[٦١٢]
محمد بن محمد بن أبي حنيفة محمد، أبو عبد الله بن أبي القاسم البغدادي المعروف بابن الفرضي المؤدب
أجرى ذكره الصاحب أبو البركات المستوفي في تاريخه﵁- وقال: ورد أبو عبد الله إربل في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة؛ ومدح والدي أبا الفتح أحمد بن المبارك المستوفي- رحمه الله تعالى- بقصيدة، وقف والدي عليها، فوجدها قد جمعت إلى حسن الإصابة، جودة الكتابة؛ فنقله إليه لتأديبي عليه، فأقام مدةً طويلةً بها إلى أن ورد إربل الملكان؛ الملك المغيث فتح الدين عمر، والملك القاهر بهاء الدين الخضر ابنا السلطان الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب﵁- بكرة الاثنين ثاني عشر جمادي الأولى سنة خمس وتسعين وخمسمائة، فاتصل بهما، وتأدبا عليه.
وسافر في حبتهما إلى الديار المصرية؛ مكنوفًا بحسن الإكرام، محفوفًا بضروب الإنعام، له من الملك المغيث عطاء لا يغب نواله، وسخاء واعتناء يتوالى عليه أفضاله، ومكانة كثر معها توقيره، ومنزلة جرت على اختباره فيها أموره؛ إلى ان ركب معه البحر، فهبت ريح سوداء منتنة، مرض منها جماعة وماتوا، منهم الملك القاهر بهاء الدين الخضر بن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب، وأبو عبد الله محمد بن محمد المذكور، فدفن بالقاهرة، وذلك ف سنة اثنتين وستمائة، أخبرني بصحته ولده محمد وغيره﵀-.
وكان لطيف المحاضرة، ظريف المعاشرة، له خلائق كالشهد عذوبة، وشمائل كالماء رطوبة، شاب المجون بالتنسك، ولم يسلك في الخلاعة طرق التهتك، وكان
[ ٥ / ٧٧ ]
دينًا مستورًا، معروفًا بين الأكابر مذكورًا: [من الطويل]
إذا جد عند الجد أرضاك جده وذو باطلٍ إن شب ألهاك باطله
قطع مدةً من شيبته في مصاحبة الشطار، وأنفق جملةً من عمره في معاشرة الفتاك والدعار، وحبس في سجن بغدد على ما أخبرنا به.
وكان صادقًا مدة سبع عشرة سنة، مقيمًا في منزل ضنك موحشة أقطاره، ومحبس نزل مظلم ليه ونهاره، لا يرى السماء إلا مريعة من جميع نواحيه، ولا يزيد إلا وحشة كثرة ساكنيه، ينسخ المصاحف؛ فكتب على ما اخبرني نيفا وستين مصحفًا لطيفًا في جملة ما كان يورقه.
حدثني- رحمه الله تعالى- أنه كتب في الحبس مصحفًا لطيفًا أقام على كتابته مدةً، وضمن ألا يكتب فيه حرفًا مغلقًا ولا مطموسًا، ووفى بذلك، وأهداه إلى الوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، يتوصل به إلى إخراجه؛ فقال: يجب على من كتب هذا الكتاب الكريم على هذا القدر، قطع يده، هلا كتبه مقدار حمل تعظيمًا له؟ أو كما قال.
فلما أطلق من اعتقاله، وخلص من ضيق وثاقه وعقاله، وصل إلى الموصل، ثم فصل عنها على إربل؛ فكان من حاله ما تقدم ذكره، وسأعقب هذا الفصل بجملةٍ من شعره، التي هي محصوله من عمره؛ مما يستدل به على سلامة قريحته، ويعتبر به سماحة فكرته وكان يعمل على طبعه في النظم، فيقع له الحسن المنقح، والعامي المطرح؛ وكان مولعًا باستعمال الألفاظ العامية؛ فمن ذلك ما أنشدنيه لنفسه؛ أنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي؛ قال: أنشدني أستاذي ومؤدبي أبو عبد الله لنفسه: [من مجزوء الخفيف]
من لصب متيم قد حناه حنينه
[ ٥ / ٧٨ ]
أنحلته أشواقه واستهلت جفونه
كلما ناحت الحما ثم زادت شجونه
وإذا الليل جنه واعتراه جنونه
ظل يبكي بأدمع هاطلاتٍ شؤونه
وأنشدني؛ قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه من أبيات: [من الرمل]
إنما كان ولوعي طمعًا والردى لا شك عقبي الطمع
واحتقرت العشق حتى قادني بزمامي فأراني مصرعي
إن من أسكنهم في كبدي وانطوت صونًا عليهم أضلعي
عرفوا موضعهم من مهجتي فأضاعوا بالتجافي في موضعي
أنا أفدي قمرًا ودعته وهو بالتقبيل منه ممنعي
ملني بعد الوفا من كان لي وبحكمي خاتمًا في إصبعي
لو رعى حفظ ودادي لم يضع ما رأى في خلوتي من ورعي
حين ضمتنا ليالٍ بربى إربلٍ لا باللوى والأجرع
وأنشدني؛ قال: أنشدني مؤدبي لنفسه [من الرمل]
كلما هيجني ذكركم صحت من وجدي بكم واحزني
وإذا ما رمت عنكم سلوة بكرت أشواقكم تلعب بي
ذهب العمر بعيشٍ كدر نكد لم أقض فيه أربي
فإلى من أشتكي ما نابني حين غابوا وإلى من مهربي
وزفيري بالأسى في صعد ودموعي بالبكا في صبب
ما هناني مذ تولت عيسهم واستقلوا مطمعي أو مشربي
فإذا قلت تقضت شقوتي خانني صبري وزادت كربي
وأنشدني؛ قال: حدثني أبو عبد الله، أنه رآها في المنام فانتبه وقد حفظها: [من الوافر]
[ ٥ / ٧٩ ]
بال محمد أرجو نجاتي غدًا من شر أهوال القيامة
ومن ربي أرجي العفو عما أتيت إلى البرية من ظلامه
فإن غفر الإله عظيم ذنبي فأجدر أن أهنى بالسلامة
وإن لم يعف عن ظلمي لنفسي عضضت يدي من طوال الندامة
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنسه: [من المنسرح]
بوجنة كالشقيق تنحسر الـ ـأعين عن حسن وردهما الأحمر
حاذر أن تجتنى فحصنها في سالفيه بعارضٍ أخضر
وأنشدني، قال: أنشدني من جملة أبيات مديحًا: [من البسيط]
وقل له عبدك الداعي المنيب ومن يأوي إليك إذا ما نابت النوب
فأنت من معشرٍ إن سولموا صفحوا أو حوربوا حربوا أو سوئلوا وهبوا
يحمون أعراضهم بالمرهفات ولا يحمون ما لأيادي الحمد ينتهب
فالبر أنفس مدخورٍ لمدخر في يوم لا نسب يغني ولا سبب
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الرمل]
أيها الحادي بهم قف وقفة فعسى تحيي بها من عشقا
قو ولو طرفة عينٍ ربما ردت النظرة فيها رمقًا
ومنها في المديح:
أسد يقدمه الرعب متى ما غزا جيشًا تولى فرقا
لو رأى عمرو بن معدي كرب بأسه خر لديه صعقا
كلما أسهبت في المدح له قال من يسمع قولي: صدقا
[٦١٣]
محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي، أبو الفضل الطبرستاني البكري الرازي المعروف بابن خطيب الري.
[ ٥ / ٨٠ ]
كان جده الحسين خطيب الري، وجده الحسن ولد بمكة، وكان تاجرًا مثريًا، سكن الكعبة الحرام أربعين سنة؛ وكان من ولد أبي بكر الصديق﵁-.
ورحل أبو الفضل من الري في بدء أمره إلى أذربيجان، وكان بها رجل يقال له: مجد الدين الجيلي، عالمًا بالحلم، فقرأ عليه شيئًا من العلوم الأولية؛ ثم فتح الله عله فتحًا كبيرًا، فأخذ من الكتب، وفرغ من عنده.
ثم رحل إلى خوارزم، ثم إلى ما وراء النهر، ثم رجع إلى خوارزم إلى البلاد الخراسانية ومنها إلى الباميان، وهي بلدة في الغور، وكان صاحبها بهاء الدين
[ ٥ / ٨١ ]
سام بن محمد بن الحسين بن سام؛ فأقام عنده سنين كثيرة، وكسب من جهته أمولًا غزيرة.
وهو الإمام الفقيه المتكلم، الأصولي الحكيم العلامة المتفنن في كل نوع يأخذ فيه، المنقطع القرين في سمو رتبته، وقيامه بالعلوم؛ وكان ينتحل الفقه على مذهب الإمام الشافعي﵁- ويتكلم على رأي أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وبرع في علمي الأصول والخلاف والمنطق والطب وسائر أجزاء الحكمة.
وصنف كتبًا جمة، اشتهرت في الدنيا في ذلك كله نذكر ما تيسر منها؛ كتاب تفسير القرآن الكبير؛ سماه "مفاتيح الغيب" سوى تفسير الفاتحة، أفرد لها تصنيفًا اثنا عشر مجلدًا بخطه الدقيق. وكتاب "التفسير الصغير"، وكتاب "نهاية العقول في علم الأصول"، وكتاب "المحصول في علم الأصول"، وكتاب "المحصل في الأصول"، أيضًا، وكتاب "الملخص في الحكمة"، وكتاب "شرح الحكمة"، وكتاب "الحكمة المشرقية"، وكتاب "لباب الإشارات"، وكتاب "المطالب العالية في الحكمة"، وكتاب "شرح الإشارات"، وكتاب "الأربعين في أصول الدين"، وكتاب "المعالم في الأصولين"، وكتاب "شرح كليات القانون"، وكتاب "الطب الكبير"، وكتاب "مناقب الإمام الشافعي"- ﵁- وكتاب تفسير "شرح أسماء الله الحسنى"، وكتاب "أسرار التنزيل [وأنوار التأويل" مجلد لم يتم]، و"تفسير القرآن"، وكتاب "السر المكتوم"، وكتاب "الطرفة في الجدل"، وكتاب "شرح سقط الزند"، وكتاب "منتخب دنكلوشا"، وكتاب "مباحث الوجود والعدم"، وكتاب "مباحث الجدل"، وكتاب "جواب الغيلاني"، وكتاب "الجامع الكبير الملكي في الطب"، وكتاب "النبض"، وكتاب "شرح القانون" مجلد لم يتم، وكتاب "التشريح من الرأس إلى الحلق" لم يتم، وكتاب "الأشربة"، وكتاب "الآيات البينات"، وكتاب "منتخب المحول في أصول الفقه"، وكتاب "تفسير
[ ٥ / ٨٢ ]
الفاتحة مجلد"، وكتاب "تفسير سورة البقرة" مجلد على الوجه العقلي لا النقلي، وكتاب "شرح الوجيز للغزالي" لم يتم، حصل منه العبادات والنكاح في ثلاث مجلدات بخطه. وكتاب "الطريقة العلائية في الخلاف" أربع مجلدات، وكتاب "لوامع البينات في شرح أسماء الله والصفات" مجلد، وكتاب "في إبطال القياس" لم يتم، وكتاب "شرح نهج البلاغة" لم يتم، وكتاب "فضائل الصحابة الراشدين"، وكتاب "القضاء والقدر"، وكاب "رسالة الحدو" مجلد، وكتاب "تعجيز الفلاسفة بالفارسية" وكتاب "البراهين الربانية" بالفارسية، وكتاب "اللطائف الغياثية"، وكتاب "شفاء العي من الخلاف"، وكتاب "الخلق والبعث"، وكتاب "الخمس في أصول الدين" بالفارسية، وكتاب "عمدة النظار ونبذة الأفكار"، وكتاب "الأخلاق"، وكتاب "الرسالة الصاحبية"، وكتاب "الرسالة المجدية"، وكتاب "عصمة الأنبياء"، وكتاب "في الرمل"، وكتاب "شرح مصادرات أقليدس"، وكتاب "في الهندسة"، وكتاب "رسالة نفثة المصدور"، وكتاب "رسالة في ذم الدنيا"، وكتاب "الاختيارات العلائية في الاختبارات السماوية"، وكتاب "أحكام الأحكام"، وكتاب "الرياض المونقة في الملل والنحل"، وكتاب "رسالة في النفس"، ورسائل في كل فن من علم الرياضي، والمنطق والحكمة وغير ذلك.
وكان من جلالة القدر، وعظم الذكر، وفخامة الهيبة بحيث لا يراجع في كلامه، ولا ينبس أحد بين يديه لإعظامه، ما هو مشهور متعارف، وكان مع تفرده بهذه العلوم واستيلائه عليها، له اليد الطولى في الأدب والعربية والتصريف، وسار ذكره في شرق الأرض وغربها، وقصده الناس من كل صوبٍ وناحية، وانتشرت تلامذته في الأقطار، وتخرج عليه عالم كثير لا يحصى.
وكان يحضر مجلسه ثلاثمائة متفقه لا يعلو صوت أحدٍ منهم على صوته، إعظامًا له واحترامًا، وكان مهيبًا في أصحابه، شديد الوقار ذا حشمةٍ وافرة، وقدرٍ كبيرٍ عند السلاطين.
وكان السلطان خوارزم شاه علاء الدين أبو شجاع محمد بن تكش بن أيل أرسلان بن تتش بن محمد نوشتكين، مع عظم سلطانه وسعة ملكه يقصد زيارته،
[ ٥ / ٨٣ ]
ويتواضع لديه ويجله ويبالغ في كرامته.
وكانت ولادته سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وتوفي بهراة يوم عيد الفطر سنة ست وستمائة- نور الله ضريحه وبرد صفيحه- فلقد كان آية من آيات الدنيا، ومحاسن الزمان.
أنشدني أبو المعالي عبد الجبار بن محسن بن مزني بن عبد الجبار الجيلي الهمامي؛ قال: قرئ على شيخنا أبي الفضل محمد بن عر الرازي لنفسه، وأنا أسمع: [من الطويل]
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
وكم قد رأينا من رجال ودولة فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا
وكم من جبالٍ قد علت شرفاتها رجالٌ فزالوا والجبال جبال
وقال أيضًا: وهي القصيدة التي لقبها بالهادية: [من الكامل]
يا طالب التوحيد والإيمان أبشر بكل كرامةٍ وأمان
واعلم بأن أجل أبواب الهدى تقرير دين الله بالبرهان
وأعز خلق الله ناصر دينه بالعقل والأخبار والقرآن
فإلهنا بعلو عز جلاله متقدس عن الإيمان
فردٌ قديمٌ دائمٌ لصفاته من غير وهم تعاقب الأزمان
حارت عقول الخلق في سبحاته وعلا على الأفهام والأذهان
خضعت له الأرواح والأشباح في تسبيحها وتخر للأذقان
العرش في عرصات عز جلاله متبلد كالواله الحيران
والجسم في درجات نور كماله مستحقر مثل الخيال الفاني
[ ٥ / ٨٤ ]
لو كان عرشيًا لكان مركبًا ولكان كالإنسان في الجثمان
لو جاء قيوم السماء بذاته يوم القيامة كان في الحدثان
لو كان ينزل من أعالي عرشه لإفاضة الإحسان والغفران
لتبدلت أوصافه في ذاته ولكان ذلك غاية النقصان
من كان هذا دينه فكأنه قد فاق أهل الشرك في الخذلان
أو كان هذا منتهى توحيده فعليه محض لعائن الرحمن
ومحمد خير البرية جاءنا بشريعةٍ تهدي إلى الرضوان
فمن المحال محبه في دينه بالسخف والتشبيه والبهتان
لولا التغير والتناهي لم يكن بالنجم ما يرميه بالحدثان
يا من توحد في وجوب وجوده وعلا على الأشياء لا بمكان
يا حي يا قيوم يا محيي الورى يا دائم المعروف والإحسان
يا منتهى أملي وغاية رغبتي وعليك معتمدي بكل أوان
أدعوك دعوة خاشعٍ متخوف متلهف من كثرة العصيان
لا تشغلني عن جلالك لحظة بشواغل الأفلاك والأركان
لا تحجبني عن جلالك لمحة في لاحق الأحياز والأحيان
أنت الذي خلق الخلائق كلها بدلالة الحدثان في الأعيان
أنت الذي خلق الخلائق كلها بشهادة الإحكام والإتقان
أنت المريد لخيرنا ولشرنا في طوري الوجدان والفقدان
أنت المغيث لنا وكاشف ضرنا ومجيز جاهلنا من النيران
وأنا الضعيف المستجير بفضلكم عند البلى في ملبس الأكفان
قد هد أوصالي وأضعف قوتي طول الزمان وكثرة الأحزان
وسئمت ما قد كنت أطلب قربه ومللت طول مكائد الأقران
ما تم ستون الحياة وليتني عانيته في موقف البطلان
إني أرى الدنيا مقام متاعب ومصائب موصولة الدوران
وأرى سعادة أهلها كالماء في الـ ـسيلان أو كالثلج في الذوبان
ورأيت أرباب الضلال تعاونوا في الإثم والتلبيس والعدوان
[ ٥ / ٨٥ ]
وعهدت جمهور الخلائق آثروا نقض العهود ونكثة الإيمان
فطفقت أطلب سلوة لي حلوة مع كثرة الإمعان في الأعوان
فعجزت عن وجدانها حتى بدا أن لا سبيل إذًا إلى الوجدان
أتحفت سلطان الورى بقصيدة تربي على الياقوت والمرجان
سلطان أرض الله ناصر شرعه فيها وأهل الزيغ والطغيان
لا زال ظل جلاله متمددًا أبدًا مع التمكين والإمكان
وكلامنا في الدين أصبح واضحًا يبيض مثل الشمس في اللمعان
يا رب إني كيف أقدر قدركم مع أنني من عنصر الإنسان
لكنني ألزمت عقلي مدحكم في كل ما يسمو إليه لساني
إن كان حقًا كان من توفيقكم أو كان مختلًا فمن شيطاني
وله في الثناء على الله﷾-: [من الطويل]
تتمة أبواب السعادات للخلق بذكر جلال الواحد الأحد الحق
مدبر كل الممكنات بأسرها ومبدعها بالعدل والقصد والصدق
تعالى عن الأذهان سلطان عزه وجلت معاليه عن التحت والفوق
أجل جلال الله عن شبه خلقه وأنصر هذا في الغرب والشرق
إله عظيم العدل والفضل والعلا هو المرشد المغوي هو المسعد المشقي
رجاء جميع الخلق في جود وجوده ورهبتهم من قهره لا من الخرق
فمن كان في عرفانه كان في الهدى ومن كان في عصيانه كان في المحق
ومن ظن أن العدل يدرك كنهه فقد صار عرفًا في الضلالة والحمق
ولما رأينا كل جسمٍ مركبًا علمناه محتاجًا إلى الموجد المبقي
فمبدئ كل الممكنات منزه عن الشكل والمقدار والجمع والفرق
ولما وجدنا جسمنا متركبًا من العظم والغضروف والجلد والعرق
وشحما لمرآنا وعظمًا لسمعنا ولحمًا سحيقًا للبنان وللنطق
قضى العقل منه انه متولد بتدبير خلاقٍ يدبر بالرفق
ومما يقوي كونه متعاليًا عن الطبع والإيجاب والغلق والفلق
تفاوت أوصاف الذوات بأسرها من الوضع والمقدار والخلق والخلق
[ ٥ / ٨٦ ]
ومما يقوي كونه موجب تفاوت حال الحلق في الرتق والفتق
ومما يجلي حلمه واقتداره تخالف وصف البحر في السكر والبثق
ومما يزيل الريب عن صدق ديننا عجائب حال الحمل في منتهى الطلق
براهين دين الله جم كثيرة وفي الجري والبعد والسحق
ومن دان للدين الحنيفي عقله يصير مدى مسراه في ليله طلق
ومن عجب الأقدار دولة جاهل ومكث لبيب في الكدورة والرنق
وكم قد رأينا جاهلًا ملك الورى وكم قد رأينا كاملًا ضيق الرزق
يجد فلا يجدي ويسعى فلا يرى ويبعث يوم الحشر بالأعين الزرق
وكم أحمق قد ساد بالحمق عالمًا وكم من بلاءٍ جر بالعقل والحذق
عجائب آيات تعاظم وصفها على الحكماء اللسن والألسن الذلق
ولاح بأن الكل من حكم حاكمٍ سرى حكمه في الطول والعرض والعمق
إلهي لساني في ثنائك قائم وموقف نفسي موقف الذل والرق
ولكن ذلًا عند بابك عزة وشبهة ذاك الرق خيرٌ من العتق
حرارة حب خالطت حبة الحشا أبى الحب فيه أن يلين لمسترقي
وقال أيضًا: [من البسيط]
حكم جرى قبل خلق الخلق في الأزل فليس ينقض بالتدبير والحيل
وإنما هي أرزاق مقدرة تدنو وتبعد لا بالجد والكسل
وله يذكر ما كان في خلقه من الشراسة والحدة: [من البسيط]
أشكو إلى الله من خلق يعنيني ويمحق النور من عقلي ومن ديني
حرارة في مزاج الروح محكمة تبدو فتنمو فتغويني وترديني
وقال أيضًا: [من البسيط]
أرى معالم هذا العالم الفاني ممزوجة بمخافاتٍ وأحزان
أحواله مثل أحوالٍ مفرغةٍ وشره في البرايا دائم داني
وقوله أيضًا: [من السريع]
أيا صفيًا حبه واجب على ذوي الفضل وأصحابه
[ ٥ / ٨٧ ]
وعلمه قد بان برهانه في مجلس الخامل والنابه
قد جاءك المذنب مستغفرًا عن سيء القول وأسبابه
فارجع إلى لطفك فيما مضى حتى يتم اللطف في بابه
وله أيضًا: [من الطويل]
إليك إله الحق وجهي ووجهتي وأنت الذي أدعوك في السر والجهر
وأنت غياثي عند كل ملمةٍ وأنت معاذي في حياتي وفي قبري
[٦١٤]
محمد بن إبراهيم بن أحمد بن طاهر بن محمد بن طاهر بن أحمد بن أبي الفوارس، أبو عبد الله الخبري الفارسي.
ولد بخبر- وهي مدينة بفارس- ونشأ بها؛ ثم شخص إلى الديار المصرية، ولم يزل ساكنًا لها إلى أن مات يوم الخميس آخر النهار السابع عشر من ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودفن بزاويته المبنية بمعبد ذي النون المصري الزاهد﵁- وكان عمره مائة وأربع عشرة سنة.
وكان من علماء زمانه، وأبرعهم في علم الحقيقة، والطريقة، والتوحيد، والشريعة، أوحد وقته في التصوف، والزهادة، والاجتهاد؛ علمًا وحالًا وطريقةً بحيث لم ير مثله في علو حاله، وصحة الحكم بالفراسة، وقوة الهيبة وشدتها، وصنف
[ ٥ / ٨٨ ]
تصانيف كثيرةً في معاني الصوفية، وأحوالهم السنية.
وكان فقيهًا شافعي المذهب؛ أصوليًا متكلمًا، عالمًا بأخبار القوم، من أولياء الله الصالحين، وعباده العارفين، صاحب فضائل مسطورة، ومناقب مشهورة، وكرامات ظاهرة، وأحوال باهرة، أسند الحديث وراءه عن أبي طاهر احمد بن محمد بن أحمد السلفي، وأبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي وغيرهما.
من تصانيفه: كتاب: نسك الأبرار وسر الإسكار"، جمع فيه بين علمي الحقيقة والطريقة وعلم الشريعة في الرقائق. وكتاب "دلالة المستبهج إلى معالم المعارف"، ورسالة المستبهج إلى عوالم العوارف- تتضمن أحوال الصوفية- وكتاب "مطية النقل وعطية العقل" في علم الأصول. وكتاب "الإعانة على دفع الإغانة" في الفرق من الفقراء والصوفية والمتصوفة. وكتاب "جمحة المنها من لمحة المها"- يذكر فيه كيفية العباد من أحاديث رسول اللهﷺ- وإلى غير ذلك من المصنفات.
أنشدني أبو الثناء محمود بن علي بن إبراهيم الخوارزمي؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفارسي لنفسه: [من الوافر]
إذا القمري فوق الأيك غنى أعان على الهوى صبًا معنى
يذكره زمانًا بالتصابي إذا ما لحن الحان حنا
ألا من ذا يعلل قلب صب يجن جوى إذا ما الليل جنا
وإن أبصرت مغنى الحي قف بي على مغنى لقلبي فيه مغنى
لئن أسقى الهوى العشاق كأسًا فإني قد سقاني منه دنا
ومن سكري نسيت اسمي ونعتي ولكن بالهوى أسمى وأكنى
قبح باسم الحبيب ونح بشجو على صب بوصلٍ ما تهنا
وقل لي هل يعود زمان وصلٍ بتلك الدار إذ كانوا وكنا
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الرمل]
سقني طاب الصبوح ما ترى النجم يلوح
سقني كاسات راحٍ هي للأرواح روح
[ ٥ / ٨٩ ]
عن لي باسم حبيبي فلعلي أستريح
نحن قوم في سبيل الـ ـحب نغدو ونروح
نحن قوم نكتم الأسـ ـرار والدمع يبوح
[٦١٥]
محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن إبراهيم، أبو جعفر الرازي الفقيه الحنفي المدرس إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته.
نزل الموصل وتولى بها التدريس، ولم يزل بها مقيمًا، إلى أن توفي في شهر رجب سنة خمس عشرة وستمائة، ودفن ظاهر البلد بمقبرة المعافى بن عمران﵄-.
وكان أوحد عصره في العلوم، حسن القيام بها، والافتتان فيها، وكان في الفقه والخلاف والأصول والكلام ذا تقدم، وله حظ في الترسل والكتابة، وقرض الشعر- عربيه وفارسيه- والنحو واللغة وغير ذلك في علومٍ أخر؛ كالطب والمنطق والفلسفة، والموسيقى، والهيأة، والهندسة، والنجوم، ثم ينضاف إلى ذلك علم الفرائض والحساب والتفسير والقراءات.
له من التصانيف؛ كتاب في الفرائض حسن، وكتاب في مذهب الإمام أبي حنيفة﵁- وكتاب "النوري في تهذيب مختصر القدر"- عمله لأتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود﵁- وكتاب على نحو التذكرة لابن حمدون.
أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الكريم الحنفي- رحمه الله تعالى- قال: أنشدنا شيخنا الإمام أبو جعفر محمد بن إبراهيم الحنفي لنفسي، من قصيدة مدح به أتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود: [من المنسرح]
عز اصطباري وضاقت الحيل أني يداوى الملال والملل
[ ٥ / ٩٠ ]
لا جفون سيوفها المقل وراشق باللحاط ينتضل
ما أسهرت مقلتي على ظمأ بها إلى الغمض أعين نجل
كلا ولا شفني المخلخل والـ ـمعصم فعمًا والفاحم الرجل
لكن دهرًا معاندًا حنقًا لوى حقوقي لأمه الهبل
ألزم حظي حطيطة وسمت بعزي الشامخات والقلل
أدى معان الآلاء محتفلًا لا ناقةٌ فيه لي ولا جمل
لي همةٌ دونها مدى زحلٌ ففيم هزلًا يسف بي الأمل
ومنها في المدح:
يا دهر قسرًا فناصري الملك الـ ـشهم الغيور الحلاحل البطل
وأنشدني الإمام الفاضل قوام الدين أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم الحنفي؛ قال: أنشدني والدي الإمام أبو جعفر لنفسه، ووصى أن تكتب على قره: [من الطويل]
عجب لمن قد جاء يحدى بماله ولم يدخر ذخرًا جميلًا لهالها
جزعت لمن واريت عنك ولو بدا لعينك ما واريت عنها لهالها
[٦١٦]
محمد بن أحمد بن جبير بن محمد بن جبيرٍ، أبو الحسين الكناني البلنسي الوزير الكاتب.
[ ٥ / ٩١ ]
وزر لصاحب الأندلس الأمير أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن.
وكان شاعرًا مجيدًا، عالمًا بليغًا، ذا أدبٍ كثير، وفضلٍ شهير، له قصائد مسمطة، ورسائل مدونة، وشعر فصيح، وترسل مليح، وموشحات بارعة، وكتابة رائعة.
رحل إلى الإسكندرية وسكنها، إلى أن توفي بها يوم الخميس سلخ شعبان سنة خمس عشرة وستمائة.
وأنشدني الفقيه أبو موسى عيسى بن سلامة الإسكندري المقري باربل سنة خمس وعشرين وستمائة؛ قال: أنشدني الوزير أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير لنفسه في الحجاج: [من الرمل]
يا وفود الله فزتم بالمنى فهنيئًا لكم أهل منى
قد عرفنا عرفات معكم فلهذا برح الشوق بنا
نحن بالمغرب نجري ذكركم فغروب الدمع تجري هينًا
أنتم الأحباب نشكو بعدكم هل شكوتم بعدنا من بعدنا
علنا نلقى خيالًا منكم بلذيذ الشوق وهنا علنا
لاح برق موهنًا من أرضكم فلعمري ما هنا العيش هنا
صدع الليل وميضًا وهنا فأبينا أن نذوق الوسنا
كم جنى الشوق علينا من أسى عاد في مرضاتكم حلو الجنى
[ ٥ / ٩٢ ]
ولكم بالخيف من قلب شج لم يزل خوف النوى يسلو الضنى
ما ارتضى صالحه الصدر له سكنًا منذ به قد سكنا
فنناديه على شخط النوى من لنا يومًا بقلبٍ ملنا
سر بنا يا حادي العيس عسى أن تلاقي بوم جمع سربنا
ما عنى داعي النوى لما دعا غير صب شفه برح العنا
شم لنا البرق إذا هب وقل جمع الله بجمع شملنا
وأنشدني الشيخ الإمام الفاضل أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي الدمشقي القرطبي بدمشق؛ أنشدني الوزير الأجل أبو الحسين بن جبير لنفسه: [من الوافر]
أراك من الحياة على اغترار ومالك بالإنابة من بدار
وتطمع في البقاء وكيف تبقى؟ وما الدنيا لساكنها بدار
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الوافر]
ينيل المرء تبصرة وذكرى إذا ما ابيض فواده وشابا
وما يرجى لتوبته قبول إذا مزج الرياء بها وشابا
وأنشدني أبو الوليد إسماعيل بن عبد الله بن إسماعيل البياسي، بمحروسة حلب في سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير بالإسكندرية، بمسجده بحارة رزبة لنفسه: [من الكامل]
يا زائرًا لم يقض أن ألقاه دهر يعوق عن الذي أهواه
ضن الزمان وقد سمحت فلم يكن من زرته للحين في مغناه
يا ويحه لعظيم أنس وفاته إن لم يذب كمدًا فما أقساه
لما وجدءت فناء داري عاطرًا أيقنت انك قد وطئت ثراه
وطلبت للتقبيل فيه موضعًا فإذا الحيا المنهل قد عفاه
لم يبق من أثرٍ لوطئك في الثرى فجعلت ألثم حيث تم شذاه
حتى الغمام يعوق عما أبتغي ياما أكابده وما ألقاه
وأنشدني الشيخ تاج الدين أبو الحسن محمد بن علي بن أبي بكر القرطبي
[ ٥ / ٩٣ ]
الدمشقي، بها سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني الوزير الأجل العالم أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير لنفسه بدمشق سنة خمس وثمانين وخمسمائة: [من المتقارب]
صحبت الزمان وقابلته بصبرٍ جميلٍ إذا الخطب نابا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من المجتث]
أقصر عن الغي كم ذا تدعى لرشدٍ وتابى
لا يسلم العبد إلا إن استقام وتابا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من مجزوء الخفيف]
قل إذا جئت مجلسًا وسمعت المزاح مه؟
واجتنب كل موردٍ فيه تلقى المزاحمة
وأنشدني؛ قال أنشدني له: [من المتقارب]
خلعت العذار بشيب العذار فما يقبل اليوم منك اعتذار
وقالوا المشيب وقار الفتى وهذا المشيب فأين الوقار؟
جلا صحبه عنك ليل الشباب فشمسك مؤذنة باصفرار
أراك صحبت حياة الغرور وتسحب جهلًا ذيول اغترار
ألست ترى كدرًا صفوها ونجمك قد مال يبتغي انكدار
وكيف تنام على غرة وسيف المنية ماضي الغرار
فلو كنت تحذر صرف الردى إذًا لنفى النوم عنك الحذار
عبرت مراحل عمر الأشد ولست أرى لك فيها اعتبار
وجرت بها عن طريق الهدى ضلالًا وتغدو غدًا أن تجار
أتاك الرحيل فشمر له فإما إلى جنةٍ أو لنار!
وكيف تقر بدنياك عينًا ولم تدر أين يكون القرار؟
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضًا من شعره: [من الوافر]
بني الإسلام جدوا في الجهاد بسمر الخط والبيض الحداد
وبيعوها فربكم اشتراها نفوسًا تربحوها في المعاد
[ ٥ / ٩٤ ]
عدوكم بعقركم مقيم ليستولي على تلك البلاد
وبيت القدس يفرق كل يوم حذارًا أن يعود إلى الأعادي
ودين الله يلحظه اعتناءٌ بجفن قد تكحل بالسهاد
فسلوا المشرفية واستقلوا بها فوق المسومة الجياد
فليس يفوز بالحسنى سوى من تدرع بالجلادة للجلاد
ومن نثره ما كتبه إلى الشام متشوقًا شيخ الشيوخ بن حمويه جواب كتاب صدر منه إليه:
"صدرت المخاطبة العزيزة الفلانية، حرس الله سناءه وسناه، ويسر له كل أملٍ وسناه، وعرفه بعد طول العمر حسن خواتم منساه، بما يصدر عن مثله، ويصيق بفضله، والفضل لا ينكر على أهله، وعلم الله أني إليه بالأشواق، وكيف لا ومن اق طيب شيمة الكريمة بم يشبع من ذواق، وحصل من محبته ويبقيه، ومن كل مكروهٍ يقيه، وإلى كل معلوة يرقيه.
