صلَّى وافطر وبقيت ما بقي الثَّنا ء عليك منصورًا مظفَّر وقال أيضًا يمدحه، ويذكر وصول رسول الكرج إليه: [من الكامل] /١٦٣ أ/ صن ناظرًا مترقبّا لك أن يرى فلقد كفى من دمعه ما قد جرى يا من حكى في الحسن صورة يوسف آه لو أنك مثل يوسف تشترى تعشو العيون لخدِّه فيردُّها ويقول: ليست هذه نار القرى يا قاتل الله الجمال فإنَّه مازال يصحب باخلًا متجبرًا يا غصن بانٍ في نقا رملٍ لقد أبدعت إذ أثمرت بدرًا نيِّرا
[ ٣ / ٢٣٨ ]
ما ضرَّ طرفك لو أكون مكانه فقد اشتبهنا في السَّقام كما ترى
أترى لأيَّامي بوصلك عودةً ولو أنَّها في بعض أحلام الكرى
زمنًا شربت زلال وصلك صافيًا وجنيت روض رضاك أخضر مثمرا
ملكتك فيه يدي فحين ملكتها لم ألق إلاّ حسرةً وتذكرا
لي مقلةٌ مذ غاب عنها بدرها ترعى منازله عساها أن ترى
لولا إنسكاب دموعها ودمائها ما كنت بين العاشقين مشهَّرا
فكأنَّما هي كفُّ موسى كلًّما نثر اللُّجين أو النُّضار الأحمرا
استغفر الله العظيم فإنَّني شبهت بالنَّزر القليل الأكثرا
ملكٌ توقَّد سيفه وجرى دمًا فعجبت للنِّيران تطفح أبحرا
من معشر فخرت أوائلهم بهم كفخار آدم بالنَّبي مرخَّرا
/١٦٣ ب/ تنبو المسامع عن مديح سواهم إذا كان أكثره حديثا يفترى
بيض الأيادي حمر أطراف القنا يود العجاج تحلُّ ربعًا اخضرا
الأنس تهدى للقرى بدخانه والوحش تشبع حيث يعقد عثيرا
فإذا حبا ملأ المنازل نعمةً وإذا سطا ملأ البسيطة عسكرا
منع الغوادي باشتباك رماحه عن تربه وسقاه غيثا أحمرا
فلذاك أثمر أيديا وجماجمًا وقنًا بلبَّات الرِّجأل مكسَّرا
يقظٌ حفيظٌ القلب إلَّا أنًّه ينسى مكارمه إذا ما كررَّا
معسول أطراف الحديث كأنَّما يسقي المسامع مكسرًا أو سكَّرا
إنِّي لأقسم لو تجسد لفظه أنفت نحور الغانيات الجوهرا
لو كان في الزَّمن القديم مخاطبًا للنَّاس لم يبعث رسولًا في الورى
ودليله الكج الَّذسن برِّبهم كفروا وفضلك بينهم لن يكفرا
جحجَّوا لقصرك مثل قبَّة قدسهم ورأوك فيها كالمسيح مصوّرًا
فهنالك الملك العظيم معفَّرًا وجهًا تخال التُّرب مسكًا أذفرا
كم ناظرٍ أرسدت ليلة صومنا قد كان في جوِّ السَّماء محيَّرا
[ ٣ / ٢٣٩ ]
يا ناظري بن إلى هلال مانع للزاد موسى البدر مبذول القرى
/١٦٤ أ/ رمضان ضيفٌ سار حولًا كاملًا حتَّى رآك مسلَّمًا مستبشرًا
وافاك مبتهجًا ضيفٌ ببرِّك والتُّقى ومضى لما أوليته متشكرًا
فتعنَّ عبدًا أنت حقًا عيده يا خير من صلَّى وصام وأفطر
وقال أيضًا يمدحه: [من الوافر]
أمانًا أيُّها القمر المطلُّ ففي جفنيك أسيافٌ تصلُّ
يزيد جمال وجهك كلَّ يومٍ ولي جسدٌ يذوب ويضمحلُّ
وما عرف السقام طريق جسمي ولكن دل من أهوى يدلُّ
يميل بطرفه التُّركيَّ عنِّي صدقتم إنَّ ضيق العين بخل
إذا نشرت ذوائبه عليه ترى ماءً يرفَُ عليه ظلَُ
وقد يهدي صباح الخدِّ قومًا بليل الشَّعر قد تاهوا وضلَّوا
أيا ملك القلوب فتكت فيها وقتلك للرعيَّة لا يحلُّ
قليل الوصل يقنعها فإن لم يصبها وابلٌ منه فطلُّ
أدركاس المدام على النَّدامى ففي خدَّيك لي راحٌ ونقل
فنيراني بغيرك ليس تطفا وأسواقي بغيرك لا تسلُّ
بمنظرك البديع تدلُّ تيها ولي ملكٌ بدولته أدلُّ
/١٦٤ ب/ أبو الفتح الكريم الطَّلق موسى فتّى يعطي الكثير ويستقلُّ
به اخضرَّت فجاج الأرض خصبًا فما للمحل في بلد محلُّ
أغرُّ غيره كيسًا فكيسا وملء زمانه كرمٌ وعدل
وقالوا: حفظ هذا المال عقلٌ فقلت: نعم وبعض العقل جهل
فليس تزمُّه إلَّا مطايا إلى أبوابه تنصى وسبل
تملكه البلاد قنًا وجردًا وبترٌ من يطاولها يذلُّ
إذا انبثَّت عساكره اتسِّاعًا تضايق دونها حزنٌ وسهل
[ ٣ / ٢٤٠ ]
بوارقها لعين الشمس داء وعثيرها لعين الشمس كحل
لمولانا الخليفة فيه رأي حديد لا يصل ولا يفل
تأمل في الكنانة منه سهمًا سديدًا لا يطيش ولا يزل
ففتاه وأرسله اختصاصًا ورواه الحديث وذاك فضل
فزادت هذة النعمي ودامت عليه فإنه للخير اهل
وقال أيضًا يمدحه: [من السريع]
من سحر عينيك الامان الامان قتلت رب السيف والطيلسان
/١٦٥ أ/ أسمر كالريح له مقلة لو لم تكن كحلًا لكانت سنان
أهيف عبل الردف حلو اللما مر الجفا قاس رطيب البنان
ساق سها رضوان عن حفظه ففر من جملة حور الجنان
بدر وكأس الراح شمس الضحي يا قوم ما اسعد هذا القران
توقدت جمرة لألأئها كأنها بهرام أو بهر مان
بخده أو طرفه أو جني لماه سكري لا ببنت الدنان
يا لائمي دعني فإني فتي ما ترك الحب بقلبي مكان
لا تسأل العاشق عن حاله فدمعه عن حاله ترجمان
لولا دموعي والضني لم أبح قد ينطق المرء بغير اللسان
اعزني موسي ولولا هوي معذبي ما ذقت طعم الهوان
الملك الأشراف شاه أرمن مظفر الدين كريم الزمان
والله لو قيس به حاتم لقل ما قد قيل فيه وهان
ذا يملأ الارض بإحسانه وذاك يمتن بملئ الجفان
يروي العلا عن نفسه عن أب عال فما في نصه عن فلان
قد نظم الله له نسبةً كالدر تجلوه ونحور الحسان
/١٦٥ ب/ طلق الندي طلق المحيا وطلق السيف طلق الامر طلق اللسان
له علي وقع الظبي هزة إذا التقي الجمعان يوم الرهان
[ ٣ / ٢٤١ ]
صلت وصلت في رؤوس العدا كأن في الآذان منها أذان
مولاي جد وأنعم وصل واقتدر وافتك فما تفرح أم الجبان
واركب جواد الدهر واسبق إلى ما تشتهيه قد ملكت العنان
دمتم بني أيوب في نعمة تجوز في التخليد حد الزمان
والله لا زلتم ملوك الوري شرقًا وغربًا وعلي الضمان
وقال يمدح القاضي أبا علي، عبد الرحيم بن علي البيساني من قصيدة: [من الخفيف]
قمت ليل الصدود الا قليلا ثم رتلت ذكركم ترتيلا
ووصلت السهاد قبح وصلًا وهجرت الرقاد هجرًا طويلا
مسمع كل عن سماع عذولي حين ألقي عليه قولًا ثقيلا
وفؤاد قد كان بين ضلوعي أخذته الاحباب أخذا وبيلا
قل لراقي الجفون إن لعيني في بحار الجفون سحًا طويلا
/١٦٦ أ/ ماس عجبًا كأنه ما رأي غصـ ـنًا طليحًا ولا كثيبًا مهيلا
وحمي عن محبه كأس ثغر حين أمسي مزاجها زنجبيلا
بان عني فصحت في أثر العيـ ـس أرحموني ومهلوهم قليلًا
أنا عبد للفاضل بن علي قد تبتلت للثنا تبتيلا
لا تسمه وعدًا بغير نوال إنه كان وعده مفعولا
وإذا كان خصمك الدهر والحكـ ـم إلى الله فاتخذه وكيلا
إن مدحي له أشد وطاءً وقريضي أقوي وأقوم قيلا
[ ٣ / ٢٤٢ ]
جل عن سائر الخلائق مدحًا فاخترعنا في مدحه التنزيلا
وقال من قصيدة: [من الرجز]
يا طيف يا أكرم ضيف قد طرق لمثله تعقرا أجفان الحدق
تراكضت خيل دموعي ودمي في حلبة الخد فللحمر السبق
جدت فلولا أن أراك زائرًا ما عتقت عيناي من رق الأرق
هل من سبيل أن أروي عطشي من برد الثغر الَّذي قد اتسق
مهفهف جبينه وشعره ينتسبان للصباح والغسق
خضرة خديه ربيع ناظري كالغصن في اول إخراج الورق
/١٦٦ ب/ حلو اللما يميل من خمر الصبا طوبي لمن قبله او اعتنق!
حذار من جمرة خديه فقد تجاسر الخال عليها فاحترق
يا ايها العاذل ما لي سلوة عنه ولا حبي له كيف اتفق؟
دع الفؤاد عند ذكر حبه يخفق فالعذر له إذا خفق
ما كنت يا طيب زمان وصلنا من دولة الصاحب غلا مسترق
وقال من اخري: [من الكامل]
خذ من حديث شؤونه وشجونه خبرًا تسلسله رواة جفونه
لولا فصيحة قلبه بدموعه ما زال شك رقيبة بيقينه
واغن تؤيسني قساوة قلبه منه ويطعمني تعطف لينه
مازال يسقي خده ماء الحيا حتي جنيت الورد من نسرينه
وإذا وصلت بشعره قصر الدجي هحم الصباح بوجهه وجبينه
خفر الدلال أضمه وأهابه لوقاره وحيائه وسكونه
قالت روادفه ولين قوامه إياك عن كثب الحمي وغصونه
[ ٣ / ٢٤٣ ]
ساق صحيفة خده ما سودت عبثًا بلام عذاره وبنونه
جمد الَّذي بيمينه في خده وجري الَّذي في خده بيمينه
/١٦٧ أ/ طاب الصبوح كأنما عجن الصبا كافور مزنته بعنبر طينه
وتفضضت أزهاره وتذهبت فكأنها الطاووس في تلوينه
والطير تنشد باختلاف لغاتها موسي أدام الله في تمكينه
ملك بأسرار الغيوب مكاشف فظنونه تغنيه عن جبرينه
موسي الَّذي أغنت شهامة عزمه أن يستمد النصر من هارونه
وقال ايضًا: [من الطويل]
نديمي ماس في سندسيه واظهر ما اخفي لنا من حليه
وبان بجيد الغصن والفجر طالعٌ من الطل عقد حل في جوهريه
وألقي الضحي في فضة النهر تبره فأثري الثري بالنور من عسجديه
هو السيف إن أصداه ظل غصونه فألقي شعاع الشمس علي قمريه
سقي الراح مثل الراح من ريق ثغره وأين حباب الخمر من لؤلؤيه؟ !
إذا ما جنت عيناه قاصصت خده فلا برء لي إلا بلثم
وقال يمدح: [من الخفيف]
/١٦٧ ب/ ويح قلب المحب ماذا يقاسي كل قلب عليه كالصخر قاسي
يا جفوني أين الدموع فقد أحـ ـرق قلبي توقد الأنفاس
جد وجدي بحب لاه وأودي بفؤادي تذكاره وهو ناسي
من بني الترك لين العطف قاسي الـ ـقلب سهل الخداع مر المراس
ضيق العين وهي من صفة البخـ ـل فإن جاد كان ضد القياس
[ ٣ / ٢٤٤ ]
جذب القوس فاكتست وجنتاه ثوب ورد طرازه من آس
ورمي عن قوسين سهمين هذا في فؤادي وذاك في القرطاس
فهو تحت السلاح ليث عرين وهو فوق الفراش ظبي كناس
يا نديمي بالله غن بذكرًا وموه عن ريقه بالكاس
اقتطف زهرة الزمان فما جلق إلا للهو والإيناس
حبذا النيربان من نهر ثوري واخضرار المروج من باناس
والنسيم الَّذي يمر علي الغو طه ريان عاطر الانفاس
بلدة حلها الوزير فمرعا ها خصيب والناس في أعراس
كل لرأئيه قل أعوذ برب النـ ـاس هذا الوزير رب الناس
هيبة تملأ الصدور وشخص تمتلي منه أعين الجلاس
/١٦٨ أ/ دبر الخافقين لا حرج الصدر ولا خائفًا من الإلباس
وتولي برأيه راية الكفر قولت نكسًا من الانكاس
وقال أيضا: [من مجزوء الرجز]
لماك والخد النضر ماء الحياء والخضر
اخذتني يا تاركي اخذ عزيز مقتدر
احلت سلواني علي ضامن قلب منكسر
ونمت عن ذي أرق إذا غفا النجم سهر
وماء عيني التقي لا برحت علي قدر
ما نصبت اشراك الـ ـحاظك إلا للحذر
قلبي علي الترك بهذا الهاشمي يفتخر
ولي عهد البدر إن غاب فأني المنتظر
[ ٣ / ٢٤٥ ]
خلعت إذ بايعته عذار من لا يعتذر
في خلقه وخلقه طبع الغزال والنمر
ترعاه أحداق القنا فكيف ما سار تسر
إن طريق ناظري إلى محياه خطر
/١٦٨ ب/ وقال أيضًا: [من الطويل]
خدمت بديوان المحبة ناظرًا علي غرة يا ليتني فيه عامل
وحاسب فرط السقم جسمي فلم تكن بواقيه إلا أعظم ومفاصل
وقال في ثبي يهودي: [من السريع]
من آل إسرائيل علقته أسلمت نفسي للأسي فيه
أنزلت السلوي علي قلبه وأنزل المن علي فيه
وقال في مغن: [من المنسرح]
اصبحت في خدمة الغرام ولي جار من العيش مطلق هامل
قلبي بباقي هواه منكسر وحمل همي لأجله واصل
وقال يمدح الامام الخليفة الناصر لدين الله، أبا العباس أحمد – ﵁ -: [من الخفيف]
انست بالعراق برقًا منيرًا فطوت غيبهًا وخاضت هجيرا
واستطابت ربا نواسم بغدا د فكادت لولا البري أن تطيرا
ذكرت من مسارح الكرخ روضًا لم يزل ناضرًا وماء نميرًا
/١٦٩ أ/ بلغينا دار الخلافة يانا ق لنقضي بعد السجود النذورا
عتبات ترابها ينبت المجـ ـد وجو بالجود أضحي مطيرا
[ ٣ / ٢٤٦ ]
قبلتها الملوك حتي شككنا أحصي في رحابها أم ثغورا
يا إمام الهدي سلامًا سلامًا كان فيهم مقسمًا منثورا
أهل بيت قد اذهب الله عنهم كل رجس وطهروا تطهيرا
انت آل النبي خابت صلاة لم تكن في خلالها مذكورا
قرن الله اسمه باسمك العا لي فزادا جلاله وطهورا
فهو عقد علي صدور التحيا ت وتاج حلي به التكبيرا
يا معيني إذا دجت ظلمة القبـ ـر وخاطبت منكرًا ونكيرا
يا مجيري إن خفت يومًا عبوسًا مكفهرًا مستصعبا قمطريرا
يا معيني والنار توقد بالنا س وترمي شرارها المستطيرا
بولائي أمنت من سيئاتي يوم ألقي كتابي المنشورا
يا دليلي علي السراط إذا ما دهش الخوف ناظري فيحيرا
فيك سر لولاك ما خلق الله علي الناس جنة وحريرا
قد هدانا بك السبيل فإما مؤمنًا شاكرًا وإما كفورًا
/١٦٩ ب/ فعليك السلام يا أقرب النا س لمن جاء شاهدًا ونذيرا
وقال يمدح الملك الاشرف موسي بن محمد بن أيوب بن شاذي: [من المنسرح]
يا بارقًا اذكر الحشا حزنه منزلنا بالعقيق من سكنه
ومرتع اللهو يانع خضر أم غير الدهر بعدنا دمنه
يا برق هذا جسمي يذوب ضنًا ومهجتي بالعقيق مرتهنة
يا برق اشكو عساك تخبرهم وكل من هام يشتكي شجنه
بلغ حديث الحمي وساكنه لمغرم أنحل الهوي بدنه
أسمعه ذكر الحبيب مقتربًا فقد اصمت عذاله أذنه
[ ٣ / ٢٤٧ ]
هم آنسوه لكن بوحشتهم ونفروا عن جفونه وسنه
أشقي المحبين عادم وطرًا فكيف ان كان عادمًا وطنه؟
لو بيع يوم منها وكيف به كنت بعمري مسترخصًا ثمنه
اليك يا عاذلي فلست أنا أول صب جمالهم فتنة
فكم لنفسي علي سيئةً وكم لموسي علي من حسنه
مجازف في عطاه آمله محرر الرأي عند من وزنه
/١٧٠ أ/ للجود والشكر خازن أبدًا ولم يصن ماله ولا خزنه
مؤيد الرأي، من ينافسه تحت حضيض الخمول قد دفنه
لو لم يقيض للجود راحته لم تعترف فرضه ولا سننه
له بنان تسدي لنا منحًا ومن يعاديه يشتكي محنه
[٣٩١]
عليُّ بن أحمد بن عثمان بن وهب بن عمر، أبو الحسن، المعروف بابن الجمَّاس.
كان مولده بقرية من قرايا دجيل؛ تسمي حصاية، قدم هو وأبوه من العراق، وأقام بقرية من قري إربل، تدعي باكلبا؛ وتزوج بها وولد له.
وكان مدة معلم صبيان؛ ثم فتح الله عليه بالشعر، فمدح به السوقة والشاه ومقدمي النواحي، واشتهر كلامه، واستجاده اهل الادب، ثم سافر إلى الشام طامعًا فيما عند الملك الاشرف شاه أرمن أبي الفتح موسي بن ابي بكر محمد بن أيوب، فتوفي بحران في شهر رمضان من سنة تسع وستمائة، ودفن بها.
أنشدني الوزير الصاحب /١٧٠ ب/ أبو البركات المستوفي – ﵀ تعالي -؛
قال: أنشدني أبو الحسن بن الجماس لنفسه من قصيدة أولها: [من الكامل]
صب عراه من الصبابة ما عري وسري الخيال بقلبه لما سري
عبث السقام بجسمه فأعاده نضوًا وصيره الفراق كما تري
[ ٣ / ٢٤٨ ]
رشا أراك الفرع ليلًا مظلمًا وأراك نور الشعر صبحًا مقمرا
قابلته فرأيت بدرًا مشرقًا تحت الظلام يغض طرفا أحور
وضممته فوجدت غصنًا ناضرًا ولثمته فوجدت راحًا مكسرا
في ليلة لولا حار رقيبها كادت لطيب نعيمها أن تقصرا
ومنها في المديح:
قوم ينادي في الظلام نذيرهم يا طارق البيدا إلى [أم] القري
رسخوا جبالًا واستضاؤوا أنجمًا وسط واستفاضوا لأبحرا
وعباب سيل سيوفهم يغني الوغي وعباب سيل أكفهم يغني الوري
وأنشدني القاضي أبو عبدالله محمد بن علي بن محمد الكفر عزي؛ قال: أنشدني الحسن بن الجماس له:
[من البسيط]
/١٧١ أ/ أما الخليط فقد زمت نواجيه فما لدمعك ما تهمي هواميه
هذا الكثيب الَّذي كان الفريق به وهذة ساحة الوادي وشاطيه
يا صاحبي قفا بالربع نقض له حقًا فللربع حق لا نؤديه
أفديه من طلل ناجيته حرقًا لو كان يعقل نجوي من يناجيه
لقد رنا لبكائي لبلواي جاذره ولا اصاخت لشكواي جوازيه
إني لأنكر هذا الربع حين خلا من البدور التي عاينتها فيه
ما اظلم الدار مذ غابت أهلتها وأوحش الربع مذ بانوا اهاليه
نادي مناديهم بالبين فارتحلوا عن الحمي وثوي فيه أثافيه
أقول للقلب لما إن وقفت به هذا لحمي أين حاميه؟
إن كان قد نحلت مثلي معالمه أسي فلم لا بكت مثلي جوازيه؟
وبالديار سقيم لا يعلله بجانبيه ولا الدالي يدانيه
إذا تذكر جيران العذيب رقت أنفاسه حين لا ترقي ماقيه
حياته موته وجدًا وصحته سقامه ومناياه أمانيه
ومتلفي بتلافيه وقد قنعت روحي بطيب تلافي في تلافيه
/١٧١ ب/ أنا الَّذي عرف البلوي ومارسها بالصبر حتي حلت عندي مجانيه
[ ٣ / ٢٤٩ ]
وأنشدني أبو العباس أحمد بن داود بن بلال الإربلي؛ قال: أنشدني ابن الجماس لنفسه في القاضي تاج الدين جعفر بن محمد الكفر عزي: [من البسيط]
ليس الزمان علي حال بمنفرد فاغضض علي كمد إن كنت ذا كمد
ولا الضرار وإن طال المطال به ولا النعيم بمقرون مع الأبد
والعسر واليسر أوقات مقررة فإن رأيت رخًا لابد من نكد
وليس من شدة الا لها فرج ما بين يومك محتوم وبين غد
فإن بليت بها يومًا فكن رجلًا واصبر فإن عقيب الصبر كالشهد
ولا اري لك في الدنيا أخا ثقة إذا تبين نصحًا منك قال: قد
ومن يواسيك في بؤس وفي رغدٍ واين من يستوي في البؤس والرغد
والناس أكثرهم شوك بلا ثمر وإن يكن ثمر في الشوك لم يفد
ما ليس تدركه بالسيف عندهم فكيف تطلبه بالنفث في العقد
لقد عبثت بأبناء الزمان فما وجدت ذا خلق أطوي عليه يدي
/١٧٢ أ/ إلا بقية قوم أنت مجدهم بجعفر فوق كيوان علي عمد
مولاي جعفر تاج الدين خذ بيدي فأنت لي وعليك الدهر معتمدي
انهي إلى علمك المحروس ما اخذت يد المشقة من قلبي ولم تعد
كم من قلائد در قد نظمت علي من ليس يفرق بن الدر والبرد
حتي وضعت تقاصيري علي رجل يضيع في بلد واهًا لذا البلد
قوم علي رشد ظنوا فأكثرهم ندي لفظ بكف منه غير ندي
وآخرون علي جهل بهم منعوا فضاع منهم بين الجهل والرشد
يا أوحد الناس ما قلبي بمعتمدٍ علي سواك ولا كفي بمنعقد
[ ٣ / ٢٥٠ ]
[٣٩٢]
عليُّ بن سالم بن محمَّدٍ، أبو العباس العباديُّ الشنينيُّ الحديثيُّ.
من الحديثة_ بلدة على طرف الفرات - كان من قرية من أعمالها تدعى الخزانة.
وكان شاعرًا كثير الشعر، منتجعًا بشعره، واسع النفس في عمله يحفظ صدرًا جيدًا من اللغة، صفرًا من علم الأدب والعربية؛ كان يفد إلى بغداد، ويمدح الملك المعظَّم/١٧٢ ب/ أبا الحسن على بن أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبى العباس أحمد﵄- وغيره من رؤساء الحضرة والأمراء.
أدركت أيامه، وأنا جنيد مقيد ببغداد وهو بها؛ ولم يقدّر الاجتماع به لمرضٍ لحقني، فلما أبللت منه، سافر إلى وطنه، وذلك في سنة اثنتين وعشرين وستمائة وخبرت انه توفي هنالك.
أنشدني أبو بكر محمد بن عبد الغني بن نقطة البغدادي؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه: [من البسيط]
همُّ الفتى في طلاب المجد متَّصل وصادق العزم مقرونٌ به الأمل
والمرء ساعٍ فإما بالغٌ أملًا أو قاصرٌ يختليه دونه الأجل
فانهض إلى شرف العليا وكن رجلًا تسمو به هممٌ من دونها زحل
ولا تخف ما تخاف اليوم من عنت في مأزق لجبٍ يعنو له البطل
فالعمر منتهبٌ والغمر مستلبٌ والعيش مقتضبٌ أيامه دول
لا تقنعن بالأماني والخمول فما نال المعالي قديمًا معشرٌ خملوا
[ ٣ / ٢٥١ ]
ولا حوي السَّبق في الغايات منسدرٌ مواظبٌ في الملاهي عاجزٌ وكل
ولا تقم بديار الهون مقتنعًا ببلغة في المعالي أصلها النفل
لولا مفارقة الأغماد ما شكرت بيض الصِّفاح ولا الخطِّيِّة الذُّبل
/١٧٣ أ/ وقد بليت بأقوام ذوي حمقٍ علي الغبا وعدوات النهي جبلوا
عميٌ عن الحقِّ مفتوحٌ عيونهم إلى معايب قومٍ عنهم شغلوا
والحرُّ ممتحنٌ. . . . . وذو النُّهي والتُّقي مغري بت السَّفل
عداوةٌ بين أهل العلم قاطبةً وصدِّهم ليس في إصلاحها عمل
وقال يمدح بعض الأمراء، واسمه كج قندي: [من الكامل]
بدرٌ جلا بجماله الحنديسا وجلا علينا في الكؤوس شموسا
ذهبيَّةٌ عقد الحباب بكأسها تاجًا تخال شعاعه مقبوسا
فتك اللٍّحاظ تجوب في وجناته ماءٌ ونار جراحه لا توسى
ما هزَّ غصن قوامه في مجلسٍ إلا وأضرم في القلوب وطيسا
لبس العيون من الملاحة حلَّةٌ وأذاب من وجد عليه نفوسا
يبدوا فيسجد كلُّ حسنٍ في الورى ويظلُّ من فرط الحياء حبيسا
حاز الصٍّفات كحوز كوج قندي العلا حتَّى سماكيوان والنَّرجيسا
الباذلٍ المعروف قبل سؤاله والتَّارك البطل الكميٍّ فريسا
تتقاصر الأوهام دون صفاته وتخال عقل ذكيٍّها مألوسا
/١٧٣ ب/ ما سلَّ سيف العزم يوم كريهة إلاَّ وفاقت الجسوم الرَّوسا
أسدٌ فرائسه الأسود إذا الوغى زينت عن النَّشب النَّفيس الشُّوسا
يصطاد كلًّ هزبر غاب أهيسٍ يصطاد إن عزَّ الحصيد الهيا
وافي بعين اللَّيث عين كريهة شثن البراثن ضيغمًا دعِّيا
تعدو السَّوابق حين يزأر جفَّلاَّ عنه تكاد من الجراء تكوسا
أشبهت ايبك في الخلال وطالما ولد النَّفيس من الملوك نفيسا
[ ٣ / ٢٥٢ ]
ملكٌ تدين له الملوك محبَّةٌ قربًا وبعدًا سائسًا ومسوسا
أربى على هرمٍ ومعن وحاتمٍ كرمًا وطال علًا أبا قابوسا
عمَّ الخزانة والقصر بجوده عفوًا وعمَّ بعدله آلوسا
يا شمس دين الله دونك حرَّةٌ تحكى بحسن صفاتها بلقيسا
تأتي الكرام فيعرفون محلَّها علمًا وتأبي أن تزور خسيسا
من شاعرٍ سبك الكلام وصاغه درًّا ورصَّع جوهرًا ولبيسا
فاسلم له ولكلِّ جالب مدحة لا يعرف الدَّعوى ولا التَّلبيسا
ما لاح وضَّاح الصَّباح وما دجًا ليلٌ ورفَّعت الحداة العيسا
وقال أيضا يمدحه ويهنئه بعيد الفطر: [من الكامل]
/١٧٤ أ/ كتم الغرام فنمَّ دمع شجونه وشى إلى الواشين عن مكنونه
والدَّمع أعدل شاهد أبدى الهوَّى من وامق وأذاع سرَّ جفونه
في حبِّ معتدلٍ القوام مهفهف يذري بنور البدر نور جبينه
لبس العيون من الملاحة حلَّةٌ ما حاطها إلاَّ بدمع فتونه
فغدت قلوب الخلق طوع شماله عشقًا لصورته وطوع يمينه
جمعت صفات الحسن فيه بأسرهأ وغني بأدنى الحسن عن تحسينه
لو كان يعدى خلقه من خلقه أعدى قساوة قلبه من قلبه
وأرقَّ للصبِّ الكئيب فؤاده وأضافه المضنون من ماعونه
وزكاة ربِّ الحسن واجبةٌ على حكم الهوى عطفًا على تمكينه
لولاه ما بات الغرام ملازمي والُّسُّقم ينحلني لسقم جفونه
ومديح شمس الدِّين كج قندي غدا همِّي لأقضي شكر بعض ديونه
الباذل المعروف قبل سؤاله والقاتل الضِّرغام وسط عرينه
والتَّارك البطل المدِّل ببأسه يوم الوغى يكبوا على عرنينه
ما واجه اللَّيث الهزبر بمعرك إلاَّ وجرَّعه كؤوس منونه
تتجمَّل الدُّنيا بكلِّ متوَّج فيها بفضل عفافه وبدينه
/١٧٤ ب/ ويطيع خالقه ومالك أمره وأباه في حركاته وسكونه
لا ينثني يوم النِّزال إذا اكتنى في مأزق إلا بروح طعينه
[ ٣ / ٢٥٣ ]
يا ماجدًا فاق الملوك بحلمه وبعلمه إذ حاز عشر سنينه
إن رمت مدحك فالصِّفات معينةٌ في نظم أبكار القريض وعونه
فاسعد بعيد الفطر وابق مؤيدًا بشيوع نصر سار ذكر مبينه
ما حرَّك الدَّوح النَّسيم وما دعا ورق الحمام على فروع غصونه
وقال أيضًا يمدح: [من الخفيف]
أسفر الجدُّ في بروج السُّعود وسما في العلاء عالي الصُّعود
وبدا المجد فوق كيوان قربًا بعد كيوان عن محلِّ الصَّعيد
شرفٌ باذخٌ ومجدٌ أثيلٌ وفخارٌ ما فوقه من مزيد
والمعالي ما أنتجت بالعوالي بين خطف الظًّبى وخفق البنود
ونوال مواصلٍ بنوالٍ لقريبٍ من الورى وبعيد
كنوال الملك المنيل فلان الدّين خدن العلا المحيد المجيد
النَّجيِّ الوفيِّ لله بالعهد وللنَّاصر الإمام الرَّشيد
ملكٌ همُّه ابتداع معالٍ لم تنلها أيدي الملوك الصِّيد
/١٧٥ أ/ ملكٌ وصفه يجلُّ عن الوصف لذي فطنة كرمل زرود
ملكٌ صدره تضيع به الدُّنيا اتِّساعًا في كلِّ خطب كؤود
من ملوك التُّرك الَّذي يعقد الملك لهم صغرةٌ بطون المهود
ونشا مذ نشا يسوس أمور النَّاس عدلًا بحسن رأيٍ سديد
ورآه الإمام ناصر دين الله أهلا لكلِّ فعلٍ حميد
يقظًا عالمًا حليمًا رحيمًا ذا وفاءٍ مغري بحفظ العهود
فحباه الفرات ملكًا ورفقًا للرعايا وحفظ الجنود
فحماها بنائلٍ وحسامٍ وبعدل وردِّ كلِّ شديد
وغدا ذكره حميدًا بمصرٍ وتعدَّىَّ في الخلق أرض زبيد
يا مليكي ومن سما كلَّ ملكٍ في البرايا بنشر عدل وجود
هكذا هكذا نوالك للخلق مباحٌ في كلِّ يومٍ كعيد
[ ٣ / ٢٥٤ ]
وأمير وفاك في طلب المجد ونجح المرام بالتَّأييد
فاق أضرابه سماحًا وبأسًا وانتسابًا إلى جناب سعيد
ناظمًا نفسه بسلك معاليك ليحظى بحظَّك المسعود
فأتحفنه إتحاف موسى شعيبًا درَّةً من نفيس درَّ فريد
/١٧٥ ب/ ساد آباؤها جميع وأجدادها جميع الجدود
في ظلال الإمام ناصر لدين الله والمرتجى ليوم الخلود
فابق في نعمةٍ وفي عزِّ ملكٍ واقتدارٍ وسعد جدِّ جديد
وقال أيضًا: [من الطويل]
أعيذك من قلبي المعنَّى ووجده وجسمي على طول البعاد وجهده
وطرف متى ما شام للشام بارقًا تتابع عقد الدَّمع من حلِّ عقده
وخلَّ متى ما حان إَّبان وصله تعرَّض صرف الحادثات لصِّده
أطيع الهوى فيه واعصي عوازلي وارضي من الطَّيف الطَّروق بوعده
كانَّ مذاب الشَّهد رف رضابه كأنَّ جنيُّ الورد توريد خدَّه
تزاحم فيه الحسن من كلِّ خلقه وقدَّ قضيب الخيزرانٍ بقدِّه
شهيُّ اللَّما عذب المباسشم أحورٌ
يصيب قلوب الخلق سهم لحاظه ويصمي على قرب وبعده
رعى الله أيَّام الوصال وقربه وعيشًا فقدت النَّوم في حال فقده
فلا وجد [عندي] دون وجدي ببينه ولا وجد إلاَّ بعض وجدي بوجده
/١٧٦ أ/ علقت به طفلًا وليدً فإنَّني فتى ليس يسلوه إلى رمس لحده
وكلُّ هوى يسلى سوى إلفة الصِّبا وكلُّ محبً حبُّه مثل ودِّه
خلقت وفيًا حافظًا كلُّ صحبة مقيمًا مدى الدًّنيا على حفظ عهده
كحفظ أبي الغارات كج قندي العلا بحدِّ الظًّبى والجود جزلًا لوفده
ومن يحمل اللَّيث الهصور لباسه ومن يخجل الغيث السَّحوح لرفده
ومن نظر الأقوام فيه شمائلًا تدلًّ بعظم القدر من وقت مهده
ومن همُّه كسب المحامد والعلا تراثًا وكسبًا عن أبيه وجدِّه
[ ٣ / ٢٥٥ ]
ومن طال أرباب المعاقل همَّةٌ وطال النُّجوم الزَّهرات بمجده
إذا ما اكتنى في مأزق متضايقٍ تثعلب أهل الحرب من عظم شدِّه
وإن جال فالآجال طوع مراده وإن صال فالأبطال صرعى لحدِّه
حبا مذ حبأ واحتلَّ ناصية العلا وانطق جدواه الأنام بحمده
.. رأى منه الإمام مهذَّبًا وفيًا محبًا خالصًا عند نقده
يطول الملوك نائلًا وفضائلا ً وحلمًا وفهمًا يستضئ بوقده
تهنَّ بسعد العيد وابق مؤيدًَّا بنصرٍ يدين العالمين بجدِّه
مدى الدَّهر ما ناح الحمام وما رسا شمامً وما سار الغمام برعده
/١٧٦ ب/ وقال من قصيدة: [من البسيط]
ظبيٌ من الأنس يهواني وأهواه يشوقني منه رؤياه وريَّاه
إذا بدا سجد الحسن العميم له ودانه الخلق من راه وما راه
مورَّد الخدِّ لدن القدِّ قد طبعت على سقام فتى عاناه عيناه
ما سلَّ سيف لحاظ يوم المعركه إلاَّ وجدل في ملقاه ملقاه
ولابد للورى يختال في حللٍ إلاَّ وأصمى بمغزاه ومعزاه
فجمَّع الحسن فيه كلَّ مفترقٍ من الصِّفات فأصفاه وصفاه
يقلّ ليلًا على صبحٍ على غصنٍ على كثيب نقًا لو تاه واتاه
لو مرَّ يومًا على ميت له سنةً في القبر ملقى وحيَّاه لاحياه
لام العوازل لي فيه ولو علموا ماذا أذان اللَّما فيه لما فاهوا
يزوروني وهو مزورُّ على عجلٍ خوف الرَّقيب وأغشاه وأخشاه
وينثني وغرامي فيه مستعرٌ خوفًا عليه لما أهواه أهواه
يأتي إلى على بعد المزار فيا لله ما طيب مسراه وأسراه!
لو لاح للبدر في تمِّ لأخجله أو مرَّ بالضَّخر خدَّاه لخدَّاه
يفترُّ عن برد عذب مراشفه لو يستطيع محلاَّه لحلاَّه
/١٧٧ أ/ أهوى هواه ويهو ما هويت ومن أصفيه وديا ومن أرعاه أرعاه
[ ٣ / ٢٥٦ ]
[٣٩٣]
عليُّ بن محمَّد بن عليٍّ، أبو الحسن النيريزىُّ.
بكسر النون وتسكين الياء المعجمة باثنتين من تحتها، وبعدها راء مهملة ثم ياء معجمة باثنتين من تحتها، وبعدها زاي معجمة. قرية من أعمال شيزار؛ كان أبو الحسن يتولى خطابتها.
وكان عالمًا فاضلًا فقيهًا محدِّثًا شاعرًا؛ له خطب وأشعار، وتصنيف في كتاب الله تعالى؛ روى عن أبي المبارك عبد العزيز بن محمد بن ابراهيم الشيرازي الآدمي، كتب عنه أبو عبد الله محمد بن سعيد بن الدُّبيثي، وأبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي ببغداد
وكانت ولادته في سنة ثمان عشرة وخمسمائة بتبريز، ونشأ بشيراز؛ وتوفي سنة اثنتين وستمائه.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن سعيد الدبيثي؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه [من الطويل]
تقوَّست من سهم رماني به السِّحر وصرت هلالًا في فراقك يا بدر
جلا وجهك الوضَّاح ليلة وصله وسوَّد ليلي مثل طرَّتك الهجر
/١٧٧ أ/ وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]
ألمَّ بنا طيفٌ يجلُّ عن الوصف وفي طرفه خمرٌ وخمرٌ على الكفِّ
وقال أبو الحسن القطيعي؛ أنشدني علي بن محمد النيريزي: [من الرمل]
دخل البستان يومًا يلعب وحشاه للطوى يلتهب
[ ٣ / ٢٥٧ ]
قال: لمَّا نيل [من] معروشه حامضٌ والله هذا العنب
[٣٩٤]
عليُّ بن محمَّد بن محمَّد بن المختار بن عمر بن المسلم بن محمد بن محمَّد بن عبد الله بن عليِّ بن عبيد الله بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، أبو الحسن الكوفيِّ.
النقيب بالكوفة. كان من أشراف عترته، وسادات أسرته، أدبًا ورئاسة، حاسبًا كاتبًا، مترسلًا شاعرًا، حسن النظم، رقيق الشعر.
أنشدني أبو عبد الله الحسين بن علي بن يوسف النيلي؛ قال: أنشدني النقيب/١٧٨ أ/ أبو الحسن علي بن محمد لنفسه من قصيدة أوّلها: [من الرجز]
عاتبتني ظالمةٌ يا عتب مذنبةٌ وقلت منك الذَّنب
وجرت في الحكم ولمَّا تنصفي إذ هو فيك مستهامٌ صبُّ
سلي نجوم اللَّيل هل زار الكرى طرفي تخبِّرك النُّجوم الشُّهب
أو لامس المضجع لي بعدكم لمَّا اجتنيت وهجرت جنب
يلوموني العاذل فيكم ضلَّةً منكم ونيران الهوى تشبُّ
قلبك مره بالسُّلوِّ عنهم وقلت هيهات فأين القلب؟
لا والَّذي حجَّت قريشٌ بيته قصدًا وما ضمَّ الصَّفا والشِّعب
والمستجير قبره بطيبة أكرم من أمَّ ذراه الرَّكب
ومر بأكناف الغريِّ إنَّه سلم الهدى حرب
ما خطر السُّلوان لي بخاطرٍ أنَّى وقلبي للغرام نهب
ولا جرى ريح الصَّبا بذكركم إلاَّ صبوت واستطار اللُّبُّ
من لي بأن يعقب بعد هجركم وصلٌ ومن بعد البعاد القرب
أو تصفر الدَّار الشَّطون بكم وينقضي يا عتب ذاك العتب
[ ٣ / ٢٥٨ ]
/١٧٨ ب/ أحبَّكم قلبي فما جزيتم غير القلى والبغض من يحبُّ
[٣٩٥]
عليُّ بن منصور بن عليِّ بن عبد الله بن رطلبن، أبو الحسن الصًّرويُّ.
من الصَّروات، قرية من أعمال الحلّة (١)؛ وكان واسطي المولد والمنشأ.
نزل مدينة السلام، وتفقّه للشافعي بالمدرسة النظامية، وصار فيه الخبز والمشاهرة.
وكان له معرفة بالأدب، وصناعة الشعر؛ وكان شاعرًا فاضلًا، لقيته ببغداد سنة ثلاث
وعشرين وستمائه، ووعدني أن يكتب شيئًا من شعره، فعاقت دون ذلك عوائق، وما عدت رأيته
ومن شعره يمدح القاضي تاج الدين أبو ذكريا يحي بن القاسم التكريتي:
[من الكامل]
لبقاء تاج الدِّين يحي ذي الحجي لذوي السيادة من خيار المرتجي
الصَّالح بن القاسم بن مفرجٍ نسبًا يردُّ اللَّيل صبحًا ما دجا
من بات يرضع ثدي كلِّ فضيلة حتي اغتدي متحرِّيًا متحرِّجًا
لذوي التَّهاني التَّهنيات هدايةٌ مادام جيش الصُّبح يطرده الدُّجي
/١٧٩ أ/ طبٌّ إذا ما الأمر أبهم وجهه أبدي له في الشَّرع وجهًا أبلجا
وإذا رأي العلماء يحجر بينهم حجرٌ وبين الحق يأبي مرتجي
رأت الَّذي آباؤه أقوالهم ونجا بت من كلِّ همٍّ ما نجا
ولكلِّ ما ألفوه أفضلهم تقًّي وأجلُّهم قدرًا وأوضح منهجا
وجدا المجاهد في الهداية مدخلًا حسنًا به ومن الضلالة مخرجا
ردَّ الزَّمان صبيح فرحة مشرقٍ ولطالما أضحى بوجه أسمجا
ما قام مجتهدًا يريد جداله إلاَّ انثنى عمَّا استخار معرِّجا
إن سابقوه إلى ابتدار فضيلةٍ يومًا أقاموا صامتيين وأدلجا
[ ٣ / ٢٥٩ ]
أو باهلوه تقاعسوا وسما بهم حكم إذا ما ضاق أمر فرِّجا
حبر إذا اجتهدوا وشادوا منزلًا في الأرض شاد على المجرَّة أبرجا
وإذا تضايقت الأمور عليهم جعلوه من بعد الإله الملتجا
ما جال في ميدان حرب حكومة إلا وحلَّ حزام من قد أسرجا
لا تطَّبيه كما أطَّبى من قبله حسن تختَّم أو تلبَّس دملجا
أيروم سبق أقبَّ أجرد سابح من كان يسبقه المعبَّد أعرجا
هيهات يدرك شأو منتعل الشَّوى في حلبة خطم القوائم ذو وجى
/١٧٩ ب/ ثان ثنى في كلِّ أرض مصنعًا للوافدين وكلِّ شعب دولجا
حتَّى حبانا بالجميل وخصَّنا بضياء دين الله معتمد الرَّجا
لا زال في ظلِّ الخلافة ما حدا حاد وما اتَّخذ الظَّعائن هودجا
أنشدني أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله البغدادي، بمدينة السلام سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه، يمدح المستنصر بالله – ﵀ -: [من مجزوء الكامل]
هبَّت إليك مع الرَّواح كهبوب أنفاس الرِّياح
بدرت فأشرق في الدُّجى من وجهها فلق الصَّباح
هزَّت معاطف قدِّها من عجبها هزَّ الرِّماح
فبدا لنا من نشرها نفحات كافور رياحي
حسناء في حركاتها برء لمختلف الجراح
نشأت على لطف الخلاعة والدُّعابة والمزاح
وألذ من حدق الرِّياض على غدير في براح
خطرت بأرجاء القراح فعطرت كلَّ القراح
/١٨٠ أ/ وسرت بعنبرها النسيم ففاح في كلِّ النَّواحي
عمَّاله لا ترتضي غير المحلَّل والمباح
[ ٣ / ٢٦٠ ]
تهوى الأميريَّ الصحيح ولا تميل إلى الصلاحي
ومحَّبة المستنصري فما عليها من جناح
ظهرت إلى عين الرَّقيب وهوَّنت قول اللواحي
وأتت وقد علمت بأنِّي من هواها غير صاحي
علقت بما ظفرت يدي وظفرت منها بالنَّجاح
قد طاب في حبِّي لها هتكي وهان بها افتضاحي
علق الفؤاد بها فما لهوى فؤادي من براح
وهوى تمكَّن في الفؤاد فما الملام له بماحي
جمع الجمال لها وفرِّق منه في كلِّ الملاح
جمع الخليفة كلَّ ما في العالمين من السَّماح
ملك يحثُّ على المكارم بابتسام وانشراح
ويجدُّ في نفع الرَّعية في المساء وفي الصَّباح
قسما بهمَّته التي أمضى من البيض الصِّفاح
/١٨٠ ب/ إنَّ الإمام طباعه خلقت من الكرم الصُّراح
أعدى الشِّحاح نواله فتسمَّحت أيدي الشِّحاح
مولى يسرُّ إذا رأى أنَّ الرَّعَّية في صلاح
وتلوح بشراره إذا ما قيل حيًّ على الفلاح
وإذا بدت عزماته في جحفل يوم الكفاح
أغنى الجيوش برأيه في الحرب عن حمل السِّلاح
فليسلمنَّ خليفة في طيب عيش وارتياح
فسلامة المنصور غاية الاختيار والاقتراح
لا زال طائر نصره بالسَّعد متَّصل الجناح
تجري بطاعته الأمور مجاري القدر المتاح
ما زيَّن الله الورى بالأوجه البيض الصِّباح
[ ٣ / ٢٦١ ]
[٣٩٦]
علي بن أحمد بن سعيد، أبو الحسن المقرئ، المعروف بابن الدباس الواسطي.
قدم بغداد في سنة ثلاث وستمائة؛ وروى بها عن جماعة. وكان /١٨١ أ/ قد قرأ القرآن، وسمع الحديث من عبد الوهاب بن لخفان بن الصابوني، وأبي الكرم المبارك ابن الشهرزوري، وعلي بن محمويه اليزدي؛ وبهمذان من أبي زرعة والحافظ أبي العلاء؛ وبواسط من أبي الفتح المبارك بن أحمد بن زريق الحداد، وأبي بكر أحمد بن أحمد بن عمر القطيعي؛ وقال: لمّا قدم هذا الشيخ كان إمامًا بمسجد الخليفة بسوق العجم مقابل سوق العميد؛ إلى أن توفي سنة سبع عشرة وستمائة.
وقال: أنشدني لنفسه: [من الكامل] (ص ٢٦٢)
لهفي على عمري لقد أفنيته في كلِّ ما أرضى ويسخط مالكي
ويلي إذا عنت الوجوه لرِّبها ودعيت مظلومًا بوجه حالك
ورقيب أعمالي ينادي شامتًا يا عبد سوء أنت أول هالك
لم يبق من بعد الغواية منزل إلا الجحيم وسوء صحبة مالك
[٣٩٧]
علي بن رشيد بن أحمد بن محمد، أبو الحسن الحربوي المعدل الحنبلي.
قدم من حربا إلى مدينة السلام سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وتولى وكالة
[ ٣ / ٢٦٢ ]
الخدمة /١٨١ ب/ الشريفة، وسمع الحديث من نصر بن نصر العكبري.
واشتغل بالفقه على القاضي أبي بن الفرّاء، وبعده على أحمد بن بكروس، وشهد عند القاضي أحمد بن علي الدامغاني في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وجمع كتابًا يشمل على الوكالة وشروطها، وتولّى استيفاء الجزية بغير إشراف عليه.
ثم تقدم فصار وكيلًا للخليفة؛ وتوفي يوم السبت ثامن عشر شوال سنة خمس وستمائة.
قال أبو الحسن القطيعي: أنشدني أبو الحسن لنفسه يمدح أمير المؤمنين – ﵁ – [من الطويل]
إمام يجلُّ المدح عن وصف مجده ويقصر باع الحلو عن طول حدِّه
له طالع بالسَّعد ليس كسعده نظير ولا جدٌّ لشَّخص كجدِّه
تراه كغيث السُّحب ينهلُّ مزنها بفيض على كلِّ البرايا برفده
ولو جمع الأملاك من لدن آدم إلى وقتنا هذا لدانوا بمجده
فلا زالت الأيَّام طوع قياده ولا زالت الأقدار تجري بسعده
[٣٩٨]
عليُّ بن عليِّ بن روزبهان /١٨٢ أ/ بن الحسن بن باكير، أبو المظفر الفارسيُّ الأصل، البغداديُّ المولد والمنشأ.
روى عن أبي القاسم إسماعيل بن أحمد السمرقندي؛ كتب عنه أبو الحسن القطيعي؛ وقال: سألت ابن باكيرا، لم سميت بالفارسي؟ فقال: أنا وأبي ولدنا ببغداد وزرت الملك سليمان السلجوقي، حيث كان تحت ظلّ الخدمة لأمير المؤمنين. وإنَّما
[ ٣ / ٢٦٣ ]
جدِّي روزبهان فارسي.
وسألته عن ولادته؛ فقال: ولدت سنة خمس عشرة وخمسمائة، وكانت وفاته بطريق مكّة في سنة إحدى وستمائة؛ قال: وأنشدني أبو المظفر علي بن باكيرا:
[من الطويل]
قنعت من الدُّنيا بما لا أودُّه وألزمت نفسي خطَّة الضَّيم والضَّعف
وجرَّعتها هجران كلِّ لذيذة إلى أن غدت تنقاد طوعًا إلى الحتف
وما ذاك إلاَّ أنَّ حظِّي مذمَّم فما لي من الدُّنيا سوى الهون والعسف
فبالنرد إن جاذبت دستي مشذّر وإن خفت بالشِّطرنج شاهي على ضعف
ترى ينقضي هذا الشَّقاء فأغتدي إلى راحة أو تستمرُّ إلى الحتف
[٣٩٩]
عليُّ بن محمَّد بن إبراهيم /١٨٢ ب/ بن أبي نصر بن المبارك بن غنّاج، أبو الحسن الواسطيُّ مولدًا ومنشًا.
وأصله من خسر سابور، وكان حافظًا للقرآن الكريم، وأخذ طرفًا من علم العربية، وله شعر صالح، وكان يتشيع، ويميل إلى المرد الملاح، ويشعف بحبِّهم، ولم ير منه ريبة، مع غفلة كانت فيه وبله.
أنشدني أبو الفضائل جعفر بن محمد الواسطي؛ قال: أنشدني علي ابن غناج لنفسه في غلام مغن يلقب اللطيف بن جعفر، سافر إلى بغداد من واسط ولم يودّعه، ثم جاءه بعد ذلك منه كتاب: [من الطويل]
علام أخفِّي ما ألاقي من الوجد وأكتمه والدَّمع من مقلتي يبدي
فيا ساكني الزَّوراء رفقًا بمدنف رمت شمله أيدي التفرُّق بالبعد
سبي قلبه فيكم غزال ببهجة كبدر الدُّجى يسمو عن الوصف والحدِّ
له مبسم كالأقحوان وريقه ألذُّ من الخمر المعتَّق والشَّهد
[ ٣ / ٢٦٤ ]
سرى طيفه وهنا فأضحت بنشره رياض النَّقا أذكى من البان والرَّند
وحقِّ هواه لا سلوت وداده ولا حبَّه حتى أوسدَّ في لحدي
وإن كان قد أبدى الملال وحال عن عهود الهوى إنِّي مقيم على العهد
/١٨٣ أ/ أحنُّ إلى لقياه وجدًا بحبِّه وإن كان لا يغني حنيني ولا وجدي
وأكره دارًا قد خلت من جماله ولو خليت لي بعده جنَّة الخلد
فيا أيُّها الرَّكب العراقيُّ بلِّغوا سلامي حييتم بالتَّحيَّة والرُّشد
إلى منية القلب اللَّطيف ابن جعفر وقولوا له من لوعة القلب ما عندي
وقولوا له: إنِّي قرأت كتابه وقابلته بالشُّكر لله والحمد
وقبَّلته ألفًا ففاضت مدامعي فأنشدت قول الشاعر الفطن الجلد:
(شممت بنجد شيحة حاجريَّة فأمطرتها دمعي وأفرشتها خدِّي)
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه من قصيدة مبدؤها:
[من الطويل]
أيا ساكني دار السَّلام سلمتم أجيروا المعنَّى من عيون الجاذر
وردُّوا فؤادًا طالما ظلَّ عندكم أسير هوًى ما بين وافٍ وغادر
وأنشدني أبو المنصور بن أبي عبد الله بن أبي منصور العامري؛ قال: أنشدني علي بن محمد بن غناج المقرئ الواسطي لنفسه: [من الطويل]
/١٨٣ ب/ أيا ساكني دار السَّلام سلمتم أجيروا المعنَّى من عيون الجاذر
وردُّوا فؤادًا طالما ظلَّ عندكم أسير هوًى ما بين وافٍ وغادر
ومنُّوا بإهداء السَّلام تكرُّما لصب على هجرانكم غير صابر
سبى قلبه يوم النَّوى في رحالكم غزال عجيل من قبيلة عامر
شهيُّ اللَّما عذب المحيَّا مهفهف القوام بطرف فاتر اللحظ ساحر
أرى أنَّ هلكي في هواه صيانتي ولو أنه دون البريَّة هاجري
وأنَّ عذابي في تجافيه طيِّب أيا عاذلي كن في عذاريه عاذري
[ ٣ / ٢٦٥ ]
يمينًا بأيَّام السديرة والهوى وطيب ليال بات فيها مسامري
لأنِّي على العهد الَّذي كان بيننا وما خطر السُّلوان يومًا بخاطري
وأنِّي على ما تعهدون من الوفا وما راق شيء مذ نأيتم لناظري
وأنِّي إذا ما عزَّ يومًا لقاؤكم على ناظري ألفيتكم في ضمائري
وأنِّي إذا عزَّ الحيا في بلادكم سقيت ربي العاقول فيض محاجري
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
هي دار الحمى فقف يا خليلي بوقوف في الرَّبع يشفي غليلي
/١٨٤ أ/ وانشد الربع ساعةً في المغاني وأنخ في محلَّة العاقول
فبها أهيف مليح المعاني قد سباني بغنج لحظ كحيل
ما أدلهم الظَّلام إلاَّ غنينا بسنى وجهه عن القنديل
إن تثنَّي في الفاضليَّات ليلًا صحت ويلاه من عنائي الطَّويل
أو تبدَّى تحت صبحًا قلت: بدر الدُّجى بلا تطويل
يا نسيم الصَّبا بحقِّ اشتياقي أخبريه وجدي به ونحولي
وأخبريه أني على العهد باق ما تبدَّلت في الهوى ببديل
[٤٠٠]
عليُّ بن عبد الله بن عبد الرحمن بن زيدٍ، المعروف بابن حريقٍ الكاتب، أبو الحسن البلنسي.
شاعر مفلق، وأديب محقِّق، قيِّم بالشعر والأدب، عارف باللغة وأيام العرب، عالم بتفسير القرآن والقراءة، حافظ لجملة وافرة من الأخبار والحكايات.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
ولم يكن في زمانه أجود منه شعرًا، ولا أحسن نظمًا ونثرًا؛ مدح ملوك الأندلس، وأخذ صلاتهم، وانتشر ذكره /١٨٤ ب/ هنالك؛ وتولى التصرف في الأعمال الديوانية مع كتابة الإنشاء لبني عبد المؤمن، المستولين على الديار الأندلسية.
أنشدني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أبي بكر الشاطبي الأنصاري، قال: أنشدني أبو الحسن علي بن محمد بن حريق لنفسه في غلام أعور؛ وأحسن فيما قال وأبدع في المعنى: [من الخفيف]
لم يعبك الَّذي بعينيك عندي أنت أعلى من أن تعاب وأسنى
لطف الله ردَّ سهمين سهمًا رأفةً بالعباد وازددت حسنا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يهجو كاتبًا: [من الرجز]
وكاتب ألفاظه وكتبه بغيضة إن خطَّ أو تكلَّما
ترى أناسًا يتمنُّون العمى وآخرين يحمدون الصَّمما
وأنشدني أبو القاسم محمد بن محمد الشاطبي؛ قال: قرأت على أبي الحسين ابن حريق من شعره قوله: [من الكامل]
يا ويح من بالمغرب الأقصى ثوى حذر العدا وجبيبه بالمشرق
/١٨٥ أ/ لولا الحذار على الورى لملأت ما بيني وبينك من زفير محرق
وسكبت دمعي ثم قلت لسكبه من لم يذب من زفرتي فليغرق
لكن خشيت عقاب ربِّي أن أرى أحرقت أو أغرقت من لم أخلق
وأنشدني؛ قال: أنشدني أبو الحسن بن حريق، وكان قد خرج إلى متنزهٍ له مع من يحبّه إلى خارج؛ فجاء السيل ومنع محبوبه من العود إلى البلد، فباتا جميعًا:
[من مخلّع البسيط]
يا ليلةًَ جادت الأماني فيها على رغم أنف دهري
تسيل فيها عليَّ نعمي يقصر عنها طويل شكري
[ ٣ / ٢٦٧ ]
إذ بات في منزلي حبيبي وقام لي أهله بعذري
وأنشدني إسماعيل بن عبد الله بن إسماعيل البياسي، بمحروسة حلب في سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن حريق البلنسي لنفسه بيّاسة، وكان مشرفها: [من الكامل]
/١٨٥ ب/ يا صاحبيَّ وما البخيل بصاحبي هذي الدِّيار فأين تلك الأدمع
أتمرُّ بالعرصات لا تبكي بها وهي المنازل منهم والأربع
هيهات لا ريح الصَّبابة بعدهم رهو ولا طير التشوُّق وقَّع
حلفوا على قلبي بسحر جفونهم لا زال يتعبه الهوى ويصدِّع
وأبى الهوى إلَّا الحلول بلعلع ويح المطايا أين منها لعلع
لم أدر أين ثووا فلم أسأل بهم ريحًا تهب ولا بريقًا يلمع
وكأنَّهم في كلِّ مدرج ناسم فعليه منهم رقَّة وتضوُّع
وإذا منحتهم السَّلام تبادرت تبليغه عنِّي الرِّياح الأربع
[٤٠١]
عليُّ بن عبد الله [بن] ورياش بن المبارك بن يوسف بن موسى بن يزكوك، أبو الحسن الوهرانيُّ الأنصاريُّ.
نزيل دمشق، الخطيب الصالح الفاضل.
كانت ولادته بوهران، في رجب ستة سبع وثلاثين وخمسمائة، وتوفي – ﵀ – يوم الأربعاء سادس عشري ذي القعدة سنة خمس عشرة /١٨٦ أ/ وستمائة، بداريا من أعمال دمشق – كان خطيبها -.
وكان قد أعطاه الله العلم الوافر، والعمل الصالح، له تصنيف وأشعار، كان يقولها، وفضله على كثير من أبناء زمانه؛ وكان تقيًا في نفسه ذا ورع وخير، سديد
[ ٣ / ٢٦٨ ]
الطريقة، جميل الأمر.
خرج عن بلاد المغرب، ونزل الشام، وتولّى خطابة داريا، وأوطنها، إلى أن توفي بها؛ وصنف تفسيرًا لكتاب الله تعالى أجاد في تصنيفه وأحسن.
أنشدني نجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العزّ بن أبي طالب الصفار الشيباني الدمشقي بها في أوائل سنة أربعين وستمائة؛ قال: أنشدني الشيخ الجليل الصالح أبو الحسن علي بن عبد الله ورياش بن المبارك الوهراني لنفسه في الوحدة: [من البسيط]
أصبحت والحمد للرحمن منفردًا عن كلِّ وغد من الأقوام شتَّام
ما لي أنيس سوى أنِّي امرؤ عكفت نفسي على الكتب أيَّامي وأعوامي
أوحي إليها بطرفي وهي تخبرني عن من تقدَّم من سامٍ ومن حام
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الوافر]
أما في ذا الزَّمان أخ شفيق كثير فضله غمر طليق
/١٨٦ ب/ يردُّ بفضله الأزمات عنِّي إذا طرقت ويتَّسع المضيق
فقد كثرت حوادثهنَّ عندي ولا سيما إذا فرغ الدَّقيق
تهدُّ لخطبها الشُّمُّ الرَّواسي فكيف يطيقها الشَّخص الرَّقيق
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في الحر: [من الطويل]
ويوم تمجُّ الشَّمس فيه لعابها يكاد الحصى من حرِّه يتفلَّق
ينضِّج أفراخ القطا جوف قيضها ويتَّرك الرُّبد النقانق تفهق
فلو حطَّ شلو فوق أمعر شاهق لعاد حنيذًا لحمه يتمزَّق
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في حاله بدمشق:
عليَّ ثياب باليات لو أنَّها تقوم ولم تبلغ بقيمتها فلسين
وإني أراني عزَّة وجلالة إذا سرت فيها أسحب الذيل ذا القرنين
وما ذاك إلاّ العلم يسمو بربِّه فيستصغر الدنيا وما جمعت من عين
[ ٣ / ٢٦٩ ]
وتبصر فيها من المال والعلا مع البؤس والفقر الملمّ بها سيبين
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في الشَّمعة: [من البسيط]
وراهب بات طول اللَّيل منتحبًا يبكي وفي رأسه طرطور من ذهبه
/١٨٧ أ/ يشكو إلى الله إحراق الجحيم له يا فوخه واحتكام البرد في ذنبه
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في البرغش: [من البسيط]
لله ليلتنا ما كان أطولها ظللت أقمص والبرغوث يرتقص
وبات يزمر حولي اللَّيل برغشها وبتُّ الطم وجهي وهو يمَّلصُّ
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه من أبيات في الغربة: [من البسيط]
هبَّت له من ثنيَّات العيون صبا فحنَّ وجدًا لأيَّام الصِّبا وصبا
وذاب من ذكر وهران ومنزلة قد شبَّ فيها قديمًا عظمه وجبا
لله أيامنا والشَّمل ملتئم بساحتيه ودهر بالسرور حبا
إذ أسحب الذَّيل من عار الحمام إلى طود الشَّرائع أسعى والهوا خببا
لا أعرف الهمَّ أنى سار متَّجهًا ولا أوافق داعي العمر إن وثبا
فشتَّت الدَّهر شمل من معالمها كصاحب السدِّ إذ يسعى به سببا
وبدِّلت عيشتي بعد النَّعيم بها كما تبدَّل جنَّات بأرض سبا
وقد تردَّيت ثوب العزِّ بعدهم وبعد عزِّ وثوب الذُّل للغربا
إذا رأيت غريبًا سحَّ أدمعه وافقته في البكا إذ كلُّنا نسبا
/١٨٧ ب/ وما توادع قوم يوم بينهم إلا توقَّد قلبي والحشا لهبا
أعارض الرَّكب علِّي أن أرى رجلًا من آل وهران أو ألقى به كتبا
لا تيأسنَّ فإن الدَّهر ذو عجب وربما أعتب الدَّهر الَّذي عتبا
قد فاز يعقوب في الدُّنيا ببغيته من بعد ما عاش في أحزانه حقبا
[٤٠٢]
عليُّ بن أبي منصور بن محمد، أبو الحسن الموصلي.
حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي – ﵁ – قال: كان من صناع الموصل الصفارين؛ عاميًا جاهلًا في غاية.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
لقيته عند شيخنا أبي الحرم النحوي، وقد أنشده أبياتًا عينية، وارتكب فيها ألفاظًا ومعاني، لا يفهمهما من وقف عليها، ولا هو إذا سئل عنها يعلم معناها!، إنما هي ألفاظ موزونة فقط؛ وكان شيخنا أبو الحرم قد بلغه أنه يقع في شعر أبي عبد الله النجراني؛ فتغيظ عليه ذلك اليوم تغيظًا شديدًا، فلم نزل نسكنه عنه حتى سكن.
كان يرد إربل ويتوصل إلى لقاء الوزير ولي الدين أبي الثناء محمود بن محمد بن نقدار الحراني، الَّذي كان مقدمًا بها، ليمتدحه فيأبى عليه /١٨٨ أ/ ويجبهه بكل منكر، وهو لا يكثرث لذلك، ولا يزال حتى يأخذ من صلة السلطان مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين؛ ومنه هكذا في كل سنة.
وقد سمعت منه كثيرًا من شعره، إلا أني لم أره أن أقيد عنه شيئًا لجهله؛ هذا كلّه كلام الصاحب أبو البركات – ﵁ – ثم أنشد له هذه الأبيات من قصيدة:
[من الطويل]
أدرها كؤوسًا يا نديمي وداره وخذ واعطه من قبل حال داره
ولا تسقنيها في صغار محرِّمًا فإني أرى تحليلها في كباره
ولا تطف نيرانًا لها بمياهها اتقَّ الله واحذره وخف حرَّ ناره
معتقةً من رحل آدم في الحيا وعذراء بكرًا كالطلا في كباره
لها حبب كالدرِّ في الكأس لم يزل على رأسها في نظمه ونثاره
.. دهقانها في يمينه ترى لهبًا أو شعلةً في يساره
[٤٠٣]
عليُّ بن أحمد بن عليِّ بن محمد، أبو الحسن بن أبي العباس العنبري المنجم، المعروف بابن دوَّاس القنا.
/١٨٨ ب/ من أهل واسط، ومن بيت معروف بها، كان هو وأبوه وأخوه شعراء،
[ ٣ / ٢٧١ ]
وهم من بيت أدب وفضل.
وكان أبو الحسن يقول شعرًا مقاربًا، ويمدح به الناس، وله يد جيدة في تقويم الكواكب، وكتبة التقاويم؛ قرأ علم الأوائل، وانفرد بمعرفة علم النجوم وتسيرها، وأجاد في ذلك، واشتهر به، وعرف بهذا النوع وإحكامه.
قدم بغداد مرارًا، وقرأ بها على جماعة من أدبائها ومشايخها، وأخذ عنه من أهلها، واستوطنها إلى أن قبر بها في شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وستمائة؛ وكانت ولادته سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
أنشدني الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار البغدادي، بها في سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدنا أبو الحسن علي بن أحمد بن دواس القنا لنفسه في الإجازة ونقلته من خطه؛ وأنشدني عنه ابن الحمامي: [من البسيط]
إنِّي أعالج أقوامًا إذا اختبروا كأنَّ شاب جمال تحتها صور
مقدَّمين فلا أصل ولا حسب ولا نسيم ولا ظلٌّ ولا ثمر
/١٨٩ أ/ هم الصدور ولكن لا قلوب لها يا ليت مذ نظروا ما كان لي نظر
من كلِّ صدر متى لاقاه مادحه كانت مواهبه التَّقطيب والضَّجر
[٤٠٤]
عليُّ بن سعد.
هكذا رأيته.
ناولني القاضي الإمام بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم الخشاب – أيده الله تعالى – مجلّدة متضمنة أشعار شعراء العصريين بخطوطهم، منهم جماعة امتدحوا السلطان غياث الدين الملك الظاهر – صاحب حلب – فتصفحتها، فعثرت في أثنائها باسم هذا الشاعر على قصيدة من نظمه معنونة "المملوك علي بن سعد"، لا غير.
فسألت القاضي بهاء الدين – أيده الله تعالى – عن شيء من أمر هذا الرجل؛ قال: لا أعرف من حاله شيئًا؛ والقصيدة في الملك الزاهر محيي الدين أبي سليمان داود بن يوسف بن أيوب بن شاذي – صاحب البيرة -: [من البسيط]
[ ٣ / ٢٧٢ ]
فخر الملوك مجير الدِّين داود من ظلُّ جدواه فوق الخلق ممدود
/١٨٩ ب/ من الملوك وإن جلُّوا وإن عظموا عند التناسب محسوب ومعدود
ملك غدا فضله في الأرض منتشرًا ومجده فوق أفق الأرض معقود
قف حيث دوحة ذاك الملك زاهرة والسَّيف ذو شطب والرُّمح أملود
والعزُّ أقعس والآمال باسمة وللعفاة ببذل الجود تبديد
فثمَّ أبلج وضَّاح الجبين إلى حديث نائله تعلو الأسانيد
يهزُّ للمدح أعطافًا مكرَّمةً لم يثنها عن بناء المجد تفنيد
متيَّم بالمعالي هائم دنف سكران من نشوات الفضل عربيد
ما بال سيفك لا تنبو مضاربه تراه في عزمك الفتَّاك مقدود
وخيلك الجرد لا تنفكُّ غائرةً كأنَّها المال من كفَّيك والجود
وطيب نشرك لا ينفكُّ ذا أرج كأنَّه المسك والجاديُّ والعود
إنَّ الإمارة إسم أنت مثبته والملك أنت له ركن وتشييد
والفضل لولاك ما قامت دعائمه ولا استقام له ساق ولا جيد
لله أنت فكم قد حزت من شيم بنشرها يستلذُّ الرَّكب والبيد
فضل وعلم وإفضال ومعرفة وهمَّة وندى كفٍّ وتأييد
لا يطَّيبه أقاويل مزخرفة ولا يرنِّحه الوهنانة الرُّود
/١٩٠ أ/ وللسرير وللدست المطلِّ به والتَّاج والسَّرج تعظيم وتمجيد
وما سمعنا بملك قبله بشر كفَّاه بحر ندى والقلب جلمود
يهتزُّ تحت وشيج الخطِّ منه فتى في الحرب والسِّلم معروف ومشهود
طلق النَّقيبة في النَّادي لآمله وفي الكريهة مقدام وصنديد
حوض وروض لجانيه ووارده فالحوض والرَّوض مروود ومورود
يقول للوفد والطرَّاق نائله هذا الغنيُّ متى ما شئتم عودوا
كأنَّما نغمات السَّائلين إذا طافوا بأبوابه لحن وتغريد
زها به الملك وانقادت شكائمه إليه فهو إلى الأملاك محسود
أفتى وأفتك في يومي ندى ووغى لأنت ذاك على الحالين محمود
نثني عليك وتأتينا عوائدك الحسنى فأنت لنا قصد ومقصود
[ ٣ / ٢٧٣ ]
قد أسعد الله أرضًا أنت مالكها وعصرها بك يا داود مودود
ربوعها بندى كفَّيك مرتبع وكلَّ يوم لأهليها بها عيد
باتت إليك أمانينا وأنفسنا كثيرة الشَّوق والمهريَّة القود
كالأرض تشتاق هطَّال السَّحاب إذا ما صوَّح النبت يومًا أو ذوى العود
لا زال كفُّك للقصَّاد منتجعًا تبيضُّ من جوده آمالنا السُّود
[٤٠٥]
/١٩٠ ب/ علي بن أحمد بن فشتال، أبو الحسن الكاتب.
الفاضل الأديب.
أخبرني شيخ الشيوخ؛ قال: أظُّنه من أهل الأندلس، رأيته بمراكش. وكان معطلًا عن العمل حاليًا بفضائله، وإن كان في العطل.
وله رسائل حسنة، وألفاظ بديعة معتبرة؛ وكان يميل في رسائله وشعره، إلى طريقة أهل المشرق، وحصل من عندي كثيرًا من ترسل القاضي الفاضل، والعماد الكاتب وغيرهما – ﵏ -.
وكتب إلى بإحسان تجدد لي من السيد أبي يوسف يعقوب بن عبد المؤمن، وهو تمليك بستان بناحية أغمات، وتقدّم إلى بقضاء حوائج الغرباء والعود عنده:
[من الطويل]
رأيت بعيني اليوم في صحف المنى لمجدك ما تعطي من الحظِّ في غد
فصرت أمنِّي النَّفس تجديد ما عفى من العزِّ لي في عزِّك المتجدِّد
[ ٣ / ٢٧٤ ]
[٤٠٦]
عليُّ بن عبد الرحمن /١٩١ أ/ بن أحمد بن عليٍّ، أبو الحسن المراكشيُّ.
متفقه على مذهب مالك بن أنس – ﵁ – نزيل بغداد. أنشدني وجيه الدين الإسكندري؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه ويعرف بالكرديِّ والغّزي أيضًا:
[من الطويل]
خلعت عذاري في الحبيب تطرُّفًا على أنَّني من أخلع النَّاس في الخلع
وما [ذاك] في التَّحقيق مني تطبُّعًا بلى هو في أصل الجبلَّة بالطبع
فمن رام من قلبي سلوا فإنَّما يكلِّفني بالجهل ما ليس في وسعي
يقولون لا تهواه هلاَّ سلوته وهذا إذا حقَّقته فاسد الوضع
وهل شاهدت عيناي إلَّا جماله دنا أو نأى في حالة الفرق والجمع
فمحبوب قلبي ما تعلَّلت باسمه ولا وقع للعذَّال في القلب والسَّمع
فلست مطيع العذل لقتلي إمام العدل بالسَّيف والنَّطع
فإن قيل مجنون وقيل مموِّه وأكثرت الأقوال بالظَّنِّ والقطع
فعرضي مبذول ومالي مبذَّر وقتلي وختلي مستباحان في شرعي
[٤٠٧]
عليُّ بن يحيى بن المبارك بن عليِّ بن الحسين بن بندار، أبو المحاسن المخرّميُّ.
[ ٣ / ٢٧٥ ]
/١٩١ ب/ [قال] [من الطويل]
ويوم دجوجيٍّ له الصَّقع غيهب ولمع الظُّبى برق وسمر القنا شهب
كشفت بسيفي ما دجا من خطوبه وإني بذاك اليوم مستهتر صبُّ
وما زلت كشَّافًا لكلِّ ملمَّة رحى الحرب إن دات فإنِّي لها قطب
حبيبًا لدى الأقوام ليثًا لدى الوغى ويعظم شأني كلَّما عظم الخطب
فسيفي لا يهوى سوى لمم العدا ويعظم شأني كلّما عظم الخطب
وأنشدني المجد النشابيّ عنه ببغداد: [من الطويل]
[ ٣ / ٢٧٦ ]
يقول فتى الفتيان بشر بن خازم مقالًا له في كلِّ صادقة نطق
وكيل لقينا العين في العين للعدا فطرنا لحرب قبل أن يسفر الشَّرق
فأطلعت المرَّان فينا كواكبًا بخرصانها والبيض ضاء لها برق
وأبدى بريق السابغات على الدِّما شعاعًا كما يبدي لنا الشَّفق الأفق
وإنَّا لنهدي بالسُّيوف إلى العدا فما ضلَّ هادينا ولم تبهم الطُّرق
إلى أن بدا خيط الصَّباح كأنَّه على حالك من فرع غيهبها فرق
فيا لك من ليل فتت ظلامه برتق علًا ما بعد رتقي لها خرق
وكم كربة كشَّفتها وملمَّة لعزمي عليها حين فرَّجتها حقُّ
بوجه حييٍّ في النَّوال وإنَّه وقاح لدى يوم الوغى وليس السَّبق
/١٩٢ أ/ ولي صارم مغرى بحز غلاصم الأعادي وكلٌّ بالنوال لها عبق
ومن عجب أنِّي أسرت بنائلي عفاة لهم من أسر إعدامهم عتق
أكذِّب ظنِّي في الوعيد وعنده وعود لها في ظنِّ إنجازها صدق
وفخري بإنعام الخليفة إنَّه ندى عاش فيه الخلق واتَّسع الرِّزق
وله: [من البسيط]
وربَّ فتيان صدق طاب ذكرهم نادمتهم ونجوم الأفق لم تغب
وشمسنا من سماء الكأس واجبة فينا وسورتها بالسُّكر لم تجب
يحدو بها مسمع في شدوه طرب يرنِّح الشَّرب مغنى ذلك الطَّرب
وبيننا من أحاديث منمَّقة نظم من الشِّعر أو نثر من الخطب
حتى دعا للوغى داع فخلتهم نارًا تضرَّم أو جندًا من الغضب
وعادت الرَّاح محمر النَّجيع وما الكاسات غير الدُّرينَّيات والعضب
والضَّرب بالعود ضرب العود راسله حسام قرب له بعد عن القرب
إذا سقوا فارس الهيجاء كأسهم في الحرب سابقت اللَّبات للَّبب
لهم سماء من النَّقع المثار به من الأسنَّة لمع الأنجم الشُّهب
إذ السُّيوف بروق والصَّيهل بها رغد ووقع مطار النَّبل كالسُّحب
[ ٣ / ٢٧٧ ]
/١٩٢ ب/ كأنَّما خلقوا دنيا لحربهم فأيقنوا أنَّها الدُّنيا بلا كذب
خطُّوا على كلِّ درع نقط خطِّهم في شكل بيضهم نقلًا من الكتب
(بيض الصَّفائح لا سود الصَّحائف في متونهنَّ جلاء الشَّكَّ والرِّيب)
قالوا وقد سئلوا الأنساب بينهم جود الخليفة فينا أفضل النَّسب
وله: [من المتقارب]
لأنعامنا بالمدى إلفة كما يألف النَّاظران الشَّهر
تسيل المذاكي على حدِّها فما تراهنَّ إلَّا حمر
ترى العرف في ذبحها للضيوف وفي تركها للبقاء البكر
وجرد أعدَّت ليوم الجلاد عواري للسمع قبُّ شزر
صيام يلكن حديد اللِّجام وأسيافنا في الدِّماء الغدر
ولا نألف البيض بيض الخدور ولا السُّمر إلَّا عوالي السُّمر
[٤٠٨]
عليُّ بن يوسف بن نصر بن فتيان، أبو الحسن البصريُّ.
تفقه على مذهب الإمام الشافعي؛ ولديه فضل وأدب ويقول الأشعار /١٩٣ أ/ الحسان.
خرج عن البصرة، متوجهًا إلى البلاد الشامية، ونزل دمشق، وقصد بها الملوك وغيرهم من الأمراء يمتدحهم بشعره، وهو مقيم بها.
أنشدني الشيخ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن يوسف الفرّبالي اللخمي؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن يوسف البصري لنفسه بدمشق – خارجها بسفح جبل قاسيون – في شهر شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة: [من الطويل]
يلومك في الظَّبي الظَّليم ظلوم سليم من البلوى وأنت سليم
ويلحاك قوم في الغرام بأحور كريم وما يلحاك فيه كريم
أفي خدِّه أم خاله أم عذاره تلام وفي كلٍّ ملامك لوم
[ ٣ / ٢٧٨ ]
غزال له من مقلتيه صوارم لها من قلوب العاشقين كلوم
وقالوا أتهوى أعرجًا يحمل العصا وذلك شين في الحبيب ذميم
فقلت لهم قد كان موسى بكفِّه عصا قبل من أهواه وهو كليم
كما وجهه في الحسن فرد وقدُّه كذا ساقه فرد أخوه عديم
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من المتقارب]
يزورك من أنت لا تعشق وطيف حبيبك لا يطرق
/١٩٣ ب/ فيا من بدا فتنةً للورى إذا ما بدا وجهه المشرق
تركت ازدياري خوف العدا فطيفك باللَّيل ما يفرق
إذا غاب شخصك عن جلِّق فبعدك لا مطرت جلِّق
وأنشدني له أيضًا: [من البسيط]
أهوى الغزال الَّذي ما زال مرتعه واد تضوَّع بالقيصوم والشِّيح
إنَّ الخمائل أمسى نشرها أرجًا من طيب ريَّاك من نسمة الرِّيح
هلاَّ كففت سهامًا أنت مرسلها فالقوم ما بين مقتول ومجروح
أهواك حتَّى إذا لم تبق لي جسدًا أسكنت حبَّك ما أبقيت من روحي
قد وفَّر الله حظِّي في هواك كما في الحسن حظُّك أضحى غير مرجوح
منائح الله يؤتيها خلائقه والنَّاس ما بين مجروح وممنوح
وأنشدني له أيضًا: [من الكامل]
إمَّا مررت على النَّقا وكناسه فخذ الأمان من الظِّباء لناسه
فلربَّ ربِّ نهى بها فتكت به تلك الجاذر لم يحفن لباسه
من كلِّ أحور ما رنا إلاَّ رمى قتلًا فقل دفاعه نبراسه
رشأ تشين الشَّمس غرَّة وجهه وتفوق جنح اللَّيل طرَّة رأسه
/١٩٤ أ/ وأنشدني له أيضًا: [من السريع]
فديت مولى لم يزل سابقًا فضلًا دنا مملوكه أو قصا
ذا أدب لمَّا أتى طرسه أطاعني من كان قدمًا عصى
فها أنا في الشام عيسى الَّذي أرسل من بعد نبيِّ العصا
[ ٣ / ٢٧٩ ]
أنشر ذا الرَّمس بألفاظه وأبرئ الأكمه والأبرصا
لا زلت فخر الدِّين في نعمة تنمو وسعد لا يرى ناقصا
[٤٠٩]
عليُّ بن خمير، أبو الحسن السبتيُّ.
كان فقيهًا مالكيًا، شاعرًا مفلقًا، أصوليًا عالمًا، أديبًا لغويًا؛ توفي سنة أربع عشرة وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن علي بن عبد الواحد الأوسي السبتي بحلب المحروسة؛ قال: أنشدني الشيخ أبو الحسن علي بن خمير لنفسه:
[من الطويل]
إذا شئت أن تبكي فريدًا من الهوى فتندبه بعد النَّبيَّ المكرَّم
فحامل علم عالم متورِّع حرص على التَّحريض للمتعلِّم
/١٩٤ ب/ وحاكم عدل بالشَّريعة قائم يقول بحكم الله لا بالتحكُّم
وصاحب مال فاضل متفضِّل يجود به حقًا على كلِّ معدم
وساهر ليل شافع متشفِّع بكلِّ نؤوم شابع متبشِّم
وصاحب سيف للعدوِّ مرابط يسدُّ به في كلّ ثغر مثلَّم
هم خمسة يبكون حقًا وغيرهم إلى حيث ألقت حملها أمٌّ قشعم
[٤١٠]
عليُّ بن محمد بن داود بن الناصر، أبو الحسن بن أبي جعفر الحسنيُّ.
من أهل حلب، ومن شرفائها المميزين؛ وكان فاضلًا قارئًا للقرآن العزيز، وأخذ طرفًا من العربية، ونظر في الأدب، وصار له معرفة حسنة.
وقال شعرًا متوسطًا، وكانت بينه وبين الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الجبار القيرواني الكاتب المعروف بابن الزيات، مكاتبة بالأشعار ومجاوبة.
أخبرني الصاحب مؤيد الدين أبو نصر إبراهيم بن يوسف بن القفطي – أسعده الله
[ ٣ / ٢٨٠ ]
تعالى – قال: توفي أبو الحسن علي بن محمد بن الناصر في آخر شهر رمضان سنة /١٩٥ أ/ ست عشرة وستمائة بحلب.
أنشدني من شعره نجم الدين أبو محمد القاسم بن محمد بن سراج الحلبي – أسعده الله تعالى – بحلب؛ قال: أنشدني الشريف أبو الحسين علي بن محمد بن داود بن الناصر لنفسه، يمدح الملك الظاهر – صاحب قلعة حلب – في سنة إحدى عشرة وستمائة: [من الكامل]
سائل حداة الرَّكب أني يمَّموا هل أنجدوا بفؤاده أو اتهموا؟
وابلغ تحيَّته الفنيق وقل سقى مغناك من وطف السَّحاب المرزم
طلل أسمت بروضه سرح الصِّبا ورتعت فيه لاهيًا لا أسأم
أيام لا العذَّال تملك سلوتي فيها ولا يثني هواي اللُّوَّم
ما نافعي أنِّي أكتِّم حبَّها خوف العواذل والضَّنى يتكلَّم
وإذا الظَّلوم رعيت عهد وداده في الحبِّ إنَّك منه فيه لأظلم
فخرت به الهيف القدود كما زها الأملاك قاطبة بأنَّك منهم
ولأنت أفخرهم إذا انتسبوا أبًا وأجلُّهم نعمى إذا ما أنعموا
فخرًا غياث الدين يا أندى الورى كفًا وأشجعهم إذا ما استسلموا
وافى أخيرًا عصره وأتى بما لم يأته من عصره المتقدِّم
من منَّة مشهورة وصنيعة مأثورة ويد تعول وتنعم
/١٩٥ ب/ بيمينه هيفاء يرهب نفثها الجاني فتلك يراعة أم أرقم؟
في السِّلم يقطر من أنامله اللُّهى والحرب يقطر من أنامله الدَّم
ومنها:
جاء الشِّتاء فليس عندي درهم وبمثل ذلك قد يصاب المسلم
وتجلبب النَّاس الخزوز وغيرها وكأنَّني بفناء مكَّة محرم
لا يغرر الرَّائي رداء مونق كلَّا ولا ثوب قشيب معلم
فمن الغياث قديمه وحديثه وهو الَّذي يولي الجميل وينعم
فتهنَّ بالشَّهر الأصمِّ ممتَّعًا بالملك ما لبَّى بمكَّة محرم
[ ٣ / ٢٨١ ]
وأنشدني الصاحب مؤيد الدين أبو نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم؛ قال: أنشدني الشريف لنفسه: [من الكامل]
ومهفهف ثمل الشَّمائل زارني فوشى عليه جماله والطِّيب
فمتى أسر بوصل من أحببته وعليه منه مع الرَّقيب رقيب
[٤١١]
عليُّ بن أحمد بن محمد، أبو الحسن /١٩٦ أ/ الأشبيليُّ المعروف بالقسطار.
من أهل الحديث والقرآن، وله نظم. أقام بدمشق مدّة يسمع الحديث على مشائخها.
أنشدني الشيخ تاج الدين أبو الحسن محمد بن أحمد القرطبي الدمشقي، بها سنة أربعين وستمائة؛ قال أنشدني القسطار لنفسه: [من الطويل]
سقاني ولم يشرب وذاك تأدُّبًا وأقسم أنِّي قبله سوف أشرب
فما اسطعت إلاَّ أن أبرَّ يمينه وكنت لعمر الله في السُّوء أرغب
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه، وقد سئل عن شوقه للأهل كيف هو؟:
[من البسيط]
يا سائلي كيف شوقي الأهل والوطنا هيَّجت والله لي ما كان قد سكنا
كيف اشتياق غريب الدَّار منقطع عشرين عامًا يقاسي غربة وضنى
شوقي إليهم شديد لا انفصام له والقلب ذو حرق مذ فارق السَّكنا
وأنشدني أيضًا؛ قال: أنشدني لنفسه، وكان يومًا عند شيخه خزعل بن عسكر النحوي؛ وسأله أبو موسى عيسى بن سليمان الرعيني أن يجيزه، فوعده الشيخ بذلك فقال: [من الكامل]
[ ٣ / ٢٨٢ ]
/١٩٦ ب/ جرت العوائد إذ يجاز محدِّث بحضور آخر لم يجز يتغبَّن
وعوائد المولى التقيِّ بفضله جبر القلوب وجبر قلبي هيِّن
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه، وقد ذهب بابنه كرهًا إلى جدّته وهو يقول له: دعني عندك اليوم وغدًا وابعثني إليهم؛ فقال: [من الكامل]
لهفي على الولد العزيز وقد غدا كرهًا يفارقني إلى بيت العدا
ويقول: يا مولاي تسلمني إلى من ليس يرحمني، ويوردني الرَّدى!
مولاي دعني عندكم متنعِّمًا يومي وينتقمون مني هم غدا
مولاي كيف تسرُّ وابنك موثق في أسر باغيه عليه تمرَّدا؟
فأجبته والدَّمع منهمل على خدٍّ نحيل أصفر: نفسي الفدا
نفسي فداؤك من أذى جرِّعته طفلًا فساعدك الإله وأسعدا
[٤١٢]
عليُّ بن عبد الرحمن بن عثمان بن الحسن بن عبلة بن الرفاعيِّ، أبو الحسن.
/١٩٧ أ/ كانت ولادته – بقرية من سواد واسط، تدعى أم عبيدة – في سنة ثمانين وخمسمائة، وتوفي بها ظهر يوم الخميس الرابع عشر من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وستمائة، وقبره بها يزار – رحمه الله تعالى -.
كان شيخ وقته زهدًا وحالًا؛ فقيهًا شافعي المذهب، واعظًا كبير البيت، عارفًا بتفسير القرآن والحديث النبوي، وله جماعة كثيرة من المريدين والأتباع، ينتمون إليه، ويقصدونه من كلّ مكان، وأهل السواد يقبلون عليه ويعتقدون فيه اعتقادًا عظيمًا، وذكره مشهور في البلاد سيَّار في الأقطار.
أنشدني القاضي أبو العباس أحمد بن الحسن بن عبد الله بن سابور الهمامي، بالهرب من الأعمال الواسطية في شهر شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن عبد الرحيم بن الرفاعي لنفسه: [من الطويل]
[ ٣ / ٢٨٣ ]
أتيناكم مستغفرين لأنَّنا عرفناكم بالصفح عن كلِّ معتدي
وطفنا بناديكم وقلنا ترابه ذرور به نعتاض عن كلِّ إثمد
بحرمة أيَّام الوصال الَّتي مضت وما شاب صافيها كلام مفنِّد
/١٩٧ ب/ أقيلوني الذنب الَّذي قد أتيته ولا تشمتوا بي قلب واش وحسَّد
وله عند قصده باب الشيخ منصور بن الرفاعي – ﵄ -: [من الكامل]
وفد الوفود إلى جنابك كلُّهم سألوا الشَّفاعة منك في الزَّلَّات
فتيقَّنوا أنَّ الإله بفضله منح القبول ومنَّ بالطَّاعات
فأنزل فديتك في ذراه فإنَّه أهل العطاء ومعدن الخيرات
وأبشر وجدَّ بقصده ومزاره وانعم بقرب منه في الجنَّات
وله: [من الطويل]
ولو بذل الدَّلاَّل وصلك يافعًا لقمت إليه راغبًا ومبادرا
وقبَّضته روحي وقلبي وقالبي وأيقنت أنِّي لست في ذاك خاسرا
وأنشدني صدر الدين أبو القاسم بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عثمان الرفاعي؛ قال: سمعت الشيخ العالم ينشد هذه الأبيات لنفسه؛ قالها في مطرب كان بين يديه: [من البسيط]
هذا الجمال عليٌّ في جماعته كصنو بدر تجلَّى في ملاحته
/١٩٨ أ/ ترنو إليه عيون النَّاس ناظرةً شوقًا إلى وجهه من طيب نغمته
يئنُّ كلُّ حسود من تحسُّره على زمان مضى من قرب دكَّته
[٤١٣]
عليُّ بن محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد المدنتانيُّ.
ومدنتان قرية من قرى بعلبك.
أبو الحسن الكاتب المدعو بالتقيّ، كاتب الملك الأمجد؛ كان عنده أدب وفضل
[ ٣ / ٢٨٤ ]
شاعر؛ ومن مختار شعره قوله يمدح الملك المنصور محمد – صاحب حمأة – وذلك في سنة سبع وتسعين وخمسمائة من قصيدة أوّلها: [من البسيط]
نومي لهجر ظباء الجزع مهجور والغمض يوم حضور البين محظور
كيف اصطباري ونار الشَّوق تضرم في قلبي وخدِّي بماء الدَّمع ممطور
فمن لصبٍّ غريق بالدُّموع له جسم حشاه بجمر الوجد مسجور
يشوقه بارق الجرعاء منبسطًا له على النَّور من روض الحمى نور
كأنَّه حين يبدو من غمامته مهنَّد لامع المتنين مشهور
ما البان مذبان سكَّان العقيق بمأنوس وقد عتبت أقماره العير
/١٩٨ ب/ ومنها في المدح:
أيَّام أنصر فيها بالوصال كما الإسلام بالملك المنصور منصور
سلطان حلم وبأس دنت أعبده وقرن هيجاء معفور ومعفور
كم في قلوب العدا كلم لخيفته لكنه بسنان الرُّمح مسبور
لا غرو أنَّ فرَّق الأعدا بسطوته وهم فريقان محصود ومحصور
بدر كواعبه الخرصان راجمةً إذا دجا من عجاج الحرب ديجور
ملك هو البحر مرجى ما سجا فإذا ما هاج موج ظباه فهو محذور
يجري على الناس من إنعامه نعمًا تترى وتجري بما تهوى المقادير
وفوده نحوه أنضت مراكبها حتى شكاها إليه السَّرج والكور
مؤزَّر ببرود الحمد مشثتمل متوَّج بوقار الملك محبور
[٤١٤]
علي بن سعيد بن حمامة، أبو الحسن الصنهاجي التلكاني.
[ ٣ / ٢٨٥ ]
من أهل المغرب؛ كان شيخًا فيه فضل وأدب، وله معرفة بعلم العروض والقوافي، وعناية بتأليف الأشعار، وجمعها وترتيبها، ويلزم نفسه /١٩٩ أ/ ذلك.
نزل حماة، وانقطع إلى لسانها الملك المظفر تقيّ الدين أبي المناقب عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي – ﵀ -.
وجمع باسمه كتابًا سمّاه "نفائس الأعلاق في مآثر العشاق" وعمله مبوّبًا، عشرين بابًا، أودع فيه من بدائع الحكايات، ونوادر الأشعار.
وظفرت له بكتاب آخر، لقبه بـ "زناد المقتبس في ملح أهل الأندلس"، الأشعار التي ضمنها الكتاب على حروف المعجم، ولم يأت فيه بغريب من الشعر.
وكان شاعرًا مكثرًا من النظم، وعمل الموشحات، قادرًا على إنشائه وارتجاله، يصنع منه ما شاء في ساعة واحدة بغير فكرة ولا رويّة.
وفد إلى البلاد الشامية، في أيام الملك العادل نور الدين أبي القاسم محمود بن زنكي بن آقسنقر – ﵀ – فامتدحه بقصائد شتى، ومدح بعده الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب – ﵀ – بعدة قصائد.
وبلغني أنَّه أدرك أوائل المائة السابعة – والله أعلم – كذا أخبرني بذلك الوزير الصاحب القاضي الأكرم أبو الحسن علي /١٩٩ ب/ بن يوسف بن إبراهيم القفطي – أسعده الله – بحلب.
أنشدني أبو الحسن علي بن فيّاض بن علي المغربي الحلبي؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن سعيد بن حمامة الصنهاجي التلكاني لنفسه – وقد رأى فاختة على شجرة نارنج وهي تغرّد: [من الطويل]
ولابسة ثوبًا من الرِّيش أدكنا تروقك مرأى في الغصون ومسكنا
بنت في أعالي الدَّوح وكرًا محصَّنًا تفيَّأ أوراقًا لدانا وأغصنا
أرتنا بأفنان الأراكة قيصرا وقد حلَّ أعلى قبَّة الملك والسَّنا
[ ٣ / ٢٨٦ ]
وأنسك ألحانًا وسجع مخارق إذا مسَّ أوتارًا وغرَّد معلنا
بكت طربًا لمَّا بكيت صبابةً وكم بين مسرور ومن يشتكي الضَّنا
ومن شعره أيضًا أول قصيدة: [من البسيط]
غنَّى الحمام على أغصانه طربا فلم يدع مهجةً إلَّا التظت لهبا
هاجت لي الشَّوق في الأغصان صارخةً لا تعرف الوجد والأشواق والوصبا
ما إن رأيت جهولًا قبل رؤيتها أصبى الحليم إلى أن بات مكتئبا
تبكي وما فارقت إلفًا ولا وطنا فكيف من فارق الألاَّف مغتربا
/٢٠٠ أ/ يا قاتل الله صدَّاح الخمام إلى كم يألف النَّوح في أغصانه طربا
هاج الصَّبابة من أعنان كاظمة حتى استهلَّت علينا باللِّوى سحبا
ومن شعره أيضًا في كتابه المسمّى بـ"النفائس الأعلاق": [من الكامل]
باتا بأنعم عيشة حتَّى بدا صبح تألَّق كالأغرِّ الأشقر
فتلازما عند الصَّباح صبابة (أخذ الغريم بفضل ذيل المعسر)
[٤١٥]
عليُّ بن المعمّر بن أبي القاسم، أبو الحسن الواسطيُّ.
كان قارئًا حسنًا، محدّثًا شاعرًا؛ قرأ القرآن بواسط، وسمع الحديث الكثير؛ وعنده دراية بالنحو واللغة.
قدم بغداد واستوطنها، إلى أن توفّي بها يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة تسع وستمائة، ودفن غربيها، عند قبر معروف الزاهد – ﵁ -.
أنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي – ﵀ – قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه، في شيخه ابن الجوزي، وقد أصابت /٢٠٠ ب/ النار بعض جوارحه:
[من المنسرح]
ما مسَّت النَّار منك جارحةً ذات خصال يهي معدِّدها
إلَّا لقول الإله ما أحد من البرايا إلا سيوردها
فعجَّلت كي يكون في النَّشأة الأخرى سليمًا ممَّا ينكِّدها
[ ٣ / ٢٨٧ ]
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضًا لنفسه: [من السريع]
يا أحسن العالم وجهًا ويا من هو فينا فتنة الكلِّ
إن كان يرضيك دمي في الهوى فأنت من قتلي في حلِّ
سلبتني عقلي وقد لذَّ لي أنِّي أهواك بلا عقل
لأنَّ مجنونك يا متلفي يسلم من لوم ومن عذل
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من السريع]
عيناك لي أفلَّ من صارم أرهفه القين على عمده
لأنها تقطع في غمدها والسَّيف لا يقطع في غمده
وقال أيضًا: [من البسيط]
يا نهر عيسى إلى عيسى نسبت وما نسبت إلَّا بتحقيق وإيضاح
فإنَّما بك إحياء القلوب كما عيسى المسيح به إحياء أرواح
[٤١٦]
عليُّ بن شمَّاس بن هبّة الله /٢٠١ أ/ بن إبراهيم بن شماس.
وقد تقدّم شعر ولده.
أبو الحسن بن أبي الفضل الإربلي، المولد والمنشأ، الوزير.
كتب في ديوان الإنشاء بإربل للملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين؛ ثم استوزره بعد قبضه على وزيره ولي الدين أبي الثناء محمود بن محمّد بن مقداد بن فارس الحرّاني. وتمكن لديه، وحكم في دولته، ونال عنده مرتبة رفيعة، لم ينلها أحد قبله ولا بعده.
[ ٣ / ٢٨٨ ]
ثم جرت له نبوة فسجنه بقلعة هرور من أعمال إربل؛ ومات بها محبوسًا يوم الاثنين خامس عشر من ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وستمائة؛ وكانت ولادته في ثامن عشر ذي الحجة سنة أربع وأربعين وخمسمائة – رحمه الله تعالى -.
وكان من محاسن زمانه، وظرفاء الدّهر وأعيانه؛ لطيفًا جليلًا عاقلًا حصيفًا؛ يرجع إلى فضل وذكاء وكفاية ودهاء بصيرًا بالأمور السلطانية، ذا رأي ثاقب، وحزم شديد، تاركًا للتكلف؛ يكره الحشمة والرئاسة، ويتبسط مع الأصدقاء والأصحاب، ويظهر البشر والبشاشة بينهم، ويتعصب للغرباء /٢٠١ ب/ وأهل الأدب والشعر.
أنشدني الصاحب الوزير أبي البركات المستوفي؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن شماس الوزير لنفسه في محبوس: [من الكامل]
لا يشمت الحسّاد حبسك إنَّه شرف يتيه يمثله الأشراف
ثكلتهم أمُّ العلاء أما دروا مأوى نفيس الجوهر الأصداف
لو كان ينصفك الزَّمان كفاك ما يجني ولكن فاتك الإنصاف
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
يا من يسامرني بعجمة لفظه فإخال سحبانًا بها متكلِّما
فأظلُّ مكتئبًا بنطق صامت يا قاتل الله الفصيح الأعجما
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
هل ناصر قد عزَّت الأعوان أم راحم قد لجَّ بي العدوان
أم حامل ضيمي وتلك بوارق الطَّمع الكذوب سحابها لمعان
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه من قطعة: [وكتب بها إلى الأمير عزّ الدين الدين محمد .. بدر الكردي يعاتبه من الحبس، وكان أولها: [من الطويل]
متى ينقضي وجروح
.. أضرَّ بها النوى وتوقى دموع جفنهنَّ قريح
.. تنوح]
وتجمعنا دار نعمنا بظلِّها ونغدو على جيراننا ونروح
[ ٣ / ٢٨٩ ]
ونهجر أوطان البلى ومنازلًا غبوقي أحزان بها وصبوح
/٢٠٢ أ/ ونعدم أثقال القيود وتذهب الجروح بأقدام لنا وقروح
ونأمن روعات الحبوس وينجلي شحوب على حرِّ الوجوه يلوح
وينشر مطويُّ الأحاديث بيننا ونلقي عصا أحزاننا ونريح
ويعتذر الجافي إلينا ويصبح السَّقيم من الأحوال وهو صحيح
إلى الله يشكو قسوة الدَّهر عاجز ذليل على فرش الهوان طريح
قرارة أحداث اللَّيالي وملتقى جيوش الرَّزايا سانح وبريح
ومجتمع الأحزان فلُّ مصائب صريع بسيف النَّائبات جريح
سهام المنايا تنتحيه نصالها ومسلك أقوال الوشاة فسيح
يضجُّ ضجيج النِّيب نهب سقامها وأعوزها ورد وعزَّ نصوح
وأصبح إلبًا لا يرجَّى ونفعه إذا سيم حمل المكرمات طليح
إلا مبلغ عنِّي ابن بدر رسالة لها نفحات بالعتاب تفوح
إذا تليت آياتها في محافل تيمَّمه اللَّوم الممضُّ صريح
أصاخ إلى قول الوشاة وبينها وصدق أحاديث مهامه فيح
إلى خالق الخلق المصير ويقبل الصحيح إذا ضمَّ الجميع ضريح
[وقال يصف طبيبًا: [من السريع]
يا من غدا بقراط مع علمه عبدًا له في صنعة الطِّب
ومن به راحت نفوس الورى في دعة آمنة السِّرب
ومن إذا شاهده الكرب]
[٤١٧]
/٢٠٢ ب/ عليُّ بن ظافر بن الحسين، أبو الحسن بن أبي المنصور الأزديُّ.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
من أهل الديار المصرية.
كان والده فقيهًا مالكيًا، إمامًا في الفقه والأصول؛ له حلقة يختلف إليه جماعة من المستفيدين، يقرأون عليه العلم.
وكان ابنه هذا رجلًا نبيهًا جليلًا، ذا فضائل وافرة، وبلاغة متظاهرة، ومكان جيد من صناعتي النظم والنثر؛ وله اليد الطولى في فن الأدب، مع أخذه بحظٍّ من مذهب مالك، وقيامه معلم الأصول والإطلاع على أخبار النّاس وأيامهم، وأمثال العرب وأشعارهم.
وصنّف عدّة كتب، تعرب عن فضله، وتنبئ عن فهمه؛ منها "كتاب الشجعان"، وكتاب "أساس السياسة"، وكتاب "الدول المنقطعة"، وكتاب "بدائع البدائة".
وترقت به الحال، إلى أن استوزره الملك الأشرف أبو الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب، على حرّان وأعمالها؛ فبقي يتولاها مدّة يظهر على أهلها الحماقة الزائدة /٢٠٣ أ/ عن الحدِّ والصلف؛ واستطال عليهم بالسفه والكلام الشنيع، ولم تحمد سيرته عندهم، فأبلغ الملك الأشرف ما كان يعامل به الناس، صرفه عن الولاية، فانتقل إلى مصر، فتوفّي بها في سنة ثلاث عشرة وستمائة.
وكان تيَّاهًا معجبًا بنفسه على من يخاطبه، شرس الأخلاق، تعتريه علّة سوداوية؛ وقفت على قطع وافرة من أشعاره، رواها عنه نجيب الدين بن شقيشقة.
أنشدني نجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العزّ بن أبي طالب الصفار الشيباني الدمشقي بها في المحرم سنة أربعين وستمائة؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن أبي المنصور ظافر بن الحسين الأزدي المصري الكاتب لنفسه يذم الدنيا، ويذكر أغراضًا له: [من المنسرح]
مقتُّ هذا الزَّمان بعد مقه قد يبغض المرء بعض ما عشقه
[ ٣ / ٢٩١ ]
تبًا لهذي الدُّنيا فما رؤيت إلا بحبل الجهَّال معتلقه
عقيرة حولها الكلاب فقد وافق شن من أهلها طبقه
أين رجال الدُّنيا وساستها ذلك جيل أفناه من خلقه
قد سبقوني موتًا فلا بد للمسبوق أن يلحق الَّذي سبقه
/٢٠٣ ب/ وخلَّفوني بالكره في خلف أجرع من سوء فعلهم رنقه
زعنفة تسكن الحوانيت ما زالت إليها للكسب منطلقه
وباعة تجمع الحرام وما من غير أديانها لها نفقه
حتَّى إذا ما لمنصب وليت أضحت بسحت البرطيل مرتفقه
لو راهنوني في أنَّهم بقر يومًا لأضحت رهانهم علقه
أو حلَّ ما بينهم هبنَّقة لكان أغنى حجاهم حمقه
ما في كتاب الأوراق أجمعه مثل أحاديثهم ولا الورقه
وزاده الملك ما التِّجارة من آلاتها يا طغام يا فسقه
أين السِّياسات للمالك من سمُّورة تشترى ومن وشقه
صونوا السوء بالأمر كم رفعت ولا تكونوا لها من العققه
فربَّ الكفّ فاتله حبلًا بما أبرمته مختنقه
كم ذنب صار من جهالته رأسًا ففكُّوا من رأسه عنقه
وكم وضيع علا فحطَّ وقد أضحت قلوب الورى به حنقه
لولا تعاليه في سفالته ما حرموه الحنوَّ والشَّفقة
يا ليت ضبَّ الفلاة يسلم من محترش وهو ساكن نفقه
/٢١٢ أ/ أنت كالنَّجم بينهم وهم كاللَّيل يعلو ركامه غسقه
يخشونني كالحمير عاينت الليث فظلَّت مرهوبة فرقه
فهم يظنُّون [أنَّ] الأرض مائدةً من رعبهم والسماء منطبقه
كذاك من يمتطي المناصب لا من أهلها لم تزل به قلقه
ومن رقى شاهقًا ولم يعتد المشي فلا يأمن به زلقه
كم مقرف رام رائعًا فكبا وانشقَّ بهرًا ولم ينل طلقه
ما شاء يهوى خَلقًا ولا خُلقًا إلا كما شابه الرّصاص رقه
[ ٣ / ٢٩٢ ]
فلي لسان بالعلم منطلق إلى يد بالعطاء مندفقه
ولي كلام كالدُّر لو ظفر الدُّرُّ به وقت غفلة سرقه
معنى القنا خذ وخلِّ صورته فكم أتتنا من دودة سرقه
كم ذا تراني أجدُّ منتحيًا رتق أمور تجيء منفتقه
رقَّعتها مثلما يرقع بالدِّيباج خرق العباءة الخلقه
في فقراء من كلِّ تجربة وقفت عقلي عليهم صدقه
وباذل الودِّ مثل وممحض الحبِّ مثل من مذقه
/٢١٢ ب/ أخفى وفضلي في الأرض مشتهر هل يجهل المسك ناشق عبقه
خلِّ بلادًا عليمها مثل ذي الجهل وموثوقها كغير ثقه
للحرِّ في الأرض أيُّ مرتبع إن شوك دوح عنه حمى ورقه
وإنَّ في صوله الصَّواعق تكدَّ سقيا السَّحائب الغدقه
ودن بيأس من رفد مرتزق مثلك عبد وارج الَّذي رزقه
واقدم على الهون غير مرتدع فإنَّ من رام مطلبًا لحقه
ولا يروعنك قولهم بطل حيَّة واد فأصله علقه
وما توقى الشجاع ناقصه خمرة قد كان يحمل الدَّرقه
أن لا يراكن خالقها من خلف أهداب جفنها الحدقه
وقلَّ ما تنفع امرءًا عدد الحرب إذا صرف دهره طرقه
لم تنفع القارة الرَّقاء وقد كادهم دهرهم ولا الحرقه
ولا تحامي المطَّيِّبين لأجل الحلف صرف الرَّدى ولا اللَّعقة
أودى بسعد من خلف شكَّته من ولدته لحتفه العرقه
ولا حماه سرد الحديد ولا بأس إذا اللَّيث راءه فرقه
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في الحكمة: [من مجزوء الكامل]
/٢١٣ أ/ استنطق الإنسان يظهر نطقه خافي شؤونه
فالنَّاس فخَّار ويبدو حاله لك من طنينه
وقال بالإسناد: [من الكامل]
إستقر أحوال الفتى إن شئت من قرنائه
[ ٣ / ٢٩٣ ]
فالنَّاس من ماء ولون الماء لون إنائه
وأنشدني: قال: أنشدني لنفسه: [من المنسرح]
إذا مكان لم ينب جانبه عنك فلا تطَّلب به بدلا
فذاك بغيٌّ والبغيُّ مهلكة والمرء رهن بكلِّ ما فعلا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في غلام بديع الجمال، لابس حلقتين في أذنيه فيهما جوهرتان: [من الطويل]
وبي شادن حالي المسامع مذ بدا يميس هفت حبّا له منِّي النَّفس
حكت حلقتاه ضمن جوهرتيهما هلالين في نجمين بينهما شمس
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في البطيخ: [من الكامل]
وافى ببطِّيخ حكى في ريحه ومذاقه شهدًا خليط مدام
/٢١٣ ب/ فرأيته لما انتضى سكِّينه وغدا يشقِّقه لنا في الجام
كالشَّمس قطَّعت البدور أهلَّةً بضياء برق في سواد ظلام
وأنشدني؛ قال: أنشدني في صغير السنّ: [من مجزوء الرجز]
بي شادن صوَّره لفتنتي من صوَّره
يودُّ من رآه خوف عشقه لو لم يره
ولم يصغِّر قدره السن الَّذي قد صغَّره
بل جاء كالغصين تحت صفحة كالزُّهره
يبيضُّ ذاك الوجه إذ تسودُّ تلك الشَّعره
ذو ناظر هاروت لو قابله لسحره
ومبسم يبصره البرق فيغشى بصره
تراه كاللُّؤلؤ في فم كلمح الجوهره
سبحان من نظَّم زهر الشُّهب وسط الزُّهره
وله في الحكمة بالإسناد: [من مخلّع البسيط]
لا تغترر بالعدوِّ يومًا إن لان منه عليك قلب
عوائد الطَّبع غالبات كم آلم الشُّوك وهو رطب
[ ٣ / ٢٩٤ ]
/٢١٤ أ/وأنشدني؛ قال: أنشدني من شعره، وكتبه إلى صديق له بالموصل وهو
الأمير الأجل مجد الدين إسماعيل بن مجاهد الدين العماديّ يستهديه سمكًا:
[من الطويل]
يا أيُّها المجد الَّذي المجد شيمةٌ له زان منها إذ سواه يشينها
ومن خلقه مثل الرياض تجاوبت حمائمها جهراَّ ومادت غصونها
يقولون لي أسماك دجلة شكلها بديع إذا لاحت لمن يستبينها
يعين الَّذي يبغي لها الاكل طيبها ويسعده في سرعة الهضم لينها
ملوك فما الأسماك إلاَّ عبيدها لذا لبست أثواب تبر متونها
إذا ما جلاميد الصخور غدت لهم حصونًا فأمواج البحار حصونها
فكالعسجد المحض النُّضار ظهورها وكالفضة البحت الخلاص بطونها
وإن أزرق الياقوت ذاب فنهرها وإن لم تذب أحجاره فعيونها
لبسن دروعًا دروع وفي مثل الدروع متونها
فيا عجبًا منها تموت كل لا يزال يصونها
وليس لنا طاه مجيد تطيب من صنائعه أنواعها وفنونها
/٢١٤/فدونك فًاصنع ماتشاء فأنت من يذل نفيسات الندى ويهينها
ودم للعلا توفى لديك وعودها إذا جحدت يوما وتقتضى ديونها
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في الحكمة: [من الطويل]
إذا احتاج قوم للحكيم فإنَّهم لذي الجهل ممَّن شأنه الحكم أحوج
فلا يرتجي الناس انتظام أمورهم متى لم يكن فيهم ركين وأهوج
وهل ينفع الرَّامي استقامة إذا لم يؤيده من القوس أغوج
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
إن ترض بالدُّون ممَّن ترتجيه تفز منه بكلِّ زهيد القدر منحوس
ومن أبت نفسه نزر الجدا أنفًا ينل نفائس مذحور وملبوس
رضا الحمائم بالآحواق أخرها عن أن تشارك في وشي الطواويس
وقال أيضًا: [من السريع]
[ ٣ / ٢٩٥ ]
إعوجَّ إن كنت تريد الغنى تظفر وإلا عضك الاحتياج
فالفحُّ لم يصطد ولم يقتض لولا الَّذي فية من الإعوجاج
[٤١٨]
/ ٢٠٤ أ/ عليُّ بن أحمد بن عليٍّ بن عبد المنعم بن هبل، أبو الحسن بن
أبي العباس الحكيم، البغداديُّ المولد والمنشأ
الفاضل المشهور المعروف بالخلآطي، وليس خلاطيًا على الحقيقة، إلآ أنه رحل
إلى خلاط، وأقام بها دهرًا طويلًا، فنسب إليها.
وكان تلميذ أوحد زمانه أبي البركات هبة الله بن ملكا الحكيم البلدي، وعليه قرأ علم
الطبّ /٢٠٤ ب/ وأتقنه، واقتبس من فوائده، وتقدّم حينئذ وبرع في فنِّ الطب والمداواة،
وفاق أهل زمانه بالحذق والصناعة.
ثم قدم ماردين، ووزر لصاحبها قطب الدين إيل غازي بن البى بن
تمرتاش بن أرتق الأرتقي، وصنف في الطب كتابًا حسنًا سماه
[ ٣ / ٢٩٦ ]
"المختار"، وكان قدسمع شيئًا من الحديث على أبي القاسم إسماعيل السمر قندي،
وقرئ عليه بالموصل، وأضرَّ في آخر عمره.
وكانت وفاته بالموصل، ثالث عشر المحرم سنة عشر وستمائة، ودفن ظاهر
البلد - غربيه - بمقبرة المعافى بن عمران الزاهد - ﵄؛ وكانت ولادته ببغداد
بباب الأزج، بدرب ثمل في الثالث والعشرين من ذى القعدة سنة ست أو خمس عشرة
وخمسمائة.
هكذا ذكرا لما سئل عن مولده، وكان مع ذلك كثير الصدقة، حسن الأخلاق، واسع
النفس، له أشعار.
أنشدني أبو العباس أحمد بن سيف بن محمد الموصلي؛ قال: أنشدني الحكيم أبو
الحسن لنفسه: [من الطويل]
ومن لم يخف ذمًا فلا ترج أنَّه يعفُّ عن العوراء وهو قدير
/ ٢٠٥ أ/ ومن لم تكن آباؤه وجدوده كرامًا وإن يبخل فذاك جدير
وممّا وجد له ايضًا؛ قوله يتشوق فيه إلى أهله بالعراق، ونقِّل من خطه:
[من الطويل]
أيا أثلاث بالعراق ألفتها عليك سلام لا يزال يفوح
لقد كنت جلدًا عند قربي بقربها فقد عاد مكتوم الفؤاد يبوح
فمأ أحسن الأيام في ظل أنيبها قبيل طلوع الشمس حين تلوح
وقد غرَّد القمري في غسق الدجى وداعي حمام في الغصون ينوح
ذكرت ليال بالصراة وطيبها نطير لها شوقًا ونحن جموح
[ ٣ / ٢٩٧ ]
وقال أيضًا: [من الطويل]
أيا دوحة هام الفؤاد بذكرها عليك سلام الله يا دوحة الأنس
رمتني النوى بالعبد منك وقولها وقد كنت جارًا لاصفًا لك بالأمس
فيا ليت أنِّي بعد بعد احبتي نقلت كريمًا راضي النفس بالرَّمس
وإلاَّ فليت الدَّهر يمكن منهم بقبض حبال الوصل بالأنمل الخمس
إذا جال طرفي بالعراق وجوه كأني نظرت الأفق من مطلع الشمس
[٤١٩]
/ ٢٠٥ ب/ عليُّ بن محمد بن يوسف بن مسعود،
أبو الحسن القرطبيُّ القيسي القبذاقيُّ، المعروف بابن
خروف.
خرج عن الأندلس، وقدم بلاد الشام، ونزل حلب، واستوطنها في أيام الملك الظاهر
غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب، وانقطع إليه وامتدحه بعدة قصائد؛ ومات في أيامه
في سنة أربع وستمائة.
وكان من المطبوعين في الشعر، وظرًاف الناس في وقته؛ وكان من المطبوعين ذا
فصاحة ودماثة، قيمًا بعلم العربية والأدب، حسن الشعر، يتخالع فيه، وله مكاتبات ورسائل
ويد باسطة في عمل الموشح والأزجال الأندلسية. وكان من أقدر الناس في صنعتها.
وكان صديقًا لابن لهيب الشاعر، وبينهما انبساط يقتضي الاسترسال، معه [في]
[ ٣ / ٢٩٨ ]
المداعبة؛ ومما كتبه إليه وقد استدعاه ابن لهيب، فكتب إليه أبو الحسن الجواب:
[من المجتث]
أبن اللهيب دعاني دعاء غير النبيه
/٢٠٧ أ/ إن صرت يومًا إليه فوالدي في أبيه
وأنشدنى أبو الحسن علي بن عبد الجبار القيرواني؛ قال: أنشدني أبو الحسن ابن
خروف لنفسه من صدر كتاب كتبه إلى القاضي أبي المحاسن يوسف بن رافع بن شدّاد
الموصلي- قاضي حلب- يطلب منه فروة: [من الوافر]
بهاء الدين والدنيا ونور المجد والحسب
طلبت مخافة الأنواء من حسناك جلد أبي
ففضلك عالم أني خروف بارع الأدب
حلبت الدهر أشطره وفي حلب صفا حلبي
وأنشدني الحكيم أبو الفرج عبد القاهربن عفيف بن عبد القاهر بن سكرة الحلبى
الإسرائيلي بحلب؛ قال: أنشدني ابن خروف لنفسه في المهذب بن الدخوار الدمشقي
[من البسيط]
/٢٠٧ ب/ إن الأعيرج حاز الطِّب أجمعه أستغفر الله إلا العلم والعملا
وليس يجهل شيئًامن غوامضه إلا الجواهر والآعراض والعللا
في حيلة البرء قلت عنده حيلٌ ويدري للردى حيلا
الروح تسكن جثمان العليل على علاته فإذا ما طبه رحلا
وقال يصف النيل: [من البسيط]
مأعجب النيل ما أحلى شمائله في ضفتيه من الأشجار أرواح
من جنّة الخلد فيَّاضٌ على ترع يهب قيها هبوب الروح أرياح
ليست زيادتهُ ماء كما زعموا وإنما هي أرزاق وأرواح
وأنشدني الحكيم أبو الفرج عبد القاهر بن سكرة؛ قال أنشدني ابن خروف
[ ٣ / ٢٩٩ ]
لنفسه: [من مجزوء البسيط]
أنت بطبِّ الوري عليمٌ لكنه إن. . . . . . . . . . .طبا
وقال في رجل مغربي يقال له ابن السُّميل: [من الوافر]
أيا نجل السُّميل سملت حتي غدوت من الممُّزقة الرِّثاث
عجانك من سباع الطير أودي به قومٌ وأنت من البغاث
/٢٠٦ أ/ تناك وأنت أقرع ذو قرون فأشبهت الجرادة في ثلاثٍ
أي هو أقرع له قرون ويناك.
وقال وكان أميناَ ببيمار ستان بدمشق، وكان له بواب اسمه السِّيد: [من السريع]
مولاي مولاي أجرني فقد أمسيت في دار الآسي والحتوف
وكيف لي صبرٌ علي مننزلٍ بوابه السِّيد وجدِّيخروف
السِّيد: الذئب.
وله يصف سنديّا، والسندي لاعب الخفّ الَّذي يلعب بالسيوف وغيرها:
[من الكامل]
ومنوَّع الحركات يلعب بالنهي لبس المحاسن عند خلع لباسه
متأوُّد كالغصن فوق كثيبه متلاعب كالظبي عند كناسه
بالعقل يلعب مقبلًا أو مدبرًا كالدَّهر يلعب كيف شاء بناسه
وقال في زربطانه: [من البسيط]
لافظةٌ من جوفها دورا تعطِّل الَّروض من شاد وصدَّاح
/٢٠٦ ب/ مثل البراع ولكنها ما لها عقدٌ إذا تسدًّد بالأفواه والراح
أبصرت راميةٌ في شكل طاعنة فتتمني لقسيِّ أو لأرماح
نفخت فيها وقّد سوَّيتها جسدًا روحًا فتقبض أروحًا لأرواح
يا مشرقًا تشرق الدُّنيا بسؤدده هبها فتاةٌ وخذ آيات امداح
[ ٣ / ٣٠٠ ]
وله يستهدي خمرًا: [من مخلّع البسيط]
يا من يهزُّ المديح منه عطفًا حكي المائس المروحا
خذ جسدًا ليس فيه روح وانفخ من الراح فيه روحا
وله في كأس: [من مجزوء الرمل]
أنا جسمٌ للحمياَّ والحميَّالي روح
بين أهل الظرف أغدو كل وقتٍ وأروح
وله في الحكيم الأعرج المهذب بن علي الكحال المعروف بالدخوار الدمشقى: [من الوافر]
تجرِّر ياأعيرج ذيل كبر وتعلم لؤم وغد أنت نجله
وتمشي مشية الخيلاء زهوًا أمام السَّامري وأنت عجله
السامريّ: رجل كان بدمشق، وكان شريكًا للاعيرج.
عليُّ بن عمّار بن عليِّ بن جميل بن صالح بن عثمان بن علىِّ بن محمد بن عمر، أبو الحسن الكرخينىُّ.
وكرخنيى قلعة حصينة بينها وبين إربل مسافة يومين؛ وأبو الحسن كان خطيبها،
وفتح لها مكتبً يعلم صبيانها الخط، وتوفي بها يوم الجمعه غرّة رمضان
[ ٣ / ٣٠١ ]
سنة إحدى وستمائه، وبلغ سنًا عالية حتي قارب المائة؛ وكان من حفاظ القرآن العظيم، وأهل اخير، له أشعار ضعيفة.
أنشدني ولده عبد المؤمن؛ قال: أنشدني والدي له في الملك العظيم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين-
﵁- ويعِّرض بذكر رجل، يلقب بالشجاع، وكان عاملا بكرخين: [من الوافر]
ألا يا أيُّها الملك المطاع ومن ذلَّت لهيبته السِّباع
بكر خانينا أسدٌ ضريُّ أخو بأس يقال له الشُّجاع
/٢٠٨ ب/ يناصحكم مناصحةً بصدق وأوفر همَّة لا تستطاع
تكاد القلعة العلياء تسمو به لو قبلها سمت القلاع
كأنَّ تجاوب الأجراس فيها مثاني العود حرَّكة السَّماع
فدم لا زال ملكك في دوام علي الأيَّام ليس له انقطاع
وأنشدني؛ قال: أنشدني والدي لنفسي: [من المنسرح]
زار وجيش الظَّلام مفلول وسيف نجم الصباح مسلول
مهفهفٌ صيغ من محاسنه فهو بماء النفوس مجبول
قد كتب الحسن فوق عارضه كل محبّ بالهجر مقتول
سري بأنفاس مقلتى قمرٌ منقوط خطِّ العذار مشكول
ومنها يقول: [من المنسرح]
ياأيٌّها المجد أنت من كرم يرجي إذا زادت الأقاويل
عرِّف بفضلي من ليس يفهمه علمًا فإنَّ الغريب مجهول
وانعم وجد واغنم الثَّنا ثمنًا إن الوري فاضل ومفضول
[ ٣ / ٣٠٢ ]
علىُّ بن ملاعب بن علويِّ/٢٠٩ أ/، أبو الحسن الموصليُّ
المولد والمنشأ، الإربليُّ الدار.
كان حافظًا للقرآن الكريم، قرأه بالموصل علي أبي بكر يحيى بن سعدون بن تمام القرطبي المقرئ.
سكن مدينة إربل إلى أن توفي بها في شهر الله رجب سنة أربع وستمائة، فكان يكتب بها الشروط، وختم عليه القرآن
أكثر من أربعمائة شخص؛ وكان من أهل الفضل والصلاح، عاقلا متدنيا؛ يقول الشعر.
أنشدني ولده أحمد؛ قال: أنشدني والدي لنفسي: [من الكامل]
ياراكبًا يفلي الفلا بمناسم تدمي كطرفي أو كقلبي الخافق
عرِّج علي وادي العقيق فأهله عقُّوا وضلُّوا بالخيال الطارق
واقر السَّلام عليهم من معشر علقوا من الدُّنيا بقطع علائق
غاروا بطرفهم الغرير مع النوي نوم الغرير علي محبٍّ شائق
وبحاجر حجروا العقول وحرَّموا مذ حرَّموا وصلي بكل طرائقي
بانوا فما بان الآراك بمائس أبدًا ولا ماء العذيب برائق
ما ضرَّوا لو رقُّوا لرق هواهم بالقرب بعد تباعدٍ وتفارق
وأنشدني؛: قال أنشدني أبي يمدح القاضي عون الدين /٢٠٩ ب/أبا العباس أحمد بن حنبل بن محمد بن منعة بن مالك الإربلي: [من الرمل]
علَّلاني بالأماني فلعلِّي واعذراني واعذلا من رام قتلي
وارحما من ظلَّ يحسو دمعه كلَّما غنَّي حمامٌ فوق أثل
يرتجي طيف خيال ومتي يطرق في غير محلِّ
آه إن عاود جفني وسنٌ وسري طيفٌ وهيهات ومن لي
[ ٣ / ٣٠٣ ]
خفِّفوا عن كاهلي نقل الهوى ملكم من في الهوى يرحم مثلي
أو ما يكفي عزاءً أنّني نازح الآوطان عن جارٍ وأهل
قد عدمت القرب والوصل معًا وعطا شمل من قاض أجلٌ
هو عون الدين مولي ما له في جميع الناس من شبه وشكل
طود علم ما له من مرتقَّى بحر جود فيضه في كلِّ سبل
أيها الموالي الَّذي إنعامه ونداه كالحيا في كلٍّ محل
لا تطل مطل محبٌ صادقٍ فعذاب الدَّهر في فقر ومطل
وابق للعلياء ما لاح سني بارقٍ أو جعجعً الحادي بإبل
وأنشدني؛: قال أنشدني والدي لنفسه:
/٢١١ أ/ رفقًا بها يا أيُّها السَّائق قد سميت لا عاقها عائق
وقف علي الوادي ورد ماءه فإنَّه من ادمعي دافق
ونَّاد بالناَّدي الَّذي دونه هل يجمع المعشوق والعاشق؟
وكتب إلى القاضي تاج الدين جعفر بن محمد الكفر عزىّ: [من الكامل]
يا حاكم الحكُّام حالي في الوري حال البعير الجائع الظَّمآن
يجترُّ من خمصٍ ويحسب أنه بطنٌ وتلك مظنَّة الشَّبعان
وكتب إليه بعض أصدقائه، في يوم مطير هذين البيتين؛ وهما لبعض الشعراء: [من الكامل]
إن كان هذا الغيث جاء لرحمة نشرت به في شمال وجنوب
فلقد جني يا صاحبيَّ جناته منع المحبِّ زيارة المحبوب
فأجابه أبو الحسن على الوزن والقافية: [من الكامل]
يا أيهُّا الحبر اللَّبيب وصاحب الفضل الغري ومن أتى بعجيب
لم يجن هتَّان السحاب وما أتى بإساءةٍ يا ممرضي وطبيبي
/٢١١ ب/لكنه حبس الرَّقيب ولم يكن منع المحبَّ زيارة المحبوب
[ ٣ / ٣٠٤ ]
فانعم وزر فالغيث جاء لرحمةٍ ما جاء للهجران والتِّعذيب
/٢١٠ أ/ وله إلى القاضي بهاء الدين بن شدّاد-قاضي حلب-يشكو إليه بوّابه [من السريع]
زرت بهاء الدٍّين في منزل قد أصبح المجد له مالكا
كأنَّه في حسنه جنةٌ لو لم يكن رضوانها مالكا
وله بيت مفرد في وصف عذار: [من الطويل]
وكان غريب الحسن قبل عذاره فلمَّا بدا صار الغريب المصنَّفا
وقال في الملك الظاهر غياث الدين: [من البسيط]
يا ظاهرًا ظهرت في الدَّهر سيرته كالزَّهر للروض أو كالزُّهر في الأفق
لم تبد حالي مثل اللَّيل حالكة إلا لتطلع فيها أنجم الورق
وقال: أيضا [من البسيط]
غازلت بالرَّملة العفراء ملتفًا غزيَّلًا بصفات الحسن منعوتا
حلَّته وجنته فيها ومقلته حسنًا ليوسف أو سحرًا لها روتا
فعاد جيش أصيحاب له فلي بظنِّه النَّهر المنساب طالوتا
وبالكثيب لحذَّاف له نصبت صفًا كما نضب الكفَّار طاغوتا
أصابها بشبيه القلب منه كما أصاب داود بالأحجار جالوتا
/٢١٠ ب/ وله في البليغ المنبوز بالأسحل [من البسيط]
[ ٣ / ٣٠٥ ]
شعر البليغ ولو أصبحت ذا أدب لكنت أنثر ما فيه على ما فيه
بيوته كبيوت الخان قد نظمت وماله كنفٌ إلاَّ قوا فيه
وقال: [من الوافر]
وأسمر ماله في الحسن ثاني ولا يثني المحاسن عنه ثان
فو بهته ترد الحزن عرسًا بلحنٍِ لا المثالث والمثاني
وقال أيضًا: [من الوافر]
أتيت لوعد مولانا ولي في وعده أمل
وأعلم أنَّه شمسٌ ويعلم أنَّني حمل
وله في ابن عثمان المصري: [من الوافر]
رأيتك يا ابن عثمان وعينك قد غدت عينا
فقلت الله يأجره ويترك عينه عينا
[٤٢٢]
/٢١١ ب/ عليُّ بن محمود بن عليِّ بن علوان بن خليفة بن علوان، أبو الحسن الأنصاريُّ البزاعيُّ.
من بزاعا، قرية بباب حلب (١).
قال أنشدني علي بن محمود بن علي البزاعي لنفسه، يمدح الملك الأشرف
موسي بن محمد بن أيوب؛ من قصيدة أوّلها: [من الطويل]
هو الربع لا غمَّت عليك ملاعبه ولا برحت عن مقلتيك رباربه
فهن نسمات الرِّيح من نحو أرضه ترحب صبّ صادفته حبائبه
ومنها:
وفي الكلَّة الدريّة اللَّون شادنٌ تشابه منه ليته وترائبه
[ ٣ / ٣٠٦ ]
ولم أنسه عند الرَّحيل وبيننا رقيبٌ نداجيه وضدٌّ نراقبه
وكلُّ لبيب يكتم الوجد قلبه ويفضحه من حيرة البين قالبه
/٢١٤ أ/وليل ترتدَّي بالغمام ووشِّحت مشارقه من دجنة ومغاربه
يجرَّد نور البرق فيه حسامه فتنصاع من خوف الحسِّام كواكبه
ومن مدحها قوله:
كأنَّ ندي شاه أرمن الأشرف أبتدا بوابله اوبا كرتنا مواهبه
فتي ضمَّنا مع غلطه الدَّهر لطفه ولآن لنا مع شدة الدَّهر جنابه
وبوَّأنا من ر وضه ما صفت لنا مشاربه عند الطَّما ومساربه
ومنها أيضًا:
وهل من يدٍ بيضاء في الدَّهر لم تكن لموسي إذا ما الدَّهر عمَّت غياهبه
[٤٢٣]
/٢١٤ ب/ عليُّ بن الحسن بن عنتر بن ثابتٍ، /٢١٥ أ/ أبو الحسن
الحليُّ، المعروف بشميمٍ (١).
[ ٣ / ٣٠٧ ]
أديب شاعر، عزيز الشعر في فنون، تامُّ العلم باللغة، واسع الحفظ استظهر شيئا كثيرا من الأشعار، وأيام العرب؛
وكان من جمله محفوظاته؛ إصلاح المنتق، يهذّه هذا من
خاطره، وغير ذلك.
اخذ علم العربيه، عن ابي محمد بن الخشاب النحوي، وابي نزار الحسن بن صافي
البغدادي، والملقب ملك النحاة.
وكان صاحب رسائل وخطب ومنظوم ومنشور، وتصنيفات جمَّة، فمن مصنفاته؛
كتاب «الحماسة» من شعره، وكتاب «بداءة الفكر في بدائع النظم والنثر» من قبله ايضا،
وكتاب «انيس الجليس في محاسن التجنيس» من إنشائه وشعره، وكتاب «النكت المفحمات
في شرح المقامات»، وكتاب" مجتنى ريحانة الهمّ في اشتقاق المدح والذم"، وكتاب"معاية العقل ومعاناة النقل"، وكتاب
/٢١٥ ب/"أري المشتار في القريض المختار"، وكتاب صياح المنى في إيضاح الكنى"، وإلى غير ذلك من التواليف.
وكان مع فضله وحفظه؛ فاسد العقل والدين، مهوّسًا تاركًا للصلوات الخمس، ضعيف العقيدة، ذا خفةٍ وطيش،
يطعن في العلماء، ويقدح في الأدباء؛ وكان دأبه الإزراء علي الشعراء المتقدمين، ويجهل الاوائل، وينبزهم بالكلاب،
ويصف نفسه ولا يري فوقه أحدًا، وتبدر منه ألفظ رديئة في حقِّ أهل العلم.
وكان قد طاف قطعة من البلاد، ثم قطن الموصل، وانتابه الناس لاستماع كلامه، ولم يزل بها ساكنًا، إلى أن توفي
في العشر الآخرة من ربيع الآخر سنة إحدي وستمائة؛ ودفن بمقبرة المعافي بن عمران.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن أبي السعادات الموصلي؛ قال: أنشدني أبو الحسن شميم لنفسه، يصف الخمر وعتقها:
[من مجزوء الكامل]
إمزج بمسبوك اللجين ذهبا حكته دموع عيني
لمَّا نعي ناعي الفراق ببين من اهوى وبيني
[ ٣ / ٣٠٨ ]
/٢١٦ أ/ كانت ولم يقدر لشئ قبلها إيجاد كون
أحالها التَّحريم لمَّا شبهت بدم الحسين
خفقت لنا شمسان من لآلائها في الخافقين
وبدت لنا من كأسها من لونها في حلَّتين
فاعجب هداك الله من كون اتِّفاق الضَّرَّتين
في ليلةٍ بدأ السرور بها يطالبني بدين
ومضي طليق الرَّاح من قد كان مغلول اليدين
هي زينة الأحياء في الدُّنيا وزينة كلِّ زين
لم تبدو من أينٍ وهل جسم يري من غير أين
وأستغفر الله العظيم من كتبه!
وأنشدني أبو حامد بن أحمد بن أبي الحسن الموصلي؛ قال: أنشدني أبو الحسن شميم لنفسه: [من المنسرح]
أهلكت عادًا وبعد إرما وكان ما أهلكوا لهم أمما
تنهي عن القذع باللَّسان ولا ينهاك عذلٌ أن تهلك الأمما
كانت معاصيهم الِّتي كتبت أخفي من أن تجري بها قلما
/٢١٦ ب/ وأنشدني أبو الربيع سليمان بن المظفر بن موسي المؤدِّب الإربلي؛ قال: أنشدني شميم لنفسه: [من الخفيف]
قد أتى العيد يقتضيك رسومًا أنت أعلي قدرًا بأن تقتضاها
يا كريمًا جلَّت معاني معاليه التي فاقت الوري أن تضاهي
وأنشدني أبو الفتح مسعود بن سعيد الموصلي؛ قال: أنشدني شميم لنفسه من كتاب
الحماسة الَّذي صنعه في باب النسيب: [من الكامل]
لا تسرحنَّ الطَّرف في بقر الفلا فمصارع الآجال في الآجال
كم نظرةٍ أردت وما أخذت يد المصمي لمن قتلت أداة قتال
سنحت وما سمحت بتسليمٍ وأغلال التَّحيَّة فعلة المختال
[ ٣ / ٣٠٩ ]
أظللت قلبي عندهنَّ ورحت أنشده بذات الضَّال ضلَّ ضلالي
ألوي بألوية العقيق علي الطُّلول مسائلًا من ذا يجيب سؤالي؟
تربت يدي في مقصدي من لا يدي قودي وأولي لي بها أولى لي
يا قاتل الله الدُّمي كم من دمٍ أجرين حلًا كان غير حلال
أسلين ذلِّ اليتيم في الأشبال وفتكن بالآساد في الأغيال
/٢١٧ أ/ ونفرن حين نكرن إقبالي ولو أنِّي نفرت لكان من إقبالي
لكن ذمام الحبِّ أن أولي الوفاء قطيعةً من قالي
وأنشد محمد بن سليمان الموصلي المجلد؛ قال أنشدني شميم الحلي لنفسه: [من مجزوء الرمل]
كان طرفي قبل أن ينظر ميًّا فارقنا
غائضا الدمع فلما حلَّها فار يقينا
وأنشدني؛ قال: أنشدني من شعره: [من مجزوء الكامل]
ومشرِّع أفتي معاقرة السُّلاف البابلي
قلت أتيت هذا حرام قال: هذا الباب لي
وأنشدني في الخطيب الإمام أبو عبد الرحمن محمد بن جاسم بن أحمد بن عبد الواحد ابن هاشم الأسدي الحلبي،
بمحروسة حلب، بمسجدها الجامع، في شهر جمادي الآخرة سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني علي بن الحسن الحليّ
المعروف شميم لنفسه: [من الطويل]
/٢١٧ ب/ سقي منزلًا حاز الهوي لو ثويته بحرَّان ربعيُّ الرَّباب غزيره
وأيَّام لهو يطبيني نعيمها ورائق عيشٍ بان عنٍّي غريره
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه [من المتقارب]
رعي الله مرتبعًا في الفؤاد ترامت به عزمات النّوي
وكان له من صروف الزَّمان نعم المجاور أنَّي ثوي
وأنشدني أيضًا؛ قال: أنشدني شميم قوله [من الكامل]
لو حلَّ نأيك لي مقيل هوي أو دار شحط الدَّار في خلدي
[ ٣ / ٣١٠ ]
لمنعت عينى أن تذوق كرى حتي تري يا جنَّة الخلد
ونواك أوَّل حادثٍ أومي ما القت الآحزان من جلدي
وأنشدني بالاسناد: [من الكامل]
إن عزَّبت حلب الشّام وعزَّبت سكني المقيم بها عن الأبصار
فنعم عوني عن دمع عيني إن تفانت أسرتي وتخاذلت أنصاري
قال وأنشدني لنفسه: [من المجتث]
لو أنَّ تحمل كتبي إليك ريح شمال
لاستكتمتها يميني ما استكتبتها شمالي
/٢١٨ أ/ قال؛ وأنشدني من شعره: [من مخلّع البسيط]
في كلِّ يوم بجفن عيني دمعٌ غريبٌ على غريب
حتَّى كأنَّ الغرام دون الأنام يا صاحبي غري بي
قال وأنشدني له في الفصول الموكبيَّه: [من الكامل]
إنَّ السَّحاب حداه شوقٌ أن يوافي وجهكا
وأحبَّ أن يلقي له مثلا يزار فأمَّكا
ومحاكيًا في الجود من من في الجود كفَّك ماحكى
هيهات قصَّر أن ينال وإن أطال محلَّكا
ورأي بعين العجز ما أبكاه فانتاب البكا
وشكا إلى من لا يصيخ إلى مقالة من شكا
ملك العدا وله النَّدى دون المنام تملُّكا
فاسلم ودم فالدَّهر فيما تنتحيه طوعكا
والأمر بعد الله يا خير البريَّه أمركا
وأنشدني أبو الثناء محمود بن محمد/٢١٨ ب/ابن الأنجب الإربلي؛ قال: أنشدني شميم لنفسه [من السريع]
[ ٣ / ٣١١ ]
إنَّ نبات الشَّعر لابدَّ أن يمتصَّ ماء الورد من وجنتيك
ويستردَّ القبح ماشفَّ من شعار حسن مستعار لديك
ويطلب الثأر دمٌ طلَّه سيفٌ نضاه السِّحر من مقلتيك
وينثني من كان يبكيه منك الصَّدُّ والإعراض يبكي عليك
فارجع إلى الإنصاف في دولةٍ أصغي زمام الأمر فيها لديك
وقال أيضا: [من مجزوء الرجز]
ثغر الرَّبيع ضاحكٌ لضحك ثغر زهره
يجكي نور نوره نور نجوم زهره
فأيُّ عذرٍ لفتي ضيَّع نفع عمره
برفع دال زيده ونصب وراء عمره
وله في وصف ساحر: [من مجزوء الكامل]
قل لي فدتك النَّفس قل لي ماذا تريد إذًا بقتلي
أأردت خمرًا في كؤوسك هذه أم سمًّ صلِّ
/٢١٩ أ/ وقال أيضًا: [من الكامل]
قالوا نراك بكلِّ فنِّ عالمًا فعلام حظُّك من ذباك خسيس؟
فأجبتهم لا تعجبوا وتفهَّموا كم ذاد نهزة ليث خيسٍ خيس
وقال أيضًا: [من الوافر]
أقيلي عثرة الشَّاكي أقيلي فسؤلي في سماع ثار سولي
وإن لم تأذني بفكاك أسري فدلِّيني علي صبرٍ جميل
وقال أيضًا: [من مجزوء الرمل]
ليت من طوّل بالشَّأم ثواه وثوي به
[ ٣ / ٣١٢ ]
جعل العود علي الزَّوراء من بعض ثوابه
أتري يوطئني الدَّهر ثري مسك ترابه
وأراني نور عيني موطئا لي وتري به
علىُّ بن ناصر بن مكِّي بن اللّيث، أبو الحسن المدائنيُّ الشيبانيًّ
كان فقيهًا شاعرًا مترسلًا، زاهدًا في الصلاة؛ قليل الرغبة في الصِّلات؛ ذا أدب وعلم، أتقن طرفًا من/٢١٩ ب/ الحكمة.
وكان سوداويُّ المزاج، به وسواس كان يعتريه؛ سافر إلى مكّة، ودخل الديار المصريّه، وبلاد الموصل وغيرها من البلاد.
أنشدني أبو الثناء محمود بن محمد بن الأنجب؛ قال: أنشدني علي بن ناصر لنفسه بإربل سنة خمس وتسعين وخمسمائه؛
وبلغني أنَّه بقي إلى بعد سنة عشر وستمائة: [من الطويل]
أعد نظرًا يا طرف إنَّك حالم وخلِّ الهوى يا قلب إنَّك هائم
فما الرَّكب إلاَّ غير من أنا ناشد وما الصحب إلاَّ غير من أنا لائم
أضعت غداة البين رشدي وأنكرت معارف عندي للنُّهى ومعالم
وقال أصيحابي ذر الهمَّ والمنى فلن يكرث الفتيان ما أنت راغم
وكن راضيًا بالدَّهر فيما قضى به فإنَّ نصيب الدَّهر ما هو قائم
فيا ناشد الآظعان إن جزت بالحمي وعجت بحزوي والعيون نوائم
وشارفت رند الأبرقين وأبرقت عليك بأطراف القباب اللَّهازم
فحيِّي بها من حيَّ شيبان معشرًا تحيِّك من أبياتهن المكارم
وقال أيضًا: [من الطويل]
[ ٣ / ٣١٣ ]
أعهد الهوى إنِّ لذكراك واصل وطيب الكرى إني لمسراك راقب
/٢٢٠ أ/ وعهد التَّداني هل إلى أربع الحمى معادٌ وهل تقضي بهن المآرب
فمنذ سرى الرَّكب العراقيُّ لم تزل تسامر قلبي بالبكاء النَّواعب
ومذ حبس الحادي المطيَّ علي النَّقا وحنَّت إلى الوجد القلاص النَّجائب
أراق دمي للبين دمعٌ أراقه غداة التقينا للوداع الحبائب
وأصمي فؤادي سهم لحظ رمت به وقد ودَّعتني بالسَّلام الحواجب
بنفسي فتاةٌ أيقظ الصُّبح طرفها وقد ذعرتها بالرُّغاء الرَّكائب
رنت فرنا الرِّيم الحجازيُّ كلُّه وهبَّت لريَّاها الصَّبا والجنائب
وماست فماس البان زهوًا وغرَّدت بشجوٍ فغنَّها الحمام المجاوب
وسائلت الأتراب ولهى وردَّدت تنفُّسها حتي اهتززن التَّرائب
وقالت وقد هاج الهوي ما تجُّنه وقد رمقتها بالملام العواتب
أذاك الفتى المرِّيّ هل غض شمله واعفسه شط المزار الثَّوائب
فقلن لها بل قوَّض البين دمعه وسرن به تلو الرُّكاب الحقائب
وأقفر منه الواديان وأوحشت لمسراه من بطن العقيق الجوانب
فأقطر منها الطَّرف دمعًا كأنَّه لآليء فضَّتها الأكفّ الخواضب
/٢٢٠ ب/ وكلل منها المقلتين فحدَّقت كما أحدقت بالفر قدين الكواكب
.. فرط التَّأسُّف والأسى وورَّد خدَّيها الحياء المغالب
عليُّ بن إدريس بن مقلّد بن شبل بن حريزٍ، أبو الحسن الحمصي، الكاتب بحماة.
من الشعراء المكثرين في زماننا، طويل الباع في النظم، رزقه الله قريحة صافية، ومنحه من علم اللغة حصة وافية.
وهو شاعر مسهب، يتأتى له الكلام من كلّ مذهب، يمدح الملوك والكبار، بمطولات القصائد والأشعار.
ثم إنَّه إذا مدح أحدًا نشر فيه ألف بيت، وربما بلغ نظمه خمسين ألف بيت، على
[ ٣ / ٣١٤ ]
ما أنشدني أبو عبد الله محمد بن حيدر بن الدبندار الشاعر الواسطي؛ قال: أنشدني علي بن أدريس الكاتب لنفسه يمدح
فلك الدين أبا القاسم عبد الرحمن بن هبة الله بن علي بن الميري المصريّ: [من الطويل]
على دار سلمى إذ مررت مسلِّمًا وقد أقفرت منها جرت ادمعي دما
/٢٢١ أ/ وكنت أراها جنَّةٌ باجتماعنا فعدت أراها للفراق جهنَّما
وإن جمعت بين الصُّدود وبينها فكم جعلت فكرًا بذين مقسَّما
وما هي إلاّ ظبيةٌ بجفونها تعفِّر لا بالصَّارم العضب ضيغما
وإن ظلمت باللَّحظ ساحرً بابلٍ فمن خدِّها الورد الجنيِّ تظلَّما
وإن علَّمته النَّفث فترة جفنها فمن سقمه جسمي السقام تعلَّما
وما حرَّمت إلاَّ وصالًا محلَّلًا ولا حلَّلت إلاَّ صدودًا محرَّما
وبي ألمٌ يا ليته لا ألمَّ بي ولم يشفني منه سوى رشفة اللَّما
وقولي لها إذ هزَّها ثمل الصِّبا كما هزَّ غصن البان روحٌ تنسَّما
رعى الله يومَّ الرّّّقمتين لكونه علينا بنعم المتنعم أنعما
وليلة وادي النخلتين وعيتها يذَّكرني غزلان وجرة والحمى
وقد أرشفتني قهوةٌ من رضابها وقد جعلت منها لها كأسها فما
فقالت ببعض العيش لو رحت قانعًا حلمت على دهر عليك تحلَّما
فأنشدتها البيت الَّذي شاع ذكره وعنه لديها ما أملت الترنُّما
قنعت ببعض العيش إن عزَّ كلُّه ومن لم يجد ماءً طهورًا تيمَّما
ووسَّدها منِّي التَّضاجع ساعدًا ووسَّدني منها كما اخترت معصما
/٢٢١ ب/ وبتنا وأستار العفاف انسادلها علي مريم منها ومنِّي ابن مريما
إلي أن بدا ضوء الصَّباح فخلته سني فلك الدِّين الوزير مخيِّما
فتي أمنت عيني برؤية شخصه إلى أن توافي حينها خيفة العمي
وكان مقالي للَّذي قال قد حوي به الأشرف السَّلطان للملك مغنما
فموسي كموسي وهو هارون ملكه ومنه إلى ما يسلم سلَّما
ولا عجبٌ إن شدّ بالرّأي أزره كما شدَّ أزر الحمد جود يد همي
وبالقلم الساطي. . . . . علي القنا وبالخذم كم ألقي إلى الفلِّ مخذما
[ ٣ / ٣١٥ ]
كما قد أباد السَّابريَّ تمزُّقا وإن كان يسمو عن مقالي له كما
فإياك أن تذكر لدي خط نفسه حساما وأن تدني إلى الوصف لهذما
فكم سمهريَّ صار منه محطَّما وكم مشرفيَّ عاد منه مثلَّما
ولم تغن إلًاّ كتبه عن كتائب وأشقرها بالكرِّ يتبع أدهما
وما فضَّها من لا رأى من سطورها لديه خميسًا للبلاغ عرمرما
فقل للِّذي يرجو ندى يد جائدٍ على البحر فيما جاد للمجتدي ظلما
إلي غير جواد ابن المسيري
هو الصَّاحب الصَّدر الَّذي غاية النَّدى يصاحب من يسدي إليه تكرّما
/٢٢٢ أ/ تخال عطاياه لقاصده بها جبالًا أتت في أبحر البشر عوَّما
لهم أعربت أغراب معني مدائحٍ وكنَّا نراه قبل ذلك معجما
مسدّدةٌ آراؤه فلكيِّةٌ مسيرته بالحزم تحزم أحرما
لقد حنَّكته حكمةٌ وتجاربٌ فخذ من علاه أحلم الفصل محكما
أيا سيِّد السَّادات كن لي مساعدًا علي زمنٍ يخطني بغنًي رمي
إلي كم أشق القفر الفقر منجدًا وفيم اقتضت منِّي المتاعب متهما
وعن كعبة المعروف كم أنا عائدٌ كما جئتها ممًّا أؤمِّل محرما
وأنت لها الرُّكن الَّذي عرافته لمعروفها ما أنكر الحمد مر تما
وزمزم جدواها ومنسك فضلها ولمَّا تزالا منك نسكًا ترمرما
وفي كلِّ عامٍ بالأماني يعلُّني رجائي بما يدني عسي ولعلَّما
وليس قيامي في سوي لجَّة النَّدي لأعذب ورد كيف أقضي من الظَّما؟ !
وذا السَّهم إن لم يصم لي غرضًا به غدوت علي فقد الحياة مصمِّما
وما ثَّم إلاَّ عزمةٌ فلكيِّةٌ تشكل لي حظًا بفقر تهدَّما
فإن لمحتني من علاها عنايةٌ تسربلت سر بال السَّعادة معلما
وعاد إلى أهلي النَّذير قائدي ولست بقوَّال أعود مدرهما
/٢٢٢ ب/ ودم في سماوات المعالي محكّمًا مناقبك الَّلاتي له صرن أنجما
وأنشدني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد الحلبيّ؛ قال: أنشدني أبو
[ ٣ / ٣١٦ ]
الحسن علي بن أدريس بن مقلد بن شبل بن حريز الحمصي، لنفسه من أبيات:
[من الخفيف]
أيُّ طيفٍ تطيفه الأحلام بكئيبٍ جفونه لا تنام
أو تري عدل حاكم البين في شرع الكآبات والغرام الغرام
يا لقومي تجنَّبوا الخيف إذا ما فيه أمنٌ لمستهامٍ يسام
وتعدًّوا رمال رامة إذ فيه تصيد الضراغم الآرام
بجفونٍ. . . . . الذم للغضب فما عندها لقلبٍ ذمام
وأنشدني؛ قال لي: واقترح علي الملك المنصور – صاحب حماة – أن يجيز بيتًا هو:
[من الكامل]
يغدوا عليَّ بريقه وبكأسه فيعلُّني بالكأس بعد الكاس
والروض قد أهدي إلى نوَّاره روح النَّسيم بأعطر الأنفاس
ومهفهف من خدِّه وعذاره يجلو جنيَّ الورد تحت الآس
/٢٢٣ أ/ يغدو عليَّ بريقه وبكأسه فيعلُّني بالكاس بعد الكاس
فيروح لي سكران منه ولم يكن للراح إلاَّ سكرةٌ للحاسي
رشاٌ يعير البدر ضوء جبينه والغصن لين قوامه الميَّاس
وإذا أراد مسيرة ناديته (ما في وقوفك ساعةً من باس)
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه، وقد اقترح عليه: [من الكامل]
ولربَّ قائلة: سيول الجود لم ركدت وكانت جمَّة التَّيَّار
فأجبتها لا تنكري هذا فقد جمد النَّدى لبرودة الأشعار
نصف البيت الأخير لابن حكِّينا البغدادي.
وأنشدني؛ قال أنشدني لنفسه: [من الوافر]
يرقُّ لي العواذل وهي تجفو وأنكر حبَّها والسُّقم عرف
بدت كهلال دجنٍ والثًّريَّا منظمةٌ لها قرطٌ وشنف
[ ٣ / ٣١٧ ]
تهدّد بالنوى
فلا وأبيك لم يكن غير لمحٍ وأسار الدُّجى كالصَّدِّ وجف
وقالوا في الضَّعائن أمُّ خشف سرت ولخدرها الخرسان سجف
/٢٢٣ ب/ وفوق عقودها قمرٌ منيرٌ وتحت ثيابها خوطٌ وحقف
فقلت لصاحبي ظعنت سليمى فدمعي بعد مسراها مسفُّ
وأنشدني؛ قال أنشدني وقد أهدي إلى الملك الأفضل سروة من شمع في كأس رخام: [من البسيط]
ودوجة ما سقاها شأن غاديةٍ تميس في كأسها كالشَّادن الثمل
كأنَّ أصفرها لوني وأحمرها دمعي وأبيضها وجه المليك علي
وأنشدني؛ قال أنشدني لنفسه في قويق، وقد ملَّ وهو وابن نظيف واقفان عليه: [من الكامل]
ولقد وقفت علي قويق عندما وافاه سيلٌ ليس بالممنوع
لو لم يكدِّره لقلت مواهب ابن نظيف للعافي بغير شفيع
وكذاك لولا برده لحسبته لمَّا تولَّى الظَّعن فيض دموعي
وقال في صديق ودَّعه: [من الكامل]
يا أيُّها الغادي إليك نصيحةً من قبل توديع وحثِّ مسير
أخشى يفرِّق عيسكم يوم النَّوى دمعي ويلهبه شرار زفيري
فخذوا أمانًا من جفونٍ دمعها هتنٌ وقلبٍ عنك غير صبور
/٢٢٤ أ/ وأنشدني؛ قال أنشدني لنفسه أيضًا، في الفلك بن المسيري يمدحه: [من الخفيف]
فلك الدٍّين ما إلى غير معروفك سيرى بالنَّاجيات البدن
أنت عبد الرَّحمن لفظًا ومعنى لسموٍّ تسمى الفخار وتكني
لم يجزني سواك مالًا وجاهًا ويعنِّي ومن زماني يجرني
إن لوت ليت مكرماتك عنِّي غفلةٌ فهو آخر العهد مني
حاشا لله أن يخيِّب فيمن هو روح الوجود للقصد ظنِّي
[ ٣ / ٣١٨ ]
أو يراني الحسود ممَّا أرجِّيه لقرع الفاقات أقرع سنِّي
ومسيري إلى ندى بن المسيريِّ بقلبٍ لآنعمٍ مطمئن
بل معادي يكون عنه بما عاد نظام الثَّناء عن وجود معن
دام في نعمةٍ لعلياه يغني الحمد إذ للعفاة بالمال يغني
[٢٤٦]
علي بن إسماعيل بن الحسن بن الطوير، أبو الحسن المصريُّ.
أدرك دولة المصريين، وخدم بن شاور، واستوزره بهاء الدين قرقوش، وعاش عمرا طويلًا/٢٢٤ ب/ مائة وسبع سنين؛
وتوفي في أواخر صفر سنة سبع عشرة وستمائة.
وكان رجل جليلًا من كبراء أهل مصر في الرئاسة، وأحد الشهود المعدّلين بها، وكان معتنيًا بالتواريخ والسير والأشعار؛ شاعرًا فاضلًا.
أنشدني أبو المآثر عبد الصمد بن عبد الله المصري؛ قال: أنشدني أبو الحسن له: [من الطويل]
لئن كنت قبل اليوم أسأل خالقي يمتِّعني بالمال والجاه والأهل
فإني لا أسأله يبقيك دائمًا ويوزعني شكريك أصبحت في شغل
عسى الله يجزيك ما أنت أهله ويبقيك ماضي العزم والقول والفعل
وأنشدني؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه: [من الطويل]
أكرِّر تسليمي عليه بأننَّي أشاهده بالقلب وهو بعيد
وليس علي حبِّي له ومودَّتي وشكري وإن رمت المزيد مزيد
[ ٣ / ٣١٩ ]
[٤٢٧]
عليُّ بن عليُّ بن سالم، أبو الحسن بن أبي البركات البغداديُّ، المنعوت بالمفيد.