وكتب إليه أيضًا شافعًا في رجلٍ من فقراء أهل بلده، أن ينزل في موضع يرتزق منه، وقد كان يكرر القول فيه، كان ق تقدم وعده الكريم:
"لشيخ الصالح فلان أن ينزل مع الصوفية- نفع الله ببركتهم- أو يرتب له إمامة مسجد في هذا الشهر الشريف، فإذا كان قد تيسر ذلك فهو يسأل إنجازه، وإن تعسر ذلك لسوء حظه، فليس له سوى بابه المقصود، ولا يرد عند ظمئه سوى بحر كرمه المورود، فقد أسمع لسان الحال عنه- أدام الله سؤدده-[من الطويل]
إلينا اقصدوا يا معشر الركب إننا نرى العار أن نمنى بغير وفود
فإن كان قد تيسر ذلك فهو يسأل إنجازه، وهذه ليال عظم الله بركاتها عليه، وساق أجر الداعين فيها إليه، لا يحتمل الصبر على إفراط الضرورة البشرية، واللوازم الجثمانية سيما مع العيال، وفرط الإقلال، وما كتبها إلا وقد تحققت أنه انتهى إلى حالة لا يستطيع معها صبرًا، وتمسك بذيل المراحم الشيخية، وقد طفق لسانه /ب ٦٦/
[ ٥ / ٩٥ ]
يقرأ: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرًا﴾ ".
قال الشيخ: وكتب إليه أيضًا من الإسكندرية متشوقًا، أو شافعًا، ومقصودي ذكر فضله، ونشر ذكره، لا وصف ما وصفني، ثناء على حسن ظنه، لا على حقيقة الحال؛ صدرها بهذه الأبيات وهي له: [من الطويل]
سلام كأزهار الربيع نضارة وحسنا على شيخ الشيوخ الذي صفا
ولو لم يعقني العذر عن قصد ربعه سعيد كما يسعى الملبي إلى الصفا
ولكن عداني عنه دهر مكدر ومن ذا الذي واتاه في دهره الصفا
أصدرت هذه اللمعة والشوق إلى خدمته مستعر اللهب، وأدعيتي في ضمن ذلك متتابعة الأوراد والنوب، ولست أرى الإغراق، في إيضاح ولائي الذي راق، لتحققي إحاطة المعرفة الكريمة بعقائد أولى الوفاق، والله سبحانه، يوفقني لشكر ما منحته من جميل ولائه ووداده الذي خلصا لي بغير استحقاق.
وهذه التحية تصل على يد فلان، وهو أعز أهلي وأخلائي، ولاؤه للشيخ السيد فلان كولائي، وما فتئ منذ حظي باجتلاء محاسنه الباهرة، واختبار أخلاقه الطاهرة، من قلادة صحف الثناء المحبر، والإطناب فيما برز فيه على مادح كتب وعبر. وقد قصد الخدمة، ويا ليتني كنت معه!، وأحفظني الأيام بما أخطت مرآه ومسمعه؛ على أني وإن كنت ، فلست من درك الأمل قانطًا: [من الطويل]
(فقد يجمع الله الشتيتين بعد ما يظنان كل الظن ألا تلاقيا)
وقد قصد ذلك الربع المعمور، والرباط الذي هو قبلة لمجد المشهور، وكفلت له عني السيادة بأن يتلقى بالترحيب والتأهيل، ويمد بالمساعدة المفضية به إلى درك التأميل".
[ ٥ / ٩٦ ]
[٦١٧]
محمد بن أحمد بن سليمان، أبو عبد الله الزهري الأندلسي، من أهل إشبيلية.
قال أبو عبد الله الدبيثي في مذيله: "قدم الزهري صادرًا عن مكة في سنة تسعين وخمسمائة، وأقام بها مدة وسمع من شيوخ ذلك الوقت؛ كأبي القاسم ذاكر بن كامل الخفاف، وأبي محمد عبد الخالق بن عبد الوهاب ابن الصابوني، وأبي الرضا أحمد بن طاهر، وأبي الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب، وجماعة من أصحاب أي علي ابن المهدي، وأبي الغنائم ابن المهتدي، وأبي طالب بن يوسف، وأبي القاسم بن الحصين ومن بعدهم، وسمع معنا.
وكان فيه فضل، وله معرفة بالأدب، ويقول الشعر.
وسافر عن بغداد، وأقام بأصبهان مدة، وسمع من أصحاب أبي علي الحسن بن أحمد الحداد، ومن بعده.
ثم انتقل إلى الكرج واستوطنها، فهي اليوم قبر له؛ وقد حدث عنه، وسمع منه أهل البلد، ومن ورد إليه".
وكان رجلًا فاضلًا، وسمع وكتب بخطه الكثير، وحصل في بلاد الجبل، واستوطن بروجرد، وتأهل بها، وصنف تصانيف في الأدب منها: كتاب "شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي"، وكتاب "شرح اليميني لأبي النصر العتبي"، وكتاب
[ ٥ / ٩٧ ]
في البلاغة، وغير ذلك.
وأقام هناك إلى أن دخل التتر- لعنهم الله تعالى- البلاد، فقتلوه في جملة من قتلوا وذلك في شهر رجب سنة سبع عشرة وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن سعيد الواسطي قال: كتبت إلى أبي عبد الله الزهري، حين قدم بغداد بهذه الأبيات: [من الطويل]
إذا عد أهل الفضل والعلم والخبر فحي هلا بالحافظ العالم الزهري
فتى جمع الآداب والنسك والتقى وفاق بني الأيام في النظم والنثر
وأتقن علم النقل عنء كل حافظ وأسن ما يرويه عن ثقة حبر
لقد شرفت بغداد إذ حل أرضها وتاهت به فخرًا على الأنجم الزهر
وزاد به فخرًا فتل ظل خدنه ولاذ به يومًا وإن قل في الدهر
قال: فكتب إلي عن هذه الأبيات جوابًا على وزنها وقافيتها: [من الطويل]
أيا فاضلًا فوق السماكين قدره إذا عد أهل الفضل والعلم والخبر
أتتني من أبكار فكرك خرد متى ضل سار في الدجى فبها يسري
نظمت بها الدر النيثر فأصبحت لها قيمة أعلى وأغلى من الدر
فأنت إمامٌ للجميع مبرز تفوق جميع الناس في النظم والنثر
تقدس إذ شرفته عبد نعمة بحي هلا بالحافظ العالم الزهري
لأنك ميمون الطليعة ماجدٌ وحبرٌ نبيلٌ عالمٌ أيما حبر
لقد شرفت كل البقاع بقربكم وسدتم بني الأيام في البدو والحضر
[ ٥ / ٩٨ ]
[٦١٨]
محمد بن بختيار بن عبد الله البغدادي، أبو عبد الله.
نزل البصرة، فتولى بها سنة خمس وستمائة، وكان يصنع الشعر المقارب على البديهة، إلا أنه لم يشهر به.
أنشدني أبو القاسم أحمد بن علي بن بختيار البغدادي من لفظه؛ قال: أنشدت عمي أبا عبد الله محمد بن بختيار، من نظمي وهو: [من الكامل]
قسمًا بمن سكن الفؤاد وإنه قسمٌ له لو تعلمون عظيم
فأجازه ارتجالًا وأنشدنيه: [من الكامل]
إني به صبٌ كثيبٌ مدنفٌ قلق الفؤاد مولهٌ مهموم
لا أستطيع مع التنائي سلوة حتى الممات وإنني لسليم
فتعطفوا بالوصل بعد تهاجرٍ فالصبر ينفذ والرجاء مقيم
ولقد سلبت صبابتي وتتيمي حتى تجود به وأنت رحيم
يا مالكين بحبهم أرواحنا ظامٍ على تياركن يحوم
أنشدنيها أبو القاسم أحمد:
يا مالكين بحبهم زمر الحشا
وليس لما أنشدني معنى؛ ثم قال: هكذا أرويه.
[ ٥ / ٩٩ ]
[٦١٩]
محمد بن أحمد بن الحسن بن غنيمة، الواعظ الواسطي
وهو ابن أخت الشريف العالم أبي طالبٍ عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي العباسي.
سمع الحديث بواسط وبغداد والموصل وحران ورأس عين وحلب ودمشق وبيت المقدس.
روى عن أبي الفرج بن الجوزي.
وله رسائل معجبة، وخطب منتخبة، وأشعار جيدة، وهو واعظ فقيه شافعي المذهب، محدث له معرفة بأصول الفقه والوعظ، وعلم التفسير، على قدم الصلاح والانقطاع والزهد في المناصب الدنياوية.
وندب إلى قضاء واسط في أيام الإمام الناصر لدين الله مرارًا، فما أجاب إلى ذلك؛ وكانت وفاته سنة سبع وثلاثين وستمائة.
أنشدني جعفر بن محمد بن أحمد الخسرسابوري؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن لنفسه، في صدر كتاب كتبه إلى الرشيد أبي حفص عمر بن محمد الفرغاني: [من مجزوء الكامل]
حرف النداء وبعده لفظًا يدل على التمني
أتلو إذا ما عن لي ذكراك يا من غاب عني
وحدثني أيضًا؛ قال: كتب إلينا الرشيد الفرغاني كتابًا من بغداد بعد مدة طويلة، وكان قد حج وأقام بالشام سنتين، ويذكر فيه أهلي وأقاربي، ويعتذر فيه عن طول غيبته عنهم؛ فرأى أبو عبد الله الكتاب قبل وصوله إلينا، ففضه ووقف عليه، وكان قد رأى في
[ ٥ / ١٠٠ ]
المنام بشرى تدل على مقدمه، فقدم كتابه من الغد؛ فقال في ذلك: [من الكامل]
لما نظرت كتابه متلألئًا نورًا يضيء له الظلام ويسفر
أقبلت نحو الأرض أسجد شاكرًا لله ﷻ وأعفر
وغفرت للأيام كل جريمةٍ وبمثل ذا الوصل الجرائم تغفر
حاشا رشيد الدين مما ظنه الـ ـجهال حين مضى، ومما قدروا
ظنوا به ألا يعود وظنهم إثمٌ عليهم في الصحائف يسطر
يا ليتهم إذ قصرت عن فعله أفهامهم تركوا الملام وأعذروا
فاشكر أبا الفرج الإله على الذي أوتيته فبمثله لا يظفر
سعدي فتاتك حين أمسى بعلها عمر وأدرك ما يؤمل جعفر
يا رب حقق ما أريت محمدًا فبمقدم ابن محمد يستبشر
حقق بنا ما قدرت أوقاته من وصله فالموت أمر يحذر
واسلم رشيد الدين واعذر من غدا شعفًا بمقدمك المبارك يشعر
وكتب أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسين الواسطي لنفسي إلى الرشيد عمر بن محمد الفرغاني: [من البسيط]
هذا كتابي ولو أني استطعت إذن كنت الكتاب لما ألقاه من قلقي
لا تحسبوني على ما تعهدون فما أبقى فراقكم مني سوى رمقي
ولو مضى الكل مني لم يكن عجبًا وإنما عجبي في البعض كيف بقي
ووجدت له فضلًا، كتبه إلى بعض الفضلاء الكبراء لا تخلو كلمة منه من سين: [من السريع]
سامق وسس واسم وسر سالمًا واستأسر الأسد وسد واسعد
واستفرس من الفرسان مستظهرًا بالسمهري الأسمر المسعد
وساجل السحب وتسكابها فسيبك السحاح بالعسجد
وسام واستعل سنام السطى مستخدمًا للسعد والسؤدد
[ ٥ / ١٠١ ]
[٦٢٠]
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الجبار، أبو الغنائم الخسرسابوري الواسطي.
وخسرسابور من عمل واسط.
كان ذا ميز وأدب، حافظًا جملةً من أشعار العرب، مغتنيًا بالكتابة والشعر. كان مولده بخسرسابور سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، وتوفي بها في ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني ابن أخيه جعفر بن محمد بن أحمد الخسرسابوري قال: أنشدني عمي أبو الغنائم لنفسه: [من البسيط]
إرحل عن اللهو والأوطان والطرب واحلل بربع العلا لا مربع اللعب
واشرب كؤوس المعالي واصطبح ثملًا بالبيض والسمر لا من قهوة العنب
واجعل ملاقيك صوت الصافنات إذا ما الشمس غابت وشمس الحرب لم تغب
وأنشدني؛ قال: أنشدني عمي لنفسه، وهو مما قاله في صباه ببغداد يتشوق أهبه من جملة أبيات: [من الطويل]
أيا شجراتٌ بالمصلى قديمة سلام عليكن الغداة سلام
ويابان كثبان الحنينة هل لنا بظبك من بعد البعاد مقام
خليلي عوجا بالجزيرة ساعة فلي بثنيات الشطيب غرام
[ ٥ / ١٠٢ ]
[٦٢١]
محمد بن إسماعيل بن حمدان، الشيخ الأديب، أبو بكرٍ الحيزاني مولدًا.
أقام بالجزيرة العمرية، واستوطنها، وكان جمهوريًا من أهل السنة، حافظًا للقرآن الكريم، فقيهًا شافعيًا، يعرف الأدب جيدًا.
امتدح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على الموصل، وكانت جائزته ثلاثمائة دينار، وتشريفًا وفرسًا، وولاه حسبة بيت المقدس، ثم تقلد القضاء بنابلس، وعاد إلى الجزيرة، وصار محتسبًا، وبقي إلى بعيد الستمائة.
أنشدني أبو الحسن علي بن عثمان بن دينة الواعظ الجزري، قال: أنشدني أبو بكر محمد بن حمدان لنفسه، يمدح الملك الناصر صلاح الدين﵁-: [من البسيط]
لما رأتني مجدًا أزمع السفرا وأنها بعد عينٍ لا ترى أثرا
قامت تودعني في الليل سافرة فقد السفر أن الصبح قد سفرا
ثنيت أثناء كمي دون صفحتها وقلت ناموا فبرق في الظلام سرى
سأبتغي الغاية القصوى فإن سلمت روحي رجعت وإلا فسمعي خبرا
بيني وبين الغنى ما بين راحلتي .. وأرض مصر ولكن ربما قصرا
لبيس الغنى لي في أرضٍ ولا بلد لكنه في يدي ملك إذا ذكرا
خرت ملوك بلاد الله ساجدة اثني عشر كوكبًا والشمس والقمر
كان أبو بكر بن إسماعيل بن احمد بن حمدان الجزري، له محبوب فجرى بينه وبينه كلام فتغاضبا، فبقي مدة سبع سنين هاجرًا له، لم يكلمه، فرآه ذات يومٍ راكبًا فلم يحس به أبو بكر إلا وقد نزل يقبل يديه ورأسه، وقال: إلى كم هذا الجفاء
[ ٥ / ١٠٣ ]
والهجران؟ أما آن لك أن تغفر هذه الزلة والخطيئة؟
وأخذ في الاعتذار والتنصل من ذنوبه، فصالحه أبو بكر، وأقبل عليه، وتعاتبا ساعة؛ والغلام قد صار شابًا ذا لحية، فحين انفصل وذهب أبو بكر إلى منزله، عمل فيه هذه الأبيات.
على أن فيه أبياتًا كثيرة مختارة، يستحسنها أهل الفضل، ويستجيدها أولو الأدب؛ وديوان شعره يحتوي على أربع مجلدات؛ منها مجلد استفرغه في مدح أهل البيت- صلوات الله عليهم- ومجلد أفرده في صاحب الجزيرة معز الدين سنجرشاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آنقنسر، ومجلدان في ضروبٍ من الشعر مختلفة الأوصاف؛ وهذه الأبيات: [من الطويل]
تمرد لما كان في الحسن أمردًا فلما تبدى الشعر في وجهه هدا
[أتاني بوجه الإعتذار من الجفا وقد خشن الخد العذار وكدرا]
وأظهر وصلًا بعد ما كان جافيًا ولان وأرضى بعد ما جار واعتدى
وسود منه الشعر ما كان أبيضًا وبيض مني الدهر ما كان أسودا
وقال: سلام، قلت: لا مرحبًا بمن أتاني لما قلت: روحي لك الفدا
ولم يرض بي عبدًا وأصبح يرتضي على الرغم منه عبد عبدي سيدًا
وأبعدته لما دنا في الهوى كما تدانيت منه قبل ذاك فأبعدا
وأشفيت منه الحاسدين كما جفا وأشمت بي الواشين في الحب والعدا
وقلت له: تالله إنك ميت وإن اللحى للمرد رائدة الردى
فصبح الجبين الصلت قد ضل مظلمًا وسيف سنى جفنيك قد عاد مغمدًا
وهذا شقيق الخد قد حال لونه وعاد يبيسًا بعد ما طله الندى
وريقك أضحى آسن الطعم مالحًا وقد كان قبل اليوم عذبًا مبردًا
ونكهتك المسكينة النشر أذفرت وأنتن رياها الذكي وأفسدا
وساقاك لا تبقى من الشعر آنفًا ولو خضت مع بلقيس صرحًا ممردًا
فقطب من قولي وأطرق مفكرًا وصعد أنفاس الأسى وتنهدا
[ ٥ / ١٠٤ ]
وأقبل من بعد انكسارٍ وذلةٍ يريني منه شدةً وتجلدًا
وقال: لقد بالغت في وصف خلقتي وحسني كما [قد] كنت كالبدر إذ بدا
وشبهتني بالريم والظبي والرشا وسميتني أحوى غريرًا وأغيدا
أنا البدر لكن المحاق أضلني فصرت هلالًا والأهلة تفتدى
أتذكر إذ عانقتني ولثمتني وقبلت صحن الخد حتى توردا
وأرشفتك الريق المعسل واللمى وألثمتك الثغر النقي المنضدا
فأوف بعهدي وارع لي حق ما مضى فمثلك من يرعى لمثلي التوددا
فهذا أخي إن مت فهو خليفتي يقوم مقامي ثم ولى وأنشدا:
(إذا سيدٌ منا مضى لسبيله أقمنا بأطرف الآسنة سيدًا)
فلا يحسن الله العزاء لثاكل بكى أسفًا حزنًا عليك وعددا
لأنك ميت لا يعزى فقيده ولا يرحم الله العظيم له صدى
[٦٢٢]
محمد بن عمر العماري الميورقي.
[من مجزوء الرجز]
هل للقا من موعد يا غيد المقلد
أما تراني من هوا ك في المقيم المقعد
وأنت عيني في حسنك المجدد
تلعب بي لعب الصبا بقدك المأود
مهما فقل إلى غد
فلا أنا بمقصر وأنت لست مسعدي
لحظك لي مثاقفٌ عن خدك المزرد
وقد جمعت نفرة الـ ـظبي وبطش الأسد
وليس منك [من] حمى إلا حمى المؤيد
فقال لي كن آمنًا وأبشر بنيل المقصد
إن المؤيد الذي اسـ ـتنجدت خير منجد
[ ٥ / ١٠٥ ]
أشهر أهل الأرض في مكارم وسؤدد
أقدمهم في شرف الـ ـأصل وطيب المحتد
أطولهم يدا ندى أولهم في مشهد
أعزهم جارًا واو فاهم بحسن موعد
أما سمعت فضله يروى بكل بلد
وأنه ينطق عن بحر علومٍ مزبد
أما سمعت مدحه في فم كل منشد
هو الكبير قدره في صورة المقتصد
كم من يدله على هذا الورى كم من يد
دامت له النعمة والـ ـسعد دوام الأبد
[٦٢٣]
محمد بن جعفر بن الحسن، أبو الخطاب الربعي المنقوشي.
نسب نفسه إلى ربيعة الفرس؛ وكان من قريةٍ تسمى المنقوشية من قرى النيل.
كان شابًا خفيفي العارضين، له طبع مؤات في الشعر، وفيه لطافة، صالح الأدب والنظم؛ خرج عن وطنه، وألحق بأمراء الشام، وأقام هناك معدودًا من شعرائهم؛ ومات بالرقة سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني الوزير الصاحب أبو البركات المتسوفي؛ قال: أنشدني أبو الخطاب الربعي لنفسه حين قدم إربل سنة أربع وستمائة: [من المنسرح]
مالي على الهجر والنوى جلد إن قرب الظاعنون أو بعدوا
وفندتني العذال من سفه وذو الهوى لا يفيده الفند
لا أفقر الجزع من أميمة والـ ـسفح ولا ضارجٌ ولا السند
يا صاحبي انظرا بمنعرج الـ ـوادي إذا ما تألق الجرد
[ ٥ / ١٠٦ ]
هل تونسان الظباء سانح قد شابهتها الكواعب الخرد
تهيج أطلاؤها الغرام إلى أجياد بيضٍ يزينها الجيد
تذكرني كل شادن خرق وردية الخد ثغرها البرد
بانت مع الجيرة الذين سروا وبي لبين الأحبة الكمد
كيف اصطباري والغور منزلها لا كثبٌ دارها ولا صدد
وأنشدني عبد الرحمن الصيقل الشاعر، قال: أنشدني أبو الخطاب لنفسه من قصيدة: [من الطويل]
متى لاح الورد آس عذاره فجنته حفت بأهوال ناره
غربرٌ جرى ماء النعيم بخده فزاد اتقاد النار في جلناره
عجبت له بدرًا كواكب راحه جلتها على الجلاس شمس عقاره
دراري تبدي الدر وسط نظيمه بجيد عروس نقطت بنثاره
إذا طلعت غابت فكم حبب لها صغارٌ لآلي عقدها من كباره
متوجة تاجًا ترصع حبه بياقوتها القاني وذوب احمراره
تناولها من أكلف اللون فاحم صباحًا إلى أن تستقن نفاره
فجاءت كرقراق السراب رقيقه سلاف شراب دار قبل اعتصاره
وطاف بها تحكيه خدًا ورقة فعربد لحظٌ ما صحا من خماره
لها شف في وجنتيه مخلق يديم صبوح شربها غير كاره
يغني لنا صوتنا يلذ استماعه على دجلةٍ فالجابري فكاره
وقال يمدح الأمير الحاجب أمين الدين أبا الدر ياقوت بن عبد الله النوري الموصلي الكاتب﵁-: [من البسيط]
يا ربع علوة بالجرعاء حيينا ومن خطوب البلى والدرس وقيتا
ولا عدتك عوادي المزن صيبة بل صوب منهمر الأرجاء سقيتا
أين استقلت حمول الظاعنين بهم لما تقلبت البدن السباريتا
سروا عجالًا يؤمون الكثيب ضحى وخلفوني يوم البين مبهوتًأ
أسح في دمن الأطلال منسربًا كالدر وشحة الكتان ياقوتا
تبًا لأحداث أيامٍ مفرقةٍ ظلمًا أرتني جمع الشمل تشتيتًا
[ ٥ / ١٠٧ ]
تلتفت مقلتي والعيس دالجة إلى العراق وقد جاوزت تكريتا
وكيف صبر بعيد الداري مغترب عن أهله فارق الشم المصاليتا
سرى فسري عنه الهم أجمعه أيان أم أمين الدين ياقوتا
العالم العلم السامي الذي سمعت له البرية صوت الفضل والصيتا
قال اليقين وقد ثورت راحلتي مهلًا ستبلغ منه كل ما شيتا
يا من تعصب للآداب كن سندي فالجاه في الموصل الفيحاء أعطيتا
أيقظت للعلم طرفًا لم يزل أبدًا مزملًا في ظلام الليل مسبوتا
حتى غدوت بأفواه القبائل مو صوفًا وبالمجد والعلياء منعوتا
بقيت ملجأ ذي حاجٍ ودمت على الآ عداء رمحًا ردينيًا وإصليتا
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد الأزدي؛ قال: أنشدني الربعي لنفسه، يرثي أبا الحسن علي بن نبيه الشاعر: [من الخفيف]
شعراء الزمان إن المعاني والمعاني تبكي على ابن نبيه
مات حسن القريض والحزم والفـ ـضل وحسن البديع والتشبيه
كان عند الإنشاد آية موسى فالقوافي من بعده في التيه
وأنشدني لنفسه وهو مقيم بآمد: [من الطويل]
يقولون ها قطرٌبلٌ جنب دجلة عدمتك ألفاظًا بغير معاني
أكرر طرفي ما أرى القفص دونها ولا النحل بادٍ من قرى البردان
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في الحكيم سعيد، وكان قد اتصل بابن الملك العزيز، وتوفي بالقرية بالخبور، وكان المغسل له سعيد أيضًا: [من المجتث]
يا ابن العزيز عزيزٌ علي أن تتوفى
سقتك كف سعيد كأس المنية صرفا
لو ذاقها منه عيسى لذاق في الحال حتفًا
مغسلٌ وطبيبٌ هذا حكيمٌ مكفي
[ ٥ / ١٠٨ ]
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في رجلٍ من أهل دنيسر، يهجوه واسمه مقبل: [من الطويل]
عجبت لمن سمى اللئيم ابن مقبل وما هو إلا مدبرٌ وابن مدبر
ولو لم يكن من عترة اللؤم والخنا كفته المخازي أنه من دنيسر
وقال يهجو: صاحب سنجار، ويمدح الملك الأشرف مظفر الدين: [من البسيط]
قالوا: ابن زنكي سنجار له كرم قلت السدى والندى في آل أيوب
هو الطفيلي لا ترجى مواهبه وأكله دائمًا من بيت يعقوب
[٦٢٤]
محمد بن حيدرة بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب- صلوات الله عليهم وسلامه- أبو علي بن أبي المناقب الكوفي العلوي الحسيني الواعظ.
وجده أبو البركات، عمر بن إبراهيم النحوي الكوفي، مشهور بعلم الأدب
[ ٥ / ١٠٩ ]
والنحو.
أبو علي كان واعظًا مليحًا معاشرًا، يتكلم على الناس، ويطوف البلاد على سبيل النجعة، ويرتفق بالوعظ، وعلى خاطره من التفسير والأشعار والنوادر والحكايات أشياء حسنة.
أنشدني محمد بن سعيد الواسطي؛ قال: أنشدني أبو علي لنفسه: [من الطويل]
أمرٌ سؤال الركب عندك أم عذب أمامك فاسأله: متى ترك الركب
على أن وجدي والأسى غير نازح قصرن الليالي أو تطاولت الحقب
نشدت الحيا لا يحدث الدمع إنه يغادر قلبي مثلما تفعل السحب
ففي الدمع إطفاءٌ لنار صبابتي وزفرة شوق في الضلوع لها لهب
فدع ذا ولكن رب ركب تحملوا وسيرهم ما إن يفارقه الخب
[٦٢٥]
محمد بن حيدرة بن محمد بن نصر بن جامع بن المظفر بن الأمير ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد بن المثنى بن رافع بن الحارث بن غطيف بن مجرية بن جارية بن مالك بن عبيد بن عدي بن أسامة بن مالك بن
[ ٥ / ١١٠ ]
بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الحمداني البغدادي، أبو فراسٍ.
من أهل الكرخ.
هكذا وجدت نسبه، مقيدًا بخط بعض الفضلاء، وإن لم يكن محققًا، وفيه خلل؛ وكان يذكر أنه من ولد أبي فراس الحارث بن سعيد الشاعر المشهور ابن عم سيف الدولة.
انتقل إلى نصيبين وأكثر المقام بها، فلذلك ينسب إليها، وتوفي سنة اثنتين وستمائة. وكان شاعرًا مبسوط اللسان هجاءً له في الهجاء أشياء يجيد في معانيها
أنشدني أبو عبد الله محمد بن سليمان الموصلي المجلد؛ قال: أنشدني أبو فراس لنفسه، يهجو أهل سنجار: [من السريع]
متى أرى سنجار قد زلزلت ومال أعلاها على الأسفل
وتصبح النسوان من أهلها حواسر في سكك الموصل
قد ملت الأنوفس من دولةٍ تساس بالأرذل فالأرذل
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه من أبيات يخاطب بها الأمير مجد الدين إسماعيل بن يرنقش السنجاري: [من السريع]
إيها معين الدين أوضحتم بالحق منكم منهج العدل
أقمتم الحد بحد المدى فما لكم في الخلق من مئل
وطبتم يا شيعة المصطفى وغيركم يعزى إلى الجهل
روعتم الجبار لما غدا من فوقكم في ربقة الذل
[ ٥ / ١١١ ]
بحق إسماعيل كفوا عن الـ ـأمة إسماعيل بالقتل
فهو يرى رأي أبيه لكم يضمر حذو النعل بالنعل
قطعتم الأصل فما بالكم لا تلحقون الفرع بالأصل
والحية الرقطاء من حيةٍ والصل أيضًا ولد الصل
فقال أيضًا: [من الكامل]
من مبلغ نجل الأعز رسالة عذراء لي في طيها أشواق
مزحت ركائبه فدمعي بعده دمعٌ بقلبي مغرمٌ خفاق
يا قاتل الله الليالي كما لها في كل يومٍ رحلةٌ وفراق
ضنت بفرقتك القرون على النوى وسخت بحمة مائها الآماق
لا يبعدنك الله كم لك من يد بيضاء تروي فضلها الآفاق
وخلائقٌ غررٌ يضوع نسيمها مسكًا إذا تزهى بها الأحداق
يابن الوصي المرتضى يا خير من أصفى ودادك فالهوى أرزاق
أرسل إذا هب النسيم تحية فله في الصباح رقاق
كسدت لبعدك سوق فضل ما لها لولاك في هذا الزمان نفاق
وتطأطأ العلم المنيف وبعده غطى عليه من الخسوف محاق
وتفسح الأعداء في أقوالهم فلهم مراءٌ ظاهر وشقاق
فعلام تأخير الكتاب وبيننا يومٌ وأنت إلى العلا سباق
وهذا محمد، ولد بالكرخ ونشأ بها، وقرأ بالأدب، وخالط العلماء، ثم سافر عن بغداد، وأقام مدة بلاد الجزيرة والشام، وعاد إلى بغداد بعد التسعين والخمسمائة، ونزل بمحلة الطغرية من الجانب الشرقي؛ ورتب مشرفًا على مناشر الديوان الشريف؛ فارتفع قدره، وعلت منزلته، وكان من أكرم الناس خلقًا ونفسًا وعطاءً، يستوي الذهب والتراب عنده.
وكان له غرام بالأدب والتواريخ، وكتب منها كثيرًا، وكان يديم الإطلاع في
[ ٥ / ١١٢ ]
تاريخ الصابي، وينقل منه فوائد.
ثم ارتحل عن بغداد في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة إلي نصيبين، وكان له بها إمرأة وولد، فقام هناك إلي أن توفي سنة اثنين وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن المحلَّي بن محمد النصيبي، والشريف أبو عبد الله الحسين بن محمد الحسيني العلوي، قالا: أنشدنا أبو فراس لنفسه غير مرَّة بنصيبين:] من الخفيف [
لو بقدر الأشواق يهدى السلام نفذ العمر والغرام
فاقتنعوا باليسير مني فحسبي زفرات حري ودمع سجام
لا تظنوا أنَّي وإن بعد العهـ ـد وطالت ما بيننا الأيام
أتنساكم وكيف وقد شا ب اصطباري في الوجد فيكم غلام
خبرتني الأحلام عنكم بصدق آه لو كان تصدق الأحلام
كلما عز ذكركم في سواد القـ ـلب جاشت في جسمي الأسقام
أتمنَّاكم وأين من المو صل دار السلام عز المرام
آه يا نفحة الصبا للتَّصابي وغرام يا حبذاك الغرام
وليال بدار لهوي سقاها فيض دمعي إن حار عنها الغمام
علِّلوني بذكرها وابعثوا لي طيف سعدي إن أمكن الإلمام
ما الحمام الهتوف في البان يوم الـ بين للواجدين إلاَّ حمام
ما الدَّيار الدَّيار واصلة المسـ ـعي ولا هذه الخيام الخيام
وكتب إلي الشريف تاج العلا الأشرف بن الأغر الرملي، القصيدة القافية المذكورة، أنشدني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن محمد بن علي الحسيني الموصلي – أدام سعادته – قال: أنشدني أبو فراس محمد حيدرة الحمداني لنفسه:
] من الطويل [
إذا شجر الهرماس أضحي منوَّرًا فدع دلجان العيس والوخد والسرى
[ ٥ / ١١٣ ]
فإنَّ بعمر الزَّعفران مدامه إذا سكبت أنست أوانًا وعكبرا
وحث الندامى للصَّبوح وشربها فقد نَّبه الناقوس من سنة الكرى
وطاف بكاسات الحميَّا مقرطق يميل بعطفيه النسيم إذا سرى
فيا صاحبي والكأس في كف ِّ أغيد رخيم الدَّلال فاتر الطَّرف أحورا
دع المنحنى والخال والرَّند والحمى وشيخ نقا نجد ومن قد تغوَّرا
وغن حديث المازنيِّ وضارح وخلِّ عتاق العيس تنفح بالبرى
وقل لبني سعد علي صيف راحة ردوا الجفر مكدود المعين مكدَّرا
فلي بقلال العمر صبوة مغرم يحنُّ إذا ناح الحمام فأسحرا
ورهبان دير فيهم أريحيَّة إذا الضيف حيَّاهم تنادوا إلي القرى
أقمنا ثلاثًا نشرب الراح عندهم وقد حظروا أن ينكروا البيع والشَّرا
فما عبسوا وجهًا طليقًا تضجرًا ولا اعتذروا أنَّ المدام تعذَّرا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه، يهجو شخصًا إسمه غازي بن علي النصيبي، وقد صار كاتبًا، ويلقب الجبل، وكان قد أظهر تكبرًا علي أبي فراس، وكان له أستاذ اسمه حمرين:] من الكامل [
ومن العجائب صار غازي كاتبًا يلقاك وهو مقلَّص العرنين
تيهًا ولا عبد الحميد ودهره ما زال يكتب صالحًا بالسَّين
سلَّم على الجبل الأشمَّ وقل له كم بات حمرين على حمرين
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: في الحسين بن قيداس، حين كسرت يده:] من المنسرح [
حاز ابن قيدس مع تهوُّره شحًا ولو ما يبقى وكسر يد
[ ٥ / ١١٤ ]
وصار بين الكتَّاب مسخرة يعدُّ فيهم زيادة الكبد
فلا تلمه علي تهوُّره شيخ رفيع الأصل من بلد
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:] من الوافر [
أقول وقد بدا شخص الربيب يستِّر بين شبَّان وشيب
علي عينيه ترجمة المخازي وفي عطفيه مجتمع العيوب
دعوك أبا المعالي ليت شعري ومالك في المعالي من نصيب
متى تخني عليك يد الليالي ويأتي الله بالفرج القريب
وأنشدني، قال: أيضًا لنفسه:] من الرجز [
قل للريب غلط المقدار ألا فمن أنت ومن عمَّار
لمَّا تقدَّمت بغير آله تأخرت عن سمتها الأخيار
في آستك داء عزَّه دواؤه شاهده في وجهك الصُّفار
أنت علي هذا الزمان وصمة ما ينقضي حديثها وعار
تعافك الأنفس من مهانة فيك فما ترمقك الأبصار
قد سيَّرت فيك فيك الرواة سيرًا وحدثت بلؤمك السُّمار
وقمَّصتك المخزيات لبسًة وأثقلت كاهلك الأوزار
جمعت أموالًا ونمت وادعًا والخمر في عقبها الخمَّار
ينتبه الرَّاقد من رقدته وينتحيك الأسد الزَّئّار
وتقتضي أمُّ الرَّقيم دينها منك ولا ينجو بك الحذَّار
لا فارق الشُّؤم حذاك وجرب بضدِّ ما تختاره الأقدار
ومن شعره ما كتبه إلي صديق في صدر كتاب:] من الطويل [
آحبابنا إن كنتم قد سمحتم ببعدي فإنِّي بالبعاد شحيح
تغيرتم عما عهدت من الوفا وودِّي علي مر الزِّمان صحيح
آحبابنا إن كنتم قد سمحتم ببعدي فإنِّي بالبعاد شحيح
تغيرتم عما عهدت من الوفا وودِّي علي مر الزِّمان صحيح
[ ٥ / ١١٥ ]
[٦٢٦ [
محمد بن سليمان بن قتلمش بن تركانشاه البغداديّ، أبو منصور.
أصله من سمرقند، من اولاد الأمراء بمدينة السلام.
كان تام المعرفة بالأدب واللغة، وعلم العربية، وأخذ طرفًا من العلوم الرياضية، كان يفهم الحساب والهندسة والطب، وكان مفتونًا بالشراب، مصرًَّا عليه، خليعًا شاعرًا حسن الشعر.
وكانت ولادته في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وتوفي يوم الاثنين سادس عشر ربيع الآخر سنة عشرين وستمائة، ودفن من الغد بمقبرة الشونيزي.
أنشد أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي الواسطي، قال: أنشدني أبو منصور محمد بن سليمان لنفسه:] من البسيط [
لي في هواك وإن عذبتني آرب يبقى السُّلوُّ ولو قطِّعت آرابا
ولست أبغي ثواب الصبر عنك ولو ألبستني من سقام الجسم أثوابا
وشقوتي بك لا أرضى النعيم بها وساعة فيك تسوي النار أحقابا
وقال عند موته:] من الوافر [
إلهي يا كريم العفو غفرًا لما أسلفته زمن الشباب
[ ٥ / ١١٦ ]
فقد سودت الآثام وجهي ذليلًا خاضعًا لك في التراب
فبيضه بحسن العفو عني وسامحني وخف في حسابي
فقد أمسيت مسكينًا فقيرًا إلي ملكٍ غني عن عذابي
وقال أيضًا:] من السريع [
يا قوم ما بي مرض واحد لكنَّ بي عدة أمراض
ولست أدري بعد ذا كلّه أساخط مولاي أم راضي
وقوله أيضًا:] من السريع [
لا والذي سخر قلبي لها عبدًا كما سخَّن لي قلبها
ما فرجي في حبِّها غير أن تبيح لي عن هجرها قلبها
وقال أيضًا:] من الخفيف [
وهلال أسَّه البين دهرًا زارني بعد أن تكامل بدرا
وحباني من وجنتيه بورد وسقاني من ريقه العذب خمرا
واعتنقنا شفعًا فلو عاينتنًا مقلتا احولٍ رأي الشَّفع وترا
وله أيضًا:] من الكامل [
ومهفهف غض الشباب أنيقه كالبدر غصني القوام وريقه
نازعته مشمولة فأرادها .. من مقلتيه ووجتيه وريقه
وله من قصيدة عمرية:] من الهزج [
وقم نفترص اللذَّة فالوقت بنا يسري
وبادر رقدة الدَّهر فإن الدَّهر ذو كرِّ
ببكر عصرت عذرا ء في باكورة العص
عقار صانها العصَّا ر والنَّسران في الوكر
فشابت وهي لا تعر ف غير الدَّنِّ من خدر
[ ٥ / ١١٧ ]
فلما حطبت لم تر ض غير العقل من مهر
إذا ما حنيت ليلًا أرتك الليل كالفجر
فلا تسع بها سرًَّا فسرُّ القصف كالجهر
فما الغبن سوي الصَّحو ولا الغنم سوي السُّكر
وعين الحسر ان يحسـ ـب يوم الصَّحو من عمري
] ٦٢٧ [
محمد بن سعيد بن علي بن جعفر، أبو الفرج الآموصي
هو من آموصية، قرية تحت واسط بأربعة فراسخ من أعمالها.
كان رجلًا صالحًا من العدول، من أهل بيت علم وخطابة وقضاء بتلك البلاد، وكان حافظًا لكتاب الله تعالي، تاليًا له من المتدينين، وتوفي في صفر بآموصية سنة ثلاث عشرة وستمائة.
أنشدني جعفر بن محمد الخسرسابوري، بمدينة إربل في شهر رمضان سنة خمس وعشرين وستمائة، قال: أنشدني أبو الفرج محمد بن سعيد لنفسه:
] من الطويل [
نعم هيَّجت وجدي القديم على الرَّمل ديار خلت بالأثل عن ساكني الأثل
وقفت بها أبكي وقد بان أهلها ودمعي على خدِّيَّ ينهل كالوبل
فلو حمل الصَّخر الأصم عشَّية الـ ـوداع وقد زمَّت مطاياها حملي
لذاب كما ذابت من النار شمعة وبدل من عزِّ الصلابة بالذل
خليلي عوجا نسأل الدار عنهم لعل رسوم الدار تنبي عن الأهل
هل ارتبعوا من بعد رامة مربعًا وهل بعد ظلِّ الأثل مالوا إلي الظّلِّ
لقد كان قلبي قبل طارقة النوى وخليًا من البلوى سليمًا من الخبل
فعاوده الوجد القديم ونبهت دواثر أشجان به من هوى جمل
[ ٥ / ١١٨ ]
مطوَّقة بالبان ناحت ولم تذق بعادًا ولا باتت مروَّعة مثلي
إذا ما بكت ورقاء والإلف عندها مقيم فما حال المروَّع بالثكل
ألا فامنحوني سلوة أو فقصِّروا الـ ـملام فما جدُّ المحبَّة كالهزل
علقت الهوى طفلًا وشبت ولم أشب وكم قد أشاب الحبُّ من عاشق مثلي
] ٦٢٨ [
محمد بن سليمان بن صدقة، أبو عبد الله الغنويُّ الدمشقيُّ.
سمع الحديث كثيرًا، وتأدَّب، وقرأ شيئًا من الفقه، وترامى إلي طريق الإرادة والمعرفة بالتصوّف.
أنشدني أبو الفضل العباس بن رزوان الموصلي، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن سليمان لنفسه:] من الخفيف [
منعوه عن الزيارة لمَّا علموا أنَّني به مستهام
فسرى طيفه وقد رقد السَّا مر وهنا تزفه الأحلام
فنعمنا بوصله لا عدمنا هـ وكان السَّفير فيه المنام
] ٦٢٩ [
محمد بن صدقة بن سبتي بن هارون بن سليط بن رافع، أبو عبد الله الخفاجي البغدادي.
كان في دولة أمير المؤمنين الناصر الدين الله أبي العباس أحمد، وأحد شعراء حضرته، وله فيه قصائد كثيرة، وأدرك أوائل أيام الإمام الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد – رضوان الله عليهما -.
ومات يوم الاثنين منتصف شوال سنة اثنين وعشرين وستمائة ببغداد، ودفن غربها بمقبرة الشونيزي.
[ ٥ / ١١٩ ]
وكان يحفظ حماسة أبي تمام، وكتاب أدب الكاتب لابن قتيبة، وله اعتناء بمطالعة كتاب الأغاني، وعلي ذهنه منه جملة، وكان جيد الشعر، كثير القول، صاحب بديهة.
أنشدني من شعره ولده أبو الحسن علي بن محمد، قال: أنشدني والدي لنفسه من قصيدة:] من الطويل [
دوى غصن أيَّام الشباب وعودها وما أنجزت ممَّن ألفت وعودها
وقد أوحشت بعد الأنيس ديارها ورثَّ علي مرِّ الليالي جديدها
وعهدي بها قبل الفراق أنيقة يطل الحيا أظلالها ونجودها
بروحي التي تجفو ويألف طيفها وينأي ويدنو وعدها ووعيدها
تصدت لهجري بالصُّدود وهوَّنت وما الموت إلاَّ هجرها وصدودها
وقد أضرمت نار الأسى بين أضلعي فيا ليت من يلحي عليها وقودها
معرضة للحبِّ بعض جهاتها فما تنتهي عند الصِّفات حدودها
فللورد خداها وللغصن قدُّها وللسحر عيناها وللظَّبي جيدها
وإن أصبحت في الحسن وهي وحيدة فها أنا في وصف الحسان وحيدها
وإن عصت الأغزال غيري فلم يزل يطاوع فكري تومها وفريدها
أعلق بالمعني زمام بديهتي ومدح أمير المؤمنين يقودها
إمام إذا لم تعرف النفس حقَّه فكفرانها عند الإله جحودها
حكي حيدرًا في جهده وجهاده فدانت شوس الملوك وصيدها
وعزمته يجري القضاء بحكمها فمن ذي الفقار حدها وحديدها
وإن حاربته عصبة في مدينة ففي خيبر قد حاربته يهودها
ولو راض أرض الطّفِّ بالسيف عدله لما زاد في ظلم الحسين يزيدها
ولو أدركت ذا الهدي ناقة صالح لما عقرتها بالضلال ثمودها
أطلَّت علي الأعداء منه سحابة يصعد أتراس المتون صعيدها
بوارقها لمع الظُّبي ودم العدا حياها وخفَّاق النسيم رعودها
[ ٥ / ١٢٠ ]
يشيِّعها من ولد يافث غلمة يشيب أذقان الكماة وليدها
فقد سجدت أسيافها ولحاظها وقد ثقفت أرماحها وقدودها
أقم وأنتقم قسرًا قيامة عصبة تطاول عن حفظ الذِّمام قعودها
فإن حاربت قيدت إليك أذلَّةّ تجاذبها أغلالها وقيودها
وإلا أذقها الموت صرفًا ففي الوغى بطون النُّسور والأسود لحودها
فذلك خزي في الحياة وقد غد ستنضج في نار الجحيم جلودها
وأنشدني، قال: أنشدني أبي لنفسه، يرثي الملك المعظم أبا الحسن علي بن الناصر لدين الله – رضوان الله عليهما-:] من البسيط [
مضى كيوسف والدنيا زليخته كم راودته ولم يعطف على زلل
فمضى بقميص قدَّ من دبر عليه كلُّ قميص قدَّ من قبل
وأنشدني، قال: أنشدني والدي قولة في الناصر لدين الله:] من الطويل [
حكيت عليًَّا فطنة وشجاعًة وما منكما إلا إمام مكرَّم
فإن كنت قد أشبهته في فعاله فشنشنة أحيا بها المجد أخزم
وإن كنت قد نلت الخلافة مثله أخيرًا ففي التفضيل أنت المقدَّم
وأنشدني، قال: أنشدني والدي لنفسه، فيه أيضًا:] من الطويل [
وأصبحت موسى فيهم إذ تفرعنوا وصدقنا مال العفاة وكذبوا
فألق العصا حتي تلقَّف من عصى فكلهم بالطَّبع أفعى وعقرب
وأنشدني، قال: أنشدني والدي من شعره:] من الطويل [
خليلي هذي دار علوة أقفرت وقد غالها بعد الأنيس دثور
تعفت على مر الليالي رسومها كما يتعفى في الكتاب سطور
إذا نسجت كفُّ الصبا في عراصها من الرَّمل ثوبًا مزّقته دبور
وقال من قصيدة أخري، يمدح بها الناصر لدين الله – ﵁
] من الطويل [
[ ٥ / ١٢١ ]
جذذت أصول الملحدين فأصبحوا كأنهم زرع وسيفك حاصد
فما خسروا إلا وجأشك رابح ولا نقصوا إلا وجيشك زائد
] ٦٣٠ [
محمد بن عبد الله بن علي بن أبي غالب بن القاسم بن حرب بن أبي الفخار بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الحسن بن محمد بن جعفر بن الحسن بن علي بن أبي علي عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن ألي طالب، أبو عبد الله الموصلي الحسيني المعروف بابن الشجري.
هكذا نقلت هذا النسب مضبوطّا من خط محمد بن علي بن محمد العباسي.
وأبو عبد الله كان يحفظ القرآن العزيز، وشيئًا من شعر أبي الطيب المتنبي، وكتاب الحماسة
وكان شاعرًا ذكيًا، أخبرني والده أنّ ابنه توفي شابًا في العشر الآخرة من ذي الحجة سنة خمس عشرة وستمائة بالموصل، ودفن بمقبرة الجامع العتيق قبلية.
أنشدني والده أيضًا، قال: أنشدني ابني محمد لنفسه، يمدح المولي المالك الملك الرحيم بدر الدين والدنيا عضد الإسلام والمسلمين، ملك الأمراء شرقًا وغربًا أبا الفضائل، نصير أمير امؤمنين– خلد الله دولته_:] من المجتث [
جفت عقيب الوفاء وآذنت بتناء
خريدة طال ليلي بها وعز دوائي
سمراء تحكي أعتدالًا للصّعدة السّمراء
وريقها العذب يحكي سلافة الصّبهاء
صدّت عشية صدّت عنء مقتلي إغفاء
وبات جفني قريحًا مغرورقًا بالبكاء
وأيّ صب كئيب يبقي مع البرحاء
لله ساعة زارت في ليلة ليلاء
[ ٥ / ١٢٢ ]
وقد تغشّت عن القر ب أعين الرّقباء
قصيرة بسروري طويلة بعنائي
قد كان يعثر منها ظلامها بالضياء
كأنّما عرفها عر ف سيد الأمراء
أبي الفضائل رب الـ ـأفضال الآلاء
جم المكارم بدر الدّيـ ـن الجزيل العطاء
سما به الدّست حتى سامى نجوم السماء
فقد تطاول قدرًا على علا الجوزاء
فاق الملوم بعلم وحكمة وذكاء
يهوى ارتجاع المثاني مثاني القرّاء
ما أمّ يم عطاه من عاد خاوي السقاء
ولا أحتمى لحماه من خاف للأواء
مولاي يا خير ذخر لشدّة ورخاء
ومن يأدنى نداه بلغت أقصى منائي
قوّمت بالأمن والعد ل حدبة الحدباء
حتى تألّف ما بيـ ـن ذئبها والشّاه
] ٦٣١ [
محمد بن عبيد الله بن علّان بن زاهر بن عمر بن أحمد بن علّان بن زين الخزاعي، أبو جعفر بن أبي الفضل الواسطيّ، المعروف والده بالرواية.
وجدت نسيه بخط أبيه هكذا، ولقب بالرواية لأنه ذا حفظ تام لأشار العرب والمحدثين
سافر إلي بلاد الشام، وأقام بها مدّة طويلة، وامتدح سلاطينها وملوكها، وغيرهم
[ ٥ / ١٢٣ ]
من الأمراء والرؤساء.
ثمّ قدم الموصل مريضًا، فمكث بها أيامًا يسيرة، ومات في الليلة التي صبيحتها يوم الأحد، سلخ ذي الحجة سنة أربع وعشرين وستمائة.
أنشدني إسماعيل بن الموفق بن نصر الحديثي الموصلي، قال: أنشدني محمد بن عبيد الله الراوية لنفسه، يمدح الملك الأشرف موسى، والملك المعظم عيسى ابني الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب بن شاذي:] من الكامل [
ضحك الزمان لنا وكان عبوسًا لما ألتقي موسى الكليم بعيسى
بحران بينهما المعالي برزخ مرج أجتماعهما فعاد أنيسا
فلكان في الدنيا يديران النّدى ويصرّفان نعيمها والبوسا
أحييت يا عيسى المعظّم انفسًا لو لم تزر زارت ثرى وشموسا
سبقت عصى موسى إليك فجبتها طوعًا ولم تلك جامحًا وشموسا
فإلي جدا موسى تحب جيادنا وإلى ندى عيسى نزمّ العيسا
وله وقد اقترح عليه أن ينظم قصيدة يلتزم في كل كلمة منها السين المهملة:
كان يومئذٍ بمدينة نابلس، ويمدح فيها الملك المعظم عيسى بن أبي بكر بن أيوب:
ساروا سحيرًا فسهادي خلس فسلهم سرًّا عسى يعرّسوا
وأستوطنوا بالسمرات مسكنًا فالمستهام بالأسى موسوس
تسنموا الوعساء عسفًا وسرورا وابلسوني فسروري مبلس
فسايرتني سورة مسقمة واختلستني والآسى مختلس
سمر بسمر وسيوف حرست والسّمر بالسّمر السراع تحرس
أوانس لباسهنّ سندس وأستبرق ليس اللباس سندس
بسمن فاستضاء سدف سحرة ومسن فالسرور سباه الميس
ومنها:
فاسد الآساد سمح ندس سموه عيسى خيسه نابلس
سميدع سن بحسن سيرة سيرة إحسان سناها قبس
[ ٥ / ١٢٤ ]
عيسى كعيسى قدست أسماؤه فباسمه سما وسامى القدس
تقتبس الشمس سنى سموه وسيفه لباسه يقتبس
فالساحل الدّارس درس سيفه منحسم ورسمه مندرس
أسود بسيبه وسليه وسيفه نفوسها تفترس
] ٦٣٢ [
محمد بن محمد بن الحسن، أبو الفضل المدعو بالأمين الأصفهاني.
كان أديبًا فاضلًا كاملًا في صناعة النحو والعربية، إمامًا في الآداب والفضائل.
أنشدني الشيخ أبو الرضا عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن صديق التبريزي الفقيه الشافعي، قال: أنشدني الأمير الفضل محمد بن محمد الأديب النحوي الأصفهاني لنفسه:] من الطويل [
جرحت شفاهي بالثنايا وكلها أقاح وجرح الأقحوان سليم
ووجهك في عينيّ قد ذرّ ملحه فطاب ذرور الملح وهو أليم
] ٦٣٣ [
محمد بن علي بن نصر بن عبد الله بن البل، أبو المظفر الدوري الواعظ
منسوب إلي الدور بناحية دجيل من عمل بغداد، بها ولد ونشأ.
ودخل بغداد في صباه، وأقام بها، إلي أن توفي يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان سنة إحدى عشر وستمائة، وكان مولده سنة ست أو سبع عشرة وخمسمائة.
[ ٥ / ١٢٥ ]
وسمع الحديث على أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي، وأبي الفضل محمد بن ناصر الحافظ البغدادي وغيرهما، وتفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل – ﵁ -.
وكان حسن الكلام في الوعظ والتفسير، مليح الإنشاء للشعر، يعمل شعرًا مطبوعًا في المحاسن على طريقة أبي الفتح البستي، وكان صالحًا متعبدًا، ثقة سليم الصدر.
أنشدني أحمد بن جعفر بن الحسن الكتبي البغدادي، قال: أنشدني أبو المظفر الدوري لنفسه، يمدح الإمام الناصر لدين الله أبا العباس أحمد – ﵁ -.:
] من البسيط [
سرداق العزّ منصوب علي الفلك لأحمد الناصر المولى الفتى الملك
ذي العفو عن قدرة والحلم عن سفه لله من ملك في صورة الملك
وأنشدني، قال: أنشدني الدوري الواعظ لنفسه، فيه أيضًا:
] من الطويل [
لناصر دين الله نور نبوة هدى الناس من لألائه وأقتباسه
حوى فعل ميكائيل في وقت جوده وصولة عزرائيل في وقت باسه
وقال فيه أيضًا:] من مجزوء الكامل [
إنّ البرايا يا إمام العصر أمست من سوامك
والدهر رطب من ندا ك ومستهل من غمامك
ما إن يذمّ زمانه من بات منه في ذمامك
إن المنايا والمنى ما بين عفوك وانتقامك
والفقر يحدث من عبو سك والغني عند ابتسامك
وقال أيضًا:] من الخفيف [
علم في دجى الرّجا وشهاب كلّنا في ضيائه واقتباسه
متلف للأموال في وقت جود وجواد للعفو في وقت باسه
[ ٥ / ١٢٦ ]
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي، قال: أنشدني محمد بن علي بن نصر الدوري من شعره:] من الوافر [
يتوب علي يدي قوم عصاه وأخافتهم من الباري ذنوب
وقلبي مظلم من طول ما قد جنى فأنا علي يد من أتوب؟
كأنّي شمعة ما بين قومٍ تضئ لهم ويحرقها اللهيب
كأنّي مخيط يكسو أناسًا وجسمي من ملابسه سليب
وقال يعقوب بن علي بن يوسف الحكاك الموصلي، سمعت الشيخ أبا عبد الله محمد بن علي الدوري البغدادي، بها يقول من:
] من الخفيف [
ذهب العمر بالمنى فاستعدّوا فالسعيد الذي هو المستعدّ
وانهبوا فرصة الحياة اختلاسًا فممر الأنفاس فيكم يعدّ
والحياة الدنيا حليلة غدر ما لها قط عند بعل عهد
وحياة المرء المفرط ضيف زائر مثل ما يزورك الورد
يا معاري الأعمار أنتم نيام والعواري عما قليل تردّ
لا تبيعوا ما ليس منكم له بـ ـد بشئ فإن لكم منه بدّ
يا رفيع البنيان ما لك بيت يستحق العمران إلا اللحد
يا تجار الآجال لا ترخصوها إن أثمانها هنالك خلد
إنما هذه الحياة قطاف فاغتنمها فإن عمرك ورد
لو رأيت الودود والدود لا تسو حشت من نتنه وولى الودّ
أو رآه الأهلون وهو صريع قد علاه سيل الصديد لصدوا
أو لو أن الكلام أمكنة قا ل: أيا أحباباه أين العهد
أين ذاك الزمان والعيش صاف ولأيامنا علي القلب برد
أين تلك الأيام إذ نحن جمعًا في برود المنى نروح ونغدو
وهذا آخرها، وتسمي الصهيبية، لأن بعض أصحابي وهو ثقة اللسان، رأى في
[ ٥ / ١٢٧ ]
منامه صهيبًا– ﵀– فاستنشده بيتًا لبعضهم، فقال: ما أريد من شعر الدوري، فقال: أنا أحفظ فأنشده:
يا معاري الأعمار
إلي قوله:
ياتجار الآجال
فسميتها الصهيبية، نفع الله بها قائلها والمسلمين أجمعين.
] ٦٣٤ [
محمد بن عبد الواحد بن عبد المنعم بن يوسف بن حرب، أبو عبد الله الحلبي الخطيب البغدادي.
كان يتولى الخطابة بقلعة حلب المحروسة، بعد وفاة والده.
وكان رجلًا خيرًا فاضلًا، عارفًا بعلم العربية، حسن الشعر، حدث بحلب عن أبي الفرج الثقفي وغيره، وسمع أبا الرجاء بن حرب، وابن أبي الحواري.
وكان يقرأ علم العربية بحلب، ذكر ذلك كلّه لي القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أبي الحسن الحنفي- أدام الله سعادته – وقال: وكتب لي من شعره جزءًا بخطه وقرأته عليه.
وكانت ولادته ست وستين وخمسمائة، وتوفي ليلة الاثنين التاسع من صفر سنة ثلاث وعشرين وستمائة بقلعة حلب، ودفن يوم الاثنين، وصلّي عليه بمقابر مقام الخليل﵇- خارج باب العراق- رحمه الله تعالى-.
أنشدني الشريف أبو نصر بن أبي طاهر البغدادي الهاشمي، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد الخطيب لنفسه حين مات افتخار الدين عبد المطلب بن الفصل الهاشمي، وجلس مكانه أبو المعالي الفضل ولده، وأنفذها إليه:] من الطويل [
[ ٥ / ١٢٨ ]
تولّى افتخار الدين عنّا فغمّنا فلمّا تولى تاجه أقلع الغمّ
لئن كلم الدهر القلوب بفقده فبالتاج زال البؤس واندمل الكلم
نجوم المعالي آل هاشم كلّما تصوب نجم للأفول بدا نجم
توخّاهم قاضي القضاة بهّمة بها أبدًا ماوال ينكشف الهمّ
وقال في غرض له:] من البسيط [
ليس الهجاء- أبين اللعن- من شيمي ولا السفاهة من قولي ولا القذع
لأنني إن هجوت النذل أرفعه وإن هجوت كريم الناس أتّضع
وقال يمدح الكمال بن أبي جرادة الكاتب الحلبي:] من الطويل [
إذا جال فكري في الكمال وجدته سماء معال والمناقب زهره
وإن نظرت عيناي منسوب خطه توهمته روضا تدبج زهره
وحدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أبي الحسن بحلب- أسعده الله تعالي- بمنزلة المعمور في شهر ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وستمائة، قال: كنت يومًا عند شيخنا أبي هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي﵀- لسماع الحديث، وقد جاءه الشريف أبو هاشم أحمد بن محمد الصالحي الحلبي ومعه رقعة فيها بيتان من شعره، وأنشدهما شيخنا أبا هاشم المذكور، وأنا اسمع والبيتان:] من الكامل [
من ود أن عدوه أعمي فلي ود بأن له عيونًا أربعا
ليرى كما لي باثنتين ونقصه بالأخريين فلا يزال مروّعا
فسألت شيخنا أبا هاشم عنهما، فقال: هما للشريف أبي هاشم، وأنا اقترحت عليه هذا المعني، فإنه معنى أحفظة في شعر الفارسية.
ثم اجتمعت بعد ذلك بالخطيب أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد الحلبي، فأخبرني أن شيخنا أبا هاشم عبد المطلب بن الفضل اقترح عليه هذا المعني، فنظمه وأنشدنيه لنفسه:] من المسرح [
يا من تمنى العمى لحاسده ليت حسودى بأعين أربع
تنتظر ثنتاهما إلي نعم الـ ـرحمن عندي ومجدي الأرفع
[ ٥ / ١٢٩ ]
وتنظر الأخريان خسته والنوك منه وحاله الأشنع
فما أرى لذة الحياة سوى كبت عدو وحاسد يقمع
وقال أيضًا: [من السريع]
عنّفي في حبه معشري ولا مني فيه أودائي
وكيف أسلوه وهل غيره يذهب بالهمّ وبالدّاء
وأنشدني أبو القاسم عمر أحمد أبي جرادة الحنفي، أنشدني الخطيب لنفسه أبياتًا كتبها، وهو بالبيرة يتشوق حلب وأهله: [من الطويل]
يقر لعيني أن أروح بجوشن وماء قويق تحته متسرّبا
لقد طفت في الآفاق شرقًا ومغربًا وقلبت طرفًي بيتها متقّلبا
فلم أر كالشهباء فى الأرض منزلًا ولا كقويق في المشارب مشربا
جعلت شعار الوجدبي بعد بعدكّم شعارًا ومجرّى مذهب الدمع مذهبا
لعلّ زمانًا قد قضى بفراقنا يريني قريبًا شملنا متقّرربا
وقال أيضًا: [من الطويل]
متى يظفر المشتاق منكم بنظرة تقرّ بها عين ويحيا بها قلب؟
أطلتم عذابي بالقطيعة والقلى وإن عذابي في محّبتكم عذاب
إذا كان حظّي هجركّم في بعادكم وفي قربكم فالبعد سيّان والقرب
وقال أيضًا: [من السريع]
أذكرتني عهدك بعد النوى والبين قد أرخى عنان الهوى
يا حاجرًا على حاجر ولاويًا يندب سقّط اللّوى
لو كنت في دعوى الهوى صادقّاّ قطعت بالسير وريد النّوى
وكنت كالشااهين في جوه إذا رأى ربّ هواه هوى
الحب ما قنّت صم الحشا كلّ طبيب جائد بالدّوا
[ ٥ / ١٣٠ ]
وقال أيضًا: [من البسيط]
ما رمت أمرآ ولا حاولت مطّلبًا إلا جعلتك فيه الأصل والسببا
أنت الي كلّ يوم ذر شارقه أبني به المجد أو أرقى به الرّتبا
ولا تزال مساعيك الطّوائل بي معنّية أو أجوز السّبعةّ الشهبا
وقال أيضًا: [من السريع]
إغتنمو فرصة الزمان إذا جاءت بخير باق على الأبد
وبادر وافعلها ليومكم ولا تروموا تّأخيرها لغد
فليس تدرون ما يكون غدًا وليس تبقى الدنيا على أحد
وقالأيضًا: [من الخفيف]
أخذ الوجد ما أشتهى من فؤادي مذ غدا القلب في يديك أخيذا
وسألت الهلالّ لم لحت للنا س فأوما إليك: إ أخي ذا
وقال أيضًا: [من الرجز]
كتبت درّآ وسفرت بدرًا وطبت فرعًا وكرمت نجرا
فعلاك حلب قد فضلت بغداد في علائها ومصرا
أنت العديم النّظر أو أبنه وأبن أبنه جلاله وقدرا
وأنشدني في القاضي أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة- أسعده الله تعالى-قال: أنشدني الخطيب أبو عبد لله لنفسه: [من الرمل]
يا نسيم الريح هل أنت مطيق حمل ما أرسله القلب المشوق
كلّ يوم أنا في آثارهم ماء دمعي ودم الصبر مريق
آه كم أحمل في حبهم من خطوب الوجد ما ليس أطيق
كلّ يوم لسنان الوجد في لبتّي لمع وفي قلبي بريق
فالطفوا عدلآ وفضلاّ أنا مثلكم بالعدّل والفضل خليق
وأرفقوا رفق كريم راحم فالتعدّي بكم ليس يليق
[ ٥ / ١٣١ ]
بي سكرّ من غرام وهوى فمتى من ذا ومن هذا أفيق
قسمًا ما راق شيء بعدكم لي وظني أنّه ليس يروق
فسلًام أنفاس الصّبا يتمراّها غروب وشروق
[٦٣٥]
محمد بن عثمان بن إسماعيل بن خليل، أبو بكر، السلماسيّ الأصل، المصري المولد.
شاعر متأدّب، صاحب شعر حسن، ونثر رائق.