من أهل الكرخ، ويعرف بابن الشيخ قرأ شيئًا من النحو على أبي الفرج/٢٢٥ أ/ محمد بن الحسين الجفني البغدادي.
وكان شاعرًا صاحب بديهة حاضرة في النظم، سريع الخاطر فيما يقوله من القريض؛ وديوان شعره مجموع، وله مدائح في الناصر لدين الله﵁- أجاد فيها.
وكانت ولادته بكرخ بغداد سنة تسع وخمسين، ومات يوم الثلاثاء سابع رحب سنة سبع عشرة وستمائة.
أنشدني أبو الحسن علي بن المبارك بن هرثمة البغدادي الكرخي؛ قال أنشدني ابن الشيخ لنفسه:؛ يمدح جما الدين بن الحصين
: [من مجزوء الرمل]
بان من أهواه عنِّي فتجافى النُّوم عيني
قمرٌ أيسر ما فيه صدودٌ وتجنِّي
ذكره يدخل قلبي قبل أن يدخل أذني
أنا افدي منه غصنًا في كثيبٍ مثنَّي
عدت يوم البين عنه نادمًا أقرع سنِّي
كم أناديه فأدعوه فلا يسمع منِّي
ما تخيَّلت بأنَّ الخدن لا يرعى لخدن
سيِّدي ما كان ظنِّي فيك أن تخلف ظنِّي
/٢٢٥ ب/كلُّ شيءٍ ما سوى وصلك لي صفقة غبن
[ ٣ / ٣٢٠ ]
يا غريب الحسن والجالب منه كلِّ فنٍ
ما ذكرنا البدر إلاَّ وبه إيَّاك نعني
أو ذكرنا الغصن إلاَّ وكنت من أحسن غصن
متلفي فيك تلافيك وإعراضك عنِّي
أترى ذلك يرضيك فإن كان فزدني
كم تأنَّيت لأمرٍ عزَّ مع طول التَّأنِّي
وكم استعجلت شيئا جاء من غير تعنِّي
أتمنَّى ليلة السَّفح وما يجدي التَّمنِّي
نح معي يا طائر البان وإن شئت فغنِّ
كلُّنا صاحب وجد وصباباتٍ وحزن
صاح ما ذي الغارة الشَّعواء في منزل أمن
رشأ يفتك بالأسد بلا ضربٍ وطعن
ما رمى إلاَّ أصاب القلب من قبل المجنِّ
/٢١٦ أ/ فهو في السُّخط جحيمٌ والرِّضا جنَّة عدن
كجمال الدِّين مولى معرب السُّؤود منِّي
ماجدٌ في راحتيه ما يروم المتمنِّي
يهدم المال ولكن لقصور المجد يبنِّي
فهو عزِّي وغياثي من أذى الدَّهر وحصني
قد جرت في بحر جدواه بريح النُّجح سفني
وأنشدنا محمد بن سعيد الواسطي؛ قال: أنشدني أبو الحسن الكرخي لنفسه: [من الكامل]
ما هذه الدُّنيا لطالب رفدها وعطائها إلاَّ شقا وعناء
يبني بها دارًا ويعلم أنَّه يمضي ويسكن داره الأعداء
ولو ارعوى لم يبن فيها منزلًا ونهاه عن عمل الفناء فناء
كمثال دود القزِّ ينفع [غيره] ولنفسه بفعاله الضَّرَّاء
وانظر إلى المعنى بعين بصيرةٍ فاللَّفظ للمعنى الجليل وعاء
[ ٣ / ٣٢١ ]
ما الفرق في صور الرِّجال وإنَّما بالفضل قد تتميَّز الأشياء
وإذا العبارة لم تكن من نيَّةٍ لله من ذي القصد فهي هباء
/٢٢٦ ب/ من لم يكن في نفسه بمعظَّم لمَّا يعظٍّم قدره العظماء
والحرُّ يشبه كلُّ حرٍّ مثله وكذا السَّفيه نظيره السُّفهاء
وقال في مدح السواد: [من المنسرح]
إنّي لأستحسن السَّواد إذا فكَّرت فيه بقلب معتبر
لو لم يكن في السَّواد منقبةُ ما طرِّزت منه وجنة القمر
ولم يكن في أعزَّ منزلةِ وخير مثوًى في القلب والبصر
ولم يكن في الورى شعارً بني العبَّاس آل النَّبيِّ من مضر
خلائف الله في بريِّته أثني عليهم في محكم السُّور
وقال أيضا: [من المنسرح]
قصَّر نومي طويل تسهيدي لذات قدِّ كالغصن أملود
بيضاء كالدُّرَّة النَّقَّية زينت بحسن الغدائر السُّود
أبدت لنا ساعة الوداع وقد زمُّوا المطايا لساحة البيد
وأنشدني الحافظ الإمام أبو عبد الله بن النجار؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن علي لنفسه: [من الوافر]
/٢٢٧ أ/ ومعتدل القوام إذا تثنَّى تثنَّى الغصن وانهال الكثيب
يجرِّد من لواحظه حسامًا له في كلِّ جارحةٍ نصيب
ويرسل اسمها من مقلتيه مواقعها من المهج القلوب
سقام جفونه مفتاح سقمي وذلك ممرض وهو الطَّبيب
كأنَّ الحسن يعشق وجنتيه فليس يغيب عنه ولا يغيب
[ ٣ / ٣٢٢ ]
[٤٢٨]
عليُّ بن الحسن بن شدادِ، أبو الحسن المصريُّ.
كان شاعرًا متفقهًا، متأدبًا، حسن الشعر.
أنشدني القاضي عبد الصمد بن عبد الله المصري؛ قال: أنشدني علي بن الحسن لنفسه: [من الخفيف]
يا بعيد المزار ودُّك داني ليس ينأى وإن نأت بك دار
واقتراب القلوب مطلوب أهل الفهم لا أن تزاحم الأبشار
ربَّ دانٍ بالجسم ناءٍ عن القلب وناءٍ له الفؤاد قرار
وأنشدني؛ قال أنشدني لنفسه: [من البسيط]
يردُّني الشَّوق إما كنت نحوكم فلست اعرف أرضًا غير أرضكم
/٢٢٧ ب/ نسيت كلًّ طريقٍ كنت أعرفها إلاَّ طريقًا يؤدِّيني لربعكم
[٤٢٩]
عليُّ بن الحسن بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن ثابت بن مزاحم بن عيّاش بن وديعة، أبو الحسن الرّبعيُّ النيليُّ
هو قرية من قرى النيل، تسمى أرديخلي.
كان مولده بها سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وخرج عنها إلى الموصل، وأقام بها يؤدِّب الصبيان، إلى أن مات لثلاث ليال
بقين من المحرم سنة عشرين وستمائة؛ ودفن بباب العراق، ظاهر البلد، بمقبرة عنار.
وكان ذا معرفة بالنحو والحساب؛ شاعرًا شيعيًا، أشعاره كثيرة في أهل البيت- صلوات الله عليهم وسلامه-.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
أنشدني ولده أبو عبد الله محمد؛ قال: أنشدني والدي لنفسه يتشّوق أهله: [من البسيط]
هل لي إيابٌ إلى أهلي وأوطاني وجيرةٍ ذكرهم روحي وريحاني
أرضٌ هويت هواها إذ بها نجمت قدمًا منابت أعراقي وأغصاني
وجيرةٌ جارهم لا جور يكلمه وهم له مثل أنصارٍ وأعوان
إذا تعوَّضت عنهم لم أجد عوضًا كلاَّ ولم يري إنساني لإنسان
/٢٢٨ أ/ وصاحبٍ كنت أرجوه وآمله عونًا لفتح ملمَّاتٍ وأضغان
جازيته بجميل الفعل مجتهدًا في حفظه وبضدِّ الفعل جازاني
كم نال بالنِّيل بعد الصَّدِّ من غرضٍ وكم عليَّ قسي كلبٌ بقوسان
ولسد أجزع من ضدٍّ ولي سندٌ عليه بعد إله العرش تكلاني
إمام حقٍّ أقام الدِّين مجتهدًا بالسَّيف أبني طغاة الإنس والجان
وأنشدني أيضًا؛ قال: أنشدني والدي لنفسه من جملة أبيات قالها في غرض له:
[من الطويل]
سقي منزلًا بالنَّيل لي فيه منزل سكوب الحيأ مثعنجرٌ متهلِّل
وأيام. . . . . بالسُّرور قطعتهأ وقلب مقيمٍ بالجميل موكَّل
ومنها:
أجواد أقيالٌ كرامٌ أعزَّةٌ عوار فهم تزداد والعام ممحل
تري تقدر الأقدار تجمع بيننا وتنصفنا الأيَّام والدَّهر يعدل
ونلبس ملبوس المواهب والتُّقي ونسجتها في الصَّالحات ونرفل
ندير دروس العلم فينا ولم نزل نعلَّ معانيها الحسان وننهل
وإنَّا وإن شطَّت بنا غربة النَّوي . . . . . في النَّاس مجدٌ يؤثَّل
/٢٢٨ ب/ سمونا فأنجانا السُّمو وقد سما أبو جرض أنجاه حرٌ محجَّل
وهيهات ينجو فاسقٌ حال بينه وبين نجاة جحفلٌ فيه جحفل
بأيديهم سود كأنَّها إذا لمست كادت لها النَّفس تجفل
وأعلوه لكن ظهر حرٍّ تخاله كراكبه عيناه عيناه تغزل
وحافره [يا] للرجال مقبَّبٌ كحافره صلب المسامير منعل
[ ٣ / ٣٢٤ ]
ونقلاته نقلاته بيد أنَّه إذا ما مشي بين الحمير يحمّل
شديدٌ سر سيع الخطا سيَّان عنده إذا باشر المسرى مخفٌ ومثقل
[٤٣٠]
عليُّ بن إسماعيل بن إبراهيم بن جبارة بن مختار بن يوسف بن إبراهيم بن الحسن الكنديُّ التُّجيبيُّ الأشعثيُّ الهذلىُّ المحليُّ.
منسوب إلى المحلّة؛ وهو بلد بالديار المصرية.
سكن مصر، وكان نحويًا أديبًا فاضلًا، معبّرًا، يرجع إليه في علم النحو والعربية، وتصدّر لإفادة علم هذا الشأن، يقرأ عليه.
وله مع ذلك يد في الفقه والأصول، وطبع في صناعة الشعر، ومعرفة باللغة؛ وخبرت أنه كان/ ٢٢٩ أ/ شيخًا حسنًا،
جميل الهيأة لطيفًا، طيب المعاشرة، خدم في الأعمال الديوانية، بمصر مدة طويلة وتنقل فيها، ثم كف ّبصره بأخرة،
فانقطع إلى منزله يشغل في العلوم الأدبية كثيرًا من الناس.
كانت ولادته في سنة أربع وخمسين وخمسمائة بمدينة سخا من الأعمال الغربية.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الواحد الأوسي السبي- أدم الله سعادته- قال: أنشدني
أبو الحسن علي بن إسماعيل بن جبارة السخاوي المصري لنفسه بالقاهرة، بمسجد الأزهر في سنة إحدى وثلاثين وستمائة:
[من الرمل]
هتفت ورقاء غصنٍ تغَّني ذات شجوٍ أخذت في كلِّ فنِّ
[ ٣ / ٣٢٥ ]
صاح بي عند ذهولي شجوها يا معنَّى بالحمى إيَّاك عنَّي
إن ترد علم الهوى عن صحَّة خذ أحاديث الحمى عنَّي ومنَّي
يا حمام الأيك من أخبارهم إن تحدَّثت بها يوما فزدني
كرِّر الأخبار يا راويها ومتى ما عن شوقي فأعنَّي
يا فؤادًا ظلَّ في وادي الغضا عنده خلَّفته لم يتَّبعني
/٢٢٩ ب/ قالوا للجسم وقد فارقه ها هنأ إلفي فودِّعني ودعني
أضرم الشوق بقلبي جمرةً عجبًا لم يطفها طوفان جفتي
أتمنَّاهم على بعد المدى قلَّمًا يجدي على الصَّبِّ التَّمني
وأرجَّي عودة بعد النَّوى واللَّيالي أحلفت لي حسن ظنَّي
يا أخلائي من الخيف لقد كان لي في قربكم جنَّات عدن
وقال أيضًا: [من الخفيف]
قد جعلت البدور منك حيارى حسدًا والنُّجوم منك غيارى
بأبي من دفعت قلبي إليها باختياري فلم تدع لي اختيارًا
الأمان الأمان منها ومن نار هواها أو الفرار الفرارا
وبقلبي من كان عهدي بقلبي مضغة ثمَّ قد احالوه دارًا
جيرة أحسنوا إلينا وإن جاروا علينا وإن اساءوا الجوارا
حملوا الرَّاح في المباسم لكن هم صحاة منها ونحن سكارى
كم أتينا لها ورحنا زمانًا وجئنا بها مرارا
وبلغنا بها الأماني طوالًا وقطعنا بها الليالي قصارا
ما جعلت العناق منى دثارًا أو جعلت الشُّعور منها شعارا
/٢٣٠ أ/ بدياري عشقت لم أندب الر بع ذهولًا ولا سالت الدًّيارا
كلفي قطُّ لم يسافر ولا سار غرامي خلف الُّذي عنه سارا
ثمَّ شاب العذار مِّني ويكفيك شيب العذار عند العذري
فأ‘رت الشَّباب غيري وما زال شباب الإنسان ثوبًا معارا
طلع الشَّيب في عذاري نجومًا ورأيت النجوم منه نهارا
وقوله: ﴿من مجزوء الكامل]
[ ٣ / ٣٢٦ ]
جاءت بحسن مطمئنِّ جاءتك منه بكلِّ فنٍّ
يا حسنها ممَّا يروع بالعذار المرجحنِّ
فرِّت من الفردوس إما من ملال أو تجيِّي
يشتاقها مثلي كما تشاقها جنَّات عدن
لحلا صورة كحلها في جفتها سيف بجفن
لمياء مبسمها كصبح قد أحيط بيوم دجن
أنفاسها كنسيم ندِّخاض فيه نسيم دنِّ
يا عاذلي فيه أعِّني أو إليك إليك عنِّي
دخل الغرام بغير أمري للحشا وبغير إذني
/٢٣٠ ب/ تدعو ملاحتها الغرام فيستجيب بلا تأنِّي
ويريك كل إساءة وجه يجيء بكل حسن
وقوله: [من مجزوء الخفيف]
قلت يومًا لمن على خسنه الخلف مجمعه
يا غزالا بحسنه ملك القلب أجمعه
كنت سلِّفتنك الوداد لترعاه في دعه
قال لي مثله رددت من الضِّيق والسِّعه
قلت: زدني من الوصال وخذ مهجتي معه
قال: هذا محرم سلف جرَّ منفعه
وقال: [من الخفيف]
زار عنها الخيال وهي نحيله فاغتنمنا منها الوصال لحيله
جعلت مقلتي منامي سبيلًا لتلافي وصالها ووسيله
تتناءى يقظي وتدنو منامًا فاعجبوا من ضنينه ومنيله
هي منصورة بحسن ودِّل وهما في الورى أعزُّ قبيله
تتثنَّى غصنا وترنو غزالًا حين تدنو بدرًا وتذكو خميله
/٢٣١ أوأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي
[ ٣ / ٣٢٧ ]
بحلب؛ قال: أنشدني ابن جبارة لنفسه: [من المجتث]
لا تعجلن بملامي دهاك منى اعتذاري
فليس عاري بأنِّي أغذو وجسمي عاري
فضلي إزاري فمن ذا عليَّ من بعد زاري
عليٌّ اسمي ولكن ذو الفقر لا ذو الفقار
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من المتقارب]
ولمَّا تنادوا لو شك النوى وجاء الفراق بما احذر
كتبت بدمعي على وجنتي سطورًا بنار الجوى تخبر
وأعجلها سيرها أن تجفَّ فأثَّر فيها دمعي الأحمر
وأنشدني؛ قال: أنشدني من شعره: [من البسيط]
وصاحب في رضاع الكأس نادمني وندَّمِّني بلا جرم فندَّمني
وقال للقلب لمَّا غاب عن بصري: يا أيها القلب بعد البعد كن دمني
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]
/٢٣١ ب/ إذا ما شكا المملوك قلت له: اصطبر وقد ملَّني صبري ولم يحتمل كلِّي
وكيف اصطباري للخطوب وكلِّها؟ وقلبي بلا خلٍّ وبقلي بلا خلِّ
وأنشدني؛ قال: أنشدني من قصيدة أولها: [من الكامل]
آيات حِّبي فيك لا تتأوَّل سقمي النَّبيُّ بها ودمعي المرسل
حكم الغرام بأنَّ دمعي مايني أبدًا يجود وأن صبري يبخل
جنَّ الفؤاد بما أجن صبابة فعلام دمعي في الخدود مسلسل
يا مرسلًا من خطِّه مسترسلًا سهمًا بما يوحي إليه يفعل
لا ترسلنِّ إلي سهمًا بعده أمسك سهامًا قد أصبن المقتل
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
لهفي على أسرة ما سرَّني بهم عيش وأنَّهم مشن بيننا فقدوا
كانوا المراجيح والأحلام طائشة وكالمصابيح في الظَّلماء تتَّقد
وآخر الأمر قالوا قد قضى عمر خرست ناعية أو خانك الرَّشد
[ ٣ / ٣٢٨ ]
لقد أتيت بها شنعاء لا يستقلُّ قلب ولا كبد
قد خلف فكان خط على بعده الكمد
/٢٣٢ أ/ وأنشدني؛ قال: أنشدني علي بن جبارة لنفسه: [من الرمل]
قلَّدوني من هوى نجد نجادا ودعوني امتطي الوجد جوادا
واتركوا العدل صفاء إنَّني بسيوف الشَّوق افنيهم جلادا
وافتدوني من يدي أسر النوى باصطبار وافيدوني فؤدا
واحبسوا الركب فإن هم وقفوا بلَّغوا منهم مرادي ما أرادا
واستعيروا لي إذا ما طاف بي طيفهم من أعين العين رقادا
واعيدوا لي حديثي بالحمى فمعادي فيه إذ يبدو معادا
سرت خلف العيس أنسا ابتغي فرأوا شخصي فردُّوني فرادا
أترى خافوا من الواشي ومن حرقة القلب انتقادًا واتقَّادًا
وأظلم الجوُّ لعيني بعدهم وكذا يلبس ذو الحزن الحدادا
لم تذق عيني كرى بعد النوى إن شككتم فاسألوا عني الوسادا
كم منعتم أن يعاذ المبتلى بهواكم وأبحتم أن يعادى
وبقلبي ظبية إنسية جعلت عيني لذا الحبِّ رشادًا
رمت ان اصطادها فانعكست قصِّتي فيها فحارتني اصطيادا
/٢٣٢/ب/أبصرت شيبي فولت ولكم في شبابي قد اتتنا تتهادى
فسقى المعهد من عهد الصبا كلُّ غيث قد تمالا وتمادى
من يد الصَّاحب من راحته بالنَّدى أحيت جمادًا في جمادي
لا تسمُّوه جمادى إنه قد كساه الجود واسموه جوادا
يهب الدُّنيا بلا من بها ويرى ذاك لراجيه اقتصادا
فاح عرف العرف من راحته فملا الدُّنيا يفاعًا ووهادًا
ناده إن حلَّ خطب إذ بدا وجبه جدب إنه نعم المنادى
واطل سؤلك واسأله الغنى إنما تسأل من بحر ثمادا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الوافر]
أيا حلو المجانة والمجاني جفوت فنوم عيني قد جفاني
[ ٣ / ٣٢٩ ]
وآمل من جفائك لي أمانًا فأرجع من أماني بالأماني
أسال الوجد فيك دموع عيني مطيعات وسلواني عصاني
وكم قد رمت سلوانًا ولكن قوامك في تثَّنيه ثناني
وكم امر اصطباري عنك قلبي فقال له: هواه قد نهاني
وأنشدني؛ قال: أنشدني قوله: [من الخفيف]
/٢٣٣ أ/ هات كأسي ولا تخف من مكاسي لا تكن لي بين الأناس بناسي
إن همي الهمُّ من سحاب أكنَّت أو دجا ليله غدت نبراسي
قستها بالخدود حمراء حتَّى جاء درُّ الحباب ردَّ قياسي
حبَّذا ذلك الحباب كدرِّ فوق تبر مفرَّع الأكياس
نفضت نفسها وقد بخل الشَّرب عليها وهم من الأكياس
فسقوها وقد سقوها فكانت سلسبيلا مسكية الأنفاس
ولدت فيهم المسرَّة بكرًا من رأى البكر وهي ذات نفاس
تتجلى شمسًا وتجلى عروسا بين غصن النَّقا وظبي الكناس
ذاب حسِّي من حبِّ من لست أنساه بذكر له وهو لي متناسي
لا أسمِّيه خوف زجر يقال حين اسماه أهله بأياس
وأنشدني أيضا؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
شوقي تمادى فولا أننَّي علَّلت قلبي باللِّقاء لذابا
ما شاب قلبي بالمودَّة سلوةً لكن فرقي بالتَّفرق شابا
قد طال عهد البين فيما بيننا إلا تزر فابعث إلى كتابا
وأنشدني؛ قال: أنشدني من شعره: [من البسيط]
/٢٣٣ ب/ ما لي وللشَّوق أبديه ويخفيني وللصبابة أرويها فتضميني
أروم آتيكم مع بعد داركم عن العيان فيأبى البين يدنيني
لعلَّ نسمة ريح من خيالكم تهبُّ قصدًا تحييِّني فتحييني
وأنشدني؛ قال: أنشدني قوله: [من الطويل]
وكم آمر بالصَّبر قلبي رددته وقلت له ما لي إليه سبيل
[ ٣ / ٣٣٠ ]
ثنيَّة قلبي اسكنوها بثينةً وما الصَّبر عنها يا جميل جميل
ضمنت الهوى منها بروحي فحسنها وكيل ووجدي بالوفاء كفيل
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الرمل]
يا هلالًا في فؤادي أشرقا ليس لي مذ غاب عن عيني بقا
سلب الصبر وأعطاني الأسى وسبى النوم وأهدى الأرقا
تخذ الحاجب قوسًا وانتضى لحظه سهمًا وقلبي رشقا
لم يبقِّ الوجد عندي والجوى رمقا في مهجتي مذ رمقا
فسلوه حين ولَّى معرضًا ملقًا منه لمن اضحى لقى
هذه نجد وهذاك الحمى فسلوه أين غزلان النقا
آه وجدً إن أجبت دارهم بعد المرمى وعز الملتقى
/٢٣٤ أ/ جيرة كانوا فجاروا إذ ناوا واعاضوا عن سلوِّي قلقا
أنعموا بالطَّيف نعمي خلَّصت مهجتي بالقسر في أسر الشقا
حي طيفا طاف بي من حيَّهم حين حياَّني أزال الحرقا
بات يسليني ودمعي مسبل فرقًا حتى رقاه فرقا
ما رقا دمعي حنوّا إنمَّا خاف لمّا فاض منه الغرقا
أيها الورقاء أميلت الدُّجى من غناء وملأت الورقا
خفضي لحنك لا تزهي به ليس من نمَّق لفظا شقى
أنا أميلك مديحا لو بدا في دجى اللَّيل أزال الغسقا
ذاك مدحي في أبي بكر ومن جوده في الأرض اضحى غدقا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في طول الليل: [من الطويل]
تطاول هذا اللَّيل حتَّى طننته يدوم وأنَّ الصبح لا يتوقَّع
ترى الليل قد صف النجوم عساكرًا لديه وضوء الصُّبح من ذاك يفزع
وقال أيضا: [من البسيط]
يكفيك أنَّ فؤادي في تلافيه بكلِّ سورة وجد قد تلافيكا
وأن قلبي متى ما رام تسلية عن الغرام ثنى غزمي تثنيِّكا
[ ٣ / ٣٣١ ]
/٢٣٤ ب/ فأنت لي جنَّة أرجو النَّعيم بها لولا تجنيِّك لم أبرح أناجيكا
يا كعبة الحسن ناد القلب محتجا فإنَّه في إحرامي يلبيِّكا
كم ليلة غبت عن عيني فما حفلت بالبدر في الأفق لما بات يحكيكا
وملت للغصن لما أن حكاك هوى فلم أجد فيه شيئا من معانيكا
أهوى لأجل ثناياك العذاب من لثم الأقاح وما فيها لما فيكا
تعلًّلًا لفؤاد لم تعده سوى هدر فيتعاض عن وصل تمنيِّكا
إن كنت أنكر ما بي من جوى وهوى فانظر لشاهد حالي فهو يببيكا
وحسب حبِّك أنَّ القلب في وله وما تعداَّك توليه تعدِّيكا
زد يا غرامي وإن زاد الحبيب قلى فإن أدنى وصال منه يرضيكا
وقوله: [من الخفيف]
غردت في الأراك وهنا حمامه فأتاحت للمستهام حمامه
هي تبكي تطرُّبا وهو يبكي بجفون قريحة مستهامه
مغرم ما انتشى بكأس سلو فيعِّنيه عاذل بملامه
ذو فؤاد للوجد يسكن نجدا وهو يهوى من الهيام تهامه
سلبته ظباء وجرة قلبًا ما ارتضى بعدهن دار مقامه
/٢٣٥ أ/ ومنها:
بوجوه مثل الصَّباح صباح وثغور نقَّية بسَّامه
نقل المسك عبقة عن شذاها وروى البدر عن سناها تمامه
لا تلمها إن عربد اللحظ منها ثملت بالرُّضاب وهي مدامه
وغزال خطَّ الجمال بخدَّيه على الورد للوسامة شامه
طرّز الحسن وجهه بعذار ما تعدّى فمن ترى رسَّامه
طرفه الملاحة حتى كسرت جفنه وسلَّت حسامه
إن سألناه الوصل صال ليثًا، أو سألناه اللثم ردَّ لثامه
أو طلبنا منه ديون هواه أثبت التِّيه عندنا إعدامه
وقال: [من مجزوء الرجز]
[ ٣ / ٣٣٢ ]
يا للغرام قد سبى باللَّحظ قلبي
مهفهف هزَّ الصِّبا منه القوام لا الصَّبا
وشادن بطرفه يصير ليثًا أغلبا
غضُّ الشَّباب لحظه في مهجتي ماضي الشَّبا
/٢٣٥ ب، واه مناط خصره يضعف عن عقد القبا
طلعته من صدغه بدر يحلُّ العقربا
وما بدا إلا اختفى ضوء الصباح أو خبا
النار في قلبي فلم خدَّاه قد تلهَّبا
وقاتلي بمقلة يملك قلبي سلبا
أأسهم الحاظه تصمي القلوب أم ظبا
سألته في قلبة فلم يجبني وأبى
حلو الرضا لكنَّه مر إذا تغضَّبا
يا ليتني مرتشف ذاك اللَّما والشَّنبا
أفديه ما أحلاه ما أحسنه ما أعذبا
عذب ولكن لم يزل محبُّه معذبا
وأنشدني أبو المعالي محمد بن الظفر الإربلي المصري؛ قال: أنشدني علي بن جبارة لنفسه: [من البسيط]
/٢٣٦ أ/ من ذا يبشِّر جفنًا في سرى السَّهر بطيِّ ثوب الدُّجى في ساحة السحر
ومن يعين عيونًا لم يؤب غسق إلَّا وبات الكرى منها على سفر
ومن يجير جنوبًا كلما اضطجعت كانت على الفرش بين الشَّوك والإبر
يا أهل حاجر ما أقسى قلوبكم من حاجر انتم حقًا أم الحجر؟ !
حجبتم عن عياني بدر أرضكم فبات يرعى أخاه في السَّما بدري
وقال أيضا: [من الخفيف]
في الغرام العذريِّ قد بان عذري لم يفدني ف الحيِّ اخذي حذري
خبَّر العاذلون عنِّي بأنِّي في الهوى قد سكرت من غير خمر
روِّني من حديثهم حين تروي أو فدعني من قول زيد وعمرو
[ ٣ / ٣٣٣ ]
هات زدني يا سعد عنهم حديثًا واعده وخذ بقيَّة عمري
لم أجد في الغرام كتمًا لأنِّي قد تساوى في الحبِّ سرِّي وجهري
لا وبيض على الرِّكاب وسمر قد حموها عنِّي ببيض وسمر
لم أجد هودجًا كناسًا لظبي ونقابًا وأفقًا لبدر
أسدلت شعرها فحاروا بليل وبدا وجهها فساروا بفجر
وانثنى قدُّها فقالوا كغصن ورنا طرفها فهاموا بسحر
/٢٣٦ ب/ وقال أيضا: [من الخفيف]
لي في ذمَّة الوصال ديون إن أراد الوفاء فهي تهون
أتقاضاه والغريم مطول وأداريه والزَّمان خؤون
قيل لي: قد جفاك قلت مجيبا: أنا أهواه كيف كان يكون
كلُّ هجر من غيره فهو قبح وهو منه حاء وسين ونون
يا عذولي مات الهوى في فؤادي فهو ما بين أضلعي مدفون
في هواه أهوى أغنَّ غريرًا زاحمتني على هواه العيون
[٤٣١]
علي بن بكمش بن عبد الله، أبو الحسن التركي العزي البغدادي
ينسب إلى عز الملك، ومن ولد نظام الملك الوزير أبي الحسن بن علي بن إسحق الطوسي
وكان والده جنديًا، خدم بعد قتل مولاه بواسط مع وتزوج بوالدته، ثم قدم بغداد، وأقام بها، وخدم مجد الدين بن الصاحب إلى أن مات.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
وأبو الحسن قرأ النحو والعربية على أبي بكر المبارك بن المبارك الواسطي، ثم علي عميد الرؤساء أبي منصور/٢٣٧ أ/ هبة الله بن حامد الحلي اللغوي وغيرهما؛ وحفظ القرآن العظيم في مدةّ قريبة، وفي خمسة وخمسين يومًا على عبد الوهاب الوقاباتي، ولازم أبا بكر محمد بن موسى الحازمي، وخدمه كثيرًا إلى أن مات.
ثم صحب جماعة من شيوخ بغداد كأبي القاسم يحيى بن أسعد بن بوش، وعبد المنعم بن كليب الحراني، وابن سكينة عبد الوهاب بن علي بن علي البغدادي وغيرهم؛ ثم توجه إلى الشام فصحب أبا اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي، وأخذ أكثر ما عنده، ولم يكن في أصحاب أبي اليمن أعرف منه بعلم العربية.
وكان أديبًا فاضلًا زاهدًا ورعًا ذكيًا؛ توفي بدمشق سنة ست وعشرين وستمائة؛ وكانت ولادته يوم الجمعة في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وخمسمائة.
أنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه خادم خصي أبيض يدعي مختارًا: [من الكامل]
مختار مختار النُّفوس وفتنة للنَّاظرين ومحنه العشَّاق
ومنى القلوب وغاية المطلوب في شرع الهوى ومطيَّة الفسَّاق
وقال: وأنشدني/ ٢٣٧ ب/ الشيخ نجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العز بن أبي طالب الشيباني، بدمشق سنة أربعين وستمائة؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه:
[من الطويل]
وقائله بغداذ منشاك الذي ونشأت به طفلًا عليك التَّمائم
فما بالها تشكو جفاءك معرضًا أما آن تثنى إليها العزائم
فقلت [أجل] إني الفريد وإنَّها أوان مغاض الدَّمع والوقت غائم
وقد جرت العادات في الدُّر أنَّه إذا فارق الأصداف لاقاه ناظم
وله وقد أوحش بينه وبين السلطان ثم أصلح بينهما، وأنشدنيه نجيب الدين عنه:
[من السريع]
يا ملكًا صيَّرني كسره جبري كسيرًا لازم الكسر
عبدك قد أصبح في حالة تشبه ضرب الكسر بالكسر
[ ٣ / ٣٣٥ ]
[وأنشدني له: [من مخلع البسيط]
مرَّ بنا لابسًا سوارًا من فوق جسم كلون عاج
تشرق أنواره علينا كأنَّه البدر في الدَّياجي]
[٤٣٢]
عليُّ بن المؤمِّل بن عليِّ بن أبي الحسن الباجريُّ.
وباجرة قرية مشهورة من قرايا بغداد عند بعقوبا
وصل من العراق إلى إربل، بعد التسعين والخمسمائة للتصرف في أيام الملك /٢٣٨ أ: المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين﵁- فتولى بها ولاية، مدة من الزمان، ثم رحل عنها- بعد أن حبس- إلى بغداد، وهو مقيم بها؛ ويدعي قول الشعر، وشعره غث بارد اللفظ.
أنشدني أبو الثناء محمود بن محمد بن الأنجب الإربلي؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه، يمدح جلال الدين علي بن شماس ، بمدينة إربل من قصيدة:
[من المتقارب]
وسانحة مذ قصد الوزير تغرِّد في الدَّوح إذا تصدح
تحثُّ ركابي إلى بابه الَّذي .. بالمنى أبدًا يفتح
وكانت تضنُّ بغير البروج مذ بنت عنه به تبرح
فإن سخت ويقيني بنيل مناي الُّذي مثله ينجح
وأوجبت الهجر للباخل الذي قط بالوصل لا يسمح
وافهم معنى تغار يدها بأنَّ مريضي قد يصلح
ولما انخت بباب الجلال رأيت من البشر ما يفرح
وباتت مخايل مثلي به ولاحت أساريره اللًّوَّح
وعذت إلى منهل سلسل يمير الوفود ولا يمتح
[ ٣ / ٣٣٦ ]
/٢٣٨ ب/ وقال وقد حضر في بيت ضيق، كان لصديق له؛ فأنشد بخديها لنفسه:
[من المتقارب]
لئن ضاق في ربعه مربع لتخصيصه لا لضيق المكان
ففي صدره ما يعمُّ الفضا ءقدرًا ويفضل عرض الجنان
[٤٣٣]
علي بن الأكمل بن النجار، أبو الحسن الصوفي
من أهل بغداد، أحد الصوفية بالرباط الشريف المجاور لعون ومعين في مشرعة الكرخ؛ رجل خير حسن الطريقة، متكلم بلسان أهل الحقيقة.
ومن شعره في المستنصر بالله﵁-[من الكامل]
يا نعم هل لي بالأنيعم وقفة؟ أحظى لدة سمراتها بالأسمر
إذ ذاك تنصفني ظلوم وتتَّقي ظلمي وتلقاني بوجه مسفر
ببياض وجه واسوداد غدائر وحواجب خضر وخدا أحمر
فالآن مذ لبس العذار بياضه .. ما كنت في خلع العذار بمعذر
/٢٣٩ أ/ ومنها:
أصبحت يا روح الزمان محكَّمًا خذ ما تشاء من الأماني وأبشر
بشرى لكلِّ الخلق حتى صفحة الدِّينار مبتهج وعود المنبر
لا أتقي نوب الزمان وعدَّتي فضل الإله ونعمة المستنصر
[٤٣٤]
عليُّ بن يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، الملك الأفضل، أبو الحسن
[ ٣ / ٣٣٧ ]
أحد أولاد الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر﵁- ملك بعد أبيه ديار مصر والشام وغيرها من البلاد؛ فانتزع ذلك جميعه منه عمه الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن محمد بن أيوب﵁، ولم يبق للملك الأفضل غير سميساط، فسكنها إلى أن مات بها في يوم الجمعة بعد أن صلى صلاة الجمعة، وأدركته الوفاة فجأة، فأوصى وذلك في الخامس والعشرين من صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
وكانت ولادته بمصر يوم عيد الفطر سنة خمس وستين وخمسمائة، وأخباره ببلاد الشام مشهورة، وجرت بينهما حروب ووقائع يطول/٢٣٩ ب/ ذكرها.
وكان يقرب العلماء ويكرمهم، ويقبل على أولي الفضل ويستفيد من محاسنهم كثير الاحترام لأهل العلم والدين، ويقول الأشعار الحسنة؛ وسمع الحافظ أبا طاهر السلفي بالإسكندرية وجماعة سواه.
حدثني أبو الفضل عمر بن علي بن هبيرة من لفظه؛ قال: حدثني الأمير بدر الدولة لؤلؤ بن عبد الله الملكي الأفضلي؛ قال: جلس الملك الأفضل يومًا في مجلس من مجالس أنسه، وحضر معه جماعة من ندمائه وأصحابه؛ وكان من جملتهم إنسان يلقب الهمام أمير آخر، وكان ربما استثقل ولم يطلبني الملك الأفضل لهذا المجلس؛ قال: فكتبت إليه بديهة بهذه الأبيات: [من المتقارب]
أيا مالكًا عدله قد أناف على عدل كسرى الَّذي يدرس
ومن جوده عمَّ كلَّ الأنام فذكراه في الدَّهر لا تدرس
أفي شرع عدلك أنَّ الهمام إلى الكأس يدعى ويستحلس
ويحظى ببهجة ذأك الرَّواء ولؤلؤ يضيق به المجلس
[ ٣ / ٣٣٨ ]
تغيَّر رأيك ذاك الجميل وما الذَّنب إلَّا الولا الأنفس
/٢٤٠ أ/ وما القصد في الشرب لكنَّما تنافس في قربك الأنفس
وبعد فلا زلت في نعمة مجدَّدة أبدًا تحرس
قال: فأجابني على الوزن والقافية بديهًا: [من المتقارب]
أتني أبياتك المشبهات للدُّرَّ في النَّظم بل أنفس
تعرَّضت فيها بعتب غدت تألَّم من ذكره الأنفس
وكيف وودك أضحة لديَّ أجلَّ العلوم الَّتي تدرس
وإن درست عند غيري العهود فعهدك عندي لا يدرس
ولا يحضر الأنس إلَّا إذا حضرت فأنت لنا المؤنس
وأنشدني المولى الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن الملك المفضل قطب الدين أبي محمد موسى بن الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بحلب المحروسة، بمنزله المعمور في شهر ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة/٢٤٠ ب/ قال أنشدنا عمي الملك الأفضل نور الدين أبو الحسن علي بن يوسف- رحمه الله تعالى- لنفسه: [من البسيط]
يظنُّ دهري أن القلَّ اقعدني عن أن أروح بصدر الرُّمح مكتسبا
والفقر ليس بعار في الزَّمان لمن لم يبق جود أياديه له نشبا
ولَّي شبابي ولم أظفر بنيل مني ولا تقضَّيت من أسبابه سببا
وهب زماني ارضاني وأعتبني فهل يعيد لي العمر الَّذي وهبا
أبعد خمسين من عمري وأربعة يلذَُّ لي أبدًا عيش وإن عذبا
وأنشدني أيضًا؛ قال: أنشدني عمي لنفسه: [من الطويل]
وشيَّب رأسي قبل إبَّان شيبه قراع اللَّيالي لا قراع الكتائب
وليس شجاع النَّفس ذا الجأش في الوغي ولكنَّه من يرع للنوائب
تظنَُ خطوب الدَّهر أنِّي جازع لما أحدقت بي من خطوب المصائب
وتتبع سهمًا بعد سهم أصابني لتنكيه جلّ الخطب إن طل غالبي
وسطَّرت الأيَّام صبري تعجُّبا تسطُّر إلا أمهات العجائب
[ ٣ / ٣٣٩ ]
وأنشدني؛ قال: أنشدني عمّي لنفسه: [من السريع]
في حلبة الصَّبر جوادي كبا وسيف عزمي عن سلِّوى نبا
/٢٤١ أ/ وكلَّما خاطبت قلبي بأن يسعدني بالصًّبر فيكم أبى
لهيب وجدي مذ خبت ناركم عن ناظري في خاطري ما خبا
سبيته من العدوِّ عنوةً يا عجبًا كيف لقلبي سبى
بدر إذا أشرق في قبائه ليس له غير فؤادي مغربا
لمَّا رأى سيف علىٍّ منتضى من جفنه صيَّر قلبي مرحبا
وكتب إلى عمِّه الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب: [من الطويل]
أسلطاننا إن كنت لي خير صاحب وخير مليك إنَّني خير مصحوب
وها أنا قد شيَّدت مجدًا ليوسفً كما أنت قد شيَّدت مجدًا لأيوب
وقوله: وقد نشأت سحابة من الغرب لها برق ورعد: [من الطويل]
وناشئة من جانب الغرب أقبلت فخلت بأن اللَّيل جاء من الغرب
إذا ضحكت بالبرق جادت بأدمع من الودق فانهلَّت تدفَّق بالسَّكب
تباين حاليها عجيب ولن ترى بأقرب من ضحك بكاء من السحب
وقوله: [من المتقارب]
/٢٤١ ب/ أقول له وهو يبكي الشَّباب بدمع يواصله بالنَّحيب
أتبكي بدمع لفقد الشَّباب سيبكي دمًا عند فقد المشيب
وله في الشيب: [من الرجز]
وشعرة لمَّا بدت في عارضي شائنة للحسن منه شائبه
قلعتها وقلت لا كنت اغربي فجاوبتني وهي عنِّي ذاهبه
أمنت إذ قلعتني سوف ترى من الَّذي يقلع منَّا صاحبه
وقال لما بلغه أنِّ غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان استشهد بطعنة أصابته في المصاف: [من الطويل]
وشمس غياث الدِّين بعد ضيائها وإشراقها في كلِّ شرق ومغرب
أنار لديها كوكب الرُّمح فاختفت ولم تر شمسًا قطُّ تخفى بكوكب
[ ٣ / ٣٤٠ ]
وقال يرثي: [من الخفيف]
إكتئابي قد كان منه وقد صار عليه لمَّا ثوى في التُّراب
يا أخا الوجد خذ حديثي واعجب لاكتئابي أنا له في اكتئاب
وقوله: [من الطويل]
/٢٤٢ أ/ وساق سقاني قهوة فحسبتها للذَّتها من ريقه البارد العذب
سناه اعتزى للشَّمس والطَّرف للظُّى كذا القدُّ والأغصان والرِّدف للكثب
وقال: [من الكامل]
ما خلت أنَّ ظهور مبسمه عن لؤلؤ متنضِّد رطب
من بعد علمي أنَّ مسكنه ملح بأنَّ الدُّرَّ في العذب
وقال فيمن شرب خمرًا فاحمرَّ خدَاه: [من الوافر]
ومن عجب الملاحة باتِّفاق جرى منَّا ولم يك ذاك عمدًا
سقيناه شرابًا خندريسًا فأنبت منه في الخدَّين وردا
وله: [من الخفيف]
كلَّما رمت أن يبرِّد ناري طيفه في الكرى ويطفى لهيبي
زاد في لوعتي وفرط غرامي حيث أني فارقته عن قريب
وكتب إلى الملك العزيز- رحمهما الله تعالى: [من المجتث]
لمَّا رأوك الأعادي على صدودك تصبو
وأنني منك مقصى تقوَّلوا ما أحبُّوا
/٢٤٢ ب/ واسعروا نار إفك واضر موا واشبُّوا
إن كان للذنب ذنب فهكذا لي ذنب
وله يرثي بعض العلماء: [من مجزوء الكامل]
عجبًا لمن درس الفضائل والبلاغة كيف يدرس
ضمِّنت كلَّ فصاحة يا قبره وغدوت أخرس
وقال أيضا: [من الطويل]
[ ٣ / ٣٤١ ]
أبيت بليل ليس لي فيه راحم سوى أنجم الجوِّ الَّتي ليس تغرب
وغيري يرى التعذيب مرًا مذاقه وفي مذهبي التَّعذيب في الحبِّ يعذب
وله في الخضاب: [من الوافر]
عمدت إلى الخضاب إذًا لتنسى زمانًا كنت فيه بلا خضاب
وأيام الصِّبا عندي محال بأن تنسى بأيام التَّصابي
وقال يهجو بعض أصحابه، وقد تاب عن شرب الخمر ثم عاد إلى شربه:
[من الوافر]
وقالوا: تاب عن شرب الحمَّيا! فقلت لهم كذبتم ما يتوب
/٢٤٣ أ/ وكيف يتوب عن فعل دني فتى قد جمِّعت فيه العيوب
وقوله في النزيه بن الضياء القزويني يداعبه: [من الكامل]
قل للنزيه وأنت صادقه لم تخل من صدق ومن كذب
حمِّلت من عار خزيت به ما حمِّلت حمالة الحطب
أزريت بالعلماء كلِّهم فلأنت شرٌّ من أبي لهب
وقال: [من الوافر]
أقول للائمي لما لحاني دع الهذيان قد صدَّعت رأسي
سماع اللَّوم أعجز كلَّ لاح كذاك الموت أعجز كلَّ آسي
وقال: [من الوافر]
لئن أخطا الكرام الحظُّ يومًا وخصَّ به اللَّئام بلا احتجاج
فإنَّ الدُّر يعدل عن زلال وعن عذب ويسكن في أجاج
بنرجس مقلة وبورد خد وآس من حواجبه الزِّجاج
وخمرة ريقه وأقاح ثغر وبدر لاح من تحت الدَّياجي
أدار عذاره حرسًا عليه أبستان يكون بلا سياج؟ !
وقوله: [من الخفيف]
[ ٣ / ٣٤٢ ]
/٢٤٣ ب/ رب ليل قطعته بتناجي فيه ما عندنا من الإرتياح
أنا أشكو هجر الصِّباح إليه وهو يشكو إليَّ هجر الصَّباح
وله يصف فرسًا: [من الطويل]
وطرف يجاري الطَّرف في حلبة المدى فيعجز عن إدراكه إن جرى اللَّمحا
يفوت الهواء عدوًا ويسبق آصفًا إذا جريا من قبل أن يحضر الصَّرحا
وقال: [من البسيط]
قد كنت من قبل أن يبدو بعارضه شعر يسمِّجه عندي ويقبحه
إخال أنَّ نبات الشَّعر يفسده وما علمت بأن الشعر يصلحه
وقال يمدح إخوته: [من الطويل]
بني يوسف أنتم غيوث سماحة وأنتم لدى الحرب العوان أسود
وما أضرمت نار القرى ببيوتكم فكان لها طول الزَّمان خمود
وقال يهجو النزيه الضياء القزويني: [من الكامل]
ويقول إبليس اللَّعين إذا رأى وجه النزيه: فديت من أنا عبده
أسعى لأفسد من نأى عن داره ولقيت إفساد الذي هو عبده
وله يرثي: [من الرمل]
/٢٤٤ أ/ أو يرد رجلًا يجاريك بها في العلا لم ير رجلًا ذاهبه
وقوله: [من الطويل]
وقالوا أتبكي من مشيت رأيته بفودك مثل البرق يلمع في الدَّجن
فقلت لها لا تعجبي تلك عادة مدى الدهر ضوء البرق يلمع بالمزن
وقال: [من المتقارب]
إذا المرء أكثر فيما أدَّعاه فمن واجب الأمر أن يمتحن
فيظهر بالفعل برهانه فيكرم إذا ذاك أو يمتهن
وقال: [من البسيط]
بالغ إذا رمت بنيانا تخلِّفه فيما توطِّد من أسِّ وأركان
[ ٣ / ٣٤٣ ]
شيِّد مبانيك تذكر حين لات بقا تبقى المباني ولكن يهدم الباني
وقوله: [من المجتث]
أستغفر الله رِّبي من كلِّ ذنب وجرم
ومن قبيح فعال وقَّتل نفس وظلم
وقال في غلام اسمه إبراهيم: [من الكامل]
عجبًا لإبراهيم يسكن قاطنا قلبي ولم يبرد لهيب ضرامه
/٢٤٤ ب/ ولخدِّه المحمرِّ كيف تورَّدت وجناته والطَّرف خلف سقامه
أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أبي الحسن بن أبي جرادة الحلبي الحنفي- أيده الله تعالى- قال: أنشدني الخطير أبو نصر فتوح بن نوح بن عيسى؛ قال: أنشدني الإمام عماد الدين أبو عبد الله محمد بن محمد الكاتب الأصفهاني؛ قال: أنشدني الملك الأفضل علي بن يوسف بن أيوب لنفسه، في العشرين من شوال سنة تسعين وخمسمائة؛ وكتبها إلى أخيه الملك العزيز عماد الدين عثمان يستعطفه بعد أن ودعه واجتمع معه ساعة واحدة: [من الوافر]
نظرتك نظرةً من بعد تسع تقضَّت بالتَّفرُّق من سنين
وغضَّ الدَّهر عنها طرف غدر مسافة قرب طرف من جبين
وعاد إلى سجَّيته فأجرى بفرقتنا العيون من العيون
فريح الدهر لم يسمح بوصل يعود به الهجوع إلى الجفون
/٢٤٥ أ/ فواقًا ثمَّ يعقبه ببين يعيد إلى الحشا عدم السُّكون
ولا يبدي جيوش القرب حتى يرتِّب جيش بعد في الكمين
ولا يدني محلي منك إلَّا إذا دارت رحى الحرب الزَّبون
فليت الدَّهر يسمح لي بأخرى ولو أمضى بها حكم المنون
وأنشدني الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن موسى بن يوسف بن أيوب بن شاذي؛ بحلب المحروسة؛ قال: سمعت عمي ينشد لنفسه: [من الطويل]
أتاني كتاب منكم فلثمته وأمطرته دمعي وأفرشته خدِّي
وقالوا: ترفَّق بالبكاء سفاهة وإنَّ البكي بعد التَّفرق لا يجدي
[ ٣ / ٣٤٤ ]
وسركم أخفيته في جوانحي فنمَّت به عيناي والذَّنب للمبدي
فهل منجد لي في البكاء على الذي تناءت بهم أيدي التَّنائي إلى نجد
صدرنا عن الوصل الذي كان بيننا ببين فهل دهر يبشِّر بالورد
إذا فاه نطقي كان مبداه ذكركم كما في كتاب الله يبدأ بالحمد
قصدتم جفوني مذ نزلتم قلبي مذ ملكتم قياده وما هو للمولى حرام على العبد
/٢٤٥ ب/ وفارقت قلبي مذ ملكتم قياده وما هو للمولى حرام على العبد
وأقسم لا التذُّ بالعيش بعدكم ولو أنَّني أصبحت في جنَّة الخلد
وما كنت أدري نعمة الوصل دون أن بدا هجركم والضِّد يظهر للضِّدَّ
عقدت على قلبي الوفاء بعهدكم فمات ولم تحلل عرى ذلك العقد
[٤٣٥]
علي بن المفضل بن علي، أبو الحسن المقدسي
من أهل الإسكندرية؛ الفقيه المالكي المفتي الحافظ المصنف، صاحب التصانيف في الفقه والحديث.
سمع بالحجاز وديار مصر والشام، وتغرب وكتب الكثير، وخرج الفوائد الصحاح.
وكانت من الحفاظ الأثبات الثقات، الأمناء الفضلاء المعتبرين العلماء الفهماء؛ وكان إمامًا في الحديث وحفظه، ومعرفة علومه.
وكان فقيهًا فاضلًا مدرسًا على مذهب الإمام مالك﵁- مع أدب وافر، وشعر حسن كان ينظمه.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
رأيت له أبياتًا وازن بها أبيات الحافظ أبي طاهر السلفي/ ٢٤٦ أ/ وأبيات الأديب أبي المظفر الأبيوردي، وأبيات الشيخ أبي العلاء المعري، وكلهن على حرف الغين المعجمة.
قال السلفي: أنشدني الرئيس أبو المكارم الأبهري؛ قال: أنشدني أبو العلاء لنفسه بمعرة النعمان قطعة ليس لأحد مقلها وهي: [من الطويل]
رغبت إلى الدُّنيا زمانًا فلم تجد بغير عناء والحياة بلاغ
وهي أربعة أبيات.
قال السلفي: فذكرت قول الرئيس أبي المكارم للرئيس أبي المظفر الأبيوردي، فأنشدني بعد يوم لنفسه على وزنه ورويه: [من الطويل]
ألا هل إلى أرض بها أمُّ سالم وصول لطاوي شقَّة وبلاغ وهي خمسة أبيات.
قال السلفي: فقلت أنا تبركًا بقولهما بعد سماعي من الرئيسين القطعتين:
[من الطويل]
ترى هل إلى وصل الذي قد أعلَّني هواه وصول يرتجى وبلاغ
وهما بيتان؛ فقال الحافظ أبو الحسن ناسجًا على منوالهم هذه الأبيات:
[أ] يا ذا الذي اشكو اشتغالي بحبِّه ولكن به عمَّا شكوت فراغ
/٢٤٦ ب / لئن ساغ هجراني لديك فليس لي مدى الدَّهر في السُّلون عنك مساغ
ولا ذنب لي إلَّا أكاذيب تفترى أمانيها من حاسد وتصاغ
وإني لأرضى أن أفوز بنظرة تعلِّل نفسي والحياة بلاغ
وأخبرني أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري المصري، إجازة منه إلى مصر؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي لنفسه:
[من الطويل]
لكلِّ امرئ ما فيه راحة قلبه فيأنس إنسان بصحبة إنسان
وما راحتي إلِّا حديث محمَّد وأصحابه والتَّابعين بإحسان
[ ٣ / ٣٤٦ ]
وأنبأني أيضا؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]
أيا نفس بالمأثور عن خير مرسل وأصحابه والتابعين تمسَّكِّي
عساك إذا بالغت في نشر دينه بما طاب من نشر له أن يمسَّك
وخافي غدًا يوم الحساب جهنَّمًا إذا نفحت نيرانها أن تمسَّك
وأنبأني عنه أيضًا: [من الطويل]
ولمياء تحيي من تحيِّي بريقها كأن مزاج الرَّاح بالمسك في فيها
/٢٤٧ أ/ وما ذقت فاهًا غير أنِّي رويته عن الثِّقة المسواك وهو موافيها
[٤٣٦]
علي بن محمد بن يحيى بن طلحة بن حمزة، أبو الحسن المنحل الواسطي
أحد عدول بلده.
قدم بغداد واستوطنها، وشهد عند القاضي أبي المناقب محمود بن أحمد الزنجاني، فقبل شهادته، ورتب مشرفًا على سبيل المخزن المعمور، وحمل الكسوة والصدقات إلى الحرمين الشريفين.
ومن شعره يمده المستنصر بالله﵁-؛ وسألته عن ولادته، فذكر أنه ولد في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بقرية عبد الله من الأعمال الواسطية، وعنده دعاوى في نفسه، ويظن أنه يأتي بأشياء لم يأت بها غيره من شعراء أهل وقته، ويتعاطى النظم والنثر، وليس عنده مما يزعم شيء.
فمن شعره يمدح المستنصر بالله، عند تحرك العساكر المنصورة لقتال التتار الملاعين- خذلهم الله تعالى: [من الطويل]
على مجدكم ممَّا يخاف سرادق بجانبه صرف الرَّدى والبوائق
فما للفضاء الجم ِّنهج نؤمُّه إليكم ولو عم البريَّة طارق
[ ٣ / ٣٤٧ ]
/٢٤٧ ب/ حميتم ذمار الملك بأسًا ورهبة فساوى القرى في أمنهنَّ البلالق
وثقَّفتم زيغ الخطوب بسالة فنكَّب عن سبل الضَّلالة مارق
صنائعكم ترضي الإله وإن غدا بها وفركم من سخطه وهو تائق
يعود بهنَّ الحرُّ عمدًا وكم غدا رقيق به من رقه وهو عاتق
إذا ما جزى الحسنى بعشر فعشرها يوفِّي به ريب الزمان الخلائق
فكونوا على أمن من البؤس وادع ولو ملئت مدن به ورسائق
أبى الله إلَّا حفظ من هو حافظ له حيث لا يلميه عيش مفانق
إمام إذا ما أسكت العجز عن مدى مآثره المدَّاح فالذكر ناطق
يبيت مواليه على الأمن وادعًا إذا راعت الناس الخطوب الطَّوارق
مناقبه بين البرية نشرها يشابه مفتوق الشَّذا ويطابق
أبا جعفر كم في يمينك جعفر لصادقكم فيها لعاد صواعق
ومنها:
أحلَّكم المجد الممنَّع رتبة تواضع عنها النَّيِّران الشَّوارق
وكم قد تسامى نحوها ذو تطاول فعاقته عن نيل الأماني العوائق
فما الناس إلَّا خاضع لجلالكم على رغم أو حاسد أو منافق
/٢٤٨ أ/ بقيتم إلى أن يحدث الله في الورى شبيها لكم ما ذر في الأفق شارق
فأنتم طريق للمكارم مهيع وأنتم إذا عد الأنام الطَّرائق
وأنشدني أبو الحسن علي بن محمد النحلي لنفسه، ما كتبه إلى صديق له على سبيل المداعبة والانبساط، وسلك فيها مسلك الهزل والمجون ببغداد: [من الطويل]
إذا رنَّحت ريح الصَّبابة ذا وجد لذكر زمان سالف بربي نجد
وبات كما بات السَّليم بهزَّة تراع إلى ذات الدَّمالج والعقد
يؤرقه ذكرى زمان تصرَّ مت قصار لياليه على العلم الفرد
فما شأنه شأني إذا ذكر الحمى ولا وجده مذ شطت الدِّار بي وجدي
وكيف ولي قلب يروح ويغتدي من الكمد المضني المذيب على مرد
[ ٣ / ٣٤٨ ]
إذا سمته السُّلوان أصبحت مسرعًا ويسعى إلى اسم المودَّة في قدِّ
ولي مقلة لم تجفها سنة الكرى ولا عرفت مذ بنتم ألم السهد
تناءت بي الأيام عنكم تطولا فيا منَّة ألفت بينكم عندي
فلم يصبني شوق ولم يصبني جوى ولم تنأ أفرأ حي ولم يقترب وجدي
/٢٤٨ ب، ولا أضحت الذكرى لأيام عالج تصاعد أنفاسي مسعَّرة الوقد
جزى الله أيام الفراق بمثلها متى سئمت تشتيت شملي على هند
ألا لا رعى الرَّحمن مَّنا محافظًا يراعي ذمامًا للخليل على البعد
ولا كان منا ذو هوى ومودَّة يقيمان إن شطَّ المزار على العهد
كذلك سلي الورد سلي التقاطه ويحمي حماه النحل عن مجتني الشهد
وها أنا أقضي مدَّة العمر مذ نأت نوال بشكر الله في ذلك والحمد
[٤٣٧]
علي بن منصور بن علي بن عبيد الله، أبو الحسن الخطيبي اللغوي، المعروف بابن سبلتوه البغدادي
أخبرني أن عبيد الله جده الأقصى- الذي امتدحه أبو إسحاق الغزي- وهو أبو إسماعيل عبيد الله بن علي بن عبيد الله الخشبي القاضي.
وأبو الحسن قرأ اللغة والأدب على الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الرحيم بن العصار اللغوي البغدادي؛ وأخذ علم النحو والعربية عن أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي وغيرهما.
وكان/ ٢٤٩ أ/ أعرف أهل زمانه باللغة، وأيام العرب واشعارها، وافر الحظ؛ كذلك سألته عن مولده؛ فقال: ولدت في سنة سبع وأربعين وخمسمائة.
وكان مع سعة حفظه وفضله، ضجورًا منوعًا يأبي التصدي للأقراء، ويكره
[ ٣ / ٣٤٩ ]
التعليم فلم يستفد أحد منه بطائل.
ترددت إليه غير مرة، واقتضيته شيئًا من شعره، فكان يعدني ويمطلني ويتعلل بأسباب وأحوال، فحين كثر ترددي إليه، سئمت من مطله، ثم مرض في أثناء تلك الأيام؛ ومات ليلة الإثنين سابع عشر ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة ببغداد، ودفن بجانبها الشرقي بمقبرة الوردية- رحمه الله تعالى.
أنشدني أبو الحسن علي بن المفرج بن المبارك بن المعوج الواسطي؛ قال: أنشدني أبو الحسن اللغوي لنفسه أبياتًا كلفه عملها الوزير جلال الدين أبو المظفر عبد الله بن يونس لتكتب على أيوان في دار الخليفة الناصر لدين الله﵁:
[من البسيط]
دار تظلُّ لها الآمال عاكفة ويستجير بها من جرمه الجاني
تشب نيران بانيها إذا خمدت نار القرى لمضيف أو لضيفان
/٢٤٩ ب/ فلو تراءت لخير الموقدين رأي إنسان عينيه فيها غير إنسان
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من المنسرح]
مولاي يا من ذهاب راحته هامية للعفاة بالذَّهب
قد اعوزتنا حمراء صافية تنمى إذا ما انتمت إلى العنب
فأبعث بها واغتنم ثنائي يكن بين عطا ياك أقرب النَّسب
وأنشدني؛ قال: أنشدني من شعره: [من السريع]
يا ملكًا أصبح أعداؤه بالغيظ هلكي منه بالغيظ
بقيت ما استحسن لفظ وما خالف لفظ البيض للبيظ
قد جاءت الغلَّة في وقتها كالماء للعطشان في القيظ
وكلما أبطأ إطلاقها عني تميزت من الغيظ
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضا قوله: [من الخفيف]
[ ٣ / ٣٥٠ ]
لي حبيب كالظبي غر ولكن يعذابي في الحب ما أغراه
وإذا كرر الذُّنوب فيكفيه اعتذارًا عما جنى أن أراه
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في غلام اسمه القطب: [من مجزوء الكامل]
/٢٥٠ أ/ إن كان يوسف حسنه شغف النِّساء وما أسا
فالقطب قد شغف الرجا ل بحسنه وسبى النِّسا
وأنشدني؛ قال: أنشدني قوله: [من مجزوء الرمل]
يا مليح القدِّ يا من وجهه ما البدر مثله
أعطني منك وصدِّق واغتنم أجري قبله
وقال أيضا: [من مخلع البسيط]
لو لم أخف من نفار قوم ينافسوني على نقير
لكان رأيي أن لا تراني في يومك البارد المطير
ولو تمكنت من أموري خفيت عن خاطر الخطير
ولم أوجه به فوجهي في الأرض من بيته السَّتير
ولا تأوَّل على وابعث على ركنيه الأمير
فقط ما اعتاد حر وجهي يعود من بابه حريري
وأنشدني أبو الحسن علي بن الحسن بن علي البخاري الفقيه الحنفي؛ قال: أنشدني علي بن منصور اللغوي/ ٢٥٠ ب/ لنفسه مبدأ قصيدة أولها: [من الطويل]
فؤادي معنِّى بالعيون الفواتر وصبوة باد مغرم بالحواضر
سميران ذادا عن جفون متيَّم كرى منذ باتا عنده شرَّ سامر
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
لمن غزال بأعلى رامة سنحا فعاود القلب سكر منه كان صحا
مقسَّم بين أضداد فطرَّته .. جنح وغرَّته في الجنح ضوء ضحى
[ ٣ / ٣٥١ ]
[٤٣٨]
عليَّ بن الشّهاب الضرير الواسطيَّ القانونيَّ.
كان يشعر ويعاشر الأصدقاء، مطبوعًا في الجد والهزل والخلاعة
أنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي زيد التبريزي؛ قال: أنشدني علي بن الشهاب الضرير لنفسه: [من الكامل]
قمر تظلم خصره من ردفه وبليَّتي من ردفه أو خصره
ما البدر والشَّمسي المنيرة عنده إلَّا كمثل صبابة في بحره
وكذاك ليس الغصن يشبه قدَّه أني وما للغصن هزَّة سكره
/٢٥١ أ/ أألام إن قبَّلت وردًا طالعًا في خدِّه أو رشف بارد ثغره
ويلاه لم أدهى بلحظ فاتر هاروت يعجز عن مواقع سحره
فالصُّبح يبدو من ضياء جبينه واللَّيل يكمن تحت فاحم شعره
إن خانني فأنا الوفيٌّ بعهده .. أو كان يهجرني صبرت لهجره
من لي به راض ولم يك ساخطا من لي به أو من يقوم بعذره
[٤٣٩]
علي بن عمر بن عبد العزيز بن هبة الله بن الحسن بن أحمد بن حمدون، أبو الحسن السنجاري، المعروف بابن الخطيب
وهو أخو إسماعيل بن عمر الذي تقدم شعره، وعلى الأكثر كانت الخطابة بسنجار فيهم؛ وكان فقيها حنفيًا فاضلًا، ذا معرفة بالأصول والخلاف.
أنشدني الخطيب أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن الحسين الإربلي المعروف بابن الكريدي؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن عمر لنفسه؛ وأن سالته أن يصنعه وهو قول القائل: [من الوافر]
[ ٣ / ٣٥٢ ]
طول العهد منسي
/٢٥١ ب/ تقول وقد وقفنا لا دكار لماضي عيشنا من غير لبس
اتنسانا ومثلك غير ناس ومذ فارقتني فارقت أنسي
فقلت لها أطلت العهد حتَّى نسيت وإن طول العهد منسي
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
أحببت ذاتي فوق الوصف مذ نفر الدُّناة منها وعابوها بما وصفوا
ولو أحبوا صفاتي كنت أبغضها لأن خير السجايا ضد ما ألفوا
[٤٤٠]
علي بن محمد بن أبي منصور بن أبي الغنائم، ويعرف بصاحب الخاتم بن أبي غالب واسمه محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن الحسن بن عيسى ويعرف بالرومي- بن محمد الأزرق بن عيسى بن محمد بن علي العريضي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب – ﵈-
قال الدبيثي: كان شاعرًا مكثرًا، وله المدائح الكثيرة في أهل البيت﵈- وغيرهم؛ وشعره كثير مدون، قد سمع منه جماعة وكتبوا عنه وكان ينتجع بالشعر
بلغني أنه توفي/ ٢٥٢ أ، بالحلة المزيدية، في سنة ثمان وستمائة ونحوها- والله أعلم ٠ هذا آخر ما ذكره الدبيثي في تاريخه، ولم يورد له شيئًا من شعره.
قلت: كان شاعرًا مبرزًا يصنع شعرًا معجزًا ذا اقتدار شديد، وباع في معرفة اللغة
[ ٣ / ٣٥٣ ]
مديد، وفضل غزير، وشعر كثر، التزم في كلامه لزومًا غريبًا، وسلك فيه أسلوبًا عجيبًا، أعجز به المتقدمين وبذ فيه المتأخرين؛ له القصائد المبدعات المخترعات المطبوعات المصنوعات التي لقبها بالبواهر.
صنع كل قصيدة على حرف من حروف المعجم، وذلك أنه ابتدأ فيها بحرف الألف، والتزم أن يضمن في كل لفظة منها حرف الألف ثم حرف الباء ثم التاء هكذا متوالياص على اتساق الحروف وانتظامها إلى حرف الياء.
ومن شعره يمدح الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- صلوات الله عليه وسلامه: [من الطويل]
إذا أنت واليت الإمام المبرعا عليا أمير المؤمنين السَّميدعا
سكنت فراديس الجنان مخلَّدا .. وحزت محلًا ساميًا مترفِّعا
إمام هو النَّهج القويم إلى الهدى أخو سؤدد لم يحوه سعي من سعى
/٢٥٢ ب/ فطوبي لمن والي وصي محمَّد إمام هدى حاز الفضائل اجمعا
إمام تقي للرشاد محالف تسربل جلبات الهدى وتلفعا
روى النَّاس أنَّ الطُّهر أحمد قال في حديث وكم قال النَّبي وأسمعا
سيفترق الإسلام سبعين فرقة نعم وثلاثا هكذا قال مسمعا
وكل سيصلى النار بالله في غد سوى فرقة تحوي النعيم الموسَّعا
فإن شئت تدري أيُّما فرقة نجت فأنصف ولا تنكر مقال مشفعا
وقعت وسل أهل الحديث تجدهم جميعًا رووا أن النَّبي المشرِّعا
يقول مرارًا: أهل بيتي شبيههم شفينة نوح من بها حلَّ موضعا
نجا وكذا من حاد عنها فقد غوى وذاق الهلاك أنظر تر القول مقنعا
وقال أيضا: [من المقتضب]
كم تسائل الدِّمنا باكيًا تذوب ضني
تندب الطُّلول ومن حلَّهن والسَّكنا
دع سؤالهنَّ فما في سؤالهن غير عنا
فالبكى ليس يردُّ الحبيب إن ظعنا
[ ٣ / ٣٥٤ ]
ويك ذاك عصر هوى فات فاترك الحزنا
/٢٥٣ أ/ تلك عيشة سلفت كل لذةَّ لفنا
فاله عن تذكرها واسألن ذلك الزَّمنا
كم بنيت مدَّرعًا بالغرام مرتهنا
ها ترى المشيب بدا .. صحبه وزاد سنى
فاتق الإله ولذ بالولاء للأمنا
غتوة النبي ومن يربحهم جننا
صفوة نفوز بهم إذ هم الهداة لنا
وأنشدني له أيضا في مدح علي﵇- أبو الحسين يحيى بن محمود بن عيسى بن محمد بن جعفر الخلعي البغدادين بإربل سنة ثلاث وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني ابن صاحب الخاتم لنفسه مبدأ قصيدة أولها: [من البسيط]
بانوا ففارق جفني لذَّة الوسن وبتُّ مدَّرعًا بالهمِّ والحزن
أخفي الغرام فتبديه الدُّموع إذا جرت على الخدِّ كالمثعنجر الهتن
/٢٥٣ ب/ بانوا فما خلت أن الدَّهر مذ برحوا عني يفارقني ممَّن يفارقني
فليتهم إذا نأوا ردُّوا الفؤاد عسى ينبي بحالهم حقُا ويعلمني
أهم على العهد أم خانوه عن كثب وهل سلوا فنسوا شوقًا يؤرقني
أما أنا فرسيس الشُّوق يرمضني والوهم والوجد والبلبال يمرضني
ولي دموع يخدُّ الخدَّ ساكبها كأنَّ واكفها مغدودق المزن
يا قب دع ذكرك الأحباب إذا بعدوا بانوا وخانوا ومن للعهد لم يخن
وخلِّ ذكر الصِّبا وأسل الهوى فإلى متى تعاني رسيس الشَّوق والحزن
ووال آل رسول الله تنج بهم فهم أولو الذكر والآيات والسُّنن
آتاهم الله علمًا باهرًا وتقى وإن سلكت فسائل عن أبي الحسن
وأسمع حديثا روينا من مناقبه فيه اعتبار لرب الفكرة الفطن
يروي عن أبن طحال عن مشايخه فاسأل بما قد روى إن كنت تتهمني
قالوا: أتى رجلان الباقر بن علي قالا له: أنت أهل العلم واللّسن
[ ٣ / ٣٥٥ ]
ألست قلت بأن الصِّنو حيدرةٌ لم يرض أفعالهم سرًا بلا علن
[٤٤١]
عليُّ بن يحيى الحسن/ ٢٥٤ أ/ بن الحسين بن عليِّ بن محمَّد- وهو البطريق بن نصر بن حمدون بن ثابت بن مالك بن ليث بن عامر بن غنم بن فهر بن دلجة بن بشرً بن معاوية بن بدر بن ثعلبةً بن حبال بن نصر بن سواء بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معدِّ بن عدنان، أبو الحسن بن أبي زكريا، الحلِّيُّ الأصل، الواسطي المنشأ.
كان والده من فقهاء الشيعة وعلمائهم، عارفًا بمذاهبهم، وسيرد ذكره في حرف الياء من هذا الكتاب؛ وابنه هذا كان يترفع بنفسه من أن يمدح أحدًا مجتديًا، ويذهب مذهب الكتاب، ويترامى إلى النثر أكثر من النظم؛ ويدّعي علم الرياضي، ومعرفة النجوم، وكان من الشيعة المغالين في المذهب.
أنشدني الحسن بن علي الإربلي؛ قال: أبو الحسن لنفسه من قصيدة:
[من البسيط]
أفديه من بدر تمٍّ للورى فتنا أصبحت أعبد منه في الورى وثنا
وكلَّما ازددت جهلًا في محبَّته يزيده الله في عدوانه فطنا
[ ٣ / ٣٥٦ ]
وكلَّما سرَّه حزني وأعجبه سررت فأعجب لمسرور إذا حزنا
/ ٢٥٤ ب/ وإن أساء صنيعًا بتُّ مبتهجًا بمالك حسن لا يصنع الحسنا
فإن سمعتم بمقتول بكى فرحًا بحبٍّ قاتله حزنًا فذاك أنا
يا صاحبيَّ وما الشَّكوى بنافعة لمن إذا قلبه في الحبِّ مرتهنا
تسمَّعا سرَّ أشجاني ولا عجبٌ في الحبِّ إن صار سرُّ المبتلى علنا
كتمت ما بي حتَّى كاد يتلفني كتمانه ويبيد الرُّوح والبدنا
عسى يرقُّ كما راقت سوالفه حبٌّ جفا قسوة أيَّام لنت ضنى
فو الَّذي فلق الإصباح مقتدرًا من نور غرَّته حتَّى أضاء لنا
واشتقَّ للَّيل من مسكيِّ طرَّته لونّا وصيَّره سبحانه سكنا
وصيِّر الشَّمس تمثالًا لطلعته حتَّى يرى حسنه طرفٌ نأى ودنا
ما عشت لا أنثني عنه للائمة واللَّوم عندي لناء عن هواه ثنى
حتَّى يقولوا محبٌّ نال بغيته أو عاشقٌ صادقٌ في لحده دفنا
وأنشدني الأمير أبو الحسن علي بن علي بن شماس؛ قال: أنشدني أبو الحسن بن البطريق لنفسه يمدح الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف/ ٢٥٥ أ/- صاحب حلب- أول قصيدة: [من البسيط]
الشَّام داري والأشجان بغداد في سرِّ وجدي في الأحيان إعلان
وكلُّ يوم يوافي مؤذنٌ بنوّى كأنًّما هذه الأيَّام غربان
يا صاحبيَّ قفا ثمَّ اسمعا خبرًا من مستهام له عند الحمى شان
يهزُّه الشَّوق والتذكار يطربه كأنَّه من مدام الوجد نشوان
كانت له من جلابيب الصِّبا عددٌ ومن قلوب الحسان البيض أعوان
إذا دعا اللَّهو نادته على عجل لبَّيك لبَّيك أترابٌ وأقران!
نار القرى عنده بشرٌ ومن كرِّم حديثه وبنو الآداب ضيفان
لا يسرج الهمُّ في أرجاء منزله كأنَّ منزله في الحسن بستان
مكمَّل الوصف كالفردوس من دهر بكلِّ شيء شهيٍّ وهو رضوان
راقت خلائقه للَّائذين به كأنَّه من سلاف وهو إنسان
لباسه ثوب زهوٍ ليس يخلعه ومن لباس الخنا واللؤم عريان
[ ٣ / ٣٥٧ ]
يهوى الهوى والتَّصابي دينه وله إلى الحسَّان على الحالين إحسان
كأنَّما عجنت بالمسك طينته فما يعنُّ له ما عاش سلوان
يظنُّ من حسن ظنٍّ في تورُّده أنَّ الضَّلال جفًا والكفر هجران
/ ٢٥٥ ب/ حتَّى رمى الدَّهر شملًا كان يألفه بالبين والبين للعشَّاق نيران
فبات يجرع من كأس النَّوى غصصًا كأنًّما لذعها في القلب خرصان
والدهر يخصمه من كلِّ ناحية وكلُّ إخوانه جاف وخوَّان
جرح الزَّمان له في كلِّ جارحةً كأنَّه لسيوف الضَّيم أجفان
وشرُّ ما فعل الدَّهر الخؤون به خموله وغياث الدِّين سلطان
[٤٤٢]
عليُّ بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد زين الدين، أبو الحسن الكاتب الموصليُّ الشيبانيُّ.
كتب الإنشاء بالموصل لأتابك نور الدين أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي- (﵁) - وبعده لولده الملك القاهر عزّ الدين مسعود- رحمه الله تعالى-.
قرأ العربية والأدب على الشيخ أبي الحرم مكي بن ريان الماكسي، وسمع الحديث على الخطيب أبي الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي.
وكان حافظًا لكتاب الله تعالى، ولم يكن في وقته مثله في البلاغة والكتابة وسرعة الترسل/ ٢٥٦ أ/ وحسن الخط.
وكان عاقلًا رزينًا وجيهًا مقبولًا، وكان ينشئ الكتاب من خاطره بديهة، من غير أن يخلد فيه إلى التروّي والانفراد، غير محتفل بكلامه، ويكره أن يذاع عنه شيء من إنشائه لقلة اهتمامه به.