أنشدني الأمير عمر بن أبي المعالي الموصلي، قال: أنشدني أبو بكر محمد بن عثمان لنفسه، ما كتبه إلى بعض أصدقائه، جوابًا عن رقعة تتضمن عتبًا على الآنقطاع: [من البسيط]
وحقّ ما في قدود السمر من هيف يصبي وما في خدود الغيد من آس
وبدر تمّ سعى بالشمس في يده على كواكب وسط الرّوض خلاّس
لدن المقلّد قد لانت معاطفه من الدّلال ولكن قلبه قاسي
يقول يا برد ما تملي على كبدي أن بت أشكو إليه حرّ أنفاسي
إني إليك لمشتاقّ ويعجبني سعّي إليك على العينين والرأس
فلا تظنّ أنقطاعي عنك من ملل فلست يوماّ لحقّ الناس بالناسي
وأنشدني أيضا، قال: أنشدني محمد بن عثمان من قصيدة أولها: [من الكمالي
ما حدّثتك نسمة بالأجرع همّا لقيت من البدور الطّلّع
هب أنها ما حدثتك لريبة أفما سقّامي شاهد وتوجعي
فكذا بنا نحو الأثيل لعلّه يشفي الجوى شكوى الذي صنعوا معي
أنزلتهم بين الضّلوع بمنزل لا يهتدي السلوان منه لموضع
قأضاع ودّي خائن عهد الهوى ودّي الفداء لخائن ومضّيع
[ ٥ / ١٣٢ ]
يا باخلًا غالطت فيه وسمته ردّ السلام ولو بطرف الإصبع
وسألته عطّفا على فلم أجد قلبًا يروق لذلتي وتخضعي
صلّ عاشقيك ولا تخف من بينه أولا فصن هذا الجمال ببرقع
وأبيك ما رضّعت در تغزّلي إلاّ لدرّ في الثغور مرصّع
طمعت به عيني فبدّد جفنها ياقوت دمعي في الرسوم الأربع
فلأبكينّ ويا جفون تقرّحي ولأندبنّ ويا حشاي تقطّعي
وأنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب التبريزي، قال: أنشدني أبو بكر لنفسه:
[من البسيط]
وما يطرفك من سحر ومن دعج ما في السلو لمن يهواك من فرج
فما لوصلك لا تبدو بشائره وقد بذلنا له الغالي من المهج
وما لقلبك لم يعطف على دنف صبا إليك فلم تعطف ولم تعج
يا هذه ما الهوى إلاّ الذي فعلت فينا لواحظ ذاك الأعيد الغنج
قد كنت في سعة من قبل بينكم وها أنا اليوم في ضيق وفي حرج
ما تنطفي غلّتي يا من كلف به إلاّ برشف حميّا ذلك الفلح
ونقلب من خطّه، قوله من قصيدة أولها: [من الكمال]
أخذّت عليك يد الصبآبة موثقًا أنّ لا تهيم بغير ساكنة النّقا
فلذاك لا يصبوإلى وطن نأى عنه ولا يبكي الحمى والأبرقا
زمنها في الميح:
تبدي أنامله على أوراقه خطًّا يشاهد من سناه رونقا
كالدّرّ أو كالزّهر أو كالزهر أو كالعبقري منمّقا
وحديث ما يمليه من ألفاظه كالسّحر أو كالبابلي معتّقّا
وقال أيضًا: [من البسيط]
يا ليلة قد تقضيت في هوى رشا أشهى إلى العين من نوم بها السهر
من قّبلها ما رأيت البدر معتقي ولا سمعت بليل كلّه سحر
وله في معاتبة: [من الطويل]
[ ٥ / ١٣٣ ]
مكّاتبة لولا عذوبة لفظها وحسن معانيها التي ملأت صدري
توهمتها البحر الأجاج لعظم ما رأيت بها من نظّم در إلى در
وقال أيضًا: [من الطويل]
ولست بمعطي الودّ من لا يودّني ولا صارف يومًا إليه عناني
ولو ذهبت نفسي عليه صبابة وجنّ منّ الأشواق فيه جناني
وله: [من الطويل]
دعائي من ذكر العذيب وبارق فقد شاب من ذكر العذيب مفارقي
أروح بقلب للهموم مواصل وأغدو بجفن للفراق مفارق
أحن إلى برق من الطّور لامع وأصبو إلى طيف من الشام طارق
وكم قلت لمّا همّ قلبي بسلوة أتعثر يا قلبي بصبر منافق
وتطمّع أن تبقى على البعد عنهم وذلك في شرع الهوى غير لائق
ومستعذب الألفاظ قاس فؤاده حماه التّجنّي أن يلين لعاشق
حوى وجهه روضًا فأصبحت في الهوى أهيم بأحداق له وحدائق
سقى الله ساعات أخذنا اجتماعنا بها من يد الأيام أخذة سارق
وحيّا ديارًا إن نزرها نجد بها طبيبًا لأسقام وطيبًا لناشق
وقال أيضًا: [من الطويل]
خذوا بزمامي نحو أيام رامة وقولا لعيش بالشام يعود
فما العين من بعد الفراق قريرة ولا العيش من بعد الفريق حميد
لحا الله هذا الدّهر يدني الذين لا أريد وينأى بالذين أريد
لئن قدمت يا عز أيام هجركم فإن وداداّ تعلمين جديد
وقال أيضًا: [من الخفيف]
قالّ لي صاحبي غداة رآني ولعت بي من الزكان خطوب
وسقتني صروفه الهمّ صرفًا بمزاج تذوب منه القلوب
فالأسى حاضرّ وأهلي بعيد ومحلى قفر وربعي جديب
راحتي راحتي تقصر عنها فمذاق الحياة ليس يطيب
[ ٥ / ١٣٤ ]
كيف نشكو من الزمان أهتضامًا والجواد منك قريب
[٦٣٦]
محمد بن عليّ بن مسعود بن عليّ بن مسعود بن هبة الله بن خليد، أبو الفرج أبي الحسن البغداديّ.
كانت ولادته في رمضان سنة خمس وستين وخمسمائة ببغداد، وخبرت أنه توفى بها في سنة سبع وعشرين وستمائة، من بيت مشتهر بها، من أهل الفضل والتصرف في الأعمال والرئاسة.
ومن شعره ماكتبه إلى أبي محمد الحسن بن مسعود، وهو حينئذ يتولى صدرية المعمور في أيام الناصر لدين الله، وأبو الفرج يومئذ مقيم بالحلة المزيدية، مشرف على أعمالها، يهنئه بعيد الفطر المبارك، ويتعذر إليه عن تّأخير مكاتبه عنه: [من الخفيف]
أسعد الله خدمة المخزن المعـ مور صدر الورى بعيد الفطور
إن تكن خدمتى تجلّ فحسبيّ ذاك ذنب في نأيه التنكير
هو جرم مصحّف فاغتفره إن اولى من كان حقًا عذيري
وأنشدني ولده أبو طالب عبد، قال: أنشدني والي لنفسه ما كتبه إلى بعض الرؤساء، وقد زاد الماء في ولايته: [من البسيط]
فضلت بالجد مج الدين من سقت أيامه وأتتنا عنه أنباء
لا تذنب الماء إن فاضت جداوله فسيبك الغمر منه ذلك الماء
[٦٣٧]
محمد بن عليّ أبي أبو القاسم الشاطبي
كان حافظًا القران، عارفًا بتفسيره ومعانيه وأحكامه، وقرأ العربية، وتميّز
[ ٥ / ١٣٥ ]
في علمها، وسمع الحديث، وحفظ متونه، وأخذ الفقه على مذهب الإمام مالك بن أنسرضي الله عنه- عن جماعة ببلده، واستظهر جملة من أشعار العرب، وقال الشعر، وأنشأ الرسائل والفصول، وكتب الإنشاء لأمراء شاطبة.
أنشدني أبو القاسم محمد بن محمد بن إبراهيم الشاطبي، سنة ست وعشرين وستمائة، قال: كتب إلى أبو القاسم محمد بن علي لنفسه: [من الرمل]
أيهما الخلّ الذي ليس له في أعتدادي وأعتقادي من قرين
أنا ممحوضّ إخائي بالذي لم نزل تعلمه علم اليقين
إقتضى إدلاله توجية ما تجتلاه بالمعاذير فمين
وإذا ما الود أضحى خالصًا أسقط الكلفة بين المخلصين
فعسى أن تلحظوه بالذي يبسط الأعذار للمقصرين
عشتم في خفض عيش لاتني تعتفيه لحظات الآملين
ونجوم السعد في آفاقكم طالعات بالرفء والبنين
والسلام المستعاد يتنحي شخصك الفاضل حينًا بعد حين
وقال أبو القاسم فأجبه: [من الرمل]
أيها الخلّ الذي أصفيته محض ودي فبحبيه أدين
فضلكم أتحفني بقطعة تثبت الطّائي في المقصرين
وأهتمام يغتدي المجد له واضح الغرة مصقول الجبين
ولقذفي ودنا الممحوض ما يرفع الكلفة بين الممحضين
غير أن الودّ أيضًا يقتضي عدم التأنيب بين المخلصين
دمتم ممّا أبتنيتم من علاص أبدً في غرفات آمنين
وعليكم من سلامي مثلما أريج الورد به والياسمين
[ ٥ / ١٣٦ ]
[٦٣٨]
محمد بن عليّ بن محمد، أبو الفضائل الوسطيّ، المعروف بابن الكعبرّي.
كان من أهل الأدب والفضل، مؤدبًا جيد المعرفة، صالح الشعر. أخبرني أبو عبد الله محمد بن سعيد الوسطي غجازة إن لم يكن سماعًا، قال: أنشدني أبو الفضائل محمد بن الكعبرّي لنفسه بواسط، يلغز: [من الخفيف]
خذ بضبعي بمن التأدّب فالله رماني في سوقه بالكساد
ما أرى الفضل مظهر الذوي الفضـ ـل ولا النقص خاملًا للجماد
همتي مذ نشأت نيطت بحب الـ ـمجد لاحب زينب وسعاد
غير حال إذا تبينها ذو الـ ـلّب كانت شماتة الحساد
كنت بعد آسم من علقت ولكن بنعماك قد تنسّي مرادي
ثلث ثانيه تسعة، وكذا الرّا بع، عشر الثاني بغير آزدياد
وإذا رمت ثلثه فهو الثاني أيضًا فكن له ذا أنتقاد
وأخير الحروف عشر لا ولا ها زهذا اختصارها باجتهاد
وإذا ما عكست ثانيه والأو لّ أخلق به شراب الأعادي
والبسن الثّناء مني على مجسدك نشر الباقي بغير نفاد
لا تكلني عليه إن صار عين الـ فعل فاءً ياعدّتي وأعتمادي
[ ٥ / ١٣٧ ]
فقلد شمت بارق البشر من بشـ رك والرّي بعد طول الجواد
وآصطناع الآحرار أجدر بالحر إلى تربه حبيس الأيادي
قال أبو عبد الله الدبيثي مجيبًا له وموضحصا للاسم الذي ألغزه:
[من الخفيف]
أيها الملغز المجيد أصخ لي عشت ما شئت مدركا للمراد
قد تبينت ما لغزت فخذه فهو (مسعود) فزت بالإسعاد
وأبق في نعمة تدوم ومجد صاعد مالكًا رقاب الآعادي
[٦٣٩]
محمد بن عبد السلام بن محمد بن عبد العزيز بن هبة الله السنجاري، يكنى أبا البركات، المعروف بابن الخطيب.
وإليهم كانت الخطابة بسنجار.
كانت فقيهًا مدرسًا عارفًا بالأصول، مبرزصا في علم الخلاف، مشتهرًا بالتحقيق في الجدل والإنصاف.
قدم مدينة إربل من بلاد العجم، ودرس الفقه بالمدرسة العقلية عدة سنين، واتصل بسلطانها الملك المعظم مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكينرضي الله عنه- وصار أحد المثرين في دولته، وأنفذه إلى عدة جهات رسولًا، منها إلى مدينة السلام وبلاد الشام وغيرها من البلدان.
وكان ذا رأى صائب، وفهم في تدبير المماللك ثاقب، ثم انصرف /ب ٩٩/عن
[ ٥ / ١٣٨ ]
إربل متوجهًا سنة ثلاث عشرة وستمائة، إلى بلاد الروم، وسكن قونيا وقيسارية، ثم تولى القضاء بملطية فبقي بها أشهرصا، لم يقبل منأحد رشي مدة ولايته.
أنشدني أبو الثناء محمود بن الحكيم الإربلي، قال: أنشدني أبو البركات لنفسه: [من الوفير]
لقد أغنتك يا مولاي راحّ غدتّ في فيك طيبة المذآق
عن الخمر الحرام المرّ لكن مرادّك من تناولها شقاقي
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
يا رب إن عواذلي قدّ بالغوا في العدل حتى خفت أني أقبل
فأذقهم طعم المحبّة وأبلهم بالعاذلين لينتهوا أن يعذلوا
وأنشدني، قال: أنشدني من شعره: [من البسيط]
لمّا أغرت على ريحان عارضه وكدت أفنيه بين العضّ والقبل
صاغ الحياء عقودآ دهارها عرقّ لورد وجنته من شدةّ الخجل
وأنشدني، قال أنشدني: [من الكامل]
حتى تخلف أن تزور وتخلف وإلى تمعن في الصّدود وتسرف
هبني أخافك أن أبثك حالتي أفلست تعلم ما أجنّ وتعرف
[٦٤٠]
محمد بن نصر مكارم بن الحسين بن محمد بن غالب بن عنين الأنصاريّ، الشاعر الأديب، أبو المحاسن الدمشقي.
[ ٥ / ١٣٩ ]
كان مولده في الاثنين تاسع شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة. بقرية من القريا دمشق، تدعى زرع، وكان أصله من الكوفة. وتوفي بدمشق عيشة يوم الاثنين العشرين من ربيع الأول سنة ثلاثين وستمائة.
كان من الشعراء الشاميين وظروفهم، صاحب رويّة محبرّة، ويديهة محررّة، سخيف اللسان، قبيح الهجاء أغري بهجاء الناس، وتمزق أعراضهم، وهو ممن غلب هجاؤه على مدحه، قّل أن سلم أحد من الرؤساء والملوك وأرباب العلم والمناصب من لسانه، حتى لا يوجد من حفظ له إلا هجوُا جال في أقطار الأرض.
وسافر ما بين الشام وديار مصر والعراق وبلاد خراسان وما وراء النهر وغزنة، ومن بلاد الهند واليمن، ومدح أكثر بذلك مالُا جليلُا، وثروة واسعة.
ثم عاود دمشق، فلقد سلطانها الملك المعظم شرف الدين عيسى بن أبى بكر بن أيوب- رحمة الله تعالى- وزارته، فبقي فيها إلى أن توفي الملك المعظم.
حدثني الصاحب أبو البركات﵁- وساقية في تاريخه، وقال: صاحب الأبيات النادرة، والأحاجي السائر، والذكاء الخارق، والحسّ الصادق، والفطرة السليمة، والفكرة القومية، متى مدح رفع، ومتى هجا وضع، يتناقل الرواة بديعه في الهجاء، وإن وسم بها أعراض الصدور والكبراء، فبلغ من القلوب ما تبلغه المدام، وتخرق في الأغراض ما لاتخرقه السهام. وله مع ذلك يد طويلة، وقريحة
[ ٥ / ١٤٠ ]
بإدراك ما يحاوله من رصيده كفيلة، إلاّ أنه شهر بالهجاء فهو أكثر ما يروى عنه.
قدم علينا في شهر ربيع الأول من سنة ثلات وستمائة، وكنت أسمع بأشعاره، وأتشوق إلى أخبارة، ولا أطمع نفسي في لقائه، ولا أمنّيها إلاّ سماع أنبائه، إلى أن خطر الدهر خطر أنه، وأرخى القدر فجاذبه عنانه، فوردإربل قاصدُا بلاد العجم للتجارة، وله ثروة وافرة، وجدة لا تقللها المكاثرة، وهو إلى الآن مشهور عند الملوك ذكره، نابهّ عند الأكابر في قدره.
ولقد بلغنني عنه، أن بدمشق له منزل- من الملك العادل سيف الدين- مكينة، ومحلّة عند وزيره جليلة، صار بهما مميزُا على أشكاله وأكفائه، مقدمُا على أمثاله ونظرائه، وسأورد من أشعاره التى أنشدنيها، ما يشهد بوجودة ألفاظها، وصحة معانيها.
وحدثني القاضي الإمام بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن الخشاب بحلب- أيده الله تعالى-، قال: حدثني أبو المحاسن محمد بن نصر بن عنين الدمشقي في صفر سنة خمس وعشرين وستمائة عند عودي من الحجاز، قال: كنت بخوارزم بين يدي الإمام العلاّمة فخر الدين الرازي﵁-، وكان الزمان شتاء، والثلج واقع، وإذا بعض الجوارح قد طرد حمامة، فألجأها الخوف إلى أن دخلت المدرسة التي نحن فيها، ثم وصلت إلى الإمام فخر الدين بطريق الاتفاق، فقبضها بيده، ومضى الجارح لسبيله، فعلمت بديهّا هذه الأبيات:
[من الكمال]
يا أبن الكرام المطمعين إذا شتوا في كُل مسغبة وثلج ختاشتف
العاصمين إذا النفوس تطأيرت بين الصوارم والوشيج الرّاعف
من أنبأ الورقاء أن محلكم حرمّ وأنك ملجاّ للخائف
وفدت عليك وقد تدانى حتفها فحبوتها ببقائها المستأنف
جاءت سليمان الزمان بشكوها والموت يلمع في جناحي خاطف
[ ٥ / ١٤١ ]
قرم لواه القوت حتى ظله بازًا به تجري بقلب راجف
فأجرتها وحميتها ورددتها موفورة تحظى بعيش وارف
ولوأنها تحمى بمال لأنثّنت من راحتيك بتالد وبطارف
ولشنفت بفرائد من لفظه ولشرفت بملابس ومطارف
مولاي عين الله تكلأ مجدك الـ عالي لقد جاوزت حد الواصف
وقد رتّب ابن عنين شعره في أول ديوانه، وما أتى به من المدائح في الملوك على قدر ما ابتدأ به، ثم بمن يليهم من الوزراء وغيرهم، ثم بما اتفق من المرائى ثم ما نظم من الأهاجي، التي التي كان قصد بها الدعابة والإحماض، لا الغيبة وثلب الأعراض، ثم ما نظمه من الوقائع التي اتفقت له والأغراض، ثم بما سنح له من الألغاز المعجزة والأجوبة عنها، ثم ختم الديوان بما ورد في شعره من الأبيات النحوية، وسال المتأمل له والواقف عليه التجاوز عما أوعيه فيه من الزلاّت، وضمّه من الهفوات.
وروى لي من شعره عنه، القاضيان الجليلان، بها الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب، وأبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرداة بحلب- أيدهما الله تعالى-. أنشدني أبو الفضل العباس بن عثمان نبهان الإربلي التاجر، قال: أنشدني أبو اغلمحاسن بن عنين لنفسه: [من الطويل]
عسى البارق الشامي تهمي سحابه فتخضل أثباج الحمى ورحابه
وتسري الصبا من جانبيه عليلة كما فتقت عن حضرمّي عبابه
خليليّ ما لي بالجزيرة لا أرى لمية طيفا يزدهيني عتابه
ويأمن سار أن يبيت مغبة ببيداء دون الماطرون ركابه
إذا جبل الريان لاحت قبابه لعين وبانت من منير هضابه
ولاحت جبال الثلج زهرا كأنها مفارق شيب قد تلاشى شبابه
ولاحت قصور الغوطتين كأنها مراكب في بحر يعب عبابه
[ ٥ / ١٤٢ ]
وهبت لنا ريح اتتنا من الحمى تخبر عمّا ضمنته قبابه
لثمت الثّرى مستشفيًا لغليله وهيهات عما ضمنته فبابه
أنشدني نجيب الدين بن الصفار، قال: أنشدني ابن عنين لنفسه، يمدح السلطان الملك العادل سيف الدين أبا بكر محمد بن أيوب بن شاذي﵁-:
[من الكامل]
ماذا على طيف الأحبّة لو سرى وعليهم لو سامحوني بالكرى
جنحوا إلي قول الوشاة فأعرضوا والله يعلم أن ذلك مفترى
يا معرضًا عني بغير جناية إلا لما رقش الحسود وزوروا
هبني أسأت كما تقوّل وأفترىّ وأتيت في حبيبك ذنبًا منكرا
ما بعد بعدك والصدود عقوبة يا قاتلي قد آن لي أن تغفرا
لا تجمعن علي عتبك والنوى حسب المحب عقوبة أن يهجرا
عتب الصدود أخف من عتب النوى لو كان لي في الحب أن أتخيرا
لو عاقبوني في الهوى بسوى النوى لرجوتهم وطمعت أن أنصبرا
فسقى دمشق ووادييها والحمى متواصل الإعاد منفصم العرى
حتى ترى وجه الرياض بجوها أحوى وفود الدوح أزهر نيرا
وأعاد أيامًا قطعت حميدة ما بين حرة عالقين وعشترا
أرض إذا مرت بها ريح الصبا حملت عن الأعطان مسكاّ أفرا
تلك المنازل لا أعقة عالج ورمال كاظمة ولا وادي القرى
فارقتها لا عن رضا وهجرتها لا عن قلى ورحلّت لا متخيرا
أسعى لرزق في البلاد مفّرق ومن البلية أن يكون مقتّرًا
ولقد قطعت الأرض طورًا سلكاّ نجدًا وآنة أجد مغوّر
وأصون وجه مدائحي متقنعًا وأكفّ ذيل مطامعي متستّرا
كم ليلة كالبحر جببت ظلامها عن واضح الصبح المنير فأسفرا
[ ٥ / ١٤٣ ]
في فتية مثل النجوم تسنموا في البيد أمثال الأهلة ضمّرا
ياتوا على شعب الرمال جوانحا والنوم يفتك في الغوارب والذرى
قالوا وقد خاطّ النّعاس جفونهم: أين المناخ فقّلت خد وا في السرى
لا تسأموا الإدلاج حتّى تدركوا بيض الأيادي والجناب الأخضرا
في ظلّ ميمون النّقيبة طاهر الأ عراق منصور اللّواء مظفّرا
العادل الملك الذي أسماوه في كلّ ناحية تشرف منبرا
وبكل أرض جنة من عدله الـ ضافي أسأل نداه فيها كوثرا
عدل يبيتّ الذئب فيه على الطوى غرثان وهو يرى الغزالّ الأعفّرا
ما في أبي بكر لمعتقد الهدى شك يريب بأنّه خير الورى
سيف صقال المجد أخلص متنه وأبان طيب الأصل منه الجوهرا
ما مدحه بالمستعار له ولا أيات سؤدده حديث يفترى
بين الملوك الغابرين وبينه في الفضل ما بين الثريّا والثّرى
لا تسمعن حديث ملك غيره يروى فكل الصيد في جوف الفرا
نسخت خلائقه الكريمة ما أتى في الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا
ملك إذا خفت حلوم ذوي النهى في الروع زاد رصانة وتوقّيرا
ثيت الجنان تراع من وثابه وثباته يوم الوغى أسد الشرى
يقظ يكاد يقول عما في غد .. ببديهة أغنته أن يتفكرا
حلم تخفّ له الجبال وراءه رأى وعزمّ يحقر الإسكندرا
يعفو عن الذئب العظيم تكرّامًا ويصد عن قول الخنى متكبرا
أينال حاسده علاه بسعيه هيهات لو ركب البراق لقصرا
وله الملوك بكل أرض منهم ملك يقود إلى الأعادي عسكرا
من كل وضاح الجبين تخاله بدرًا فإن شهد الوغى فغضنفرا
يعيشو إلي نار الوغى شغفصا بها ويجل أن يعيشو إلى نار القرى
متقدم حتى إذا النقع أنجلى بالبيض عن سبي الحريم تأخرا
[ ٥ / ١٤٤ ]
قوم زكوا أصًا وطابوا محتدًا وتدفقوا جودًا وراعوا منظرا
وتعافّ خليلهم الورود بمنهل ما لم يكن بدم الوقائع أسجرا
كم حادث خفت حلوم دوى النهى خوفًا وجأشك فيه أربط من حرا
أنت الذّي أفتخر الآنام بجوده ووجوده وكفاه مجدك فخرا
الله خصك بالممالك وأجتبى لمّا رآك لها الصّلاح الأكبرا
أشكو إليك نوى تمادى عمّرها حتى حسبت اليوم منها أشهرا
لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى يعفو ولا جفني يصافحه الكرى
أضحى عن الآحوى المريع محلا وأبيت عن ورد النمير منفرّا
ومن العجائب أن تقيل ظلكم كلّ الورى ونبذت وحدي بالعرا
ولقد سئمت من القريض ونظمه ما حاجتي ببضاعة لا تشترى
كسدت فلما قمت ممتدحابها ملك الممالك كنت أربح متجرا
لازلت ممتدود البقاء حتى ترى عيسى في الوغى مستنصرا
وأنشدني أيضًا من لفظه وحفظه، قال: أنشدني ابن عنين لنفسه يمدح الملك المعظم شرف الدين بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب بن شاذي، صاحب دمشق﵁-:
[من الطويل]
أشاقك من عليا دمشق قصورها وولدان أرض النيربين وحورها
ومنبجس في ظلّ أحوى كأنه ثياب عروس صاك فيها عبيرها
منازل أنيس ما آنحتّ ولا أنمحت بمر السوارى والغوادى سطورها
تزيد على الايام نورًا وبهجة .. وتذوي الليالي وهي غض حبيرها
كأن عليها عبقري مطارف من الوشي يسديها الحيا وينيرها
إذا الريح مرت في رياها كريهة حبها أريح النشر فيها مرورها
سقى الله دوح الغوطتين ولا أرتوت من الموصل الحدباء إلا قبورها
فيا صاحبي نجواي بالله خيّرا رهين صبايات عسيٍر يسيرها
[ ٥ / ١٤٥ ]
/١٠٥ أ/أمن مرح مادت قدود غصونها ببهجتنا أم أطربتها طيورها
خليلي إن أفنى مدامعي فهل لكما من عبرة أستعيرها
لقد أنسيت نفسي المسرّات بعدكم،،، فإن عاد عيد الوصل عاد سرورها
آلا إن لي تحت الجوانح غلةّ إذا جادها دمع تلظّى سعيرها
وقاسمتماني أن تعينا على الهوى إذا نزوات البين سارت سؤورها
ففيم تماديكم وقد جد جدها كما ترياه وأستمر مريرها
وأصعب مايلقى المحب من الجوى تداني النوى من خلّة لا يزورها
فيا ليت شعري الآن ذكر ما مضى أوائل أيم النّوى أم أخيرها
متى أنا في ركب يؤم بنا الحمى خفاف ثقاّل بلأماني ظهورها
حروف بافعالها لهن نواصب إذا آنست خفضًا فرفع مسيرها
تظنّ دون لبنان واللّيل عاكف صديع صباح في سراها يجبيرها
وقد خلّلقت رعن المدّخن خلفها ونكّتب عنها في يمين ثبيرها
فيفرح محزونّ ويكبت حاسد وتبرد أكباد ذكي سعّيرها
وقد ماتت الأموال عندي إنما إلي شرف الدين المليك نشورها
مليك تخلّلى الملك منه بعزمة بها طال عن رمح السّماك قصيرها
يلاقي بني المال طلقا فبشره بما أملته من نجاح بشيرها
فما عـ[ـمـ]ـة مشكورة لا تثيبها ولا سيرة محمودة لا يسيرها
همام تظل الشمس من عزماته مححّبة نقع المذاكي سورها
مهيب فلو لاقى الكواكب عابسّا تساقطت الجوزا وخرّت عبورها
ولو آنست منه الآهلة غضبةّ نهاه سطاه أن تنم بدورها
تشرّف أيدي السحب إن قال قائل لأدنى نوال منه هذا نظيرها
حلفت بما ضمّت أباطح مكّة منى والبدن والشهب تدمى نحورها
لقد فاز بالملك المعظّم أنه إلى عدّاله المشهور ردت أمورها
وقال يمدح الملك العزيز ظهير الدين بن الملك العادل سيف الدين أبي
[ ٥ / ١٤٦ ]
بكر محمد بن أيوب بن شاذي: [من الطويل]
حنين إلى الأوطان ليس يزول وقلب عن الأشواق ليس يحول
أبيت وأسراب الدمع كأنها قفول تهادى إثرهن قفول
أراقبها في الأفق من كلّ مطلٍع كأني برعي السائرات كفيل
فيا لك من ليل نأى عنه صحبه فليس له فجر إليه يؤول
أما لعقود النجم فيه تصرم أما لخطاب الفجر فيه نصول
كأن السّريّا غرّرة وهو أدهم له من وميض الشعريين حجول
(ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة) وظلك يا مقرى علي ضليل
وهل أرني من بعد ما شطّت النوى ولي في ذرى روض هناك مقيل
دمشق فبي سوق إليها مبرح وإن لج واش أو ألح عذول
بلاد بها الحصباء در وتربها عبير وأنفاس الشمال شمول
تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق وصح نسيم الرّروض وهو عليل
فيا حبّذا الرّوض الذي دون عزّتا سحيرًا إذا هبت عليه قبول
ويا حبّذا الوادي إذا ما تدفقت جداول باناس إليه تسيل
وفي كبدي من قاسيون حرارة تزول رواسيه وليس تزول
إذا لاح برق من سنير تدافعت لسحب جفوني في الخدود سيول
فلله أيامي وغض الصبابها وريق وإذ وجه الزمان صقيل
هي الغرض الأقص وإن لم تكن بها صديق ولم يصف الوداد خليل
وكم قائل في الأرض للحر مذهب إذا جار دهر واستحال ملول
وما نافعي أن المياه سوايح عذاب ولم ينقع بهن غليل
فقدت الّصبا والاهل والدار والهوى فلله صبري إنه لجميل
[ ٥ / ١٤٧ ]
ووالله ما فارقتها عن ملالة سواي عن العهد القديّم يميل
ولكن أببيت أن تقبل الضيم همتي ونفس لها فوق السماك حلول
كأن الفتى يلقنى المنايا مكرما ويكره طول العمر وهو دليل
يعاف الورود الحائمات عن الآذى وللقيظ في أكبادهنّ صليلّ
كذلك ألقى أبن الأشجّ بنفسه ولم يرض عمّرًا في الإسار يطول
سألثم إن وافيتها ذلك الثرى وهيهات حالّلت دون ذاك ذحول
أيغتربي دهري على ما يسومني ولي من ندى الملك العزيز مقيل
على أنني والحمد لله لم أزل أطول على أحداثه وأصول
وكيف أخاف الدّهر أو أحرم الغنى وأري ظهير الدّين في جميل
من القوم أما أحنف فمسفّه لديهم وأمّا حاتم فبخيل
فتى الجواد أما جاره فممنع عزيز وأما ضدّه فذليل
واما عطايا كفه فسوابغ عذاب وأما ظله فظليل
وله وقد إليه بعض مماليك أصدقائه، وقد غضب عليه سيده، فكتب معه شفاعة: [من الطويل]
ومن عجب الأّيام أنّ شفاعتيّ ترجّى لمن في وجهه ألف شافع
يروم شفيعاّ من سواه جهالة وهل شافع مثل الشفيع المضاجع
أنشدني أبو عبد الله بن سعد الدبيثي، قال: أنشدني ابن عنين لنفسه، ببغداد مبدأ قصيدة: [من الطويل]
أهاجك شوق أم سنى بارق نجدي يضيء سناه ما يجنّ من الوجد
تعرض وهنا والنجوم كأنّها مصابيح رهبان تشب على بعد
حننت إليه بعد ما نام صحبتى حنين العشار الحاديات إلى الورد
تذكرني عيشًا تقضى على الحمى وأيامنا عن أيمن العلم الفرد
وإذا أم عمرو كالغزالة ترتعي بوادي الخزامي روض ذاك الثّرى الجعد
[ ٥ / ١٤٨ ]
ومنها:
وما زالت الآيام تمهي شفارها وتسحب حتّى آستأصلت كلّ ما عندي
فأقبلت أجتاب البلاد كأنني قذى حال دون الغمض في الأعين الرّمد
فلم يبق حزن ما توقلّت متنه ولم يبق سهل ما جررت به بردي
وأنشدني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن جراادة بحلب- أيده الله تعالى-، قال: أنشدني أبو المحاسن محمد بن عنين لنفسه بدمشق: [من الكامل]
يا عاتباّ جعل القطيعة مذهبا ظلماّ ولم أر عن هواه مذهبا
وأضاع عهد ذا لم أضعه ناقضا ذمم الوفاء وحال عن صبّ صبا
غادرت داعية البعاد محبّتي فبأيّ حالاتي أرى متطرّبا
ظبي من الأتراك يثني قده ريح الصّبا وبعيده لين الصّبا
ما باله في عارضيه مسكه ولقد عهدت المسك في سرور الظّبا
غضبان لا يرثي فما قابلته مبتسما إلا أستحال مقطبًا
الله يعلم ما طلبت له الرّضا إلا تجنى عامدًا وتجنّبا
فيزيده فرط التذلل عزّة أبدًا وفرّط الاشتياق تعتبا
عجبًا له اتخذّ الوشاة وقولهم صدّقًا وعاين ما لقيت مكذبا
ورأى جيوش البحر وهي هزيمةّ فأغار في خيل الصدود وأجلبا
يا بدر عمّك بالمحاسن خالك الدّجي فخصك بالمحاسن واجتبى
سبحان من أذكى بخدّك للورى لهباّ يزيد به القلوبّ تلهبا
أو ما أكتفى من عارضيك بأرقم حتى لوى من فضل صدغك عقربا
وقال يلغز في صبي، أسمه ياسين، أنشدنيها الشيخ الحافظ أبو عبد الله:
[من السريع]
[ ٥ / ١٤٩ ]
وشادن أبصرته قائمًا يلعب بالتابوك في موسم
كأنه البدر وقد كللت من عرق خداه بالأنجم
وكلما أبعدها ركضه عادت على أقدامه ترتمي
قلّت له: ما أسمك قل لي فقد أرفت من غير جراح دمي
فمرّ في لعبته لاهيا وقال: حرفان من المعجم
وقال وهو في المخيم، مع الملك المعظم شرف الدين، وأنشدنيها عنه القاضي الأمام الأجل أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بحلب- أيده الله تعالى-: [من الكامل]
أنا وأبن شيت في الخيام زيادة وأبن النّفيس وذا الملق الصوفي