كانت ولادته بعيد الستين والخمسمائة، ومات يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة
[ ٣ / ٣٥٨ ]
بقيت من رمضان بالموصل سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
ومن شعره في أتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود، وكان على ناحية كفر زمار من أعمال الموصل، سنة وفاة سنجر شاه غازي بن مودود- صاحب الجزيرة- وهي سنة خمس وستمائة، وكان السفير في إيصالها الملك الرحيم بدر الدين أبو الفضائل- أنفذ الله أمره- وهو مشدود إليه في الفترة، وقد اتفق في تلك السنة برد شديد، وهي منقولة من خط يده: [من المتقارب]
أيا ملك الأرض يا ذا النَّوال ومن صوب راحته صائب
ومن ظلُّه للورى شاملٌ ومن عزمه في الوغى ثاقب
ومن جوده أبدًا سائرٌ ومن جدهُّ للعلا غالب
/ ٢٥٦ ب/ ومن بابه كعبةٌ للعفاة يطوف بأركانها الرَّاغب
ومن هو في كلِّ أوقاته وهوبٌ إذا منع الواهب
ومن لا يرى في جميع الأنام من فضله أبدًا خائب
ومن هو رماح للمكرمات ويهتزُّ إن أمَّه طالب
ومن يكشف الضُّرَّ من مشتكيه إذا حزب المشتكي حازب
جوادٌ إذا ما الأكف انقبض واخلف نواء النَّدى السَّاكب
وبحرٌ على كرَّة الواردين لهم ليس ينقصه شارب
أمولاي أشكو أشكة إليك الزَّمان فقد مسَّني برده النَّاصب
رماني من قرِّه قارسٌ ومن ريح بلَّته حاصب
وجاء بثلج غدا مفرق الثَّرى وهو من لونه شائب
أظلُّ نهاري ذا رعدة كمن مسَّه نافضٌ صالب
فحسِّي بجامده جامدٌ وجسمي لذائبه ذائب
ودجله يجري هواها الشَّريف إلىَّ فلوني له شاحب
وشمس النَّهار لنسج الضريب لم يبد من وجهها حاجب
ولم أك ذا سفر في الشِّتاء ولكن أتى أمرك الواجب
/ ٢٥٧ أ/ ولمَّا عجزت احتمالًا لما أعانيه وانقطع الغارب
لجأت إلى من يجيب النِّداء إذا ما استغاث به الصَّاحب
[ ٣ / ٣٥٩ ]
فجد لي يا من عطاياه لا يقوم بأيسرها حاسب
يفرُّ ويقبل الزَّمهرير فإنِّي إلى مثله راغب
وإلاَّ أحلني على من له عليَّ يدٌ شكرها واجب
. فتاك ونعم الفتى الكريم لشكر الورى كاسب
به الدَّولة اكتسبت رونقًا وعاد به نورها الغائب
وعمَّ بإحسانه فالقلوب له نحو طاعته جاذب
لقد شمت منه الحسام الَّذي شباه لهام العدا ضارب
وقدَّمت منه فتّى كاملًا سجاياه ليس لها عائب
حجاه يبذُّ عقول الكهول ويسبقها فمه الثَّاقب
وكنت على الرَّأي فيما دخلت فيا حبَّذا رأيك الصَّائب
حباني بدهماء تسمو الجياد إذا ما امتطى ظهرها الرَّاكب
وأخجلني فرط إحسانه فشكري له أبدًا راتب
ولكنَّه في فعال الجميل على نهج مالكه ذاهب
/ ٢٥٧ ب/ فإن جدتما لي سريعًا بها وإلاَّ فقد هلك الكاتب
فبينكما لا يخيب الرَّجاء ولا يحرم الأمل الرَّاغب
فلازلتماه ما أهلَّ الهلال وما فاه في مجمع خاطب
وأنشدني أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد الموصلي؛ قال: أنشدني عمي لنفسه هذه الأبيات، قالها ارتجالًا في داره التي بناها متجددةً، وأمر أن تكتب فيها: [من البسيط]
يا دار قابلك الإقبال متَّصلًا بالسَّعد واليمن والتَّأييد والظفر
وواجهتك وجوه العزِّ مسفرةً في نعمة وسرور مونق الزَّهر
ولا عدا الخير مغناك الأنيس ولا زالت ربوعك في أمن من الغير
ودام ريعك معمورًا بساكنه في ظلِّ عيش رغيد ناعم نضر
ما غرَّدت في ذرى الأغصان ساجعةٌ وما استمرَّ طلوع الشِّمس والقمر
ومن كلامه المنثور، فأنني رأيت منه رسالتين، ولم يدون له شيء لقلّة اهتمامه، فالتقطت شيئًا يسيرًا.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
/ ٢٥٨ أ/ حدثني المولى الأمير الكبير العالم ركن الدين أبو شجاع أحمد بن قرطابًا- أدام الله علوه- قال: لمّا كنت بالموصل مقيمًا؛ كتبت إلى الأجل شمس الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد عبد الكريم الموصلي الكاتب، وكان بيننا صحبة متأكدة، وهو يومئذ يتولى الكتابة الإنشائية في أيام الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه- رحمة الله تعالى- ألتمس منه ما تيسر من ترسله.
وكان﵀- لا يثبت شيئًا من كلامه ويدونه، لاحتقاره عنده، وقلّة مبالاته به؛ فكتب إلى رقعة يعتذر فيها بقلّة اكتراثه بهذا الشأن، من ذلك قوله من فصل:
«أدام الله على الأولياء فيض نعمه، وأمدّهم بسيب جوده وكرمه، ومتعهم بالإنعام من يده وقلمه، ووفقهم لما يصرف فيه من خدمه».
/ ٢٥٨ ب/ ومنها:
«وليس كلام المملوك مما يدّون ويسطر، ولا مما يعدّ ويذكر، لارتجاله من غير رؤيّة، لسرعة المهام السلطانية، فصار ذلك عادةً معروفة، وسنّة مألوفة، فمتى أبطأ ولو بقدر فواقٍ، أسرع إليه اللوم والإزهاق، وإذا وجد المولى الدرّ فلا حاجة إلى الصدف. وكلام الفاضل﵀- يشهد بفضله كل من عرف، وبه ختم هذا العلم فلا يرى له خلف».
قال: ثم سيّر إلى مجلدة من رسائل القاضي﵀-.
وله من كتاب، كتبه إلى بدر الدين لؤلؤ، وهو يومئذ يحاصر قلعة الشوش؛ وكان قد ترك الخدمة البدرية، وانقطع في منزله، يستأذن فيه إلى الحج، ويعرض فيها بنوع من النعت وهو ومنه:
«وهو ذاك المملوك الصادق أن ذكر أوسى، والمخلص في في الولاء إن أحسن إليه أو أسا، وحاشا مولانا من الإساءة وطبعه الإحسان، ولكن عادة المماليك في الخطأ والنسيان، طمعًا في الحلم الذي ليس له فيه ثان، وهكذا الناس مرزوق ومحروم».
/ ٢٥٩ أ/ وله جواب رقعة وردت إليه من بعض أصدقائه.
[ ٣ / ٣٦١ ]
«وقف على هذه المشرفة الكريمة، بعد أن قبلها ألفًا لا عشرًا، ونثر عليها ثناءً لا تبرأ، وقابل ما ضمنته من الإنعام بالدعاء، وما حوته من الإيعار بالاحتذاء، وأما ما ذكره في معنى الكتابة، فأي كتابة ترضيه، وأي عبارة تزف إلى ناديه، وهل البلاغة إلَّا معنى من معانيه».
[٤٤٣]
عليُّ بن أيبك بن عبد الله، أبو الحسن التركيُّ الأسديُّ.
كان والده يعرف بالجاولي الكبير، وكان مولى أسد الدين أبي الحارث شيركوه بن شاذي- صاحب حمص-.
وأبو الحسن كان مولده مصر وبها كان منشأة؛ وكان أثيرًا مقدمًا في خدمة الملك العادل سيف الدين بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي﵁- وبعده خدم لولده الملك الكامل ناصر الدين بن أبي المعالي محمد.
ثم فارق خدمته، وخدم مع الملك المنصور أبي المعالي محمد بن عمر بن شاهنشاه- صاحب حماة- ثم سافر في النجدة / ٢٥٩ ب/ إلى دمياط، فاجتمع بالملك المعظّم شرف الدين عيسى بن العادل، فاستماله بعد امتحانه ومنادمته له؛ فوعده الرحلة إليه، فلما عاد كل منهما إلى دمشق، خرج من حماة مهاجرًا إلى الملك المعظّم مستخفيًا من الملك المنصور بعد أن قدّم حريمه أمامه، وخرج في جملة مماليكه وحاشيته. وبلغ الملك المنصور خروجه فسَّير وراءه جيشًا عظيمًا في مقدمته البراطسة، وراموا ردّه فما استطاعوا، وأعادهم إلى حماة منكسرين.
وقدم دمشق واتصل بمليكها الملك المعظم، ونال عنده المنزلة الرفيعة، والمقام الأسنى، ولم يزل في خدمته إلى أن توفي سنة تسع عشرة وستمائة.
وكان ذا شجاعة وفروسية، مقدامً شهمًا فصيحًا شاعرًا جواد البنان، جريء الجنان، مليح الخطّ، جيد المنظوم، حسن المنثور، عارفًا بدقائق الأمور، حسن المحاضرة، لذيذ المحاورة.
أنشدني الحسن بن محمد بن علي بن الحسين الحسيني العبيدلي؛ قال: أنشدني الأمير أبو الحسن لنفسه: [من الكامل]
[ ٣ / ٣٦٢ ]
أملكت رقَّي أم عليك ضماني دع شأن من سلب الرُّقاد وشاني
أو ما علمت بأنَّني لعواذلي في حبَّه إذ عنَّفوني شاني
/ ٢٦٠ أ/ أنا في بحار دلاله وملاله ظهرت عليَّ من الغرام شواني
ولقد رجوت بأن يبرَّد وصله نارًا بقلبي من جوى فشواني
رشا تلفَّت عن وصالي معرضًا تيهًا وعاد على تلافي جاني
شيئان فيه تجمَّعا وتباينا جسدٌ كماء ضمَّ معدن جان
قسمًا بماء فتور مقلته الَّتي سلبت لذيذ الغمض منذ جفاني
ويعين عقرب صدغه وعذاره إذ خطَّ لا ما فوق أحمر قان
وبخال خدٍّ خدَّ قلبي حسنه وبثاء ثغرٍ أشنب كجمان
ويجيد جيد وجدانه هو جيده لا جيد عفر جواري الغزلان
لم أحذف السُّلوان كنه خواطري ولئن ختتت لقيت جور زماني
وأنشدني؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه: [من الطويل]
خليليَّ ما شان الوشاة وشاني وقد أقرحت سحب المدامع شاني
ألم ترياني من ضنيً وصبابة إذا رمتما مرآي لم ترياني
خذا بدمي ريمًا بسهمي لواحظ رنت عن قسيٍّ الحاجبين رماني
له قامة كالرمح في يد نابلٌ لها طرفه الوسنان حدُّ سنان
علا نار خدَّيه دخان عذاره ولست ترى نارًا بغير دخَّان
/ ٢٦٠ ب/ لقد فتكت في النَّاس شامة خده بكلِّ شامي وكلِّ يماني
جفا إذ جفا جفنيَّ نومي وقلبي الهدوُّ وصبري كالسُّلوِّ عصاني
ومعتدل جار على الجور كلَّما تثنَّى ورمت الصَّبر عنه ثناني
ومنها قوله:
فللَّه وصلٌ لذَّ طيبًا كأنَّه خيالٌ سرى أو خاطرات أماني
وليلة وصل بات مظلمها ضحى بقرب حبيب بالوصال حباني
ضممت وقد عانقته الغصن يانعًا وقبَّلت ورد الآس ورد جنان
وبتنا على رغم الحسود يضمُّنا عفافٌ وشوقٌ ليس يفترقان
أقبِّل منه الثَّغر أبيض ناصعًا وأجري على خدَّيَّ أحمر قاني
[ ٣ / ٣٦٣ ]
ولم يك إلَّا خيفةٌ من فراقه فإنَّ اللَّيالي جمَّة الحدثان
وقال وقد حضر مجلس الملك المعظم شرف الدين عيسى بن صاحب دمشق؛ وغنّى المغني:
أصل تلافي من تلافيكم
وأشار الملك المعظم إلى أبي الحسن أن يعمل/ ٢٦١ أ/ على وزنه ورويّه؛ فقال ارتجالًا: [من السريع]
أصل بلائي من تنائيكم وكلُّ وجدي من تجافيكم
فعلِّموني كيف أسلو الهوى أم كيف أدري إذا أداريكم
ضاع فؤادي بين أظعانكم لمَّا حدا للعيس حاديكم
وعدت لا أعرف طعم الكرى للنَّاس أدعى وأراعكيم
يا سادتي عودوا على مدنف في طول ذا اللَّيل يناديكم
هجرتموه بعد وصل فكان العرس منكم والعزا فيكم
ولم يكن هجركم هكذا إلَّا بأقوال أدانيكم
فالآن قد عدت بكم منشدًا أصل تلافي في تلافيكم
وأينما كنتم فلي عندكم قلبٌ طريحٌ بين أيديكم
فعذبوه وأنعموه فقد أصبح يهواكم ويأويكم
[٤٤٤]
عليُّ بن محمدَّ بن محمود بن ، أبو الحسن الكوفيُّ المخزوميُّ.
ويعرف بالكوفة بابن حبانة، المقيم برأس عين صاحب الديوان؛ بها خدم الملك/ ٢٦١ ب/ الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر.
وهو شاعر ذو أخلاق دمثة، وغريزة في النظم منبعثة، لذيذ المحاضرة، طيب المعاشرة؛ وقدم ماردين رسولًا، فأخذه وحبسه، فبقى بالحبس مدّة، وتوفي معتقلًا في أواخر تسع وثلاثين وستمائة.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
ومن شعره وقد أضافه أبو الحسن علي بن عدلان الموصلي النحوي، وأوقد بين يديه شمعة فداعبه علي بن محمد بن محمود، فأطفأها علي بن عدلان، ثم أشعلها علي بن محمد من غير حضوره؛ فلما رآها ابن عدلان قال على طريق الانبساط لعليّ بن محمد ولأبي بكر بن أبي النجم الجزري الشاعر: ما تستاهلان أن يوقد عليكما إلا مشعل فارتجل علي بن محمد، وأنشد بديهة: [من البسيط]
داعبت وهنا فتى عدلان معتمدًا إيقاد شمعته لمّا دجا الغسق
فاصفرَّ ثمَّ انثنى بالغيظ مشتعلًا وأقبل الدَّمع من عينيه يستبق
نحلته شمعة أخرى فأقسم لو لم أبلِّغها كدت بالأنفاس احترق
وله وقد وصل إلى الملك الرحيم بدر الدين عضد الإسلام أبي الفضائل/ ٢٦٢ أ/ غرس أمير المؤمنين- خلد الله ملكه- خلعةٌ صفراء من السلطان الملك الأشرف وذكر إنها كانت قبل ذلك على السلطان الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالي محمد، وذلك عقيب فتح دمياط، واتفق بالقرب من ذلك وفاة الملك الصالح أبي الفتح محمود ابن محمد- صاحب آمد- فقد بديهة: [من الطويل]
أطاعك ما تحت المجرَّة صاغرًا ودانت لك الدُّنيا وهانت صعابها
ووافتك أثواب الجهاد غبارها شفاءٌ وذخرٌ في المعاد ثوابها
حيًا أشرفيًا كامليًا وفت به مودَّات صدق لا يخاف انقضابها
كست أوجه الحسَّاد صفرة لونها وأبعدهم بالسُّحق عنك اقترابها
لوى فتح دمياط الأعادي فبعضها قضى نحبه والبعض ذلَّت رقابها
وله من أبيات يهجو بها ابن صباح الشاعر: [من البسيط]
والأخرق ابن صباح إن تعرَّض لي فإنَّما قاتلاه العي والحمق
مثل الفراشة تلقيها جهالتها إلى السِّراج لتطفيه فتحترق
وأنشدني أبو محمد عبد الرازق/ ٢٦٢ ب/ ابن رزق الله الرسعنيّ المحدث؛ قال: أنشدني أبو الحسن الكوفي لنفسه، في إنسان كان له يقطينة مزوّقة فسرقت منه، وكان يلقب بالرضيّ: [من الخفيف]
صفعت قَّرعة الرَّضيِّ فأضحى ذا غرامٍ لفقدها وحنين
[ ٣ / ٣٦٥ ]
ومشقٌّ فقد الشَّقيق فقوموا لنعزِّي اليقطين باليقطين
وأنشدني؛ قال: أنشدني في إنسان يعرف بابن كروَّس، كان يخدم مع أمير يقال له سنجر، فبعثه ليقبض دخله من الغلات، فأنفق ذلك على مغنية تعرف بسنبلة:
[من مجزوء الرجز]
إنَّ فتى كروَّس حبَّ الفتاةً بلبله
ويدَّعي الفهم ومّا لديه فهمٌ بل بله
باع غلال سنجر جميعها بسنبله
وأنشدني غازي بن محمود الإربلي؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن محمد الكوفي/ ٢٦٣ أ/ لنفسه من أبيات: [من البسيط]
رقَّ النَّسيم ووجه الصُّبح مستتر فسَّقِّني والدُّجى قد كاد ينحسر
والجوُّ ارقَّط والأفلاك مسفرةٌ والبدر في الأسر للإشراق ينتظر
كأنَّه ديدبان الجيش والشُّهب الفرسان منجدلٌ هذا ومنعفر
أو روضةٌ غضَّة الأزهار قابلها زهر الرُّبى فكلاها أنجمٌ زهر
فاترع قنانيك والكاسات وأمل وخذ عمرًا فإنِّي أخشى ينفد العمر
أما ترى الدَّوح قد غنَّت بلابله كأنَّما كلُّ غضنٍ فوقه وتر
ومنها يقول:
فسقِّني من يدي شاد معتَّقة تكاد من ريقه في الكأس تنعصر
مقرطقٌ يبتدي بدرًا على غصن وينثني سمهريًا فوقه قمر
إذا انثننى فقناه القدِّ مشرعةٌ وإذ دنا فحسام اللَّحظ مشتهر
يسعى إلىَّ بكاسات إذا لثمت وثغره هان ألَّا يلثم الحجر
وأنشدني؛ قال: أنشدني نفسه: [من الكامل]
كم لي بمنعرج اللِّوى من موقفٍ أذري المدامع فيه كالمتأسِّف
وأهزُّ أعطاف الغرام تثنِّيًا فكأنَّني ثملٌ بخمرة قرقف
/ ٢٦٣ ب/ ويهزني طربٌ إلى غيد القنا من كلِّ عسال القوام مهفهف
حدثني القاضي أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة بحلب- أيده الله- قال
[ ٣ / ٣٦٦ ]
أبو الحسن علي بن محمد بن محمود البغدادي الشاعر؛ نزيل رأس عين، شاعر مجيد فاضل حسن المذاكرة.
أخبرني أنه قدم حلب مرارًا، واجتمعت به بسنجار في سنة أربع وعشرين وستمائة، وكان في أوتل مرّة قريبًا من الملك الأشرف، وكان ينفذه في رسائل، ولما اجتمعت به كانت أحواله قد تناقضت عنده؛ فمما أنشدني لنفسه، وذكر أنه اقترح عليه أن يعمل في وصف الحماحم بالموصل، فسألهم في أي وزن يريدزن. وكان في وليمة؛ فقالوا: في الوزن الذي يغني به المغني؛ فقال: فغنى المغني أبياتًا منه:
باكر صبوحك يا نديمي
ومهفهف في وجهه جيشان من زنجٍ وورم
فقال: [من مجزوء الكامل]
باكر صبوحك يا نديمي ورم الحياة بكفِّ ريم
في مجلس خضل النَّبا ت يرقُّ من ماء النَّعيم
/ ٢٦٤ أ/ حلب الكروم غذاء ذاك النَّبت لا حلب الغيوم
وحماحمٌ كأسنَّة في كلِّ معتدل قويم
طعنت قلوب وشاتنا فتخضَّبت بدِّم الهموم
أو أنجمٌ بزغت لتحرق كلَّ شيطان رجيم
أو مثل أعراف الدّيوك لدى مبارزة الخضوم
أو كالشَّقيق تحرَّشت بفروعه أيدي النَّسيم
أو ثاكلٌ صبغت بنانًا من دم الخدَّ اللَّطيم
وسقاتنا كأهلَّه حملت شموسًا في نجوم
من كلِّ ذي دلِّ رخيم غير ذي قلب رحيم
طفلٌ يجور على النَّدامى جور محتنك عليم
فراهم صرعى الكؤوس بكفِّ لقمان الحكيم
فيه نضلُّ ونهتدي بالفرع والوجه الوسيم
[ ٣ / ٣٦٧ ]
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
قال: وأنشدني لنفسه في المروحة: [من الطويل]
/ ٢٦٤ ب/ وذات جناحٍ خافق وهي تنتمي إلى حسبٍ زاكي الفروع أصيل
تطير فلا تنأى وتطلّب قربها لبرد غليل أو لبرء عليل
لها يقظةٌ عند المقيل وهبَّةٌ ورقدتها في بكرةٍ وأصيل
قال: وأنشدني لنفسه في القلم: [من البسيط]
وذابل العطف مهزول يرى أبدًا ميتًا ولكنَّه يحيى إذا ذبحا
شرباه ماءٌ قراحٌ سلسلٍ ودمٌ طورًا وينتج في الوقت الَّذي نكحا
قال: وأنشدني لنفسه يصف قلمًا من قصيدة: [من الطويل]
وفي الكفِّ ظام شربه من سجالها ومن عجب ظام غزير المشارب
نحيفٌ ولكن طالما دقَّ في الوغى صدور العوالي في صدور الكتائب
علته القنا في غابها وتعصَّبت وطالت وتاهت وازدهت بالعصائب
فجاملها حتَّى رماها بحاطم فقصَّدها حتَّى رماها بحاطب
فآونةً يسقي العفاة بعارضٍ وآونةً يرمي الطُّغاة بحاصب
[٤٤٥]
عليُّ بن يوسف بن أحمد/ ٢٦٥ أ/ بن محمّد بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن جعفرٍ، أبو الفضائل الواسطي، المعروف بابن الآمدي.
كان يتولى قضاء واسط وأعمالها ونواحيها في عهد الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد﵁-.
وكان فقيهًا شافعيًا عارفًا بالعربية، وفنون الشعر، وأحكام القضاء، وكان نعم
[ ٣ / ٣٦٨ ]
الرجل دينًا عقلًا وعلمًا وفضلًا؛ وتوفي في شهر ربيع الأول سنة ثمان وستمائة.
ساق أبو عبد الله الدبيثي ذكره في مذيله؛ وقال من بيت معروف بواسط بالصلاح والرواية للحديث والعدالة، قدم بغداد وأقام بها مدة متفقهًا على مذهب الإمام الشافعي﵁- على الشيخ أبي طالب بن [المبارك بن المبارك صاحب] ابن الخل، ثم بعده على أبي القاسم يعيش بن صدقة الفراتي، أعاد له درسه بالمدرسة الثقتية بباب الأزج.
وكان حسن الكلام في المناظرة، سمع الحديث بواسط من أبي الحسن علي بن المبارك بن الحسن بن الخلال، وببغداد من شيخه أبي طالب بن الخل وأبي القاسم الفراتي.
وتولّى القضاء بواسط في أواخر صف/ ٢٦٥ ب/ سنة أربع وستمائة، وصار إليها في ربيع الأول من السنة المذكورة، وأضيف إليه إنهاء الأشراف بالأعمال الواسيطة؛ وكان له شعر ومعرفة بالحساب، ولم يزل على ولايته إلى أن توفي ليلة الاثنين ثالث شهر ربيع الأول سنة ثمان وستمائة؛ ودفن من ذلك اليوم عند أبيه وأهله ظاهر البلد؛ وكان مولده في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. هذا آخر كلام أبي عبد الله الدبيثي.
ومن الشعر ينسب إليه، وهو مشتهر يغني به القوالون والمغنون، وسار العالم هذه القصيدة الغزلة الهائية: [من الكامل]
آهاله ذكر الحمى فتأوَّها ودعا به داعي الهوى فتولَّها
هاجت بلابله البلابل فانثنت أشجانه تنهي عن الحلم النُّهى
فبكى أسى وشكى جوى وتنبَّه الوجد القديم ولم يزل متنبِّهًا
قالوا: وهي جلدًا ولو علق الهوى بيلملمٍ يومًا تأوَّه أو وهى
[ ٣ / ٣٦٩ ]
يا عتبُ لا عتبٌ عليك فسامحي وصلي فقد بلغ السَّقام المنتهى
عذل العذول على هواك فما اعورى ونهاه فيك اللَّائمون وما انتهى
قالوا اشتهاك وقد رآك مليحةً عجبًا وأيُّ مليحة لا تشتهى
/ ٢٦٦ أ/ علَّمت بأنَّ الجزع ميل غصونه لما خطرت عليه غي حلل البها
ومنحت غنج اللَّحظ غزلان النَّقا فبدا أحسن ما ترى عين المها
لولا دلالك لم أبت متقسِّم الأفكار مسلوب الرُّقاد مدلَّها
أنا أعشق العشَّاق فيك فليس لي شبهٌ ولا لك في الملاحة مشبهًا
لا تكرهوه على السُّلو فطائعًا حمل الغرام فكيف يسلو مكرهًا
وحدثني أبو الفرج محمد بن بدر بن الحسن بن السمين البصري؛ قال: حضر عند القاضي أبي الفضائل بن الآمدي، امرأةً وزوجها يحتكمان؛ فطلبت المرأة الطلاق، فخيّره على طلاقها بما اقتضاه الحكم الشرعي؛ فامتنع الرجل من الطلاق وأبى، فأمر القاضي بحبسه، فذهبوا به ليجسوه، فحين وصل بعض طريق الحبس، سأل الرجل العود إلى القاضي، فعاد إليه، وحضر بين يديه؛ فقال له القاضي: ما بك؟ فقال: يا قاضي المسلمين كيف يحسن بك أن تأمر بحبسي وتكرهني [على] الطلاق؟ ألست القائل؟: [من الكامل]
/ ٢٦٦ ب/ لا تكرهوه على السُّلوِّ فطائعًا حمل الغرام فكيف يسلو مكرهًا
فقال له القاضي: نعم أنا قلت ذلك؛ فأمر له بعشرين دينارًا من ساعته، وأصلح بينه وبين زوجته، وصرفهما وهما راضيان.
ومن شعره يلغز: [من الطويل]
كلفت بظبي غرَّه حين أغراه سوادٌ تبدَّا في بياض محيَّاه
غزالٌ كبدر التَّم ليلة تمِّه رمى مقتلي عمدًا ولم يخط مرماه
هلالٌ على غصن يميس وينثني كما اهتَّز بانٌ حين يهتزُّ عطفاه
ومن أين للغصن الرَّطيب قوامه ومن أين للبدر المنير ثناياه
يبيح دمي عمدًا وأكره أنَّني أبوح به بل استلدُّ بذكراه
فأوضح ما أخفيت غير مصرَّحٍ يبين لأهل الفضل لا شكَّ معناه
[ ٣ / ٣٧٠ ]
فربَّع اسمه مال ولجذره ومثلاه نصف الجذر فاثبته وأقراه
وثانيه ربع الاسم مع نصف ثمنه مضافٌ إلى ما نحن من قبل قلناه
تجده رباعيًا يساوي لجذره وثالثه حرفٌ يماثل مبداه
ورابعه وهو الأخير لاسمه إذا انزاح منه خمسة فهو ثمناه
[٤٤٦]
عليُّ بن أبي غالب/ ٢٦٧ أ/ بن أحمد بن عمرو بن المفرج بن عطاء الله الربعيُّ، أبو الحسين السَّلَّاميُّ الموصليُّ، المعروفٌ بابن شيخ السَّلَّاميّة.
هي قرية تحت الموصل بأربعة فراسخ بجانبها الشرقي؛ وسلف أبي الحسن كانوا رؤساءها ومشايخها؛ وهم بيت مشهور بالرئاسة.
وسافر أبو الحسن إلى بخاري وسمرقند والشام والعراق وديار مصر؛ وكان جليلًا رئيسًا متمولًا ذا يسار ونعمة واسعة، فيه أريحية ومروءة، وله نظم ونثر.
ورأيت من إنشائه مقامة هجا بها قاضي إربل وتنتَّزه فيها تنتيرًا قبيحًا؛ وكانت وفاته بالسلامية سنة تسع عشرة وستمائة.
أنشدني معتوق بن المفرّج بن عمرو السلامي؛ قال: أنشدني ابن عمِّي لنفسه:
[من الطويل]
سرى طيفها خلسا وقد غوَّر النَّسر قد غابت الجوزاء وابتسم الفجر
فحيَّا محبًّا بات من لوعه الهوى يقلقله ذكرٌ ويقلقه فكر
وأنَّى اهتدى واللَّيل ملق جرانه وقد حال فيما بيننا المهمه القفر
يزوِّر لي أنَّ الحبيب بزورني وهيهات إنَّ الوصل من طيفها هجر
أتسمح لي بالوصل والرَّمل دونها ألا إنَّ هذا العرف من وصلها نكر
/ ٣٦٧ ب/ تصدُّ وتجفو والدِّيار قريبةٌ وتدنو دوني البحر واللَّجج الخضر
مهفهفةٌ كالغضن هبَّت به الصَّبا سحيرًا وكالسَّكر إن مال به الخمر
[ ٣ / ٣٧١ ]
يجول وشاحاها وما جال حجلها وتشكو إلينا النُّطق ما ضمَّت الأزر
لها الدُّرُّ ثغرٌ وهو عقدٌ لنحرها فواعجبًا من ثغرها قلِّد النَّحر
إذا سربت في السِّرب والسِّرب كالدُّمى فهنَّ نجومٌ وهي ما بينهم بدر
تجرِّعني السُّمَّ الزُّعاف تذلُّلًا وتعجب من صبري وقد نفد الصَّبر
تعلَّقتها بكر الصَّبابة والصِّبا وقد شاب رأسي والغرام بها بكر
فيا عاذلي في الوجد لو كنت شاهدًا عذرت فتّى في الحبِّ ليس له عذر
ولو عاينت عيناك تمثال دمية سجدت وإن كان السُّجود لها الكفر
فدعني ووجدي والغرام وإنَّما تعاتب جلمودًا وهل يسمع الصَّخر
خلقت قذى عين الحسود لحبِّها وإنِّي لفي حلق العدوِّ شجًا مرُّ
ومنها:
وكم مهمة في جنح ليل قطعته إليها ولم يكتب عليَّ به وزر
بناجية كالنَّجم عند انقضاضه إذا وخدت فالميل في خطوها فتر
ومثلي لا يعبث بسوء إذا خلا ولا تطبيه الكاعب الرُّود يا نصر
/ ٢٦٨ أ/ أنا ابن السُّراة الغرِّ من فرع خندف بجدِّي أبي العباس يفتخر الفخر
هو الطَّاعم المطعان في حومه الوغى إذا اغبرُّت الآفاق واحتبس القطر
بنا يعرف المعروف والبأس والنَّدى ويعزى إلينا الجود والحمد والشُّكر
إذا ناب دهرٌ فادع يوسف إنَّه إذا ناب دهرٌ خاف من بأسه الدَّهر
وإن جاد أروى غلَّة الفقر سيبه وإن صال فهو اللَّيث والغيث والبحر
يعمُّ الآقاصي والآداني نواله ويسري إلى الآفاق نائله الغمر
فتّى ذكره في الشَّرق والغرب سائرٌ كما سارت الشَّمس المنيرة والبدر
وأقلامه تغني عن البيض والقنا ويكفي لقاء الجيش من خطِّه سطر
ونهَّاب أعمار الأعادي محمَّدٌ ووهَّاب ما أبقاه من تالد عمرو
وهازم أزمات الزَّمان بجوده إذا صرَّت الخضراء وامتنع الدَّرُّ
وإن أمَّه ذو حاجة وهو مدقعٌ نأى فقرة بالجود وارتحل العسر
فمن شاء فليفخر بعزَّ ورفعه فنحن الَّذي ذلَّت لنا الأنجم الزُّهر
أيطمع في إدراك شأوي مقصِّرٌ جهولٌ له في جهله والخنا ذكر
[ ٣ / ٣٧٢ ]
له عن سبيل المكرمات زواجرٌ من اللُّؤم لا حمدٌ لديها ولا شكر
وهيهات لم يبلغ مداى مقصِّرٌ إذا قال شعرًا في شعره الشعر
/ ٢٦٨ ب/ ومازال شعري في البلاد مسافرًا يروح به ركبٌ ويغدو به سفر
وينشده الرَّؤوان شرقًا ومغربًا وينشده بدوٌ ويشدو به حضر
أغوص على درِّ البيان فأجتني وأنظمة شعرًا كما نظم الدُّرُّ
فكيف يناصي النَّجم يا نصر جاهلٌ تساوى لديه القطر والتِّبر والصُّفر
سأجلو على الرَّاوين كلَّ قصيدة هي السِّحر لا بل إنَّ ألفاظها السِّحر
إذا أنشدت أضحى حسودي صاغرًا لديها وألحاظٌ العدا دونها خزر
ونقلت من خطه قوله وهو مما قاله ، وحرره بالموصل عند عوده إليها في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة: [من الطويل]
إذا هبَّ من أرض الحجاز نسيم أبلَّ من الدَّاء العضال سقيم
وأطلق مأسورًا يبيت من الجوى يقلقله شوقٌ الدُّ خصيم
وبرَّد نارًا في الحشا مستكنَّة لها بين قلبي والشَّغاف جحيم
أحنُّ إلى أرض الحجاز ودونها مهامه دهسٌ أفقرت وحزوم
ومنها:
فهيهات نجدٌ أين نجدٌ وأهلها وهيهات يشفى بالرُّقاة سليم
[٤٤٧]
/ ٢٦٩ أ/ عليُّ بن الحسين بن عليُّ بن القاسم بن المظفر بن عليٍّ الشهزوريُّ، أبو الحسن بن أبي عليٍّ الموصليُّ.
قاضي الموصل.
من بيت الرئاسة والعلم؛ كان فصيحًا بارعًا دينًا خيرًا سليم الجانب، مشهور [ًا] بالديانة، وسلامة الجانب، كثير الخير والصلاح.
سمع عمّه أبا بكر محمد بن القاسم الشهرزوري قاضي الخافقين، والقاضي تاج الإسلام أبا عبد الله الحسن بن نصر بن خميس الجهني الموصلي، والوزير أبا المظفر
[ ٣ / ٣٧٣ ]
يحيى بن محمد بن هبيرة وغيرهم.
وكانت وفاته في رابع المحرم في سنة إحدى وستمائة؛ وصلىّ عليه بظاهر باب الميدان، ودفن بتربتهم من صحراء المعافى بن عمران﵁-.
نقلت من خط يده وشعره يمدح أتابك نور الدين أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي﵁- ويرثى والده أتابك عز الدين مسعودًا﵁-[من الكامل]
جار الزَّمان قلَّ منه ناصري فمن المجير من الزَّمان الجائر
أبدًا أغصُّ من الزَّمان بجوره أفما لأوَّل جوره من آخر
/ ٢٦٩ ب/ هيهات لا برد الغليل وقد ثوى من كان من عددي وخير ذخائري
ملكٌ قضى فارتجًّت الدُّنيا له فكأنَّما ركبت جناحي طائر
أضحى وحيدًا في التُّراب كأنَّه ما سار بين مواكب وعساكر
إن كان عزُّ الدِّين غاب فما خبت أنوار ذا القمر المنير الزَّاهر
أو كان ذاك السَّيف فلَّ فما نبا الحدَّان من هذا الحسام الباتر
أو كان ذاك البحر غاض فما رقا ما فاض من هذا الغمام الماطر
مولاي نور الدِّين عشت مسلِّمًا في ظلِّ مملكة وعزِّ قاهر
ملكٌ تشرَّفت القضاة بذكره وثناه بين محافل ومنابر
لم يخل يومًا منبرٌ من خاطب يثني عليه ومحفلٌ من ذاكر
فالنَّاس كلُّهم بطيب ثنائه وبشكره من ناظم أو ناثر
فهو الَّذي شمل الأنام بعدله من بين باد منهم أو حاضر
ما للكسير إذا استغاث بجوده بين البريَّة غيره من جابر
فاسمع مقالة شهرزوريِّ غدًا يربي على العلما بفضل باهر
أفديك نور الدِّين ليس بخاطر ما عشت ذكر سواكم من خاطري
واسعد بمقدمك المعظَّم سعده الممالك كابرًا عن كابر
/ ٢٧٠ أ/ وافعل كما فعل المقدَّس روحه في حقِّ داع حامد أو شاكر
وانعم بتحقيق الوعود وكن لنا عونًا على نوب الزَّمان الغادر
وانظر لنجلي عبدك الدَّاعي الَّذي يدعو إذا رقدت عيون السَّاهر
[ ٣ / ٣٧٤ ]
يثنى على أوصاف مجدك مطنبًا ما بين دانٍ واردٍ أو صادر
لا تتركنِّي في بلادك ضائعًا وانظر إلىَّ بباطن أو ظاهر
فتأخُّري لتألُّمي وتظلُّمني ولضيق ذات يدي وقلَّة ناصري
قد كان والدك السَّعيد معظِّمًا قدري ومعترفًا بفضلي السَّائر
فاسمح وجد وانعم فصبري نافدٌ والله قد أوصى بحقِّ الصَّابر
واسلم ودم في نعمة وسلامة وجلالةٍ سامي الأوامر فوق كلِّ أوامر
[٤٤٨]
عليُّ بن محمَّد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن يوسف بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن سهم- من ولد عمرو بن العاص- القرشيُّ ثم السهميُّ، أبو الحسن بن أبي عبد الله، شهر بابن البيّانيّ الغرناطيّ الأندلسيّ.
شاعر من الفضلاء.
أنشدني أبو الفتح محمد بن بدر التبريزي- رحمه الله تعالى- قال:
/ ٢٧٠ ب/ أنشدني أو الحسن بن البيّاني لنفسه بإربل، قدمها في العشر الأولى من شعبان سنة ثلاثين وستمائة؛ مجتازًا إلى دار السلام؛ يمدح مولانا وسيدنا الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور﵁-: [من الكامل]
حرم الخلافة قصد كلِّ ميمِّم ومحل موثوق العقيدة مسلم
شرفت قواعده فبان سماكنا في جوِّ قبَّة سمكه كالدِّرهم
وكأنَّما العافي الملمُّ ببابه يخطو إليه على جبين المرزم
دمنٌ سمت شرفًا مساكن أفقهًا من آل أحمد سرِّ صفوة آدم
أسنى الخلائف والخلائق محتدًا وأجلهم ذكرًا لدى نطق الفم
مستنصرٌ بالله في أفعاله ماضي العزيمة في المهمِّ المبرم
دار السلام لقاصديها قبلةٌ كالبيت من يحجُّ ويخدم
شهدت ببهجتها به أمُّ القرى أو حلَّها فرهت بأشرف مبسم
والبيت يشهد بالفخار ثمَّ المقام مع الحطيم وزمزم
[ ٣ / ٣٧٥ ]
وكذا المشاعر لم يزل يتلو بها آي المآثر كلُّ أشعت محرم
فيكم بني العبَّاس عصمة ديننا في عصرنا دار الزَّمان الأقدم
/ ٢٧١ أ/ أنتم خلائف ربِّنا في أرضه طرًّا ومن يأبى فليس بمسلم
وبفضلكم نطق الكتاب لأنَّكم آل النَّبي وفخركم لم يكلم
وإذا امروٌ جارت به سبل الهوى عن قصدكم يدعى بأجهل مجرم
فإذا استتيب فتاب كان مؤمَّنًا وإذا أبى فمثابه سفك الدمًّ
إمام أهل الأرض بلِّغت المنى فمغرِّبٌ في طوعكم كالمشئم
وبلاد أندلسٍ أديلت دولةً لكم ببيعة مخلصٍ لم تكتم
شبَّ الوليد بها سرورًا واكتست شرخ الشَّباب الشِّيب للمتوسِّم
فثغورها افترَّت لطاعة أهلها لله ثمَّ لكم بصدق مسلِّم
تبدو خوارج قد اثقلت منهم ظهورًا بالنِّفاق المؤلم
واستبشروا بكمال نعمة دينهم ونعيم دنياهم وفيض الأنعم
ومليكهم سبعٌ بن هود مالكٌ منهم أزمَّة طاعة لم
ملكٌ بكم ملكت يداه مناقلًا بعدت عن الفتح الشِّداد الحوَّم
فأزارها أسدًا وكان شعاركم خيلًا لها تحت العجاج الأقتم
وسما إليها بالسَّوابق شزَّبًا تردي بكلِّ مدجَّج مستلئم
وأذاقها صدق الطِّعان فأذعنت بالطَّوع دون مهنَّد ومقوَّم
/ ٢٧١ ب/ يطوي البلاد بجحفل خلق الملا عن نحره الطَّامي العباب الخضرم
خفقت بنود سعودكم فيه على أعدائكم فاستسلموا للمغنم
ولقد غزا أرض الفرنج بعصة فطرت على دين النَّبيِّ الأقوم
فإمامهم مستنصرٌ ومليكهم متوكلٌ يا نصرهم لا تعدم
وإذا هم أمُّوا العدا صدموهم بالمشرفيِّ وكلِّ أسمر لهذم
وعليهم سرد الدِّلاص كأنَّه سيلٌ تلاطم في غدير مفعم
وطئت سنابك خيلهم هاماتهم والسَّيف يرسم أسطرًا لم تفهم
واستعجلت قصد الوشيج عليهم حرقًا بها من قبل نار جهنَّم
وجرت مذانب من نجيع نحورهم فتحجَّلت شهب السَّوابق بالدَّم
[ ٣ / ٣٧٦ ]
ملأوا الفلاة مجدَّلين تنوشهم عصب الوحوش وكلُّ نسر قشعم
فمياهها قد عافها متطهِّرًا وترابها ما حلَّ للمتيمِّم
وقد استقام الدِّين في أقطارها شرقًا وغربًا والعدوُّ بمرغم
فالحمد لله المفيض عليهم بإمام أهل الحقِّ أسبغ أنعم
فشبابهم في غبطة ونساؤهم في حوطة وشيوخهم لم تهرم
نزلوا المنى لمَّا انجلت عن أرضهم ظلم الجهالة من زنيم مجرم
/ ٢٧٢ أ/ واستوضحوا نور الهدى وتيمّوا بالدولة الغرَّاء في
عمَّ البسيطة عدله فيكاد أن تلقى الذِّئاب مع الظِّباء بمجثم
لا زال سحب نوالهم تهمي على أهل الولاء بكلِّ نوء مثجم
وسيوفه تمسي رقاب عداته أجفانها يوم الوطيس الملحم
ورماحه في صدر كلِّ معاند أمضى وأنفذ من قضاء مبرم
يا ابن الأئمَّة من قريش أنتم خير البرايا والحمى لمتمِّم
قطب الدِّيانة والأمانة فيكم إرثٌ لكم من أكرمٍ عن أكرم
صلَّى على تلك العناصر ربَّكم وكساكم ثوب الفخار الأعظم
وأدامكم للمسلمين موطِّدي أديانهم بمثقَّف وبمخذم
وحباكم العمر الطَّويل تمتُّعًا وأمدَّكم نصرًا بكلِّ مسوَّم
والدِّين والإسلام لمَّا استمسكا منكم بعرورة عصمة لم تفصم
فعلى مواقفكم أتمُّ تحيَّةٍ ما دام بيت الله قبلة مسلم
[٤٤٩]
عليُّ بن محمد بن حامدٍ، أبو الحسن البغداديُّ.
سافر عن مدينة السلام، ونزل آمد في أيام / ٢٧٢ ب/ الملك الصالح أبي الفتح محمود بن محمد مليكها؛ فلولّاه بها القضاء إلى أن مات بها وهو قاضٍ ولم يبلغ الأربعين؛ وكان قد أخذ من كلّ علم طرفًا حسنًا.
أنشدني له أبو الفضل عمر بن علي بن هبيرة، حين خرج عن وطنه، وفارق أهله وبنتًا له صغيرة، وجلس على دجلة، وتذكر من فارقه، فأنشد لنفسه: [من السريع]
[ ٣ / ٣٧٧ ]
لو صبَّ ما ألقى على صخرةٍ لذابت الصَّخرة من وجدها
أو ألقيت نيران وجدي على دجلة لم يقدر على وردها
أو ذاقت النَّار غرامي بكم لم تتوار النَّار في وقدها
لو لم ترجِّ الرُّوح روح اللِّقا لكان روح الرُّوح في فقدها
[٤٥٠]
عليُّ بن محمدّ بن يوسف بن قليج بن تكين خان بن محمود خان ابن إيل خان، أبو الحسن الموصليُّ المولد والمنشأ.
من ولد الأتراك الملقب بالمؤيد الجاندار.
كان جنديًا بالموصل، ومستحفظ قلعتها في عهد الملك نور الدين أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن زنكي وبعده/ ٢٧٣ أ/ لولده الملك القاهر عزّ الدين أبي الفتح مسعود.
وكان رجلًا عاقلًا من أهل الفضل والمعرفة بأخبار الناس وأيامهم، حسن الاقتصاص لها، وجمع كتابًا سمّاه «مساهر السامر ومُّسامر الساهر» يحتوي على أشعار وحكايات.
وكان مولده يوم الاثنين ثاني عشر شعبان سنة ست وأربعين وخمسمائة بالموصل، وتوفي بها عشية السبت تاسع عشر شوال سنة ست عشرة وستمائة، ودفن ظاهر البلد، بمقبرة الباب الكاري بالشرف الأعلى المطل على دجلة.
أنشدني أخوه أبو عبد الله محمد بن محمد؛ قال: أنشدني أخي لنفسه:
[من مجزوء الكامل]
يا أيُّها الغادي على عيرانةٍ أجدٍ أمون
أبلغ بهاء الدِّين شوق متيَّم قلق حزين
وأخبره أنَّ فراقه عندي أشدُّ من المنون
[ ٣ / ٣٧٨ ]
وأنشدني؛ قال: أنشدني أخي لنفسه؛ وهي ذات وزنين وقافيتين: [من الكامل]
أمجاور البيت العتيق وتاركي رهن الصَّبابه ما إخالك منصفًا
/ ٢٧٣ ب/ إمنن عليَّ بأوبة تحي الكئيب من الكآبة فالعدوُّ قد اشتفى
[٤٥١]
عليُّ بن محمد بن سديرٍ، أبو الحسن المدائنيُّ الطبيب.
كان له يد في علم الطب والمعالجة خيرًا، وكان دمثًا مداعبًا مطبوعًا، يتشيع مفرطًا، ولي حسبة المدائن سنة تسعين وخمسمائة. توفي بالمدائن فجأة في العشر الآخر من شهر رمضان سنة ست وستمائة.
ومن شعره؛ قوله: [من الطويل]
أيا منقذي من معشر زاد لؤمهم فأعيا دوائي واستكان له طبِّي
إذا اعتلَّ منهم واحدٌ فهو صحَّتي وإذا ظلَّ حيًّا كدت اقضي به نحبي
أداويهم إلاَّ من اللُّؤم إنَّه ليعيي علاج الحاذق الفطن الطَّب
وقال أبو الحسن القطيعي، أنشدني علي بن سدير لنفسه ببغداد سنة تسعين:
[من الرمل]
هاجه السِّرب الَّذي عنَّ لنا بين جرعاء اللِّوى والمنحنى
ورمته العين من آرامه أسهمًا متَّخذًا أعينًا
/ ٢٧٤ أ/ يا ديار الحيِّ من أين لنا مثل أيَّامك من أين لنا
أتمنَّى والأماني ظلَّةٌ أن أرى ذاك الكثيب الأيمنا
ولقد أهوى إلى نجدٍ وإن لم تكن نجدٌ لأهلي وطنًا
[ ٣ / ٣٧٩ ]
[٤٥٢]
عليُّ بن روح بن أحمد بن الحسن بن عبد الكريم، أبو الحسن بن أبي طالبٍ.
هكذا قرأت نسبه بخطه، النهرواني المعروف بابن الغباري.
كان مولده سنة سبع وثلاثين وخمسمائة بالنهروان، ورد مدينة السلام، وسمع بها الحديث، وأخذ الفقه عن أبي النجيب السهروردي؛ وقرأ الأدب على أبي الحسن علي بن عبد الرحيم بن العصَّار اللغوي، وروى الخطب النبهانية عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن نبهان الرقي الغنوي، وسمع المقامات الحريرية على أبي الفضل منوجهر محمد بن تركانشاه البغدادي.
وتولّى القضاء بها، في عهد الإمام أمير المؤمنين الناصر لدين الله﵁- وعزل عن القضاء، وتوفي يوم الأربعاء منتصف رمضان سنة خمس عشرة وستمائة؛ وكان فقيهًا/ ٢٧٤ ب/ شافعي المذهب؛ فاضلًا دينًا صدوقًا ثقة.
له شعر، وكان يتكئ عند كبره على عصا، ومن شعره: [من مجزوء الرجز]
إنِّي إذا هلَّ رجب في تعب وفي نصب
أمشي على ثلاثة أصحُّ ما فيها الخشب
من عادة بغداد إذا هلَّ رجب، يخرج الفقهاء والعلماء والصوفية وغيرهم من ذوي العلم، ويبيتون في الرصافة عند قبور الخلفاء﵃- ويقرأون القرآن ويعقد مجلس الوعظ هنالك، وكذلك أيضًا في النصف من شعبان؛ فهذا معنى قوله: «إذا هلَّ رجب».
وقال أيضًا: [من الطويل]
[ ٣ / ٣٨٠ ]
وقد كنت أشكوك الحوادث برهةٌ واستمرض الأيَّام وهي صحاح
إلى أن تغشَّتني وقيت حوادثٌ تحقِّق أنَّ السَّالفات منائح
[٤٥٣]
عليُّ بن مسلم بن كاملٍ/ ٢٧٥ أ/ أبو الحسن الموصليُّ، العدل.
كان قد قرأ شيئًا من العلم، وقال شعرًا كثيرًا، أدركت آخر أيامه، وهو شيخ مسنّ بالموصل، يكتب بها الشروط بالأجر، ولم آخذ عنه شيئًا.
رأيت من شعره قصيدة؛ أنشدنيها بعض المعارف، يمدح بها القاضي محيى الدين أبا محمد حامد بن محمد بن عبد الله الشهرزوري: [من الكامل]
عج بالقلوص على المحلِّ الماحل وسل الطُّلول عن الخليط الرَّاحل
واستوقف الأطلال ربة وقفة جادت على الصَّبِّ الكئيب بنائل
واسكب دموعك في عراص أقفرت وعفت معالمها كجسمي النَّاحل
واستبدلت من كل َّ ريمٍ آنسٍ حال باخر نافرٍ بعاطل
ماذا يؤمِّل مجتد من مانع رفدًّا ويرجو طالبٌ من باخل
يا عاذلي لو كان عندك بعض ما يلقاه قلبي كنت عاذل عاذلي
كفَّ الملام فما أصيخ للائم ما ذاق طعم هوّى غبيٌّ جاهل
من منصفٌ لي من ظلوم حاكم أو آخذٌ لي من مليٍّ ماطل
غرث في بحر الغرام بمهجتي أبغي رضاه فما حصلت بطائل
أنا بين أعطاف تميس وأعين ترنو قتير بواتر وذوابل
وأهيم من وجديٌ عليه فمن رأى يا قوم مقتولًا يهيم بقاتل
/ ٢٧٥ ب/ يرمي القلوب بأسهم من لحظة وكأنّ مقلته كنانة نابل
قد بلبلت البابنا الحاظه فكأنَّ سحر جفونه من بابل
وكأنَّ قسوَّة قلبه من يذبلٍ وكأنَّ حسن قوامه من ذابل
سقمي من الطَّرف السَّقيم وادمعي سالت على ذاك العذار السَّائل
أخفقت حين نصبت أشراكي له فاعتاق قلبي حين فات حبائلي
[ ٣ / ٣٨١ ]
فعلمت أنَّ الدَّهر يبغي نصره فيما أرادوا وأنَّ دهري خاذلني
فطفقت أسأل الورى عن ماجد جمِّ العطار رحب الفناء حلاحل
أشكو إليه جور دهر باسلٍ أنحى عليَّ بكلكل وبكاهل
فوجدت محيي الدِّين أسخاهم يدًا تندى وأدفعهم لخطَّب نازل
سمحٌ إذا خانوا، حكيمٌ إن هفوا، قوَّال محكمةٍ، زعيم محافل
فذكرت حين رأيت شمس عطائه في ليل منعهم مقال القائل
أفلت نجوم المكرمات ونجمه للطالبين تراه ليس بافل
ومنها يقول في آخرها:
الله اسأل أن يديم بقاءه فتدوم لي نعمي إذا أبقاه لي
تمَّ الجزء الخامس
ويتلوه في السادس إن شاء الله تعالى من اسمه علي
[ ٣ / ٣٨٢ ]
/١ ب/ بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
[تتمة حرف العين]
[تتمة ذكر من اسمه علي]
[٤٥٤]
عليُّ بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد بن موسى بن أحمد بن محمد بن إسحق بن محمدٍ بن ربيعةً بن الحارث بن قريش بن أبي أوفى بن أبي عمرو بن الحكيم بن الجبير بن عادية بن حيّان بن معاوية بن تيم [بن] شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليِّ بن بكر بن وائلٍ، أبو الحسن القفطيُّ.
القاضي الأكرم بن القاضي الأشرف أبي علي نزيل حلب، الكاتب الوزير أحد
[ ٤ / ٩ ]
الكتاب المشهورين، والفضلاء المذكورين، جمّ الفضل، كثير النبل، عظيم القدر، واسع الصدر، يعرف كل فنّ من فنون العلم كالنحو واللغة والفقه والحديث وعلم القرآن والمنطق والأصول والرياضة والنجوم والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل. فما فاتحه أحد في فنّ من هذه الفنون على الإطلاق إلَّا وقام به أحسن قيام.
ثم إنّه عاليّ الهمة في تحصيل الكتب النفيسة وإقتنائها، مبالغٌ في أثمانها، راغب في تصحيح أصولها، ولم ير في زماننا أحد /٢ أ/ من الوزراء، حصل مثل الكتب التي حصّلها وحازها.
ولي الوزارة أوائل سنة أربع عشرة وستمائة، وبقي إلى أن كانت سنة ثمان وعشرين وستمائة، خرج الأمر عن طغريل الخادم شهاب الدين، واستقلّ -السلطان الملك العزيز- بالملك. وكان قد وعد ابن خطيب القلعة بالوزارة في أيام الصِّبا، فلما ولي الأمر أراد أن يقوم بوعده، فولّاه وأحسن إليه إحسانًا زائدًا. وبقي مدة خمس سنين، فبدت منه أمور قبيحة وأصله من قرية من أعمال
وكان معلمًا لأولاد الأمير شمس الدين لؤلؤ، فلما ظهر للملك ما ظهر عزله وحبسه؛ وعاد الحق إلى أهله، واستحضر الوزير الصاحب الكبير الإمام العالم جمال الدين أبا الحسن علي المذكور، وخلع عليه، وفوّض إليه الأمور، فظهر منه للناس ما كان معروفًا به من الإحسان والعدل ومحاققة النواب، واستخلاص الأموال من وجوهها من غير عسر ولا ظلم.
صنَّف كتبًا كثيرة منها: "كتاب الضاد والظاء" وهو ما اشتبه في اللفظ، واختلف في الخط. وكتاب "الدرّ الثمين /٢ ب/ في أخبار المتيَّمين" وكتاب "من ألوت الأيام عليه فرفعته ثم التوت عليه فوضعته"، وكتاب "أخبار المصنِّفين وما صنَّفوه" وكتاب "أخبار النحويين" سمّاه: "إنباه الرواة في أنباه النحاة" وكتاب "تاريخ مصر من ابتدائها إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب -﵁-" في ستّ مجلدات. وكتاب "تاريخ المغرب ومن تولّاها من بني تومرت"، وكتاب "تاريخ اليمن منذ اختطّت إلى الآن" وكتاب "المحلَّى في استيعاب وجوه كلا"، وكتاب "الإصلاح لما وقع من الخلل في كتاب الصحاح لأبي نصر الجوهري"، وكتاب "الكلام على الموطَّأ"، لم
[ ٤ / ١٠ ]
يتمّه، وكتاب "من تاريخ أبي القاسم محمود بن سبكتكين الملقب يمين الدولة وبينه إلى حين الانفصال عنهم". وكتاب "تاريخ السلجوقية - منذ ابتداء أمرهم إلى نهايته"، وكتاب "الإيناس في أخبار آل مرداس"، وكتاب "الردُّ على النصارى وذكر /٣ أ/ مجامعهم"، وكتاب "مشيخة أبي اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي البغدادي"، وكتاب "نزهة الخاطر ونزهة الناظر في أحاسن ما نقل من ظهور الكتب"، وكتاب "إسعاف الصديق لما في حائيا من التحقيق".
وكانت داره مألف أهل الفضل وأرباب العلم. وكان مولده في أحد الربيعين سنة ثماني وستين وخمسمائة، بمدينة قفط من الصعيد الأعلى وبها قبر قبط بن بيصر بن سام بن نوح. وكان منشؤه بالقاهرة المعزِّيَّة؛ خرج إلى مدينة حلب وصاحبها الملك غازي غياث الدين يوسف بن شاذي -رحمه الله تعالى-.
ومن شعره قرأته عليه -أيده الله تعالى- بكرة يوم الاثنين الثامن والعشرين من رمضان بحلب على باب قلعتها المحروسة سنة أربع وثلاثين وستمائة:] من السريع [
ضدَّان عندي قصَّرا همَّتي وجهٌ حييٌّ ولسانٌ وقاح
إن رمت أمرًا خانني ذو الحيا ومقولي يطمعني في النَّجاح
فأنثنى في حيرةٍ منهما لمخلبٍ ماضٍ وما من جناح
/٣ ب/ شبه جبانٍ فرَّ من معركٍ خوفًا وفي يمناه عضب الكفاح
وقال أيضًا:] من السريع [
شيخٍ لنا يعزى إلى منذرٍ مستقبح الأخلاق والعين
(من عجب البحر فحدِّث به بفرد عينٍ ولسانين)
مضمّن لفخر الدين ابن الدهان.
[ ٤ / ١١ ]
ووجدت للوزير الصاحب القاضي الأكرم جمال الدين أبي الحسن علي بن يوسف القفطي -أدام] الله [ظلاله- قوله يمدح الملك المعظم عيسى بن العادل -صاحب دمشق-:] من الكامل [
أخبت برودتها الغداة نفوسا لعسًا مراشفها تزيل البوسا
هيفاء ما ماست لدى إنزالها إلَّا أرتك أهلَّةً وشموسا
يغنيك عن بدر التَّمام جبينها ورضابها يحكي بفيك كؤوسا
إن لاحظت جرحت بفاتر لحظها قلبًا وإن نطقت فجرحٌ يوسى
ما عاين العشَّاق نار خدودها إلَّا وأضحوا بالخضوع مجوسا
ففدى البريَّة نفسها بنفوسهم ومراد هندٍ أن تضيع نفوسا
/٤ أ/ لمَّا تحقَّقت إنصرام وصالها ورأيت حظِّي عندها منحوسا
أجفلت إجفال الظَّليم مسافرًا أهوى الرَّحيل وأكره التَّعريسا
حتَّى أنخت بباب سلطان الورى حقًّا وزرت جنابه المحروسا
السَّيِّد الملك الهمام ومن غدا ربع الوفود ببذله مأنوسا
أحيا لنا ما مات من آمالنا وكأنَّ عيسى في البسيطة عيسى
عرِّج على محيي الموات وخلِّني من طبِّ بقراطٍ وجالينوسا
نشر العطاء لقاصديه وغيره تجد العطاء ببابه مرموسا
ليثٌ إذا زأرت أسود عرينه خلت الملوك أرانبًا ونموسا
كم وقفةٍ لك في الصَّريخ وقفتها فملكت فيها سائسًا ومسوسا
وقذفتهم بسهام جيشك جاهدًا قذف الكواكب في الدُّجى الميسا
ظلَّ البنود ضلالهم وصليل سيفك أخرس النَّاقوسا
تلقى الحروب وصبح وجهك مسفرٌ إسفار مستجلٍ لديه عروسا
أنتم ملوك الأرض نجل مليكها أعطيتم التَّبجيل والتَّقديسا
فليهن سيف الدِّين وما وليه من ملك وولاه بنيه الشُّوسا
بالشَّام عيسى مالكٌ ومحمَّدٌ بديار مصر وفي خلاطٍ موسى
[ ٤ / ١٢ ]
/٤ ب/ ملكٌ غدت في حضرموت يمينه ويساره سارت إلى تفليسا
جمعت لكم أرض البطالسة الألى وبلاد كنعانٍ إلى بلقيسا
هذا هو الملك الأثيل فمن له نفسٌ يعرض للنَّفيس نفيسا
يا مالك الدُّنيا ويا نجل الَّذي فات العقول التَّقييسا
وثنًا فجلَّ عن المديح ولم يجد مثلًا يقاس به إذا هو قيسا
ورقى إلى العلياء منفردًا بها فأحلَّ إكبار الملوك رسيسا
أأكون عبدكم ورقَّ ولائكم وأرى بكفِّ الحادثات فريسا
أسر ابن شكرٍ أسرتي وأباد من خضرائهم متمكِّنًا مغروسا
ففررت لمَّا خفت جائر حكمه وخشيت منه عقله المعلوسا
وبقيت في أسر الخطوب مهيِّمًا آوي الخراب وأسكن النَّاووسا
وعدمت في الأرض الَّتي استوطنتها المأكول والمشروب والملبوسا
حتَّى خفيت عن البصير نحافةً ولقد رئيت مجسَّدًا محسوسا
فأقل عثاري يا ابن من منح الورى من عفوه التَّفريج والتَّنفيا
وأذن لعبدك في الرُّوجوع فإنَّه بجناب غيرك يعدم التَّأنيسا
واجعله وقفا للدُّعاء وإن تشأ مدحًا جلى التَّطبيق والتَّحبيسا
/٥ أ/ حتى تراه على المنابر منشدًا وترى الحداة به تحثُّ العيسا
واسلم تر الدُّنيا بكفِّك أمرها وتر الزَّمان براحتيك حبيسا
ومن شعره ما قاله في الشيخ العالم الأديب تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي:] من المتقارب [
إذا عمرو دهري أسدى إليَّ مكاره أفعاله المولمه
ندبت إلى ضربه زيده إمام الأنام فتى المكرمه
أتانا وأفكارنا سذَّجٌ فأضحت بعلمٍ له معلمه
وقرَّب عهد نبيِّ الهدى بعالي أسانيده المحكمه
وأفصح عن غامضات العلوم وأين البيان من الحمحمه
وقوَّى أدلَّة قول النُّحاة وكان أخو النَّحو ذا مفحمة
ترى في معانيه فصل الخطاب ومن غيره تسمع الهمهمه
[ ٤ / ١٣ ]
بألفاظه توضح المشكلات إذا الغير فرَّ إلى الهينمه
فلا حقَّ إلَّا الَّذي قد روى ولا علم إلَّا الَّذي أحكمه
بمعلومه شدَّ الكلام كما شدَّت الكفُّ بالبرجمه
علمت حقائق كلِّ العلوم وغيرك من شأنه الخضرمة
/٥ ب/ لك الخير إنِّي أسير الزَّمان يعاهد حالي بالدَّمدمه
وإن لم تجر جار في حكمه وجرَّعني من حماه حمه
فعطفًا عليَّ مليك الزَّمان هزبر العرين أخا الملحمه
أبا الفتح عيسى خليل النَّدى معظَّم ذا العصر ما أعظمه
أبا اليمن جدلي بأهل اليمين ولا تتركَّني في المشأمه
وتوصي فديتك عنِّي الخبير ومن يعتري لفظه غمغمه
وأنت الخبير بكل الأمور لك العلم بين البرايا سمه
مغش آمنًا من صروف الخطوب معافى الشَّمائل من مهرمه
وقال يمدح الملك الظاهر غياث الدين من قصيدة مطلعها:] من السريع [
لا مدح إلَّا لمليك الزَّمان من المنى في بابه والأمان
غياث دين الله في أرضه إن أخلف البرق وضنَّ العنان
فالضُّرُّ مصروع بساحاتها واليسر سامٍ في ظهور الرِّعان
وراحتاه راحة للورى على كريم الخلق مخلوقتان
فكفُّه اليمنى لبسط الغنى وكفُّه اليسرى لقبض العنان
/٦ أ/ تعرب في الهيجاء أسيافه عن حركاتٍ مثل لفظ اللِّسان
ومنها، يقول في ولديه:
بدران بل شمسان ما يكسفان روحان للملك وريحانتان
لؤلؤتا بحرٍ وإن شئت قل يا قوتتا نحرٍ وعقدا لبان
[ ٤ / ١٤ ]
فرعان في دوحة عزٍّ سمت غيثان بل بحران بل رحمتان
سيملكان الأرض حتَّى يرى لي منهما حرَّان والرَّقَّتان
فاسلم على الدَّهر شديد القوى ذا مرَّةٍ ما شدَّ كفٌ بنان
واستوطن الشَّهباء في عزَّةٍ واحسس بغمدان وقعبي لبان
وقال من قصيدة:] من الطويل [
إذا وجفت منك الخيول لغارةٍ فلا مانعٌ إلَّا الَّذي منع العهد
نزلت بأنطاكيَّةٍ غير حافلٍ تعلّة جندٍ إذ جميع الورى جند
فكم أهيفٍ حازته هيف رماحكم وكم ناهدٍ أودى به فرسٌ نهد
لئن حلَّ فيها ثعلب الغدر لاونٌ فسحقًا له قد جاءه الأسد الورد
وكان قد اغترَّ اللعين بلينكم وأعظم نارٍ حيث لا لهبٌ تبدو
جنى النَّحل مغترًا وفي النَّحل آيةٌ فطورًا له سمُّ وطورًا له شهد
/٦ ب/ تمدُّك أجناد الملوك تقرُّبًا وجند السَّخين العين جزرٌ ولا مدُّ
تهنَّ بها بكرًا خطبت ملاكها فأعطت يد المخطوب وانتظم العقد
فجيشك مهرٌ والبنود حمولة وأسهمكم نثرٌ وسمر القنا نقد
وكان قد شرع في كتاب سمّاه: "كشف المهم في غوامض الأمّ في شرح مذهب الشافعي"؛ ولم يتم إلى الآن، يكون ستين مجلدًا. وكتاب "ما تحرر الآن من أخبار آل قليج أرسلان"، وكتاب "بلاغة الخطباء في بلاغة السفهاء"، وكتاب "أخبار اليزيدين وأشعارهم"، وكتاب "تمحيص اليزيدين بذكر المحمدين"، وكتاب "التحرير لما ورد في لبس الحرير"، وكتاب "التعبير لأخبار محمد بن جرير"، و"تتمة كتاب البلاذري" كبير يكون عشرين مجلدًا، "تاريخ مصر على حروف المعجم، وذكر من دخلها"، فمن له ذكر كبير. وكتاب "الطيب في أخبار أبي الطيب".
[ ٤ / ١٥ ]
] ٤٥٥ [
/٧ أ/ عليُّ بن حمزة بن عليِّ بن يوسف، أبو الحسن بن أبي المعالي الغرَّافيُّ.
من أهل الغرَّاف.
ورد بغداد، وتفقه بالمدرسة النظامية على مذهب الإمام الشافعي -﵁- وولي قضاء بلده سنة اثنتين وعشرين وستمائة في أيام الإمام الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد أمير المؤمنين -رضوان الله عليه-، وله شعر حسن.
شاهدته عدّة مرات، ولم آخذ شيئًا من أشعاره. وكان رجلًا جافي الجثة بدينًا عبل الجسم، ويلقبه جماعة من الفقهاء بالثور.
وهو القائل من قصيدة طويلة، مدح بها باتكين بن عبد الله الناصري. وكان يومئذ أمير البصرة:] من البسيط [
وأنت خير فتًى ترجى فواضله بذكره تحسن الأيَّام والسِّير
سهل الخليقة لا تخشى بوادره وللمكارم والافضال يبتدر
موفَّق الرَّأي محمودٌ نقيبته في النَّاس يحسن منه الخبر والخبر
هذا وسعيك مشكورٌ وجدُّك منـ ـصورٌ ونشرك ما بين الورى عطر
/٧ ب/ ومن فضائلك اللَّاتي سموت بها محمود أن نطقت في فضلك البقر
] ٤٥٦ [
عليُّ بن أحمد بن إبراهيم بن عليٍّ، أبو الحسن الواسطيُّ الشريف العباسيُّ، المعروف بابن العطار.
من أبناء النقباء الأشراف بواسط.
سكن بغداد وتعلق بخدمة الديوان العزيز في أيام الإمام الناصر لدين الله -رضي
[ ٤ / ١٦ ]
الله عنه- وله فيه مديح كثير، إمتدح بعده الإمام الظاهر بأمر الله أبا نصر محمدًا -﵁- والإمام المستنصر بالله -﵀-.
قصدت منزله بمدينة السلام سنة اثنتين وعشرين وستمائة، لأكتب عنه شيئًا من شعره فصادفته وقد شرب دواء، فاعتذر إلي من هذا السبب.
وأنشدني أبياتًا يسيرة من قيله، ولم يكن في الوقت سعة لأعلقها عنه، فبعد ذلك ما عدت اجتمعت به إلّا راكبًا؛ وخبرتُ أنه توفي في بغداد سنة ثلاثين وستمائة.
أنشدني في عبد الكريم بن الزكي بن شبانة المعلم الحظيري، وقال: أنشدني أبو الحسن علي بن أحمد بن العطار لنفسه: -] من الطويل [
/٨ أ/ ألمَّت فحيَّا قبل زورتها النَّشر ثقيلة ردفٍ لم يطق حمله الخصر
وهزَّت قوامًا كالقضيب إذا انثنت يميل ومن خمر الشَّباب بها سكر
وعطَّر مسراها الثَّرى فكأنَّما يتيه لنا من كلِّ ناحيةٍ عطر
إذا رمت وصلًا ما نعتني نهودها ألا بأبي ما ضمَّه ذلك الصَّدر
تروم عن الواشين استتارًا وما الَّذي يروم عن الواشين وجهًا هو البدر
تجمَّع في فيها سُلافٌ ولؤلؤٌ فمن ثغرها درٌّ ومن ريقها خمر
ومن شعرها ليلٌ ومن وجهها ضُحًى ومن قدِّها غصنٌ ومن لحظها سحر
وقال أيضًا في غرض له:] من الطويل [
وفتَّانة العينين معسولةٍ اللَّما يبيح لنا وصلًا ومعنى إسمها ضدُّ
يطيب التُّقى إلَّا ليالي وصلها ويحسن إلَّا في محبَّتها الزُّهد
لها ريقةٌ كالرَّاح طاب مذاقها وثغرٌ كما في سلكه نظم العقد
وقدٌّ كخوط البان ميَّله الصِّبا يميل على أردافها فاحمٌ جعد
إذا سفرت أهدت إلى اللَّحظ نرجسًا وخدًا إذا قبَّلته خجل الورد
حكى خصرها جسمي نخولًا فلو بغت نهوضًا لكاد الخصر بالرِّدف ينقدُّ
تغازلني، والنَّجم كالنَّجم بهجةً ودرُّ المعاني الغرِّ من لفظه يبدو
/٨ ب/ يصافح راح الرُّوح لطفًا وينجلي محيًّا برؤيا وجهه المقل الرُّمد
لئن عاد ربع العيش بالقرب آهلًا وكان لأيَّامي الَّتي سلفت ردُّ
[ ٤ / ١٧ ]
غفرت إساءات الزَّمان وأدهست أيادي التَّداني سوء ما فعل البعد
وإن كنتم عنِّي لغيري جعلتم بديلًا فمالي عنكم أبدًا بدُّ
] ٤٥٧ [
عليُّ بن محمَّدٍ، أبو الحسن الخيّاط الحلبيُّ.
من أهل حلب.
عامي له ذوق صحيح في استنباط المعاني اللطيفة. له أبيات أجاد نظمها وأحسن سبكها؛ أنشدنيها محمد بن يوسف الشاعر التلعفري، قال: أنشدني أبو الحسن الخيّاط لنفسه:] من المنسرح [
حسنك يا من به إحتيال مالي على مثله احتيال
قسمة أفعاله لحيني ثلاثة ما لها مثال
وعدك مستقبلٌ وصبري ماضٍ وشوقي إليك حال
] ٤٥٨ [
عليُّ بن أبي الفضل /٩ أ/ بن يوسف بن محفوظٍ الحلبيُّ، أبو الحسن.
من شعراء حلب الخاملين.
ذكروا له شعرًا كثيرًا نحو اثني عشر ألف بيت، ولم يمدح أحدًا لرفده. وكان عفيف الفرج، طاهر اللسان، حسن السيرة، وقيل: إنه غسل هجوه عند موته، وعاش سبعين سنة، ولم تعرف له صبوة. وكان يحضر مجالس الأنس. وحدّثت عنه أنه قال: لا رزقني الله شفاعة محمد -صلى الله عليه- إن كنت حضرت مجلسًا فيه شيء مما يفسد ديني وعقلي، أو رآني الله على معصية.
وكانت وفاته في سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن بالجبيل، شمالي قلعة
[ ٤ / ١٨ ]
حلب -﵀-.
ومن شعره ما أنشدني أبو الفداء إسماعيل بن نصر بن محمد بن عبد الواحد الحموي المعروف بابن المعلم، قال أنشدني أبو الحسن علي بن أبي الفضل لنفسه:
] من مجزوء الرمل [
زارني يخطر في حندس الظَّلماء بدر
أهيف القامة يختال بعطفيه سكر
بابليُّ اللَّحظ منه بلبل العشَّاق سحر
لو تراني وتراه قام لي عندك عذر
/٩ ب/ خدُّه ماءٌ ولكن يتلظَّى فيه جمر
جمع الأضداد فيه من له نهيٌ وأمر
وقال أيضًا:] من الكامل [
قد طاب فيك تهتُّكي وجنوني وسمحت فيك بعبرتي وجفوني
وكففت إلَّا في جفاك مدامعي وسترت إلَّا في هواك شجوني
ولبست فيك السُّقم حتَّى لم يكن يهدي إليَّ الطيَّف غير أنيني
فهواك أوَّل ما عرفت من الهوى وبه لبست ملابس المحزون
هبني بقيَّة مهجةٍ أفنيتها أسفًا يقطِّعها عليك حنيني
ولقد صبرت على جفاك وإنَّما فاضت على صبري بحار شؤوني
قل للعواذل: كم عليَّ تألَّبوا وعلى غرامي فيكم عذلوني
ويح الخطوب المولعات بنا لقد صيَّرن يوم البين يوم منون
وتركن أيَّام الشبيبة والصِّبا في ناظريَّ كما اللَّيالي الجون
وسلبنني طيب الكرى حتَّى لو ارتجع الخليط لما سرى بحصوني
لهفي وهل يدني التلهُّف منهم بالغيب بين صفائحٍ وحزون
متباينين سكنوا فلا يلقون غير سكون
/١٠ أ/ وعلى وجوهٍ كنَّ مثل أهلَّةٍ وعلى قدودٍ كنَّ مثل غصون
[ ٤ / ١٩ ]
وكأنَّهم وكأنَّما أجداثهم في البيد صرعى درّه الزَّرجون
لو زحزحت عنهم رأيت مهالكًا تبدي لقلبك لوعة المحزون
تلك الجسوم كأنَّهنَّ كنائرٌ رثَّت وكنَّ كلؤلؤٍ مكنون
رحلوا عن الأوطان فهي لفقدهم كوجوه أقوامٍ بغير عيون
وقال أيضًا:] من مجزوء الرمل [
أيُّ بدرٍ أخذته حادثات الدَّهر منِّي
كنت لا أصبر عنه وهو لا يصبر عنِّي
كان ظنِّي فيه يبقى خيَّب المقدور ظنِّي
أيُّها العاذل فيه بالَّذي عافاك عنِّي
أو فقل لي غير لاهٍ: كيف أسلوه ومرني
إن أرم عنه بديلًا يا لها صفقة غبن
إن جفاني نور عيني أيُّ شيءٍ عنه يغني
ربَّ ليلٍ أرَّقتني بنت طوقٍ ذات غصن
أنت ما شوقك شوقي لا ولا حزنك حزني
لك إلفٌ عنك ما با ن وإلفي بان عنِّي
] ٤٥٩ [
عليُّ بن نصر بن هارون، أبو الحسن الحليُّ الأديب.
سمع الحديث على أبي المظفر بن التُّريكي الخطيب العباسي، وأخذ علم الأدب عن أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري. وكان يصلي بطاشتكين؛ أمير الحاج
[ ٤ / ٢٠ ]
الصلوات الخمس. وكان إمامًا فاضلًا قارئًا.
وتوفي ليلة الإثنين الحادية عشرة من شوال سنة خمس عشرة وستمائة، وحمل من الغد إلى الكوفة، فدفن بها، وجمع من كلام شيخه أبي البركات الأنباري الذي ينطق في مجالسه كتابًا لطيفًا سمّاه: "سلك الدر".
وجدت له هذين البيتين معزوين إليه وهما:] من البسيط [
يا عاذلي في غرامي بعد فرقتهم كفَّ العتاب وخلِّ اللَّوم والعذلا
أما ترى الشَّمع يجري فيض أدمعه بعد القطيعة لمَّا فارق العسلا
] ٤٦٠ [
عليُّ بن محمَّد بن عبد الصمد /١١ أ/ بن عبد الأحد بن عبد الغالب الهمدانيُّ، أبو الحسن السخاويُّ.
الشيخ الفاضل الأديب النحويُّ المغربيُّ.
[ ٤ / ٢١ ]
مولده ببلدة سخا من ديار مصر في حدود سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وقرأ في بلده على أبي إسحق إبراهيم بن جبارة السخاوي، وسمع بالإسكندرية على أبي طاهر إسماعيل بن مكي بن عوف الزهري، وعلى الحافظ] أبي طاهر أحمد بن محمد السلفي [.
وكان مالكي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، وقرأ القرآن العزيز على أبي القاسم بن قرة بن أبي القاسم الرعيني الشاطبي للسبعة.
وقدم دمشق ولزم أبا اليمن زيد بن الحسن الكندي؛ فقرأ عليه القرآن للسبعة، وسمع منه كتاب سيبويه والإيضاح واللُّمع وغيرها من الكتب. وسمع عليه ديوان المتنبي وشرحه. وغير ذلك من الكتب الأدبيات، وقرأ عليه أكثر مسموعاته عن مشايخه.
وحجَّ سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وعاد إلى دمشق، فتصدّر فيها للإقراء بالجامع -عمره الله تعالى- وأقبل الناس إليه، وقرأوا عليه القرآن والحديث وعلم العربية، وغير ذلك. وصنَّف كتبًا منها: "كتاب فتح الوصيد في شرح القصيد"، /١١ ب/ وهي قصيدة أبي القاسم الشاطبي في القراءات السبعة. وكتاب "الوسيلة إلى كشف العقيلة" شرح القصيدة التي نظمها الشاطبيُّ أيضًا في رسم مصحف عثمان -﵁- وهي مائتان وثمانية وتسعون بيتًا على قافية الراء، سمّاها الشاطبيّ: "عقيلة أتراب القصائد". وكتاب "المفضَّل في شرح المفصَّل" شرح به الزمخشري، ونظم أشعارًا كثيرة أودعها مدح النبي -صلى الله عليه- وله كتاب سمّاه: "جمال القراء وكمال الإقراء" يتضمن علوم القرآن العزيز من التجويد والناسخ والمنسوخ والإعجاز وتجزئة القرآن وعدة آياته وكل ما يتعلق به. وكتاب "تنوير الدياجي في تفسير الأحاجي" يتضمن شرح أحاجي الزمخشري، ومعارضة كل واحدة بمثلها نظمًا مسائل نحوية. وكتاب "تحفة الناسك في معرفة المناسك".
[ ٤ / ٢٢ ]
وسمع أبا القاسم هبة الله بن مسعود البوصيري، وأبا الثناء حماد بن الفضل الحرّاني بالديار المصرية.
وله كتاب "سفر /١٢ أ/ السعادة وسفير الإرادة" وكتاب "ذات الحلل ومهاة الكلل" فيما اتفق لفظه واختلف معناه، وهو قصيدة نظمها في ذلك. أجازني جميع ما رواه ووصفه، وما أنشأه وألفه.