لا بأسنا يخشى ولا أضيافنا تقرى ولا نرجى لدفع مخوف
أما الملّق كما علمت فزهده وقف على زبديّة ورغيف
وفتى بجيلة إن قرا ما خطه ألفيت فيه غرائب التّصحيف
ومهوّس باليمياء يقطع الآ يام بالتعليل والتسويف
يبغي من الأبوال تبرًا خالصًا عقل لعمر أبيك جدّ سخيف
وأنا وشعري كم يعنفي الورى فيه ولا أصغي إلى التعنيف
وقال أيضًا: [من الطويل]
حبيب نأى وهو القريب المصاقب وبعدى نوى لم تنص فيه الكائب
وإن بعيدًا لا يرجّى أقترأبه بعيد تنائى والرّدى متقارب
ألين لصعب القلب قاس فؤاده وأعتبه لو يرعوي من أعاتب
من التّرك مّياس القواّم منعّم له الدّر ثغر والزمر [د] شارب
يفوّق سهما من كحيل مضيّق له الهدب ريشّ والقسي حواجب
أسأل عذارًا في أسيل كأنه عبير على كافور خديه ذائب
سرت عقرّبا صدغيه في صحن خد فهن لقلبي سالبات لواسب
[ ٥ / ١٥٠ ]
عجبت لجفنيه وقثد لحس قهما فصحت وجسمي من أذهن ذائب
من خصره كيف أستقلّ وقد عدت تجاذبه أردافه والمناكب
ضنيت به حتى رثت [لي] عواذلي ورق لما ألقى العدو المناصب
فهل لي من داء الصبآبة مخلص لعمري لقد ضاقت علي المذهب
وما كنت ممّن يستكن لحادث ولكن سلطان لهوى لا يغالب
وقال أيضّا، وأنشدنيها عنه القاضى الإمام الصدر بهاء الدين أبو محمد الحسن ابن إبراهيم بن سعد بحلب- أدام الله أوقاته-: [من الكمال]
أنا وأبن شيث في الخيام زيادة فلا يرتجى منّا لخلق فائده
من كلّ من قصرت يداه عن النّدى يوم الجدا وتطول عند المائده
فكأننا واو بعمرو ألحقت أو إصبع بين الأصابع زائده
وقال في ابن شيث: وقد أمره الملك المعظم أن لا يهجوه فاعتذر: [من الخفيف]
كذبًا كلّ ما اعيت وزورآ أنا وحدي زيادة في الخيام
وضيوفي الذين يمسون غرثى ويداي الطوال عند الطّعام
ولزوم البساط أكبر همي وعلاج الأبوال أقصى مرامي
وقال فيه أيضًا: [من الخفيف]
زعموا أنني هجوت أبن شيث كيف أهجوه وهو في العلم آيه
إنّما قلت إنّه حسن الظـ ـن حليمّ كأنّه أبن نفايه
ومرّ يومًا بجامع دمشق، فرأى واعظًا يلحف في سؤال الناس، فسأل عنه فذكر أنّه يعشق صبيًا من بني عساكر، اسمه نصر الله، وله نسيب منهم اسمه عباس، قيل إنه معًا، فقال: [من البسيط]
[ ٥ / ١٥١ ]
ياواعظ الناس ماينفك عن طلب معذبًا بين إنعاظ وإفلاس
ما كان أغناك عن إلحاف ميآلة لو كان في إست نصر داء عّباس
وقال أيضًا يهجو: [من الكامل]
في دولة الملك المعظّم خمسة لا يؤمنون على قشور المحلب
وصهر المكرّم وأبنه والحام المصّري وأبن التّنبي
وقال في المحتسب البكري، وأنشدنيها أبو الفتح نصر الله بن أبن العز بن أبي طالب الشيباني الصفار الدمشقي، بها في المحرم سنة أربعين وستمائة: [من الوافر]
عسى الرحمن ينقذنا سريعّا برحمته من الزاغ الخبيث
أشدّ من السليلين أنبساطًا وألزم للسماط من أبن شيث
وألآم من فتى الكندي لؤما وصنعته وأكذب في الحديث
وقال لما دفن القاضي أبو الفرج يونيس بن فيروز بن بدران، قاضي دمشق المصري في داره: [من السريع]
وما أقصر المصري في رأيه إذا جعل التربة في داره
فخلص الأحياء من شره وخلص الأموات من ناره
وقال أيضا يهجو: [من الخفيف]
طلع الدّين مستغيثًا إلى الرحـ ـمان إن العباد قد ظلموني
يتسمون بي وحقك ما أعـ ـرف منهم شخصًا ولا يعرفوني
كلّ يوم يعزى إلي وضيع الـ ـقدر فظّ الكّلام كالزنكلوني
لقبوا أبن المصري ناجي ولو كان شراكّا للنعل ما أنصفوني
وأبن شيث ويونس والمسيحي جمالي فالقوم قد رفضوني وقال أيضًا: [من الكامل]
لولا الحياء وخيفتي من خالقي لضربت في الآفاق بالناقوس
[ ٥ / ١٥٢ ]
وجمعت أهل الأرض كيما يعجبوا لتالف الغزّلان بالجاموس
وقال في مدّرسين كانا بدمشق أحدهما يلقب الجاموس، والآخر البغل:
[من الكامل]
البغل والجاموس في جدليهما قد أصبحا عجبا لكلّ مناظر
برزا عشية يومنا ليجادلا هذا بقرنيه وذا بالحافر
ما أتقنا غير الصياح كأنما لقنا جدال المرتضى ابن عساكر
لفظ طويل تحت معنى قاصر كالعقل في عبد اللطيف النّاظر
إثنان ما لهما وحقك ثالث إلاّ رقاعة مدلويه الشاعر
وقال يهجوا بن دحية الأندلس المحدث: [من السريع]
دحية لم يعقب فكم تعتزي إليه بالبهتان والإفك
ما صحّ عند الناس شئ سوى أنك من كلّب بلا شكّ
وله يلغز في العقرب: [من الطويل]
وما حيوان يتقي الناس بطشه على أنه واهي القوى واهن البطش
إذا ضعفوا نصف اسمه كان طائرآ وإن ضعفوا باقيه كان من الوحش
وقال يهجو: [من الوافر]
كأن قفا الوزير عروض شعر يقطع بالبسيط وبالمديد
فذالك لا يزال النعل فيه كمنزل أحمد بن أبي الحديد
وقال أيضًا: [من الطويل]
لئن وافي مصر فرعون وحده من الشام وآستولى وأظهرنا موسا
فقد جلبت مصر إلى الشام واحدًا يرى الف فرعون وليس لنا موسى
وقال يهجو صدرجهان محمد بن أحمد بن عبد العزير بن مازة
[ ٥ / ١٥٣ ]
البخاري، وأنشدنيها عنه الشيخ الحافظ أبو عبد الله: [من الكامل]
مال أبنمازة دونه لعفاته خرط القتادة أو مناط الفرقد
مال لزوم الجمع يمنع صرفه في راحه مثل المنادى المفرد
وقال يهجو القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني: [من المتقارب]
إذا كلبه ولدت سبعة فلا تعجبن أيها السائل
فعدّة أخلافها سّتة وفاضل وأولادها الفاضل
وقال فيه أيضًا: [من الطويل]
سألت النجيب الفاضليّ وقد بدا عليه شحوب بعد شدة أزه
أكنت مريضًا قال: كلاّ، وإنما تخيرني عبد الرّحيم لسره
فقلت له: حق على الله خفض ما ترفّع تيها وأدّعى فوق قّدره
وهب أن ما تومي إليه مصدّق وأنك قد أقر تناقص أمره
فما وهدة ما بين ثدييك، قال لي مقعّر صدري من محدّب ظهره
وقال وقد عمل في أبواب جامع دمشق سلاسل: [من السريع]
لمّا رأى الجامع أمواله مأكوله ما بين نوّابه
جنّ فمن خوف عليه غدا مسلسلًا في كلّ أبوابه
وكيف لا تعتاده جنّة وقد رأى خسة أربابه
القرد في شباكه حالم والكلب في قلبة محرابه
وقال من جملة أبيات: [من المسرح]
سلطاننا أعرج وكاتبه منعمشذ والوزير منحدب
وصاحب الأمر خلقه شرسّ وعارض الجيش دواؤه عجب
[ ٥ / ١٥٤ ]
يبيّت من حكّمة تؤرقه في دبره طوّل ليله يثب
وحاكم المسلمين ليس له في غير غر مول جرجس أرب
وله وقد اجتاز هو وصبي يقبله، بصبي يقال له- أحسن الناس وجهًا- فقال له: نبه عمر، أراد بذلك قول بشار بن: [من المتقارب]
(إذا أيقظتك صروف الزمان فنبه لها عمرآ ثمّ نم)
فقال أرتجالآ: [من البسيط]
وحاجة بت أشكوها إلى ثقة وقد ترقرق ماء العين ينحدر
فقال لي مشفقا نبه لها عمّراّ فقلت: واخيبتا إن لم ينم عمر
وكتب إليه اخوه كتابًا يصف له دمشق، ويشوقّه إلى وطنه، وأبو المحاسن يومئذ ببلاد خراسان، فكتب إلى أخيه بهذه الأبيات، وأنشدنيها عنه القاضي الإمام بهاء الدين أبو محمد الحسن بن سعيد الحلبي- أسعده الله-: [من الكامل]
يا سيّدي وأخي لقد أذكرتني عهد الصّبا ووعظتّني فنصحت لي
أذكرتني وادي دمشق وظله الضافي البرود السلسل
ووصفت لي زمن الربيع وقد بدا عجب الزمان إلي شباب مقبل
وتجاوب الأطيار فيه [فمطرب] يلهي الشجيّ وناتج يشجيّ الخلي
يغني النّديم عن القيان غناؤها فالعندليب بها رسيل البلبل
فكأنما أخدت عن أبن مقلد قول المسرح في الثقيل الأوّل
ومدامة من صيدنايا نشرها من عنبر ورداؤها من صندل
مسكيّة النفحات يعرف أصلها عن بابل ويجل عن قطربل
وتقول: اهل دمشق أكرم معشر وأجلهم ودمشق أطيب منزل
وصدقت إن دمشق جنّة هذه الـ ـدنيا ولكن الحجيم الذالي
[ ٥ / ١٥٥ ]
لا الدائص الحلبيّ ينفذ حكمه فيها عليّ ولا العواني الموصلي
هيهات أن أتي دمشق وظلها يعزى إلى غير الملك الأفضل
ومن العجائب أن يقوم بها أبو بكر وقد جعل الوصية في علي
مهلًا أبا حسن فتلك سحابة صيفيّة عمّا قليل تنجلي
وكتب أيضًا إلى أخيه في صدر كتاب: [من الطويل]
وما حائمات تمّ في الصيف ظمؤها فجاءت وللرمضاء علي المراجل
فلمّا رأين الماء عذبًا وأقبلت عليه رأين الموت دون المناهل
بأعظم من وجدي عليك ووحشتي إليك وإن لم أحظ منك بطائل
وقال وكتب إلى الملك المعظم يستعفيه من تقليده الوزارة، وأنشدنيها عنه القاضي بهاء الدين أبو محمد: [من الطويل]
أقلبي عثاري واتّخذها وسيلة يكون برحماها لك الله جازيا
كفى حزنًا أن لست ترضى ولا أرى فتى راضيًا عنّي ولا الله راضيا
ولست أرجي بعد سبعين حجّة نجاةّ وقد لاقيت كلّ الدّواها
أخوض الآفاعي طول عمري خائفًا وكم يتوفّى من يخوض الآفاعيا
وقال يهجو القاضي أبا الفرج يونس بن فيروز بن بدران قاضي دمشق المصري:
[من المتقارب]
قضى يونس نحبه بعدما قضى في الآنام بغير الصّواب
وأحرز أولاده ماله وموت الحمير حياة الكلاب
[ ٥ / ١٥٦ ]
[٦٤١]
محمد بن سعد بن نصر بن سعيد علّي، أبو نصر بن أبي الحسن الدجاجي البغدادي المعروف بابن الحيواني.
كانت ولادته في شهر رجب سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وتوفي ببغداد يوم الأربعاء خامس عشر ربيع الأول سنة إحدى وستمائة، ودفن بجانبها الغربي بباب حرب.
وكان واعظصا فقيهًا حنبليات، شاعرًا محدثصا له خطب وفصول في الوعظ، وأشعار مدح بها الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد﵁-.
سمع الحديث على أبي جعفر محمد بن علي السمناني، وأبي منصور عبد الرحمن بن محمد بن زريق القزاز البغدادي، وأبي بكر قاضي المارستان، وأبي الوقت عبد الأول عيس بن شعيب السجزي.
وكان شيخًا، فيه صلاح وفضل حسن، ومن شعره يمدح الإمام الناصر لدين الله، ويذهب فيه أبي الفتح البستي في المجانس المتشابه القوافي. وأنشدني منه شيخنا أبو عبد الله محمد بن سعيد الوسطي، قال: أنشدنا أبو نصر الدجاجي لنفسه: [من السريع]
تقول عيسي حين أدميتها بالسير رفقا بي يا هاشمي
إن شئت أن تلقى المنى والغنى عج بإمام من بني هاشم
[ ٥ / ١٥٧ ]
/١١٤ ب/فقلت إذ لاح سنى برقه يا نوق هذا نوره هاشمي
وقال فيه أيضًا: [من الطويل]
إمام أعاد العدل من فقده وأحيا رميم المكرمات برفده
وعم البايا بالعطايا تكرّمًا وأشرق في أفق العلا نجم سّعده
به لبسّ الإسلام أحسن زينة ولان من الأيمان ذابل رنده
فلاّ زال في ثوب الخلافة رّافلاّ تجر على الآيام أذيال برده
ودارت على الإقبال أفلاك مجده ولا زالت الأملاك من بعض جنده
مدى الدّهر ما ناح الحمام وأسدل الظّلام وما سحّ الغمام برعده
وأنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي بإربل، قال: أخبرني أبو نصر محمد بن سعد الله لنفسه إجازة، يمح الوزير جلال الدين أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن أبي منصور الأصبهاني: [من البسيط]
أثر إلى جنبات المنحنى إبلي واحلل يعزمك عنها محكم العقل
وخلّها تسحب الأرسان من مرح دون الثّنّية بين ألبان والآثل
فإن ريح الصّبا من نحو كاظمة قد هاج منها غراما جد مشتعل
حنّت إلى مربع الالآف فالتهبت أحشاؤها وأعتراها مقلق الخبل
إلى مرابع صدق طالما حمدت ما بينهنّ غدايا العلّ والنّهل
فهجن لي لوعة من مثل وقدتها يرفض من عبراتي كلّ منهمل
فبات بي مثل ما باتت تكابده من حبّه تبعث الشكوى لهنّ ولي
يا عاذليّ فرط الصّبابه لو عرفتماها لما أكثرتما عذلي
طالت علّي الليالي بعد ما قصرت وأي ليل مشوق القلب لم يطل
ما أومض البرق من نجد ولا نسمت ريح ولم أغد مثل الشارق الثمل
تميد بي جنبات الأرض من طرب شوقًا إلى معهد الغزلان والغزل
ليت النوى أسعفتني بالبقاء لمن لولآ تنائيه لم أجزع ولم أبل
فقد تساعف دار بعد ما بعدت والدّهر يسمح بعد الضّنّ والبخل
كما اني بجلال الدّين معتذرًا به ومستغفراّ من سالف الزّلل
وافى به فصفحنا عن جرائمه بما جد من خلال المّجد مجتبل
[ ٥ / ١٥٨ ]
فكلّ من رام يومًا أن يساجله من البريّة في قول وفي عمل
نادته ألسنة التوبيخ مفصحة (ليس التكحل في العينين كالكحل)
أضحى الزمان به من بعد ظلمته ذا منظر في عيون العالمين جلي
مازال يسعى لأنمى كل مرتبة سواه قد رامها قدمًا فلم ينل
مناقب لجلال الدّين مفتخر بها وأكمل عز غير منتقل
فالملك مستبشر يزهو بطلعته قد ضم منه إلى ذي نجدة بطل
يراعه ظلّ يغني وهو من قصب عن القواضب والعسالة الذبل
فما ركام من المزن الغزار له زماجر وضرام دائم الشغل
إذا تبجّس روّى كلّ بلقعة وأصبحت ذات روض ناضر خضل
يومًا بأغزر عند الممحلات ندى من الوزير نظام الدّولتين عّلي
ولا هزبر أبو شبلين مدّرع بلبدة مرتاع ولا وجل
يحمي العرينة من أمثاله أنفًا ولا يرّاع لما يعرو من الوهل
أمضى علّى الهول منه يوم ملحمة تلهي القلوب عن الأفراح والجذل
مكارم لجلال الدّين لست ترى لهن عن مجده المحروس من حول
نجل الوزير جمال الدّين أكرم من مشى على الأرض من حاف ومنتعل
عليه من صلوات الله أفضلها ما هبت الرّح في سهل وفي جبل
غيه أبا حسن عن المفاجر قد ظفرت منها بأقصى السؤال والأمل
يا سيّد الوزراء الأكرمين ويا نجل السراة الكرام السادة النبل
إسعد بها رتبة للمستحق لها ودولة ذات عرف في الورى شمل
وثق بصدق ولائي ما جرى قلم وما تأخر مقدور من الأجل
بقيت يا شرف الغسلام مرتفعًا بهمّة في العلا تعلو على زحل
ويا قوام المعالى عش ورش أبدًا ودم بقدر عظيم الطول لم يطل
وصل وصل واسم وأسلم في بلهنية ما سبح الله في الإبكار والاصل
وما ترنمّمت الأطيار في ورق فهيجت مغرماّ بلأعين النجل
[ ٥ / ١٥٩ ]
وقال أيضًا، وأنشدنيه عنه الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود:
نفس الفتى إن صلحت أحوالها كان إلى نيل التقى أحوى لها
وغن تراها سدّدت أقوالها كان على حمل العلا أقوى لها
فلو تبدّت حال من لها لها في قبره عند البلى لها لها
وقال أيضًا [من الكمال]
إنّ الولاية لا تدوم لواحد إن كنت تنكرها فأين الأول؟
وقال أبو غالب نصر بن تركي بن خزعل بن تركي بن الحسن الحنظلي التميمي البصري المسلي التاجر، أنشدني أبو نصر محمد بن سعد الله بن الدجاجي لنفسه:
[من البسيط]
يا غائب القلب في نقص وفي لعب وذاهب العمر في حرص وفي تعب
لا يغررنك المنى جهلاّ بطول منى ويلزمنك العنا بالزور والكذب
صاحب فصاحة دنيانا بموعظة تغني أخا اللبّ فيها عن أخ وأب
لا تغرر بنسي الغافلين وخذّ رداّ ينجيك من هول ومن عطب
الناس في حسد والعيش من نكد والشّمل في بدد والترب في ترب
إسمع مقالتها واقرع جنايتها وأقطع مفازتها بالنوح والحرب
أحب أنب أقبل أدن أصغ أفق احذر تحفظ تيقظ إخش ذل تب
وبالإسناد وأمر أن يكتب على قبره: [من الخفيف]
أيها الزئرون بعد وفاتي جدثًا ضمّني وقبرًا عميقا
[ ٥ / ١٦٠ ]
/١١٧ أ/ سترون الذي رأيت من الأمـ ـر عيانًا وتسلكون الطريقا
[٦٤٢]
محمد بن أبن الفوارس بن أبي الهواء، أبو عبد الله الحلّي.
من أهل الحلة المزيدية.
أخذ طرفًا من النحو عن أبي البقاء عبد الله بن الحسين الضرير النحوي العكبري، وكان بالموصل معلمًا، له طبع في الشعر.
أنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه:
[من مجزوء الكامل]
يا غارسًا غصن الحيا ة بجود راحته السخيه
ومعوّدا كسبت الثنا ء بحسن أخلاق زكيه
قد صرت مأكولا لابـ ـناء الجهالة والدنيه
فانهض إلىّ حميّة فالحر تنهضه الحميّه
[٦٤٣]
محمد بن اصطفان بن عبد الله، أبو عبد الله.
كانت ولادته في عين ناب قلعة حصينة من أعمال حلب- يوم الجمعة ثالث صفر سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وتوفي عيشة يوم الثلاثاء بين الظهر والعصر تاسع عشر المحرم سنة ثلاث وعشرين وستمائة بإربل، ودفن بداره.
وكان يتولى أستاذ الدارية بإربل، لسلطانها الملك المعظم مظفر الدين﵁-، أجمع أهل زمانه، أنه لم يكن له نظير في ذكائه وفهمه وتفرده بما خصه الله تعالى، من إحكامه أكثر صناعات العالم على اختلاف أنواعها، وتبريز فيها.
ساق ذكره الصاحب الوزير أبو البركات في تاريخ إربل، وقرظه في جملة من استوطن بها، وقال: أبو عبد الله بن أصطفان، أمير كريم الأخلاق سليمها، سليم
[ ٥ / ١٦١ ]
الطباع كريمها، صادق المودة صافيها، وافرالصداقة وافر الصداقة وافيها، له سماحة يد لا تبقى ما في اليوم إلى غد، حسن الظن بالله، شديد التمسك بأوامره ونواهيه، له رسائل وشاها طبعه ونمقها، وهذّبها فكره ولفقها، وأشعار رزقت من اللطافة نصيبًا وافرً اومنحت من السلامة حظا كاملًا.
كان والده من موالي بني حسان المنبجي، فأعتقه بعض من له ذلك شرعًا، ثم أنشدني من شعره ما سمعه من لفظه: [من مجزوء الكامل]
برشيق قدّك وأعنداله وفتور طرفك واعتلاله
وبنون عارض خدّك الـ ـتبست علىّ بعطف داله
عني الجمال بخطها زمنا فنقطها بخاله
ألاّ رثيت لعاشق رق العدو لسوء حاله
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه، يوازن قول القائل: [من مجزوء الكامل]
لمّا رأيتك مقبلًا والبدر يعجب من تمامك
أيقنت أني هالك إن لم أقل أنا في ذمامك
واتمهما ابو عبد الله بقوله: [من مجزوء الكامل]
والغصن يستجلي التعطيف والتثني من قوامك
والدّر منتسق النظام جلاه لي برق أبتسامك
ورأيت ذلّي حين تخطر في دلالك واحشامك
تسطو علي وتارة أجد السلامة في سلامتك
أيقنت أني هالك إن لم أقل أنا في ذمامك
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
يا غائبًا قد ساثني بمغيبه أشكو إليك جناية التفريق
قد كان دمعي قبل بينك لؤلؤًا فالآنّ قد بدّلته بعقيق
وأنشدني أبو الحسن علي بن محمد بن الحسن الإربلي، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه: [من مجزوء الكامل]
[ ٥ / ١٦٢ ]
وألية بهوى إذا قدم الزمان به تجدّد
وتبلبل الأصداغ فو ق مزروفن الخد المورد
وفتور الحاظ خلقـ ـن بلية الدّنف المسهد
ومراشف كالخمر تبـ عن نقادر منضد
ورشيق قدّ كالقضيـ ـب يكاد أن يلوى ويعقد
ولذيذ ملتف العنا ق وضمة الصّدر المنهد
ورفيق شكوّى في العتا ب تخاله اللّحن المردد
إني وإن ظن الغبي بأن شملي قد تبدّد
ومسّاعدي في الحب قد مالا على وقد تفنّد
ورميت من أيدي النّوى بمحلًا عني مشّرد
فلقد عكست ظنونه ورددت وجه الظن اسود
وتجاوبت خرس اللقاء وغرّدت طربًا وعرّد
وحنيت عاصية السرو ر فأصبحت من غير مقود
وأتى الزمان بما أريـ ـد وأطلق الهم المقّيد
وأعاد أحمد ثانيًا من بينه والعود أحمد
[٦٤٤]
محمد بن فارس بن المصري، أبقو عبد الله الأنصاري الكاتب.
كان يكتب في خزانة السلاح بدمشق للملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد ابن أيوب﵁- وكتب له الإنشاء مدة يسرة بالديار المصرية.
وكان فقيهًا مالكي المذهب، عالمًا مبرزًا في كلّ فن، وله رسائل فصاح، وأشعار
[ ٥ / ١٦٣ ]
ملامح، وتصانيف. وتوفي سنة ست عشرة وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد الله إبراهيم العمري المحلي المصري، قال: أنشدني محمد بن فارس بن حمزه لنفسه: [من الكامل]
لولا تحّديه باية سحره ما كنت ممتثلًا شريعة أمره
رشا أصدقه وكاذب وعده يبدي لعاشه أدلة كفره
ظهرت نبوة حسنه في فترة من جفنه وضلاله من شعره
فأطاعه حتّى العذول وما عصى في الحب من قام العذار بعذره
ولقد دعا ظمئي عذيب رضابه أفلاهداه ببارق من ثغره
وأنشدني أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد المنعم بن عمر المحلي لنفسة، يمدح الصاحب عبد الله بن علي بن عبد الخالق الحري الدميري، تمام الأبيات المتقدمة له:
[من الكامل]
قمر أعار الطذرف منزل نؤيه لمّا نأى والقلب موئل ذكره
راقبته والفراغ غارب ليله ورقبته والوجه طالع فجره
وزجرت شيطاني به وردعته لمّا رميت بثاقب من هجره
غصن أقل من المحيّا روضة تلهيك عن نور الربيع وزهره
حيّا الحياء عضيرها ونضريها من مزن سلسال الجمال بدره
يفتن جانيها ويفتن فهو في حلو يذاق من القطاف بمرّه
لدن القوام آماله خمر الصّبا فغدت معاطفه عرابد سكره
قعدت روافه وقام قوامه فخشيت أن ينفد مخطف خصره
واعن كفّ الغدر عطفي وصله فمتى يشل الوصل كفّي غدره
حلّ اللّوى ولوى مواثيق الغضا ورمى الضلوع بلافح من جمره
وعلى الحمى نهب الحشاشة عنوة وبأمره أسر الفؤاد بأسره
[ ٥ / ١٦٤ ]
ولّى وما لى هواه لأنّه ما زال عندي من ودائع سرِّه
من لي برجعته فيغدو منشرًا ميت السّرور بقربه من قبره
ويعود عود الوصل نضرًا بعدما أضحى حطامًا قد أحيط بثمره
ويروض روض اللهو من نور المنى بيد النّسيم الرّطب جامح نشره
وأرى شمول الشَّمل كاسيةً كؤو س العيش أمنًا من حوادث دهره
وأجول حيث أجيل طرفي في ربى أنيسي بوضّاح النجاح أغرِّه
وأشيم من وجه الزّمان طلاقهّ تفتر عن بشرى الوزير بنشره
الصّاحب بن علّي العالي على فلك العلاء بمجده وبفخره
مولى الموالي سّيد الوزراء في طرفي أعاصير الزّمان وعصره
وزر الملوك وأزرها وبه أحتمت في الملك منقدر الزمان ومكره
سبق الأماجد آخرًا بمناقب قد ترجمته أولًا في قدره
وأحتلّ من دست الوزارة منصبّا أعلاه بعدله وبذكره
متهلّل القسمات تقسيم أنّه بدر تجلّى من أزرَّة أزره
قد زان مخبره بأحسن صورة وأعان صورته بأحسن خبره
ذو همّة رقته من طور العلًا في رأسه ورست به في صدره
وعزيمة أجرته حيث تأخّرت جرد القضاء عن اللّحاق بإثره
متنوع الطّمعين بين عفاته في نفعه وعفاته في ضرّه
متآلف الحالين باطن سرّه في الوعد والإبعاد ظاهر جهره
يهفو ارتياحًا وهو طود سكونه ويلين عفوًا وهو قسور قشره
ويسيل جودًا وهو جاحم بأسه ويروق شرفًا وهو صارم زجره
ندب إذا آنهلَّت يدا إحسانه شاهدت عشرة أبحر من عشره
تروى أحاديث النّدى عن عرفه كفِّه عن طبعه عن نجره
ما خاب قطُّ ولن يخيب مؤمِّل ركن المهالك في مطالب برّه
أغني وأقنى آمليه فما ترى في الخلق من يشكو فواقر فقره
كرم به أعدى الزّمان وعدّه مع أنّه من سيله من قطره
نعت من الجود المؤكد عطفه من راحتيه لزيده ولعمره
[ ٥ / ١٦٥ ]
بحر جواهر فضله مشهورة من مدِّه منظومة في جزره
حصرت معانيه اللُّغات وكرَّرت من وصفه مالا يحاط بحصره
وله التصانيف الَّتي أبدت لنا في كلِّ فنّ جوهرًا من بحره
بكرت بمبتكر الجنان وفضله عقد البيان من اللِّسان بدرِّه
ورسائل هي للفتوح وسائل شعرًا شواهدها دلائل نصره
ما استلأمت بكتائب من كتبه .. إلّا ثنت ريح العدوِّ بخسره
اوراقه منها فواضل بيضه وحروفه فيها عواسل سمره
يا سيِّدًا لولا المسير لبابه ما أشأمت مذ قطّ عصبة مضره
أحسنت بي وشكرت جهدي فاستدم شكر الندى بزيادة في وفره
وابسط يدًا كانت لموسى آيةً وأقم جدار العيش منّك بخضره
واهنأ بشهرك بل تهنَّ بمثله ألفًا ودم ألفًا لوافد كرِّه
لا زال ليلك منه يوم صيامه شرفًا ويومك منه ليلة قدره
وقال مكاتبًا لشخصٍ يلقّب البرهان: [من مجزوء الكامل]
وافى كتابك روضةً تطوى أزاهرها وتنشر
بل جنّةً رقَّت ورا قت مسمعًا حسنًا ومنظر
بل إنَّه ناديت لمَّا أعجزت الله أكبر
ماذا أقول وكلُّ معنّى فيه بالبرهان جوهر
وقال متغزلًا: [من الكامل]
لله أيُّ مهفهف هزَّ الصَّبا غصن الصِّبا من قدِّه أملودا
أبدى الأقاح مّن الثُّغور مباسمًا والجلَّنار ومن الشَّقيق خدودا
والنرجس الغضُّ النَّضير نواظرًا منه ورمَّان الصّدور نهودا
وكأنَّ كرمة فرعه أرخت له من كلِّ صدغٍ للحيا عنقودا
وكأنَّما ألفاظه أضحت على جيد المسامع جوهرًا منضودا
رشأ رجوت وصاله فأحاله بنفاره دون الرَّجاء صدودا
لو جاد لي بالقرب منه ساعةّ لأعاد حظِّي كاسمه مسعودا
[ ٥ / ١٦٦ ]
وقال بديهًا: [من مخلَّع البسيط]
بدا بوجه علاه فرع كالبدر من فوقه غمامه
في خدِّه للنِّدى تراه لوث دمٍ يوجب القسامه
وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]
بعظيم قدرك واقتدارك وصميم مجدك وافتخارك
وبحقِّ نعمتك الَّتي غمت كثيرًا من بحارك
وبما تؤمِّل في الأما جد من فروعك بل ثمارك
وبحرمة الخدم القديـ ـمة حيث كادت في جوارك
أنظر إلى العبد الضَّعيـ ـف بعين خيرك واختيارك
وامنن عليه بما يعو د لذي الغنى فيه مشارك
لا زال جودك مرشدًا ابدًا إلى نهي المدارك
وقال أيضًا مهينيًا بالصوم من قصيدة: [من الطويل]
صل الشَّهر بالصَّوم المجدَّد والفطر وعدِّده اعوامًا إلى منتهى العمر
وكن واحدًا في اهله مثل ما غدت وحيدة الف مثله ليلة القدر
وشنَّفه بالدِّين الَّذي أنت تاجه وشرِّفه بالذكرّ الذي منك في الخير
وأودعه ما أودعته من محاسنٍ تبسَّم منها جوهر الحمد عن ثغر
لك الله من مولى تهنَّى بكونه شهير الـ ـمعالي كلَّ يوم من الشَّهر
وزير حبا دست الوزارة قوَّةً فقام بأزرٍ لا يميل إلى وزر
وناء بعبء الملك فعلًا ونيَّةً وباهى بحسن القول في النَّهي والأمر
وساس أمور النَّاس حتَّى تواقفوا على شكر ما أولى آل بني شكر
فتى فات أهل الفضل سبقًا فمن سعى ليدركه مرَّت مساعيه في خسر
عليم بأقسام العلوم وانَّها بلا حصر قد قيِّدت منه في حصر
دري بغايات اللُّغات محدَّث بما هو مبديه من النّظم والنَّثر
له قلم يستخرج القول جوهرًا وينظمه في الطِّرس من لجَّة الفكر
وراحة جودٍ تنشئ المزن دائمًا وليس لها إلَّا المواهب من قطر
[ ٥ / ١٦٧ ]
إذا أمَّه رأجٍ رأى البرَّ رابحًا وبشَّره قبل النَّدى بارق البشر
عليه يمين لا ونى بيمينه ويسراه عن لاتٍ تسرُّ وعن يسر
[٦٤٥]
محمد بن أبي الحسن بن يمن بن عليِّ بن أحمد بن محمد بن عثمان بن عبد الحميد الأنصاريّ.
هكذا أملى عليّ هذا النسب والده، وذكر لي أنَّ أصلهم من مدينة النبي ﷺ وأنَّهم من أولاد سهل بن حنيف الأنصاري.
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الأردخل، والأردخل هو البناء عند أهل الموصل.
خرج عن الموصل سنة ثلاث عشرة وستمائة، وقدم ميافارقين، واتصل بخدمة الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل سيف الدين ابي بكر صاحبها، وصار أحد ندمائه، وملازمي حضرته وشعرائه؛ ولم يزل مغتبطًا في جملته، معدودًا عنده من خاصته، إلى أن توفي في تاسع شوال سنة ثماني وعشرين وستمائة بميافارقين، وكان عمره يومئذ إحدى وخمسين سنة.
وهو شاعر حاذق ذو نظر في الكلام، خارق متقن لألفاظه ومعانيه، لا يماثله أحد في قوله ولا يدانيه؛ أشعر أبناء زمانه على الإطلاق، وأحسنهم طريقة في الشعر بالاتفاق.
وكان جسورًا على الهجاء، مقدامًا ذا عصبية لأصدقائه ومعارفه، وكان من قوة القلب والإقدام على المهاترات والمخاصمات ما لا مزيد عن ذلك، وربما عجز عنه غيره من أشد الناس.