وأنشدني لنفسه: -] من البسيط [
قد كنت منكم على بالٍ فأين مضى عنِّي ترفُّقكم بي يا موالينا
حاشاكم وجميل الصَّفح عادتكم أن تنقضوا بالجفا عاداتكم فينا
وحين دخلت دمشق المحروسة قافلًا من مدينة السلام في شهر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة. سألت عن الشيخ أبي الحسن هذا، فقيل لي، إنه حيّ يرزق يفيد الناس، ويغشى مجلسه المستفيدون وأهل الفضل والأدب، وأوقاته مستغرقة بالمشتغلين والطلبة، ويزدحمون عليه، ولم يتفرغ البتة إلّا في داره، فقصدت منزله وهو بسفح جبل قاسيون ومعي قصيدة من عمله في النبي -ﷺ- ومقطوعة أخرى من إنشائه، فدخلت إليه في مسجده بعد عشاء المغرب، وهو قائم يصلي، فلما فرغ من الصلاة نهضت فسلمت عليه وقبلت يده، فوجدته شيخًا كبير السن قد نيّف على الثمانين مطيلسًا قصيرًا /١٢ ب/ على زيّ أهل تلك البلاد المصرية، فلم يكن في الوقت سعة للاجتماع به، فألفيته في الطريق راكب حمار، قاصد المسجد الجامع، فسلمت عليه ودعوت الله فردّ عليَّ وبين يديه تلميذان له يقرآن عليه شيئًا من القرآن الكريم، فحين أنهى ذلك التلميذ قراءته أشار عليّ بالقراءة، وابتدأت فقرأت تلك القصيدة المقطوعة في جادة الطريق.
ووجدته ذا فهم ثاقب، وذهن حاضر، وحسٍ جيد وقت القراءة عليه، لم يسأم ولا يأخذه ضجر في ذلك، والقصيدة التي له في مدح المصطفى سمّاها: "ذات السعا" وهي:
] من الكامل [
قف يالمدينة زائرًا ومسلِّمًا واشكر صنيع الدَّمع فيها إن همى
فهي المنازل لم تزل تشتاقها أبدًا وكنت بها المعنَّى المغرما
[ ٤ / ٢٣ ]
ألصق بتربتها الفؤاد فكم شفت داءً دفينًا قد أذاب المسقما
عجبًا لصبٍّ عاينتها عينه فوعى الجواب أو استطاع تعلُّما
هذا هو الحرم الشَّريف فقف به واقر السَّلام على الرَّسُّول متمِّما
وقل: السَّلام عليك يا من أنقذ الضُّـ ـلال من ظلم الجهالة والعمى
يا سيِّد الهادين يا خير الورى حسبًا وأوسعهم ندًى وتكرُّما
/١٣ أ/ يا خاتم الرُّسل الكرام ومن له الآيات تحكي في السَّماء الأنجما
وله انشقاق البدر والجذع الَّذي أبدا حنينًا والجماد تكلَّما
والماء ينبع في الإناء ومن دعا زمرًا إلى النَّزر اليسير فأطعما
ودعا بأشجار الفلاة فأقبلت وغدا على الحجر الأصمِّ فسلَّما
وعلا على متن البراق مشرَّفًا وسرى إلى أعلى السَّماء معظَّما
يا صاحب الوجه البهيِّ كأنَّما القمر المنير إليه في النُّور انتمى
يا صاحب الخلق الرَّضيِّ فما يرى إلَّا رحيمًا مغضيًا أو منعما
يا صاحب القدِّ الرَّشيق فإن مشى بين الطِّوال علا على من قد سما
يا مطلع الإيمان نورًا مشرقًا يمحو من الكفران ليلًا مظلما
صلَّى عليك الله ما انهلَّ الحيا فكسا الرِّياض مفوَّفا ومنمنما
وعليك من ربِّي السَّلام مضاعفًا ما ردَّدت ورق الحمام ترنُّما
وأتت إليك اليعملات مشوقةً تطوي المهامه والقفار على الظَّما
وعلى أبي بكرٍ خلفتك الَّذي للحقِّ قام مثقِّفا ومقوِّما
وغدا بأعباء الخلافة ناهضًا لا عاجزًا فيها ولا متلوِّما
وعلى سبيل الله أنفق ماله حتَّى تجلَّل بالعباءة معدما
/١٣ ب/ سمَّاه بالصِّدِّيق صدق يقينه سبق الرِّجال إلى النَّجاة فأسلما
وغدا بذيل المصطفى متمسِّكًا وعلى أوامره يشدُّ مصمِّما
وأنيسه في الغار حيث يقول: لا تحزن فإنَّ الله أمنع من حمى
وضجيعه في قبره ورفيقه يوم القيامة في الجنان منعَّما
وعلى أمير المؤمنين منكِّس الأصنام حين غدا عليها مسلما
عمر الَّذي للدين كان مؤيَّدًا ولمن يعانده مذلًا مرغما
[ ٤ / ٢٤ ]
في الحقِّ فظٌّ ليِّنٌ متعاظمٌ يجفو الشَّريف له ويدنو الأيِّما
سلس القياد لما يرى فيه رضا الرَّ حمان صعبٌ حين يخشى المأثما
فتح الفتوح وشاد للدِّين العلا وغدا به ربع الضَّلال مهدَّما
وعلى ابن عفَّان الَّذي استحيت لأجل وقاره منه ملائكة السَّما
القانت العقب الصَّبور أحاطت البلوى فأذعن للقضاء مسلِّما
عثمان ذي النُّورين صهر المصطفى زوج إبنتيه غدا بذلك مكرما
الجامع القرآن والحبر الَّذي في كفِّه نطق الجماد فأفهما
جعل النَّبيُّ المصطفى يده له عن كفِّه بدلًا إلى أن يقدما
وعلى أبي الحسن الإمام المرتضى ذي الفخر والنَّسب الكريم المنتمى
/١٤ أ/ زوج البتول أخي الرَّسول فتى الوغى ما مرَّ قطُّ ولا تأخَّر محجما
وبخمَّ قال المصطفى: من كنت مولاه، فمولاه عليٌّ معلما
يا ربِّ وال وليه ونصيره أبدًا وعاد عدوَّه أنَّى ارتمى
من كان في الأحكام أقضاهم وبالـ ـعلم المصون عن البريَّة أعلما
وبنوه والصَّحب الكرام جميعهم والتَّابعون لمن خلا وتقدَّما
وعلى ابنة الصِّدِّيق عائشة الَّتي في شأنها نزل الكتاب معظِّما
وجميع أصحاب النَّبيِّ وآله صلَّى عليهم ربُّنا وتسرحمَّا
يا سيِّد الأبرار جئتك أشتكي ألمًا ألمَّ وحادثًا قد أظلما
رانت على قلبي الذُّنوب فلم يع الذِّكرى وقد بلغ الزُّبى سيلٌ طما
وبذا الجناب أعوذ يا خير الورى إذ زرته من أن أزور جهنَّما
ولقد وقفت بساحة المولى الَّذي وسع الأنام يدًا وجاد فعمَّما
يا سيِّدي والوفد منقلبٌ غدًا بم يرجع المسكين منقلبًا بما
إنِّي أتيتك زائرًا متنصِّلًا مستغفرًا من زلَّتي متندِّما
يا ذا الجلال ارحم بحقِّ المصطفى الـ ـعبد الفقير المستجير المجرما
وامنن عليه بتوبةٍ تمحو بها ما كان منه وما جناه وقدَّما
/١٤ ب/ واغفر لمنشدها عليٍّ ذنبه واغفر لمنشيها عليٍّ وارحما
فبمدح أحمد يرجوان شفاعةً ذا منشدًا فرحًا وذاك منظِّما
[ ٤ / ٢٥ ]
واغفر لمستمعٍ دعا لهما فما أجدى دعاء المسلمين وأكرما
وقرأت عليه -أيده الله- بطريق سفح جبل قاسيون، ظاهر دمشق -حرسها الله- بكرة يوم الإثنين السادس عشر من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، ما قاله وقد طلبت منه الإجازة لأمير المؤمنين المستنصر بالله: -] من الطويل [
سلامٌ على مغنى الخلافة والهدى وحيث أقام الدِّين والفضل والعلم
على سادة الإسلام شرقًا ومغربًا قضاءً من الله الَّذي حكمه الحكم
قضى لبني العبَّاس أن يعلو الورى فطاعته فرضٌ على خلقه حتم
بني عمِّ خير العالمين ومن به مناقبهم تعلو وجدُّهم يسمو
دعا فسقى الله الورى وأجابه ليعلم ما أعطاه من عنده فهم
ولا يرزق الإيمان من لا يحبُّه كذا جاءنا والمصطفى قوله جزم
وقال: قد آذاني من آذاه، إنمَّا أبو المرء في القربى يماثله العمُّ
/١٥ أ/ وأعطي في النَّسل الشَّريف خلافة البُّنوَّة إن قرمٌ مضى حازها قرم
فهم كنجوم الأفق إن مال غاربٌ لمدَّته أكليلها طلع النَّجم
أنار بها السَّفاح كلَّ دجنَّةٍ وقام بها المنصور فابيضَّت الدُّهم
فمهديُّها فالهادي ثمَّ الرَّشيد فالأمين فمأمونٌ له العفو والحلم
ومعتصمٌ مع واثقٍ متوكِّل ومنتصرٌ والمستعين الذُّرى الشَّهم
ومعتزُّهم والمهتدي ثمَّ بعده لمعتضدٍ تسطُّو ومعتمد تسمو
وبالمكتفي يتلوه مقتدرٌ كما إلى القاهر الرَّاضي كذا العدُّ ينضمُّ
كذلك مستكفٍ أتى بعد متَّقٍ وبعد مطيعٍ طائعٍ للعدا الرُّغم
وقادرها مع ثمَّ مقتدرٍ ومستظهرٍ يتلوه مسترشدٌ شهم
وراشدهم والمقتفي ثم أنجدت لمستنجدٍ والمستضيء وقد تمُّوا
بناصرهم والظَّاهر العفِّ وابنه فعمَّ البرايا عدله وانتفى الظُّلم
إمام الورى المستنصر الأيِّد الَّذي بنصرة دين الله يعنى ويهتمُّ
فمن أيده نارٌ تجيش لدى الورى وأيديه جنَّاتٌ يجيء بها السَّلم
ومنه لأدواء العفاة دواؤها ومنه لمرَّاد العتاة الرَّدى السُّمُّ
وكم فضَّ من ختمٍ عن المال باذلًا وكم في الدَّياجي حين يتلو له ختم
[ ٤ / ٢٦ ]
/١٥ ب/ أجزت له دامت قواعد مجده مشيَّدةً لا نقض يخشى ولا هدم
جميع الَّذي ألَّفته ونقلته وما قلته ممَّا تضمَّنه نظم
وللسَّيِّدين الماجدين تعاليا ولا زال في كسب العلا لهما الغنم
لهم ذاك إن شاؤه والرَّأي رأيهم ولي شرفٌ فيه إذا ما هم همُّوا
وقرأت عليه -أيده] الله [- يوم الخميس ثامن عشر ذي الحجة بدمشق المحروسة بمسجدها الجامع، عند رأس يحيى بن زكريا -﵇- لنفسه:] من الوافر [
عجبت لقائلٍ هل أنت ممَّن يحبُّ بني الرَّسول الغرِّأم لا
فقلت: أبتغي الإسلام دينًا وتبغض سادة الإسلام جهلا
وتجعل جدَّهم ذخرًا شفيعًا وتبغض أهله وتجور كلَّا
عقدت على محبَّتهم ضميري فما أحدٌ يطيق لذاك حلَّا
أحبُّ محمَّدًا حسنًا عليًّا أباه محمَّدًا قد حاز نبلا
وأحببت الرِّضا أعني عليًّا وموسى قبله الحبَّ الأجلَّا
وجعفرًا المقدَّم ثمَّ حبِّي أباه محمَّدًا ما ليس يبلى
ووالده عليًا والحسين الشَّهيد بكربلا والحق أعلى
/١٦ أ/ كما أحببت والدهم عليًّا أجلَّ العالمين نهًى وفضلا
وحبُّ السَّيِّد الحسن اعتقادي فبعدًا لامريءٍ عنهم تولَّى
وأنشدنا لنفسه يمدح شيخه أبا اليمن زيد بن الحسن الكندي -رحمه الله تعالى-:
] من الخفيف [
أيُّها الدَّائب المعنَّى المعاني مضض الكدِّ في معالي المعاني
لذ بباب الكنديِّ زيدٍ أبي اليمن إمام الأنام فرد الزَّمان
فعقول الورى إلى الفهم عنه ذات فقرٍ للفضل والعرفان
هو بحرٌ فيه نفيس لآلٍ وسواه كالآل عند العيان
غير بدعٍ أن قرَّ في البحر درٌّ وهو تاجٌ والدُّرُّ للتِّيجان
صورةٌ صوِّرت من السُّؤدد المحض وطيب الأنفاس والإحسان
محكمٌ سيبويه منفردٌ فيه باسناده وبالإتقان
وكذا شرح سيبويه وما حلَّ بأقطارها له فيه ثاني
[ ٤ / ٢٧ ]
وكتاب الإيضاح قد فاق فيه بجليِّ الإيضاح والتِّبيان
وكذا كامل المبرِّد مع مقتضب الفصول الحسان
/١٦ ب/ وأصول السَّرَّاج واللُّمع الفرد وشرحاه حبَّذا الشَّرحان
والَّذي حرَّر ابن برهان في النَّحو وما قال قبله الرُّمَّاني
والتَّفاسير والقراءات والتَّجويد فيها ومشكل القرآن
وحديث النَّبيَّ والقول فيه قوله في غريبه والبيان
والتَّواريخ والقوافي من الشِّعر وعلم العروض والأوزان
وله في القريض ما لم تجده لمجيد القريض في ديوان
بين جزلٍ غدا حبيب حبيبٍ وحسانٍ كانت هوى حسَّان
يقظٌ واسع المجال رحيب الباع فيما نبا عن الأذهان
يرشد الغافل الذَّكيَّ من السَّهو بقلبٍ ذي فطنةٍ يقظان
وجنانٍ له وقد ناهز التِّسعين حولًا معانة العنفوان
ويدٍ ترقم الطُّروس كما فصِّل عقيان ناظمٍ بالجمان
فانظر الخطَّ واسمع اللَّفظ تنعم منه في روضتي يدٍ ولسان
وفرَّ الله بعد طول بقاءٍ في نعيمٍ نعيمه في الجنان
وأخبرنا الشيخ علم الدين في التاريخ "المذكور، قال: أخبرنا الشاطبي، قال: كان /١٧ أ/ ابن السمال كثيرًا ما ينشد:] من المنسرح [
إذا خلا في القبور ذو خطرٍ فزره يومًا وانظر إلى خطره
أبرزه الموت من مساكنه ومن مقاصيره ومن حجره
قال الشيخ الشاطبي؛ فحملني إستحسانهما على الزيادة فيهما، فقلت:
] من المنسرح [
إلى ديار البلى فحلَّ بها يا ليت شعري ما كان من خبره
لم يغن عنه مالٌ ولا ولدٌ ولا حميمٌ يعدُّ من نفره
ولم يجد في ظلام قعرته نورًا سوى ما أنار في عمره
من لم يكن بالقبور متَّعظًا أخفق في ورده وفي صدره
[ ٤ / ٢٨ ]
قال الشيخ: وسئلت الزيادة فيها، فأنشأت هذه الأبيات:] من المنسرح [
مرَّ بها ناسيًا لوحشتها وهو إليها يجدُّ في سفره
ولم يرعه فظيع منظرها كأنَّه قد أصيب في بصره
عجبت من شامتٍ بمخترمٍ وأنَّه ذاهبٌ على أثره
ومن كبيرٍ دنت منيته ولا يخاف الرِّدى على كبره
/١٧ ب/ الحمد لله ما قضاه جرى ولا يفرُّ العباد من قدره
ومن شعره ما كتبه إلى الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن محمد بن أيوب -﵀-:] من الكامل [
يا من تقابل وجهه شمس الضُّحى فيفوقها في النُّور والإشراق
مالي كخابط ظلمةٍ متحيِّرٍ لا يهتدي أفقًا من الآفاق
يا من يجلِّي الهمَّ عن قصَّاده في كلِّ ضائقةٍ وضيق خناق
أنت المرجَّى في الورى لملمَّةٍ تعرو وعارفةٍ وحلِّ وثاق
فكذا غدت أبوابهم مهجورةً وكأنَّ بابك مجمع الأسواق
تلقاهم متكفلًا بمناهم ومؤمِّنًا بهم من الإخفاق
ثقةً بسلطانٍ له هممٌ غدت مشعوفةً بمكارم الأخلاق
العالم الملك المعظَّم طابق اللَّقب الحقيقة فيه أيّ طباق
عيسى كعيسى ذاك ينشر أعظمًا بليت وهذا ناشر الأرزاق
وكبعث ذاك الميت من أكفانه إحياء هذا ميِّت الإملاق
لا تعجبنَّ لما أقول فإنَّما في ذا وذاك الفعل للخلَّاق
وكأنَّه في الرَّوع موسى والعصا كعصاه إذ لقفت قنا الفسَّاق
/١٨ أ/ تهتز مثل الأيم تنفث نابها سمًّا وما لسليمها من راقي
نل بالسَّعادة ما تريد تمامه لك خاضعٌ متطامن الإطراق
وأنشدنا أيضًا لنفسه، موانع الصرف:] من الطويل [
[ ٤ / ٢٩ ]
سأذكر ما لم يصرفوه ممثِّلًا بأمثلةٍ كي تفهموه وتهتدوا
فقل: زينبٌ إسحاق عثمان طلحةٌ ومع عمرٍ، قل: حضرموت وأحمد
فذي سبعةٌ مصروفةٌ إن تنكَّرت وإن لم تنكَّر قطُّ فالصَّرف يفقد
وأحمر مع حمراء مثنى مساجدٌ وسكران عنها الصَّرف ينأى ويبعد
على كلِّ حالٍ وهي في العدِّ خمسةٌ فخذها بحدٍّ والإله المسدِّد
وأنشدني لنفسه، في حصر أقسام التنوين:] من الهزج [
لتعويضٍ وإطلاقٍ وتنكيرٍ وتمكين
وغالٍ مع مقابلةٍ وجدنا كلَّ تنوين
] ٤٦١ [
عليُّ بن يحيى بن محمَّد بن الحسن بن يوسف بن عبيد الله، أبو الحسن الشلمانيُّ.
ينسب إلى شلمى وهي قرية من بلد فنك من أعمال الحزيرة العمرية /١٨ ب/ كان من أهل القرآن والفقه، له شعر، وتوفي بالجزيرة سنة خمسين وستمائة.
أنشد في ولده محمد، قال: أنشدني لنفسه:] من الوافر [
هي الدُّنيا ومرتعها وخيم وما أحدٌ بها منها سليم
إذا وهبت تعود فتقتضيه كما يعتاد ذا الدَّين الغريم
وإنِّي راحلٌ عنها وفانٍ وأنت كأنَّك الباقي المقيم
فلا تحزن ولا تفرح بشيءٍ فلا بؤسٌ يدوم ولا نعيم
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني والدي ما كتبه إلى معبد النجمي الشاعر، وكان منقطعًا إلى بيت الكدكي، وله فيهم مدائح كثيرة، وهي ثابتة في ديوان شعره:
] من الطويل [
ولو لم يكن للكدَّكييِّن ميزةٌ على النَّاس طرًّا والعلا بهم أحرى
[ ٤ / ٣٠ ]
لما شيَّد النَّجميُّ بنيان مجدهم فأصبح فوق النَّسر مشتملًا عطرا
فأجابه معبد، أن أثبتها في ديوان شعره:] من البسيط [
سوى عليِّ بن يحيى ليس في البلد على الودائع بالمأمون من أحد
فتًى ترى عنده الأموال مودعةً بغير كيلٍ ولا وزنٍ ولا عدد
] ٤٦٢ [
/١٩ أ/ عليُّ بن أبي بكر بن عليٍّ، أبو الحسن، الهرويُّ أبًا وأصلًا، الموصليُّ مولدًا ومنشأ.
وكان والده من أهل هرات خراطًا، ويعرف بابن الخراط السائح، الَّذي كان يكتب على الحيطان. حدَّث بما ذكره عن نفسه في كتابه. وكان يكتب خطّه في المساجد في كل موضع. كان رجلًا قد سلك القفار، وطاف الديار، وركب البحار، ورأى الآثار، وسافر البلاد، وعاشر العبَّاد الأشراف؛ وأخلق جديد العمر في التجوال والتطواف، وزار الأولياء الصالحين، وسمع الحديث على المشايخ والعلماء، وشاهد العجائب، وعاين الأبنية والعمارات، ونظر الأصنام والآثار والطلسمات. وأدرك ما لم يدركه أحد من السائحين والزهاد، ولا يصل إليه أكثر المسافرين والعباد، وجال الأرض بقدمه، وأثبت ما ذكره بقلبه وقلمه. وصنّف في ذلك كتبًا يتعذر وجودها منها: كتاب "منازل الأرض ذات الطول والعرض". /١٩ ب/ وكتاب "العجائب والآثار"، وكتاب "الإشارات في معرفة الزيارات".
[ ٤ / ٣١ ]
وسمع الحديث الكثير، ورأيت له خطبًا من إنشائه، وكلامًا منثورًا وشعرًا. إستوطن حلب وأقام بها إلى أن توفي فيها في شهر رمضان سنة إحدى عشرة وستمائة في العشر الوسطى.
وكانت ولادته سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
وقبره ظاهر المدينة قبليها على الجادة الآخذ إلى دمشق بئرًا نسبت إلى إبراهيم الخليل -﵇-. وكان صوفيًا له معرفة بالسيمياء والتخييلات.
وكانت له بحلب وجاهة ومنزلة عند صاحبها الملك الظاهر غياث الدين.
أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم بن أبي الحسن الحنفي -أيده الله تعالى- قال أنشدني علي بن أبي بكر الهروي لنفسه، وهو ما ضمنه كتاب الإشارات الَّذي تقدّم آنفًا:] من الكامل [
طفت البلاد مشارقًا ومغاربًا ولكم صحبت لسائحٍ وحبيس
ورأيت كلَّ غريبةٍ وعجيبةٍ ولقيت هولًا في رخاي وبوسي
أصبحت من تحت الثَّرى في وحدةٍ أرجو إلهي أن يكون أنيسي
/٢٠ أ/ وأنشدني القاضي الإمام أبو القاسم -أيده الله تعالى- بمنزلة المحروس بحلب، في سنة أربع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني الشيخ أبو الحسن علي بن أبي بكر بن علي الهروي لنفسه، يرثي الشيخ أبا البركات بن قرناص:] من الخفيف [
دع ملامي فإنَّه لا يفيد لا تلمني فإنَّ قلبي عميد
كفَّ عنِّي فالصَّبر منِّي ضعيفٌ ومصابي صعب وخطبي شديد
هذه نكبةٌ لها أضحت الأرض بما فوق منكبيها تميد
مات شيخ الإسلام شرقًا وغربًا وإمام الهدى الوليُّ الفريد
سيِّد الأولياء والزَّاهد العابد والفاضل الإمام الوحيد
هبة الله مذ فقدناك مات الخير والزُّهد والنَّدى والجود
هبة الله لا صفا لي عيشٌ كيف يصفو وقد علاك الصَّعيد
فالقبور الَّتي حللت بها بيضٌ وهذي القصور بعدك سود
أتلذُّ الحياة نفسي وشيخي هبة الله في الثَّرى ملحود
[ ٤ / ٣٢ ]
صاحب الزُّهد والتِّلاوة والورد الَّذي للورى عليه ورود
/٢٠ ب/ ندبتك الآيات يا هبة الله وتبكيك المرسلات وهود
ندبتك الدِّيار والمسجد المعمور يبكيك والكتاب المجيد
فعليك السَّلام منَّا إلى يوم التَّنادي إنَّ المزاز بعيد
وأنشدني، قال: قال أبو الحسن قبل موته بأيام، هذه الأبيات وكتبها على حائط تربته:] من مجزوء الرمل [
قل لمن يغترُّ بالدُّنيا وقد طال عناه
هذه تربة من شيَّد هذا وبناه
طالما أتعبه الحرص وقد هدَّ قواه
طلب الرَّاحة في الدُّنيا فما نال مناه
وأنشدني، قال: نقلت من خطه -وأجاز لي الرواية عنه- طلب بعض أمراء الشام قميصًا يتبرّك به من ثيابه، فأنفذ له قميصًا ومعه هذه الأبيات:] من السريع [
/٢١ أ/ قميص عبدٍ مذنبٍ غافل زمانه في صفقةٍ خاسره
فابك على من ضلَّ في غفلةٍ قد خسر الدُّنيا مع الآخره
وأنشدني، قال: نقلت من خطة لنفسه هذه الأبيات قالها وأشتد به ألم ظهره، وعجز عن القيام بغير عصا، واظنني سمعتها منه -والله أعلم-:] من الخفيف [
لو تراني كسعفةٍ يوم ريحٍ عاصفٍ إذ مشيت بالعكَّاز
خائفًا زاحفًا أسير على الأرض هوينى في رعدةٍ واهتزاز
شبه قوس النَّداف يزعجها الضَّرب فيهوي بها كريش الباز
] ٤٦٣ [
عليُّ بن عبد الله بن عمر بن تيمٍ، أبو القاسم الموصليُّ.
كان ذا طبع سهل في محاولة ما يرومه من المنظوم والمنثور، صالح البديهة في إنشائها، جيد الفكر. وكان من المتفردين في زمانه بصناعة الكتاب والإنشاد، وبمذهب الكتاب إلَّا أنه كان /٢١ ب/ تحت الحظّ الناقص، خامل الذكر، لم يشهر نفسه بذلك.
[ ٤ / ٣٣ ]
أنشدني أبو النجاة سالم بن عمر بن سالم الخطيب الموصلي، قال: أنشدني أبو القاسم لنفسه في الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب -﵁- وقد أصابت الكرة فمه:] من الخفيف [
قبَّلت ثغرك الممنَّع عن كلِّ فتاةٍ من الكواعب خود
كرةٌ إلى زهرة الشَّمس بنانٌ من النٌّهى والسَّعد
حسدتها الأفلاك حيث ترقَّت رتبةً أبهرت عيون الأسد
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:] من الخفيف [
يا غزالًا يشكو سقامًا بعينيه فؤادٌ يصفيه ودًّا صحيحا
مرضت واعتدت به فعداها فشكت واشتكت بها التَّبريحا
ما رأينا من قبل لحظك سيفًا مرهفًا حدُّه يكون جريحا
وأنشدني أيضًا، قال: سألت أبا القاسم أن يجيز هذا البيت:] من الخفيف [
رجلٌ علَّق الطَّلاق بشهرٍ قبل ما بعد قبله رمضان
فأجازه في الحال من غير توقفٍ:] من الخفيف [
/٢٢ أ/ أيُّها العالم الَّذي فاق فضلًا فهو في كلِّ مذهبٍ برهان
أفتني في الَّذي أقول فما مثلك من عزَّه جوابٌ مصان
رجلٌ علَّق الطَّلاق بشهرٍ قبل ما بعد قبله رمضان
] ٤٦٤ [
عليُّ بن إبراهيم بن مبادرٍ، أبو الحسن الأسديُّ.
هو من السندية، قرية بسواد العراق من قرايا نهر عيسى. كان شيخها ومقدمها ورئيسها، ذا ثروة وافرة، ونعمة غزيرة، ومروءة مشهورة، ونفس واسعة. يقصده كل من يرد ذلك المكان. وكان كريمًا سخيًا شائع الذكر، نبيه القدر، مشهورًا بالقرى مقصودًا في قريته. وكان له عبيد، وإماء برسم ما يصنع للضيوف من الخبز والطعام ومواضع معدّة لذلك.
[ ٤ / ٣٤ ]
وحكى عنه بعض الفضلاء، قال: - لمَّا كنا ببغداد، قصدت ابن مبادر في يوم عيد الأضحى، فحضر خوانه خمسة وعشرون شاعرًا، أنشدوه المدح بعد أن رفع الطعام، فأجازهم كلّهم؛ ففيهم من أجازه بالجبّة والعمامة، ومن أجازه بالذهب، قال: وبلغني /٢٢ ب/ أنّه نزلت به سرية من العرب ليلة، فعلق على خيولهم ألفًا وأربعمائة عليقة، وأضافهم تلك الليلة. وكان مع ذلك فيه ميز وفضل وأدب وذكاء، ويقول الشعر الحسن، فرضي الله عنه ورضي عني كل من كان فيه مروءة وسخاء.
أنشدني عبد العليم بن عبد الله بن عبد الرحمن الأنباري، قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه ما كتبه من السندية إلى والدي، وهو مقيم بالبصرة:] من الطويل [
خلعت على أرض البصيرة رونقًا وجمَّلتها لمَّا اتَّخذت بها مغنى
وأصبحت الدَّار الَّتي قد هجرتها كعينٍ بلا نومٍ ولفظٍ بلا معنى
وغادرت في سنديَّة البيت وحشةً فلو أنَّها تنبي لقالت كما قلنا
وقال فيه أيضًا: [من الكامل]
يا خير من ركب المنابر واعظًا وأجلَّها عند الصَّلاة إذا دعا
شرفت بك الأعواد ثمَّ تباشرت لمَّا علت قدماك منها موضعا
حسدوك أقوامٌ ملأت قلوبهم غيظًا كما حسدوا البطين الأنزعا
ما كان مثل أبي ترابٍ فيهم بالرُّغم أناف الأعادي جدَّعا
/٢٣ أ/ ما دمت ملتزمًا بحبل ولائه فإليك نسعى طائعين وخضَّعا
ما أبتغي بالمدح فيك إجازةً إلَّا الدُّعاء وحسب من طلب الدُّعا
[٤٦٥]
عليُّ بن أحمد بن عليِّ بن محمّد، أبو الحسن بن أبي العباس، المعروف بابن دوَّاس القنا العنبريُّ الواسطيُّ.
[ ٤ / ٣٥ ]
من بيت أدب وشعر، مشهور الذكر. وأبو الحسن كان شاعرًا أديبًا له يد في علم التنجيم، وكتبة التقاوم، وكان نائب صاحب التركات.
أنشدني أبو محمد الحسن بن علي بن أبي البركات الضرير الواسطي، قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه من قصيدة، وهي من مشهور شعره: [من مجزوء الكامل]
يا زاجر الحمر النِّياق عرَّج بزوراء العراق
واقر السَّلام على الَّذي من بعده طال اشتياقي
ومنها:
أبدًا شهودي أربعٌ متنزِّهون عن النِّفاق
ذلِّي وفيض مدامعي ونحول جسمي واحتراقي
/٢٣ ب/ ومنها قوله:
والشَّمس عند طلوعها تحمر من فرح التَّلاقي
وكذاك عند غروبها تصفَّر من ألم الفراق
[٤٦٦]
عليُّ بن أبي منصور بن أبي عبد الله، أبو الحسن الموصليُّ الضرير الفريضيُّ.
كان شاعرًا ذكيًا، ثاقب الحسِّ، دقيق الفطنة، إذا أورد الشعر يقيّد أسماع الحاضرين بصوته. وكان في أول عمره يضرب بالعود. وكان في حلقه بحَّة مستعذبة.
وأخبرني الشيخ أبو عبد الله أحمد بن الحسين النحوي، قال: خبرت عن أبي الحسن أنه كان يأخذ الشعرة من لحيته، ويقطعها بالطول أربع قطع ويعقدها لزكره.
وكان آخذًا من علوم شتى بأطراف، وسمعته يتكلم في النجوم وفي الطب، ورأيته يأخذ النبض، وعاشر الشيخ صدر الدين بن قيداس الفرضي الحاسب زمانًا طويلًا. وكان من أخصائه، /٢٤ أ/ فلما توفى، ولّاه زعامة الأضراء، فلم يصف له
[ ٤ / ٣٦ ]
الأمر لأنّه كان ذا إقتار، وممن أفسد عليه صهره، محمد بن أحمد الضرير الواسطي. وتوفى في الحمام فجأة وذلك أنّه اغتسل، فخرج ولبس ثيابه، وأسند ظهره إلى الحائط، فحرّك فإذا به وقد توفي، وذلك ما بين سنة ست وسبع وستمائة بالموصل -رحمه الله تعالى-.
أنشدني أبو عبد الله النحوي الأديب، قال: أنشدني أبو الحسن علي بن أبي منصور لنفسه، يمدح عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن آق سنقر، من قصيدة أوّلها: [من الطويل]
لعيني سليمى مهجتي وخضوعها وإن كان لا ينفكّ عنها ولوعها
ولست أفدِّيها بغير حشاشةٍ إليها وإن شطَّ المزار رجوعها
يقول خليلي: خلِّ عنها وفي الحشا من الشَّوق نارٌ لا يكلُّ وقوعها
وكيف أسلِّي القلب عنها ولم يزل يخالف أمري في الهوى ويطيعها
ومنها:
وقلت لعيني اسكبا الدَّمع إنَّها منازل أحبابي وهذي ربوعها
/٢٤ ب/ ومخلصها في المديح:
سحائب لا تنفكُّ أو تذر الثَّرى رويًّا وحتَّى كلُّ شيءٍ نقيعها
كجود عماد الدِّين زنكيِّ ذي النَّدى إذا ألسن الشَّهباء أقوت مروعها
وله قصيدة طويلة يمدح بها أتابك أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي، صاحب الموصل -﵀- أولها: [من الطويل]
خليليَّ عوجا بي على بانة الحمى عسى عائدٌ من عيشنا ما تصرَّما
ومرَّا على الوادي فبي لظبائه جوىً كلَّما شطَّ النَّوى بي تضرَّما
فيا حبَّذا بان الحمى وعراره وسكَّان واديه وغزلانه الدُّمى
فلا بان إلَّا بانه قطُّ ما سرت له نفحةٌ إلَّا أثارت متيَّما
كأنَّ السَّليم المستقلَّ بريِّه غداة سرى عن طيب سعدى تنسَّما
سرى ناشرًا من طيفها ما انطوى به رداها فأبدى منه سرًّا مكتَّما
[ ٤ / ٣٧ ]
يميس إذا ما سافه ذو صبابةٍ شفاه فلا يلقى لوجد تألُّما
وحيث استقلَّت بين سرب نسائها وهزَّت قوامًا كالقضيب مقوَّما
/٢٥ أ/ تريك شبيه البدر تحت مرجَّلٍ أثيثٍ يريك اللَّيل أسود أفحما
فما الدُّرُّ أعطاه الصَّفاء ملاحةً تزان بها في كلِّ جيدٍ منظَّما
بأحسن منها حين أبدت تنسُّمًا بذي أشرٍ كالدُّرِّ لمَّا تبسَّما
ومنها:
أيا سائقًا يطوي التَّنائف مغرقًا وطورًا يحث الرَّكب في البيد متيَّما
يحاول وردًا يستفاد بريِّه إذا ما اشتكى الظَّمآن ضن نيله الظَّما
توخَّ بها الحدَّاء نحو مليكها المطاع تجد بحرًا من الجود مفعما
مليكٌ إذا ما بخَّل المال أهله عن البذل ألفى البذل للمال مغنما
رأى العدل والإحسان في النَّاس خير ما تحلَّى به ربُّ العلا وتوسَّما
فأحياهما بعد الدُّثور فأصبحا وقد جمعا فيه الثَّناء المقسَّما
وألفى عفاف المرء خير اعتقاده فعفَّ ولم يركب مدى الدَّهر مأثما
وحيث تأمَّلت الملوك ومجده وجدت له فضلًا عليهم معظَّما
يقدِّمهم أصلًا وفرغًا وهكذا تفيد الأصول الزَّاكيات التَّقدُّما
فطورًا تراه أنَّى تبسَّما وطورًا تراه اللَّيث أنَّى تجهَّما
يجول على الشُّجعان في حومة الوغى فيسقيهم كأسًا من الموت علقما
/٢٥ ب/ وإلّا فسل عنه الصَّوارم والقنا ليخبر عنه والجواد المطهَّما
هو الفارس المذكور لا هو في الوغى إذا ما انقضى للحرب عضبًا ولهذما
وقد ألقت الحرب العوان جرانها وألبست الأبطال بالدَّم عندما
[٤٦٧]
عليُّ بن عبد المحسن، أبو الحسن الواعظ اليمنيُّ الزَّبيديُّ.
أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم الإسكندري، قال: أنشدني
[ ٤ / ٣٨ ]
أبو الحسن لنفسه:
ليالي المنحنى عودي فإنِّي قد ذوى عودي
كما أمرضتني عودي فمن جوفي فقد عودي
سقى الله الحمى مزنًا وإن أورثتني حزنا
فكم قدمًا به فزنا بعيشٍ غير منكود
/٢٦ أ/ أجيران الغضا رقُّوا فإنِّي لكم رقُّ
وفي أيديكم رقُّ شهودي فيه مشهودي
أردتم كنه تجريبي وسفن الحبِّ تجري بي
فحوزوا الآن أجري بي ولو منكم بموعود
[٤٦٨]
عليُّ بن قليج بن عبد الله، أبو الحسن الطاهريُّ الحلبيُّ.
وأبو الحسن أمير فاضل ذو نباهة وذكاء، وله شعر ومنه قوله يرثي ولده:
[من الطويل]
فقدت فتًى لو عشت ما عشت لم تزل شمائله في خاطري وعياني
أيطمح منِّي أن أعيش وأنَّني أنام فلا أبكيه طول زماني
[ ٤ / ٣٩ ]
تجمَّل سكان القبور بطلعةٍ عهدت إليها ينسب القمران
أجسُّ فؤادي للَّهيب مسكِّنًا فلم استطع من شدَّة الخفقان
فلو أنَّ خصمي فيك خصمٌ مجسَّدٌ لمكَّنت منه صارمي وسناني
ولكنَّه الدَّهر الَّذي رام تبَّعًا ويتبعه من بعده الهرمان
فوا حسرتا مذ فارقتني شمائلٌ تولى عليها طارق الحدثان
فلي حسرةٌ ما تنقضي وندامةٌ عضضت عليها راحتي وبناني
وأصبحت لا تدري بمن جاء زائرًا عداك إلى كم رقدة
[٤٦٩]
عليُّ بن محمود بن محمد /٢٦ ب/ بن أحمد، أبو الحسن بن أبي الشكر البغداديُّ، المعروف والده بالسرخسيِّ.
كان والده أحد الكتاب بالديوان العزيز -مجده الله تعالى- بمدينة السلام. وكان ولده هذا أبو الحسن فاضلًا له معرفة بالأدب.
قرأ على أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي النحوي، نزل مدينة حلب وتصدر بها في أوائل سنة ثلاثين وستمائة. وقد شرح شعر أبي الطيب المتنبي فغسله قبل موته.
أنشدني القاضي الصدر الكبير بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد ين يحيى بن محمد بن الخشاب الحلبي -أدام الله رفعته- بمنزله المعمور في سنة أربع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو الحسن عليّ بن السرخسي لنفسه بحلب، يرثي شيخه أبا اليمن زيد بن الحسن لنفسه: -[من الطويل]
لقد كان في زيدٍ أبي اليمن منحةٌ من الله زانت فضله في حياته
وكان مثال النَّحو يضرب باسمه فلا عجبًا إن مات بعد مماته
وأنشدني أحمد بن محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن خلّكان الإربلي، قال:
[ ٤ / ٤٠ ]
أنشدني ابن السرخسي لنفسه، /٢٧ أ/ في إنسان يعرف بابن عمرون، وقد تصدّر لاقراء العربية والنحو بحلب، وصار له حلقة بمسجدها الجامع: [من مخلَّع البسيط]
قالوا: ابن عمرون قد تصدَّى للنحو والرُّتبة الثَّمينه
وصار مع أنَّه حمارٌ يدرِّس النَّحو في المدينه
فقلت: هذا الزَّمان بحرٌ في مثله تغرق السَّفينه
ونقلت من خطّه قوله ما كتبه إلى كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الفقيه الحنفي المدرس -أيده الله تعالى-: [من المنسرح]
يا كمال الدِّين الَّذي جليت به المعالي في أفخر الشِّيم
فقت الورى بعد كلِّ مفتخرٍ حويته باللِّسان والقلم
أنت لعمري عندي كقول الَّذي برِّز في قوله على الأمم
قام بأمري لمَّا قعدت به ونمت عن حاجتي ولم ينم
[٤٧٠]
عليُّ بن تركانشاه /٢٧ ب/ بن شاه مرزوان، أبو الحسن الرازيُّ.
كان فقيهًا شافعي المذهب، نزل الموصل وسكن العزّية؛ وتولّى إعادة درس الشيخ أبي حامد محمد بن يونس بن منعة بن مالك الموصلي الفقيه الشافعي المدرّس.
ومن شعر أبي الحسن، يرثي الشيخ أبا حامد المذكور، وكانت وفاته في سلخ جمادى الآخرة سنة ثماني وستمائه -رحمه الله تعالى- بالموصل: [من الخفيف]
إن رقا لي وقد فقدتك دمع أو صفا لي إلى المفنِّد سمع
أو خلا من لواعج الحزن قلبي أو حلا محفلٌ لديَّ وجمع
أو تراءى من جانب الغور غور اللَّهو برقٌ فشاقني منه لمع
فأنا الخائن الَّذي ضيَّع العهد وألوى به من الغدر طبع
[ ٤ / ٤١ ]
يا مقيم الصَّغى إذا ذاع في القول وأزرى بسنَّة الدِّين بدع
وزعيم الجدال والأفوه المنطيق من غيِّه إلى السِّلم يدعو
وفريدًا في عصره ووحيدًا شفع الشَّافعي فالوتر شفع
وفقيدًا بكى له العالم العلويُّ شجوًا وماد دينٌ وشرع
جهلت بعدك العلوم وأضحى طالب العلم ما له منه نفع
/٢٨ أ/ واستقلَّت أقوال مذهبك الحقِّ وعادت وجوهه هي شفع
وتمادى بالدَّرس والفقه والبحث شتاتٌ ما بعده الدَّهر جمع
فإلى من يصير طالب فتيا ضاق منها بالعالم الحبر ذرع
وفقيهٌ طرا عليه من الإشكال ما لا في وسعه عنه دفع
ونحارير منطقٍ أرتج القول عليهم وليس للقول رجع
وبرغمي افتئات غيرك بالدَّرس وإنَّ يده لنعلك شسع
وإذا ما خلا العرين من اللَّيث فلا غرو أن يدانيه ضبع
بأبي روحكَّ الَّتي لم تزل قطُّ ولا رابها من الموت نزع
وتصانيفك الَّتي شيَّد المذهب منها أصلٌ صحيحٌ وفرع
ومقاماتك العليَّة والخطب جليل والأمر خفضٌ ورفع
فكأنَّ النَّهار ساعة واروه عليه من دامس اللَّيل قطع
[٤٧١]
عليُّ بن موسى، أبو الحسن الضرير الباجسريُّ.
كان رجلًا ضريرًا فيه فضل وأدب، وينظم الجيّد من الأشعار.
حدثني الصاحب /٢٨ ب/ شرف الدين أبو البركات المستوفى بإربل -﵁- قال: أخبرني أبو العباس أحمد بن محمد القريحي، قال: كان بيني وبين أبي الحسن الباجسري صداقة، فورد على بعض الجهات التي كان لي بها مغل، فقال: تساهمني فيما حصل لك، فساهمته في ذلك وبقي البصل والهرطمان، قلت: خذ
[ ٤ / ٤٢ ]
حصتك منها، فقال: أنفذهما أنت إلي، فلم أنفذهما فكتب إلي وأنشدنيه:
[من الكامل]
يا قارحيُّ وعدتنا وخضاب وعدك ما نصل
بكرازكٍ مملوةٍ من هرطمانك والبصل
وقضيت أنَّ الوعد تنجزه إذا اليوم انفصل
وإلى أخيك وداره من ذاك شيءٌ ما وصل
وعلى نجازك والمطال ودادنا لك قد حصل
لا زلت تصدق للصديق ودام شكرك واتَّصل
وتفيَّ ما بقي الزَّمان وما شكا وبكى طلل
قال القريحي: وقال لي: إنما خرجت منها عن التزام الصاد، /٢٩ أ/ لأنَّه لم يبق شيء سوى ما ذكرته، هذا معنى لفظه.
قال الصاحب أبو البركات: ولو استقرأ إنسان ذلك بوجد شيئًا غير ما ذكره.
[٤٧٢]
عليُّ بن يحيى بن أحمد بن يوسف بن عبد العزيز بن علّون بن بسّامٍ، أبو الحسن المعروف بابن السَّدار الكاتب.
وكانت ولادته في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
[ ٤ / ٤٣ ]
أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي بحلب، قال: أنشدني ابو الحسن علي بن يحيى بن السَّدار لنفسه بدمشق في إنسان كان حريصًا على تحصيل الأملاك، ومعاملة الناس: [من الكامل]
هب قد جمعت جميع أملاك الورى وأخذتها بالزُّور والبهتان
فظلمت فيها واعتديت تجبُّرًا أفما خشيت عقوبة الرَّحمان
كان كاتبًا بين يدي القاضي الفاضل وكان صاحب طبع في الإنشاء، وبلاغة في صناعتي النظم والنثر، يحوي /٢٩ ب/ أدبًا وفضلًا، وهو من بيت مشهور.
[٤٧٣]
عليُّ بن الحسين بن كرم بن عثمان بن محمد الحسن بن عليٍّ، أبو الحسن الحلِّي المعروف بابن الطباخ.
أنشد له الصاحب أبو البركات هذه الأبيات في تاريخ إربل من تأليفه:
[من الطويل]
ألا فاسلموا راقين أسنمة العلا على غايةٍ من دونها المتطاول
يقرُّ بعيني أن تنالوا مراتبًا لكم عندها ظلُّ الخلافة شامل
وإمَّا اطَّرحتم من يودُّ ملالةً فقد خست منكم عهودٌ أوائل
[٤٧٤]
عليُّ بن عليِّ بن أمسينا الواسطيُّ، أبو الحسن بن الميامن.
من أبناء المتصرفين والرؤساء وذوي الولايات بواسط.
رأيته بإربل في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، يتولّى إشراف العرض بها في الأيام المستنصرية؛ وهو شاب جميل مليح الصورة، خفيف العارضين.
[ ٤ / ٤٤ ]
وحدثني ابن /٣٠ أ/ الدبندار الشاعر، قال: ضمَّني وإيّاه بعض المجالس، فأنشدت: [من مجزوء الكامل]
أقسمت يا بن الدَّبندار بأنَّ شعرك خير شعر
شعرًا لنفسي، فأنشد مخاطبًا لي، لنفسه: -[من الكامل]
من جنب فضلك من أبو تمَّام من كان المعرِّي؟
[٤٧٥]
عليُّ بن محمود بن أبي الحسين بن نبهان بن سند بن بشر، أبو الحسن بن أبي الثناء اليشكريُّ، البغداديُّ والدًا وأصلًا، المصريُّ مولدًا، الدمشقيُّ منشأ.
شاعر ابن شاعر.
أنشدني علي بن محمود لنفسه بحلب في أعرج: [من السريع]
يا بأبي من وجهه جنَّةٌ صدرت عنها وأنا المخلص
لم يثنني العذَّال في حبِّه أغلوا عليه اللَّوم أم أرخصوا
قالوا: اعتراه عرجٌ شانه وذاك من وجدي لا ينقص
وافى إلى وصلي مستوفزًا كأنَّه من عرجٍ يرقص
/٣٠ ب/ وقال أيضًا: [من الطويل]
ولمَّا أتاني العاذلون عدمتهم فما منهم إلَّا للحمي قارض
وقد بهتوا لمَّا رأوني شاحبًا وقالوا: به عينٌ، فقلت: وعارض
[ ٤ / ٤٥ ]
وله من جملة قصيدة: [من الكامل]
إنِّي أغار من النَّسيم إذا سرى بأريج عرفك خيفةً من ناشق
وأودُّ لو سهِّدت لا من علَّةٍ حذرًا عليك من الخيال الطَّارق
وقال في التشبيه: [من البسيط]
وقد تبدَّى هلال الأفق مزدهيًا تحفُّه في السَّماء الأنجم الزُّهر
كزورقٍ من لجينٍ وقره سبجٌ يمرُّ في لجَّةٍ حصباؤها درر
وقال من قصيدة: [من الطويل]
رعى الله من لم يرع عهدًا رعيته وعقد ودادٍ مبرمٍ غير منحلِّ
فنازعني الشُّوق اللَّجوج إليهم فأخدع قلبي بالمواعيد والمطل
وحمَّلني العذَّال منَّة ذكرهم وحسبك أنِّي حاملٌ منَّة العذل
وأنشدني لنفسه في ضارب كرة: [من البسيط]
يا حبَّذا وبروحي ضاربٌ كرةً كالغصن يعطفه الإدلال والمرح
/٣١ أ/ شكرًا لها إذ أرتني من محاسنها أجل ما كنت أرجوه وأقترح
تدنو إليه ويقصيها لعاشقة وليُّه مثلها يدنو وينتزح
وأنشد لنفسه من قصيدة في الملك المعظم عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب:
[من الطويل]
سلي البارق العلويَّ يا أمَّ مالكٍ أأمسك دمع العين بعدك أم همى
ولا تنكري فيض الدُّموع صبابةً فإن لم تجودي بالرِّضا هطلت دما
ملكت عنان القلب فانقاد طائعًا كئيب الهوى أنَّى حللت وأينما
فلا يختشي إلا ملالك والقلى وما يرتجي إلَّا المليك المعظَّما
ومنها:
فما أجدل وافى على رأس مرقبٍ أغبَّ فلم يطعم من الصَّيد مطعما
رأى في فضاءٍ بالعراء طريدةً فبادرها يفري الإهاب تجشُّما
[ ٤ / ٤٦ ]
بأسرع منه للصَّريخ إجابةً إذا أصبح النُّور الشَّماليُّ مقتما
وأنشدني لنفسه في سنقر الحكيم وقد رمى بالسهام، فأصاب حلقة الغرض خمس مرَّات متوالية: [من الطويل]
/٣١ ب/ وعوجاء من بانٍ إذا هي أرسلت إلى الجمع فردًا من بنيها تفرُّقا
أصبت بها خمسًا تؤامًا تواليًا بحلقة قدٍّ دقَّ عن أن يحقَّقا
ووصَّلتها لو شئت إعجاز صنعةٍ فلم تدرك الأبصار منهنَّ أفوقا
فحسبك منها معجزًا لسعادةٍ برغم العدا دامت ودام لك البقا
وأيُّ مرامٍ لم ترح فيه أوَّلًا وتاج فخارٍ لم تكن فيه مفرقا
ولمَّا دعوت الشِّعر باسمك أقبلت قوافيه في مضمار مدحك سبَّقا
فحبَّرت منه في علاك مدائحًا تجرُّ جريرًا خلفها والفرزدقا
[٤٧٦]
عليُّ بن عمر بن حسن بن رسن، أبو الحسن الشيبانيُّ العبدليُّ.
من أهل باجسري، قرية كبيرة من أشهر قرى بغداد.
حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي -﵁- بإربل، قال: ورد العبدلي إربل قديمًا، وكان شابًا أسمر، أقام بالشام مدةّ، وذكر أنّه قرأ على أبي اليمن الكندي شيئًا من أشعار العرب، وأنّه سمع الحديث، وأنَّ عنده نحوًا وغيره، وليس كما ذكر في إحكام شيء من النحو /٣٢ أ/ ولا غيره، وإن شمّ منها بعضها.
أنشدني لنفسه في شهر جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وستمائة -شعره في غاية السقوط جدًا-: [من الطويل]
أشاقك من شاطي ديالى حدائقه فأذريت برقا الدمع وانهلَّ ناعقه
تئطُّ إلأى نصرٍ به الذَّبُّ كلَّما تغطغط جونٌ أو تداعت فوارقه
قال الصاحب شرف الدين أبو البركات -﵁- وهي تسعة عشر بيتًا على
[ ٤ / ٤٧ ]
هذا الأسلوب، لا فائدة في إيرادها جمعًا، لأنها رديئة الألفاظ، وقال أبو البركات -﵁- سألته عن موضع "برقا" فقال: النصب بحذف من! . قال: هي العين.
[٤٧٧]
عليُّ بن محمود بن عيسى بن خليل بن عليٍّ، أبو الحسن التنوخيُّ الحمصيُّ، المعروف بابن الحكم.
رأيت ديوان أشعاره بحلب، وهو مجلد كبير الحجم، مرتب على حروف الهجاء، يشتمل على فنون من القريض.
/٣٢ ب/ وافتتحه بخطبة مسجعة من إنشائه، يخاطب بها بعض أصدقائه، وقد سأله أن يتحفه بشيء من نظمه، فأجابه إلى ذلك بعد أن سأله الإقالة، يقول منها: "وكنت آليت أن لا أقصد ملكًا ولا سوقةً، ولا أنشد شجاعًا ولا فروقةً، حتى سلبني الدهر ثوب الوفر، وألبسني رداء الفقر، وبدّلني اليسر بالعسر، والجبر بالكسر. فالجأتني كثرة العيال، وقلة التموال، إلى أن أريق ماء المحيا، وأنشر لبرقع صونه طيّا. فكان أوّل من تمسكت بولائه، وآخر من طوَّقت بحلي قريضي جيد عليائه؛ السلطان الملك الأمجد مجد الدنيا والدين بهرام شاه بن الملك المظفر أبي الفتح فرخشاه بن شهنشاه بن أيوب عضد أمير المؤمنين، فأنقذني من قبضة الطوى، وانتشاني من براثن أسد التوى. وأعاد عود العيش لدى ناضرًا، بعدما روى، وطرف السعد إلي ناظرًا بعدما أروى. فلأمدَّنَّه بصالح الدعاء، ولأشنِّفنَّ أذن عليائه عقود الثناء. ولأسألنَّ الله أن /٣٣ أ/ يوزعني شكر أياديه، وان يحرس دولته بكبت أعاديه. وما برحت إبان الشباب والعيش اللباب، مستهترًا بمعاشرة الأدباء، مغرًى بمكاثرة البعداء منهم والقرباء، فلم أسمع بأديب إلَّا قصدته، ولا أريب إلَّا استنقذت منه ما أفدته حتى استخلصت لنفسي صحبًا كالنجوم، قد أحكموا صناعتي المنثور والمنظوم، فكنّا نتبارى في البيان مباراة البنان للبنان، ونتمارى في الأوزان، مماراة ذوي الإحسان بالإحسان، فما استنَّ لنا صعب لفظ إلَّا ذللناه فركبناه، ولا اعترض بكر معنًى إلَّا ألنَّاه وركبناه، فلم نغادر جدًّا
[ ٤ / ٤٨ ]
من القول، ولا هزلًا ولا رقيقًا منه، ولا جزلًا ولا نكرًا ولا طرفًا ولا ظرفًا ولا سخفًا إلَّا وأعملنا فيه بزل الأفكار، واستخرجنا أبكار، قرائح أزرت على الأبكار.
كلّ ذلك رغبة بالمنظوم والمنثور، لا طلبة للفسوق والفجور، فليعذر من وقف على سخفه، واستجلى قمر مجونه من سجفه، موفقًا إن شاء الله".
وبلغني أنّه كان معلم الصبيان مدّة، ثم صار بعد ذلك بمعرة النعمان في ديوان الزكاة /٣٣ ب/ مشرفًا، وتنقل في البلاد الشامية، طلبًا للارتزاق والاسترفاد. وكان شيعيًا مائلًا إلى مذهب الإماميّة، كثير الشعر، وديوان أشعاره كبير جدًّا يشتمل على مدائح ومراثٍ وغزل ومجون وأوصاف وأغراض مختلفة النعوت.
ومن شعره في غلام اسمه عبد الكريم: [من السريع]
مولاي يا عبد الكريم استمع من عبدك الأصغر شكواه
حتَّى متى تقتلني عامدًا بالهجر لا وأخذك الله
كن مثل من أعتق عبدًا له ما أقبح البخل وأزراه
فقال لي وازورَّتيهًا وذو الحسن على ذي الحزن تيَّاه:
عبد الكريم اسمي ولمَّا يكن ذا العبد من طينة مولاه
وشادن تسحر ألفاظه بنا كما تسحر عيناه
أضحى نعيمي وشقائي فما أبعده منِّي وأدناه
أموت إن أعرض عنِّي كما أحيا إذا لاح محيَّاه
وقال أيضًا في صباه، مجيبًا لصديق له عن أبيات /٣٤ أ/ جاءته في صدر كتاب:
[من الكامل]
وافى كتاب أبي عليّ يقول الأدباء عين الشعر والشعراء
ففضضته فرأيت طرسًا معربًا عن سؤددٍ وبلاغةٍ وعلاء
متضمِّنًا من نظمه دررًا حكت حسنًا عقود الغادة الحسناء
أمهذَّب الدِّين الَّذي أخلاقه كالسَّلسبيل مشوبةٌ بالماء
قسمًا لقد شرَّفتني وبنيت لي مجدًا قواعده على الجوزاء
وكسوت عرضي من ثنائي حلَّةً أزرت بما صنعت يدا صنعاء
[ ٤ / ٤٩ ]
ولأنت أحرى بالثَّناء من الورى طرًّا لأنَّك زين كلِّ ثناء
وقال في غلام يعوم في نهر، محلول الشعر، وقد سئل ذلك: [من المنسرح]
أرسب في لجَّة الغرام كما يرسب ماء الأجسام في الماء
وابأبي من به كلفت ومن أضحى دوائي من كلِّ أدوائي
حسين ذو الحسن والجمال ومن حشا بنار الغرام أحشائي
أرسل مسك الأصداغ منه على الكافور حتَّى كفرت آرائي
فخلت أنَّ الصَّباح أقبل فوق الأرض يسعى في ثوب ظلماء
/٣٤ ب/ وقال أيضًا: [من الخفيف]
أيُّ عيشٍ غضٍّ وأيُّ نعيم لم أرح منه آخذًا بنصيب
قد تمتَّعت بالملاذ فما أبقيت من مأكلٍ ومن مشروب
ولبست العصب المطيَّر ما اطَّيَّرت من فاقةًٍ بيومٍ عصيب
وأراني أعفُّ خلقًا ولو ألصقت صبرًا إلى التُّراب تريبي
وقال أيضًا: واجتاز بغلام جميل الوجه، حسن الصورة، مليح الشمائل، متعلم صنعة الأساكفة عند أستاذ يعرف بابن العقاب، والغلام اسمه بلال: [من الوافر]
ألا لله اسكافٌ مررنا به بين العقيبة والقباب
غدا مع كونه ظبيًا غريرًا غريب الشَّكل مقتبل الشَّباب
أليف أبن العقاب ومن رأى قبله أبن الظَّبي إلف أبن العقاب
وليس سوى الحشاشة من مراعٍ له وسوى المدامع من شراب
فيعطو حين يعطو ريم رملٍ ويسطو حين يسطو ليث غاب
/٣٥ أ/ بلال من رضاب يشفى ليشفى ظماي إلى ثناياه العذاب
بدا نعلًا له دكناء حتَّى حسبت البدر أشرق من سحاب
وجال بإبرةٍ فرأيت منه ومنها البدر يعبث في شهاب
وصال بذابل الأشفاه حتَّى لقد أشفيت منه على العذاب
[ ٤ / ٥٠ ]
= وليس أهاب ظلَّ يفري بشفرته وينصح بل أحابي
وقال في صباه من سنة تسعين وخمسمائة: [من المجتث]
يا عتب دع عنك عتبي حسب الصَّبابة حسبي
أنَّى وقد سار عنِّي فضلٌ بقلبي ولبِّي
نأى فتذكاره والدُّموع أكلي وشربي
فبين جفني ونومي ليهنه أيُّ حرب
فليت لمَّا قضى بينه قضى الله نحبي
ريح الصَّبا بلِّغيه عنِّي سلام محبِّ
أذكى وأطيب نشرًا من روضةٍ غبَّ سحب
يا قبلتي وإليها أدعو وفيها ألبِّي
/٣٥ ب/ يا بدر تمٍّ تبدَّى من فرع أملد رطب
أسهرت عيني وأقلقتني وأتعبت قلبي
ترى بأيَّة جرمٍ ترى بأيَّة ذنب
وقال أيضًا: [من السريع]
رأيت في المكتب أعجوبةً من يرها في مكتب يعجب
ظبي نقًا يرتع فيه وهل رأيت ظبيًا قطُّ في مكتب
أقبل إذ عاينني ضاحكًا أكرم به من مقبل واجب
وزر فن الصُّدغ فعوَّذته بخالق المشرق والمغرب
وقلت: من يضمن لي أنَّني أنجو وهذا البدر في العقرب
وقال أيضًا، وقد اجتمع عند جماعة من أهل الأدب، وعندهم مغن يسمى "البليبل"
فلما غنّى تفرقوا، فقالوا: ما هذا بلبل، هذا غراب!: [من الوافر]
تجمَّع شملنا يومًا بقومٍ لهم في كلِّ مكرمةٍ نصاب
ففرَّقنا البليبل إذ تغنَّى فقلت: أبلبل ذا أم غراب؟
/٣٦ أ/ وقال محبُّه عذبٌ تغنَّى فقلنا: دون ذا العذب العذاب
وقال أيضًا في غلام حمل شمعة: [من المتقارب]
[ ٤ / ٥١ ]
أتانا وفي يده شمعةٌ كقلبي في حبِّه تلهب
فخيِّل لي أنَّ بدر الدُّجى تألَّق في يده كوكب
وقال أيضًا في غلام اسمه عفان: [من البسيط]
إسم الَّذي هام قلبي في محبَّته لثالث الخلفاء الرَّاشدين أبُّ
وانَّه اسمٌ لشيخٍ في القراءة لا يخلُّ حرفًا وآمن حين ينقلب
وقال في غلام يسقي جلابا: [من السريع]
يا ساقي الجلَّاب يا شادنًا بلحظه للأسد خلَّابا
عنِّي بجلَّابك لا نشتهي منك سوى الرِّيقة جلَّابا
وقال أيضًا في ولد إسمه حسين يرثيه، وتوفي بحلب: [من الكامل]
إن مات في حلبٍ حسين غريبا وأذا [ب] أكبادًا لنا وقلوبا
/٣٦ ب/ فلقد قضى في كربلاء سميُّه قتلًا سليبًا من ذويه غريبا
لولا التَّأسِّي عنه بالمقتول والمسموم لاستعرت حشاي لهيبا
وقال هذه الأبيات، وكتبها على ظهر كتاب نهج البلاغة، وكان قد نسخه:
[من مخلّع البسيط]
كتبت هذا الكتاب لمَّا غرقت في لجَّة الذُّنوب
أرجو من الله كشف ضرِّي وستر ما بي من العيوب
فمن له في الورى نصيبٌ فحبُّ أهل الورى نصيبي
وقال في غلام اسمه ياقوت: [من الخفيف]
قل لياقوت أنت قد رحت للعين جلاءً وللحشاشة قوتنا
يا معير القضيب عطفًا ولينًا ومغير الرَّبيب طرفًا وليتا
قد وليت القلوب مذ صاغك الرَّحمان بدعًا فاعدل بما ولِّيتا
وقوله أيضًا: [من المنسرح]
يا لائم الصَّبِّ لا تلمه فما نفع أخي الشَّوق في ملامته
أنت به شامتٌ ولا يستميل المغرم الصَّبَّ قول شامته
وبي هلالٌ من ليل طرَّته لاح لحيني في غصن قامته
[ ٤ / ٥٢ ]
/٣٧ أ/ نرجس ألحاظه وتفَّاح خدَّيه بلائي ومسك شامته وقال أيضًا: [من الوافر]
رأى كلفي وقد ظعنوا بليلى خلِّيٌّ لا يبيت كما أبيت
فقال: يفوت عمرك بالتَّمنِّي فقلت له: ومن لي لو يفوت
أمن جنٍّ دهيت، فقلت: كلَّا ولكن من ذوي إنسٍ دهيت
إذا أنا لم أمت أسفًا ووجدًا بليلى العامريَّة من يموت!
وله أيضًا: [من البسيط]
إن غيِّرت بعد الحيِّ حالات فسوف تصرف عنَّا الهمَّ حانات
وشمس راح لها من راح بدر دجًى شرقٌ ومغربها منَّا الحشاشات
تبدو فواقعها في كأس قاطبها كأنجم القطب يجلوها الزُّجاجات
أو مثل ما نثر الدُّرَّ الثَّمين على أرضٍ من الذَّهب المسبوك قينات
لها إذا شجَّها السَّاقي وميض سنًى يعشي العيون له في الكأس لمحات
وللنَّدامى إليها إذ تشعشعها السُّقاة تحت الدَّياجي أريحيَّات
فافضض بفضِّك طين الدَّنِّ جيش أسًى له على القلب كرَّاتٌ وفرات
لا يغرق الهّمَّ إلا صرف دسكرةٍ ما إن لميقاتها في العدم ميقات
/٣٧ ب/ ما زال يكلأ صرف الدَّهر جوهرها ويمتري ذامها طورًا وتقتات
حتَّى غدت وهي لا الأوهام تدركها منَّا وّلّا الخطرات الألمعيَّات
ترى بنان النَّدامى من تلألئها كأنَّهنَّ بفرصادٍ خضيبات
وجدي بكأس طلًا وجدي بحبِّ طلًا يذيب أكبادنا منه
مبلبل الصُّدغ كم قد بلبلت كمدًا ألحاظه السَّاحرات البابليَّات
كم أمرضت من صحيحٍ يوم كاظمةٍ تلك الجفون المريضات الصحيحات
لله عيشٌ بنعمانٍ نعمت به دهرًا وللدَّهر عنَّا فيه غفلات
أيَّام ظلُّ الهوى دانٍ ومربعه غانٍ وروضاته صح أريضات
فمن تذكَّر بان الجزع جزع كما لديَّ لذكر
إيَّاك نجدًا وآرامًا تروم بها نيل المنى فأمانيها منيَّات
تسلُّ فينا سيوف الهند أعينها كما تهز رماح الخطِّ قامات
[ ٤ / ٥٣ ]
سقى الحمى مرجحنَّات السَّحاب وإن أبت فسحب الدُّموع المرجحنَّات
وجيرةٍ أتمنَّاهم فما حفظت مع الأمانات هاتيك الأمانات
ما مثل ساعات أيَّام الغوير مضت ولا كأوقاتها في الطِّيب أوقات
وقال أيضًا: /٣٨ أ/ في مغن متقن: [من الكامل]
لله شادٍ لو بنغمته دعا الموتى أجابته من الأجداث
أو لو تسمَّعه الشُّيوخ لأصبحوا وهم من السَّرَّاء كالأحداث
وكأنَّه بدرٌ تكنَّف أنجمًا إذ بان بين مخانقٍ ورعاث
غنَّى فأنسانا الغريض فكان في عقد العقول تخال كالنَّفاث
فطربت حتَّى خلت أنِّي في الورى كسرى وأنَّ المشرقين تراثي
وقوله أيضًا: [من السريع]
لله ما أصبر قلبي على نوائب الدَّهر وأحداثه
وأصعب الأشياء ما نلت من شيوخه النَّوكى وأحداثه
وقوله في غلام جاء يبتغي سراجًا: [من الوافر]
أتانا يبتغي منَّا سراجًا مراجًا أشرقت منه الدَّياجي
فقلت وقد تزايد منه عجبي وتمَّ به سروري وابتهاجي
فديتك يا غريب الحسن قل لي: أيحتاج السِّراج إلى سراج
وقال أيضًا في مثله: [من الخفيف]
قال لي من أحبُّ ليلًا: ألا قم فأتنا بالسِّراج فاللَّيل داجي
/٣٨ ب/ قلت: بيت حظي تلألأ أنوارك لا حاجة له وسراج
وقال أيضًا: [من الوافر]
إذا مسك الذَّوائب حلَّ يومًا على كافور جسمٍ علَّ راحا
توهَّمناه ليل الهجر غطَّى صباح الوصل حتَّى لا صباحا
وقال أيضًا: [من الطويل]
[ ٤ / ٥٤ ]
وكنت إذا هبَّت نسيم بلادكم وغنَّى على الأيك الحمام وناحا
ركبت إليكم مركب الشَّوق إذ غدت دموعي بحارًا والزَّفير رياحا
وقوله: [من السريع]
مجلسنا اللَّيلة خالٍ من الأضداد حالٍ بالوجوه الصِّباح
فاطلق بميدان الهوى والصِّبا عنان طرف اللَّهو حتَّى الصَّباح
لا تحفلن فيما يقول العدا فما على ذي صبوةٍ من جناح
وقوله في غلام أسود راكب على فرس أشهب: [من الوافر]
وطرفٍ أشهب يختال تيهًا بريمٍ أسودٍ حلو المزاح
فقلت لصاحبيَّ: ألا أخبراني متى ركب الظَّلام مطا الصَّباح
/١١٧ أ/ وقوله: [من الخفيف]
هتفت بالصَّبوح قبل الصَّباح بنواحي العبّار ذات نواح
فاسقنيها حمراء بكرًا تعيد اللَّيل صبحًا من كفِّ بكرٍ رداح
وقال لأبي الحسن علي بن يوسف العطار -﵀- وكان صديقه:
[من الطويل]
أبا الحسن بن الأكرمين ومن غدا هواه بأثناء الجوانح راسخا
ومن خصَّ طبعًا بالبلاغة فانبرى بجامع ديوان التِّلاوة ناسخا
كذا أبدًا لا زال جاهك شاملًا وظلُّك ممدودًا ومجدك شامخا
فإنِّي متى أنزل ببابك أعتصم واحتلَّ طودًا باسق الفرع باذخا
واقتضى عليه الملك الأمجد أن ينظم في الروض والسواقي، فقال بديها:
[من الرجز]
أنظر إلى تلك السَّواقي إذ غدت تجري خلال روض ناديها النَّدي
كأنَّها صوارمٌ من فضَّةٍ قد جرِّدت من قرب الزَّبرجد
وجنَّةٌ قد فرشت أرجاؤها بسندسٍ مقضَّبٍ معمَّد
[ ٤ / ٥٥ ]
قد رقمت كفُّ النَّسيم بردها بعندمٍ وفضَّةٍ وعسجد
/١١٧ ب/ كأنَّما قد سرقت خلائقًا من بعض أخلاق المليك الأمجد
وله في مغن: [من الطويل]
ألا بأبي شادٍ إذا جسَّ عوده وغنَّى تناسينا الغريض ومعبدا
وتحسب في فيه هزارًا مغرِّدًا إذا رجَّع التَّغريد فينا وردَّدا
وقال: [من الكامل]
دع ذا النَّميمة لا تصاحبه وكن من كيده متخوِّفًا متعوِّذا
فمتى تسالمه تسالم عقربًا ومتى تحاربه تحارب قنفذا
وله أيضًا: [من الكامل]
يا حمص جادك من دموعي وابلٌ إن لم يجدك من السَّحاب رذاذ
فلأنت مغنًى للخلاعة والهوى رحبٌ وللصبِّ المشوق ملاذ
وقوله: [من الكامل]
لله من ينسيك لؤلؤ لفظه وجمان مبسمه قلائد نحره
قمرٌ خشيت عليه نقصًا إن بدا تمًّا فلمَّا تمَّ كان بخصره
وقال أيضًا: [من المجتث]
يا من تذلُّ به للورى نفوسٌ عزاز
/١١٨ أ/ ومن تحرَّزت منه لو ينفع الإحتراز
أجزا القطيعة بالوصل فالحياة مجاز
مسك العذار لكافور وجنتيك طراز
وقوله: [من الخفيف]
لي حبيبٌ به غنيت عن الرَّوض نضيرًا وعن تناول كاس
لحظه نرجسي وخدَّاه وردي ولماه راحي وصدغاه آسي
وله في غلامٍ إسمه حيش: [من السريع]
من مبلغٌ حيشًا بأنَّي امرؤٌ لم يصف لي في حبِّه عيش
[ ٤ / ٥٦ ]
وما لقومي إن أمت حسرةٌ فقاتلي دون الورى حيش
وقال في حجر الرجل: [من البسيط]
لمَّا عجزت ومثلي اليوم يعجز عن تقبيل راحة مغلي الحمد مرخصه
أرسلت إذ لم تكن لي حيلةٌ حجرًا ينوب عنِّي في تقبيل أخمصه
وقال: [من البسيط]
أصار قلبي لسهمي لحظه غرضًا حتَّى كأنَّ له في قتلتي غرضا
قاسٍ إذا قعدت جنّ الغرام به عن قتل من رام منه ليته نهضا
/١١٨ ب/ يظلُّ يسخط من قول المحبِّ له منك الصُّدود ومنِّي بالصُّدود رضا
وقوله في صباه: [من الكامل]
قال الطَّبيب غداة منِّي قطِّعت للعائدين علائقٌ ونياط
كيف العليل وما عراه وما به قالوا له: الإعلال والأخلاط
فأشار نحوي بالفصاد وقال: من شرط الجوى المبضاع والمشراط
واستأنف التَّسال عن يد الجوى فأجبته: الأصداغ والأقراط
فثنى أعنَّته وولَّى قائلًا: لا يستطيع شفاءه بقراط
وقال أيضًا: [من الوافر]
إذا اقتسم الخلائق كلَّ حظٍّ جعلت الحزن لي قسمًا وحظَّا
ولو وعظوا بمن أهواه حتَّى القيامة لست أسمع فيه وعظًا
حبيبٌ مقلتاه تنام عمَّن يبيت في الحبِّ يقظى
حكى بدر الدُّجى وجهًا وغصن النَّقاقدّا وريم الرَّمل لحظا
وناضر ورده بشرًا ونشرًا ولؤلؤ عقده ثغرًا ولفظا
وله أيضًا، وقد سأله غلام جميل أن /١١٩ أ/ ينظم له بيتين يكتبهما على بيضة مصوغة حمراء: [من الكامل]
لمَّا حكت بنقائها لك مبسمًا يا ذا المراشف واللُّمى الممنوع
قبَّلتها وبكيت إذ قبَّلتها من لوعةٍ فخضبتها بدموعي
وقال: [من الخفيف]
[ ٤ / ٥٧ ]
بأبي ثمَّ بي وبالمال من أصبح شغلي دون الورى وفراغي
من إذا رمت قطف تفَّاح خدَّيه حمته عقارب الأصداغ
وقال: [من الكامل]
يا صاحبيَّ استعطفاه وقبِّلا يده وأخمصه عطافه
وتلطَّفا وسلاه علَّ من الجوى تنتاش أنفسنا يدا ألطافه
قولا: محبُّك مذ تملَّكه الهوى صافاك محفوظ الوداد فصافه
أوردته بجواك مورد حتفه فتلافه بالوصل قبل تلافه
وله في غلام إسمه مصبح: [من الكامل]
أزرى بك اسمك يا مصبِّح مثل ما أزرى بذات الحسن ثوبًا أخلقا
لو وافق إسمك حسن وجهك لم تجد في الخلق إلَّا مغرمًا بك مقلقا
وقال /١١٩ ب/ وقد رأى غلامًا جميلًا لابسًا ثوبًا أحمر، فقال بديهًا:
[من الرمل]
لبس المحبوب ثوبًا أحمرًا فأرانا قمرًا في شفق
قلت: ماذا؟، قال لي وافترَّ عن مبسمٍ مثل اللآلي النَّسق:
نفضت صبغة خدِّي فوقه قلت لا بل أدمع الصَّبِّ الشَّقِّي
وقوله: [من المجتث]
عجبت من فرط عجبك ومن قساوة قلبك
ومن جميل اعتقادي بالصَّفح عن عظم ذنبك
عاقبت ظلمًا وما خفت من عقوبة دمِّك
كم قد عتبت وكم قد أعتبت خيفة عتبك
وقال في غلام جميل فوّق إليه سهمًا: [من الكامل]
يا من بأسهمه يحاول قتلتي مهلًا فمثلك من لمثلي يمهل
اقتل بسهم اللَّحظ منَّا من ترد فسهام لحظك من سهامك أقتل
وقال في غلام رمد: [من الكامل]
/١٢٠ أ/ لمَّا سللت سيوف لحظك في الورى عمدًا لقتلة كلِّ صبٍّ مغرم
[ ٤ / ٥٨ ]
وجحدت فعلتها الَّتي فعلت بنا ظلمًا ومن يعط اقتدارًا يظلم
ظهر احمرارًا في جفونك شاهدًا من بعد ما قتلت وأوَّلها دمي
وله في غلام جميل إعتمّ بعمامة: [من المتقارب]
أتاني بعمَّته من أحبُّ فأضحى رشادي لديه ضلاله
وخيِّل لي أنَّ بدر السُّعود قد ألبسته يد الحسن هاله
وقال أيضًا في غلام جميل سلّ عليه خنجرًا بطريق المجانة: [من الكامل]
قد قلت لمَّا سلَّ فينا خنجرًا ومدامعي في وجنتي سجوم
لا تشهرنَّ على المتيَّم خنجرًا فكفاه خنجر لحظك المسموم
أبني تنوخٍ إن قتلت فقاتلي بصدوده دون الورى أبراهيم
وقوله أيضًا: [من الخفيف]
عاذليَّ انظرا إلى وجنتيه واعذراني في الحبِّ أو فاعذلاني
وجنّات باللُّطف والرِّقَّة بين الأمواه والنِّيران
/١٢٠ ب/ وقال: [من الخفيف]
ركن صبري واهي يا قليل الأنداد والأشباه
يا نفورًا قد ألَّف الحسن في خدَّيه بين النِّيران والأمواه
صل محبًّا لم يثنه لحي لاح عن هوان الهوى ولا نهي ناحي
مغرمًا ما لها بغيرك يا ذا الحسن يومًا وأنت عنه لاهي
كنت حرًّا قبل الهوى غير أنِّي اليوم عبد لعبد عبد الله
وقال أيضًا: [من السريع]
يا أيُّها النَّاس اتَّقوا ربَّكم واخشوا لظًى نزَّاعةً للشَّوى
واجتنبوا الفحشاء فهي الَّتي تحلُّكم في البعث دار التَّوى
لا تقربوا المردان دون النِّسا فإنَّها فاحشةٌ تجتوى
واغتنموا موعظتي فيكم فهي لأدواء المعاصي دوا
وقال: [من المجتث]
لا عيش للمرء إلَّا بشرب كأس الحميَّا
[ ٤ / ٥٩ ]
فاشرب وحيي بها صاحبًا بها لك حيَّا
صفراء كالتِّبر لونًا أو كاليلنجوج ريَّا
/١٢١ أ/ تنبيك ريقة سعدى طعمًا ونكهة ريَّا
من كفِّ أغيد حلو الأعطاف حالي المحيَّا
بدرٌ بالشمس بالثريَّا
أقسمت لا حلت عنها وعنه ما دمت حيَّا
واعذر أخاك فقلَّما تجدي الملامة شيَّا
فقد أرى الغيَّ رشدًا بالرَّاح والرُّشد غيَّا
[٤٧٨]
عليُّ بن سنان أبو الحسن الحلبيُّ، المنعوت باللطيف السَّراج.
كان رجلًا عاميًا لم يعرف الأدب، ويحبّ معاشرة أهل العلم والفضل، وربّما جاد خاطره بشيء من الشعر لا بأس به؛ وقع إليّ كتاب من تصنيفه سمّاه: "سلوة الإنسان عن محبّة الأخوان" وضمّنه قطعًا من شعره.
وتوفى في حدود ست وستمائة. سمع أستاذ حمّاد البزاعي، ومحمد بن الدرزار الحريري، وابا فراس محمد بن أبي الفرج النحوي الحلبي، وسعيد بن عبد الله الحريري وغيرهم. ومن شعره: [من الكامل]
سفهًا لدهر ليس يصفو أمره إلَّا وكدَّر صفو ذاك المنهل
/١٢١ ب/ ولأهله فلقد بلوت عجائبًا من غدر كلِّ مماذقٍ متمحِّل
بينا تراهم في الرَّخاء معاشرًا جليت مودَّتهم لعين المجتلي
حتَّى يعود ودادهم [ذمًّا] إذا ما عاينوا بؤسًا أناخ بكلكل
وله: [من البسيط]
بؤساك يا دهر والنَّعماء واحدةٌ والنَّفع والضُّرُّ عندي فيك سيَّان
عادت صروف اللَّيالي كلَّ ذي ثقةٍ فما تخالل إلَّا كلَّ خوَّان
[ ٤ / ٦٠ ]
كم قد تأمَّلت أقوامًا فخلتهم سادات قومٍ وما هم غير سيدان
بالله أقسم لم تظفر يداي ولا إنسان عيني في الدُّنيا بإنسان
وله: [من الوافر]
نعم لا نكر للمعروف عندي تساوى النَّاس كلُّهم لديَّا
تباغض لي حبيبهم عنادًا وساء فعال محسنهم إليَّا
إذا ما قلت هذا المرتضى لي ثناه الحظُّ مسخوطًا عليَّا
وإن حاولت من ولدي انتصافًا مضى [و] الجور يتبع والديَّا
فما ذنبي لديهم ليت شعري وما أحتال فيهم يا أخيَّا
إلى الله الشِّكاية من زمانٍ أرى لا شيء فيه صار شيَّا
وله من أبيات: [من الوافر]
/١٢٢ أ/ أعاين ما أعاين من أناسٍ بلوتهم امتحانًا واختبارا
إذا ما اخترت من أبناء دهري أخا أنسٍ لعنت الإختيارا
يلازمني ويصحبني كأنِّي أصاحبه اختيارًا لا اضطرارا
أفخر الدِّين كم تغضي حياءً على من ما أرى فيه وقارا
وله: [من الطويل]
وقد رابني وجه الصَّديق وقوله فلا وجهه طلقٌ ولا قوله صدق
يئست به من كلِّ خيرٍ رجوته لعلمي أنَّ الودَّ من مثله مذق
وله: [من الطويل]
وزهَّدني في كلِّ خلٍّ صحبته تجاريب تدعوني إلى الزُّهد في النَّاس
وله: [من مجزوء الرجز]
ما أكثر الأخوان للإنسان في الفوائد
نعم وما أقلَّهم للمرء في الشَّدائد
كم صاحبٍ شرقت منه بالزُّلال البارد
[ ٤ / ٦١ ]
كان قريبًا فغدا من جملة الأباعد
وكم أخٍ لي قد رمى قلبي بسهمٍ صارد
/١٢٢ ب/ أقصدني لمَّا نوى لي عن قاصد
واحربا من معشرٍ عليَّ بالمراصد
يبدون قولًا صالحًا وراء فعلٍ فاسد
فيالها مكيدةً من أعظم المكائد
وكتب إلى بعض أصدقائه. وكان له سماع مطرب وغيره مفرطة: [من المنسرح]
إن شئت فاستر على سماعك أو إن شئت يومًا فعطِّل السترا
فإنَّ عندي من العفافة ما تحمده منظرًا ومختبرا
أمكِّن أذني من السَّماع ولا أمكَّن ألحاظ عيني المنظرا
[٤٧٩]
عليُّ بن عبد الجبار بن محمدٍ بن عليِّ بن عبد الرحمن، أبو الحسن القيروانيُّ، الكاتب المعروف بابن الزَّيات.
ولد بسوسة -مدينة بالغرب منها يسير القاصد إلى السُّوس الأقصى- ونشأ بتونس، وتأدب بها؛ ثم خرج عنها إلى الديار المصرية وبلاد الشام، ثم ألقى /١٢٣ أ/ بالموصل، ونزل المدرسة البدرية المطلّة على دجلة، واستقرّ بها مقامه إلى أن توفي بها آخر نهار يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن يوم الأربعاء داخل المدينة بمقبرة الجامع العتيق قبليَّه -تغمده الله برحمته-.
وكان رجلًا قصيرًا أسمر اللون خالطه المشيب عفيفًا مصونًا؛ له عناية بإنشاء الرسائل، وقرض الشعر. ويحفظ من الأشعار جملة وافرة، ومن أقاويل الأندلسيين؛ وله فصول من إنشائه ومكاتبات مليحة، ونظم حسن وبلاغة. وسمع كثيرًا من الحديث
[ ٤ / ٦٢ ]
النبوي.
وكان في أخلاقه زعارة، حادّ المزاج، يتعصب لأهل الغرب تعصبًا مفرطًا، صحبته بالموصل مدّة، وكتبت عنه شيئًا من شعره وشعر غيره.
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض الوزراء -واسمه يوسف- ويصف قلمه ويهنئه بعيد النحر في أثناء رسالة: [من الكامل]
أبطرفه أم ثغره أم ريقه شبَّ الهوى في القلب نار حريقه
أم ليله الغاشي صباح جبينه أم خدِّه أورى شعاع رحيقه
/١٢٣ ب/ نشوان أولع ردفه بقوامه ولع الفؤاد إذا بدا بخفوقه
يا ناظرًا بعقوقه هب ناظري سنة الكرى لمَّا سخا بعقيقه
إنسان عيني قد قضى من دمعها في بحره وارحمتا لغريقه
ومنها يصف القلم:
وبمهجتي الألمى الَّذي في كفِّه لا اثم معتدل القوام رشيقه
إذ غيثنا من سحبه ومقيلنا في ظلِّه وحياتنا من ريقه
ومنها في وصفه أيضًا:
علمٌ لدى كلِّ المكارم في يدٍ تعلو فيعلو القصد عند خفوقه
بل صيِّبٌ يهمي المنايا والمنى بأسًا وجودًا في خلال بروقه
يا مالكًا أولى فأظهر صنعه فرجًا على ضنك الزَّمان وضيقه
هنِّيت بالعيد المبارك بالغًا أملًا رجوت الله في تحقيقه
ما بين نحر عدًا وعرفٍ من ترك الشكور عرف خلوقه
أبدًا لشتَّى المكرمات مجمِّعًا ما تعجز الأيَّام عن تفريقه
ما زاد من صدق الثَّناء ليوسفٍ في الحمد بل أثنى على صدِّيقه
وأنشدني أيضًا لنفسه /١٢٤ أ/ يمدح نجم الدين أبا الفتح يوسف بن الحسين بن المجاور الدمشقي بمصر -وزير الملك العزيز عماد الدين عثمان بن يوسف بن أيوب
[ ٤ / ٦٣ ]
صاحب الديار المصرية-: [من الكامل]
منعت رقيب الحيِّ أن يترقَّبا وبدت وحشو نقابها لن يحجبا
طلعت فقلنا: الشَّمس لاحت مشرقًا وثنت فقلنا: البدر أمَّ المغربا
ماست فكان الغصن طيَّ وشاحها ورنت فخلناها تحاكي الرَّبربا
سحبت على حين الوفا أذيالها جرَّ الرِّياح ذيولهنَّ على الرُّبى
ونظرت من خلل البرود مفضضًّا لبنانها قد صيَّرته مذهبا
ورأت بياض الفجر لاح فأعرضت فرقًا وطلق مقطِّبا
أفرقت أن نمَّ الصَّباح بمفرقي وزجرت للتفريق كافور الصِّبا
لا تعتبي شيئًا ألمَّ بلمَّتي إنَّ المشيب غبار معترك الصَّبا
أصحبت وصل الهمِّ ثمَّ صدقتني فرددته همًّا به إذ أصحبا
عذبات فرعك يا سعاد لعاشقٍ لو لحن أنوار لخال الغيهبا
/١٢٤ ب/ كم قد بذلت عذابه في هجره ومنعته عذبًا برودًا أشنبا
ولَّت وقد ضحَّت فضول أزارها تيهًا يزيد المغرمين تعجُّبا
عطفت على باب الوزير غادرن قلبي بالسَّقام مقلَّبا
تشكو بنو الأيَّام لابن مجاورٍ كيما يؤِّنب منهم من أذنبا
أعني أبا الفتح الَّذي دانت له رتب الوزارة فاغربا
العالم الفطن الجواد المرتضى أكرم به من سيِّدٍ ما أخطبا
لله يوسف في صفات سميَّة لمَّا أرانا منه خلفًا مذهبا
صدَّقت يا خدن العزيز محاسنًا تبدو مخايلها لعينك خلَّبا
ودعيت نجم الدِّين لمَّا كنته وطلعت في أفق المعالي كوكبا
فأذعت دين الجود عند خموله ونسخت شرع البخل لمَّا أرهبا
بضئيل أقلامٍ جعلت مداده حدًّا يقلِّم في الخطوب المقضبا
وجررته كيما يقال مثقَّفًا وهززته كيما يقال مشطَّبا
ومن نثره من كتاب كتبه جوابًا عن كتاب وصل من أخيه من المغرب. وكان بلغه
[ ٤ / ٦٤ ]
أنَّ صاحب أفريقية أحضره /١٢٥ أ/ مجلسه فكتب إليه جواب كتابه، فكان منه:
"وكلما إطمأنت النفس بعافيته، إلى الإقامة ناداها النزوع إليه: ﴿يا أيَّتها النَّفس المطمئنَّة ارجعي﴾، وكلما أفاضت الذكرى العبرة، قال كتابه الكريم لسحاب الجنوب: ﴿يا سماء أقلعي﴾، وكلّما عاودت الملاحظة بحظه السعيد الخاطر السمع يا أذني شوقي وردت أخباره الكريمة على ألسن الواردين، ألطف من نسيم الأسحار، وأسفرت وجوه وجاهته فلا كرامة للنهار المنهار، فهيّجت ذكرى، وأوجبت حمدًا وشكرًا.
وقال بها الشوق للقلب:
﴿إنَّك لن تستطيع معي صبرًا﴾، وجددت شكر النعمة المتحدّث بها على ما وهب الله مولاي من العلوم التي كل وجوهها حسنة، وأهلَّه بها لحضور المجالس التي هي صدور لا حرجة ولا خشنة، وخصّه بالفوز منها بمعاني الفضل التي كلها عيون لا يأخذها نوم ولا سنة؛ لا برح مجدها دافعًا في صدور المواكب، وعرفها مخجلًا ما هتن السواكب، وتراب مواكبها طارفًا طرف النوائب، /١٢٥ ب/ والحديث عن جودها مع كثرته معدود من العجائب".
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
شفق الحياء بوجنتيه طلوعه ظبيٌ بجفني في الهجير ربيعه
قد حلَّ الحياء منه مواده ولشوقه لا تستقلُّ مع الزَّمان دموعه
فبحسنه ينهى ويأمر مهجتي فالعين تبصر والفؤاد يطيعه
يكرى معافى القلب من برحائه خلوًا وقلب جريحه ملسوعه
درس الخلاف فما يقول مسلمٌ منِّي وقولي كلُّه ممنوعه
أفساد وضعٍ في سؤال محبِّه أم أصله قد خالفته فروعه
[ ٤ / ٦٥ ]
تقرير فتوى الحبِّ منه معارضٌ وبنقضه نظر الهوى مقطوعه
أرهقت بين دليله ودلاله لمَّا ترجَّح في الدَّليل شروعه
الاقصاص في رأيه يا ليت شعري ما يكون صنيعه
وأنشدني أيضًا قوله: [من البسيط]
وأغيد من الشَّام ذي دعج يوسف من أذى صواحبه
أذاب قلبي ومال للتّرب جسمي من ترائبه
ما شام عن مهجتي إلَّا رمانا بنبلٍ قوس حاجبه
[٤٨٠]
/١٢٦ أ/ عليُّ بن المقرب بن منصور بن المقرب بن الحسن بن عزيز بن ضبّار بن عبد الله ابن عليِّ بن محمد بن إبراهيم بن محمدٍ، أبو عبد الله الربعيُّ البحرانيُّ العيونيَّ.
هكذا أملي عليّ نسبه من حفظه -وهو من موضع بالبحرين يقال له العيون-.
أخبرني أنّه ولد به في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وتوفي به أواخر المحرم
[ ٤ / ٦٦ ]
سنة ثلاثين وستمائة.
وكان شاعرًا مجودًا منتجعًا كثير المدح، قليل الهجاء، جيد القول متينه، قوي اللفظ رصينه. وهو أحد الشعراء الموصوفين المشاهير في عصرنا، المعروفين، أقرّ له بالحذق آية العراق من ذوي الأدب والعلم، ومذهبه في الشعر مذهب الشعراء المتقدمين في جزالة الألفاظ، وإبداع المعاني.
رحل إلى الملوك وامتدحهم فأحسن، ومدح الخلفاء الراشدين -صلوات الله عليهم-؛ الناصر لدين الله، والظاهر، والمستنصر بالله -﵀-.
شاهدته بمدينة السلام سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وأنشدني الكثير من قوله؛ ومعظم شعره يحفظه ويورده، ولم يتوقف في إيراده، ولا يجد /١٢٦ ب/ بذلك سامة ولا ضجرًا.
ومن شعره يقول من قصيدة يمدح بها مولانا الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين تاج الملوك والسلاطين ملك أمراء الشرق والغرب؛ أبا الفضائل غرس أمير المؤمنين -كبت الله أعاديه وقصم ضدّه ومناويه-: [من البسيط]
حطُّوا الرِّحال فقد أودت بها الرَّحل ما كلِّفت سيرها خيلٌ ولا إبل
هذا هو الملك بدر الدِّين خير فتًى به تعلَّق للراجي الغنى أمل
هذا الَّذي لو يباري فيض راحته فيض البحار لما أضحى بها بلل
هذا الَّذي بالنَّدى والبأس يعرفه وبالتُّقى كلُّ من يحفى وينتعل
وهي قصيدة طويلة، ولم أجد منها سوى ما ذكرته فان عثرت بباقيها الحقته في مكانه -إن شاء الله تعالى-.
وأنشدني لنفسه في التاريخ المقدم ذكره: [من البسيط]
إلى م أورد عتبًا غير مستمع وأنفق العمر بين اليأس والطَّمع
[ ٤ / ٦٧ ]
وكم أحيل على الأيَّام مغتربًا ما يحدث البدع النَّوكى من البدع
آليت أنفكُّ من حلٍّ ومرتحلٍ وأن تقول لي الآمال: خذ ودع
/١٢٧ أ/ لا صاحبتني نفسٌ لا تبلِّغني مراتب العزِّ لو في ناظر السَّبع
سيصحب الدَّهر منِّي ماجدٌ نجدٌ لو داس عرنين أنف الموت لم يرع
أأقبل النَّقص والآباء منجبةٌ والبيت في المجد ذو مرأى ومستمع
لأركبنَّ من الأهوال أعظمها هولًا وما يحفظ الرَّحمان لم يضع
ولا أكون كمن يسعى وغايته ومنتهى سعيه للريِّ والشِّبع
أيذهب العمر لا يخشى معاندتي خصمي وجاري بقربي غير منتفع
وبين جنبيَّ عزمٌ يقتضي هممًا لو ضمَّها صدر هذا الدَّهر لم يسع
فلا رعى الله أرضًا لا أكون بها سمًا لمستوكفٍ غيثًا لمنتجع
كم عاين الدَّهر منِّي صبر مكتهلٍ إذ ليس يوجد صبر العود في الجزع
وكم سقاني من كأسٍ على ظمأ أمرَّ في الطَّعم من صابٍ ومن سلع
وما رمتني بكرٌ من نوائبه إلَّا قتلت وصبري هامد الجزع
سلاه خلا عني هل صحبتهم يومًا من الدَّهر إلَّا والوفاء معي
ألقى مسئيهم بالبشر مبتسمًا حتَّى كأن لم يخن عهدًا ولم يضع
وسلهم هل وفى لي من ثقاتهم حرُّ ولم يشري في نقصي ولم يبع
ثكلتهم ثكل عينٍ ما تبطَّنها من القذى أو لثكل العضو للوجع
/١٢٧ ب/ لقد تفكَّرت في شأني وشأنهم فبان لي أنَّ ذنبي عندهم ورعي
فاه من زفراتٍ كلَّما صعدت في الصَّدر كادت تورِّي النَّار من ضلعي
يسوقها أسفٌ قد ثار من ندمٍ يربي على ندم المغبون من كسع
وليس ذاك على مالٍ نعمت به حينًا وأفناه صرف الأزلم الجذع
ولا على زلَّةٍ أخشى عواقبها والنَّاس حزبان ذو أمنٍ وذو فزع
لكن على دررٍ تزهو جواهرها في عقد كلِّ نظامٍ غير منقطع
[ ٤ / ٦٨ ]
توَّجتها معشرًا لا أبتغي عوضًا فيها وإنِّي في قومي لذو قنع
وكنت أولى بها منهم وكم مننٍ ضاعت وما فائتٌ يمضي بمرتجع
وغرَّني منهم لفظٌ خدعت به والنَّاس ما بين مخدوعٍ ومختدع
فلو يكون إلى الأصداف نسبتها لكان يلهي عن الهلع
لكنَّها الجوهر الطَّبعيُّ قد أمنت من التَّشظِّي مدى الأيَّام والطَّبع
ليبعدنِّي عنهم شكُّ ناجيةٍ وجناء عقلٍ من التَّوقيع والرقع
أو ذات قلعٍ من العيناء ما عرفت في زجرها يومًا ولا هدع
ولا رعت عند حمل الثِّقل من ضجرٍ ولا إلى هبعٍ جنَّت ولا ربع
تجري مع الرِّيح إن هونًا وإن مرحًا فنعم مطلعه من هول مطَّلع
/١٢٨ أ/ فتلك أو هذه أجلو الهموم بها إذا تطاول ليل العاجز الضَّرع
يأبى لي المجد أن أرضى بغير رضًا ورأي ماضٍ وعزمٍ غير مفترع
ما أقبح الذُّل بالحرِّ الكريم وما أسوا وأقبح منه
مالي أجمجم في صدري بلابله ومنكب الأرض ذو منأى ومتَّسع
وكلُّ أرضٍ إذا يمَّمتها وطني وكلُّ قومٍ إذا صاحبتهم شيعي
ولي من الفضل أسناه وأشرفه وهمَّةٌ جاوزت بي كلَّ مرتفع
المجد أعتق والآداب بارعة وذروة الحمد مصطافي ومرتبعي
لي النَّباهة طبعٌ قد عرفت به وكلِّ معنًى من الألفاظ مخترع
فيأسكم من رجوعي بعد منصرفي نطاف دجلة تغنيني عن الجرع
سيعرف الخاسر المغبون صفقته منَّا ومن ضيَّع البازي بالوضع
لا خير في منزلٍ يشقى الكرام به ويلحق السَّيِّد المتبوع بالتَّبع
كم قومي لا بل كم أمرتهم بحسم داء العدا فيه فلم أطع
فلم أجد بعد يأسي غير مرتحلي عنهم لهمٍّ أسلِّيه ومتدع
فإن يريعوا أرع والعقل مكتئب والرَّبع خيرٌ ومن للعمي با
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
[ ٤ / ٦٩ ]
/١٢٨ ب/ وقائلةٍ والعيس تجدح للنوى ودمع الجوى في الخدِّ قد جال جائله
عليك بصبرٍ واحتسابٍ فإنَّما يفوت الثَّنا من راح والصَّبر خاذله
ولا ترم بالأهوال نفسًا عزيزةً فذا الدَّهر قد أودى وقامت زلازله
فكم كربةٍ في غربةٍ ومنيَّةٍ بأمنيَّةٍ والرِّزق ذو العرش كافله
فقلت لها والعين شكرى بزفرةٍ أردِّدها والصَّدر جمٌ بلا بله
أبالموت مثلي ترهبين وبالنَّوى وعاجله عندي سواءٌ وآجله
فللموت أحلى من حياةٍ ببلدةٍ يرى الحرُّ فيها من لا يشاكله
[٤٨١]
عليُّ بن يوسف بن محمد بن عبد الله بن شيبان بن الحسن بن عامر بن عبيد الله، وهو من بني كنّاز بن خليد بن عبد الله بن نمير بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، أبو الحسن النميريُّ الماردينيُّ، المعروف بابن الصفار.
أخبرني أنه ولد بماردين سنة خمس وسبعين وخمسمائة ونشأ بها، وحفظ القرآن الكريم، ونظر في علم العربية، وكتب الإنشاء للملك المنصور /٣٩ أ/ ناصر الدين أرتق بن ألبي بن أيلغازي بن ألبي بن أرتق -صاحب ديار بكر- ثم عزل عن الكتابة، وتولّى الإشراف بديوان دنيسر ثماني عشرة سنة.
وهو شاعر في فنه بارع، نجمه في سماء الشعر طالع، له المعاني الغريبة،
[ ٤ / ٧٠ ]
والألفاظ العجيبة، يذهب في شعره مذهب أهل الصناعة، ويترامى إلى نوع البديع كثيرًا، قل ما خلا له بيت شعر من ذلك.
صار إلى مدية إربل في أواخر شهر ذي الحجة سنة سبع وعشرين ستمائة مرتزقًا، فصادفته بها، بمجلس الصاحب الوزير أبي البركات المستوفي -﵀- فأنشدني لنفسه فيه، يمدحه من أبيات: [من الكامل]
وعصابةٍ قصروا عليك ثناءهم حتَّى فلوا بمديحك الفلوات
قالوا: أمامك محسنٌ أبوابه مأوى النَّدى ومظنَّة الحسنات
فانزل بإربل تلقه بفنائها شرفًا منيعًا عالي الدَّرجات
وإذا السَّرار رمى بدورك في الغنى بالمحق فاسر إلى أبي البركات
تجد امرأ ما غيَّرت أخلاقه غير الزَّمان وشدَّة الأزمات
فأتيت نحوك لائذ الأوطان ولا يثني الهوى عزماتي
/٣٩ ب/ وأنشدني لنفسه يمدح الملك المنصور -صاحب ماردين- من قصيدة:
[من البسيط]
ما ضرَّ طيفك أن لو زار إلماما وأين منِّي كرًى أقضيه أحلاما
لا مضجعي قرَّ من بعد البعاد ولا طرفي الَّذي كنت أشكو نومه ناما
ما بتُّ إلَّا وهاج السُّقم عندي أوجاعًا وزاد عليَّ البين آلاما
وساحر الطَّرف ما لي فيه من سحرٍ كالرِّيم نال من العشَّاق ما راما
أجبته وهو لا يدري فدام لنا طيب الحياة وصفو العيش ما داما
كنَّا نبيت نشاوى من مدام هوى عذراء لم تفترع كأسًا ولا جاما
ونجتني الورد حتَّى لان مسمعه للنَّاس فازددت من واشيه نمَّاما
قم ننتهز فرص الدُّنيا ولذَّتها حينًا ونرغم صرف الدَّهر إرغاما
أما ترى الرَّوض نسَّاجًا ملاءته على الثَّرى وغمام المزن رقَّاما
إذا تناثر سلك الطَّل كان له في مثله من أصول الدَّوح نظَّاما
خمرًا ألمَّت بخمري البنفسج في آسيِّه يدسارٍ هبَّ نسَّاما
ففتَّقته جيوبًا حين صار له وصف اللَّطائم لمَّا انشقَّ أكماما
وأصبح النَّرجس البرِّيُّ يعجب من نيلوفرٍ شقَّ بحر الماء عوَّاما
[ ٤ / ٧١ ]
/٤٠ أ/ كأنَّما غلط الأيَّام خوَّله نعمى أو الملك المنصور إنعاما
وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط]
ألمَّ بي طيفكم وهنًا فحيَّاني وظنَّ أنَّ الكرى من بعض سلواني
ولم أنم غير أنِّي نمت من كلفي بكم فلمَّا ألمَّ الطَّيف أحياني
بنتم فجاب ثموديُّ الحداة بكم من قلبي الصَّخر بالوادي فأبكاني
لكن عجبت وراء الرَّكب كيف نجا من عارضٍ ممطرٍ فيها لأجفاني
إذا عدمت إصطباري عنك أول يومٍ غبت فيه فكيف الحال في الثَّاني
واحرَّ قلباه من نارٍ تشبُّ به وآه من طرفي الجاني بل الجاني
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
تعلَّقته أمِّيَّ حسن فماله أتى بكتاب ضمنه سورة النَّمل
ومالي أنا المجنون فيه وشعره إذا مرَّ بالكُّثبان خطَّ على الرَّمل
وأنشدني قوله: [من السريع]
أمن هلالٍ أنت يا وجهه البادي بهذا المنظر المقمر
وجهٌ من الرُّوم ولكن له في الخدِّ خالٌ من بني العنبر
بعني بأعلى ثمنٍ نظرةً أحيا بها يا طلعة المشتري
/٤٠ ب/ وأنشدني له من قصيدة: [من البسيط]
كأنَّما مقلتي لمَّا بكيت دمًا جراحةٌ فيَّ منها الجسم مجهود
أسوتها بابتسام الثَّغر فامتلأت ملحًا ممِّضًّا به للوجد تجديد
كحلت بالحسن أجفاني فما اغتمضت ومرَّد الحسن في الأجفان تسهيد
يا جائرًا قبله لم ألف من غصنٍ مهفهفٍ لبُّه المنحوت جلمود
شكواي من جفنك الصَّاحي الذَّبول وإن تنكر فناظرك السَّكران عربيد
ومنها قوله:
[ ٤ / ٧٢ ]
ولائمٍ في هواكم ربَّما شهد البلوى وكم لي يومٌ فيه مشهود
لسائل الدَّمع نهرٌ منه مطَّردٌ من أجله النَّوم عن جفنيَّ مطرود
وأنشدني لنفسه من قصيدة يصف فيها الخمر: [من الكامل]
حمراء لا تدري من العنب الَّذي عرفت به عصرت أم العنَّاب
شجَّت فسال لها دمٌّ خضبت به الأيدي فنابت عن ذبيح أناب
حتَّى إذا بزل الكؤوس خليطها طربت له زبداتها بقباب
وأنشدني لنفسه من قصيدة: [من البسيط]
/٤١ أ/ حتَّى إذا اخضرَّ من ماء الشَّباب عذاره كما احمرَّ خدَّاه من الخجل
خافت زمرُّد خطِّيه ذؤابته فاستخبأت خلفه فهي
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الكامل]
ردَّت يداه إلى ذؤابته صدغيه لمَّا أمكن الرَّدُّ
فإذا أساوره ثلاثتها فردٌ وكلُّ ثلاثةٍ فرد
وأنشدني لنفسه في قصر النهار، وهو بديع لم يسمع بمثله: [من المتقارب]
ويومٍ حواشيه ملمومةٌ علينا تحاذر أن تفرجا
قنصت غزالته والتفتُّ أريد اختها فاحتمت بالدُّجى
وأنشدني له من قصيدة: [من الكامل]
وإذا مررت على السُّويقة حيث طلَّ دمي وحيث أصيب منِّي المقتل
فخذ الأمان من الحسان فسهمهنَّ منصلٌ ووشيجهنَّ مؤلَّل
وإذا رأيت هناك أسمر مشرعًا سله متى ابتدع السِّنان الأكحل
ومنها:
كالبدر إلّا أنَّه بقوامه وبناظريه وحاجبيه مكمَّل
[ ٤ / ٧٣ ]
/٤١ ب/ والغصن إلَّا أنَّه نضَّارةٌ من أجلها ذبل الرِّماح الذَّبل
ومنها في المديح:
لا تخش من عين الكمال فما انتهت بك آيةٌ إلَّا ونفسك أفضل
وإذا بلغت ولا تزال زيادةً لك في العلا فمتى تتمُّ وتكمل
وأنشدني من قصيدة: [من الكامل]
نازعتها خصر كميته حالٍ بسمطي ثغرها مقلود
وهممت فاستعصى وفيه رقَّةٌ عتق ومنه النَّار وهو برود
وأنشدني أيضًا من أخرى: [من الكامل]
قلبٌ يذوب جوًى فيقطر ذوبه من مقلتي العبرى نجيعًا محرقا
وخيال جسمٍ فيه نفس بعوضةٍ كادت تطير به إليك تشوُّقا
ومنها:
وعجبت لمَّا اناد غصن قوامه فرأيت أعدل ما رأيت وأرشقا
كيف انثنى تحت النَّسيم وما انثنى عن عزمه في شملنا فتفرَّقا
وأنشدني لنفسه: [من الكامل]
وغريرةٍ سكرى اللَّواحظ كلَّما فترت تنشِّط لوعتي أجفانها
/٤٢ أ/ وإذا دنت فأصاب قلبي طرفها غضَّت فأخطأ مهجتي سلوانها
وأنشدني لنفسه، يصف الفهد: [من الطويل]
ومتَّصفٍ بالفتك عند اكتسابه على ظفره أثر الدَّماء ونابه
كأنَّ مهاة الفلك لمَّا انتهى به مداه إلى سرب المها وانتهى به
رمته بشهب الجوِّ خوف انتقامه فأطفأها في عسجدٍ من إهابه
وأنشدني لنفسه مبدأ قصيدة: [من المنسرح]
أما وجفنيك إنَّه قسم ما دار لي بالسُّلوِّ عنك فم
[ ٤ / ٧٤ ]
ولا طواني البعاد إلَّا على نار أسًى في الفؤاد تضطرم
سرُّ المحبِّين لا يكاد إذا امتحنته الصُّدود ينكتم
يجفونه والضَّنى ينمُّ به والحبُّ ممّا يذيعه السَّقم
فهل لمن ظلَّ في هواك إلى وصلك نهجٌ يبين أو لقم
أم هل لنا عودةٌ بشعب الثَّنيَّات وشعب السعادة ملتئم
وعقد شملي الشَّتيت شتيت الثَّغر فوق العقيق منتظم
ما أنا بالبدع في الغرام ولا أوَّل خلقٍ أضلَّه صنم
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]
/٤٢ ب/ إذّا هبَّ النَّسيم بطيب نشرٍ طربت وقلت: إيهٍ يا رسول
سوى أنِّي أغار لأنَّ فيه شذاك وأنَّه مثلي عليل
وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط]
يا أيَّها الرَّشأ المكحول ناظره عيني من نارٍ بأحشائي
فرط انغماسك في التَّيَّار حقَّق أنَّ الشَّمس تغرب في عينٍ من الماء
وأنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
يد ابن خميسٍ في الحرام طويلةٌ فلا سلمت طولًا ولا وصلت قصرا
يدٌ مثل حرف الشَّرط خفَّت فلم تجز على جملةٍ إلَّا اقتضت جملةً أخرى
[٤٨٢]
/٤٢ ب/ عليُّ بن يوسف بن محمَّد بن يوسف بن أحمد بن الحسن، أبو الحسن بن أبي الحجّاج الموصليُّ، المعروف بابن العطّار.
أصله من مدينة النبي -ﷺ- وهو من أولاد محمد بن أبي بكر الصديق -﵁-.
[ ٤ / ٧٥ ]
سألته عن ولادته، فقال: ولدت في أوائل المحرم سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة بالموصل -أطال الله له البقاء- سمع شيئًا /٤٣ أ/ من الحديث على القاضي أبي إسحق إبراهيم بن نصر بن عسكر قاضي السلامية، وأبي عبد الله الحسين بن عمر بن باز الموصلي، وأبي إسحق إبراهيم بن المظفر البرني الواعظ. ولّاه المولى الملك الرحيم بدر الدين أبو الفضائل -ثبت الله دولته- على الزكاة وحفظ بيت المال، لما رآه من عقلاء الرجال، عفيفًا عن الأموال.
وهو من رؤساء الموصل المعتبرين، وكبرائها المشهورين، عديم المثل، غزير العقل، من ذوي الأحوال، مشهور بمحاسن الفعال. أحسن الناس خلقًا، وأكرمهم حلقًا، محبوب إلى أهل مصره، أحمع الناس على مدحه وشكره، يجمع كيسًا ولطفًا وبشاشة وظرفًا، ذو معروف وسخاء، وطلاوة وحياء، وديانة ظاهرة، ومروءة وافرة، لم يتعرض بسوء لأحد في حال ولايته. وذلك لكمال عقله ونزاهته، يحبّ أهل الخير والصلاح، وذوي الفضل. وله شعر حسن النمط، خالٍ من السقط، كثير العيون، مصقول المتون.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الرحيم بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين ملك أمراء الشرق /٤٣ ب/ والغرب، شرف الملوك تاج السلاطين، بهلوان جهان مرزبان العراق طغرلتكين بلكا أتابك أبا الفضائل غرس أمير المؤمنين -أدام الله دولته وبلغه أمنيته-: [من الخفيف]
كم أناوى في حبِّكم وأعادى وضلالي فيكم أراه رشادا
سادتي كارهًا تخلَّفت عنكم لا لأنِّي أخلفتكم ميعادا
ما صفا لي من بعد بعدكم العيـ ـش فمن لي يردُّ ما لن يعادا
برَّح الشَّوق بي إليكم وصبري قلَّ عنكم لكن غرامي زادا
أترى العاشقون قبلي لاقوا في الهوى ما لقيت إلَّا كبادا
أم تفرَّدت دونهم بزفيرٍ دبَّ في أضلعي وشبَّ اتِّقادا
[ ٤ / ٧٦ ]
يا حبيبًا جفا فأورث قلبي نار وجدٍ وجفن عيني سهادا
أنت منِّي حللت في أسود القلب ومن مقلتي عدلت السَّوادا
ما بحظِّي إلى الحضيض أراه منك يهوي لتشمت الحسَّادا
ما من يصفيك ودًّا وحبًّا ويفدِّيك أن يثاب بعادا
لا تكن جائرًا عليه من الدَّهر الَّذي لم ينل كريمًا مرادا
يضع الفاضلين ظلمًا ولؤمًا دائمًا ثمَّ يرفع الأوغادا
/٤٤ أ/ رمت من صرفه السَّلامة لمَّا لم أجد مغنمًا فزاد عنادا
فطلبت الفرار منه إلى ظلِّ مليكٍ فاق الملوك وسادا
فوجدت البرَّ الرَّؤوف الرَّحيم العالم العامل الحليم الجوادا
ملجأ القاصدين كهف المساكين ومن عفوه النُّفوس أفادا
والَّذي الموت والحياة لديه فهو أحيا سلمًا وحربًا أبادا
جلَّ عن أن مالا يداه ملكٌ كلَّما تلفَّظ جادا
لا يرى بذله الدَّنانير جودًا إذ سواه يميحها القصَّادا
فإذا جادت الملوك بتبرٍ شرفت نفسه وأعطى بلادا
ناده يا أبا الفضائل عند الكرب والهمِّ تلف خير منادى
يغني الفقر يكشف الضُّرَّ يحمي الجار بالسَّيف يهلك الأندادا
جوده وابلٌ أصاب جميع الخلق والعدل منه عمَّ العبادا
يا مليكًا يسرُّ كلَّ ودودٍ فعله حين يرغم الأضدادا
أنت روحٌ حللت في كلِّ ذا العالم إذ أصبحوا لك الأجسادا
قد كفاني إنشاد مدحك فخرًا لي يا من أسَّ الممالك شادا
وخطيبٌ أثنى عليك كفاه شرفًا ذاك إذ رقى الأعوادا
/٤٤ ب/ بك مولاي حين هنَّوك بالعيد أهنِّي الزَّمان والأعيادا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الخفيف]
لا أرى البرَّ في البريَّة إلَّا من لهم برَّ بالعطا والصِّلات
لا الَّذي الذي صام في الهجير وأمسى قائمًا ليله مقيم الصَّلاة
وأنشدني لنفسه أيضًا من قصيدة أولها: [من الخفيف]
[ ٤ / ٧٧ ]
يا خليليَّ بالفلا خلِّياها تقطع البيد في الدُّجى بخطاها
شمِّراها فإنَّها قد براها بالفيافي الجوى وجذب براها
واستقلَّا على ظهور مطيٍّ قد حناها حنينها ووجاها
لاتني في مسيرها وهي أهدى في الظَّلام البهيم ممَّن حداها
غنِّياها بذكر من صرع العشق وأودى الهوى ولا تزجراها
فلها حرمةٌ على كلِّ صبٍّ روَّحته بي راحةٌ بعناها
[٤٨٣]
عليُّ بن المعافى بن إسماعيل بن الحسين بن الحسن بن أبي الفتح بن أبي السنان، أبو الحسن بن أبي محمدٍ الموصليُّ.
أخبرني أنّه ولد ليلة الخميس الرابع والعشرين /٤٥ أ/ من شوال سنة خمسٍ وتسعين وخمسمائة. حفظ القرآن العزيز، وسمع الحديث على جدِّه لأمّه أبي محمد عبد الله بن الحسن. وتفقه على مذهب الإمام الشافعي -﵁- وأتقنه فهمًا. وصار بالمدرسة القاهرية معيد درس القاضي أبي الفضل عبد الكريم بن محمد بن مهاجر الموصلي. وتولّى تدريس بعض المدارس بالموصل.
وهو مفتي البلد في وقته، وإليه يرجع في الفتاوي، وبقوله يأخذ الناس؛ وهو فقيه عالم مناظر فاضل له معرفة بالتفسير.
أنشدني لنفسه يرثي والده: [من الرمل]
خلِّ ذكراك لمن للعهد وافى واذكر الحبر المسمَّى بالمعافى
واندب العلم وأهليه به وكذا الزُّهد ومن لله صافى
بشرٌ يجمع من هيبته كلَّ شيطانٍ ولو ألقى مسافا
لم يزل يشكر مولاه على كلِّ حالٍ منه حتَّى الموت وافى
[ ٤ / ٧٨ ]
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الكامل]
يا ليلةً سمح الزَّمان بها فأعقبني ندامه
ما أحسن الدُّنيا إذا كانت أواخرها سلامه
/٤٥ ب/ وأنشدني أيضًا قوله: [من المتقارب]
حسدت البنفسج إذ حلَّ في أنامل كفِّ إمام الورى
وقرَّب منه خياشيمه وأوما إليه بعين الرِّضا
[٤٨٤]
عليُّ بن محمّد بن صدقة بن سبتي بن هارون بن سليط بن رافعٍ، أبو الحسن بن أبي الحسن الخفاجيُّ البغداديُّ.
كان والده من شعراء الديوان الناصري، وولده هذا أبو الحسن شاعر متأدب، حافظ للقرآن العزيز، فصيح المنطق، عذب الإنشاد والقراءة، حسن الصوت، ففيه حنفي، عارف بالخلاف. تولّى الإعادة بالمدرسة المستنصرية لدروس أقضى القضاة عبد الرحمن ابن إسماعيل بن عبد الرحمن اللامغاني، مدح الناصر والظاهر والمستنصر بالله أمير المؤمنين -صلوات الله عليهم-.
أنشدني لنفسه ببغداد من قصيدة طويلة، يمدح بها الظاهر بأمر الله أبا نصر محمد -رضوان الله عليه- حين تقلّد الخلافة، وبايعة الناس: [من الطويل]
/٤٦ أ/ جزعت فهل يوم النَّوى أنت جازع وفاضت الدُّموع الهوامع
أحاول أن أستمسك الدَّمع بعدما عفا الجزع من وادي النَّقا فالأجارع
مرابع إلف الحيِّ لا زال يغتدي عليهنَّ من نوء السِّماك مرابع
أراجعةٌ تلك اللَّيالي حميدةً عليَّ وهل ماضٍ من العيش راجع
ومن ذا الَّذي يسترجع اليوم أمسه فقد منعت من ردِّ أمس موانع
ومن كفتًى أمسى غريبًا ببلدةٍ تعاوده أحزانه وتفاجع
وحيدًا تحامته الأقارب جفوةً وضاقت عليه في البلاد المطالع
إذا هجعت عين الخليَّ ترادفت عليه الهموم فهو يقظان هاجع
يراقب نجم الصُّبح واللَّيل جانحٌ ويرقب نجم اللَّيل والصُّبح طالع
[ ٤ / ٧٩ ]
وما ذاك من عشقٍ ولا من صبابةٍ بلى راعني من فقد أهلي رائع
ومنها:
مضى في طلاب العزِّ شرخ شبيبتي ولا عذر للعلياء والشَّيب وازع
فكم من حريصٍ مقترٍ وهو ناصبٌ ومن عاجزٍ نال الغنى وهو وادع
وقد يحمل الضَّيم الفتى وهو قادرٌ على كسب مالٍ وهو بالدُّون قانع
أيعجب من نظم القريض معاندٌ ويعلم حقًّا أنَّني فيه ضائع
/٤٦ ب/ ويسعد بالأشعار منتحلٌ لها ويشقى بها من قالها وهو بارع
ومن مديحها:
إمامٌ هو الحقُّ الَّذي يهتدى به وطائعه في الأمر لله طائع
إمامٌ حكى العبَّاس من كلِّ وجهةٍ وفي وجهه نور النُّبوَّة ساطع
به انصرفت عنَّا صروف زماننا وجانبنا أحداثه والوقائع
أمنَّا به الدَّهر الخؤون فلم تعد تفاجعنا فيه الخطوب الفواجع
تحلَّت به دار السَّلام وفتَّحت مدارسها وربطها والجوامع
وردَّت لأرباب الوقوف وقوفهم فألبس عريانٌ وأشبع جائع
ولولا أمير المؤمنين لهدِّمت مساجد ذكرٍ للهدى وجوامع
ظهرت إلينا والعيون نواظرٌ إليك وقد أومت إليك الأصابع
ذكرنا برؤياك النَّبيَّ فأصبحت مسائلنا مبرورةً والذَّرائع
وأنشدني لنفسه من أخرى: [من الكامل]
أمعنِّفي ذاك الغزال الأحورا قد ساء فعلًا حين أحسن منظرا
أشكو إليه فيشتكي رقباؤه ظلمًا ليهجر عاشقًا لن يهجرا
يا راقدًا ليل التَّفرق لا تنم وغرام قلبك مؤذنٌ أن تسهرا
/٤٧ أ/ فانهض لصفو العيش في زمن الصِّبا قبل المشيب وقبل أن تتكدَّرا
واشرب على ورد الغصون مقبِّلًا بإزائه ورد الخدود الأحمرا
من كفِّ مخضوب البنان تظنُّه أنثى وقد شقَّ القلوب مذكَّرا
فتروَّ من هذا الزَّمان فإنَّه زمنٌ غدا بالعدل أزهى أزهرا
[ ٤ / ٨٠ ]
بعلا أمير المؤمنين محمَّدٍ قامت حدود الله وانتصف الورى
وقال أيضًا وأنشدنيه: [من الخفيف]
يا خليليَّ بالوفاء دعاني لأجيب الغرام حين دعاني
رحلوا بكرةً فأصبحت أبكيهم بعينٍ كثيرة الهملان
واستقلُّوا بظعنهم فاستقلَّ القلب في إثرهم مع الأظعان
وغزالٍ ثنى القلوب تثنِّيه إليه وما له من ثاني
قد ألفت الهوان فيه ولولا فرط حبِّيه ما هويت هواني
لاح في ربرب فمهَّد عذري كلُّ من كان في هواه لحاني
فعسى الله أن يتيح بوصلٍ ولعلَّ الإلفين يجتمعان
[٤٨٥]
/٤٧ ب/ عليُّ بن سالم بن اسماعيل بن المبارك بن غدير بن المجلّى، أبو الحسن الكاتب النحويُّ الفاضل الأديب الموصليُّ.
أخبرني أنه ولد في شهر ربيع الأول سنة تسعين وخمسمائة. أصله من تليعفر، من محلّة من محالها تسمى "بني عوف". ثم قال: وسمعت فيهم يرفعون في نسبتهم إلى الآباء المشهورين، فرأيتهم يرجعون إلى ربيعة الفرس، وهو المنشئ يومنا هذا بالديوان السلطاني.
قرأ أولًا الكتاب العزيز حتى حفظه حفظًا جيدًا، ودرس صدورًا متوفرًا من فقه الإمام الشافعي -﵁- ولازم الشيخ أبا حفص عمر بن أحمد النحوي،
[ ٤ / ٨١ ]
واختلف عليه مدّة متطاولة، يقرأ عليه نحوًا ولغة وأشعارًا عربية وغير ذلك من الفنون الأدبية، وتمهَّر على أبناء زمانه، وناظر وبحث مع العلماء، واستجاد كلامه الفضلاء.
وكان يكتب الإنشاء لبعض الأمراء بالموصل، ثم ترقت به الحال إلى أن جذبه بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله إلى ديوان المكاتبات. وكان رأس الكتّاب به، وتنبّه له الجدّ الراقد؛ فلما كملت آدابه نجم فضله وشهابه، جذبه المولى الملك /٤٨ أ/ الرحيم إلى خدمته، وأفاض عليه من جلابيب نعمته، وألقى شعاع سعادته عليه، وصار أقرب العالم إليه، وأوفرهم حظًّا لديه، وجعله منشيء دولته القاهرة، وجليس حضرته الزاهرة. وأنفذ رسولًا إلى عدّة جهات، وصار ذا نعمة واسعة، وثروة وافرة.
أنشدني لنفسه يمدح المولى المالك الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، شرف الملوك والسلاطين أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين -خلد الله دولته-: [من الطويل]
لك الله فأمر وانه فيما تريده فصرف اللَّيالي عن جنابك مصروف
محلُّك مصرٌ أنت فينا خصيبه ودجلةٌ نيلٌ والحمى دونه الرِّيف
لقد لمحت بالنَّدى كأنَّك بالإحسان في النَّاس مشعوف
فكلُّ ملوك الأرض عندك سوقةٌ وكلُّ شريفٍ عند فضلك مشروف
ولي كلَّ يومٍ منك نعمى جديدةٌ ولي كلَّ عامٍ من نوالك تشريف
وأنشدني أيضًا من قيله: [من الطويل]
أرى كلَّ مشتاقٍ إذا أدرك المنى وشاهد من يهواه قلَّ به الوجد
فسلَّمت من بعدٍ عليك صبابةً وفرط الجوى بادٍ وما ضرَّنا البعد
/٤٨ ب/ وإنِّي لأستحيي العلا أن تقول لي: أمالك من ربِّ العلا والنَّدى عهد
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
ما إن ذكرتك والذِّكرى مولِّهةٌ أستغفر الله إلَّا قلت واأسفا
وما تمثَّلت في قلبي وفي بصري إلَّا هفا ذاك من شوقٍ وذا وكفا
[ ٤ / ٨٢ ]
لله أيَّامنا والدَّار جامعةٌ حسبي التذكُّر من وجدٍ به وكفى
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
إذا نحن خلَّفنا الجبال وراءنا وأفضى بنا السَّير الحثيث إلى الفضا
فلا تحبسا عزم الجياد عن السُّرى فإنِّي إلى الحدباء أمضى من
إذا ذكرت تهفو بقلبي صبابةٌ إليها فما نجدٌ وما ساكنٌ الغضا
وما هي إلَّا حجَّةٌ كتبت لنا مضى حكمها فينا وشكرك ما مضى
وزال الرَّجا لمَّا رأيتك سالمًا وكلُّ الَّذي يرضيك منَّا هو الرِّضا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
يا من تشرَّفت الدُّنيا بدولته وحدَّثت عن نداه العجم والعرب
هب لي من العيش ما أرجو اللِّقاء به فليس يحلو بقلبي غير ما تهب
أفدى الأحبَّة يوم البين إذ حسبوا أيَّام بعدي فجاءت ضعف ما حسبوا
/٤٩ أ/ لا تحسبوا أنَّني أهوى الحياة إذا ما غبت عنَّا ولا في العيش لي أرب
وإن تجمَّلت حتَّى قيل ففي ضميري نار الشَّوق تلتهب
أرجو النَّجاح لآمال وطلعتها كالشَّمس في الغيم تبدو ثمَّ تحتجب
عسى الَّذي قدَّر الأسباب يعقبها أسباب قربٍ لديكم ليس تنقضب
حسبي رضاكم فلا أبغي به بدلًا وما أبالي بأهل الأرض إن غضبوا
[٤٨٦]
عليُّ بن إسماعيل بن يحيى بن أحمد بن مكابر بن الحسين، أبو الحسن بن أبي محمدٍ العنزيُّ النيليُّ.
شاعر ابن شاعر، وقد تقدَّم شعر والده.
أخبرني أنّه ولد بالنيل يوم الأربعاء بين صلاتي الظهر والعصر، وهو اليوم الخامس عشر من ربيع الآخر سنة ثماني وثمانين وخمسمائة.
سافر إلى بلاد الشام سنة سبع وستمائة، وأقام بها سنتين. ثم رجع سنة إحدى
[ ٤ / ٨٣ ]
وعشرين وستمائة إلى وطنه، وعادت سفرته إلى الشام تترى، فسار إليها غير مرّة، واتصل بخدمة أبي الكرم محمد بن علي بن مهاجر، فرفع من قدره ما كان خاملًا، ونفق جوهره /٤٩ ب/ بأعراض برّه وفضله، وله فيه مدحاتٌ كثيرة، وهو صاحب لسانٍ ومعرفة، وفضلٍ حسن.
أنشدني قوله في أبي الكرم محمد بن علي بن مهاجر الموصلي من قصيدة أوّلها:
[من الكامل]
أسقيمة الأجفان عن سقمي سلي فعسى يعاود قلبك الإيناس لي
وتجمَّلي في أمر صبٍّ مدنفٍ لا خير إلّا في الحبيب المجمل
ما بال طيفك كلَّما لا ينته أبدى إليَّ قساوة المتدلِّل
ذلِّي لذلك يا أميمة ظاهرٌ فمتى يرقُّ مدلَّلٌ لمذلَّل
يا ضرَّة القمرين رفقًا بالَّذي يهواك والبين المبرِّح قد بلي
لم يكفه بعد الدِّيار وفرقةٌ تركته حلف تقلقلٍ وتململ
حتَّى اغتدى ما بين أقوامٍ إذا أبدى سلام تودُّدٍ لم يقبل
حيران من ألم الصُّدود فسمعه لسوى نداء صبابةٍ لم يعقل
ومن مديحها يقول:
لله سرٌّ فيك لاهوتيُّه كالشَّمس لا تخفى على المتأمِّل
علمٌ كمندفع الأتيِّ ومقولٌ ينسي فصاحته بلاغة جرول
فاسلم نكن بك مدركين ماربًا لسوى عفاتك وفرها لم يحفل
[٤٨٧]
/٥٠ أ/ عليُّ بن الحسن بن عليِّ بن سليمان بن محمّد بن عثمان، أبو الحسن، الموصليُّ المولد والمنشأ، الأوانيُّ أبًا وأصلًا.
كان قد لقي جماعة بالموصل من أهل العلم والأدب، ويحفظ شيئًا من الأشعار والحكايات، ونظم شعرًا مدح به الناس.
[ ٤ / ٨٤ ]
صحبته مدّة بالموصل إلى أن مات بها -رحمه الله تعالى- ليلة الجمعة لخمس مضين من جمادى الأولى سنة إثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني لنفسه طويلة يمدح بها السلطان الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي، حين أخذ الفرنج دمياط -خذلهم الله تعالى-: [من البسيط]
سل عنه وقعة دمياط الَّتي بهرت وصف العباد فيا لله للعجب!
والشِّرك قد ملأ الأقطار ليس لهم همٌّ سوى محو هذا الدِّين من أرب
كانوا كشيعة فرعون الَّذين طغوا بالسِّحر واتَّبعوا ما خطَّ في الكتب
باتوا يقولون نحن الغالبون وما دروا بأنَّ لهم موسى على الطَّلب
/٥٠ ب/ ألقيت فيهم عصا نصرٍ فما برحت بهم تلقَّف ما كادوا من الكذب
فاستصرخوا بك من خوف البوار وقد دعت حماتهم بالويل والحرب
لولاك شطَّت عرى الإسلام وانقطعت سبل الهدى وارجحنَّ الكفر باللَّعب
نصرت دين نبيٍّ لو تعاصره لقيل: إنَّك يا مولى الأنام نبي
وأنشدني لنفسه يضمن بيت الباخرزي: [من البسيط]
يا فالق الصُّبح من لألاء غرَّته
يا صاحبي اسعداني في هوى رشأٍ لمَّا عنيت به أهدى إليَّ عنا
ريمٍ من الرُّوم لولا نبت عارضه المسكيِّ ما عارض المشتاق فيه ضنى
برى له الله لحظًا حين إليه ينفث سحرًا يورث الفتنا
ولا جنيت بلحظ العين من كلفٍ وردًا بوجنته إلَّا عليَّ جنى
كم قلت لمَّا انثنى كالبدر مبتدرًا أمري وعزم سلوِّي عن هواه ثنى
يا فالق الصُّبح من لألاء غرته وجاعل اللَّيل من أصداغه سكنا
أنت العليم بحالي في محبَّته ما كان ذاك لفحشاءٍ ولا لخنا
وأنشدني لنفسه يمدح الملك الأشرف: [من المتقارب]
إذا قيل من في رقاب العباد اطراق أطواقها
/٥١ أ/ ومن يقنص الصَّيد في مأزقٍ إذا أبدت الحرب عن ساقها
[ ٤ / ٨٥ ]
ومن ينحر الكوم أنَّى تخبُّ ليالي الشِّتاء بطرَّاقها
وإن فخرت عصبةٌ بالسَّماح إليك نمَّت بأعراقها
أشارت إليك عيون الورى كأنَّك نورٌ لأحداقها
وأضحى صنيعك في العالمين كشمس الضُّحى عند إشراقها
إلى الملك الأشرف المرتجى تخبُّ الرِّكاب بسوَّاقها
كأنَّ ابن أيُّوب بين العباد إليه مقاليد أرزاقها
[٤٨٨]
عليُّ بن الحسن بن موهوب بن موسى بن محمّدٍ، أبو الهيجاء بن أبي عليٍّ الإربليُّ النحويُّ.
أخبرني أنّه ولد بقلعة إربل في صفر سنة خمس وثمانين وخمسمائة. وحفظ القرآن المجيد وعمره اثنتا عشرة سنة على أبي الثناء محمود بن الحسن بن الأرملة النحوي. وأخذ علم النحو عن أبي محمد القاسم بن أحمد بن الموفق المريّ الأمويّ النحوي، وأبي الحسن يحيى بن معطي بن عبد النور الروادي، وأبي بكر المالقيّ، وأبي البقاء يعيش بن عليّ /٥١ ب/ بن يعيش الحلبيّ، وأبي عبد الله محمد بن أبي الوفاء بن القبيصي، وأبي حفص عمر بن أحمد بن أبي بكر العسفى الموصلي النحوي، ومحمود بن الحسن بن الأرملة النحوي.
وقرأ على الصاحب أبي البركات كتبًا أدبية؛ الخطب النباتية، والمقامات الحريرية، وشرح أبيات المفصل من تصنيفه، وشرح الدريدية لأبي البركات النحوي الأنباري، وغيرهم من الفضلاء النحاة. وهو جيد المعرفة في علم الإعراب ومسائله.
أنشدني لنفسه يمدح الوزير الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي -﵀-: [من مجزوء الكامل]
وقوامك اللَّدن الرَّشيق ورضابك العذب الرَّحيق
وفتور عينيك المراض وخدِّك الورد الشَّقيقي
[ ٤ / ٨٦ ]
وكثيب ردفك يا قضيب البان والخصر الدَّقيق
قسمًا لقد مزج الهوى بدمي فأجري في عروقي
وتوقَّدت نيرانه وشكا الفؤاد من الحريق
إن تنكروا سقمي وفيض مدامع الدَّنف المشوق
فتبيَّنوا حالي يقينًا من زفيري أو شهيقي
/٥٢ أ/ أو فاسألوا عمَّا ألاقي من جنابكم الطَّروق
ومنها يقول:
يا حادي الأظعان عرِّج بي على وادي العقيق
أبكي زمانًا كان لي فيه بدمع كالعقيق
لهفي على زمنٍ مضى في روضه الأرج الأنيق
وثغور غزلان الصَّريم بها صبوحي مع غبوقي
كالمسك شيب بعنبرٍ وردٍ وسلسالٍ رحيق
ومن مديحها:
مالي مجيرٌ من صروف الدَّهر والزَّمن العقيق
إلَّا المبارك ماجدٌ صدرٌ وذو نسبٍ عريق
الواهب المفضال طبعًا للعدوِّ وللصَّديق
يعطي فتحسبه أبًا أو كالأخ البرِّ الشَّقيق
ما أمَّة راجٍ فخاب فدته نفسي من شفيق
وأنشدني أيضًا لنفسه فيه يمدحه: [من الكامل]
هل آخذٌ بيدي فقد بلغ الزُّبى سيل الهوى وتنهَّد المكروب
/٥٢ ب/ هيهات إلَّا إن زجرت مطيَّتي نحو المبارك صارخًا فيجيب
هو ملجأٌ للخائفين وربعه حرم الغنيِّ وبأسه المرهوب
إن رمت رفدًا فاقصد الشَّرف الَّذي في ماله للطالبين نصيب
يعطيك معتذرًا إليك كأنَّما هو طالبٌ أو رفدك المطلوب
مستبشرًا بعفاته متهلِّلًا كالبدر طلعته وليس يغيب
[ ٤ / ٨٧ ]
لا زال ربعك يا ابن أحمد عامرًا ما أنَّ مشتاقٌ وحنَّ غريب
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الوافر]
تألَّق برق كاظمةٍ فحنَّا وهبَّ نسيمها فبكى وأنَّا
غريبٌ بين أضلعه لهيبٌ مشوقٌ لم يزل صبًّا معنَّى
تذكَّر بالحمى عيشًا تقضَّى فأجرى دمعه أسفًا وحزنا
وعاد الوجد أوَّله جديدًا وهاج غرامه الماضي فجنَّا
ترجَّى أن يعود له زمانٌ بجرعاء الحمى ووصال لبنى
ولمَّا لم ينله ذاب شوقًا ترنَّم قابلًا وجدًا وعنَّا
تمنَّى أن يرى منكم خيالًا فنال ولم ينل ما قد تمنَّى
وأنشدني لنفسه وقد طلب /٥٣ أ/ منه بعض أصدقائه شيئًا من شعره، فكتب إليه بهذه الأبيات اعتذارًا: [من الخفيف]
يا فريد الزَّمّان يا أوحد العصر وخير الأنام جمعًا أقلني
واحظ منِّي بالشكر ما دمت حيًّا وأرح خاطري ولا تلزمنِّي
فالرَّديُّ السَّخيف لم أرضه شعرًا وغير الرَّديِّ قد عزَّمنِّي
فارض منِّي بما تيسَّر في الوقت فقلبي مشرَّدٌ واعف عنِّي
وأنشدني لنفسه، وقد ورد عليه كتاب من بعض أصدقائه: [من الطويل]
ولمَّا تراءى لي كتابك مقبلًا عليَّ تراءت عزَّةٍ لكثيِّر
وخيِّل لي أنا بأكناف إربلٍ وقوفٌ وصفو العيش لم يتكدَّر
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من السريع]
من رام في نيل العلا رتبةً يسمو على الدَّهر بها من منال
يصرِّم السَّاعات من عمره في خدمة المولى الوزير الجلال
[ ٤ / ٨٨ ]
[٤٨٩]
عليُّ بن عبد الله بن الحسن /٥٣ ب/ بن الحسين بن أبي الفتح بن الحسن بن أبي السّنان، أبو البركات بن أبي محمدٍ.
وقد مرَّ ذكر والده في موضعه وشعره.
وابنه هذا أبو البركات سمع الحديث كثيرًا بالموصل وبغداد ودمشق وغيرها. وينظم الشعر، وله يد قوية في كتب النسب والحكميات والشروط؛ وعنده دعاوٍ في نفسه كثيرة، ويتعاطى صنعة المنثور دون المنظوم، ويتبجح به، ويعد الشعر ليس بشيء. ويزعم أنَّ له تصنيفًا قد حوى فيه جميع فنون العلوم.
وسمع الحديث وطلبه وقرأه على جماعة من المشايخ، وألّف أربعين حديثًا. وكان إذا طلبت شيئًا من شعره أجابني، يقول: الشعر أدنى مراتب السنى، وأسنى مراتب الدنى لمن وفى.
أخبرني أنه ولد سنة ثمانين وخمسمائة بالموصل. وتوفي ربيع الأول ثامن عشر سنة سبع وثلاثين وستمائة فجأة، بعد أن صلّى صلاة الصبح.
وأنشدني لنفسه، وقد توجه إلى دار السلام وفتَّاه الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، وشرفه بخلعة. ثم انه تزهد بعد ذلك، وصار جليس بيته، فعوتب على انفراده /٥٤ أ/ عن الناس، فقال: [من السريع]
[ ٤ / ٨٩ ]
قد علم الشَّارد والوارد والمستقيم الحال والمايد
أنِّي امرؤٌ نلت من النَّاصر الإمام حظًّا جدُّه صاعد
ما نال من هارون معشاره في عصره يحيى ولا خالد
أصبحت والعادل في ملكه مرتعنا في برِّه واحد
أراد بالعادل سيف الدين أبا بكر محمد بن أيوب بن شاذي -﵁- وكان قد من الناصر لدين الله فتوه وشرَّفه.
شرِّف تشريفي ولكنَّه لم تأته الطَّرحة والكاغد
كلَّا ولا لمَّا تفتَّى بدا لعينه كفٌ ولا ساعد
وكنت منه إذ جرى ما جرى كقاب قوسين ولي شاهد
وقد تركت الكلَّ عن قدرةٍ والبعض لا يتركه واحد
علمًا بأنَّ الله باقٍ وما سواه فانٍ زائلٌ نافد
فكلُّ من أصبح لي لائمًا فذاك عندي المبغض الحاسد
وقال في فخر الدين /٥٤ ب/ أحمد بن محمد، وزير بغداد وقد بلغه على لسان قاضي القضاة ابن مقبل أنه ذكره في خدمة والده الوزير، وحرّضه على قضاء مهمه وإيصال رسمه إليه: [من البسيط]
ذخر الوزارة فخر الدِّين يا ملكًا سحاب راحته قد أخجل السُّحبا
يا منعمًا الأنواء نائله وظلَّ عن قاصديه الفخر محتجبا
يا من بدا لثمار الحمد مجتنيًا ومن غدا لصفات الذَّم مجتنبا
لو كلُّ جارحةٍ منِّي لها لغةٌ تثني عليك لما أدَّيت ما وجبا
وكنت أعجز عن إدراك الكبيرة مع أننَّي سيِّد المنشين والخطبا
وكيف يحصي خطيبٌ مصقعٌ لسنٌ بناء من لم يزل بالجود مكتسبا
مولاي يا كعبة الجود الحلال ومن له سماء عطاءٍ تمطر الذَّهبا
أنهى إليَّ عماد الدِّين غرسكم قاضي القضاة حديثًا هزَّني طربًا
معناه أنَّك حرَّضت الوزير على إنجاز وعدٍ له أمسيت مرتقبا
وقلت في كلّ صالحةٍ بها افتخاري إذا أصبحت منتسبا
[ ٤ / ٩٠ ]
لا أستزيدك بعد اليوم عارفةً حسبي ببعض الَّذي أوليتني حسبا
وأنشدني لنفسه من قصيدة، /٥٥ أ/ يمدحه أيضًا: [من الكامل]
مولاي فخر الدِّين يا مولًى علا هام العلا بماثرٍ ومفاخر
يا من تهزُّ الأريحيَّة عطفه ما بين ناظم مدحه والنَّاثر
لا تسمعن شعري فتحسب أنَّني أرضى لنفسي أن أعدَّ بشاعر
عندي علومٌ لو كشفت قناعها نشر الرَّبيع رياضه بستائر
ما الشِّعر لولا أنَّه مدحوا به المستنصر بن الظَّاهر بن النَّاصر
مولًى بشائر نشره وضَّاحةٌ عند النَّوال كبارقٍ في ماطر
وأنشدني لنفسه، وقد سمع كلام أرسطاطاليس الحكيم، حين سئل عن الصديق، فقال: حيوان يوصف ولا يوجد، فنظم المعنى: [من الكامل]
ومحاولٍ منِّي صديقًا صادقًا في كلِّ نائبةٍ يجير ويسعد
قلت: اتَّئد فصفات ما قد رمته موجودةٌ لكنَّه لا يوجد
وأنشدني له في أبي الفضل أحمد بن الوزير القمي أيضًا: [من الخفيف]
مالك الرِّقِّ والرِّقاب أبا الفضل مغيث العفاة إن قصدوه
/٥٥ ب/ يا ملاذ القريب إن جار خطبٌ ومعاذ الغريب إن قصدوه
عجبًا كيف لا تراعي حقوق الفضل في بلدةٍ وأنت أبوه
[٤٩٠]
عليُّ بن نصر بن منصور بن نصر بن منصور بن الحسين، أبو الحسن بن أبي الفتح بن العطّار، الحرانيُّ الأصل.
هكذا ذكر لي وزعم: أنَّ جدّه ظهير الدين منصور بن نصر بن العطار، الذي كان يتولّى صدريّة المخزن في أيام المستضيء بأمر الله، وأخباره في أيام ولايته مشهورة
[ ٤ / ٩١ ]
بمدينة السلام؛ ولمّا جرى عليه ما جرى إنتقل ولده نصر الله إلى دمشق، وتأهل فأولد أبا الحسن هذا بدمشق.
وكانت ولادته يوم الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. وسمع الحديث بها كثيرًا من داود بن ملاعب، وأبي اليمن زيد بن الحسن الكندي وغيرهما. وعانى فن التصرّف والصناعة الحسابيّة، فبلغ في ذلك الغاية، وسافر إلى محروسة آمد، فتولّى النظر في ديوانها للملك المسعود مودود بن محمود بن أرتق بن سكمان.
/٥٦ أ/ أنشدني لنفسه بحلب، يمدح الملك المنصور إبراهيم بن شيركوه بن محمد -صاحب حمص- في كسرته الثانية للخوارزميّة: [من الرمل]
قد صفا الجوُّ وقد رقَّ النَّسيم وتبَّدى للرُّبى وجه وسيم
وكسا هامي الحيا عاري الثَّرى حللًا خضرًا لها الزَّهر رقوم
وبها ثغر الأقاحي باسمٌ جذلًا لمَّا انبرت تبكي الغيوم
وعيون النَّرجس الغضِّ إذا ما رنت يغضي لها الطَّرف السَّقيم
وخدود الورد قد أخجلها عندما قبَّلها الطَّلُّ السَّجوم
وغناء الطَّير في أفنانها وارتقاص الغصن إن هبَّ النَّسيم
فانتبه منتهبًا ما قد صفا لك من عيشٍ فما صفوٌ يدوم
واجتليها خمرةً ما خامرت سرَّ صاحٍ فسرت فيه الهموم
من يدي ظبيٍ ظبا ألحاظه أيُّ قلبٍ ما لها فيه كلوم
هو من جنَّة عدنٍ فاعجبوا كيف حلَّ القلب والقلب جحيم
بدر تمٍّ قد جلا شمس ضحًى من بنات الكرم يهواها الكريم
قهوةً راقت ورقَّت وصفت فهي كالرُّوح بها تحيا الجسوم
/٥٦ ب/ يا لها لمَّا علاها حببٌ من عروسٍ تاجها درٌّ نظيم
فإذا طاف بها تبدو لنا في الدُّجى شمسٌ وبدرٌ ونجوم
يدرأ الهمَّ إذا دار بها إنَّ خطب الهمِّ في الجسم جسيم
يا خليلي خلِّ قلبي والأسى إنَّ دائي في الهوى داءٌ قديم
وتباريح الجوى لي مألفٌ طالما أسهرني طرفٌ نؤوم
[ ٤ / ٩٢ ]
كلُّ أحوال الهوى موهيةٌ جلدٌ يرحل أو وجدٌ يقيم
فأجرني من تعدِّي جائرٍ ظلت أهواه وقد يهوى الظَّلوم
كم هزبرٍ قتلت مقلته عجبًا يفتك بالآساد ريم
عدِّ عنِّي كأسك الملآ ففي قربه راحٌ وروحٌ ونعيم
ريقه خمري وفوه قدحي وهو لي ساقٍ وشادٍ ونديم
ما لقلبي في سواه أربٌ إنَّ في مثل هواه اللَّوم لوم
مثل ما لام الورى أبراهيم في بذل معروفٍ به يثرى العديم
ناصر الإسلام والدِّين الَّذي كلُّ قلبٍ بمعاليه يهيم
ملكٌ عمَّ البرايا عدله وبدا للدّين نهجٌ مستقيم
نصر الله به الإسلام ما طلعت شمسٌ وما هبَّ نسيم
/٥٧ أ/ وأرانا بأعاديه الَّذي أمَّلوا فيه وما نحن نروم
[٤٩١]
عليُّ بن إبراهيم بن عليِّ بن أبي بكرٍ، أبو الحسن الموصليُّ.
شاب شدا طرفًا من الأدب على أبي العباس أحمد بن الحسين بن الخبّاز النحوي، وكتب بيده كتبًا أدبية، وتميّز وقال شعرًا.
أنشدني لنفسه، وكتب لي بخطه، بمدينة الموصل: [من البسيط]
وشادنٍ صدَّ عن وصلي بلا سببٍ ولم يدع هجره صبرًا ولا جلدا
تجمَّعت فيه أوصاف الجمال فقد أضحى فريدًا كما حزني به انفردا
أماج حقفًا ثنى غصنًا بدا قمرًا وفاح مسكًا رنا ظبيًا سطا أسدا
حاز الجمال كما حاز الكمال جمال الدِّين خير الورى من أمَّه سعدا
قسُّ الفصاحة قيس الرَّأي عليَّ وأحنف الحلم عمرو البأس معن ندى
يا أيُّها الصَّاحب الصَّدر الوزير ومن عدُّ المناقب منه يغني العددا
كن لي شفيعًا إلى موسى لأنَّك يا خير البريَّة خضر الجود دم أبدا
يا من إليه انتهى قصد العلا وسما على البريَّة بالإحسان مذ ولدا
/٥٧ ب/ أنظر إليَّ بعينٍ ما نظرت بها شخصًا فبات يعاني بعدها كمدا
[ ٤ / ٩٣ ]
وخذ بضبعي بكفٍّ ما قبضت بها إلَّا اليراع لكي ألقى بها الرَّشدا
فالدَّهر أنت فمن أسعدته سعدا حقًّا وأيُّ أمريءٍ أضهدته اضطهدا
فاسلم ودم [يا] شفيعي عند مرتحلي إليك حتَّى ألاقي عيشةً رغدا
وقال: [من الطويل]
تقول وقد ألقيت في يدها يدي وقد أشهدت ربَّ السَّماء على قولي
حبيبي قد بان الَّذي كان خافيًا فلا صرم الرَّحمان حبلك من حبلي
وقال: [من الطويل]
إذا ما زمان السُّوء مال بركنه علينا عدلناه بإحسانٍ إسحاق
كريم المحيَّا لا يضنُّ بماله وإن ترج منه البرَّ جاد بإطلاق
وكتب هذه الأبيات إلى شيخه شمس الدين أبي العباس أحمد بن الحسين بن الخبّاز، وقد سخط عليه، وهي: [من مجزوء الرمل]
أنت ملَّاك قلبي إغفروا بالله ذنبي
إغفروا ذنبي [و] إلَّا متُّ في الحال لكربي
/٥٨ أ/ إن تجافيتم وحلتم فكذا حظُّ المحبِّ
كم تطيلون عذابي بصدودٍ وبعتب
وأنا لا بدَّ لي منك وإن ساءك قربي
وقال: [من البسيط]
لله طيب زمانٍ قد فقدناه بدير قسرى كأنَّا ماعرفناه
والكأس دائرةٌ من كفِّ ذي هيفٍ مملوءةٌ بفنون السِّحر عيناه
يخصُّنِّي بمدامٍ شبه ريقته طعمًا ويشبهها في اللَّون خدَّاه
وقال: [من البسيط]
إنِّي إلى وصل من أهواه مشتاق ونار وجدي لها وقدٌ وإحراق
بدرٌ له في فؤاد الصَّبِّ منزلةٌ ومن سنى وجهه نورٌ وإشراق
وقال: [من الطويل]
ولم أنسها إذ أقبلت حين ودَّعت تعضُّ على المشتاق من حنقٍ يدا
[ ٤ / ٩٤ ]
بكت فتلاقى ثغرها ودموعها فلا منظمًا ومبدَّدا
[٤٩٢]
عليُّ بن عبد السلام /٥٨ ب/ بن يوسف بن موهوب بن القاسم، أبو الحسن الحسنيُّ.
هو من الحسنيّة قرية كبيرة مشهورة فوق الموصل من أعمالها، بها ولد ونشأ، وتفقه بمدينة السلام والموصل على مذهب الإمام الشافعي -﵁- وقرأ علم الأصولين والفرائض والحساب، ونظر في المسائل الخلافية، وقرأ شيئًا من علم الحكمة. وله شعر لم يكن على قدر معرفته وفضله. سافر إلى بلاد الشام ونزل دمشق فأقام بها قليلًا -وتوفي بها وذلك قبل الثلاثين وستمائة.
أنشدني لنفسه: [من البسيط]
سرِّي بعشقك يا مولاي مشتغل فلا عراقٌ يسلِّيني ولا رمل
رفقًا [فـ] في بعض هذا الهجر يا سكني قتلٌ إذا كفَّ عنه الفعل ينفعل
قد كنت منعكفًا بالعلم ملتهيًا فمذ هجرت فلا علمٌ ولا عمل
ما كنت أحسب هذا الهجر متَّصلًا واضيعة العمر خاب السَّعي والأمل
إعطف على دنفٍ بالحزن منفردٍ ضاقت به الأرض حتَّى السَّهل والجبل
غريب دار نحيل الجسم ذو سقمٍ نائي المزار غزير الدَّمع منهمل
يا عاذلي في هوى من لا أفوه به مهلًا رويدًا فقد ضاقت بي الحيل
/٥٩ أ/ بدرٌ أداقت دمي عمدًا لواحظه وقد تضمَّن قتلي الأعين النُّجل
[ ٤ / ٩٥ ]
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
يا شاتمي وإليه منتهى أملي وطاردي وله روحي وجثماني
بلغت فيك نهايات الهوى وصفت لك الضَّمائر في سرِّي وإعلاني
فما يزيدك عندي أن تواصلني ولا يحطُّك تعذيبي وهجراني
وقد وهبت لكم عرضي بأجمعه فما أبالي بإعزازي واهواني
[٤٩٣]
عليُّ بن عدلان بن حمّاد بن عليٍّ، أبو الحسن النحويُّ الموصليُّ.
أخذ علم النحو والعربية عن جماعة من أدباء الموصل؛ ثم رحل إلى مدينة السلام، فصحب الشيخ أبا البقاء عبد الله بن الحسين النحو العكبري، ولازمه واشتغل عليه مدّة إلى حين وفاته، وتميّز في هذا الفن على أبناء جنسه.
وهو فاضل حسن الكلام في المسائل النحوية، جيد المناظرة محقق له أشعار لا توازي معرفته، ويحفظ جملة من ملح أشعار أهل زمانه ونوادرهم.
أخبرني أنَّه ولد /٥٩ ب/ بالموصل في الخامس والعشرين من جمادى الأول سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
أنشدني كثيرًا من شعره ومما أنشدني لنفسه من قصيدة يعتذر فيها إلى مجد الدين الحارث البهسني، عاتبه فيها، وعن قصور لفظها، وأول غزلها: [من الطويل]
لسان زفيري بالصَّبابة معرب فماذا الَّذي يخفي الفؤاد المعذَّب
[ ٤ / ٩٦ ]
ويقول في مديحها:
فتًى نهتدي عند الظَّلام بذكره كأنَّ اسمه في ظلمة اللَّيل كوكب
فإن يك في حرَّان قصَّر خاطري قديمًا فقد ينبو الحسام المجرَّب
ومنها:
فخذ هذه العذراء عذرًا وطالما تنصَّل من قبح الجريرة مذنب
عقيلة فكر عمرها بعض ليلةٍ إلى ربِّها يعزى البيان وينسب
فقد هاجها من حسن جاهك سالفٌ قريبٌ من العافي إلى العبد أقرب
وليس لنظمي فيه فضلٌ وإنَّما صفاتك مجد الدِّين تملي وأكتب
[٤٩٤]
عليُّ بن عثمان بن المجلّي /٦٠ أ/ بن عليٍّ، أبو الحسن الجزريُّ الواعظ، الشاعر المعروف بابن دنينة.
من أهل الجزيرة العمريّة.
أخبرني أنه ولد بها يوم الأثنين ثاني عشر المحرم سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وختم الكتاب العزيز بها على أبي الحسن علي بن محمد بن الكزّاية.
أنفد عمره في السفر والتغرّب، وقطع البلاد جالس العلماء، وخالط الفضلاء ورأى الكبراء، واسترفد الملوك والأمراء. قرأ الوعظ على أبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، وتفقه على الشيخ أبي طالب بن الخل على مذهب الإمام الشافعي -﵁- وسمع الحديث على أبي الفتح محمد بن أحمد المندائي، فقال شعرًا كثيرًا.
شاهدته بمدينة إربل في شهر ربيع الأول سنة وعشرين وستمائة، فرأيته ذا محاضرة ومفاكهة؛ من أخف الناس روحًا، وأطيبهم مزاحًا. ثم رحل إلى البلاد
[ ٤ / ٩٧ ]
الشامية، وخبرت أنَّه توفي ما بين القارة والنّبك من أرض دمشق سنة تسع وعشرين وستمائة.
أنشدني لنفسه: [من الكامل]
صوِّر لنفسك ما تراه غدًا بثراه جسمك عند مقبره
/٦٠ ب/ فالشَّيء يعلو لا بمنظره عند التَّفقُّد لا بمخبره
والمرء معتبرٌ بأصغره عند الحقائق لا بأكبره
ما ينفع الرَّاقي بلا قلبٍ يعظ الأنام علوُّ منبره
وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط]
جدَّ التَّرحُّل عن أرض الجزيرة لي يومًا وخلَّف قلبي والمنى فيها
يبغي هوى أرض ميَّا فارقين وقد أيقنت أنَّ هوى قلبي منافيها
[٤٩٥]
عليُّ بن يونس بن سالم بن عليٍّ، أبو الحسن، المجلد الموصليُّ.
كانت ولادته -فيما أخبرني من لفظه- على مضي ثلاث ساعات من الليلة المسفرة عن صباح يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
كان والده يعرف بالصدر المجلد. وكان منجمًا يشار إليه في معرفة التنجيم؛ وأبو الحسن هذا ولده حفظ القرآن الكريم، ونظم الشعر، وله طبعٌ في عمله.
وهو شاب كيِّس، خفيف الروح، طيب المزاج، حسن الخلق، تام المروءة، حسن /٦١ أ/ العشرة؛ له مؤلفات لطيفة منها: "كتاب الجوهرة الفذَّة من جوامع اللَّذة".