[ ٥ / ١٦٨ ]
أنشدني الشيخ أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن أحمد الأديب النحوي الموصلي؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن الأردخل لنفسه، يمدح الإمام أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبا العباس أحمد –رضوان الله عليه-: [من الطويل]
شكوت هوى من زخرفت لي وعوده إلى البان حتَّى دقَّ عظمي وعوده
غزال كثرت الرَّمل من غزلي به مزرَّد خدّ في فؤادي زروده
يقوم بحبِّي للقضيب قوامه ومبعث وجدي للغزالة جيده
لثمت محيَّاه فجار لثامه وعاودته ضمًا فغارت نهوده
وكم وقفة فضَّ البكاء له دمي بها فتساوت أدمعي وعقوده
سقى ثمَّ حيًا عهده واكف الحيا فأجدر ما يسقي العهاد عهوده
ليالي كادت من مصافحة الصَّبا تبلَّل بالطَّلِّ البرود بروده
ومنها:
وهاجرة من هجره حرُّ نارها لدى الشَّوق قود اليعملات وقوده
صحبت بها حدَّي حسامٍ [كأنّه] إذا قلت ينضى من لساني حديده
أتيت ولي آراء عزم تقوم بي على قدمي خطّ طويل قعوده
وكيف ينام اللَّيل صاحب همَّة يريد من الأيَّام ما لا تريده
ولا الدهر لا يستطيع إعدام معدمٍ وجود أمير المؤمنين وجوده
مليك إذا ظلَّت تعوّذ بأسمه قوابل حيِّ نال عيسى وليده
وإن سار في جيش العدا ذكر بأسه غدت صيد عقبان المنيَّة صيده
تناهى فلا عين الكمال تروعه بنقص ولا مدح البليغ يزيده
لئن كان موسى فخر هارون معجزًا فهارونه عزُّ الفخار ورشده
لقد وسع الأقطار كرسيُّ ملكه محيطًا ولكن حفظها لا يؤوده
وسارت له فوق الورى بيت رحمةٍ يقوم على كلِّ الأنام عموده
وليس بقاض بعض حقِّ مديحه سوى شاعر أمُّ الكتاب قصيده
فيا ربعه المحجوج إنَّ رجاءنا لصائم دهرٍ يوم قصدك عيده
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن العباس الموصليُّ؛ قال: أنشدني محمد بن
[ ٥ / ١٦٩ ]
الأردخل لنفسه، يمدح مولانا المالك الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، شرف الملوك والسلاطين، نصير أمير المؤمنين_أعلي الله شأنه وأوضع برهانه_: [من المنسرح]
لله نفس بكم أسوّفها تقضي وما ينقضي تأسُّفها
وذات عرفت منكم تجلّدت للَّاحي فأنكرتها وأعرفها
وقفت فيها وآي أرسمها ممحوّة بالمحول أحرفها
مكفكفًا عبرتي وودِّي أن أبكي عليها ولا أكفكفها
ماذا علي الرّكب من إراقتها هل هي إلّا بلوي أخفِّفها
وكيف أمسوا لا بل أصبحّ وبيّ ألمي مريض الجفون أوطفها
لم أدر حتَّى تقسَّمتني ظبا عينيه أنَّ الفتور يزهقها
عهدي به والحمام فاعله في الشَّب فعل الشَّراب هيفها
في دوحة منذ بان تنجزها الوعد جفوني والمزن تخلفها
فضّي جسمٍ تكسوه أكؤسنا أثواب تبر من حيث يرشفها
فالرّاح شمس ووجهه قمر يكسب من نورها ويكسفها
وقد أجوب الفلا بخرف تق ود اللحظ وخدا ولا يكيّفها
كأنّها من غواة عبقر وال جوّ بشهب الهجيرة يقذفها
تكاد من خفّة بها تطأ الـ ـعين مرارًا وليس تطرفها
فسهلة تارة ومحزنة وليس إلّا إليك يصرفها
لا زلت بدرًا للدين ما استبق الـ ـبيت بأولى الركاب موجفها
من غمّة بالعطاء وتحيي ومن غمّاء بالمشرفيّ تكشفها
حكمت حتى للشاة في الأسد واستدرجت حتّى ارعوي تغطرفها
وقمت في أنفس الطّغاة مقا م الموت لا تستفيق تتلفها
في كل يوم يلفي حماك إلي حيّاتهم حياةً تلقّفها
فلا سيوف ولا تثلّمها ولا رماح ولا تقصّفها
[ ٥ / ١٧٠ ]
تشكو أليك الدنيا وقد شرقت بالظلم أقطارها فتنصفها
بكل بيضاء مرّها يرضخ الصّخر ومر الصّبا يهفهفها
ما وقفت للقضاء في ملأ إلا ومشي الجبال موقفها
معاقل رضتها فراحت تلقَّي الأمن من أوجه تخوّفها
حتّى غدت والغنيّ افقرها تواضعًا والقويّ أضعفها
إن يدع جود فأنت خاتمها أو يدع حلم فأنت أحنفها
أفكرت في المال والمعالي فأقبلت بتفريقه تولّفها
أدعوك يا خير شأنه الإفصاح عما يثير مصحفها
إذ ليس لي في القريض من فطرة تأتيه من حيث لا أكلّفها
لكنّني ذو بضاعة منه مزجاة بري عيرها تعفّفها
أأطلب الكيل من سواك وكل الأرض مصر وأنت يوسفها
ميتة نفس تقضي إلي شرفٍ خير مني النفس ما يشرفها
وأنشدني سليمان بن مليان الصائغ الإربلي؛ يمدح السلطان الملك الأشرف شاه آرمن موسي بن أبي بكر بن أيوب بن شاذي، وقد مر نسرا ببندقة: [من الكامل]
لو زارني فأضم ما ضم القبا منه وألثم أقحوانًا أشنبا
قمر يريك من الأسنّة أنجمًا سيارةً ومن العجاجة غيهبا
ميال مركبه فهل راح الّصبا تعتاده فيميل أم ريح الصّبا
فأعجب له يقني الصوارم والقنا وقوامه ولحاظه أمضي شبا
ويصدّها عند الصّيال مخالبًا ومتي رأى الرّائي لظبي مخلبا
لبس الحديد علي الخرير وجال في زي الفتاة موشّحا ومنقّبا
لا يستفيق إذا تلمّح أسكرت ألحاظه وإذا تكلّم أطربا
بين الفوارس فوق أجرد ضامرٍ ضمر الهلاك ودهره مرعي الظّبا
فكأنّه من تحت فاضل درعه ريح ترفّع عن سحاب هيدبًا
أرقي لبرقي وعده ووعيده لو كان شرّهما علي الخلّبا
وتألمّي لمعنبر من صدغه لما تمكّن من حشاي تعقربا
أكذا يسيل الدّمع كلّ مسلسلٍ أضحي إلي حبّ القلوب محبّبا
[ ٥ / ١٧١ ]
لا بل إمارات تغر أخا الهوى ففيفي لغدّار مذنبا
يا قاتل الله الخليّ فلم يزل فيه رقيبًا أو عذولًا مطنبا
أضحي يعيّر بالخمول مشمخرًا لم يبق في عصب المطالب مضربًا
وأنا الّذي جدلت رحب فجاجة مستدركًا نار الحديد وأرحبا
من حيث لا يجد الهوي إلا امرؤ لم يتّخذ [عن] شاه أرمن مذهبا
لله أنت ممدّح ألف النهي إلف الرضاع فما أبرّ وأنجبا
وجه كلمع البرق بل أسني حيًا ويد كصوب المزن بل أندى حبا
أغنيت عن قصد الوري من لم يرد إلا وكان الخالع المتعصّبا
وركبت كلّ محجّة بكر الندي تأبى لفرط شماسها أن تركبا
كالنّسر لما خرّ وهو مقارب في فلك الخيبة كوكبا
ولقد وطئت خلاط وطأة خالط بالطّعن أعظم سوقها والأكعبا
في كلّ عاديّ الصّدام لو التقي حبلًا لمرّ به أخف من الهبا
ترك الغبار لكلّ نقع بجائد بالصبح ليلًا والمعذّر أشيبا
أدعوك دعوة ذي طوى لم يرع مذ هدرت شقاشقه مكانًا معشبا
هذا وكم سامي الذّرى خلّفته نضوًا يحمل الشوق نحوك متعبا
عهدي به وكأنما ليلاته يطلين بالقطران منه أجربا
واليوم لم يلق الشتاء لرأسه رأسًا يشيبه فشّيب منكبا
وأنشدني محمد بن علي النيليّ؛ قال: أنشدتي محمد بن الأردخل لنفسه: [من الكامل]
ألق اليراع فدون من يهوي الفتي وادي المنّية بين نفسك والمني
لا تطمعنّ القلب منك بعالج ورد الحميم ولا ورود المنحنى
ودع التعرّض بالدّيار فربما كان الفنا المحتوم من دون الفنا
عن يسرة الحدباء مل يا صاحبي بالعيس واجتنب المحلّ الأيمنا
فهناك من لولاه ما كان الهوى للناس بل لولاي ما هلق الضني
ظبي تخاف الأسد من سطواته قمر يعير البدر في التّمِّ السَّني
لو هدد الله الغصاة بهجره قبل ارتكاب الفخش ما عرف الخنى
[ ٥ / ١٧٢ ]
مر التّماطل والعواذل والجفا حلو الشّمائل والمراشف والجني
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
قومي أنظري من امير الخسن في البلد الظّبي والبدر فوق الغصن والأسد
ولا تفوهي بثأري إن قتلت فما يا هذه لقتيل الحبّ من قود
هذا الذي عند بعثي من دعا جدثي به يردّ الإله الروح في جسدي
يا أعدل الناس قدًا وهو أحورهم ها قد أتيتك مظلومًا فخذ بيدي
وأنشدني الشيخ الأديب أبو عبد الله بن الخبّاز النحوي؛ قال: حدثني محمد بن الأردخل أنه جلس في مجمع ينشد قصيدة في أبي اليمن نجاح الشرابي الناصري أولها: [من المتقارب]
أرقت لبرق بتيماء لاحا كأنّ علي الجوّ منه صفاخا
فمرّ عليه مودود بن صباح الشاعر، فاستوقفه وقد فرغ من القصيدة؛ فقال له: ما تريد؟ فقال: نسمع تمامها؛ فارتجل هذه الأبيات، وأنشد [من المتقارب]
وقافية كبغيّ ألمّ بها مدّع فبغاها سفاحا
وما زال يكذب حتّى دعوه مسيلمةً ودعوها سجاحا
وذلك مودود أعني العتل نجل الزّنيمة أعني صباحا
فلما سمع الأبيات سبه وانصرف.
وأنشدتي أيضًا؛ قال: أنشدني ابن الأردخل لنفسه، وكان واقفًا بباب أسد الدين ، فلم يجد إليه طريقًا، فأقبل بعض أصحابه بشمعة فأخذها، ونقش عليها قوله: [من الكامل]
قبلت شفاعة شمعة تفنى فما ظنّ الأمير بشمعة لا تنطفي
صقلت معانيها البلاغة فارتوت منها كصقل القين المشرفي
وأنشدني أيضًا؛ قال: أنشدني له من مبدأ قصيدة: [من الكامل]
سل وجهه البدريّ عن كماله في مقلتي العبرى وقلبي الواله
أو فأثن عنّي قوس حاحبه فلي كبد أمام النزع من نبّاله
ألمي رشيق القد أرجو الريّ من معسوله وأخاف من عسّاله
[ ٥ / ١٧٣ ]
أعريت شجوًا اربعه فالبان في سكراته والورق في أغلاله
وحملت مثل الردف منه غيرة لما رأيت الهصر خلف هزاله
لله قلبي كيف خانرة الهوي أذلاله جلد على إذلاله
قد شفني طلب الشفاء وملبسي ثوب البلي من لا أمرّ بباله
ومن العجب أنني بصدودع أشقي وغيري ناعم بوصاله
قم فأستعر لي من خليّ رقدة فهي الوسيلة نحو طيف خياله
لم أنس سكري حين أمسي ساقيًا وجفونه تغنيه عن جرياله
ومقالتي والكأس منه منوطة بيمين ظبي مهجتي بشماله
يا مرسل التفتير رائد لحظه ودليل قطع السّيف لمع دباله
عطفًا علي عانٍ دعوت همومه فأقمتها وقعدت عن آماله
قلق الضاجع لو لقيت أقل ما يلقي لما استحسنت سيّئ حاله
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه، يهجو ابن صباح الشاعر: [من الكلمل]
لو لم يجنّ علي خلالك كلّها ليل الغبأ لم تدع بابن صباح
إذهب فقد وضعتك من خيث اشتهت ما منك ما يرحي لغير نطاح
وأنشدني أحمد بن عبد الرحمن القزويني؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن أبي الخسن لنفسه: [من الطويل]
سألت مناجاة الوزير ورؤية المحلّ الذي من ساكنيه المقادير
فلمّا أميط الشر عن نور وجهه صعقت كموسي دكّ من تحته الطّور
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضًا من شعره: [من مجزوء الخفيف]
لك في الدّمع راحة فانتهز فرصة البكا
وأدر [ها] إنَّ المشو ق لو مات وجدًا لاشتكا
وأنشدني؛ قال أنشدني لنفسه: [من الطويل]
أقول وقد قالوا: نراك مقطبًا إذا ما أدعي دين الهوى غير أهله
يحق لدود القّز يقتل نفسه إذا جاء بيت العنكبوت بنثله
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضا قوله: [من البسيط]
[ ٥ / ١٧٤ ]
خلقت للشر لا للخير تفعله طبعًا وتسلك فيه كلّ منهاج
كأنّك الحجر الصمّاء أرسلها بعض المجانيق في دكان زجّاج
وأنشدني؛ قال: أنشدني محمد له من قصيدة: [من الكامل]
قوم إذا سلّوا الصّوارم في الوغي كانت قمام البيض من أغمادها
رمقوا قباب النازلين بأعمد ممّا تقصّف في صدور جيادها
[٦٤٦]
محمد بن أبي بكر بن عمر بن منصور، أبو عبد الله الأمويّ الباملّيُّ.
وباملّي قرية من قري ميّافارقين.
كان شابًا فاضلًا بارعًا، قرأ القرآن، وسمع الحديث من جماعة من المتأخرين، وتأدّب علي رافع بن رفاعة النحوي الخصّاوي.
أنبأني عبد الرحمن بن عمر بن شحاتة الحرّاني؛ قال: أنشدتي محمد بن أبي بكر بن عمر لنفسع، بشاقرد من نواحي إربل، يضّمن: [من البسيط]
(الصبر لا شكّ محمود عواقبه)
فقال أبو عبد الله: [من البسيط]
لما استقلّوا علي الأكوار وارتحلوا عن العذيب ونحو المنحني قفلوا
وخلّفوني علي الأطلال أندبها والدّمع من مقلتي يا صاح منهمر
تزايدت زفراتي بعد بعدهم وعزّ صبري وقد ضاقت بي الحيل
طفقت أنشد في آثارهم أسفًا بيتًا من الشّعر أغراني به الأمل:
(الصبر لا شكّ محمود عواقبه لكنّني خائف أن يسبق الأجل)
[ ٥ / ١٧٥ ]
[٦٤٧]
محمد بن عليّ بن محمد، أبو عبد الله النعمانيّ، المعروف بابن الأستاذ.
والنعمانيّة من نواحي بغداد.
شيخ بلده في الأدب والشعر، يقرأ عليه ىمدح الإمام أمير المؤمنين المستضيء بالله، والناصر لدين الله، ومن بعدهما من الخلفاء –صلوات الله عليهم-؛ له شعر مليح عذب الألفاظ، وموشحات مستحسنة.
أنشدني أبو زكريا يحي بن المظفر الواعظ الصابوني الواسطي؛ قال: أنشدني أبو عبد الله بن الأستاذ لنفسه: [من الرجز]
بين قباب المنحنى فالحاجر تسبي العقول مقل الجاذر
وفي الحمى مرابع تخبر عن دعص مهيل وقضيب ناضر
أقول لما إن برزن للسرى وهتكّت سجائف السّتائر
يا للقنا من هز أعطاف النّقا يا للظّبا من ظبيات عامر
ثم يراق دم أبناء الهوى ويصبح الوافي أسير الغادر
يا حادي الأظعان لا ذقت الوجى ولا عرتك روعة من ذاعر
خذ يمنة الجرعاء من كاظمة واستهدها نصيحةً من خابر
فإن ربات الخدور بالحمى فاتكه بكل ليثٍ خادر
[٦٤٨]
محمد بن حميرٍ قرّيّ.
هو من نهر قرّة من أعمال البصرة
[ ٥ / ١٧٦ ]
أنشدني أحمد بن داود المذاري؛ قال: أنشدني محمد بن حمير لنفسه: [من الرمل]
أيّ صبر بعد أن بان القطين وسلوّ لأخي القلب الحزين
طال ليلي ساهرًا منفردًا أرقب النّجم ومالي من معين
أتبع الزفرة أخرى بعدها وكذا أتلو حنينًا بأنين
لم يدع لي البين إلّا أدمعًا وعظامًا من نحول ما تبين
وضلوعًا مذ نأى أهل الحمى طويت منهم على الدّاء الدّفين
[٦٤٩]
محمد بن علوان بن مهاجر بن عليّ بن مهاجرٍ، أبو المظفر بن أبي المشرّف، الفقيه الشافعيّ المدرس.
كانت ولادته، فيما أخبرني القاضي ولده أبو الفضل عبد الكريم، سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وتوفي ثالث المحرم سنة خمس عشرة وستمائة –رحمه الله تعالى-.
سمع الحديث علي أبي أحمد عبد الوهاب بن علي بن علي الصوفي البغدادي، وأبي الفرج يحي بن محمود بن أسعد الثقفي الأصفهاني وغيرهما، ويفقه على الإمام الزاهد أبي أحمد عبد الله بن الحسن بن المثنى المعروف بابن الحداد؛ ثم على أبي البركات عبد الله بن الخضر بن محمد بن الحسن بن الشيرجي، وأبي الحجاج يوسف بن محمد مقلد التنوخي الدمشقي.
وكان رئيس أصحاب الشافعي في وقته، إمامًا في الفقه والخلاف، وله كتب مصنفة في الخلاف والفقه.
[ ٥ / ١٧٧ ]
وكان دينًا صالحًا خيرًّا، كثير الذكر لله تعالى، حجّ وجاور بمكّة، وكان ناقص الحظّ في علم العربية والأدب، قد فطره الله على ذلك، وله أشعار ساقطة غير مستقيمة الأوزان، لا يوجد فيها معنى البتة.
أنشدني القاضي ولده المذكور، قال: أنشدني والدي لنفسه يصف القلم:
[من الوافر]
ثلاثة أحرف نطمت فدلّت على معنى به نظم المعاني
وقد نظمت على عكس فدلّت على معنى يعين على الزمان
وله أشعار كثيرة على هذا النمط، خالية من المعاني، وربما هذا الذي ذكرته وأوردته هو أصلح شعره.
[٦٥٠]
محمد بن عبد القادر بن ناصر بن الخضر بن عليّ، أبو المظفر الأنصاريّ الدّمشقيّ.
تفقه وتأدّب، وقال شعرًا حسنًا، وصحب الملك الناصر صلاح الدين داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب بإربل، قبل خروجه منها، وسار معه إلى دمشق في حياة أبيه الملك المعظم عيسى.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عمر الإربلي؛ قال: أنشدني أبو المظفر محمد بن عبد القادر نفسه، في غلام اسمه عسكر: [من السريع]
وأسمر يخجل من لحظه وقده الأبيض والأسمرا
قال: ألقني إن كنت لي عاشقًا وكيف يلقى واحد عسكرا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من السريع]
أيام هجرانكم أشهر والوجد من أن يختفي أشهر
عودوا وعودوا مستهامًا به منذ هجرتم مرض مخطر
[ ٥ / ١٧٨ ]
يغار أن يشكو إلى غيركم بلا بلًا أنتم به أخبر
ومن بنى الأتراك بي فاتر الا لحاظ عن هجري لا يفتر
قام يجر الرمح مع قده فما درى أيّهما الأسمر
ريقته الكوثر ألحاظه تنحر شانيه وهو الأبتر
[٦٥١]
محمد بن منصور بن جميل بن شدّاد بن محفوظ بن حمضيّ، أبو عبد الله بن أبي العزّ الهيتي الكاتب.
هكذا نسبه لي بعض بني عمّه بمدينة السلام.
وكان مولده بقرية تعرف بجبا من نواحي هيت، سنة سبعة وستين وخمسمائة، وقدم بغداد صبيًا، وقرأ القرآن، وسمع الحديث على جماعة، وتأدّب على أبي الخير مصدّق بن شبيب بن الحسين النحوي الواسطي.
وفهم الفرائض والحساب ونظم شعرًا كثيرًا، وامتدح الإمام الناصر لدين الله –﵁- بعدة قصائد، وكان يوردها في المواسم والهنات، وخدم في أشغال الديوان الناصري، ونظر في ديوان التركات الحشرية، وتولى كتابة المخزن المعمور. ثم يتلو القرآن العزيز، ويدرس العلم، ويحافظ على الصلوات؛ إلى أن توفى يوم السبت النصف من شعبان سنة ست عشرة وستمائة ببغداد، ودفن بجانبها الغربي بمقابر قريش –رحمه الله تعالى-.
وكان ذكيًا متصرفًا في الكلام شاعرًا مترسلًا، مقتدرًا حسن البلاغة في الإنشاء، ذا كتابة مرضية، وأشعار متقنة، وكان يبتدئ بإنشاء الرسالة من آخرها إلى أولها، وذلك بقوة قريحته، واقتداره على الترسّل.
[ ٥ / ١٧٩ ]
أنشدني الشريف أبو علي المظفر بن الفضل الحسيني الموصلي الشاعر؛ قال: أنشدني أبو عبد الله بن جميل لنفسه، من قصيدة يمدح بها الناصر لدين الله –رضوان الله عليه: [من الكامل]
يا ابن الصفا والمروتين ومن له معنى الرشيد وصورة المسترشد
لك من أبيك المستضيء مراحم وعزائم من جدك المستنجد
وأنشدني أيضًا؛ قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
إن الكتائب في يوم النزال لها في السلم من كتب الشهم الأبي أب
فأسمر الخط موصول له نسب بأسمر الخط إذ يحويهما الغضب
قد شاب رأسأهمأ عزمًا فلونهما بالخطر طورًا وبالحناء يختضب
وحدثني أيضًا من لفظه وحفظه، أبياتًا يتشوقه فيها، وكان بتكريت، ثم كتب إليه عقيب مكاتبته أخي هذه الأبيات من جملة صدر كتاب: [من البسيط]
بني جميل لقد جملتم زمنًا موسومة بكم فينا مواسمه
أحرزتم المجد موروثًا ومكتسبًا فالمجد معلم فينا معالمع
هشنا إليه وقد طار العدو فلم تلحق بأقدامكم منه قوادمه
قال: فكتب إلينا الجواب في موضع واحد: [من البسيط]
هبت عليّ نسيم من قريضكما كأنها الند في لطف وفي أرج
للخالدين منها حين أنشدها من الحياء محيا غير مبتهج
كأنما صغتماها من صفاتكما أو من صفاتكما في الرحب والحرج
أو من خلائق من تغنى خلائقه وناظماها له سر من الحجج
وهذه شاهد عدل بأنكما فوق الرضيين في درج وفي درج
وأنشدني العدل أبو البركات علي بن عبد الله الموصلي؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن جميل لنفسه يصف سيفًا وصنعهما بديهة: [من البسيط]
وصارم فيه ما لو [قد] ألم به نوح على فلكه لم يأمن الغرقا
[ ٥ / ١٨٠ ]
وبين أمواجه نار مسعرة لو كان فيها خليل الله لاحترقا
وقال في صفة السيف والقلم: [من الطويل]
يراع إذا أبكيته ضحك العلا وعضب إذا أضحكته بكت العدا
فشيمة ذا إن يعتدي فط رأسه وشيمة هذا قطف رأس إذا اعتدى
ومن لطيف قوله يصف الخمر [من الكامل]
قم فأجلها يا فرحة الندماء عذراء ترقص في يدي عذراء
كرمية الآباء إلا أنها كرمية الأصهار والأبناء
عقد الشعاع لها لواء فوقها فسرت علينا وهي تحت لواء
ومنها قوله:
وأشرب فقد وهب الزمان لأهله صوتًا وصيتًا من غنى وغناء
وحدثني الشيخ فصيح الدين قال: كتبت بهذه الأبيات إلى مجد الدين محمد بن جميل –صاحب المخزن المعمور- في أيام الناصر لدين الله، وذلك في سنة ست وستمائة: [من البسيط]
يا من وجوههم في لحظ أعيننا أحلى وأشهى لنا من لذة الغمض
أمر تمونا بأنا لا نزوركم وقد سمعنا وأغضينا على مضض
وقد عرانا لبعض عنكم مرض براكم برءنا من ذلك المرض
وأنتم بكم من غيرنا عوض وما لنا عنكم والله من عوض
فكتب إلى جوابها نظمًا ونثرًا:
«تأملت لمعته الناطقة، ولمعته الصادقة، فرأيت معناها مخالفًا لمسماها، إذ المكاتبة تؤذن بعتق الأرقاء من الأنصار، وهذه مؤذنة بتعجيل استرقاق الأحرار، فأما الشوق، فقد شب عمرو عن الطوق:
[من البسيط]
وكيف يسكن ذو شوق يسامره إلى بديل عن الأحباب أو عوض
ولا يجوز لمن فازت أنامله بالجوهر الفرض أن يصبو إلى عرض
[ ٥ / ١٨١ ]
/١٣٤ ب/فالله يمتع بمودته، ويفسح في مدته».
وقال أيضًا: [من الكامل]
إن حال دونك أسمر وسمير فدما الظبى لدمى الظباء مهور
يا هند في أجفان لحظك فترة الجفن هندي يكون فتور
أبليتني بقنا الأشم وطوله وقنا المشيم أتم وهو قصير
أسد يغار على محاسن ظبيه فيها نفار وهو فيه نفور
بيضاء مذهبة الشباب يزينها وجه تحار إذا رأيته الحور
ويهز عطفيها الصبا ويد الصبا فيميلها المدود والمقصور
تفتر ضاحكة وأندب باكيًا فلها بحزي غبطة وسرور
دران إلا أن داك منضد عذب وهذا مالح منثور
وقال أيضا يمدح: [من الكامل]
يا خير من مدت إليه يد وسعت إلى أبوابه قدم
يا من على أبوابه أبدا عصب من الآمال تزدحم
يا من إذا ذكرت مواهبه فالكون لفظ والأنام فم
أيجوز أن أظمأ وبحرك لي ورد وبعض صفاتك الكرم
فتولني بالبر أنت فما في الناس لا كعب ولا هرم
والأرض لا يشفى لها ظمأ إلا إذا ما جادت الديم
وقال أيضًا: [من البسيط]
أفعال هجرك يا أسماء لازمة وضرها متعد غير منصرف
هجرت فاعتل جسمي بعد صحته من غير واو ولا باء ولا ألف
[ ٥ / ١٨٢ ]
[٦٥٢]
محمد بن إسماعيل بن علي، أبو عبد الله الحصفكيّ.
وهو من حصن كيفا لامولدًا ومنشأ.
وكان من أصحاب أبي الحرم مكي بن ريان النحوي، وعليه اشتغل بالأدب والنحو بالموصل.
وكان فقيهًا حنفيًا شاعرًا، سكن ماردين، وتولى إعادة الدروس بالمدرسة الفخرية، ظاهر المدينة.
أنشدني الأمير أبو حفص عمر بن أسعد الموصلي؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن إسماعيل في شهر ذي الحجة سنة خمس وعشرين وستمائة لنفسه، قال: نظمها بالموصل أيام الصبا: [من البسيط]
أهاج شوقك رسم دارس خالي من زينب وسعاد مقفر خالي
وقفت أسأله يومًا وليس به إلا الأثافي وهل يفقهن تسالي
وكيف تفقه دار ما بها أحد إلا مرابع آرام وآجال
تبدلت ولبئس الفعل ما فعلت من الأنيس بأسراب من الرال
أين الذين عهدنا قبل من مضر من كل ناعمة الأطراف مكسال
كأن ظلم ثناياها لراشفها ماء الغمامة ممزوجًا بجريال
وحولها من قنا أعامامها أجم من كل أسمر خطي وعسال
ومرهف ذي شبا كالملح رونقه ولاحق مشرف الأقطار صهال
وفتية من كماة العرب حامية عن الحقيقة بسامين أبطال
لا يرهبون من الموت الذعاف ولا يصدهم عن مراد خوف آجال
[ ٥ / ١٨٣ ]
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
إن عندي من الملام لشغلا فذر اللوم صاحبي والعذلا
كيف يصغي إلى الملام محب سلبوه يوم الرحيل العقلا
خلفوه في الدار يندب ربعا ليس فيه بعد الأحبة أهلا
ذو قذال قد شج من ألم الضر ب وقد قلدوه مع ذاك حبلا
شاحب اللون في الديار مقيم أشعث بعد بينهم لن يفلا
وأثاف كأنهن حمام طليت من مواقع النار كحلا
أين سكانك الذين عهدنا قبل بادتهم زمانا تولى
كل خمصانة أرق من الخمـ ر بريق من المدامة أحلى
ذات فرع تريك منه دجى الليـ ل وطرف تريش منه النبلا
حولها من بني العشيرة صيد خادرات لا يرهبون القتلا
لو يروم الكمي يرفع طرفا نحوها أتحفوه في الحال نصلا
وأنشدني أيضًا؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]
صحا قلبه مما يجن من الوجد وباع التصابي والغواية بالرشد
وأعرض عن ذكر العقيق وأهله ولم يشجه أطلال هند ولا دعد
ولا شام برقا لاح في الأفق لامعًا ولو أن مسراه من العلم الفرد
ولم يتصدى للجنوب مسائلًا أهل حملت نشر الخزامى أم الرند
ولم يسأل الركبان هل أعشب الحمى وهل مطرت تلك الخمائل من بعد
ألست ترى وخط المشيب بفوده كفاه به من واعظ زاجر مهدي
أيجمل بالحر اللبيب وعقله سلوك سبيل الغي والباطل المردي
وقد جاءه من غير شك وريبة رسول التقاضي بالمسير إلى اللّحد
[٦٥٣]
محمد بن عليّ بن أحمد، أبو الفضل البلخيّ.
كان من أهل الأدب والفضل له شعر.
أنشدني الشريف أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين البلخي الحسيني؛ قال:
[ ٥ / ١٨٤ ]
أنشدني محمد بن علي من شعره: [من الكامل]
ميدان وصلك فيه كيف أسير؟ والجسم في حبس الفراق أسير
فعقاب عقلي في عقاب هوائكم مقصوص أجنحة فكيف يطير
وجواد فكري في خيال خيالكم ألقى النعال فما يكاد يسير
[٦٥٤]
محمد بن عمّار القصريّ الحديثيّ.
هو من موضع يعرف بالقصير من نواحي الحديثة، يقارب هيت.
لم يكن يشعر من شأنه، إلا أنه كان ينظمه طبعًا، فتأتي معانيه صحيحة؛ أنشدني أبو فراس بن عبيد الله بن أبي فراس الهيتي؛ قال: أنشدني محمد بن عمار لنفسه:
[من البسيط]
يا ضيعة السعي لا أهل حصلت بهم ولا بحبل وداد منك أمتسك
فكنت كالصائد البحري فرط في طماعة الصيد لا نوم ولا سمك
[٦٥٥]
محمد بن محمد بن عبد المنعم بن مسكينٍ، أبو الفضل المصريّ.
كان أبوه من الشهود المعدلين بمصر، وكذلك جده وأسلافه من بيت الفصاحة والجلالة؛ وهو من أهل المعرفة والشعر، ومات في صفر سنة ثلاث وعشرين ةستمائة.
أنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي يزيد التبريزي؛ قال: أنشدني محمد بن محمد بن مسكين لنفسه، يمدح الناصر لدين الله –رضوان الله عليه-:
[من البسيط]
برد عليك الجوى من ريقك الشنب ففي رضابك معنى ليس في العنب
فليس يشفي سقامًا حل في بدني إلا برود بذاك الظلم والشنب
يا مانعي وصله والسقم ينحلني وما نحى هجره ظلمًا بلا سبب
وما بأجفانك المرضى الصحاخ وما يجن منك جناني حين يخطر بي
[ ٥ / ١٨٥ ]
/١٣٧ ب/إرحم خضوع فتى قامت قيامته عليك يا فضة فاقت على الذهب
وأنت يا قلب فاصبر في عناك به فالدهر يأتي بأمر غير محتسب
يا سائق العيس يحدوها على مضض من شدة الأين والإرقال والخبب
إن جئت أرض بلاد الشام حيي بها كثبان جوشن والسفحين من حلب
وقف بنهر قويق وابك روضته عني فماء جفوني غير منسكب
وأبلغ سلامي إلى قومي الذين نسوا ودي وخانوا عهودي وافدهم بابي
وقل لهم بادروا دار السلام إلى ظل الإمام تحوزوا غاية الطلب
تلقوا حياض رياض البر مترعة جودا فراجي نداه جد لم يخب
الناصر الأعظم الهادي الخليفة وهاب الألوف وحامي الجحفل اللجب
عمت صنائعه الدنيا وساكنها فنفسه لسوى الإحسان لم تطلب
قد طبق الأرض إحسانًا فنائله ال غمر الهني سرى في العجم والعرب
ليث إذا ما سطا دهر على بشر غيث إذا ضنت الأنواء بالسحب
وطول أقلامه أغنى وعزمته عن الطوال الردينيات والقضب
فلو رآها ابن أوس لم يقل خجلًا (السيف أصدق أنباء من الكتب)
جلت معاليه أن تحصى وتحصر في نظم من الشعر أو نثر من الخطب
جبريل خادمه والله حارسه من موبقات صروف الدهر والنوب
وحبه طاعة نلقى الإله بها نرجو النجاة بها من ربقة العطب
خليفة الله يا ظل الإله ومن كل الخلائق في إنعامه الخصب
ومن بأيامه الأيام طيبة قد دل من خوفه الضرغام للشبب
لا زال ملكك يا من لا شبيه له في المجد والفضل والإحسان والحسب
لا برحت طوال الدهر ممتطيًا مملكًا صهوات السبعة الشهب
ونقلت من خطه، شعره ما كتبه في صدر مكاتبة إلى الصاحب صفي الدين بن عبد الله بن عبد الله بن عبد الخالق بن شكر المصري –وزير السلطان الملك العادل-
[ ٥ / ١٨٦ ]
سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب –﵁-: [من البسيط]
يا عمدة الملك بل با عمدة الدول يا كعبة الفضل بل يا قبلة الأمل
قد أصبح الدهر يسعى سعي معتذر إليك يعثر في ثوب من الخجل
وبات من كان ذا ود لقربك في أمن ومن كان ذا حقد على وجل
والسعد ينشد من أضحى يحاوله لدي سواك بأسياف من الحيل
لا أبتغي بدلًا عما ظفرت به ولا أفارق باب الصاحب بن عليّ
[٦٥٦]
محمّد بن محمّد بن هبة الله بن إبراهيم بن شماس، أبو عبد الله الإربليّ، المعروف بالمرنديّ.