أنشدني لنفسه يمدح المولى المالك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين تاج الملوك والسلاطين بهلوان جهان سيد الأمراء شرقًا وغربًا أبا الفاصل غرس أمير المؤمنين -ضاعف الله مجده وقرن التوفيق حله وعقده- ويصف داره
[ ٤ / ٩٨ ]
المعمورة التي أنشأها واستجدها، المطلة على دجلة -عمرها الله بطول بقائه بمحمد وآله-:
[من البسيط]
العزُّ والنَّصر والتَّأييد والظَّفر والدَّهر والملك والأملاك والقدر
والسَّعد والجدُّ والإقبال والفلك الأعلى ومن تحته والشَّمس والقمر
خدَّام بابل بدر الدِّين يا ملكًا أبت معاليه أن يأتي بها البشر
مسارعين إلى أمرٍ تفوه به طوعًا وكرهًا على إبرامه جبروا
أبا الفضائل بدر الدِّين لا برحت رايات جيشك في الآفاق تنتصر
فقت الملوك فما في الأرض من ملكٍ إلَّا وأنت لديه السَّمع والبصر
كم سيرةٍ لك بات الدَّهر مبتسمًا منها وكم نسخت من أجلها السِّير
سست الرَّعيَّة بالعدل الَّذي قصرت عنه عزائم كسرى وادَّعى عمر
/٦١ ب/ يا أيُّها الملك الممنوع جانبه إلا لمسترفدٍ أو من به ضرر
أنت الَّذي ملأ الأقطار نائله وبأسه فهو في الحالين ينتظر
وجدت بالمال حتَّى لم تدع أحدًا بالشَّرق والغرب إلَّا عنده أثر
وصلت حتَّى تركت الأسد طاويةً كأنَّ ليس لها نابٌ ولا ظفر
وقد غدا حيوان البرِّ مصطحبًا السَّخل والذِّئب والغزلان والنَّمر
وقد أرحت رسول الله من فكرٍ كانت على ولده في الصَّدر تعتكر
[ ٤ / ٩٩ ]
يا ابن الَّذين عنت صيد الملوك لهم وبات جارهم للدهر ينتهر
من كلِّ مقتدرٍ بالعزِّ مشتملٍ بالسَّيف منتقمٍ بالرَّأي ينتصر
كما اشتهوا خلقوا!، بيضٌ وجوههم حمرٌ سيوفهم، أفعالهم غرر
بنو العلاء هم في كلِّ مكرمةٍ لا يستفزُّهم خمرٌ ولا خمر
لا يغضبون ولا يغتالهم ندمٌ على العطاء وإن نال امرؤٌ غفروا
مثل العبيد لدى أضيافهم كرمًا ويسجد الملك الجبَّار إن ذكروا
هم غيوث الورى والقحط مستعرٌ وهم ليوث الوغى والسُّمر تشتجر
لا يعرفون مفرًّا منذ خلقهم كما معارفهم في غيرهم نكر
علوتهم ملك الدُّنيا ولا عجبٌ إنَّ العروق عليها ينبت الشَّجر
/٦٢ أ/ كما علت دارك الدُّنيا بأجمعها فما لنا غيرها حجٌ ومعتمر
دارٌ لها جنَّة الفردوس حاسدةٌ ودمع مكَّة في الخدين منهمر
والقدس قد بات متبول الفؤاد بها وغيَّرت شخصه الأحزان والفكر
وبات قلب دمشقٍ وهو منصدعٌ وكاد جامعها بالغيظ ينفطر
كلٌّ لها حاسد إذ أنت ساكنها وما على عاشقٍ للبدر معتبر
ودمية القصر لم تجمع محاسنها ما قد حوته الدُّمى فيها ولا الصُّور
دارٌ تقاصر دارًا عن عمارتها ولو رآها بنو مروانٍ ما عمروا
ترابها المسك والكافور جندلها والمندل الرَّطب أبوابًا لها ادَّخروا
عزَّ البلاط بها من بعد ذلَّته وبات فيها على الياقوت يفتخر
كأنَّها قبَّةٌ من فضَّةٍ خلقت وقد جرى التِّبر فيها وهو معتذر
فريدةٌ ما لها مثلٌ كصاحبها فكلَّ قصرٍ وقيلٍ خدُّه صعر
كعرش بلقيس إلَّا أنَّها جبلٌ وحسن يوسف إلَّا أنَّها حجر
فيها الرَّبيع مقيمٌ لا يفارقها وكلَّ يومٍ لديها الجود ينهمر
وكلُّ ما تشتهي نفس اللَّبيب بها وما على مجتني أزهارها حذر
[ ٤ / ١٠٠ ]
فالورد والبلخ والخيريُّ مشرقةٌ والبان والطَّلح واللَّبلاب والسَّمر
/٦٢ ب/ والشاهفسرم والكافور والبرم الرُّوميُّ والورد والحوذان والشقر
والنَّرجس الغضُّ والنَّمام قد بهتا إلى البنفسج والنِّسرين منبهر
والقبج والصَّعو والدرَّاج راتعةٌ والرزخ والوزُّ والطَّاوس والنُّفر
والكمُّ والتَّم والعنّار طائرةٌ والبان والصَّقر والشَّاهين والنَّسر
واللَّيث والببر والسِّرحان ضاربةٌ والرُّبد والعين والآرام والعفر
والرَّوض والعشب والأنهار جاريةٌ والسُّفن والدَّوح والأطيار والغدر
والجنك والدَّفُّ والعيدان ضاربةٌ وليس يسمع لا دفٌّ ولا وتر
وكم قيانٍ بها مثل الشُّموس وكم حوراء من بعض أوصافٍ لها الحور
وكم نديمٍ بها والكأس في يده كأنَّها جمرةٌ في الكفِّ تستعر
وكم بها من رماةٍ لم يطش لهم سهمٌ ومن قانصٍ لم تحوه الحفر
من كلِّ ما خلق الله العظيم بها في البرِّ والبحر إلّا أنَّها صور
وبركةٍ طفحت عين الحياة بها لمَّا استقرَّ لديها أنَّك الخضر
كأنَّها مقلةٌ للحبِّ ناظرةٌ يجري بها الماء مطويٌ ومنتشر
دارٌ كباعك ما في طولها قصرٌ وعرضها ما به ريعٌ ولا زور
قد حلَّت الأبرج العليا بساحتها وما بها من زجاحٍ أنجمٌ زهر
/٦٣ أ/ كأنَّما اسمك فيها درَّةٌ نصبت في مفرق التَّاج أو روضٌ به زهر
فانهض وسر واملك الدنيَّا فأنت بها أولى وما كلُّ عود ريحه عطر
في جحفلٍ لجبٍ ضاق الفضاء به فما لآخره عنده الألى خبر
لو ظلَّ ألفٌ من البلق الجياد به وأنشدت ظلّ
لو حاربوا الجنَّ ما بالوا بكثرتهم ولو رمتهم صروف الدَّهر ما انزجروا
من كلِّ أغلب ما في عينه أحدٌ كأنَّه الموت لا يبقي ولا يذر
يرى المنون فيهوي نحوها طمعًا في سلبها والمنايا سلبها خطر
يهوون للموت إلَّا فوق فرشهم كأنَّ فرشهم عارٌ به اتَّزروا
[ ٤ / ١٠١ ]
تراهم والمنايا حولهم صبر طول الرِّماح وفي أعمارهم قصر
إن زوحموا ازدحموا أو قوتلوا قتلوا أو طوعنوا طعنوا أو كوثروا كثروا
أو باهلوا بهلوا أو اجتدوا بذلوا أو شورفوا أشرفوا أو فوخروا فخروا
مولى البريَّة من عجمٍ ومن عربٍ بذاك يشهد فينا البدو والحضر
يؤمُّهم ملكٌ ما مثله ملكٌ أبو الفضائل بدر الدِّين يبتدر
هو الزَّمان فلا نفعٌ ولا ضررٌ إلَّا إذا شاء فهو النَّفع والضَّرر
مفرِّج الكربة الكبرى بعزمته فالدَّهر من جنده والنَّصر والظَّفر
/٦٣ ب/ من احتمى باسمه لم يلفه ضررٌ طول الحياة ولم يلمم به حذر
القاتل الجدب والأنواء ممسكةٌ محيي الورى بعدما بالفقر قد دثروا
المشتري الحمد بالأموال لا مكسٌ فيه ولا في نفاد المال يفتكر
لا زال في عزِّ ملكٍ لا نفاد له وصفو عيش نعيمٍ ما به كدر
وأنشدني لنفسه ما كتبه من الموصل إلى إربل يتشوق صديقًا له: [من الطويل]
سلامٌ كنشر المسك تفتقه الصَّبا على ساكن الغرَّاء في الجانب الغربي
على جيرةٍ جار الزَّمان ببعدهم فلم أحظ إلَّا بالرَّسائل والكتب
أناسٍ أعاروا الدَّهر بهجة نوره وقاموا مقام العتب في البلد الجدب
سموا بعليٍّ ذي المفاخر والعلا جوادٌ إذا الأنواء ضنَّت بها السُّحب
بديع المعالي والمعاني والوفا له عرف ذكرٍ فاق للمندل الرَّطب
شمائله أحلى من الأمن كلَّما تذكَّرتها لم أخش من فادح الخطب
أبا حسنٍ إنِّي إليك لشائقٌ وفي الشَّوق ما يلقي المحبَّ إلى الكرب
سعادة لفظي دون حظِّي بوردها عليك وملقى ذلك الخلق العذب
سأقضي وما أقضي لذاذة منظرٍ إلى بلدٍ أسكنته هيأة القطب
/٦٤ أ/ وأنشدني لنفسه وقد عاين مشهد سرَّ من رأى -على ساكنيها أفضل السلام-:
[من السريع]
مولاي يا صاحب الزَّمان ومن عليه بعد الإله متَّكلي
كن [لي] شفيعًا إلى النَّبيِّ عسى يوم معادي في الحشر يشفع لي
[ ٤ / ١٠٢ ]
وأنشدني قوله: [من مجزوؤ الوجز]
يا بدر تمٍّ مشرقٍ من فوق غصنٍ ناضر
أذبت روحي بالجفا فقد جرت من ناظري
رفقًا بصبٍّ مدنفٍ في الحبِّ غير صادر
وبات من دموعه في لجِّ بحرٍ زاخر
أما لهذا الهجر يا كلَّ المنى من آخر
كم من دمٍ سفكته في النَّاس بالمحاجر
ولم تخف في قتلهم بطش قويٍّ قاهر
من أجل ذا سمَّوك ما بينهم بالقاهر
[٤٩٦]
عليُّ بن أبي القاسم بن عليِّ /٦٤ ب/ بن أبي القاسم بن عليِّ بن ياسين بن غنيمة بن ياسين بن عليِّ بن ضو، أبو الحسن المحرزيُّ الإربليُّ، المعروف بدخينة.
كانت ولادته باربل سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. وتوفي بها في تاسع عشر رمضان سنة إحدى وعشرين وستمائة.
وكان ينتمي إلى علم الأدب والعربية، وقرأ منه أنموذجًا صالحًا، ونقله نقلًا صحيحًا. وكان يعترض على النحاة في أقوالهم، ويغلطهم في المسائل النحوية، ويخطئهم فيها، ولا يثبت لأحد منهم شيئًا ولا يرى أحدًا منهم فوقه في هذا العلم. وكان يقول شعرًا غثًا، ونظمًا باردًا، مضطرب الأوزان غير مستقيم؛ ومع ذلك كان يدعي أنه أعرف الناس بالعروض والقوافي، وفنون الأدب.
رأيته غير مرة في الموصل، وأنشدني جميلة من نظمه، غير أني لم أضبطه عنه، لكني حفظت له بيتين قالهما على معنى هذين البيتين ووزنهما: [من الكامل]
إحذر مصاحبة السَّفيه فإنَّها تعدي كما يعدي الصَّحيح الأجرب
ما ينفع الجرباء قرب صحيحةٍ منها ولكنَّ الصحيحة تجرب
[ ٤ / ١٠٣ ]
فنسج على هذا المنوال: [من الكامل]
/٦٥ أ/ إحذر مصاحبة السَّفيه لأنَّها تردي كما يردي العقور الأكلب
ما ينفع السُّفهاء قرب ذوي الحجى بل منهم العقلاء شرًّا تكسب
[٤٩٧]
عليُّ بن محمد بن حمّاد بن أحمد بن عبد الله بن الحسين، أبو الحسن السعديُّ الموصليُّ، المعروف بالجارود السقاء.
كان شيخًا طويلًا أسمر لطيفًا مقبولًا، صاحب نوادر ومضحكات، فكه المحاضرة يورد الحكايات الرائقة، ويحفظ جملة من الأشعار الفائقة، ينشدها في مجالس الأنس. وكان الناس يستحلون ألفاظه، ويميلون إليه.
ومات بالموصل يوم الإثنين لسبع بقين من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودفن غربها بمقبرة المعافى بن عمران -﵀-. وكان يكتب بالماء من فم القربة خطًا واضحًا ويشكل ما يكتبه وينقطه ما يعجز غيره أن يضارعه بخط العلم.
أنشدني لنفسه يمدح المولى المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين شرف الملوك والسلاطين محيي العدل /٦٥ ب/ في العالمين أبا الفضائل غرس أمير المؤمنين -أعز الله أنصاره وأعلى مناره-: [من الطويل]
ربوعٌ لهندٍ دارساتٌ رسومها سقتها عهادٌ لا تغبُّ غيومها
ربوعٌ لغزلان الصَّريم ملاعبٌ بأرجائها أقفرن مذ بان ريمها
وقفت بها أبكي وفي القلب لوعةٌ على طيب أيَّامٍ تقضَّى نعيمها
وما رحلوا إلَّا وبين جوانحي لرحلتهم نارٌ مقيمٌ جحيمها
أحنَّ إلى أرض الحمى وبرودها إذا فتَّح النَّور الأريج نسيمها
بها ظلَّ قلبي ثاويًا ولطالما أعاد أديمي مستجدًّا أديمها
شكاية محزونٍ أهلَّ دموعه عقارب صدغٍ لا ينام سليمها
كما أنَّ بدر الدِّين ليس بنائمٍ إذا ما خوطب الدَّهر نام عظيمها
فتًى بلغ العلياء مجدًا وسؤددًا منها لن ينلها بعده من يرومها
هو الكعبة الغرَّاء في الجود والنَّدى وراحته للإسلام حطيمها
[ ٤ / ١٠٤ ]
تلام على فرط السَّماح وعاذرٌ يدٌ خلقت للبذل كيف تلومها
علا مجده فوق السَّماء وكم له ماثر لا تحصى وتحصى نجومها
تضوع بأفواه الرُّواة صفاته فيشدو بها الحادي ويطرب كومها
وأنشدني لنفسه /٦٦ أ/ يهنيء إنسانًا أبلّ من مرضٍ: [من الخفيف]
لست يوم النَّوى عليه جليدا فانقصا من ملامتي أو فزيدا
في حبيبٍ من الفؤاد قريبٍ وعن المقلتين أضحى بعيدا
قد حكاه القضيب قدًّا ولينًا وحكاه الغزال طرفًا وجيدا
كلَّ يومٍ يزداد قلبي أشواقًا ويزداد جفوةً وصدودا
كان لي مسعدًا وخلًّا ودودًا فبحظِّي قد صار خلًّا ودودا
زعموا أنَّني سلوت وهل أسلو قوامًا مهفهفًا أملودا
يا غزير النَّدى إليك تحثُّ العيس إرقالها تجوب البيدا
فترانا من النُّعاس على الأكوار بالسَّير ركَّعًا وسجودا
وإذا ما ونت تقصِّر الخطو وعادت تمشي الهوينى الوئيدا
ذكرت ربعك الخصيب فترتاح وتختار ظلَّك الممدودا
وتمدَّ الأعناق تسرع والإعناق ينضى لحومها والجلودا
ولعمري هباتك الغرُّ ما زالت بإفضالهم تعمُّ الوفودا
وجديرٌ بك الثَّناء وإن كنت لحسن الثَّناء تبغي المزيدا
/٦٦ ب/ فتراني إن قلت في غيرك الشِّعر بليدًا وفي علاك لبيدا
نذر النَّاس يوم برئك صومًا غير أنِّي رأيت ذلك عيدا
فلهذا أكلت فيه طعامًا ولبست الغداة فيه جديدا
[٤٩٨]
عليُّ بن إبراهيم بن كامل بن أحمد، أبو الحسن الأمشاطيُّ.
كان أبوه يعرف بابن التركي، أصله من قرية من عمل الموصل يقال لها الدولعية. وأبو الحسن قرأ طرفًا من فقه الإمام الشافعي -﵁- وربّما سمحت قريحته بشعر.
[ ٤ / ١٠٥ ]
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى معتمد الدين: [من المجتث]
يا من عليه اعتمادي في كلِّ حادثٍ خطب
وفي عقيب صلاتي أدعو له الله ربِّي
بأن يعيش ويبقى ما حجَّ ركبٌ يلبي
فأنت معمتد الدِّين جابرٌ كلَّ قلب
فالعبد يهواك صدقًا وظاهر الحال ينبي
/٦٧ أ/ فانظر إليه عساه يرتاح من حرِّ كرب
فللزمان اجتياحٌ مغرًى بفقرٍ وسلب
فادفع سطاه بجاهٍ عن عبدكم لا بعضب
لا زلت ممَّن يرجَّى لخادمٍ ومحبِّ
[٤٩٩]
عليُّ بن أبي المكارم بن مسعود بن حمزة المقرئ أبو الحسن الأنصاريُّ، البغداديُّ المولد، الموصليُّ الدار.
مقرّه بمدينة الموصل. وصحب الشيخ أبا الحرم مكي بن ريّان النحوي، وقرأ عليه القرآن الكريم بوجوه القراءات، وأخذ عنه أدبًا ونحوًا.
وهو نعم الرجل دينًا وفضلًا؛ سألته عن ولادته، فقال: ولدت في عاشر رمضان سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ببغداد.
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الخطيب عبد الله بن عبد المحسن بن عبد الله الموصلي الطوسي: [من الطويل]
سلامٌ من الله العظيم ورحمةٌ على خير من أهدي إليه سلامي
أبي الفضل مجد الدِّين واحد عصره إمامٍ به يأتمُّ كلُّ إمام
/٦٧ ب/ به يهتدي ذو الغيِّ بعد ضلاله ويحظى بأعلى رتبةٍ ومقام
وإنِّي لا أسطيع حصر صفاته إذا كان حصر القطر غير مرام
أمولاي إنَّ النَّاس منَّ عليهم بسقيا وأشكو من صدًى وأوام
وإن كان عجزي مقعدي ومثبِّطي فإنَّ اشتياقي قائدي بزمام
[ ٤ / ١٠٦ ]
وإنَّ فؤادي يستلذُّ بذكركم وأنتم مناي سادتي
وذكركم شربي الَّذي أرتوي به وزادي الَّذي أردي العدا وأحامي
سلامٌ إليكم كلَّما حنَّ عاشقٌ وما جنَّ ليلٌ غاسقٌ بظلام
وما لاح نجمٌ يهتدى بضيائه وما ناح محزونٌ بنوح حمام
وكتب إليه أبو اسحاق إبراهيم بن عبد الكريم الحنفي -﵀- بهذه الأبيات: [من مجزوء الرمل]
قل لتاج الدِّين وهو المرء بالمعروف يعرف
يا صفيًّا خلته أصفى من الرَّاح وألطف
حاجةٌ ليس لها إلَّاك مخدومٌ يكلَّف
مصحفٌ بدَّله النَّاسخ ما شاء وصحَّف
/٦٨ أ/ فتغمَّده بإصلاحٍ فبالإصلاح يوصف
واتَّخذها منَّةٍ ما حذف الدَّهر مضعَّف
فأجابه أبو الحسن وأنشدنيه: -[من مجزوء الرمل]
إنَّ شمس الدِّين شمسٌ لا تراها الشَّمس تكسف
ضوؤها في الظُّهر واللَّيل سواءٌ ليس يسدف
الموجود حتَّى قيل أسرف
وأريج المسك لولا عرفه ما كان يعرف
هو في الجملة من حسنٍ وإحسانٍ يؤلَّف
نسمٌ راقت ورقَّت فهي في ذلك قرقف
جعل المملوك بالحاج الَّذي عزَّ وشرَّف
[٥٠٠]
عليُّ بن محمّد بن بدر بن أبي بكر بن أبي الحسن بن أبي الهيجاء بن سعيد بن سهيل بن حميد بن قحطبة، أبو الحسن الحميديُّ الكرديُّ، المصري المولد والمنشأ.
من أبناء الأمراء، له ديوان شعر ومعظمه ساقط النظم ضعيف /٦٨ ب/ وربّما مرَّ
[ ٤ / ١٠٧ ]
له أبيات قريبة.
أنشدني لنفسه، وهو أصلح ما وجدت له: [من مجزوء الرمل]
يا شفائي وسقامي شفَّني منك الصُّدود
إرحم الصَّبَّ الَّذي أشواقه فيك تزيد
معشر العذَّال رفقًا فالهوى صعب شديد
قسمًا إنِّي رهينٌ للهوى فيمن أريد
[٥٠١]
عليُّ بن سلمان بن أبي الفرج، أبو الحسن البغداديُّ، المعروف بابن مريم.
وهي أمُّه غلب عليه اسمها فنسب إليها.
شيخ أحمر اللون، أبيض اللحية، فزع العينين.
لقيته بمدينة إربل، يتعاطى بدقيق الكلام على مذهب الصوفية وإشاراتهم في معنى الحقيقة والمعرفة من جنس ألفاظ الحلاج والشطح، ويناظر في ذلك. ويزعم أنه اشتغل بعلم ولا يعرف الخط، وهذه الألفاظ تصدر عن خاطره ما تفهم ولا فائدة فيها ولا محصول غير أنَّ له قريحة في ارتجالها وقدرة في استنباطها /٦٩ أ/ جعلها هجيراه ودربته. أخبرني أنه ولد سنة سبع وخمسين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه ما مدح به الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين -﵁-: [من مجزوء الرمل]
إبن زين الدِّين مولًى عجزت عنه صفاتي
هو حرفٌ كان قبل الكائنات
أو بدا من حيث آتي
هو أبو الآباء فينا هو أمُّ الأمَّهات
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
خير النُّفوس العارفات بذاتها ذات الذَّوات بذات ذات ذواتها
[ ٤ / ١٠٨ ]
طابت فطاب الأصل منها أشرفت عرفت مكان هويِّ ما هيَّاتها
. وكانت كلَّ شاهدت وتجوهرت فتجاوزت عاداتها
كانت وما زالت ولكن أظهرت محجوبةً كي لا ترى علَّاتها
لولا حجاب النَّفس عنها أدركت منَّابها أقصى جميع صفاتها
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الرمل]
ونجومٍ في سماءٍ طلَّعٍ كسفت من ضوء نور القمر
/٦٩ ب/ فإذا شمسٌ نهارٍ طلعت هي أوفى منهم في النَّظر
فإذا صرت أنا إيَّاهم صار من ذاتي كذاتي خبري
وأنشدني أيضًا قوله: [من الوافر]
أقول لجارتي واللَّيل ولَّى وقد لاح الصَّباح من الخمار
دعيني كي أسير إلى بلادٍ بها أهلي ومن أهواه جاري
وكيف تلذُّ لي في الأرض دارٌ وقد عاينت بالملكوت داري
[٥٠٢]
عليُّ بن أبي الفرج بن محمود بن الحسن الجراحيُّ، أبو الحسن.
شاب من أهل واسط، سمع الحديث كثيرًا بواسط والبصرة وبغداد وإربل. ويعرف طرفًا جيدًا من علم النحو وصدرًا صالحًا في الحساب.
أخبرني أنّه ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة. شاهدته بالموصل سنة إحدى وثلاثين وستمائة؛ وهو حسن اللعب بالشطرنج ذو طبقة، ويلعب به غائبًا فلا يكاد يفوته من نقله شيء لقوة إدمانه فيه.
أنشدني لنفسه في صاحب الديوان -وهو علي بن إبراهيم الأنباري-:
[من الطويل]
[ ٤ / ١٠٩ ]
/٧٠ أ/ أمولاي تاج الدِّين لا زلت بانيًا فخارًا له فوق الفخر صعود
إلى حين إنَّ ذاك بعيد
فقد خمولٌ وإخمال اللَّبيب شديد
أماثل هاء الوقف والهمزة اختها وذاك سواءٌ فقدها ووجود
فصيّرني بالنداء تكرُّمًا ففضلك يا ابن الأكرمين مديد
فهو طريد
[٥٠٣]
عليُّ بن أحمد بن عثمان بن أبي الجيش بن الحسن بن عثمان بن أبي الجيش البوازيجيُّ، أبو الحسن.
كان مولده -فيما أخبرني من لفظه- سنة أربع وستمائة. له طبع في النظم، وقريحة جيدة يمدح ويهجو، وله خط حسن ينسخ بالأجر، وقد كتب بيده عدّة مجلدات أدبية وغيرها.
نزل بغداد وتديَّرها، ورأيته بها سنة تسع وثلاثين وستمائة. أنشدني لنفسه وكان الموجب لقول ذلك أنَّ أقوامًا أخذوا في سبِّه وبالغوا في ثلبه، فكتبه إليهم ذامًا مفتخرًا عليهم: [من البسيط]
/٧٠ ب/ سلي القبائل عنِّي يا ابنة الحكم تنبيك عن نعمي أيضًا وعن نقمي
فلي أحاديث في الأيَّام سائرةٌ معروفة العرب بين العرب والعجم
أغضُّ من نظري عن كلِّ فاحشةٍ وأتَّقي كلم المحذور في كلمي
ولا أطيع هوى نفسي فتأمرني على الفعال الَّذي لم ترضه شيمي
تحدَّث النَّاس عنِّي في محافلها كالشَّمع يظهر منه النُّور في الظُّلم
وما سكنت إلى ذلٍّ ومسكنةٍ وليس إلى غير العلا هممي
وإنَّما شغلي بالمجد أرفعه أذبُّ عنه بحدِّ السَّيف والقلم
أنا الَّذي ترهب الأيَّام صولته وتتَّقي بأسه الآساد في الأجم
تخشى الكتائب غاراتي وتحذرني بنو الملوك بذكري في حصونهم
ملئت فضلًا وافضالًا فعاندني قومٌ خلون من الإحسان والكرم
[ ٤ / ١١٠ ]
لا يستطيعون إرماقي محاذرةً كأنَّني الشَّمس تبدو في عيونهم
أظهرت بينهم علمًا فما فهموا فقد عذرتهم في سوء فهمهم
إذا تفكَّر في فضلي أجلُّهم كنت المبرِّر منهم يوم سبقهم
ينبِّهون على فضلي بجهلهم وقد تمكَّن فضلي من نفوسهم
وقد يشيعون قبح القول بينهم عنِّي فيظهر فضلي عند نقصهم
/٧١ ب/ لأنَّني أطيب الأثمار بينهم فقد رجمت لأثماري بزورهم
قومٌ يشحُّون في الدُّنيا بمالهم ويسمحون على العافي بعرضهم
شبه الغثاء بلا علمٍ ولا أدبٍ ولا وفاءٍ ولا حلمٍ ولا كرم
هم الحقيرون لا يرجى نوالهم ولا وجودًا إذا فتَّشت في عدم
إذا امرؤٌ من أقاربهم أعطيته جانبًا منِّي لبعضهم
. من ديارهم طيفًا منعت جفوني لذَّة الحلم
مثل الصُّقور إذا يرمون شرِّهم وفي المكارم مثل البوم والرَّخم
أيمنعوني حقًّا لا أبالهم ويأخذون ببهتٍ فوق حقِّهم
وليس عندي لهم قدرٌ فأعتبهم من يزرع الشرَّ لم يحصد سوى النَّدم
كفاني إنَّني من بينهم رجلٌ كالصِّل لا أحدٌ عنهم يسدُّ فمي
يحاولون صلاحي بعد مفسدة مثل السَّقام تداوى منه بالسَّقم
والله ما ارتعت منهم خيفةً أبدًا ولا فزعت إليهم خوف جورهم
ما أحسن الدَّهر عندي بالبعاد يدًا إلَّا تذكَّرت منهم سوء فعلهم
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
إذا احتجبت عنِّي الَّتي بجمالها بليت رأيت الموت دون حجابها
/٧١ ب/ تعجَّبت منِّي وهي في القلب كلَّما عبرت ثنى طرفي إلى نحو بابها
وأنشدني لنفسه يمدح بعض الوزراء: [من البسيط]
قل للوزير أدام الله نعمته قولًا تنال به الأقصى من الطَّلب
نجل الكرام الَّذي قد حاز مرتبةً ما حازها أحدٌ من سائر الرُّتب
أفاده العزُّ آباءٌ ذوو شرفٍ حوت لسبق الحالي غاية القصب
كيوان منزله الأدنى وخادمه بهرام وهي مضاهي السَّبعة الشُّهب
[ ٤ / ١١١ ]
إذا تبدَّى لمجدٍ أو لمكرمةٍ أزرى على الفاخرين المال والنَّسب
وإن تسامى علوًّا فوق مرتبةٍ سما على المشرفين المجد والحسب
أمضى من المرهف الهنديِّ عزمته وكفُّه بالنَّدى أندى من السُّحب
إذا تضايقت الأيَّام كان له رأيٌ يفرِّق بين الدَّهر والنُّوب
وإن أضرَّ بنا عسرٌ ففي يده جودٌ يؤلِّف بين الحظِّ والأرب
لأنت في المجد رأسٌ والورى ذنبٌ شتَّان في الدَّهر بين الرَّأس والذَّنب
وأنشدني لنفسه من مديح قصيدة: [من الكامل]
حبرٌ لنا من جاهه ونواله بحران بينهما الأنام تعوم
/٧٢ أ/ عمَّت مواهبه البلاد وأهلها بالجود حتَّى يوجد المعدوم
تتظلَّم الأموال من إنعامه وبعدله يستنصف المظلوم
لم يدر في الإحسان ما سنة الكرى حيٌّ يطيِّب ذكره قيُّوم
وأنشدني لنفسه يمدح: [من الكامل]
ما أنت إلَّا واحدٌ في ذاته والكلُّ من عرضٍ وأنت الجوهر
ضاهى بك الله الخلائق كلَّها مهما ملكت فإنَّ قدرك أكبر
وأنشدني لنفسه من غزل القصيدة: [من الكامل]
بأبي الَّذي إن غبت عنه يزورني لطفًا وعهدي بالحبيب يزار
رشأ يحار الوهم عند صفاته ماء الحياة بخدِّه والنَّار
حصر الكمال جماله في أربعٍ من نعتها تتخيَّر الأفكار
الخدُّ وردٌ والعذار بنفسجٌ والشَّعر ليل والجبين نهار
[٥٠٤]
عليُّ بن عثمان بن عليِّ بن سليمان بن عليِّ، أبو الحسن السليمانيُّ الإربليُّ.
[ ٤ / ١١٢ ]
شاب من أهل إربل، صرف فكرته إلى قول الشعر، فقال منه وأكثر في المديح والتغزيل /٧٢ ب/ أنشدني لنفسه يمدح الصاحب أبا البركات المستوفي -رحمه الله تعالى-: [من الخفيف]
بعد عصر الصِّبا ورسم التَّصابي أترجَّى وصلًا من الأحباب؟ !
يا لقومي كيف السَّبيل وقد حلَّ برأسي البازيُّ بعد الغراب
أنكرت إذ رأت بياض عذاري ثمَّ صدَّت من بعد طول اقتراب
دأبي الغانيات لولا النجنِّي ما تداني شيبي وولَّى شبابي
ضحك الشَّيب فاستهل له الدَّمـ ـع ألا ربَّ ضاحكٍ لارتياب
وتولَّت عنِّي المها بعد أن واصلن دهرًا وأنكرتني صحابي
إن حمل الهوى على قرب من تهوى وبعد المزار شرُّ المصاب
من لعينيَّ أن تمتَّع في روض معاني ذاك الحمى والجناب
ولقلبي أن يستفيق غرامًا بوصالٍ من الحسان الكعاب
طال شوقي هل من سبيلٍ إلى القرب فتطفى بذاك نار اكتئابي
كان ظنِّي أنَّ الصُّدود دلالٌ فتبيَّنته صدود اجتناب
أسفي لو يردُّ عيشٌ تقضَّى بالحمى بين صحَّةٍ واصطحاب
حكم البين بالذَّهاب فل يحكم يومًا لشملنا بالإياب
/٧٣ أ/ خلَّفوني رهن البلى أسأل الأطلال عنهم فلا تردُّ جوابي
وسروا بالفؤاد منِّي فلا مسعد إلَّا توجعُّي وانتحابي
[ ٤ / ١١٣ ]
عن جفوني حكى السَّحاب فلا أسأل سقي الرَّباب دار الرَّباب
مدمعٌ لو سفحته لا الأرض كجود المبارك الوهَّاب
ماجدٌ يجعل السَّماحة والفضل صقال الإحسان والأنساب
مستهلُّ لقاصديه فلا يجلس للنَّاس حجاب
حاكمٌ عادلٌ حليمٌ فلا ينطق مهما يرى بغير الصَّواب
قسم العمر منه يوم ندًى جمٍّ ينادي له ويوم عقاب
يرتجي عفوه المسيء وتخشى الـ ـفتك من بأسه أسود الغاب
آزر الملك بالوزير وعزَّت بعد ذلٍّ مكانة الآداب
شرف الدِّين يا أعزَّ حمى جارٍ وأعلى مجدٍ وأقصد باب
إنَّ دهري أعادني بالملمَّات جريحًا ما بين ظفرٍ وناب
وأراني النَّعيم بؤسًا الصوت منِّي ظلمًا بسوط عذاب
وإليك التجأت إنَّك للِّاجي حمًى مانعٌ من الأوصاب
لأياديك سيب جودٍ على النَّاس وفضلٌ أطواقه في الرِّقاب
/٧٣ ب/ أيّ شكر لغير مجدك لم يدنس بذمٍ بين الأنام وعاب
من يرم فيكم المديح يجد أسباب وصفٍ تقوم بالأسباب
فابق ما دامت اللَّيالي وما انهلَّ من المعصرات صوب سحاب
وأنشدني لنفسه من غزل قصيدة: [من الطويل]
لو سنان ذاك الطَّرف فرط سهاده وللوجد ما أبقى الهوى من فؤاده
محبٌّ بأكناف الشَّام يشوقه مهبُّ الصَّبا من أرضكم
تمنَّى وقد عزَّ الوصال خيالكم فكيف ولمَّا تأذنوا برقاده
أأحبابنا كيف اللِّقاء وبيننا عراض الفلا من هضبه ووهاده
ومازال يخشى بعدكم في اقترابه فكيف يرجِّي قربكم في بعاده
لكم منزلٌ في القلب ليس بدارسٍ فسرُّ هواكم كامنٌ في سواده
لئن قصَّرت عنكم طوال رسائلي فإنَّ اشتياقي نحوكم في ازدياده
لعمري لقد قلَّ الصَّديق فلا ترى من النَّاس من يوليك صفو وداده
وقلَّت مروءات الرِّجال فكلُّ من بلوت رأيت الغدر نصَّ اعتقاده
[ ٤ / ١١٤ ]
وأنشدني لنفسه من أخرى: [من الكامل]
/٧٤ أ/ ألياليًا سلفت لنا بزرود عودي ليورق من إيابك عودي
واسترجعي ذاك الوصال فإنَّه أشهى إلى قلبي من التَّوحيد
لله ساعات الوداع فإنَّها تركت لظًى بحشاي ذات وقود
يا صيحةً بشتات شملٍ جامعٍ حلَّت وثائق دمعي المعقود
إنِّي لأعلم أنَّهم لمَّا سروا علموا بضعف تصبُّري المنجود
وتعمَّد الحادي حثيثك في السُّرى ليذيب حبَّة قلبي المعمود
. إلى الأطلال ليس بنافعٍ وبكاي للنَّائين غير مفيد
وإذا المحبُّ ثناه عن أحبابه بعد المزار فذاك غير بعيد
يا ليت ما بين الأحبَّة من نوًى ما بين جفن الصَّبِّ والتَّسهيد
أوليتهم علموا بأنَّ مدامعي حتَّى على خلاف لبيد
ومنها يقول:
ألنار قلبٍ غير ماء مدامعٍ أو غير نجمٍ ثاقبٍ لمريد
رعيًا لأيَّام الوصال فإنَّني أنفقت فيها طارفي وتليدي
إذ صرف دهرين صرف عين ولم يمدد إليَّ بباعه الممدود
ومنها:
/٧٤ ب/ ومدامةٍ كدم الذَّبيح جلوتها في الكأس بارزةً بنغمة عود
هي جوهر الأشياء إلَّا أنَّها أمُّ الكبائر وابنة العنقود
يسقيكها رشأ كأنَّ قوامه في اللِّين خوط البانة الأملود
ظبيٌ لواحظه السِّهام قسيُّها موتورةٌ أبدًا لصيد الصِّيد
إن لاح أزرى بالبدور وإن شدا صمتت حمائمنا عن التَّغريد
آليت لا أنفكَّ أرعى عهده كلَّا ولا أصغي إلى التَّفنيد
أو ينثني عن جوده ونواله كفُّ الأمير محمَّد المحمود
[ ٤ / ١١٥ ]
وأنشدني لنفسه في سنة تسع وثلاثين وستمائة: [من الكامل]
علِّل بإدلاج الرَّكائب والسُّرى دنفًا براه من التَّشوُّق ما برى
ذكر الشَّام وشام بارق جوشنٍ وقبابه فحمى عن الجفن الكرى
إيهٍ حديثك عن قويق فماؤه أشهى إلى قلبي وأعذب كوثرا
هلَّا إلى باناته من عودةٍ متفيِّئًا بظلالها متستِّرا
وعن المشاهد كم شهدت بجوِّها شمسًا محجَّبةً وبدرًا نيِّرا
حلب المنى الأقصى وليلاتي بها حكمت عليَّ ببعدها أن أسهرا
/٧٥ أ/ من لي بأن ألقي بحاضرها العصا وأريج عيسًا شفَّها جذب البرى
فارقت مسقط هامتي متخيِّرًا وأتيتها فسألتها متدبِّرا
وحييت من نعمائها بفواضلٍ كالبحر نيلًا والسَّحاب إذا سرى
مالي وللأيَّام تغري بالنَّوى وتخصُّني بالبعد من دون الورى
فأظلُّ طورًا معرقًا أو منجدًا وأبيت طورًا مشئمًا أو مغورًا
هل أنت يا برق العراق مبلِّغٌ من بالشَّام سلام منبتِّ العرى
وإذا امرؤٌ قطع المفاوز خائفًا خطبًا عراه إلى العراق فقد عرى
بدلِّت عن أسد الشَّرى وأكارمٍ تهمى لكنهم أبناء ضوطرا
ولقد رفعت عروشهم بمذمةٍ فهم هم أين العقائر والقرى
وأتيتها بالخيل أعدو نحوها الجمزى وها أنا قد رجعت القهقرى
يا راكبًا يطوي الفلاة محاولًا أرض الشَّام وبالغًا تلك القرى
إن أنت شارفت المرتب سالمًا ورأيت ذاك المعقل السَّامي الذُّرى
فاسجد لربِّك خاضعًا لجلاله ولعزِّه ومقبِّلًا عنِّي الثَّرى
وودت حرَّ أديم وجهي لو ثوى في ذلك الحرِّ الأديم معفِّرا
ومتى بلغت حمى الوزير وبابه أممًا فكلُّ الصَّيد في جوف الفرا
/٧٥ ب/ لم يلقه الأقوام إلَّا قائمًا متهجِّدًا أو صائمًا متهجِّرًا
ساس البلاد وهذَّبت أخلاقه خلق الرَّعيَّة فاسترقَّ الأكثرا
[ ٤ / ١١٦ ]
وتحمَّل الأعباء فاغتدى عن ساق سعيٍ في العلاء مشمِّرا
قاضٍ قضى بالعدل في أيَّامه فبدا لنا ليل المظالم مقمرا
الله أولاه يدًا من فضله وأنا له في العلم حظًا أوفرا
وأمدَّه من جوده بمعونةٍ وأذلَّ عزَّة حاسديه وأصغرا
يقظٌ السَّحاب إذا جرى
فإذا وجدت وجدت أحسن مخبرًا وإذا رأيت رأيت أحسن ما يرى
وإذا وردت وردت بحرًا سائغًا وإذا هززت هززت غصنًا مثمرا
أضحى على الشَّهباء ثاقب رأيه أحمى من الشُّهب الشِّداد وأشهرا
عصم العواصم بالعزائم والنُّهى فكفى مكافحه الحسام الأبترا
وأزال جيش الشِّرك منه بسطوةٍ جاشت فولَّى الشِّرك منها مدبرا
يا أوحد الوزراء في أفعاله وأعمَّهم فضلًا وأسمى مفخرا
إن لم تكن يا ابن الأكارم جعفرًا فقد أجرى بنانك جعفرا
فليغضض الحسَّاد طرفًا عن يدٍ بيضاء تعرف بالعوارف أو ترى
/٧٦ أ/ ولتبق بالفعل الجميل فإنَّما كبت المعاند بالماثر والثَّرى
وتقبَّل البكر البطينة إنَّها نذرت لك المدح الجميل محرَّرا
عمري لقد ذهب الكرام فلا أرى إلَّا حديثك في المكارم مؤثرا
فاسلم على مرِّ اللَّيالي ما سرى برقٌ وما مرَّ النَّسيم معًنبرًا
وأنشدني لنفسه، وهو مما قاله بحلب المحروسة: [من الطويل]
أجر مدنفًا أنت العليم بحاله ورقَّ لمن لم يبق غير خياله
وإن لم تجد فاعطف عليه بموعدٍ يعلِّل قلبًا هائمًا بمحاله
ظمئت وهل رشف الثَّنايا يعلُّني وهل ظمأي إلَّا لبرد زلاله
وأنحلني حمل الغرام وممرضٌ بجفوته من لا أمرُّ بباله
وأعجب شيءٍ أنَّه بخياله يضنُّ وأنِّي طامعٌ في وصاله
من التُّرك ترك الوصل أكبر همِّه وجفوة خلٍّ من جميل خلاله
[ ٤ / ١١٧ ]
إذا ماس حار الغصن منه وإن بدا أضرَّ بضوء البدر عند كماله
أهيم به وجدًا على القرب والنَّوى على صحَّةٍ من ودِّه واعتلاله
وأهجر هجر الحائمات لأنَّني رأيت ورود الموت دون بلاله
/٧٦ ب/ محا سحرٍ ذاك الطَّرف آية سلوتي وأسلبني عزِّي بذلِّ سؤاله
أعانقه حبًّا وأخشاه هيبةً لما بي من إجلاله وجماله
له في الرِّضا فتكٌ بصارم لحظه أعيذ حبيبًا سلمه كقتاله
خذوا بدمي يال الهوى وتطلَّبوا دمًا سفكته راشقات نباله
وأنكرتم أنَّ الشَّقيق بخدِّه أما هذه في الخدِّ نقطة خاله
سقى الغيث منهَّلَّ العزالي ربى الحمى بحوذان العذيب وصاله
ولا زال مخضلَّ الجوانب ممرعًا تمرُّ بنشر المسك ريح شماله
فكم غزلٍ أوردته في غزاله وكم رملٍ أنشدت بين رماله
أحبَّتنا ولَّى زمانِّي وحبُّكم مقيم يزول العمر دون زواله
هل الدَّهر يثني عوده من جميعكم على ذنفٍ واهي التَّجلُّد واله
يكتِّم شكوى الحبِّ إذ ليس راحمٌ ويجحده صونًا له بمقاله
وقالوا: سلا إذ كفَّ شاني وإنَّما أكفكف دمع العين خوف انهماله
وأنشدني لنفسه يرثي الأمير ناصر الدين أبا المكارم محمد بن قرطايا بن عبد الله الإربلي، وتوفى بحلب وذلك /٧٧ أ/ في سنة أربع وثلاثين وستمائة -﵁-:
[من الطويل]
عتابي على ريب الزَّمان يطول وما الصَّبر عندي مذ فقدت جميل
وإنِّي لمحزونٌ عليك فقلَّما يبلُّ بفرط الحزن فيك غليل
أمحتجبًا بالتُّرب رهن يد البلى بديماس لحدٍ ما إليه سبيل
أجبني فقد ضاق الفضاء وغالني لفقدك من أيدي الحوادث غول
أتأذن لي بالشَّام أم يستقلُّ بي إلى وطني صفر اليدين رحيل
رجوتك أيَّام الحياة فكان لي إلى كلِّ فضلٍ من نداك وصول
[ ٤ / ١١٨ ]
وقلت: حديث النَّفس ترجى حياته ولم أدر أنَّ الحال فيك تحول
أيا سالبي سربال صبري وملبسي حدادًا عليه طرزهنَّ خمول
ويا جبلًا قد كنت معتصمًا به أكفُّ به كفَّ الرَّدَّى وأصول
دعوتك للأيَّام دغوة خائفٍ مكائد دهرٍ كلُّهنَّ غلول
فأعياك عن ردِّ الجواب فهل فتًى يصحُّ لبث الحزن حيث أقول
وحسبك دمعي فهو نصرة خاذلٍ له مسرحٌ في وجنتي ومسيل
إذا ما دعوت الصَّبر من الصَّدِّ كثر الصَّبر عنه قليل
فيا ليته يحيا طريحًا وليتني أقول لوفد العائدين عليل
/٧٧ ب/ وتسمع تعليل الأساة وقولهم إلى البرء يفضي أمره ويؤول
نعى قومه بالشَّرق ناعٍ فجاءهً فكادت له شمُّ الجبال تزول
نعى ناصر الدِّين الأمير محمَّدًا فطارت قلوبٌ فجعةً وعقول
فتًى كان غوثًا للطَّريد وظلُّه على آمليه والعفاة ظليل
خفيفٌ على قلب الصَّديق ووطؤه شديدٌ على نحر العدوِّ ثقيل
يسرُّك في صدر المواكب كثرةً ويرضيك قولًا منه وهو رسيل
عدمت صهيل الصَّافنات ولا أرى جيادك تجري بينها وتجول
سقى قبرك الغرَّ الغوادي وجاده سحابٌ إذا ضنَّ السَّحاب هطول
وآنس مغناك الجديد برحمةٍ لها حجبٌ من نورها وحجول
أقمت بأرضٍ لا خليلٌ مساعدٌ ولا صاحبٌ في النَّائبات خليل
ولا صارمٌ عضبٌ يذود به الرَّدى ولا نائلٌ تسخو به وتنيل
وكنت أخا الحرب العوان وللظُّبا على هامة اللَّيث الكميِّ صليل
فكيف وهى البأس الشَّديد وجاءنا عزيز القياد منك وهو ذليل
أخانتك سمر الذَّابلات أم اغتدى حسامك يوم الرُّوع وهو كليل
فبعدك ما وجه المسرَّات أبيضٌ لدي ولا طرف الزَّمان كحيل
/٧٨ أ/ وما كنت إلَّا البدر تمَّ طلوعه فعاوده بعد الطُّلوع أفول
فلو كان يفدى ميِّتٌ كنت تفتدي ولكنَّه ما لا يقيه بديل
ولو كنت تحمى بالصَّوارم والقنا حماك أخٌ في النَّائبات حمول
[ ٤ / ١١٩ ]
وطارد عنك الموت قسرًا وإنَّه لعثرة أبناء الكرام مقيل
حمى وحوى الأقوام بعدك غيره وأنَّى لهم بالحجِّ منه كفيل
إلى ظلِّه ملنا ونحن عصابةٌ لنا مسرحٌ من جوده ومقيل
شهابٌ براه الله للخطب ثاقبٌ ومصباح سارٍ في الظَّلام دليل
وخير الورى من لاذ قومٌ بظلِّه ومن ليس للعافين عنه عدول
وقال، وكتب بها جوابًا إلى اصحب له بنصيبين، وهو يومئذ بحلب في سنة إحدى وثلاثين وستمائة: [من الطويل]
أتاني كتابٌ منك هيَّج لوعتي فكدت بدمعي يا أخا الودِّ أشرق
أتى مخبرًا عن صفو ودٍ كأنَّه وحقِّك عمَّا في ضميري ينطق
وهيهات أن تحوي اشتياقي رسائلٌ وتحمل أشجاني جيادٌ وأينق
عليك سلام الله من ذي حفيظةٍ له مدمعٌ صافٍ ووردٌ مرنَّق
/٧٨ ب/ متى خطرت من جانب الشَّرق نفحةٌ تكاد لها روحي من الشَّوق تزهق
ويذكرني ربع التَّصابي وأنسه نسيم الصَّبا والبارق المتألِّق
فللَّه صبٌّ في نصيبين قلبه غدا موثقًا والجسم بالشَّام مطلق
يهيِّج وجدي من قويقٍ ولوعتي لذكراك ماء الزَّاهر المترقرق
وأشتاق روضاتٍ هناك أريضةً شهيَّة مرأى العين بالطِّيب تعبق
عليها كسقط الطَّلِّ منثور لؤلؤٍ وفيها لصفو الظِّلِّ حسنٌ ورونق
وما هي إلَّا كالبلاد وإن غدت بك من شوقٍ تخبُّ وتعنق
فسقَّى رباها لامع الودق هاطلٌ من الغيث وسميُّ السَّحائب مغدق
يقولون بعد الخلب يخلق ودُّهم وحاشا ودادي أو ودادك يخلق
وعدت فلا نشر النَّسيم معنبرٌ كعهدي ولا غصن الأراكة مورق
عسى الله يدني الدَّار بعد تباعدٍ فيضحى جميعًا شملنا المتفرِّق
وقال أيضًا: [من الطويل]
وقائلةٍ باد الكرام فلا ترى من النَّاس من تطوى إليه السَّباسب
فقلت: اقصري واسترشدي سبل الهدى لديك إذا ضاقت عليك المواهب
فإنَّ احمد المحمود في البأس والنَّدى لأكرم من تحدى إليه النَّجائب
[ ٤ / ١٢٠ ]
/٧٩ أ/ فتى في جماع المال والملك زاهدٌ وفي جمع أزكى الحمد والشُّكر راغب
ينيل جزيلًا ثمَّ يغدو كأنَّه لفرط احتقال المال في البذل طالب
فكلُّ عدوٍّ حيث تلقاه خاضعٌ وكلُّ بليغٍ حيث يلقاه خاطب
إذا ما سطا في حومة الحرب والوغى تدنَّى له سمر القنا والقواضب
عليمٌ بأعقاب الأمور مؤيَّدٌ تخبِّره عمَّا يكون التَّجارب
إذا ما سرى في مبهم الخطب رأيه تجلَّت له عمَّا لديه الغياهب
متى جال في حرب رأيت غريضه إذا قام منه جانبٌ مال جانب
أمولاي ركن الدِّين شكرًا فإنَّها منائح يعطاها الفتى ومواهب
سما قرطايا بالفخار ومن تكن لا تعتريه المعايب
أتاك أناسٌ جاهدون من الطِّوى عصائب يقفو إثرهنَّ عصائب
فعاجوا فأثنوا بالَّذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فعش سالمًا ما ماس في فنِّ دوحةٍ قضيبٌ أمالته الصَّبا والجنائب
وفي التَّعريض بالأمر غنيةٌ إذ الجود عمَّا يقتضي الوعد نائب
وقال أيضًا: [من الطويل]
جوًى في الحشا تطوى عليه الأضالع أكتِّمه صونًا له وهو شائع
/٧٩ ب/ دعوني وفيض الدَّمع أشف بوبله غليلي فقد بان الحبيب المضاجع
نبا السَّمع عن داعٍ دعا بقطيعة أقضَّت لها بعد الفراق المضاجع
سرت بسروري والهجوع ركابهم فلا القلب مسرورٌ ولا الطَّرف هاجع
هم تركوني للهموم دريئةً أنازع من همِّي بهم ما أنَّازع
مقيمًا بزوراء العراق وبيننا مدًى لمسير الأعوجيَّات واسع
أحنُّ لخفَّاقٍ النَّسيم إذا سرى ويطربني برقٌ من الشَّام لامع
وأذكر أيَّامًا بعلويِّ جوشنٍ تولَّت وهل تذكارها لي نافع
وعيشًا صفيق الظِّلِّ أخضر ناضرًا إذ الشَّمل دانٍ والحبيب مطاوع
مواسم لذَّاتٍ على الفيض لم تدم متى ذكرت فاضت عليها المدامع
سلامٌ على تلك الدِّيار فإنَّ لي حنينًا إلى سكَّانها يتتابع
تحدِّثني الأحلام بالقرب منهم فيا طيب ما توحي إليَّ المسامع
[ ٤ / ١٢١ ]
أصدِّق ظنِّي عنده وهو كاذبٌ وأوصل واهي حبله وهو قاطع
ولولا جوًى بين الجوانح لم أكن أصدِّق ما قال الخيال المخادع
وما تلفي في الحبِّ إلا مطامعي وأقتل أدواء الرِّجال المطامع
إلى م نديمي للفراق ندامتي وكأسي تباريها الدُّموع الهوامع
/٨٠ أ/ أعلوةُ لو أجدى المرقِّش جذُّه لإصبعه جذَّت عليك الأصابع
فلا تحسبي ودِّي يزول مقيمه ولو زال رضوى واستحال متالع
فلولا أيادٍ عميمةٍ لزرت ولو أنَّ الرِّماح شوارع
أيادٍ من المستنصر بن محمَّدٍ يلاحظها طرف المنى وهو خاشع
سحائب جودٍ عمَّت الأرض فاستوت أباطح من شؤبوبها وأجارع
له منهجٌ في الحّقِّ يدعو إلى الهدى وينسخ ما نصَّت عليه الشَّرائع
تقبِّل تيجان الملوك ترابه وأعناقها صعرٌ لديه خواضع
إمامٌ عليه للعبادة شيمةٌ وفي وجهه نور النُّبوَّة ساطع
حليمٌ يريك العفو فضل اقتداره على كلِّ جانٍ أسلمته الضَّرائع
بعيد مغار الكيد يمزج صبره لأعدائه بالسُّمِّ والسُّمُّ ناقع
وأبيض وضَّاح الجبين كأنَّما محيَّاه بدرٌ في الدُّجنَّة طالع
كريم السَّجايا فيه للَّه مخلصًا حياءٌ وحلمٌ راجحٌ وتواضع
فريد له في الجود وجدٌ محالفٌ وبدعٌ له في المكرمات بدائع
نبيلٌ فلا يبقي نوالًا كأنَّما خزائنه في راحتيه ودائع
مناقب تبدو في سناءٍ ورتبةٍ وعزٍّ كما تبدو النُّجوم الطَّوالع
/٨ ب/ له الأمر بعد الأمر للَّه وحده فما مؤمنٌ إلَّا مطيعٌ وسامع
يذبُّ عن الإسلام حبًّا ورغبةً ويمنع عنه مخلصًا ويدافع
بكلِّ شديد البأس مستحصد القوى إذا تمَّ لم يردعه في الأمر رادع
يخوض غمار الحزن والموت أحمرٌ يلاحظه والنَّقع أصفر فاقع
[ ٤ / ١٢٢ ]
ويردي الكمَّي القرم منه بطعنةٍ لها نفذٌ في متنه وهو دارع
جيوشٌ تجيش الأرض من خوف بأسها ويدنو إليها المطلب المتتابع
له الرَّاية السَّوداء لونًا وفعلها إذا ما التقى الجمعان أبيض ناصع
ذوائبها تحكي فؤاد عدوِّه بلا جزعٍ في خفقها وهو جازع
تطير على الأعداء حتَّى كأنَّها عقابٌ على شيءٍ من الطَّير واقع
معوَّدةٌ بالنَّصر تسري رياحها علينا رخاءً وهي فيهم زعازع
تحوم عليها الطَّير في كلِّ مأزقٍ على ثقةٍ ممَّا قرتها الوقائع
يثقِّفها في الرَّوع أغلب باسلٌ لدى الحرب مشبوح الذِّراعين رائع
جوادٌ إذا ما أتلف الدَّهر مخلفٌّ وخرقٌ إذا ما خرَّق الدَّهر راقع
إليك حثثنا اليعملات على الوجى وفي الرَّكب أشتاتٌ ظليعٌ وظالع
دعونا بها عرض الفلاة وعندنا وسائل نبغي ردَّها وذرائع
/٨١ أ/ نؤمُّ أمير المؤمنين ومن به يقدُّ من الخطب الجسيم الأخادع
سأملأ أقطار البلاد مدائحًا إذا كان لي من رأيه اليوم شافع
وما الشِّعر يغني أوَّل منه آخرًا ولكنَّه مثل المياه منابع
بقيت أمير المؤمنين مخلَّدًا لهذا الورى ما كبَّر اللَّه راكع
بقاؤك للدنيا وللدين عزَّةٌ وفخرٌ وفضلٌ بيِّنٌ وصنائع
وقال أيضًا: [من الطويل]
منالك من طيف الخيال الَّذي يسري يدلُّ على الوجد الَّذي حيث لا أدري
أتى الجانب الغربيَّ وهو بمانعٍ من الجانب الشَّرقيِّ يسري إلى القصر
فأنَّى اهتدى واللَّيل ما شقَّ جيبه ولا كشفت عن وجهه سدف الخمر
ألم نحي [يومًا] في أمانٍ من الكرى فلمَّا تيقَّظنا له فرَّ عن ذعر
يذكرِّنا إخلاف وعدٍ ممنَّعٍ يبيت على وصلٍ ويضحي على هجر
غزالٌ له من أخته نور وجهها إذا ما بدت في صبغ أثوابها الحمر
[ ٤ / ١٢٣ ]
أبثُّ إليه ما أجن وكلَّما بكيت عقيقًا ظلَّ يبسم عن درِّ
يموت به صبري فتبكيه لوعتي كما بكت الخنساء حزنًا على صخر
قريبٌ ترائيه بعيدٌ مناله نراه كما ترنو العيون إلى البدر
/٨١ ب/ إذا ما اهتدى قلبي بنور جبينه سبيل رشادٍ ظلَّ في ظلم الشَّعر
فعذت به عن سلوتي عند عاذلٍ أقام به إذ قام معتذرًا عذري
غدا خاله موسى كليمًا بناظري وما بطلت عيناه من عمل السِّحر
ومن عجبٍ والنَّار في صحن خدِّه يذوب بها قلبي ودمعي الَّذي يجري
تغير على العشَّاق زرقاء ثغره كما فعلت زرق الأسنَّة في ثغر
يعربد من سكر الشَّباب وجهله ومحتملٌ جهل الشَّباب على السُّكر
ظفرت به في النَّحر يذبح سلوتي فقبَّلته ألفًا على ذلك النَّحر
ولا عدل في شرع الهوى أيحدُّني وينجو بلا حدٍّ ومن ريقه خمري؟ !
شرحت له إيضاح وجدي مفصَّلًا فما ضرَّه لو كان في لمعٍ يقري
فحاجبه نون الوقاية وما وقت على شرطها فعل الجفون من الكسر
أضيف إلى ليل المحبِّين شعره فطال ولولا ذاك ما خصَّ بالجرِّ
لهيب فؤادي من لهيب خدوده وسقمي الَّذي أشكوه من سقم الخصر
دعيت قتيل البيض والسُّمر في الهوى وإن كنت أردي القرم بالبيض والسُّمر
لقد خاب من يدعو طليق دموعه لنصرة قلبٍ مات في ضرر الأسر
/٨٢ أ/ أبادية الأعراب كيف خفرتم ذمامي وأقدمتم على الذَّمِّ والغدر
فضلتم قصيًّا في الخداع لمغرمٍ غدا كأبي غبشان في
كتمت هواكم عن خليلي وصاحبي فنمَّ به سقمي وعيل به صبري
وأعجزني حصر الَّذي بي من الأسى كما أعجزت نعمى الخليفة عن حصر
وقال أيضًا: [من الكامل]
أكثرت من ذكر العذيب وحاجر وملاعبٍ خرسٍ ورسمٍ داثر
خذ في صفات مهفهفٍ علِّقته متلاشيًا مثل القضيب النَّاضر
[ ٤ / ١٢٤ ]
جذلان ما فترت صبابة مغرمٍ أمسى يغازله بطرفٍ فاتر
يرنو فينتهب القلوب وحسنه نهب العيون كذاك دأب الثَّائر
أحنو عليه بوجد قلبٍ ناسكٍ وأحار فيه بلحظ طرفٍ فاجر
متلوِّنٌ حذر الرَّقيب يصدُّ عن قربي وباطنه خلاف الظَّاهر
يا ناعس الأجفان هب لي رقدةً إن كنت تسمح إنَّ طيفك زائري
ذهبت بموعدك السُّنون فجد ومضت عقابيل الشَّباب قبادر
ولقد أطعت هواك غير مراقبٍ وعصيت نصح العذل غير محاذر
فإلى متى أنا في غيابات الهوى سكران بين عواذلٍ وعواذر
/٨٢ ب/ ولئن عثرت وقد ألَّم بلَّمتي صبح المشيب فلالعًا للعاثر
ولربَّ باكيةٍ وقد ودَّعتها شرقًا بوابل دمعي المتحادر
طفقت تلوم على الزَّماع وتشتكي غدرات أيَّام الزَّمان الغادر
فأجبتها بحشاشةٍ مقروحةٍ والعيس تهوي كالعقاب الكاسر
كفِّي فقد كفلت مناك مكارم المستنصر بن الظَّاهر بن النَّاصر
وقال أيضًا: [من الطويل]
ألمَّت بنا ليلى وقد هوَّم الرَّكب وأبدت لنا العتبى وفي طيِّها عتب
وحيَّت فأحيت ثمَّ سارت وخلَّفت رسيس هوًى في الصَّدر ليس له طبُّ
أتطرقنا وهنًا ومن رقبائها سنى وجهها الوضَّاح والمندل الرَّطب
تميل لفرط العجب أو مرح الصِّبا كما مال من مرِّ الصَّبا الغصن الرَّطب
/٨٣ أ/ كليلة حدِّ الطَّرف يفعل جفنها بألبابنا ما يفعل الصَّارم العضب
بديعة وصفٍ كمَّل اللَّه حسنها فليس لها في الخلق مثلٌ ولا ترب
ففي نور وجه الشَّمس منها مشابهٌ وفي رائق الصَّهباء من ريقها ضرب
شكوت فما رقَّت ورقَّت لشكوتي كواعب أترابٌ لها عرب
خلا قلبها من كلِّ وجدٍ ولوعةٍ ولم يخل من لوعات وجدٍ بها قلب
تجود بوعدٍ حين ينأى مزارها وتخلفه عهدًا إذا التأم الشَّعب
[ ٤ / ١٢٥ ]
تناءى إذا تدنو وتدنو إذا نأت ففي قربها بعدٌ وفي بعدها قرب
لقد سائني ما سرَّها من صدودها وقد جدَّني في حبِّها ذلك اللَّعب
على م وحتَّى م التَّدلُّل والعجب ألم يكفها أنِّي بها والهٌ صبُّ
كليني لهم فيك يا ليل ناصبٍ ونار اشتياقٍ بين جنبيَّ لا تخبو
تعلَّمت رصد النَّجم لولا تخونني قصار جفونٍ لا يجفُّ لها غرب
أحنُّ وأصبو كلَّ يومٍ وليلةٍ غرامًا إلى من لا تحنُّ ولا تصبو
/٨٣ ب/ عدمت دلال الغانيات فإنَّه شجى كلِّ نفسٍ يستخفُّ بها الحبُّ
تسمَّين بالحسنى وهنَّ ظوالمٌ وحالفن ما تحوي البراقع والنُّقب
فما أجملت جملٌ غداة فراقنا ولا أسعدت سعدى ولا أعتبت عتب
وعيسٍ كأمثال الحنايا ضوامرٍ لها النَّصُّ والإرقال في سيرها دأب
مراسيل لا جذب البُّرى يستزيدها ولا يزدهيها ذو فج لا ولا هضب
تقل بني الحاجات من كلِّ نازحٍ قصيٍّ له من شحبها دائمًا شرب
إذا وردوا من بعد خمسٍ وأوردوا مغيض عباب الماء منهم إذا عبُّوا
سريت بهم واللَّيل مرخٍ رواقه وسرت ووجه الشَّمس ليس لها حجب
بمذهلة يخشى الظَّليم طروقها ودوِّيَّةٍ قفرٍ يحار لها الضَّبُّ
سكارى نعاسٍ أصبحوا بادِّلاجهم يميلون أحيانًا كأنَّهم شرب
فلمَّا بدا نخل العراق وصفَّقت جداوله وافترَّ عن زهره العشب
نشرت لهم من نور عيني مؤنةً وقلت: لي البشرى بنيل المنى هبُّوا
تدارككم جود الخليفة إنَّه هو النَّائل الفضفاض والمنهل العذب
/٨٤ أ/ وأنشدني لنفسه يتشوق إلى وطنه بسروندكار، وصنع ذلك بديهة:
[من المديد]
حنَّ محزونٌ إلى وطنه فبكى المفقود من زمنه
وتغنَّى منشدًا غزلًا فحكاه الطَّير في فننه
[ ٤ / ١٢٦ ]
راكبًا كور الهوى وله طلبٌ يحدو إلى سكنه
شام من سروندكار سنى بارقٍ أغراه من دمنه
وبذاك الحيِّ لي رشأ خان ظلمًا عهد مؤتمنه
/٨٤ ب/ نكِّبوا عن سحر مقلته من فتنه
ما على العذّال من رجلٍ سرُّه أفضى إلى علنه
لم يدع وقر النَّوى فغدا لاستماع العذل في أذنه
قارن التَّبريح مهجته حيث جدَّ البين في قرنه
سافحًا بالسَّفح أدمعه لأهيل الحزن كم حزنه
هل فكاكٌ يرتجى أممًا لأسير القلب مرتهنه
قد روت أجفانه خبرًا سلسلته العين عن شجنه
بعض ما يلقاه من كمدٍ ذاد جفن العين عن وسنه
وأنشدني، وكان قد أشرف على حارم في صحبة مخدومه الأمير ناصر الدين محمد بن قرطايا -رحمه الله تعالى- فسأله أن يرثي السلطان الملك العزيز -صاحب حلب- ويذم حارمًا، وكان مرض بها الملك العزيز، فحمل إلى حلب، فتوفي بها وذلك في سنة أربع وثلاثين وستمائة: [من الخفيف]
كلُّ باقٍ إلى الفناء يعاد والمنايا فقيدها لا يعاد
أحرم اللَّه حارمًا هاطل المزن ولا أخضرَّ عودها الميَّاد
أعدمتنا الملك العزيز ومن كانت ملوك الدُّنيَّا به تقتاد
ملكٌ كان فيه للطالب الرَّاجي عطاءٌ وللخصوم عناد
ما لدهرٍ قضى علينا بتفريق مليكٍ بقاؤه مرتاد
قد كرهنا حياة قومٍ فعاشوا وأرادوا بقاء قومٍ فبادوا
فجعةٌ عمَّت البد ورزءٌ لم تفاجأ بمثله الآباد
ومصابٌ في الدِّين أبكى بني الدَّهر وخرَّت لوقعه الأطواد
لو رأينا شخص الحمام برته مرهفاتٌ بيضٌ وجردٌ جياد
أو ملكنا عنه الفداء لجانٍ كلُّ نفسٍ إلى المنون تقاد
تستزيد العدا الخطوب وما بعد مصاب العزيز ما يستزاد
[ ٤ / ١٢٧ ]
تشتكي فقده العواصم بل تندب مثواه هضبها والوهاد
وعراض الجواسق البيض قد أضحت عليها بعد العزيز السَّواد
وأنشدني لنفسه: [من الرجز]
لولا هوًى بقلبه تعرَّضا ما شاقه برقٌ بنجدٍ أو مضا
/٨٥ ب/ لمَّا أضاء موهنًا هام به فؤاده شوقًا إلى ذات الإضا
وانقاد من بعد الجموح وارعوى إلى الهوى وكان صعبًا ريِّضا
رماه ريمٌ من بني التُّرك له شمائلٌ يخجل بانات الغضا
بدر دجًى عرَّضني إعراضه إلى البلى أكرم به معرِّضا
يقيمه عند القعود ردفه وربَّما أقعده إن نهضا
دانٍ بعيدٌ هاجرٌ مواصلٌ بحبِّه أسهرني وغمَّضا
حرَّضني على هواه حسنه حتَّى إذا استحكم صرت حرضا
يا ماطلًا دين فتًى غريمه غرامه هل للديون مقتضى
أسهرت جفن مغرمٍ بحقِّه لما يلاقي في هواك لو قضى
كأنَّما بات لما يلقى على شوك القتاد أو على جمر الغضا
ضعيف عهد لم أزل أحفظه بصحَّة تعقب قلبي مرضا
ملكت فاسجح كم إلى كم تعتدي عليَّ ظلمًا مقبلًا أو معرضا
فتارةً ترفعني منبسطًا وتارةً تخفضني منقبضا
حملت في حبِّك ما لو أنَّه كان على وجه النَّهار ما أضا
ترفُّقًا يا شمس بالصَّبِّ فقد ألقى إليك أمره وفوَّضَّا
/٨٦ أ/ أبغض عذَّالي في هواه من عاين من قبلي محبًّا مبغضا
وأنشدني لنفسه وقد ألزمه العلاء بن سامح، وكان يتولّى الإشراف بديوان إربل بولاية المارستان، فكتب إلى الوزير الولي يستقيل من ذلك: [من مجزوء الكامل]
يا أيُّها المولى الوزير وذا الرِّعاية والعنايه
إنَّ العلاء أضلَّني في القول عن طرق الهدايه
[ ٤ / ١٢٨ ]
لأنوب مارستانكم وأقوم فيه بالكفايه
إنِّي لمحتاجٌ إليه متى أجبت إلى الولايه
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من المنسرح]
يحسدني عاذلي عليك وما يحصل منِّي إلَّا على التَّعب
فعاذلي ضلَّ في هواك كمن يقرأ (تبَّت على أبي لهب)
وأنشدني قوله: [من الكامل]
ما في الأنام فتًى يرّجَّى للندى كلَّا ولا في آل بومن ينفع
وأرى الفضائل في الأنام مثالها مشطٌ يقلِّبه خصيٌ أصلع
/٨٦ ب ١/ وأنشدني من شعره: [من الطويل]
عليك سلام الله ما هبَّت الصَّبا وما ناح قمريٌّ وماذرَّ شارق
لئن قطعت سبل الزِّيارة بيننا فإنِّي بحبلٍ من ودتدك واثق
وأنشدني لنفسه من قصيدة مطولة فيها القصيدة: [من الطويل]
إليك أمير المؤمنين بعثتها عروسًا تهادى في صوانٍ وفي خدر
سليلة أعراب بنجدٍ بيوتها وما برحت من قصر عيسى إلى النَّهر
جعلت لها درَّ المديح قلائدًا على ثقةٍ أنِّي أقلَّد بالدُّرِّ
لدى ناهبٍ عجم الطُّغاة نفوسهم وأموالهم نهب الفصيح من الشِّعر
مدائح تبلي الدَّهر وهي مديدةٌ وتطوى اللَّيالي وهي باقية النَّشر
أضرُّ على عين الحسود من القذى وأسرع في جوبٍ التَّنائف من فكر
أليلة قدرٍ قمت أنشد مدحه لديه وما أدراك ما ليلة القدر
أؤمِّل نعمى ثيِّبًا أستزيدها على حسن ما أهديت من ناهدٍ بكر
أقلُّ الَّذي يولي أجلُّ مطالبي وبعض ندى كفَّيه أعظم من قدري
فلا زال منصور اللِّواء مشفَّعًا من اللَّه فيما راك بالشَّفع والوتر
[ ٤ / ١٢٩ ]
[٥٠٥]
/٨٧ أ/ عليُّ بن عثمان بن عبد الأعلى بن صدقة بن عبد الواحد، أبو الحسن البغداديّ
رجل خيّر وعنده فضل وسكون، صحيح الفكرة، جيد القريحة.
كانت ولادته في يوم الإثنين سادس صفر سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
سمع أبا الفرج بن الجوزي، وعمر بن طبرزد، وابن سكينة عبد الوهاب، وعبد العزيز بن الأخضر وجماعة سواهم. وحفظ القرآن الكريم.
فمن شعره ما أنشدني -في أواخر شوال بمدينة السلام سنة تسع وثلاثين وستمائة- يمدح المستنصر بالله -رضوان الله عليه-: [من البسيط]
بانوا فبان عن المضنى تجلُّده وعزَّ ناصره فيهم ومسعده
أسروا بنومي إذ سارت ركابهم فاللَّيل مذ فارقوني لست أرقده
لو حمَّلوه لرضوى يوم بينهم بعض الَّذي حمَّلوني ذاب جلمده
باللَّه يا عاذلي فيمن أحبُّ أما يكفيك منه لإتلافي تغمُّده
أقصر عن اللَّوم فالمغرى المحبُّ إذا أردت إصلاحه باللَّوم تفسده
ما كان يخطر لي أنَّ الزَّمان كذا يقصي حبيبي عن عيني ويبعده
/٨٧ ب/ لا تحسبنِّى إن شطَّ المزار بنا أحول في الحبِّ عما كنت تعهده
إن لم تصلني فعدني بالوصال عسى يحيي المعنَّى البعيد الدَّار موعده
كما أعاد هشيم الدَّهر حين ذوى بادي الغضارة حتَّى ماس أعيده
خليفةٌ خلق الرَّحمان راحته للبذل واللَّه يبقيه ويعضده
نهاره في اعتماد العرف [ينفقه] واللَّيل يفنيه أورادًا تهجُّده
آراؤه في طلاب العدل ثاقبةٌ كأنَّما مقصد الفاروق مقصده
فلو رآه وما يأتيه من كرمٍ لكان يحمده -واللَّه- أحمده
إذا رأى المجتدي في الحال بادره قبل التَّعرُّض للسُّال يرفده
كأنَّه مقسمٌ أن لا يرى أحدًا إلَّا ويشركه فيما حوت يده
[ ٤ / ١٣٠ ]
يمضي إلى طالب الجدوى نداه كما يمضي إذا صال في حرب مهنَّده
يعطي فيهني العطايا بشر بلا مطالٍ ولا منَّ ينكِّده
يعصى فيغضي عن العاصي تكرُّمه سجيَّة سنَّها الماضي محمَّده
تقرُّ عن مدحه بالعجز ألسننا إذا أتت بقريضٍ فيه تنشده
وما عسى أن يقول الشِّعر في نفرٍ تأويل مجدهم التَّنزيل يورده
لكنَّ شكر أياديه لنا شرفٌ فكلَّما عمَّنا بالبرِّ نحمده
/٨٨ أ/ طوبى لعينٍ ولو في دهرها نظرت يومًا إليك وعبدٍ أنت سيِّده
فاسلم أبا جعفرٍ للملك ما هتفت ورقاء أرَّقها سجعٌ تردِّده
ممتَّعًا بدوام العزِّ مدَّرعًا ثوب البقاء لمعروفٍ تجدِّده
مع زرعك الخير في أقصى البلاد كذا نبت الضَّلال بسيف النَّصر تحصده
وأنشدني لنفسه في شوال سنة تسع وثلاثين وستمائة: [من الخفيف]
يا خليليَّ قد أتى نشر تشرين وولَّى بحرِّه أيلول
واستغاث الزَّمان حيَّ على الشُّرب وحنَّت إلى الكؤوس الشَّمول
فاشرباها كرخيَّةً حين تبدو تتوارى من الرِّجال العقول
واسقياني فإنَّ عصر التَّصّابي عن قليلٍ كمرِّ طيفٍ يزول
واعلما أنَّ كلَّ لذَّة عيشٍ وسرورٍ إلى فناءٍ يؤول
وخذا قبل فرقة الرُّوح حظًّا بسبيل الممات يبس السَّبيل
ولئن كانت اللَّيالي قصارًا فوقها فهي تحتها ستطول
فاصرفا الهمَّ بالمدامة فالرَّاح إلى كلِّ ما يسرُّ رسول
وبها إن خبرت سرُّ ما قلت إلى قرة العيون الوصول
/٨٨ ب/ وبها تذهب الهموم من الصَّدر ويشفى إذا حساها العليل
قهوةٌ ينظم المزاج عليها تاج درٍّ كأنَّه إكليل
أحدثت في زجاجة الكأس نورًا فسناها لها إلينا دليل
فتراها بين السُّقاة وذيل اللَّيل مرخًى كأنَّها قنديل
هي شمسٌ والكأسٌ برجٌ وساقي القوم قطبٌ لها وفينا الأفول
يتثنَّى بها إليك غلامٌ كقضيبٍ لدن القوام يميل
[ ٤ / ١٣١ ]
فاتر اللَّحظ أغيدٌ بابليٌّ حسن الوجه ريقه معسول
يمزج الكأس من رضاب ثناياه بعذبٍ ثناياه كأنَّه السَّلسبيل
بعذارٍ يقيم على محبِّيه فيغضي إذا رآه العذول
رشأ يجرح القلوب بطرفٍ بين جفنيه صارمٌ مسلول
كم قطعنا ما بين هذا وهاتيك ليالٍ فيما هو المأمول
فاغتنم عمرك القصير ودع ما قال غيري سدًى وخذ ما أقول
وقال في التاريخ، وقد رأى من قوم ما يقتضي ذلك: [من الخفيف]
جملة الأمر إبن آدم شيءٌ هو شرٌّ في جلده مكتوب
يدَّعي العقل والعدالة جهلًا وهو بالطِّبع جائرٌ
/٨٩ أ/ وقال: [من الخفيف]
جهلوا ما علمت فاستجهلوني ظلموني إذًا وما أنصفوني
أنكروني وقد عرفت خفيَّ الأمر من حالهم وما عرفوني
[٥٠٦]
عليُّ بن أبي بكر -واسمه عتيق- بن محمّد بن عليِّ بن خلف بن أيوب، أبو الحسن الأنصاريُّ.
من أهل بلنسية.
كانت ولادته في العشر الأول من المحرم سنة تسعين وخمسمائة، الفقيه الفاضل المقريء. قرأ القرآن بالسبع، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي -﵁- وسمع الحديث النبوي كثيرًا بالأندلس وغيرها من البلاد.
وهو رجل يفوق أبناء وقته؛ دينًا، وفضلًا، وخيرًا، وعلمًا، مقلٌّ من قول الشعر.
سكن حلب وتديَّرها. رأيته في المدرسة المنسوبة إلى بني عصرون، وله بها جامكيّة يتناولها. وهو متصدر لإقراء القرآن العظيم بالجامع أيضًا.