كان كاتبًا جميلًا، عنده ذكاء وفطنة، صاحب طبع في الحساب؛ أخذه عن القاضي أبي محمد جعفر بن محمد الكفر عزي، صرفه حب البطالة عن الأشغال؛ سافر إلى الديار المصرية سنة اثنتي عشرة وستمائة، واستخدم بها جنديًا.
أنشدني أبو الثناء محمود بن محمد الإربلي؛ قال: أنشدني المرندي لنفسه:
[من البسيط]
إن الذي كنت أرجوه لمعضلتي وأدعي أنه ذخر الملمات
فتشت عنه فما رد الذي حضرت من أسهل الأمر كيف المشكل الآتي؟
[٦٥٧]
محمّد بن محمّد بن أبي حرب بن عبد الصمد بن النرسيّ، أبو الحسن بن أبي الفرج الكاتب.
من أهل بغداد.
[ ٥ / ١٨٧ ]
كان ناظرًا على عقار الخليفة الخاص؛ وكان قد سمع الحديث الكثير بإفادة أبي أحمد البصري؛ من أبي أحمد محمد بن أحمد بن عبد الكريم بن المادح، وأبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان، ومن جماعة
وكان شيخًا فاضلًا دينًا، يقول الشعر، ويحفظ الحكايات والنوادر، إلا أنه كان سييء الطريقة، مذموم الأفعال في ولايته.
ولد في يوم الإثنين ثاني عشر في أحد الربيعين، سنة أربعة وأربعين وخمسمائة، وتوفي ليلة الثلاثاء التاسع عشر من جمادي الآخر سنة ست وعشرين وستمائة ببغداد، ودفن بالوردية؛ ومن شعره: [من البسيط]
ليت العواذل للعشاق ما خلقوا كم عذبوا بأليم اللوم مشتاقًا
أشجاه نوح حمامات فصاغ لها من أسود العين يوم البين أطواقا
وبات يرعى أحمر النجم يحسبه في الليل سقط زناد مس حراقا
والأزرق اللون كالكبريت ذي شعب أطرقن عند اقتباس منه إطراقًا
وله في امرأته يرثيها: [من الكامل]
لما تعذر أن أكون لها الفدى فتعيش [بعدي] أو نموت جميعا
اتبعتها حلل السواد فما بقي فسواد عيني قد أذيب دموعا
وأنشدني أبو العو مفضل بن علي بن عبد الواحد المصري؛ قال: أنشدني أبو الحسن ابن النرسي لنفسه، في الشيخ شهاب الدين أبي عبد الله عمر بن محمد السهروردي حين عاد من الحج: [من الكامل]
جددت في تلك المواقف وقفة سرت بها بالمأزمين قلوب
وتباشر الركن المقبل والصفا فرحًا كما يلقى المحب حبيب
فجزى الخليفة خير ما جزي امرؤ غصن الحياة بما يجود رطيب
منحتك همتك الشريفة قوة حملتك في سن القنى لا النيب
ليجاب منك بمكة رفع الدعا فيما يفوح بها الثنا ويطيب
[ ٥ / ١٨٨ ]
حادت مطاياك الغرائب في الثرى عجبًا وما الإنعام منه غريب
فاشكر له شكر المبالغ في الدعا والله في الإخلاص منك يجيب
ولقد أردت القرب منك فعاقني دون المرام موانع وخطوب
قسم الأحاظي من مصابي بالشقا منها فمالي في النعيم نصيب
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
إن كان ميثاق عهدي بالصريم وهي وحان من دونه يا مي أعذار
فهل حداة مطاياهم تخبرني أأنجدوا أم ترى من بعدنا غاروا
واحر قلباه مني يوم بينهم وإذا خلت لا خلت من أنسها الدار
فلا تثني قضيب البان بعدهم ولا تمتع من قرب الحمى جار
ولا صبا قلب ذي وجد بغانيه ولا تحرك في المزموم أوتار
حتى أبثهم الشكوى فتكنفنا دار بنجد عذّال وسمّار
[٦٥٨]
محمد بن محمود بن الحسن بن عليً بن محمد بن المنتجب بن أبان، أبو عيد الله الطائيً الإربليً المعروف بابن غميضا.
كان أحد شعراء الأندلس، ممن اشتهر بها، ذا طبع عمل الشعر، وقريحة حسنة في نظمه.
توفي بإربل يوم الأحد سادس عشر من رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن مكي بن عبد الملك الإربلي الصيرفي؛ قال: أنشدني عبد الله محمد بن غميضا لنفسه: [من الخفيف]
يا نديمي صرّفا بالشراب هم قلبي ولوعتي واكتئابي
وانهضا بي والصبح في غسق اللي ل ووجه الضياء تحت النقاب
واقصدا بي باب السرور لعلي استرد السرور مع اترابي
[ ٥ / ١٨٩ ]
واسقياني خمرًا تفعل في الكأس فعال القنديل في المحراب
بين ورد حكى السوالف في الحسـ ـن احمرارًا أو صبغة العناب
فإذا سكرت وأبصر تماني لا أطيق الحراك في أثوابي
وسداني في وسط دن كبير وارفعاني على رؤوس صحابي
ثم لا تقربا بشيء أمامي غير شعري إلى المعاني العذاب
إنه لا يصح شعر لراو دون تقديم لفظة المستطاب
مثلما لا تصلح طاعات عبد في صلاة بغير أم الكتاب
فإذا ما وصلتما عمكابًا ذ فحطا ببعض تلك الهضاب
ثم قولا من ذا يصلي على الشيـ ـخ صريع الكؤوس والأكواب
فإذا ما أتاكما كل شيخ يتولون سكره كالمصاب
قبلاتي وقلباني إلى الشر ق لكي تسخرا بأهل العذاب
جاعلين المسيح في قدم الدهر سبيلًا للواحد الوهاب
وهو سبحانه يجل عن الوصـ ـف بذكر الأولاد والأصحاب
فإذا ما لهجتما في صلاة ليس بعلو فويق عند الباب
فادفناني بين الرياحين والور د لدى من أحب من السرداب
أنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي؛ قال: أنشدني ابن غميضا لنفسه في غلام بخده خال: [من البسيط]
يا من يتيه دلالًا في غلائله ويحمل الغصن لينا في تمايله
أخذت حبة قلبي فاتخذت بها خالًا بخد أسيل في مخايله
كأن وجهك صمصام بصفحته أدنى ضدأ ليت كفي من صياقله
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني ابن غميضا لنفسه في صبي يرمي بالنشاب:
[من الكامل]
ومهفهف كالغصن قد مرامه والشمس عند طلوعها في حسنه
يرمي بقطعي لحظه وسهامه فكأن قلب جفيره في جفنه
[ ٥ / ١٩٠ ]
وأنشدني؛ قال: أنشدني في صبي يدعى «سلك» تركي: [من البسيط]
يا طاعن الطعنة السلكي بقامته والاسم مستخرج من ذاك يا سلك
من أجلك الترك تحلو لي شمائلهم وقد فليت البوادي أية سلكوا
دمي الذي حرسته كل غائرة شعواء عندك بالألحاظ ينسفك
وأنشدني أيضا؛ قال: أنشدني لنفسه: [من المتقارب]
غرير إذا رمت تسويفه أديرت على سقا ريقه
إذا رمت قبلًا دنا خده وإن رمت رشفًا سقا ريقه
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في معناه: [من المتقارب]
غرير إذا رمت تسويفه أحيدت على أباريقه
فإن رمت قبلًا أبى خده وإن رمت رشفًا أبى ريقه
ومن شعره ما كتبه إلى أولاد جلال الدين الوزير بن شماس، حين حبس والدهم –رحمه الله تعالى- متأسيًا لهم عند نكبتهم: [من الخفيف]
يا بني المكرمات يا معدن السؤدد والمجد يا بني شماس
لكم الله من أناس تعالوا بفخار على جميع الناس
وأقروا على الريا أساسًا ثابتًا في الفخار خير أساس
لا ترعكم نوائب الدهر بالسطـ ـوة فيكم فإنما الدهر قاسي
وتأسوا بآل أحمد عقلا وقياسًا مشابهًا للقياس
لكم السبق والمعاد إلى السبـ ق وأنتم منابت الأغراس
ستعودون ظاهرين بأمر نافذ خالصين من كل باس
وتظنون ما بكم من منام وترون اضطرابكم في نعاس
وتنادي هذا هو الغرض الأقـ ـصى هنيئًا في جملة الجلاس
وتكيدون كل من كاد بالطعـ ـن وترسون كالجبال الرواسي
لا تخافوا أذى من الدهر فالدهـ ـر مضر والله نعم النطاسي
[ ٥ / ١٩١ ]
وقال فيهم أيضًا: [من المنسرح]
يا سادة أرهف الزمان على رتبتهم سيفه وقد ندما
لا تيأسوا في الضيق من فرج لا تشتكوا من زمانكم ألمًا
فليس بين المكروب والفرج الـ ـعاجل إلا كبارق بسما
صبرًا على حكم حادث حكمت أسبابه في ديار من حكما
فأل طه لم يعد قسمهم عنهم ولم يبرحوا لنا قسما
لكم به أسوة وقدركم عال وإن كان دهركم دهما
سيرجع الدهر مبرمًا سببًا ويضرب النصر ضاربًا خيما
ويكتب الله من سلامتكم حظًا ويجري بذلك القلما
وقال أيضًا: [من البسيط]
هب النسيم فأجري نشر أهله فعاود القلب من رياه بلبال
سقيًا لأيامنا بالدار حين خلت من السواري رحيب الجيب هطال
ما كان أسبغ ما كنا على ثقة من الزمان وغض الوصل ميال
ما أم سقب أظلته بمقفرة زيزاء يرقص في معزائها الآل
لها حنين إذا ما بالعراء أدركت سقبها ثم إدبار وإقبال
يومًا بأوجع من قلبي إذا خطرت خواطر الذكر فيه والأطيفال
وقال أيضا: [من البسيط]
لأهملنك عن نفسي وإن تلفت شوقًا إليك وعن قلبي لو تلفا
حتى تعود من الهجران معتذرًا أو تنثني بالذي أنكرت معترفًا
وقوله أيضًا: [من البسيط]
إذا تغير من ترجى إقامته عن الجميل فكيف الظّن باللحّز
إذا الرياض تحامتها السوام فهل يرجى لها الخصب من ديمومة جرز
[ ٥ / ١٩٢ ]
إن دام هذا أين الفراق يوجد بيـ ـن والتبن والتبر ثم الدّر والحرز
وقال أيضًا: [من الطويل]
إذا كان المرء في ذات نفسه فليس له في العالمّين قبول
ومن كان لؤم الطّبع في ذات أصله وبالفسق يسمو دهره ويطول
فلا تعذلوني في ولعي يعرضه فما ذاك من يحنو عليه عذول
ولي خاطر بالمدح والذم نافذ بأفكاره في الخافقين يجول
[٦٥٩]
محمّد بن نصر بن عقيل، أبو عبد الله بن أبي المظفر القرظي الإربلي.
من بيت مشهور بفقه وعلم.
كان فقيهً شافعي المذهب، قرأ الأصولين والخلاف، وتميز في ذلك، وهو بيت عريق في العلم والدين، ودرّس الفقه بإربل في المدرسة العقلية نيابه عن والده.
ثم خرج عن إربل ونزل آمد، ودرس بها الفقه مشتملًا، وكان يحضر درسه جماعة من الفقهاء المعتبرين، برهة من الزمان، ثم سافر عنها إلى عّدة بلاد، وشخص إلى مصر ممتدحًا بجائزة.
ثم عاد وهو على حاله يقصد الملوك بالشعر، وتردد إلى الموصل، وشغل نفسه بقول الشعر من صباه، واستقرّ قراره بدمشق، فجذبه الملك الأشر ف إلى منادمته، فترك ماكن عليه من الاشغال بالفقه والتدريس، وملابس الفتيا، وبزيّ الجند، ولميمكنه الخروج عن ذلك الزيّ لتعليقه بخدمة السلطان، وصار من جملة
[ ٥ / ١٩٣ ]
ندمائه وجلساته.
وكان ظريفًا معاشرًا متأدبًا، له اعتناء بصنعة الدّوبيب، فاق بها كثيرا من الناس، وأشتهر عنه الكثير، وغنّى به القالون، وتوفي على تلك الحال- سامحه الله تعالى- بعد مرض سنتين.
وسمعت أنّهلما طعن في السّن، رجع الله تعالى، وقضى صلاته أربع عشرة سنة، وكانت وفاته يوم الثلاثاء أو الأربعاء الثامن من محرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفيه غربي المدينة- رحمه الله تعالى-.
أنشدني أبو الثناء محمود بن محمد بن الأنجب الإربلي، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه، وكتبها إلى من بغداد سنة تسع وتسعين وخمسماة، وأنشدها لأبس الدر الرومي فاستحسنها، وكان بجامع القصر، وقال: لولا أنّني بالجامع لرقصت منها عجبًا: [من الوافر]
وقّاتله رأت كلفي ووجدي بإربل قد يرى جسديّ وأبلى
فريعي عند من أهوىّ هواه أحب إلى من نهر المعلّى
وأطيب لي من الدّنيا جميعًا وأعذب من نهر المعلّلى
وأنزه رقعة من نهر عيسى وأشرف بقعةّ عندي وأغلى
بها رشا عليه الحسن وقف يفوق النّيرين إذا تجلّى
بجفنيه جفون ماضيات بها يسطو إذا ما رام قتلا
غريب الحسن لو فكرت فيه لما نظرت له عيناك مثلا
كساني سقم ناظره وولى قّريرآ لا يراقب فيه إلاّ
وشرّدنى فها أنا ذا غريب وألبسني بعهد العز ذلاّ
أردد ناظري في كلّ وقت فلا خدناّ أراه لي وخلاّ
فقل يا خير من ناداه صب قتيلك كم بنار الشّوق يصلى
[ ٥ / ١٩٤ ]
وكم قلب وكم فؤاد سلبت تجنيًا وعقلت عقلا
أقول للاّئمين فيه تأيد وحسبك كف قد أكثرت عدلا
سقاني حبه فثملت منه فلا أصحو إذن حاشا وكلًا
أرى العبء العظيم أخف من أن يقولوا عن هواه قد تسلّى
فإن اك لا يفارقني هواه فشيء قد ربيت عليه طفلا
وقال أيضًا، الأمير العالم العادل ركن الدين أبو شجاع أحمد بن قرطايا- أدام الله أيامه-، قال: أنشدني محمد بن نصر بن عقيل لنفسه: [من المديد]
لا سقي من بعدك الطّلل ولام المنزل الهبل
بنت عن عين فلا أكتحلت بكرى أو ينجح الأمل
كلّ ربع لا تحل به لا سقاه الصّيب الهطل
ومغان لا أراك بها إقطعوا حبلى ولا تصلوا
كلّ شئ منكم حسن سائغ عندي ومحتمل
لا تقيسونى أخا كلف فبوجدي يضرب المثل
رق لي يا من أؤمله وعليه الدّهر أتكل
كف ساطي اللّحظ عن دنف آفتاه الغنج والكحل
لا أبالي بالمنون إذا سالمتني تلكم المقل
وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]
شوقي إليك يجل عن إدراكه كلّ الأنام
فلفكرتي ولحيرتي فيه أقتصرت على الّلام
وله في اجتماع الملك الأشرف موسى، والملك الحافظ أرسلان شاه أبناء الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، وأنشدنيها الأمير العادل ركن الدين- ثبت الله دولته- عن قائلها: [من الطويل]
وكم قائل لي هل رأيت عجيبةّ تعظيمها في حالة القرب والبعد
فقلت نعم ها قد حللت بمرشد يريك سبيل الحّق والسّبب المهدي
[ ٥ / ١٩٥ ]
أصخ تستبن عيسى وموسى وصنوه أرسلان أباب العلا وأولي المجد
فلا زالت الدّنيا إلى الحشر ملكهم وأمرهم بالحل فيها وبالعقد
بمطلع سعد قد جمعن ومارؤي ثلاثة أقمار ببرج من السّعد
كان أبو عبد الله محمد بن عقل، له على بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل رسم، وكان يركب في المواكب معه، ويذكره برسمه، فطال عليه تردده، فقال في ذلك: [من الطويل]
تسائلني عن شرح حالي وقصّتي وما قد ألاقي من نوى ونوائب
خذي شرح حالى بيّنا وأكتفي به ففي شرح حالي عبرة للنوادب
لكلّ من القصّاد ررفد موفّر وما حظّنا إلاّ غبار المواكب
فوصلت الأبيات إلى الأمير بدر الدين، فوصله بما كان يصله به.
[٦٦٠]
محمّد بن محمّد بن محمّد بن أحمد بن أبي الفتح، أبو عبد الله المرزباتيّ.
ينسب جده إلى المرزبانية، التي من العلث، وهي غير المرزبانية التي ينهر عيسى، كذلك ذكر لي ولده عبد الحميد، وزعم أنّهم من أولاد عمرو بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي، قال: كان مولده في شعبان سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، فاستوفى ثمانين سنة وشهرًا واحدًا وخمسة عشر يومًا.
وهو المعروف بسبط هداب، كان من أهل التصرف والحساب والكتابة، عارفًا بالحبر والمقابلة والمساحات، وتولى في عهد الناصر لدين الله﵁- أعملًا.
وينتمي إلى مذهب الإمامية، وله أشعار معظمها في التجنيس، ومات سلخ شهر رمضان سنة ستّ وعشرين وستمائة، وقيل يوم عيد الفطر.
[ ٥ / ١٩٦ ]
أنشدني الياس بن توما بن عيسى البوزايجي، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه، ما كتب إلى بعض الشرفاء العلويين: [من البسيط]
إن رمت إبقًا وإنكارًا لحقكم فليس لي والدّ حرّ ولا خال
وكيف أنكر إنعامًا تملكني وميسم البّر في وجهي له خال
ما قال هذا بنو هدّاب قاطبةّ قلبي ولا حسبوا هذا ولا خالوا
وأنشدني، قال: أنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
ماذا يريد الهوى مني وقد ذهبت شيبتي ومشيت الرّأس قد وخطا
فليمض عنّي فإني إن ولعت به لقيت ربي بوزر موبق وخطا
عصيته والصّبا غض الأديم فتى أطيعه وزماني قّد عدّا وسطا
لا أقبل النصح منه حين ينصحني ولو توعّدني مستقمًا وسطا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه، وهي مسألة في الجبر والمقابلة:
[من الرجز]
مدينة حاضرها معسكر وسورها مدرهم مدنّر
وبين كلّ فارسين منهم قدر ذراعين كما قد ذكروا
فافتتحوها عنوة واقتسموا أرضًاحواها سورها المدّبر
فكان سهم فارس مخاصمًا سبعا وسبعين ذراعا مكسر
فكم يكون سورها وقطرها وكم يكون يا حبيبي العسكر
فإن أتيت بالجواب شافيا أصبحت في الحساب ممّن يشكر
وأنسدني، قال: أنشدني أيضًا لنفسه من أبيات قالها في الظاهر بأمر الله﵁-: [من الكامل]
بكرت تؤنبني وتشده خاطري وتلومني لتعسفي ومفاقري
وتقول كم هذا التغرب والنوّى مااآن أن تلقى عصاّ لمسافر
فأجبتها لا تجزعني وتوكّلي فالرّزق يأتي من مليك قادر
قد عنّ لي أحوز به الغنى بتمسكي بأوّاصر أبن النّاصر
وأنشدني، قال: أنشدني أيضصا لنفسه: [من الطويل]
[ ٥ / ١٩٧ ]
وأقسم بالأبرار من آل أحمد آلّيه حر طيب الأصل واللّبن
لأني إلى رؤياك في كلّ لحظه أحسن حنين الغئبين إلى الوطن
أنشدني، قال: أنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
وأقسم بلأبرار من آل أحمد آلّيه حر طيب الفرع والأصل
لأني إلى رؤياك في كلّ لحظة أحن حنين النّازحين إلى الأهل
[٦٦١]
محمد بن حياة بن يحيى بن صدقة، أبو عبد الله الخابوري الشيباني المجدلي.
المعروف بالحيص بيص، لقب نفسه بذلك، لسلوكه طريقة الحيص بيص الشاعر أبي الفوارس.
صحب أبا الحرم مكي بن ريان الماكسي، وقرأ عليه النحو والأشعار، وفن الأدب، وكان شاعرًا يتعاطى الصناعة في نظمه، ويمتّ بعلم العروض والقوافي، ومات بنصيبين في العشر الوسطى من شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن حيدر بن الدبندار الوسطي الشاعر قال: أنشدني ابو عبد الله محمد بن حياة لنفسه، يمدح فلك الدين بن الميري: [من الكامل]
هبني كتمت صبابتي وهيامي اني ودمعي فوق خدي هامي
حلّت عقود الدّمع لوعة مغرم واشبّها في الخد وقد ضرام
كم عبرة مشفوعه أرسلتها مشفوعة أفرادها بتؤام
لا تسألو صّواب السّحاب فأدمعي كلفت لكم منها بفيض غمام
[ ٥ / ١٩٨ ]
إيه عن الاطان ما شعفي بها إلا لعظم تحر في وهامي
يا نازحين لعبرتي والنازلين منازلي وخيامي
إني أبثكم جوى حملته اوهى أقوى جلدي وفتّ عظامي
وملاعب قضيت أيام الصًبا فيها وروض اللهو غض نامي
فعلى مرابع دجلة الحدباء فالـ ـجسرين فضل تحيتي وسلامي
أيام أسحب في الغوية في طرفي طربًا وألبس مطرف الاثام
أختال في برد الشباب وأجتلى ثغر الحباب من أنتهاب مدام
حمراء كالقبس المنير بها أهتدى من ظلّ في كفر عن الإسلام
وأغن منها في يديه أساور ولجيده بالدرّ عقد نظام
إني سأدّرع الدّياجي والفلا وأخوض كلّ مهامه ومواميّ
وأصدّ عن ورد يشأب بذلّة وأعود عنه بغير نقع أوام
والود بالفلك الوزير ومن له يومان: يوم ندّى ويوم حمّام
الوهب البدر النّضار وعاقر الكوم العشار بذابل وحسام
معطي الجزيل مغرسين سواله كرما ولا يصغي للآم ملام
حاط المملك عزمه فأحلّلها ما بين كيوان إلى بهرام
ما إن يهاب الخطب عند حلوله رأس يناط بيذبل وشمام
ذو مفخر لو لبست شمس الضّحى منه السّنى لم تشمل بظلام
حلّ الحضيرا فهي كعبة حجّنا وبها طواف السّعي والإحرام
وكمكّمة أضحيت ولولا وردها عذاب لقلنا زمزم بمقام
يا أيها المجرجو من دهر غدا ونوازل توهي الجليد جسام
ما ديمة وطفاء يحدوها الصّبا مشفوعة بالهطل والإرزام
فوراء سارية همت بمرابع فيح محلّ الغيد والآرام
جادت بنوء المرزمين فغادرت غدر الحمائل بالنصاف طوامي
سحبت عليها السحب أذيال الحيا فقتحن بالآكام كلّ كمام
[ ٥ / ١٩٩ ]
/١٤٨ ب/ضاعت بمسكي النسيم معطرًا وتأرجت بشذا ونشر خزام
سقيًا لدّهر جادلي بلقائه حتى شرقت وقادني بزمامي
أنى يحلّ فكلّ ربع مخبا ومتى يصول فكلّ قرن دامي
لا زالت الأيام تجري بالذي تختاره في سائر الأيام
وأنشدني عبد الرحمن بن عبد الله الصقيل الشاعر الموصلي، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه في غلام نحوي: [من الكامل]
ومهفهف خفضت عوامل حسنه حظي ورحمته جفاه وصده
يا حضرة المعتل بل يا حظّي الـ ـمنقوص أنى جاز عندك مده
[٦٦٢]
محمّد بن عبد العزيز بن القاسم محمد بن عمر بن سليمان بن الحسن بن إدريس بن يحيى العلي بن عليّ العالي بن حمّود بن ميمون بن أحمد بن عمر بن عبيد الله بن عمر بن أدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علىّ بن أبي طالب، أبو جعفر الأدريس الحسني المصري.
وجده المعتلي، هو الخارج بالغرب، والمستولي على بلاد الأندلس.
وأبو جعفر: نسابة الأشراف بالديار المصرية، وصنف في علوم القرآ ن والأحاديث النوبة، واللغه العربية والتوريخ، وفنون الآدب والعلوم، مصنفات
[ ٥ / ٢٠٠ ]
جليلة. وله منثور ومنظوم، ومزدوج وجز ومخمس، وخطب ورسائل وشعر كثير.
وهو منآية العلماء في عصره، كبير الشأن، عالم أظفر بشئ من شعره إلى ما اذكره.
انشدني أبو حامد بشر بن حامد التبريزي الفقيه الشافعي، قال: أنشدني الشريف أبو جعفر الحسني لنفسه: [من البسيط]
كلّ العلوم سوى علم الكتاب وما يروى عن المصطفى وسواس إبليس
وللنصوص سيوف قط ما ضربت إلاّ وطارت بها روس المقاييس
ومالك فيما ذكرت ما أدري لهذا خلافا لأبن إدريس
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي بحلت، قال: أنشدني الشرف أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الأدريسي يصف كتاب [دلايل]
الأحكام الذي صنعه القاضى بهاء الدين بن شداد: [من الكامل]
بدلائل الأحكام ذي الإحكام علمت معالم شرعة الإسلام
وتبين السنن الذي وضحت به سنن الهدى منشورة الأعلام
وتألقيت أنواره للمهتدي وتدفقت أنواؤه للظامي
تصنيف من بهر الأئمّة علمه وأختص بالإجلال والاكرام
قاضي القضاة أبي المحاسن يوسف فخر العراق جميعه والشام
[٦٦٣]
محمّد بن مسلم، أبو عبد الله الأسدي المعروف بالفارقي.
الفقيه الأديب المقرئ.
أخبرني أنه ولد بماردين، ونشأ بمياّفارقين برهية من الزمان، وذلك عرف بها.
[ ٥ / ٢٠١ ]
قال أبو المجد ابن باطيش في كتاب طبقات الفقهاء الشافعية: انحدر إلى العراق، وقرأ القرآن العزيز بواسط، وتفقه ببغداد بمدرسة الخلفة الناصر لله، بالجانب الغربي على الفخر النوجاني. وقرا ايضًا بها الأدب، وصعد إلى الموصل، وصحب بها الشيخ أبا حامد محمد بن يونس بن منعة بن مالك الموصلي الفقيه المدرس الشافعي، والشييخ أبا الحرم مكّي بن ريان بن شبة الماكسي النحوي، وتميز في الفقه والأدب، وانتهت إليه المعرفة بالقرآن العزيز، وحسن آدابه، وتفرد بجودة التلاوة، وحسن الأداء.
وأشتهر بالموصل، وتصدر للإقراء وانتشر صيته، وكان يقرئ القرآن والأدب وغيرهما من علوم الشريعة.
وكان حسن السيرة، ظاهر النسك، لم يزل على ذلك إلى سنة سبع وعشرين فحجّ إلى بيت الله تعالى، وقضى الحج ورضي من مدينة النبي ﷺ في عوده، ولم يزل مريضًا إلى أن توفي بالنجف ليلة الإثنين ثاني عشر المحرم سنة ثماني وعشرين وستمائة، ودفن بمشهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه-ز
وعمل أبياتًا ضمنّها كتابًا كتبه إلى الأمير أبي الفضل شمس الدين لؤلؤ بن عبد الله- نائب الأتابك شهاب الدين أبي سعيد طغريل بن عبد الله بن الطاهري- بحلب في مدح الاتابك- وكان محسانًا إليه، يبره ويتفقده مع بعد الدار، ويعتدّ ببركته، ويرغب في دعائه وهي: [من الكامل]
يا طالبا بحرآ يجود على الورى عذبًا فراتًا نيله مبذول
عرج على حلب ويّمم منزلا فيه شهاب الدين ذاك السول
ما زال مذ عقدت يداه إزاره يسمو إلى دوح العلا ويطول
حتى تنزّ منزلًا لورامه فلك الزّمان لفاته المأمول
لله در يديه ما أنداهما سيف الأله على العدا مسلول
الله أسأل أن يديم بقاءه مترقّيًا وحسوده المقتول
[ ٥ / ٢٠٢ ]
قال أبو أحمد المجد: نقلت هذه الأبيات من خطه، وهي كما ترى.
وأنشدني أبو عبد الله بن الخضر الموصلي المقرئ، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه: [من الرمل]
قل لسكّان الحمى أين مضوا فعليهم من محبيهم سلام
فارقوا فاتّقدت بين الحشا نار وجد تتلظى وغرام
آه من صرف زمان غادر جار في الحكم رزاياه تؤم
[٦٦٤]
محمّد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، الملك المنصور ابو المعالي بن الملك المظفر أبي المناقب- صاحب حماة-.
ولي حماة في سنة سبع وثمانين، وتسلّم وما كان لأبيه بالشام، وهو شيخ المعرّة وحماة وسلمية، له تصانيف، منها تاريخه الكبير الموسوم "بمضمار الحقائق في علوم الخلائق"، واختصر كتاب"الشامل" لابن الصباغ في الفقه، وله كتاب في أسماء شعراء عصره.
وكان أوفى الملوك في وقته، سياسة، وذكاء، وفضلًا قد قرأ الأداب، وتميز فيها، ودرس المنطق، ومن مصنفاته كتاب " در الآداب في التأريح" أيضًا، وكتاب"شغف وطرب" في حق العاشق والمعشوق، وكتاب"طبقات الشعراء"، وأشعار كثيرة مدونة.
[ ٥ / ٢٠٣ ]
حدثني القاضي أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة، قال: أخبرني من رآه أنه كان قليل العلم، وأنّ التصنيف بعيد منه، وكذلك قول الشعر، وكان يدعيه.
وقيل إنه استخدم جماعة يصنفون له التصانيف، وكان يأخذ نفسه بعلوم الأوئل والحكمة، وكان كردبازوه مولى أبيه قد استولى على منبهج، وحجر على ذرية والده الصغار، فافتتحها الملك المنصور في جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين وخمسمائة، واستنقذها منه وأخرجه عنها.