[ ٤ / ١٣٢ ]
أنشدني لنفسه: [من الكامل]
ثق بالإله وكن به مستنصرًا يرعاك ربُّك في الفعال ويرشد
/٨٩ ب/ واقنع بما أعطاك ربُّك راضيًا إنَّ القناعة كنزها لا ينفد
إنَّ الوثوق بذي المعالي رفعةٌ يحظى بها العبد الرَّشيد الأسعد
ودع المطامع جانبًا فلربَّما ذلَّت رقاب أعزَّةٍ فاستعبدوا
ومكارم الأخلاق لا تدعنَّها فإذا فعلت فأنت أنت الأمجد
إيَّاك والكِّذب المثير عداوةً إنَّ الكذوب من الإله مبعَّد
والصِّدق أوَّل ما سلكت طريقه فهو الصِّراط المستقيم الأقصد
والغيبة إحذرها ولا تك آكلًا من جيفةٍ إنَّ المكارة تبعد
إنَّ النَّميمة خصلةٌ مذمومةٌ يسعى بها النَّذل اللَّئيم الأوغد
لا تحسدن أحدًا على ما عنده فالعاقل المغبوط من لا يحسد
وإذا غضبت فكن لغيظك كاظمًا فالغيظ نار جميرةٌ تتوقَّد
واحلم فإنَّ الحلم خير مطيَّةٍ من كان راكبها يجلُّ ويحمد
إنَّ التَّواضع للمكلَّف رفعةٌ وكذا التَّكبُّر ذلَّةٌ تتزيَّد
فذر الرِّباء فإنَّه شركٌ ودع ظلم العباد فإنَّه يتعوَّد
واجعل طعامك من حلالٍ خالصٍ فمطاعم الشُّبهات سمٌّ أسود
دع ما يريبك إن أردت سلامةً وخذ الَّذي لا ريب فيه تسدِّد
/٩٠ أ/ واشغل بذكر اللَّه وقتك واردًا نهر الحياة به فنعم المورد
واحفظ جميع وصيَّتي واعمل بها إيَّاك تتركها وعنها ترقد
واضرع إلى اللَّه العظيم وقريحة فهو الكريم الأوحد
فعساه يغفر ذنبنا وينيلنا دار السَّعادة حين يأتي الموعد
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
يا جامع الدُّنيا وأنت تحبُّها مهلًا عليك لبعل عرسك تجمع
يزداد حرصك عند شيبك آملًا طول الحياة فليت شعري تشبع
ممَّا لغيرك نفعه وحسابه ردٌّ عليك فهل لرشدك ترجع
[ ٤ / ١٣٣ ]
[٥٠٧]
عليُّ بن رستم بن أبي القاسم بن أحمد بن وادّ بن يحيى الكيشيُّ.
من جزيرة كيش مولدًا ومنشأ.
نزل مدينة السلام وأقام بها وتأهل. وله يد في علم الأدب وفن الحكمة؛ فاضل له فهم ودراية ومعرفة باللغة، ومعاني الشعر. رأيته ببغداد غير مرّة.
وأنشدني لنفسه، وكنب إلى بخطه هذه المقطوعة: [من المنسرح]
/٩٠ ب/ عذَّب طرفي البكاء والسَّهر فما لليلي صبحٌ ولا سهر
ينزل دمعي ويرتقي نفسي فيلتقي مصعدٌ ومنحدر
في حبِّ ساجي اللِّحاظ يرشقني بأسهمٍ ما لقوسها وتلا
مؤنَّث الدَّلِّ والشَّمائل في جفون عينيه صارمٌ ذكر
أغيد في كأس فيه صافيةٌ كعيشةٍ ما يشوبها كدر
أمسيت حيران في هواه كما قد حار في غنج طرفه الحور
قضيت نحبي شوقًا إليه ولم يقض لطرفي من وجهه وطر
أهدر ظلمًا دمي وكلُّ دمٍ أراقه سيف لحظه هدر
يعذب في حبِّه العذاب كما يلذُّ فيه البكاء والسَّهر
واحرَّ قلبي شوقًا إلى قمرٍ في فيه درٌّ وباردٌ خصر
وما رأينا درًّا تضمَّنه من قبل ريَّاه خاتمٌ عطر
وردت ماء الحياة من فمه هنِّيت طول الحياة يا خضر
سبحان من أنبت البنفسج في صفحة خدٍّ كالجمر يستعر
لم أر من قبل وجهه قمرًا يقلُّه غصن بانةٍ نضر
/٩١ أ/ طلق المحيَّا من ورد وجنته يكاد ماء الدَّلال ينعصر
في صحن خدَّيه روضةٌ أنفٌ يغرس فيها الشَّقائق الخفر
[ ٤ / ١٣٤ ]
أكفُّ طرفي عن تبر وجنته مخافةً أن يذيبها النَّظر
أقول للبدر حين قابله: أيُّكما للتَّشابه القمر
جنت على وجنتيه عن خطأٍ لمَّا جنت ورد خدِّه الطُّرر
فأوجست خيفةً وبلبلها الرَّوع فجاءت إليه تعتذر
وقبَّلت أرض أخمصيه وما قبَّل أرضًا من قبلها شعر
[٥٠٨]
عليُّ بن إسماعيل بن المجنِّ بن يوسف بن غازي بن محمودٍ، أبو الحسن الدمشقيُّ.
قدم الموصل في حداثته، وهو مقيم بها، ويعرف بعليَّان النيّف؛ وسمي بذلك لأنّه كثير الإغراء بنتف لحيته والوالع بها. وحرفته التي يعتمد عليها الاستجداء بشعره للناس. وهو شيعي مغالٍ في الولاء. توفي بالموصل أوائل سنة أربع وثلاثين وستمائة.
أنشدني لنفسه من قصيدة طويلة، يمدح بها القاضي محيي الدين /٩١ ب/ أبا حامد محمد بن محمد بن عبد الله الشهرزوري: [من الكامل]
يا للرجال أما مجيرٌ منصف قد ملَّ صحبتي الغزال الأهيف
قمر الملاحة لو رآه يوسفٌ لصبا إليه من الملاحة يوسف
رشأ لعاشقه بروضة خدِّه وردٌ بألحاظ النَّواظر يقطف
فكأنَّ ريقته وبرد رضابه شهدٌ يمازجه شرابٌ قرقف
وكأنَّ غرَّته وفاحم شعره صبحٌ تكنَّفه ظلامٌ مسدف
يا عاذلي أصبحت غير مكلَّفٍ بالعذل والصَّبُّ العميد مكلَّف
حدِّثه ما بي من جوًى وصبابةٍ فعساه يسمع بالوصال ويسعف
أو قل له لو كنت شاهد مصرعي ما كنت تنكر بيننا ما تعرف
ومنها:
لهفي على عصر الشَّباب وطيبه وببعض حقِّي إنَّني أتلهَّف
أيَّام غصني ناضرٌ وشمائلي تصبي الحكيم وبدر تمِّي مشرف
وبوجنتي ماءً ونارٌ غاله ليلٌ العذار فشمس صحوى تكسف
[ ٤ / ١٣٥ ]
نزلت به الأكراد وهي مغيرةٌ ما ضرَّهم لو أجهلوا وتوقَّفوا
للَّه درُّ يديَّ في شعر الصِّبا طورًا تسلُّ لها وطورًا تنتف
/١٠٣ أ/ كم قد حصدت شكارتي بأناملي والسَّعي يحلف بينه ويخرّف
وعشبت بالمنقاش شوكًا لم تزل تسقيه دالية الدُّموع و
بينا ترى خدِّي أريضًا ممرعًا حتَّى تراه وهو قاعٌ صفصف
قد حطَّ شعري قدر شعري في الورى هذا جزاء مؤاجرٍ يتعجرف
وإذا اشتهيت نفقت بين معاشرٍ الشَّيخ عندهم غريرٌ أهيف
وإذا الكتابة لاح في عنوانها حرفٌ ففي طيِّ الصَّحيفة أحرف
فنفرت حتَّى عيل صبري واشتفى منِّي الحسود وريح حظِّي تعصف
لم تكفني جور العذار البياض
البياض: اسم رجل بوابًا لدار القاضي محيي الدين.
لو صبَّح الملك العظيم بوجهه لأراه في العمران يومًا يهتف
هذا البياض فما السُّخام ثكلته هذا لئيمٌ بالخساسة يوصف
قدٌّ مغصن التِّبر يرعش كبرةً ويهزُّه طرب التّيوس فيرجف
كم ردَّني عن قصد مولاي الذي بمديحه بين الورى أتشرَّف
الحاكم العدل الجواد ومن له رأيٌ يدين له الحسام المرهف
/١٠٣ ب/ بأبي نوال محمَّد بن محمَّدٍ أندى من الغيث الهتون وأوكف
قسٌّ وسحبانٌ إذا استنطقته حال الجدال وباسلٌ متغطرف
وأنشدني فيه أيضًا لنفسه ويطلب منه حلوى: [من الخفيف]
علِّلاني من الرُّضاب برشف فهو يدني نار الغرام ويطفي
واقطفا لي ورد الخدود وإن كان على قربه عزيز القطف
قد خلعت العذار في حبَّ ظبيٍّ خنثٍ عطفه أحمِّ الطَّرف
بابليِّ اللِّحاظ فوَّق للقتل سهامًا من الجفون الوطف
زرديِّ العذار يبسم عن برق ثنايا مفلَّجات الرَّصف
يوسفيِّ الجمال مختصر الخصر غرير الصِّبا ثقيل الرَّدف
رام منِّي حلاوةً ليلة النِّصف وعندي مرارةٌ منه تكفي
[ ٤ / ١٣٦ ]
أتراه درى بأنَّك محيي الدِّين عوني على الخطوب وكهفي
[٥٠٩]
/١٢٩ أ/ عليُّ بن محمّد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عليِّ بن جعفر بن عبد الملك بن القاسم بن عليِّ بن محمد بن حمّودٍ بن ميمون بن أحمد بن عمر بن عبيد الله بن أدريس بن أدريس بن عبد اللَّه بن الحسن بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب، أبو الحسن بن أبي عبد اللَّه الحسنيُّ الحلبيُّ المعروف، بابن المنياويِّ الزجّاج.
كانت ولادته بحلب في سنة تسع وستمائة من أبناء شرفائها المعروفين، وأماثلها ؛ ومن بيت مشهور بالثروة والجاه.
وأبو الحسن هذا شاب جميل /١٢٩ ب/ نبيه، يميل إلى علم الأدب، ويقول الشعر جيدًا فيه سماحة نفس، ومروءة وكياسة، لطيف الخلاق، حسن المعاشرة، كثير التودد والبشر، كريم الصحبة؛ أشهر بيت بحلب رياسة وجاهًا وحشمة وإيثارًا وكرمًا ومروءة.
أنشدني لنفسه لغزًا في النشابة، وذلك بناشزة من أعمال الموصل الغربية يوم الخميس رابع عشر المحرم سنة تسع وثلاثين وستمائة: [من مجزور الرجز]
ما طائرٌ بريشٍ لكن بلا جناح
ما إن يطير حتَّى يعلن بالصِّياح
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
تهنَّ بشهرٍ أنت ليلة قدره محلُّك فيه زاد في رفع قدره
وعش وابق مع آتي الزَّمان ومرِّه كذا أبدًا ما شاب حلوًا بمرِّه
وأنشدني أيضًا من شعره: [من المجتث]
[ ٤ / ١٣٧ ]
لا زلت تبقى وترقى على ممرِّ الزَّمان
حتَّى تجاوز كيوان في علوِّ المكان
وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
/١٣٠ أ/ ومدامٍ رقَّت فجلَّت عن المزج وقامت بكلِّ معنًى لطيف مذ غدت جوهرًا بسيطًا وعاد الماء من لطفها كجسمٍ كثيف
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من السريع]
قد سمح الدَّهر على بخله بالجمع فانهض أيُّها السَّيِّد
فنحن نحكي جسدًا واحدًا وأنت روحٌ وبها نسعد
وأنشدني لنفسه: [من المديد]
قد بدا والقوس حاجبه وله من صدغه وتر
راميًا بالهدب راش له سهم لحظٍ نصله الحور
كلُّ مقتولٍ به دمه في الهوى حتمًا به هدر
وأنشدني من شعره: [من مخلَّع البسيط]
أشبه بدر السَّماء بدري والغيم لمَّا علاه سجفا
مراقبًا للرقيب يبدو حتَّى إذا خافه تخفَّى
وأنشدني لنفسه لغزًا فيمن اسمه شبل: [من مجزوء الخفيف]
ما إسم ظبيٍ تصحفيه النَّاس أسعدوا
عكس تصحيفه لنا أبدًا ليس يوجد
/١٣٠ ب/ وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الخفيف]
شام برق الشَّام وهنًا فحنَّا وأذاعت جفونه ما أجنَّا
نازح الدَّار والدُّموع مقيم الشَّوق والحزن يا له من معنَّى
أنحلاه فلو على جفن وضعوه لمَّا أضرَّ الجفنا
يا أهيل الشَّام أخبركم أنَّ اشتياقي يزيد منذ افترقنا
عجبي كيف لي اشتياقٌ إليكم وفؤادي لكم على النَّأي مغنى
كلُّ ما في الأنام لفظٌ وأنتم عند سمعي لذلك اللَّفظ معنى
[ ٤ / ١٣٨ ]
إن تبدَّلت بالدُّنوِّ بعادًا في هواكم وبالسُّرور الحزنا
ويطيب الرُّقاد فيكم سهادًا وبسهل البقاع فيكم حزنا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
سفك الدِّماء بطرفه لمَّا طرف من طرف عاشقه وولَّى وانحرف
غصن النَّقا من مرح الصِّبا بدرٌ على أعلاه باللَّيل التحف
نار الغرام بمهجتي من غدره وسقام جسمي من سقامٍ في الهيف
إن أنكر الجفن السَّقيم فعاله فالخدُّ منه بالَّذي عرف اعترف
يا ليلةً بالوصل بات مساعدي ذهبت لذاذتها وأعقبني الأسف
/١٣١ أ/ فكأنَّها سنة الكرى في ناظري قمرًا وطيبًا أو بريقٌ قد خطف
بتنا يساقيني المدامة والَّذي في فيه من صهبائها أوفى خلف
وكأنَّما حبب المدام بكأسه درُّ بفيه إذا العقيق له صدف
وكأنَّما ألف العذار ونونه من فوق مبسمه اللَّذيذ المرتشف
نملٌ سعى لورود شهد رضابه حتَّى أحسَّ لهيب وجنته وقف
يا ليته قطع القطيعة ثمَّ لي وصل الوصال وعطفه نحوي عطف
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الرجز]
أنظر فقد أحدث بدر التَّمِّ في النِّيل عجب
ألقى به إكسيره فصار ذوبًا من ذهب
وأنشدني أيضًا لنفسه لغزًا في من اسمه أحمد: [من الرمل]
إسم من أهدى إلى جسمي السَّقاما من جفونٍ منعت جفني المناما
أحرفٌ أربعةٌ كالربع من أحرف الدَّاء الَّذي بي قد أقاما
ضدّ عكس البعض إن صحَّفته ألف العارض لا قابل لاما
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا: [من السريع]
/١٣١ ب/ إنَّ الَّذي أهواه نصف اسمه مصحَّفٌ إسمٌ بلامين
[ ٤ / ١٣٩ ]
فنصفه دمعي في كثرةٍ وعكسه يحكيه في اللَّون
وأنشدني لنفسه في المنام: [من مخلّع البسيط]
هذا قلًى منك أم لجرمٍ منِّي حتَّى صددت عنِّي
وكنت لي صاحبًا معينًا فلم على الهجر لم تعنِّي
[٥١٠]
عليُّ بن الحسين بن عليِّ بن سعيد بن حامد بن عثمان بن عليِّ بن جار الخير، أبو الحسن بن أبي عبد الله السنجاريُّ، المعروف بابن دبابا.
وقد مرَّ شعر والده في موضعه.
وأبو الحسن هذا فقيه حنفي المذهب، مناظر عارف بالمسائل الخلافية. نشأ بمدينة السلام، وبها تفقه وتميز، وقد قرأ أدبًا وشعرًا، وأخذ عنهم شيئًا من أشعارهم.
رايته ببغداد وحلب؛ وهو شيخ أسمر اللون ربعة من الرجال. أخبرني أنه ولد سنة ستٍّ وثمانين وخمسمائة ببغداد.
أنشدني لنفسه بمحروسة حلب سنة سبع وثلاثين وستمائة، مديحًا في الملك /١٣٢ أ/ المجاهد أبي الحارث شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذى -صاحب حمص-: [من الطويل]
ركبت على ظهر اشتياقي إلى امرئٍ جميل المحيَّا حافظٍ للمواثيق
وما الحسن مختصٌّ بسنَّة وجهه ولكنَّه في والحدائق
عجبت لقلبي إذ أطاق تصبَّرًا وما خاض في لقياه بيض البوارق
ومن كان يبغي في هواه توسُّطًا فما أنا إلَّا عاشقٌ كلُّ عاشق
وما زلت مذ باعدته ونأيته أعوِّذه بالله من كلِّ غاسق
[ ٤ / ١٤٠ ]
متى شئت أن تلقى الجمال موقَّرًا تأمَّله ما لبن الظُّبا والسَّناجق
يغيثك ملهوفًا ويغنيك سائلًا ويحمي إذا ما عزَّ أهل الحقائق
وأنشدني لنفسه فيه يمدحه: [من السريع]
يا مالكًا جزل العطايا مهيب قام على شاني علاك النَّحيب
لو حاكمتك الوحش فيما ترى كان لها حكمٌ صحيحٌ عجيب
قالت رجوت الأمن من مالكٍ جمِّ الوفا ليس له من ضريب
نعم وأمَّلت نداه فكم صرت قرى القاصي المدى والقريب
[٥١١]
عليُّ بن عبد العزيز /١٣٢ ب/ بن أبي محمّد بن نعمان بن بلالٍ، أبو الحسن الخلعيُّ، الخفاجيُّ النسب.
كان والده من قرية تدعى قرية أيوب من قرى الحلة المزيدية.
أخبرني أنَّه ولد بالموصل في جمادى الآخرة سنة إثنتين وثمانين وخمسمائة.
شيخ ربعة من الرجال، أحول العين أسمر. يتعيش في الخلع بسوق الأربعاء بالموصل؛ يتشيع متمسك بمذهب الإمامية، وهو معروف بذلك؛ له طبع [في] قول الشعر. إذا أنشد لم يلحن ويتجنب اللحن في أثناء كلامه؛ له أشعار في أهل البيت -صلوات الله عليهم- ينشدها في المشاهد والترب المختصة بأولاد الحسين -﵈-.
[ ٤ / ١٤١ ]
أنشدني منها -من لفظه وحفظه- بالموصل في أوائل سنة تسع وثلاثين وستمائة:
[من الخفيف]
أيُّها العاذل الَّذي كلَّما لنت له زاد وحشةً ونفورا
حمِّل القلب ما استطعت من الوجد تجدني عليه جلدًا صبورا
وكما أنت لا تصلني وذرني موثقًا في حبال شوقي أسيرا
وامنع الطَّيف أن يزور كأنَّ كلام الخيال إفكًا وزورا
/١٣٣ أ/ أنا قد لذَّلي الصُّدود وقد صرت على حمله جريئًا جسورا
ما رأيت الوصال يجدي على العشَّاق إلّا صبابةً وزفيرا
قد هداني حمل الغرام سبيلي ورآني له حميدًا شكورا
فوقاني ذلَّ الخضوع ولقَّاني من الهجر نضرةً وسرورا
كم تمزَّقت في هواك وكم بتُّ جليسًا للفرقدين سميرا
مستضيئًا بالشَّوق في ظلمات الهجر حتَّى قطعتها مستنيرا
وبسمعي عن طارق العذل وقرٌ للهوى يجعل السَّفيه وقورا
وعلى ناظري غشاوة صدقٍ في طريقي بها سبقت البصيرا
صدرت من موارد الحبِّ ألطافٌ تزوِّي الصَّدى وتشفي الصُّدورا
فاسألوني عن ومنها تجدوني بها عليمًا خبيرا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
أنا عارفٌ بصفات حبِّك جاهل متحيِّرٌ لم أدر ما أنا قائل
إن قلت بدرٌ فالبدور نواقصٌ عند الكمال ووصف حسنك كامل
أو قلت في آيات وجهك من أياة الشَّمس نورٌ فهي نورٌ زائل
أو قلت غصنٌ قال: قدُّك أيُّها المغرور هل للغصن خدٌّ سائل
/١٣٣ ب/ أو قلت: لحظك ظبيٍ قال لي: أنَّى وقد دانت لسحري بابل
أو قلت: ريقك خمرةٌ قال: اتَّئد ما تفعل الصَّهباء ما أنا فاعل
أو قست بالدُّرِّ المنضَّد ثغرك الوضَّاح، قال الثَّغر: ما هو غافل!
[ ٤ / ١٤٢ ]
أو قلت ردفك على خصر ناحل
ما في معاني الحسن وصفك كاملٌ إلَّا وأنت له محلٌ قابل
فالبان والكثبان والغزلان والقمران فيك مخايل
حاشا صفاتك أن تشبَّه مثلما حاشاي ممَّا يبتغيه العاذل
ولئن وصلت ببعض حسنك كلَّ أشواقي فإنِّي بالحقيقة واصل
[٥١٢]
عليُّ بن يوسف بن منصور بن محمدٍ، أبو الحسن الجبليُّ.
من جبلة وهي بلدة بساحل الشام، وهي التي بناها جبلة بن الأيهم الغسّاني. فنسبت إليه. وذكر لي أنه من أولاد جبلة بن الأيهم، وكذلك أهل البلدة بعضهم ينتمي إليه.
وهو فقيه النَّفس؛ سألته عن ولادته فذكر تقديرًا سنة ستمائة.
أنشدني لنفسه: [من الكامل]
/١٣٤ أ/ أخفي الغرام وفي الفؤاد نصول من حبِّ بدرٍ ما إليه وصول
رشأ يغار الغصن منه إذا بدا يختال هزَّته صبًا وقبول
يصبى قلوب العاشقين بمقلةٍ بعد الوصال بها وليس ينيل
فكأنَّه البدر المنير تحبُّه الألحاظ لكن ما إليه سبيل
يا صاحبيَّ ترفَّقا بمتيَّمٍ فالحبُّ أضناه جوًى ونحول
كتم الهوى فوشت عليه مدامعٌ تهمي على وجناته وتسيل
لا يعرف النَّوم الهنيَّ وصحبه بالجزع من وادي الأراك حلول
ما شام برقًا من رسوم ديارهم فيميل
فغدا يقول من الصَّبابة والأسى والقلب من حرِّ الفراق عليل:
دع عنك تذكار الأحبَّة وابتهج بمديح من هو في العلاء أصيل
أعني ضياء الدِّين ذا الجود الَّذي عمَّ الأنام نواله المأمول
[ ٤ / ١٤٣ ]
ملكٌ تقاد له الملوك أذلَّةً فيعزُّها من التَّقبيل
بطلٌ إذا هزَّ القناة بكفِّه فعدوُّه من خوفه مجدول
تلقاه مبتسمًا إذا حان الرَّدى والقوم صرعى والدِّيار طلول
فيؤول والصِّيد الملوك كواسدٌ أسرى وفي أعناقهنَّ كبول
/١٣٤ ب/ يا آل قيمر أنتم سبل الهدى لمن اهتدى ولمن يضلُّ دليل
بكم تعاضدت الملوك وأصبحت تزهو على قرنائها وتصول
قد جاءك العيد المبارك رافلًا في حلَّةٍ ما إن لها تمثيل
يسعى إليك من الإله مبشِّرًا فابشر فسعيك عنده مقبول
كن بالَّذي أعطاك رُّبك واثقًا فشموس سعدك ما لهنَّ أفول
يا ماجدًا حاز العلاء بين البريَّة كالعطاء جزيل
أرجو بأن أرقى بجدِّك ذروةً تسمو على كلِّ الورى وتطول
عش وابق في سعدٍ على رغم العدا ما أشرقت شمسٌ وحان أصيل
وأنشدني لنفسه حين سمع قول القائل: [من الكامل]
لو كنت تعلم كلَّ ما علم الورى طرّا لكنت صديق كلِّ العالم
لكن جهلت فصرت تحسب كلَّ من يهوى خلاف هواك ليس بعالم
فأنشدني في المعنى: [من الكامل]
لو كنت مع حذق المهارة عالمًا وحويت كلَّ فنون أهل العالم
وجهلت قدر بعوضةٍ من فضلها عكس الَّذي تهواه ليس بعالم
وأنشدني لنفسه في المثل /١٣٥ أ/ الذي يضربه الناس بينهم ويتداولونه: "إن القلوب تتجازى" [من الكامل]
ناجيته متلهِّفًا من حبِّه فأجابني من لطفه وأجازا
يا من شكا ألم الهوى من جنبنا مهلًا فإنَّ قلوبنا تتجازى
فبكيت من حزني ومن فرحي به حتَّى رقمت على الخدود طرازا
[ ٤ / ١٤٤ ]
[٥١٣]
عليّ بن أبي الوفاء بن أبي المعالي بن أبي طاهر بن المؤمل بن غدير الكناني.
أصل آبائه من معرَّة النعمان.
وكانت ولادته في سنة سبع وثمانين وخمسمائة بمدينة حلب. شاب أشقر أحمر اللون تام الخلق كيس، له طبع مجيب في السعر، وخاطر مطيع في إنشائه. وعنده ذكاء وفطنة، وحرفته عمل الحديد. ويأتي في شعره بمعان حسنة من غير معرفة بالأدب.
أنشدني لنفسه بمحروسة حلب يوم الاثنين رابع ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة يمدح الملك الأشرف بن المالك العادل -رحمهما الله تعالى-: [من البسيط]
/١٣٥ ب/ فدت ملوك البرايا ربَّ مملكةٍ لله في ملكه المحروس آيات
الأشرف الملك الميمون طائره ملكٌ له عقدت بالنَّصر رايات
قل للملوك الألى أبدوا عداوته أغرَّكم من له بالصَّفح عادات
توبوا إلى الله توبوا يا فراعنةٌ ممَّا جنيتم عسى تمحى الخطيَّات
سحقًا لهم وعصا موسى مهنَّده إذا تلقَّفهم والقوم حيَّات
وكفُّه البحر لكن لا انشقاق له وأنتم الطُّور والنَّصر المناجاة
يا من لجود يديه في خزائنه في ملء وقتٍ على الأموال غارات
يا طود حلمٍ لمن أمسى يلوذ به وبحر جودٍ لنا فيه الكفايات
متى ينبِّه حظِّي غبَّ رقدته من نحو مجدك أنفاسٌ نفيسات
وأنثني منشدًا من نشرها ثملًا جذلان قد رنَّحت عطفي المسرَّات
قد كان حاجة نفسٍ ذا المقام وقد قامت فما بقيت في النَّفس حاجات
وأنشدني لنفسه، وكتبها إلى شهاب الدين بن علم الدين عزيز، وقد طار له الحمام سابقًا: [من الطويل]
أيا ابن عزيزٍ دام عزُّك والبقا فما فوق ما جاوزت من رتبةٍ مرقى
[ ٤ / ١٤٥ ]
حكاك الجوِّ سبقًا إلى العلا فجاءك يحكي في تسرُّعه البرقا
/١٣٦ أ/ يباري الرِّياح العاصفات إذا انبرى
فيغنيك ما يغنيك عن كلِّ مدحةٍ أخو النَّسب الوضاح قد شرَّف الورقا
وما كنت مسبوقًا إلى نيل مطلبٍ فننكر أن تحوي مناسيبك السَّبقا
فأنت من الشُّهب الثَّواقب قدرها عظيمٌ ولم ترض السَّماء لها الأفقا
نهنِّيك بالأعياد لا بل لها الهنا إذا أقبلت تجلو لنا وجهك الطَّلقا
وقال أيضًا: [من الكامل]
من لي بأسمر في تخازر طرفه نفثات هاروتٍ وفتك قواضب
بشمائلٍ مثل الشَّمول شهيَّةٍ بالجدِّ منه أو بهزل مداعب
عن نبله وقسيِّه مستغنيًا بسهام مقلته وقوس الحاجب
وبسمهريِّ قوامه عن ذابلٍ أضحى يسدِّده لقلبي الواقب
غلط الَّذي بالبجر قايس وجهه والبدر ليس لوجهه بمقارب
رشأ رشيق القدِّ معسول اللَّمى ما فيه من عيبٍ يرى للعائب
وكأنَّ غرَّته وطرَّته سنى صبحٍ تبلَّج تحت جنح غياهب
وكأنَّ ريقته مروَّق قرقفٍ فوق شهدٍ ذائب
ولنغمة الأوتار قام يديرها راحًا تروَّح بالسُّرور العازب
/١٣٦ ب/ فدعوته يا ساقي الكأس الَّذي في فيه مثل مدامةٍ للشَّارب
هلَّا سمحت بها ونحن بجلِّقٍ هيهات ما ذاك الزَّمان بايب
حيَّا الحيا تلك الدِّيار فطالما قضَّيت أوطاري بها وماربي
ولو استطعت سقيتهنَّ سحائبًا بيدي غياث الدِّين بعد سحائب
المنعم الملك الَّذي معروفه المعروف منه ميسَّر للطالب
سمح نداه كلَّ وقتٍ حاضرٌ بين الأنام لحاضرٍ ولغائب
يا أيَّها الملك العزيز المرتجى والمتَّقى لمواهبٍ ونوائب
كم كربةٍ عنَّا كشفت غطاءها وكتائبٍ صبَّحتها بكتائب
[ ٤ / ١٤٦ ]
وعجاجةٍ أطلعت من بيض الظُّبا في ليلها المسود زهر كواكب
وفوارسٍ ترد الوغى فكأنَّها أسد الشَّرى تختال فوق شوارب
من كلِّ صافيةٍ تفوت البرق إن أرخى العنان لها بنانٌ الرَّاكب
للمسلمين محمَّدٌ كسميّه أضحى يسوسهم برأيٍ صائب
فبحلمه وبعدله وببذله ردَّ النَّدى والجود ردَّ الغائب
فالله يحيه حياةً رغدةً بدوام ملكٍ في علوِّ مراتب
وقال: [من الطويل]
/١٣٧ أ/ برى الله شمس الدِّين في الخلق إنَّه فتًى جمعت فيه المحامد مذ نشا
هو الله ذو الفضل العظيم زكا به وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشا
وقال: [من الكامل]
هانت عليك تنوخ يا من لم يزل ذرب اللِّسان يهيضه الهذيان
هلَّا عففت وقد هجوت محمَّدًا عن غصن دوحة مجدها فينان
أو أنَّ في حلبٍ وتطرد باسمه بين الأنام قبحت من شيطان
[٥١٤]
عليُّ بن يوسف بن العباس بن أبي بكر بن إبراهيم، أبو الحسن البوهرزيُّ الإربليُّ.
كانت ولادته بمدينة إربل في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وكان أحد آبائه من بوهرز -قرية من قرايا بغداد-.
وأبو الحسن شيخ قصير أسمر اللون له أشعار دالة على طبع سليم، وفكر في إنشائها صحيح.
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى المولى الصاحب شرف الدين أبي البركات -أسعده الله تعالى-: [من البسيط]
وحقِّ فضلك يا مولاي ما انتقضت يومًا عهودك في خفضٍ ولا عالي
/١٣٧ ب/ ولا تغيَّرت عن ذاك الولاء لكم ولا خلا منكم قلبي ولا بالي
[ ٤ / ١٤٧ ]
وكيف أنسى أياديك الَّتي سلفت إن كان ذاك فلا أبلغت آمالي
[٥١٥]
عليّ بن يعيش بن علي بن يعيش.
[من الكامل]
/١٣٨ أ/ م يلحاني عليك مفنِّدي والعاذلون على المحبَّة حسَّدي
يا بدر تمٍّ صرت في حبِّي له مثلًا تروح به الرُّواة وتغتدي
كم بالصُّدود تريد قتل متيَّمٍ ما خفت فيه عقوبة المتعمَّد
فلقد سللت من اللِّحاظ صوارمًا لمَّا خطرت من القوام بأملد
أتركت إلَّا عبرةً مسفوحةً وحشًا أقلقلها بأنَّة مكمد
إن كنت تقصد قتلتي فأميتني فلقد رضيت وها يدي أن لا تدي
ولربَّ معسول المراشف قدُّه الـ ـفتَّان يهزأ بالغصون
فالثَّغر منه كالجمان وريقه السَّلسال يغني عن سلافة صرخد
قمرٌ من الأتراك جلَّ تصبُّري عنه
قاسٍ وفي عطفيه لين موافقٍ صاحٍ وفي جفنيه بطش معربد
ولقد رنا ليخيفني بلحاظه فعجبت من قطع الحسام المغمد
فكأنَّ وجنته حديقة جنَّةٍ وكأنَّ عارضه اخضرار زبرجد
أسلو هواه ولا وصدق مودَّتي وولائي في الملك العزيز محمَّد
ملكٌ يلوح على البريَّة وجهه بشرٌ يبشِّرني بنجح المقصد
مستعذبٌ نغم العفاة كأنَّها في سمعه نغم الغريض ومعبد
/١٣٧ ب/ يا ابن الألى سنُّوا المكارم والنَّدى وتفرَّدوا دون الورى بالسُّؤدد
لله أنت إذا الوغى فهقت دمًا والطَّرف يعشى بالقتام الأربد
والبيض يغشى الدَّار عين ظبائها والخيل تعثر بالقنا المتقصد
.هناك عن الغياث فإنَّه ردَّى الكماة بأسمرٍ ومهنَّد
[ ٤ / ١٤٨ ]
الكاشف الكربات في يوم الوغى والخائض الغمرات غير معرِّد
عقَّاد ألويةٍ يكون لباسها هام العدا محلولةً لم تعقد
علم الهدى بحر النَّدى غيث الثَّرى ليث الثَّرى الورى بدر النَّدي
فعقابه للمعتدي وضياؤه للمهتدي ونواله للمجتدي
أغياث دين الله يا من جوده أضحى يبخِّل كلَّ بحرٍ منزبد
أيجوز أن أظما ونؤك ماطرٌ للمعتفين وديم جودك موردي
ومتى نظرت إليَّ أيسر نظرةٍ نلت المنى وبلغت غاية مقصدي
خذها عروسًا لا ترى كفؤًا لها من خاطبٍ أحدًا سواك و
رقَّت حواشيها وأوجز لفظها فترفَّعت عن ظلمةٍ وتعقُّد
ركبت قريب اللَّفظ حتَّى أدركت لفصاحةٍ نيل المرام الأبعد
وتنزَّهت أبياتها عن عائبٍ لسماعها نيرانه لم تخمد
ووحقَّ أنعمك الجسام فإنَّها قسمٌ لغيرك مدحتي لم تقصد
وتهنَّ شهر الصَّوم إنَّك ماجدٌ قضَّيته في عفَّةٍ وتهجُّد
والعبد من شوقٍ أتاك مهنِّيًا بخلودٍ ملكٍ في الزَّمان مؤَّبد
فبقيت مرفوع اللَّواء مؤيَّدًا بالنَّصر في ملكٍ وعيشٍ أرغد
[٥١٦]
/١٨٠ ب/ عليُّ بن محمود بن عليِّ بن علوان بن خليفة بن علوان البزاغيُّ الأنصاريُّ، أبو الحسن.
شيخ كبير السن، رأيته بمحروسة حلب بمجلس القاضي الصدر بهاء الدين أبي محمد بن الخشاب -أيده الله تعالى- في سنة ثمان وثلاثين من فلّاحي قريته؛ عامي جاهل بالعلم والأدب إذا /١٨١ أ/ أنشد لحن في إنشاده وتلعثم. وله طبع في صحة الأوزان، وذوق في عمل الشعر، ولم يقرأ فط شيئًا من العربية بل عنده طرف من علم
[ ٤ / ١٤٩ ]
العرب ووقائعها.
وهو شاعر كثير الشعر، سهل عليه عمله، متدفق الطبع، وديوان أشعاره يدخل في عدّة مجلدات؛ غير أنَّ شعره من المرذول الساقط، ليس من المختار النادر. يظهر فيه العجرفة والركاكة واللحن الفاحش. وكان ينظمه بسبب أملاكه التي ببزاغا خوفًا من أن يغصبوه بالخراج، واشفاقًا من ذلك، وقد يمدح الملك الظاهر والملك العزيز لئلا يغلب عليه السلطنة ويصانع عنه.
أنشدني بمجلس القضاء بهاء الدين أبي محمد الحسن بن إبراهيم -أدام الله أيامه- يوم الخميس السادس عشر من ربيع الأول من ستة ثمان وثلاثين وستمائة، وذلك بمحروسة حلب، يمدح بها الملك العزيز: [من البسيط]
يا حسن القدِّ والتَّثنِّي ويا مليكًا بكلِّ حسن
ويا هلالًا بدا منيرًا يختال في ثوبه المسني
بأيِّ ذنبٍ فدتك روحي أعرضت دون الأنام عنِّي؟
يا شادنًا قد كساه ربِّي من حلل الحسن كلَّ فنِّ
/١٨١ ب/ ويا صغيرًا رجعت فيه مفتتنًا عند كبر سنِّي
لا تكثر الصَّدَّ والتَّجافي عليَّ والهجر والتَّجنِّي
فقل لمن لا مني عليه دونك عذري ولا تلمني
ولا تسلني عن التَّسلِّي عنه وعن غيره فسلني!
ومنها:
صوَّره الحبُّ في يقيني وخيَّب الدَّهر فيه ظنِّي
تشيَّع القلب في هواه وكان طول الزَّمان سنِّي
يا عاذلي في هواه دعه يبلغ ما عنده ودعني
فالدَّهر في دولة ابن غازي قد يسَّر الأمن والتَّمنِّي
الملك الواسع العطايا على البرايا بغير منِّ
[ ٤ / ١٥٠ ]
بدَّل إعسارهم بيسرٍ والخوف من دهرهم بأمن
حتَّى غدوا في نعيم عيشٍ من قلق البؤس مطمئنِّ
بعارضٍ مطلق العزالي على مطا الأرض مرجحنِّ
محمَّدٌ حمده اعتقادٌ لكلِّ حرٍّ وكلِّ قنِّ
يهدم كنز النُّضار بذلًا وللعلا والفخار يبني
/١٨٢ أ/ تمتاح إنعام راحتيه بغير كيلٍ وغير وزن
في البأس والعطايا عن بأس عمرٍو وجود معن
أجرا على الرَّوع من أتيٍّ في يوم ضربٍ ويوم طعن
وفيه مع بطشه وقارٌ يستعمل الحلم والتَّأني
وأنشدني لنفسه: [من المنسرح]
قالوا: وسمت امرًا بقافيةٍ فيها مديحٌ له وتوبيخ
قد سبك الهجو في صياغتها والمدح فوق الهجاء منسوخ
قلت: عقدت الرَّجاء من سفهي فيه وعقد السَّفيه مفسوخ
والشِّعر مثل القرآن في نفسي أكثره ناسخٌ ومنسٌوخ
وله: [من الطويل]
لقد أنكر الشَّيطان عظم تجلُّدي ومٌصطبري عن شتم عرض المجلد
رمى خمسة الأجزاء في جنب بيته ولم يرها إلَّا بعزم المفنِّد
وما أنا من يصغي إلى عذل مائنٍ أروح إليه كلَّ يومٍ وأغتدي
تمادى لقيطٌ في التَّواني ولم يزل يحضُّ أعاديه على هلك معبد
وها أنا قد أمهلته بعد رقعتي إليه بقايا فسحة اليوم والغد
/١٨٢ ب/ فإن وصلته نفحةٌ من سفاهتي فما أنا فيها ظالم الرَّأي معتدي
وله: [من السريع]
سألت من أعشقه قبلةً فقال واستولى عليه الخجل:
[ ٤ / ١٥١ ]
والله ما قصدك في قبلةٍ وإنَّما قصدك غير القبل
وقال: [من السريع]
كأنَّما زهر أقاح الرُّبى وقد بدا متَّسقًا كالشَّنب
حبُّ جمانٍ نظمت نثره خودٌ على واسطةٍ من ذهب
وقال: [من الطويل]
وزنجيَّةٍ أصبو إليها كما صبا إلى حبِّ عفرا عروة بن حزام
تشير بألحاظٍ مراضٍ فواترٍ وتبسم عن ثغرٍ كعقد نظام
وأعجب منها أنَّها أعجميَّةٌ وتفهم ما أوحي بغير كلام
إذا ما تعانقنا جهارًا حسبتها سلالة نورٍ فوق جنح ظلام
وله: [من الخفيف]
كان يبدو لناظري أنَّ زين الدِّين من كثرة البغاوة خنثى
وأرى شخصه يلوح لعيني ذكرًا وهو في الحقيقة أنثى
/١٢٩ أ/ غرس الماء في رياض بني ميمون قرعًا وفي الأسافل قثَّا
وقال: [من البسيط]
هذا الكتاب الَّذي سطَّرته بيدي عن الصَّبابة والأشواق والكمد
إلى الأمير الَّذي روحي معلَّقةٌ بقربه في اقتراب الدَّار والبعد
وإن يكن شخصه المجنون في بلدٍ وشخص مملوكه المشتاق في بلد
فالودُّ يجمع أهوانا كما جمعت بنو خريمة دوًدانًا إلى أسد
[٥١٧]
/١٠٣ ب/ عليُّ بن مكي بن أبي المعالي بن عليٍّ، أبو الحسن الشهر كرديُّ.
وشهر كرد قريةٌ بين دقوقا وكرخين.
/١٠٤ أ/ كان شاعرًا مسترفدًا، قارئًا للقرآن ضريرًا، يقصد الناس بشعره، ويرحل في البلاد، وعنده عشرة.
[ ٤ / ١٥٢ ]
أنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير أبا البركات المستوفي -رحمة الله-:
[من البسيط]
مولاي يا شرف الدِّين الَّذي شرفت به الدَّواوين قاصيها ودانيها
ومن سرى في بحار العلم منتخبًا من قعرها الدُّرَّ واستنقى لآليها
يا باني المجد يا قسَّ بن ساعدةٍ يا من إذا ماتت الآداب يحييها
أنت الذي بك أضحى الدَّهر مبتسمًا وسيرة الجود عن كفَّيك نرويها
وأنت أوليتني يا سيِّدي نعمًا ومن أيادٍ جسامٍ لست أحصيها
إنَّ العدوَّ الَّذي اشتدَّت عزيمته على عنادك قد هدَّت مبانيها
وصار في ظلمة الأرماس مطَّرحًا تدعوه من محن البلوى دواعيها
لا زلت في ذرى العلياء في نعمٍ ما سار ركبٌ وحثَّ النُّوق حاديها
وأنشدني أيضًا لنفسه ما كتبه إليه: [من الخفيف]
شرف الدِّين يا أجلَّ الأنام وفتى الجود والأيادي الجسام
ومن اختصَّ بالمكارم والفضل قديمًا وبالخلال الكرام
قد أتى الصَّوم قادمًا يتهادى في جزيل الثَّواب والإكرام
/١٠٤ ب/ شهر برٍّ ورحمةٍ وصلاةٍ وصلاتٍ تنحى من الآثام
بجرانه سيلقاك فيه كلُّ سولٍ وبغيةٍ ومرام
فاسع في حاجتي يكن لك فيه أجر من بات مخلصًا في الصِّيام
أو كمن حجَّ طائعًا يبتغي اللـ ـه بسعيٍ وعمرةٍ واستلام
فإلى م القعود من غير نفعٍ فلقد طال في التَّقاضي مقامي
وإلى كم أغشاهم في صباحٍ ومساءٍ بخدمةٍ وسلام
ليس عذرٌ للقوم من بعد ما قد بلغ المكث بينهم ألف عام
وأرى جابي الجريدة رخوًا في التَّقاضي موافق الأقوام
ذاك خطٌّ عرفته من زمانٍ لا برمحٍ يأتي ولا بحسام
فلئن كان قد تحصَّل شيءٌ فهو عندي من جملة الإنعام
وسؤالي عن قريبٍ لمسيري في هذه الأيَّام
وابق للقاصدين عمرًا طويلًا ما ترى البرق من خلال الغمام
[ ٤ / ١٥٣ ]
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا يمدحه: [من الخفيف]
بك أضحت أوقاتنا في أمان حيث كنت المنى وأقصى الأماني
/١٠٥ أ/ وإليك المطيُّ مدَّت خطاها سابقاتٍ فواضل الأرسان
وأضاءت بوجهك الأرض فاستغنت به عن ذكًا وعن زبرقان
وغمرت البلاد بالعدل حتَّى بلغ العدل سائر البلدان
واطمأنَّ المخوف وانهزم الجائر عنها برفع ضاد الضَّمان
وغدا النَّافر الجموح ذليلًا في قيود الرَّدى وأسر الهوان
وحططت الأوزار فاشتدَّ أزر الملك لا بالظُّبا ولا باللَّسان
بل بارائك العليَّة تنقاد صعاب الأعناق بالإذعان
رحمةٌ أنت أرسلت بعد ضرٍّ للبرايا بعيدها والدَّاني
شرف الدِّين يا ابن قومٍ أقاموا سدَّة المجد من قديم الزَّمان
وبنوا فوقها مراتب عزٍّ وضعوا أسَّها على كيوان
فسموا صاعدين في المجد لمَّا سبقوا الجائرين في الإحسان
أنت قسٌ في الفضل والرَّأي قيسٌ والنَّدى حاتمٌ كريم البنان
أجميلٌ لمن أروح بخطِّ تاجه ذكرك العظيم الشَّان
ويردّ الكتاب من غير ما خوفٍ على النُّوَّاب في حرماني
فخميس الخسيس وابن محلَّا وابن نصَّار لجَّ في حركاني
/١٠٥ ب/ أنقصوني من الجراية والتَّعويض ظلمًا عن سائر الأعيان
فالقهم في الحبوس يلقوا عذابًا كيف لم يعطفوا على العميان
وتهنَّ الصِّيام شهرًا فقد حان بتوقيع خلعة الرِّضوان
وابق في الدَّهر ما أتى رمضانٌ كلَّ عامٍ بالعفو والغفران
فرحًا لا تزال أنت وتاج الدِّين في غبطةٍ مع الأزمان
ما سرى البرق من خلال سحابٍ وشدا طائرٌ على غصنٍ بان
وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
[ ٤ / ١٥٤ ]
سل جفوني واللَّيل غاشٍ بهيم هل لنأي الرُّقاد عنها قدوم
أم على حالها تظلُّ تراعي كيف تنصاع للمغيب النُّجوم
وسل الجسم كيف بات وفيه بعد بعد الحبيب وجدٌ جسيم
ويح قلبٍ ترحَّل الصَّبر عنه وفؤادٍ به الغرام مقيم
فمتى هبَّ للوصال نسيمٌ فشفى ذلك الغرام النَّسيم
لائمي خفِّف الملامة واقصر ليس يقوى بما تقول الملوم
كيف أصغى إلى ملامك والشَّوق بقلبي له عذابٌ أليم
صادني شادنٌ أغنُّ غريرٌ ناعسٌ مائسٌ رشيقٌ رخيم
/١٠٦ أ/ ساحر الطَّرف لو رأى غمد موسى لم يخيَّل للنَّاس سحرٌ عظيم
قد حوى وجهه حدائق زهرٍ سقياها الرَّحيق والتَّسنيم
وأنشدني لنفسه يمدح الوزير أبا إسحق إبراهيم بن علي بن أبي حرب الموصلي المعروف بابن الموالي. وكان يومئذ يتقلد الوزارة بإربل للملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن تكتكين -﵁- وبعرض بذكر جماعة كان له عليهم رسوم في رأس كل عام فعوقوها وأخروها عنه: [من الرجز]
يا حاديًا نياقه سحيرا يجهدها تشوُّقًا وسيرا
لايستريح أو يرى الغويرا لقيت خيرًا ووقيت ضيرا
***
إذا أتيت إربلًا صباحا وبان بشرٌ مقبلٌ ولاحا
فاعلم بأنَّ النُّجح والصَّلاحا قد قارناك فاترك الرَّواحا
***
واعدل إلى الرَّبع الأنيس الآهل بالجود والمعروف بالفضائل
/١٠٦ ب/ والمنهل العذب لكلِّ ناهل وملجأٍ لخائفٍ وسائل
***
ربعٌ به بحر النَّوال والرَّدى ما يأتلي يسفح برًا أبدا
[ ٤ / ١٥٥ ]
يغمر إنعامًا ويروي من صدى سجيَّةٌ ببردها قد ارتدى
***
الصَّاحب الحبر الوزير الرَّاسخ في العلم والطود الأشمُّ الشَّامخ
ومن له مجدٌ أثيلٌ باذخ دعامه على السِّماك
***
ذو الطَّول والإحسان والأيادي والرَّأي والفطنة والسَّداد
ومن به أصبح هذا النَّادي أمنًا لكلِّ رائحٍ وغادي
***
وقد نفى عنه الأذى والبوسا بعدله وصرَّف النُّحوسا
فالرَّبع قد أضحى به مأنوسا والنَّاس فيه كزمان موسى
***
وهو الَّذي يصدر عنه سير تغار إذ تقرأ منها السُّور
سرى بها السَّفر مجِّدًا يخبر منوِّها يا حبَّذاك الخبر
***
رقت به إلى المعالي قدم ثابتةٌ تقصر عنها الهمم
ما يستوي المعوجُّ والمقوَّم كلَّا ولا الضَّوء معًا والظُّلم
***
من معشرٍ حازوا علًا ومجدا وسؤددًا ونائلًا ورفدا
جلَّت بأن تحصر أو تعدَّا قد ورث الأبناء فيها الجدَّا
***
/١٠٧ أ/ لا برح السَّعد مع النَّجاح عبد له في الغدوَّ والرَّواح
ما غرَّدت صاحبة الجناح في الدَّوح بالتَّعداد والنَّواح
***
وإنَّ للماجد تاج الدِّين كفًّا كمثل العارض الهتون
تجود بالنَّفيس والثَّمين على الفقير المدقع المسكين
***
[ ٤ / ١٥٦ ]
ربِّ العطايا والسَّجايا والمنن والمرتجى لدفع لزبات الزَّمن
ومن سما بالفضل سرًّا وعلن متَّبعًا أوضح نهجًا وسنن
***
سليل قومٍ ذكرهم يضوع بين الورى ومجدهم رفيع
مؤثَّلٌ وعزُّهم منيع وربعهم مرتبعٌ مريع
***
تجمَّعت فيه خلال غرُّ عقلٌ وفضلٌ وندًى وبرُّ
خلائقٌ أربعة تمرُّ حميدةً يرغب فيها الحرُّ
***
لا زال يرقى رتب المعالي محفوفةً باليمن والإقبال
في نعمةٍ ممتدَّة الظِّلال بغير تحويل ولا انتقال
***
والفتية الأماجد الكرام تسامقوا في المجد واستقاموا
ومن بهم أصبحت الأيَّام حاليةً واتَّسق النِّظام
***
فمنهم الظَّهير والكمال ثمَّ المعين النَّدس المفضال
/١٠٧ ب/ والمجد يتلوه فنعم الآل إليهم تقوَّض الرِّحال
***
أولوا النُّهى والمنن الجسام والجود والمواهب العظام
ومن لهم مجدٌ مشيدٌ سامي مقرُّه راسٍ على بهرام
***
طابوا أصولًا وزكوا فروعا وسلكوا سبل العلا جميعا
فأوضحوها مذهبًا مشروعا أصبح كلٌ لهم تبيعا
***
[ ٤ / ١٥٧ ]
لا برح التَّوفيقٌ والإرشاد والعزُّ والتَّأييد والإسعاد
يغشاهم طوعًا كما أرادوا دائمةً ليس لها نفاد
***
واشرح له قصَّة عبدٍ أصبحا عن داره وأهله منتزحا
عساه بعد خسره أن يربحا ويغتدي إلى العيال فرحا
***
فجاء في حسابه شطور وساءت الظُّنون والتَّقدير
وهكذا ما برح الضَّرير عزيز شكرٍ حظُّه يسير
***
كان له رسمٌ على الجماعه أولي الولايات والاستطاعه
قدرٌ يمشِّي الحال بالقناعه وأنفس القوم له مطواعه
***
فحين وافى لابتغاء رسمه مبادرًا في صحَّةٍ من عزمه
مغرِّرًا بروحه وجسمه خوف الفوات حذرًا من حسمه
***
/١٠٨ أ/ فصادف القوم وقد تغيَّروا كأنَّما تجمَّعوا واشتوروا
وأسهبوا بمطلهم وأضجروا وهو على ذلك حينًا يصبر
***
فأوَّل القوم الإمام القاضي ومن جميع الخلق عنه راضي
لم يكثر العبد له التَّقاضي خوفًا من الإملال والإعراض
***
ثمَّ ابنه العماد والمدرِّس الفخر والمحتسب المحتبس
ثمَّ أخوه الخازن الملتمس منِّي مدحًا حيث ضاق النَّفس
***
وكم سعى العبد إلى النَّقيب بعد الزَّعيم مكثر التَّرغيب
عند الضُّحى والظُّهر والمغيب وما رأى شيئًا سوى التَّعذيب
[ ٤ / ١٥٨ ]
ويونس الحمَّال ثمَّ القطب ما فيهما من خصلةٍ تحبُّ
ومحرز العجب ثمَّ أبو هنديِّ سلم حرب
***
وابن البهرزيِّ ونجل مسكي كلاهما قد سلكا في السِّلك
ونائب الإصطبل ليس يحكي لسانه غير حديث الإفك
***
ثمَّ الكمال وهو في بيت الزَّرد وابن السُّليماني مدلٌ معتمد
على اليتامى ولقد ضاع العدد ولو توانوا سنةً كان نفد
***
ثمَّ الجمالان مع التَّتمَّه يحيى وشعبان ووالي الظُّلمه
/١٠٨ ب/ والمحيي والشَّحَّام وابن نعمه وابن سليمٍ ليس فيه رحمه
***
وابن عبيدٍ وبنو الشَّريف قد أسرفوا في المطل والتَّسويف
وضامن القطن بلا معروف لا يستحي من كثرة
***
والصَّارم السَّاكن بيت النَّار ذو يسرةٍ وصاحب اقتدار
على الآثار ليس لهم وجهٌ إلى اعتذار
***
وصحبةٍ عدُّهم لا يحسن منهم مسيءٌ وكريمٌ محسن
والوقت في التَّطويل ليس يمكن ونفسه إلى الدِّيار تذعن
***
والقصد أن تسلَّم الجريده إلى فتًى خصاله حميده
يبذل في خلاصها مجهوده ولا تكن عاريةً مردوده
***
فالعبد لا يصبر عن أصحابه أكثر من هذا ولا يرضى به
فاردده جذلان إلى أحبابه تكسب عظيم الأجر من ثوابه
[ ٤ / ١٥٩ ]
متَّعك الله بهذا العشر وكلِّ عشر مقبل في الدَّهر
ولا برحت صاعدًا في الفخر تضحي العدا ضحاك يوم النَّحر
وكلُّ من حلَّ بذاك المنزل لا برحوا في نعم الم
بالسَّادة الأطهار من آل علي وجدِّهم أحمد خير الرُّسل
***
/١٠٩ أ/ ما لا برقٌ من خلال السِّجف كصارم يخطف ماضي الغرب
وطاف بالست وذاك الشِّعب مهلِّلٌ مكبِّر ملبِّي
[٥١٨]
عليُّ بن يحيى بن محمود بن الحسن بن عواد بن محرز بن مرحٍ، أبو الحسن الخزرجيُّ البغداديُّ
أخبرني أنّه ولد بكرخ بغداد يوم الأربعاء الخامس والعشرين من المحرم سنة ستمائة. وهو شاب سليم الفهم من الأذكياء؛ قرأ طرفًا من علم الأصول وأحكمه، واستظهر القرآن العزيز، وتفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة –﵁- وقال شعرًا في مديح وهجو.
أنشدني لنفسه يمدح بعض الرؤساء من قصيدة: [من الكامل]
بانت عن الاطلال أمُّ الهيثم ونأت بنا فكأنَّها لم تلمم
فقطعت أجواز المغاوز قاصدًا خير الورى من منجد أو متهم
نسل النَّجائب من ذؤابة هاشم كنز العفاة وعصمة المستعصم
ومنها يقول:
/١٠٩ ب/ وعليك من نسج الحديد سوابغٌ لا خيفةٌ من صارمٍ أو لهذم
لكن رأيت الخزم افخر جنَّة وأخو التَّهوُّر ليس بالمتحزِّم
درعٌ لك اتُّخذت بغير مؤخَّر .. ما لاذنا سجها بغير المقدم
ومنها:
[ ٤ / ١٦٠ ]
واعلم رعاك الله مولى نعمة ابدًا بأنَّ أباك أفضل منعم
ما كلُّ من نظم القريض بشاعرٍ ما كلُّ فاقد إلفه بمتيَّم
تالله ما سلك المكارم تباعًا أحد ولا أخذ العلا بمعلِّم
وأنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
لمن طللٌ بال تداعت جوانبه وقفت به أشكو النَّوى وأخاطبه
فكم حلَّ فيه صارمٌ قضى قبل أن تقضى هناك مآربه
ومنها:
فتاةٌ ما أبرزت في دجنَّة أضاء الدُّجى حتَّى توارت كواكبه
لها ناظر يصبي الحليم بلحظه وتصمي قلوب العاشقين صوائبه
تعلقتها طفلًا ولم أدر ما الهوى وسيَّان عندي صابه وأطايبه
ومنها في المديح:
/١١٠ أ/ له كلَّ يوم في العطاء غرائبٌ تصدِّق ممَّن يرتجيه رغائبه
فتشبيهه بالبحر ظلمًا رأيته ومن جود كفَّيه تقلُّ سحائبه
أجدَّ رداء الملك بعد عفائه وقامت به أعضاده ومناكبه
وأنشدني لنفسه يمدح: [من الكامل]
ياخير من عقل الرَّجاء ببابه وبه انيخ ركائب الآمال
ماذا أقول لمن يسائل مغرقًا ماذا أفدت من الفتى المفضال
أيليق عنك بأن أقول منعتني او انَّني ألقاهم بمحال
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
كلتا يديك منادى مفردٌ خلقا لو كانتا نون جمع كنت مرفوعا
فليتها أصبحت نونا لتثنية لأنَّ مازال عنها الصَّرف ممنوعا
وأنشدني قول: [من الطويل]
أسرُّ وتبدي ما تكنُّ الجوانح دموعٌ تخذُّ الخذَّ وهي سوافح
[ ٤ / ١٦١ ]
وما قعدت بي همَّتي عن فضيلة ولي ساعدٌ حتَّى النجوم تصافح
ولم أطغ إن والى الزَّمان عطاءه لديَّ وإن ولَّى فما أنا كادح
ولا واقيًا مالي بعرضي سفاهةً ولؤمًا ولا طرفي إلى الرِّزق طامح
/١١٠ ب/ ومنها يقول:
قومي عصبة لا نزيلهم يضام وهم يوم الفخار رواجح
إذا الخيل كرت في الوغى لا تروعهم طوال القنا أو مرهفات صفائح
يجيرون إن جا الزَّمان من الرَّدى ولو أنَّ وجه العام يبالجدب كالح
إذا نزل الضِّيفان فيهم تساهموا عليهم وثابًا الصَّوائح
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
خلعت رداء الحلم والفضل والنُّهى ولا سلكت رجلي سبيل رشاد
ولا سلَّ في يوم الكريهة صارمي ولم يجر بي يوم الفخار جوادي
ولا حملت كفِّي يرراعا ولا جرى بنظم ولا نثر سواد مدادي
وعوَّضت ثوب الجهل عن ذاك ملبسًا وطال على فوت سهادي
لئن كان حقًا ترك من قد وشوا بنا إليك وهم راجون منك بعادي
ولكن رأوا قربي لديك فساءهم فكلٌ عليه حاسدٌ ومعادي
رأوا منك في حقِّي جفاء فأكرموا ولو شئت ما فاهوا بغير مرادي
[٥١٩]
عليُّ بن إبراهيم بن عمر بن محمد /١١١ أ/ بن عليِّ بن جامعٍ، أبو الحسن الإربلي، المعروف بابن المحتسب.
كان والده يتولّى الحسبة باربل وكذلك جدّه وأخوه وجماعة من أسلافه. أخبرني أنه ولد منتصف شعبان سنة أثنتين وتسعين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
لا تكلني إلى سواك فإنِّي مدنفٌ لم أجد لدائي صلاحا
ولقد غلِّقت بوجهي أبوابٌ عظامٌ فكن لها مفتاحا
واغثني أجد بذاك كما قيل قديمًا خيرًا لأمري نجاحا
[ ٤ / ١٦٢ ]
إن أردتم حواجًا عند قومٍ فتنقَّوا لها الوجوه الصِّباحا
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
إذا كتبي أتتكم فهي تحكي ضنى جسدي وما تحوي ضلوعي
فإن كان المداد به احمرارٌ فلا تعجب فذلك من دموعي
وأنشدني لنفسه ما كتبه لبعض الرؤساء: [من البسيط]
وأنشدني لنفسه ما كتبه لبعض الرؤساء: [من البسيط]
إسعد بها ليلة جاءتك مقبلة تلقاك بالنجح ياسؤلي ويا أملي
فانعم بها واعتنم فيها الدُّعاء تجد في عقبة فسحةً في الرزق والأجل
وكن لعبدك فيما قد أصيب به يا مالكي فعليك اليوم متكلي
/١١١ ب/ وأنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
يقبِّل كفًا لم تزل في ضميره يقبِّلها سرًا بغير تكلُّف
ويعدوكم جهرًا وأنتم شهوده حقيقًا فلم يحتج لقول معرِّف
وأنشدني من شعره: [من البسيط]
لم أنسه إذ بدا والكأس في يده يشير نحوي بكفِّ ناعم ترف
بقهوة يخجل البدر المنير إذا بدا وشمس الضحى في قبَّة الشَّرف
[٥٢٠]
عليُّ بن محمد بن عليِّ بن عبد الله بن سعد بن عبد الله، أبو الحسن النعماني الشيباني.
كانت ولادته بالنيل من البلاد العراقية في سنة إثنتين وتسعين وخمسمائة. وتولى القضاء بها مدة-والده وأعمامه كانوا قضاتها- ورب كاتبًا بديوان النقابة بمدينة السلام في أيام المستنصر بالله أمير المؤمنين –خلد الله ملكه-.
شاهدته ببغداد بجانبها الغربي، في سنة تسع وثلاثين وستمائة في جمادي الأولى؛ وهو يشعر شعرًا رقيقًا، وعنده فضل ومعرفة بالفقه /١١٢ أ/ والحساب
[ ٤ / ١٦٣ ]
والفرائض
انشدني لنفسه من قصيدة طويلة يمدح بها المستنصر بالله: [من البسيط]
نشدتك الله حادي الأينق الرُّسم من منهم في سراه غير متَّهم
ثق منجدًا في ربى نجد إذا شجنٌ يوقفه في ظلال الضَّال والسَّلم
فلي بسفح الحمى نفسٌ لها نفسٌ من الجحيم وطرفٌ سافح الدِّيم
شوقًا إلى سكن من ساكنيه له حشو الحشا نار وجد الضَّرم
أمسى فؤادي رهنًا في حبائله حبًا له ففؤادي غير منصرم
كم جدت بالروح في حبِّي له ولها به وضنَّ بروح الطَّيف في الظلم
وكم طويت ضلوعي في محبَّته على الغرام ونار الشَّوق والألم
وكم لوى باللوى ديني بلا سبب وعقَّني في عقيق الجزع من أضم
يا يوسف الحسن صل يعقوب حسنك قد أودى به البحر حتَّى ذاب من سقم
أما تخاف إله العرش في رجل أمسى بدمع على الخدَّين منسجم
المستعان على ضرِّي ومسكنتي بالعدل من مالك الأعناق والأمم
المالك العادل المستنصر بن أبي نصر أبو جعفر المنصور ذو النِّعم
/١١٢ ب/ مولى لنا كلَّ يوم من منائحه جودٌ بجدواه أحياها يد الرِّمم
فالنَّاس صورة إنسان ممثلةٌ ومالك القصر روح النَّاس كلِّهم
براه من نوره الباري وكوَّنه من طينة حرَّة ليطت على الكرم
ينمى إلى دوحة قدسيَّة بسقت في حضرة القدس من فرعٍ إلى قدم
من معشر شرِّف البيت العتيق بهم مع المشاعر والبطحاء والحرم
علو على الخلق طرأ فالأنام لهم رقٌ وجبريل والأملا [ك] والخدم
قومٌ أتت هل أتى في النَّصِّ مخبرةً عن فضل بيتهم عن نون والقلم
فهل يسربلهم مدحٌ لباس علا بعد الكتاب وقد وافى بمدحهم
وأنشدني لنفسه في التاريخ المذكور ببغداد بجانبها الغربي: [من المسرح]
طاف بكأس السُّلاف في الغسق حمراء صرفا في أبيض يقق
فخلته والمدام بدر دجىَّ يحمل شم النَّهار في الشَّقق
معقرب الصُّدع فوق حاجبه يرشق قلبي بأسهم الحدق
[ ٤ / ١٦٤ ]
ينفث هاروت من لواحظه في كلِّ قلب بالعشق محترق
فليس ينجو من قسيِّ مقلته صبٌ ولو عوَّدوه
/١١٣ أ/ يميس عطفاه في غلائله كما يميس القضيب بالورق
من فوق ردف عبل مؤزَّره مسربل بالجمال منتطق
أصبحت فيه من سكر قامته بالدَّل سكران يفق
أصبحت فيه من سكر قامته بالدَّل سكران يفق
يا حبَّذا شربةٌ على ظمأ من درِّ ثغر في فيه متَّسق
أبيت فيها ما بين مصطبح لماه وبين مغتبق
في روضة حقَّها الرَّبيع لنا بكلّش ورديِّ منظر أنق
والماء فيها ما بين منسرحٍ بين مياديننا ومندفق
والغيم في حلَّة مفضّضة قد شدَّ أزرارها على الأفق
تحدو النُّعامي به ويزجرها الرَّعد فتبكي بمدمع شرق
فيبسم الرَّوض من بكاه إذا البرق علاه بسيفه الذَّلق
كؤوسها كالنُّجوم يبعثها صوت المثاني بأفصح النُّطق
. فيها لكلِّ مختطف لسمع شدو الأوتار مسترق
بين ندامى جروا إلى غاية الظرف فجاءوا معًا على نسق
غرِّ صباح الوجوه همُّهم بثُّ النَّدى والنَّدى على الطُّرق
قد أمنوا ريب دهرهم فغدوا على حنق
/١١٣ ب/ ببأس مولى أضحت بسطوته الآفاق محميَّة من الفرق
خليفة الله مالك الأمَّة المنصور معطي النُّضار والورق
أغنى الورى جوده ونائله بمستهلِّ هامي النَّدى غدق
وعمَّ طوفان نوح راحته فهم يخافون سورة الغرق
أبلج صلت الجبين ينشقُّ عن نور محيَّاه عرَّة الفلق
قد جمعت غاية الكمال له حسن المعاني في الخلق والخلق
فهو ومن قال فيه خالقه في ذكره: إنَّه على خلق
عصنان من دوحة مباركة تحكي بأنوارها دجى الغسق
[ ٤ / ١٦٥ ]
[٥٢١]
عليُّ بن هبة الله بن محمّد بن منصور بن عبد الرحمن الخباز الموصليُّ
رجل صعلوك مملق يرتزق بشعره، كثير اللحن، يقيم أوزان الشعر من غير معرقة بالأدب، وربّما قال أبياتًا صالحة.
أنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المستوفي –﵀-: [من الرجز]
/١١٤ أ/ خلِّ ملامي في الهوى يا سعد ففي فؤادي زفرةٌ ووجدٌ
وفي حشاي والضُّلوع لوعةٌ لها إذا جنَّ الظَّلام وقد
فلا لعلويّ النَّسيم إذ سرى اهفو ولا قلت مرادي نجد
ولا غقيق الجزع بعد عالج ماربى ولا الكثيب الفرد
ولا لغزلان النَّقا وحاجر أصبو ولا قلت: صلي ياهند
ولا المطايا الشَّدنيَّات إذا أنحلها الإرقال والوخد
لكنَّما أشجان قلبي هاجها أيَّام أنس للصِّبا وعهد
بمنزل للقاطنين لم ينزل يحسب فيه للتَّصابي برد
من كلِّ غيداء كشمس أشرقت هالتها برقعها والعقد
قد يئس المشتاق من وصالها عدما وأنَّى للغواني ردُّ
ومن مديحها قوله:
وأين في الأرض وزيرٌ عادلٌ تخاف من بأس سطاه الأسد
غير فريد القصر محيي العدل كهف القاصدين ليس عنهٌ بدُّ
أعني الوزير الماجد الحبر الذي له على هام السماك مجد
بحرٌ خضمُّ ماله جزر بلى لجوده طول الزَّمان مدُّ
/١١٤ ب/ وبدر تمِّ ظهرت أنواره على الورى فلاح ذاك السَّعد
حامي حمى الدَّولة قد أنشأها حتَّى أستتب حلُّها والعقد
معيد عود الملك غصًّا يانعًا من بعدما منه ذوى الأشدُّ
[ ٤ / ١٦٦ ]
تطيعه يوم الوغى خاضعةً بنو الملوك والعتاق الجرد
مقسِّم الآجال في الهيجاء بالعزم القويِّ حين ينبو الحدُّ
قد أصبح العالم في أيَّامه وضمَّهم من الهناء مهد
إلى وزير الوقت قصد شاعر لا خاب للرَّاجين منه قصد
لا زالت الأقدار طوع أمره العالي إليه حكمها يردُّ
[٥٢٢]
عليُّ بن عثمان بن فروح بن فرحاد بن ينكبخت بن شيرمد، أبو الحسن الموصليُّ
من أبناء الجند.
لهج بقول الشعر فصار له فيه طبع مؤات، وخاطر حسن. وله أشياء تستجاد في المديح والهجو والغزل وغير ذلك.
أنشدني لنفسه يمدح المولى المالك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الاسلام.
/١١٥ أ/ والمسلمين، محيي العدل في العالمين، كهف الضعفاء والمساكين، نصير أمين المؤمنين من قصيدة أولها: [من الطويل]
اسرب مها ام أعين العين تلمح أم الظَّبيات المرجحنَّات سنّح
تملَّك قلبي يوم منعرج اللِّوى وبرَّح بي شوقٌ هناك مبرِّح
ومنها في المديح:
وفي جود بدر الدِّين إصلاح حال من بصرف اللَّيالي حاله ليس يصلح
أشدُّ ملوك الأرض بأسًا وسطوة وأعظمهم حلمًا وأعفى وأصفح
وأصفاهم وردًا وأحماهم حمى وأمرعهم روضًا وليس يصوِّح
وأضفاهم ظلًا وأنداهم يدًا وأعلاهم مجدًا وأوفى وأرجح
رحيب الفنا صعب السُّطا واسع العطا أريح الثَّنا من جوده يترنَّح
أغرُّ يضيئ التَّاج من نور وجهه ويكسوه نورًا نوره المتوضِّح
إذا شهد الهيجاء يومًا وقد خبت وصال فمن أسيافه النَّار تقدح
[ ٤ / ١٦٧ ]
يسعِّرها بالمشرفيَّة والقنا بكلِّ كميٍّ ثابت ليس يبرح
ترى الهام فيها طائرات كأنَّها جنادب من وقع الهجير تطرَّح
/١١٥ ب/ ولم تر إلاَّ عائمًا في دمائه وآخر من وقع السِّهام يرنِّح
ألا أيَّها الملك الرَّحيم ومن غدت بجود يديه الألسن الخرس تفصح
ولو سئلت صمُّ الشَّواهق لانبرت تحدِّث عن جدوى يديه وتشرح
تهنّ بنيروز أتاك مبشِّرًا بجد مع الأيام يمسي ويصبح
وعش ألف عام كلَّ يوم مهنَّأ بسعد به فيما تحاول تنجح
وخذ بعنان الدَّهر كيف أردته ذلولًا ولكن عند غيرك يجمح
[٥٢٣]
عليُّ بن محمّد بن عليِّ بن شفاعة الموصليُّ
من أبناء المواصلة.
كان أبوه عطارًا بشهر سوك.
وهو شاب قصير أسمر اللون، رديّ العينين، خفيف العارضين في رأسه حماقة يبغض نفسه إلى الناس، ويستثقلون منظره لكونه يتعاطى التِّيه والحمق.
وكنت ربّما جمعني وإياه مجلس صديق أو سوق الكتب فيورد من شعره شيئًا، ومما علق بذهني من شعره، وسمعته منه قوله في رجل وافى الموصل من مدينة إربل بشفاعة من أميرها أبي المكارم باتكلين بن عبد الله المستنصري /١١٦ أ/. يعرف طرفًا جيدًا من النحو، ويلعب الشطرنج حسنًا. ليعطي الجامكية الموقوفة بالمدرسة النورية على من شغل فيها النحو، وعلم الأدب، فتسلمه وأجرى عليه شهورًا، فقال:
[من البسيط]
يا منصب النَّحو قد أصبحت مضطهدًا من بعد ما كنت مثل اللَّيث في الخيس
اليوم نالك بالشِّطرنح لاعبه فما بقي غير لعَّاب الحواليس
لما انشدت الصاحب أبا البركات المستوفى هذين البيتين، استجادهما، وقال: لو قال غدا ينالك لعاب الحواليس، كان أجود في التطبيق.
[ ٤ / ١٦٨ ]
[٥٢٤]
عليُّ بن عبد الوهاب بن عبد الله بن العجميِّ.
كانت ولادته يوم الاثنين عاشر صفر سنة تسع وتسعين وخمسمائة. انشدني لنفسه يوم الأربعاء الثالث والعشرين من المحرّم سنة ثمان وثلاثين وستمائة بحلب المحروسة يمدح المولى /١١٦ ب/ الأجل السعيد قطب الدين أبا عبد الله محمد بن المولى السيد الإمام نظام الدين أبي منصور عبد الصمد بن أبي جعفر محمد بن الرحيم –أدام الله تأييده-: [من الطويل]
ألا قل لقطب الدِّين يا أكرم الورى ويا واحد الدُّنيا ويا سيِّد الخلق
أهل لك أن تبتاع بالجود والنَّدى صبيًا صغيرًا حين أفصح بالنُّطق
يكون لكم عبدًا على كلِّ حالة ولكنَّ عبدًا ليس يرغب في العتق
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الطويل]
رميت بنبل الجور عن ساعد الدَّهر فأضحيت ملقى ما لكسري من جبر
صريع خطوب لا أرى لي مساعدًا على ما أعاني من عناها سوى الصَّبر
وتعليل نفسي بالأماني وإنَّ من يعلِّل نفسًا بالأماني لفي خسر
زمانٌ يرى فيه اللَّئيم مراده ويصبح فيه الحرُّ في غاية الضُّرِّ
ولولا اصطباري للردى وتجلُّدي لفاضت دموع العين منِّي على النَّحر
وهبني غيَّرت الدُّموع تجلدًا أأطفيء نارًا في الجوانح والصَّدر
وكم قائل لما رآني ناشدًا نصيرًا وحظِّي قد تقاعد عن نصري
أعد بهاء الدِّين تأمل ماجدًا يلاقيك بالإحسان والبِّر والبشر
/١٧٩ أ/ فقلت سليمان المؤمَّل بعده وحسبي عون الدِّين عونًا على الدهَّهر
هو السَّيِّد المفضال والنَّدس الذي تفرد بالعالياء والنَّائل الغمر
وأسبل ماء الجود حتَّى تزاورت عيون بني اللاواء عن وابل القطر
[ ٤ / ١٦٩ ]
حميٌّ إذا خيف الرَّدى بات جاره على عظم الأعداء منتفي الذُّعر
تناح مطايا معتفه بماجد رفيع عماد البيت مرتفع الذكر
لهم منه رفدٌ وجهه ونواله فلم ير إلا باذلا دائم البشر
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
إذا لبسوا اعمائمهم وقاموا على أبوابهم مثل الدَّراري
تقدِّر أنّضهم ناس كرامٌ وهم من كلِّ مكرمة عواري
وأنشدني لنفسه في الأمير جمال الدولة إقبال؛ وهو يومئذ نائب الدولة الصلاحية الناصرية بجلب المحروسة، وأنشأ ذلك ارتجالًا: [من الكامل]
شرفًا لدولتنا وفخرًا إذ غدت تتوسَّم الإقبال من إقبالها
تاهت بأنوار السَّنا جلالة وزهت فكان جمالها بجمالها
وأنشدني لنفسه: [من الكامل]
/١٧٩ ب/ لا تنكروا إقبال دولة يوسف فبرأي إقبال بدا إقبالها
وبعزمه ذل الملوك لعزِّها وبوصفه شرفت وزاد جمالها
وأنشدني لنفسه من أبيات: [من الطويل]
إذا حطَّ كفُّ الحظِّ عنهم اكفَّه وكان لعادي العاديات ذياد
يميل إليه كل قلب كأنَّما له من سويداء القلوب مداد
وأنشدني قوله: [من الكامل]
وحلفت لي أن لا تخون ودِّي وغدرت بي فغدوت بالإثم
فاسودَّ ذاك الوجه بعد بياضه وغدا البصاق مواضع اللثم
وأنشدني من شعره: [من الوافر]
اطالبه فيكتب لي رقاعًا تدل على الحماقة والرَّقاعة
فيتعبني بها من غير نفعٍ فليت أراحني وزوى رقاعه
وأنشدني أيضًا له: [من السريع]
ثلاثةٌ ليس لهم رابعٌ سادوا ومازالوا مناخيسا
محمدَّد العصفور في وابن القبيصي والذَِيا موسى
[ ٤ / ١٧٠ ]
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]
/١٨٠ أ/ وقالوا: أنت شرُّ النَّاس طرًا أتهجونا وقد قدم الإخاء
فقلت لهم فأرشدوني إلى شيء يكون له الثَّناء
.وكلُّكم غثاءٌ وكلُّ فعالكم عندي هجاء
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
رشيق القدِّ أهيفه دقيق الخصر مخطفه
كغصن البان مرُّ الرِّيح يثنيه ويعطفه
له في خدِّه وردٌ بلحظ العين أقطفه
ونرجس مقلة مازال يضعفني مضعَّفه
بديع الحسن يخجل عنده في الحسن يوسفه
أشبِّهه على علمٍ بأنِّي لست أنصفه
يزوِّني تجافيه ويطمعني تألفه
فما أدري تجافيه بلائي أم تالفه
وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الخفيف]
عاتبوه لصدِّه ومطالي بوعده
فاستحى من عتابهم ودنا بعد بعده
/١٨٠ ب/ ليتهم لم يظفروا بالحيا ورد خدِّه
أنا في الحبِّ عبده وهو أولى بعبده
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
قديم الهوى عندي لكم وحديثه ولو أطنب اللاَّحي وزاد حديثه
وجلباب صدري رثَّ فيكم جديده وثوب غرامي في جدَّ فيكم رثيثه
ومالي معينٌ في هواكم عن الأسى ومن ذا يعين الصَّبَّ أم من يغيثه
فلا تعذلاني في المحبَّة واعذرا فسيب جفوني لا تجف غيوثه
فلو تريان الصَّبّ في عرصة الحمى وقد زاد في إثر الحمول لهيثه
يناشد حادي العيث لبثًا بعيسهم وقد أعور الحادي عليه لبوثه
عهود الهوى أضحت عليه أكيدة وذلك عهدٌ لا يحلُّ نكوثه
[ ٤ / ١٧١ ]