أنشدني أبو بكر محمد بن نصر الله الدمشقي الشاعر، قال: أنشدني الملك المنصور لنفسه: [من الكامل]
قسما بمجدك إنه لعظيم ما العيش إلا القرقف المختوم
وسماع مطربة بلحن مطرب يصيبو إليه البابلي الريم
وأنشدني أيضًا بمحروسة حلب يوم الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة خميس وثلاثين وستمائة، قال انشدني الملك المنصور أبو المعالي لنفسه:
[من البسيط]
حيّا المنازل من قلبي صورانا حيًا بنا كرّرها سحًا وتهتانا
فهي الدّيار التى تحوى مرابعها من الكواعب أقمارًا أغصانا
كواعب بفنون من محاسينها تهز أعطافها بالدّل افنانا
فهل قدود دماها أم مثقفة تضحى لأسيافها الأجفان أجفانا
وما تريك بنودآ من ذوائبها حتى تربيك من الآلحاظ خرصانا
من كلّ سمراء في سمراء قامتها لدى تعطفها ما بخجل البانا
وللشباب جنى ورد بوجنتها ماء الحياء به كم شب نيرانا
وفوق غصن الّنقا من دعص قامتها إذ قام تحسب بدر التم هيفانا
تهز رمحا له من طرفها طرف فلا عدمناه فتاكًا وفتانا
خود غدا ردفها الريان ذا شبع لمّا غدا خصرها الظّان غرثانا
[ ٥ / ٢٠٤ ]
تسقيك من فمها راحًا معتّقَة ومن سوالفها تجنيك ريحانا
ويوم أضحكها من لؤلؤ نسق بكيّ طرف بدمع فاض مرجانا
فارقتها ومناي لو يلائمني بعد السّهاد رقاد فيه ملقانا
فطيفها لو إلينا نائية أهدى تحيّتها وهنا لأحيانا
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني الملك المنصور لنفسه في النسيب والغزل من قصيدة أولها:] من البسيط [
سح الدّموع فإنّ الحيّ قد بانوا وأقفر الصّبر لمّا أقفر البان
وأسعدني بوجد بعد بينهم فالشّأن لما نأوا عنّي له شأن
وخبّرا أهل ذاك الحيّ من إضم بأنني ساهر العينين حيران
وأنّني من غرامي واله ذنَف وفي فؤادي على الأحباب أشجان
لا درّ درّ اللّيالي بعد فرقتهم ولا سقى الغيث ربعًا عنه قد بانوا
إن كان خان حبيب كنت آلفه فما أنا في الهوى للعهد خوّان
سأذكر العهد من نجران بعدهم وأين ممّن ثوى بالشّام نجران
إقر السّلام علي من كان لي سكنًا أيام كنا وهم بالغور جيران
ففرقت بيننا الأيّام عن كثِب وحال من دوننا قفر وكثبان
وأذكر العهد من سلمى بذى سلم والعيش صاف ودار القوم نعمان
فإن نأوا عن سواد العين مذ طعنوَا فإنهم في سويدا القلب سكّان
أحبابنا إنّني ولهان بعدكم وحامل الحب طول الدّهر ولهان
وإنّني منذ غبتم ليس لي جلد يا ناز حين على الأيّام عتبان
إن كان قد نسيوا وصلي ببعدهم فما أنا للذيذ الوصل نسيان
يا ظبية البان هل وصل نسر به لتنجلي بلذيذ الوصل أحزان
تعطفوا وارحموا صبًا بكم كلفًا فدمعة إذ حرى بالشوق غدران
لا تبعثوا في نسيم الريح نشركم فإنّني من نسيم الريح غيران
عودوا بعود زمان كان منشرحًا فها أنا بكؤوس الهمّ نشوان
[ ٥ / ٢٠٥ ]
لا تشمتوا حاسدًا يختار فرقتنا فإن إحسانكم للصبّ إحسان
طعنتم ففؤادي في طعائنكم معذّب مذ سرت في البيد أظعان
كيف السلوّ ولي صبر يغالبني وفي الهوادج أقمار وأغصان
سقاكم الغيث من قبليّ كاظمة سحّا وروّى ثراهم أينما كانوا
وأنشدني أيضًا، قال: أنشد الملك المنصور لنفسه في المعنى المذكور:
] من البسيط [
سار الحبيب فدمع العين مدرار لا استقلّت بهم للبين أكوار
وخلفوني على الأحزان منهمكا عندي من الوجد آيات وأخبار
وفي الظّعائن من قحطان لي قمر كأنّما لحظة للفتك بتار
يا ظبية البان مالي عنك مصطبر وفي حشاي وجفني الماء والنار
كيف السّلوّ عن الأحباب مذ ظعنوا وفي فؤادي صبابات وتذكار
يا راحلين وفي الأحشاء قد نزلوا وغائبين وهم في القلب حضّار
وأفدي غزال نقًا تصمي لواحظة وفي وجهه لي جنات وأنهار
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه الغزل:] من الطويل [
عليك لقلبي لوعة وغليل وأحوال وجدي فيك ليس تحول
وبين ضلوعي منك داء كآبة أقام بأحشائي فليس يزول
وما نال تبريحي كثّير عزّة ولا ذاق وجدي عروة وجميل
وطلت على مجنون ليلى صبابَة بها تقصر الأيّام وهي تطول
ويا حبّذا قرب الديار الّتي بها ظلال وصال الغانيات ظليل
ديّار تصح الرّوح في عرصاتها إذا هبّ فيها الرّوح وهو عليل
وتمنحنا فيها الغرام عقائل فتسلب منّا بالغرام عقول
وبيض الظبا تستلّها من جفونها ظباء على أسد العرين تصول
فأعطافها إما تهزّ ذوابل والحاظها أنّى تسلّ نصول
وفيها مهاة صاغها الله من مهًا بأعطافها ماء النّعيم يجول
لها كفل سال وخصر متيّم فذا منعم راب وذاك نحيل
ترنح منها بالدلال شمائل لألبابنا منها تدار شمول
[ ٥ / ٢٠٦ ]
ومن ظلمها المعسول وهو ممنّع بماض من الألحاظ وهو كليل
تحوم القلوب الصاديات من الأسى على سلسبيِل ما إليه سبيل
وفوق محيّاها ترفّ خميلة بنور جمال ما لديه جميل
وهيفاء أمّا خدها فمورّد أسيل وأما طرفها فكحيل
أجود لها بالنّفس وهي بخيلة علي بوصل ما إليه وصول
فتاة لديها من سني الشّعر بارق له وابل من مقتليّ هطول
يحبّ فؤادي طرفها وهو قاتل بحب السّيف وهو صقيل
فلا زال معناها بطيب تحيّتي تمرّ عليه شمال وقبول
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الغزل:] من الخفيف [
أيّ دمع يوم الفراق أجابا أيّ قلب يوم التفرّق ذابا
أيّ حزِن أصابنا يوم بانوا أي صبر يوم التباعد غابا
شاب قلب المحبّ في الحب لما أن رأي مفرقي من الحب شابا
هل إلي الوصل من سليمي سبيل وسليمى بوصلها تتغابى
صاب قلبي من الحبيب سهام تركت عيشتي من الهجر صابا
كلّ وصل سوى وصال محلك وأرى لذة الوصال عذابا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الغزل أيضًا:] من الطويل [
لعينيك في قلبي الكئيب ندوب وما لسقامي في هواك طبيب
وحيّا الحيا هيفاء أما قوامها فغصن وأمّا ردفها فكثيب
أحن إليها كلما هبت الصّبا وما آن من شمس النهار غروب
وحيا محلًا أنت فيه مقيمة سحائب أجفان عليه تصوب
وأنت الّتي لولاك ما جئت زائرًا ولا خلبتني زينب وخلوب
وعندي من الأشواق ما لو شرحتها لقصر عنها مالك وحبيب
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الغزل من كلمة أولها:] من الطويل [
خليليّ عوجا نحو سلمى فسلّما فقد تركتني في هواها متيّما
قفا علّماها ساعة كي ترق لي فما علّم الإنسان إلاّ ليعلما
[ ٥ / ٢٠٧ ]
وقولا لها إرثي لصب فإنه غدا بكم دون البرية مغرما
وحنّي عليه وارحميه فإنه حقيق بأن يحنى عليه ويرحما
ولا تقتليه بالقطيعة والجفا فإن دم الإنسان أضحى محرّما
وها هي قد أضحت تصيب مقاتلي وقد فوقت نحوي من اللحظ أسهما
إذا حدثت فالدر تبديه ناثرًا وإن بسمت فالدر تبدي منظّما
وقائلة هذا الجنون إلى متى فقلت إلى إن يرجع الضوء مظلما
وقلت لها لا تكثري اللّوم للفتى فمن لام صلًا في الهوى كان ألاما
فقالت/ دع الأهواء إن كنت عاقلًا وشمر إلى العلياء كفًا ومعصما
فقلت لها: أنّي إلى المجد سابق وأعجز في العلياء قيسًا وجرهما
ولا بدّ ما أسلوا عن البيض والدّمى وأكلف بالبيضات والبيض الدّما
فأنفق في العلياء مالي وإنّما تعيمي أن أغدوا على النّاس منعما
فما أنا ممّن يجعل الجود مغرمًا ولا أنا ممّن يجعل البخل مغنما
سأشغل نفسي بالمكارم والعلا واجعل لهوي مشرفيًا ولهذما
ولا بدّ أسطو بجيش عرمرم أفل به في الكفر جيشًا عرمرما
فأعمل رمحي أو أرأه مقصدًا وأعمل سيفي أو أراه مثلّما
لأظهر حقًّا أو لأخفي باطلًا وأنصر دينًا قد أتانا من السّما
وأنصر دين الهاشمي محمّد علي كل دين في الورى متحكّما
وأنشر ما أضحى من النصر طاويًا وافتح ما أمسى من الأرض مبهما
وأبني للإسلام بيتًا مشيّدًا كما شاده الكفار أضحي مهدّما
وأسهر أجفانًا من الشرك دائمًا بضرب غدا للمؤمنين مسوًاما
لئن كان عصري في العصور مؤخّرًا فإني أغدوا في المعالي مقدّما
أنا الفارس المعروف أعزى وأتنمي إلى آل أيّوب وهم خير منتمى
هم القوم ما من مالك أو معظّم على الناس إلّا قد غدوا منه أعظما
مظفّرهم في الجود والبأس والنّدى وأقدمهم يوم الوغى متقدّما
وما زال في يوم الجلاد مجالدًا بسيف غدا للمشركين مكلّما
فمهلًا بني الإفرنج إنّي معيدها عليكم كحطّين الأولى وكأنّما
[ ٥ / ٢٠٨ ]
فمن كان بالبيض القواضب ضاربًا فلابدّ أن يرقى من العزّ سلّما
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الغزل من قصيدة أوّلها:] من الطويل [
سقى الله أيام الصّبا ما يسرّها وشرخ شبابي عند غيرك شافع
وحيّا ليال قد تقضّت بقربكم وروّى ثري تلك الربوع المدامع
وإني لمشتاق إلي حسن وجهها ويمنعني عنها أسود موانع
عسى الدهر أن يقضي بطيف خيالها ومن لي بأيّام مضين رواجع
وعمري بها حتّي الممات مذلّة قياليت شعري ما الّذي أنا صانع
وهاتفة بالبان وتشجي بنوحها فما هجعت شوقًا ولا أنا هاجع
فلله ما هاج الهوى من هديلها ولله ما تحنو عليه الأضالع
فسرّي بمن أحببته لا أذيعه فلا يطمعن في ذاك ما عشت طامع
وقلت وقد أبديت وجدًا وحسرًة وقد غيّبت عني بدور طوالع:
سلوا مضجعي عنّي وعنها فإننا .. رضينا بما تخبرن عنّا المضاجع
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الرجز:] من الرجز [
يا من يساميني ويذكر أسمي فإنّي من قوم كراِم شمّ
بحار علم وجبال حلم فمن كلّ ذي بأس شجاع شهم
يذب عن هام العلا ويحمي فيسعى إلى الغنم بها بالغرم
في رتبة فوق السّها والنجم فبلغتها قبل بلوغ حلمي
أنبيك عن معرفتي وفهمي فإنّ علوم ذا الورى من علمي
وحزمهم قلامة من حزمي قولي لسان قوله كالسّهم
ينفذ بالصخر الصّلاب بالصّمّ فولي يد مثل السّحاب تهمي
على العفاة بالنوال تهمي فينتعش العافي بها وينمي
يسبح من عظائها في يمّ فولي حسان مشرع في الجسم
يكلم قبل ضربه ويدمي فطوبى لمن حاول يومًا سلمي
رب حسود لي ولا أسمّي فيهرب من سهمي حين أرمي
أغفل عنه عفلة الأصمّ ولا يمر قلبه بوهمي
لو حلّ من خوفي محل العصم فإذا سمت في شاهق أشمّ
[ ٥ / ٢٠٩ ]
أدركه بهمّتي وعزمي فأظلمه ولا يطيق ظلمي
ومن محلّي في العلا وعظمي إنّي من نسل ملوك شمّ
أيوب جدّي يا سديد الفهم فويوسف خير الرايا عمّي
من مثلنا في عربها والعجم فبجدّنا نعلو فويق النّجم
] ٦٦٥ [
محمّد بن أبي بكر بن عليّ بن شابي، أبو عبد الله الموصليّ
الفقية الشافعيّ المدرس المفتي في العلوم الشرعية المعروف بابن الخباز.
كان والده خبازًا من العامّة، واصله من بلاد العجم.
ونشأ أبو عبد الله محبًا للعلم، راغبًا في تحصيله، ودروس الفقه على الشيخ المظفر محمد بن علوان بن مهاجر الموصلى، وعلق عن المسائل الخلافية، وبرع في ذلك وتمهّر، وتولّي إعادة درسه، وجدّ واشتغل حتي فاق أبناء عصره، مذهبًا وخلافًا، وأصولًا، ونظرًا.
وهاجر إلي مدينة حلب واستوطنها، إلي أن مات بها، واتصل بقاضي قضاتها أبي المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بن شداد الموصلي الأسدي، فأكرم مورده، وأقبل عليه إقبالًا لم يقبله على أحد من أبناء زمانه.
وكان يحضر درسه، ويناظر في مجلسه، فيحسن ويجيد، حتي يعجب الحاضرون من حسن عبارته، وجودة بيانه، ورحل صحبته إلي الديار المصرية حين سار إليها رسولًا، وفوض إليه تدريس المدرية التي أنشأها الأمير أبو الحسن علي بن سليمان بن جندر، تحت القلعة المحروسة، وكان يلقي بها علي فقهائها في كل يوم
[ ٥ / ٢١٠ ]
ثماني دروس من علوم متعددة، ما لم يذكره أحد الفقهاء المجودين، مع كمال فصاحته.
وكان من وجوه الفقهاء الشافعية في وقته، ورؤوسهم في أيامه، وإليه انتهت جلالة الفقه الشافعي في معرفة أصولة وفروعه وأحكامه، وأقرّ بفضله والموافق والمخالف، وكانت فتاويه تنبئ عن غزارة علمه، وفرط ذكائه.
وكانت وفاته يوم الثلاثاء سابع ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ودفن بمقبرة الجبيل، شمالي القلعة﵀- وكانت ولادته بالموصل في سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
وكتب إليه الضياء بن المغربي، وكان مريضًا يعاتبه:] من السريع [
لو غاب من أصحابنا واحد من ملّة العلم افتقدناه
كذا عهدنا النّاس من قبلنا والناس أمثال وأشباه
فقد تألّمنا ولم تسألوا عن حالنا حسبكم الله
فأجاب أبو عبد الله بن الخباز:] من السريع [
يا من إذا غاب محياه غاب سروري يشهد الله
خادمك الدّاعي لم ينقطع عنك لإهمال وحاشاه
وقاك ربّي ووقانا الّذي نحذره فيك ونخشاه
أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله النصيبي بحلب، أنشدني أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن علي بن شابي الموصلي لنفسه، بطرق مصر، في منزلة يقال لها الجديدة، في صحبة بهاء الدين أبي المحاسن بن شداد، فاختار بهاء الدين علي الجماعة أن يعمل كل منهم في مرج المنزلة شيئًا، وقد نزلوها ضحى، فقال أبو عبد الله بن الخباز:] من الكامل [
لله حسن مقيلنا في روضة تحكي خلائق يوسف بن تميم
بسطت بساط زمرّد وطرازه نهر من الكافور والتّسنيم
فكأنّنا في جنّة قد عجّلت من فضله في نعمة ونعيم
[ ٥ / ٢١١ ]
[٦٦٦]
محمَّد بن إبراهيم بن أبي عبد الله بن هنديٍّ، أبو عبد الله المازنيُّ البكريُّ.
كان جدُّه قاضيًا بحمص، وأصله من طرابلس، فلما تملّكها الفرنج- خذلهم الله تعالى- انتقلوا إلى حمص، فسكنوها وتولوا بها القضاء إلى الآن.
وأبو عبد الله/ ١٥٩ ب/ هو في خدمة الملك الناصر، ناصر الدين بن جنديّ، وهو من أهل الفضل والشعر.
أنشدني الأمير أبو حفص عمر بن أسعد الموصلي؛ قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه سنة تسع وعشرين وستمائة بالديار المصرية؛ قال: قلت في الملك الأشرف لما أبلَّ من مرضه، وكان بالرّقة: [من المتقارب]
سألت الفرات وقد أظهرت بشاشة وجه وكان عبوسا
ابيني بقدرة مجريك لي فقالت: تعافى أبو الفتح موسى
وحدثني الأمير أبو جعفر؛ قال: حدثني أبو عبد الله؛ قال: كنت قاعدًا في مجلس الأمير زين الدين يعقوب بن الحمصي بالقاهرة في دار مظفر، وقد قدمها رسولًا من الملك المجاهد أسد الدين شركوه بن محمد بن شركوه بن شاذي- صاحب حمص- إلى خدمة الملك محمد، فناولني قدحًا، فقبلت يده؛ وقلت:
/١٥٩ أ/ وكم من يد قبلتها
ثم فطنت إلى ما قلت؛ فسكتُّ ولم أتمّ البيت، فسألني أن أتمّه لأنه كان يحفظه، وألح عليّ إلحاحًا شديدًا، فلم أجد بدًا أن قلت بديهًا: [من الطويل]
وكم من يد قبَّلتها دام بطشها بأعدائها والدَّهر يسعدها معا
سعى قاصدًا يبغي نداها إجابةً فنادى الندى يهنيك يا ساعيًا سعى
قال: فأعجب زين الدين يعقوب ارتجالي، وأعطاني خلعة نفسية، ودراهم ناصرية.
[ ٥ / ٢١٢ ]
وأمّا البيت المشهور الذي همَّ بإنشاده، ثم سكت عنه، فقول الشاعر:
[من الطويل]
وكم من يد قبَّلتها عن ضرورة وكان بودي قطعها لو أمكَّن
ولكن صروف الدَّهر تأتي سريعةً أداري أموري بالَّتي هي أحسن
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في الملك الأشرف موسى: [من الطويل]
نعمت صباحًا بالصبوح وبالسعد هنيئًا مريئًا عشت في عيشةٍ رغد
ولا تتوانى في انتهازك فرصةً فجارك في أمن ومجدك في جدِّ
/١٥٩ ب/ أعيذك من عين الكمال بهل أتى وبالنحل والأعراف والنَّمل والرَّعد
ركبت على متن الفرات سفينةً تسير ببحر الجود في طالع السَّعد
[٦٦٧]
محمَّد بن الحسين، أبو عبد الله السلمانيُّ.
كان فاضلًا في علم الحساب والفرائض والجبر والمقابلة، وقرأ شيئًا من علم العربية، وله أشعار ركيكة الألفاظ جدًا.
أنشدني منها أبو الجود محمود بن مسعود بن إسماعيل السلماني؛ قال: انشدني محمد بن الحسين السلماسي لنفسه، ما كتبه إلى القاضي تاج الدين محمد السامانيّ: [من الوافر]
لسوق العشق راج لها رواج توالى في فؤادي واختلاج
طلبت لنيلها فيها فجاجًا حرمت منالها التبس الفجاج
طراوتها كتل الماء لطفًا ولكن قبلها حجرٌ وساج
طمرة حسنها الميدان أغدت نصيبي منه قد كان العجاج
ومنها:
أتاج الدِّين حصِّل منه تاجًا وإلَّا فات لو لم تغن تاج
/١٦٠ أ/ لنا بك في الشَّريعة ابتهاج وعن سنن الأباطيل انزعاج
[ ٥ / ٢١٣ ]
متى ما قدّمانا إعتمامٌ عرانا من روائك ابتهاج
عدمنا التَّاج لكن قد وجدنا كأنَّ الدَّهر تختٌ أنت تاج
كأنَّ النَّاس لعلٌ في زجاج فأنت اللَّعل والنَّاس الزُّجاج
ومرضى درهنا إحتاجوا علاجًا بهمَّتك انتشى لهم العلاج
رعاك الله شمعًا لا سراجًا فعند الشَّمع ينطمس السِّراج
[٦٦٨]
محمَّد بن سعد بن عبد الله بن سعدٍ [بن أحمد] السعديُّ الأنصاريُّ، أبو عبد الله.
من أهل دمشق؛ شاهدته بها في شهر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، وسألته عن ولادته؛ فقال: يكون تقريبًا في سنة سبع وسبعين وخمسمائة بدمشق.
وهو رجل يخضب بالسواد، يخدم كاتب إنشاء في ديوان الملك الصالح أبي الفداء إسماعيل بن أبي بكر- صاحب دمشق-.
وأنشدني قطعة من أشعاره، وهو من الفضلاء الأخيار في عصرنا، ولم يزل من صغره، مقبلًا على الاشتغال بالعلم والأدب؛ تفقه على مذهب/ ١٦٠ ب/ الإمام
[ ٥ / ٢١٤ ]
أحمد بن حنبل﵁- على الموفق أبي محمد عبد الله بن أحمد المقدسي؛ واتصل بالملك الصالح أبي الفداء إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب، وكتب له الإنشاء.
وهو كاتب حسن، شاعر جيد المنظوم، طاهر اللسان، نظم شعرًا كثيرًا، وكان في بدو أمره معلم صبيان، ومدح النبي ﷺ بقصيدة طويلة.
أنشدني محمد بن سعد لنفسه من قصيدة: [من الطويل]
أجارتنا إنِّي عليك غيور وإنِّي على نيل الوصال قدير
ولكنَّني أرعى ذمامًا وحرمةً واصبر كرهًا والمحبُّ صبور
وأنشدني أيضًا بظاهر مدينة دمشق، بالسهم الأعلى على شاطئ نهر في يوم الأربعاء الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة لنفسه يمدح النبي ﷺ ويذكر مناقبه ومعجزاته ﵊: [من الطويل]
تذكَّر مشتاقٌ وأنَّى له الذِّكرى ولم يستطع للجد صرفًا ولا أمرا
/ ١٦١ أ/ أخو لوعةٍ ما فارق الشَّوق قلبه ولا واصل السُّلوان يومًا ولا الصَّبرا
كبيت غدا للهمِّ والحزن آلفًا وما أنكر الأحزان من عرف الدَّهرا
إذا نهنه الطَّرف القريح عن البكا جرى مستهلًا لا بكيًا ولا نزرا
وإن رام كتمان الصَّبابة عبَّرت عن الوجد والأشواق أجفانه العبرى
كأنَّ عليه الدَّمع ضربة لازب إذا شام برقًا أو رأى منزلًا قفرا
تخال به ممَّا جنى الوجد جنَّةً وتحسب من مبدا الغرام به سكرا
يروم بلوغ الوصل من أهل رامة ولم ينو أهل النيربين له هجرا
ويهوى مقرًا بالعقيق وداره على طيِّها بالسَّهم بالقرب من مقرا
محلٌّ إذا أقسمت أن ليس مثله على الأرض حسنًا كنت في القسم البرَّا
إذا ذكرت جنات عدن وطيبها وكن به حلًا حسبت له الذِّكرى
تنافس فيه الحسن مرأى ومنظرًا ولم تبلغ الأخبار عن طيبه الخبرا
لسكَّانه ما في الجنان سوى البقا فطوبى لمن أفنى مطيعًا به العمرا
منى الدِّين والدُّنيأ ميسَّرةٌ به فباليسر يحظى معتفيهم وباليسرى
[ ٥ / ٢١٥ ]
تعجَّلُّ في الدُّنيا بسكناه جنَّةً وينقل في الأخرى إلى الجنَّة الأخرى
تتمنَّى النَّوى عن ذاك لا عن ملالةٍ ولكن نوى ما يوجب الأجر والفخرا
/ ١٦١ ب/ زيارة قبرٍ كلُّ قلب وناظرٍ يودُّ اشتياقًا أن يكون له قبرا
به عصمةٌ للعالمين ورحمةٌ تعمُّهم من ساء منهم ومن سرَّا
به المصطفى خير الأنام محمَّدٌ وأكبرهم فخرًا وأشرفهم قدرا
أسيِّد أهل الأرض طرًّا وصادقًا أقول وخير الخلق كلِّهم طرّا
هدانا بك الرَّحمن بعد ضلالةٍ وكفرٍ على الدِّين القويم أبى كفرا
وقد طبَّق الأرض الضَّلال فلم يدع من الجهل من أقطارها خاليًا قطرا
وقد هجر التَّوحيد واغتيل أهله وأصبح قول الحقِّ عند الورى هجرا
ومال عمود الدِّين إذ ثلَّ عرشه وصال عدوُّ الله في الأرض واستضرى
وبثَّ بها أشراك شرك وباطلٍ وجبت وطاغوت تصيد النُّهى قهرا
وذلَّل للغرِّ الأغر سفاهةً وما هجر الأدنى يعوق ولا نسرا
فقمت بأمر الله بالحق صادعًا ولمَّا تهب فيه الوعيد ولا الزَّجرا
وعاديت أهل الأرض طوعًا لأمره وأنت الوحيد الفرد مستبطنًا فقرًا
ولمَّا طما بحرٌ من الغيِّ زاخرٌ ومدَّ له مدًا أتيت له جزرا
وحين جا ليل الضَّلالة حالكًا طلعت به بدرًا وكنت له الفجرا
وجاهدت في الرَّحمن حقَّ جهاده إلى أن أتاك الفتح يتَّبع النَّصرا
لك المعجزات البينات التي غدت محققةً كالشَّمس طالعةً ظهرا
/ ١٦٢ أ/ فمنها كلام الله جاءك منزلًا به جبرئيلٌ ضلَّ من ظنَّه سحرا
ومن قال مخلوقٌ ومن قال مفترىً ومن قال لم يكتب برقٍّ ولم يقرا
ولو كان ما قالوه ما كان منزلًا ولا جاء عنه النهي أن يصحب السَّفرا
ولمَّا يقَّل هذا إليه إشارةً ولا منعوا من مسه عادمًا طهرا
ولمَّا تحدَّاهم بإتيان مثله واسمع من في أذنه جعل الوقرا
[ ٥ / ٢١٦ ]
﴿إذا قرئ القرآن فاستمعوا له﴾ غدت من أمانيهم الفهم صفرا
لك المرتقى الأعلى الذي عنه هيبةً تأخر جبريلٌ وحسبك ذا فخرا
دليلًا من البيت الحرام بمكَّة إلى المسجد الأقصى بك الله قد أسرى
ركبت على ظهر البراق محلِّقًا إلى سدرة للمنتهى فاقت السِّدرا
رأيت كما أخبرت رَّبك ما له شبيهٌ ومن آياته الآية الكبرى
وحيَّاك منه بالسَّلام ولم ينل سواك نبيٌّ هذه اللَّيلة الغرَّا
ومن ثمَّ تخفيف الصَّلاة على الورى وخمسين كانت تلزم العبد والحرَّا
فمازلت في تخفيفها متردِّدًا إليه فأبقى الفرض من ذلك العشرا
وذلك عن رأي الكليم وإنَّها لساقطةٌ فعلًا ومحسوبةٌ أجرا
وأنت شفيع الخلق في يوم عرضهم وقد ألبسوا رعبًا وقد أبلسوا ذعرا
/ ١٦٢ ب/ أنلتهم أمنًا وقلت: أنا لها وكل فتىً منهم طلبت [له] العذرا
فتعطى لواء الحمد آدم تحته ومن دونه يرجون من فضلك البرَّا
وتدنو أمام العرش لله ساجدًا لتشرح للراجي شفاعتك الصَّدرا
فيوليك فخرًا يجمع السُّؤل والرِّضا ويؤتيك حمدًا يجمع الحمد والشُّكرا
يقول لك ارفع رأسك اليوم راضيًا فأنت لها أهلٌ وأنت بها أحرى
لك الكوثر المورود والحوض من يرد زلالهما لم يعرف الخمس والعشرا
وقل يستمع واشفع تشفَّع وسل تنل فيومك هذا مشبه ليلة الإسرا
وشقَّ لك البدر المنير كرامةً وقد قال قوم لن يشقَّ لك البدرا
وأيوان كسرى انشق ليلة بشَّرت بك الأرض مولودًا فأعظم به بشرى
وفيها خبت نار المجوس ولم تكن خبت ألف عام قبل سرّا ولا جهرا
وأيضًا بها غارت بحيرة ساوة وقد كان رائيها يساوي بها البحرا
وفي ملك رؤيا المؤبذان وقد غدا سطيحٌ بتعبير لها عالمًا حبرا
ولمَّا لمست الأرض ألقيت ساجدًا وبانت قصورٌ عمَّها النٌّور من بصرى
[ ٥ / ٢١٧ ]
ويوم بحيرا إذ أتاك مسلِّمًا ومستخبرًا عمَّا أحاط به خبرا
رأى منك آيات النُّبوة قد أتت بها رسل الآفاق يتلونها تترى
/١٦٣ أ/ فأثبتها في الحال مرأى ومسمعًا وطاب بها نفسًا وعينًا بها قرَّا
فأشرب إيمانًا وما زاغ قلبه وآمن إيقانًا ولم يسترد فكرا
رآك وظلٌّ للغمامة سابغٌ عليك وباقي الركب عن ظلِّها حسرى
وقد خرَّت الأشجار في البرِّ سجَّدًا لرؤياك لمَّا شرَّفت ذلك البرَّا
وعاين أيضًا للنبوَّة خاتمًا به ختمت فازداد في أمره إمرا
وردَّ أناسًا قد أتوك لغيلة وأوسعهم نصحًا وحذَّرهم غدرا
وتوبة نسطور ببصرى وقد اتى يؤمَّهم فيما يباع وما يشرى
رأى منك ما قد سطروه بكتبهم من الحق والآيات ما أعوزت سطرا
فأقسم بالله العظيم تيقَّنًا لأنت الَّذي جاءت بمبعثه البشرى
وأنت رسول الله تبعث رحمةً إلى أمَّه تدعى محجَّلة غرَّا
ونعتك بالأمِّي في الكتب عندنا وأنَّك عنَّا بالهدى تضع الإصرا
وتأمرنا بالعرف والعدل والتُّقى وتأبى لنا الفحشاء والبغي والنُّكرا
لنا طيِّبات الأكل شرعًا تحلُّها كما هو في التَّوراة من قلبه يقرا
كذلك في الإنجيل يتلوه دائبًا كما هو في التَّوراة من قبله يقرا
وصحبك لمَّا أعوز الماء واختشوا بأنَّهم لم يدركوا الوقت والعصرا
/ ١٦٣ ب/ جعلت لهم من كفِّك البحر منهلًا فصلَّوا وكلُّ القوم قد أسغ الطهرا
وألفًا وبضع الألف ريًا سقتهم بنانك من نور جعلن به غمرا
وكم ماء عين قد مزجت محبَّةً وكانت بكيئًا ثمَّ عادت بها نهرا
ولمَّا استقلَّ الحارث الماء حقَّقت له يدك البيضا بها آيه الكثرا
وروَّيت من ماء المزادة أنفسًا عطاشًا وأكبادًا نقعت به حرَّى
ولم ينفذوا من مائها ورد قطرة وقد أوسقوا منه الكواهل والظهرا
ومن تمرات كلت للجيش زاده وأبدلته من بعد إعساره اليسرا
وأشبعت من أقراص خبز لحائرٍ ومن سخلة ألفًا وما نقصوا القدرا
وأوفيت عنه ثقل دين بصبرةٍ من التَّمر فازدادت بتنقيصها وفرا
[ ٥ / ٢١٨ ]
وسبعين من أقراص خبزٍ أتى بها أبو طلحة أشبعتهم مرَّةً أخرى
منحت أباهر من التمر مزودًا فما زال ممتارًا مميرًا به دهرا
وجهَّزت جيش الشَّام منه فقد غدوا وما منهم إلَّا ومنه احتوى وفرا
وخمسين وسقًا منه قد جاد منعمًا بها في سبيل الله نغتنم الأجرا
ثلاثة أعواد منحت ثلاثةً فعادت سيوفًا في أكفِّهم تترى
فمنهنَّ في بدر قضيب ابن أسلم وعودٌ به أيضًا عكاشة منه قد سرَّا
/ ١٦٤ أ/ وفي أحد أيضًا ابن جحش عبيسةً غدا مرهفًا من حدِّة يحلق الشَّعرا
وعين ابن نعمان وعين رفاعة رددتهما من بعد أن بانتا ندرا
وكم هاتف أضحى بفضلك صادحًا تؤلِّفه نثرًا وتنظمه شعرا
وأقبلت الأشجار لمَّا دعوتها يشقُّ لها السُّوق السُّهولة والوعرا
ولمَّا دعوت العذق من رأس نخلة أتاك فقلت ارجع فما خالف الأمرا
وحنَّ إليك الجذع شوقًا وسلَّمتً عليك جهازًا ظبيةٌ لم ترم نفرا
كما الحجر القاسي ابتداك مسلِّمًا عليك ومشتاقًا كأنَّ به حجر
بكفِّك بحر الجود قد سبَّح الحصا وقبَّل رجليك البعير لها شكرا
وخلَّصت يوم الغار طرف ابن مالك فغرَّ لذاك المشركين وما أغرى
وخافت عليك العنكبوت من العدًا فأرخت بباب الغار مكرًا بهم سترا
ووافقها في الذَّب عنك حمائمٌ أتين سريعًا فابتنين به وكرا
فما أتى الكفَّار طور خديعة فحيَّا الحيا تلك الخديعة والمكرا
ويوم حنين إذ أتوك بجمعهم يجرُّون من أبطالهم عسكرًا مجرا
وراموا بلوغ الثأر منك رميتهم بكفِّ تراب فانثنى جرهم كرَّا
وعجفاء لا نقيٌ بها قد مسحتها فدرَّت ولم يعرف لها ربُّها درَّا
/ ١٦٤ ب/ لك الضَّبُّ أمسى بالرِّسالة شاهدًا كما الذِّئب أضحى باليمين به برَّا
كما شهد الكفَّار حقًا وشاهدوا ملائكةً للنصر إذ حضروا بدرا
ولمَّا أتى للبرد والحرِّ شاكيًا إليك عليٌّ وقِّي البرد والحرَّا
[ ٥ / ٢١٩ ]
وما كتمت عنك الذِّراع الَّذي بها من السُّم إذ خافت عليك له الضُّرَّا
وبالرُّعب أيضًا قد نصرت على العدا مسيرة أيَّامٍ يعدُّونها شهرا
وأعطيت أصحابًا كرامًا أعزاةً والاتخال النُّطق في ذكرهم عطرا
فمنهم رفيق الغار والصِّدق والوفا أبو بكر الثَّاني أشدُّهم أزرا
وصاحبك الفاروق ذو العدل والتُّقى وعثمان ذو النُّورين أكرم به صهرا
وقاتل أبطال الوغى عالم الورى أخوك عليٌّ زوج بضعتك الزَّهرا
وريحانتاك أبناه سبطاك سيِّدا شباب جنان الخلد أهواهما ذخرا
وحمزة والعبَّاس جدُّ إمامنا أبي جعفر المنصور لا عدم النَّصرا
أولئك خير الصَّحب حقًا وكلَّهم أولو الخير والمعروف لم يعرفوا نكرا
هم الصَّادقون القانتون أولو النُّهى أولوا الصَّبر في البأساء والبأس والضَّرَّا
هم الصَّائمون الحافظون فروجهم هم الذَّاكرون الله لم يفتروا ذكرا
هم الأنجم الزُّهر الَّتي يهتدى بها إلى أيُّهم يمَّمت أرشدك المسرى
/ ١٦٥ أ/ غدا قولهم حقًا وفعلهم هدىً وحبُّهم قربى وبغضهم كفرا
فضائل لو أنَّ الورى كلِّفوا لها بيانًا وحصرًا ما أطاقوا لها حصرا
إذا نثرت خلت الَّلآلي وإن غدت منظَّمةً يومًا تحقَّقتها درَّا
فما قدر قدري أن أرى ناظمًا لها وقد جاءت الآيات في وصفها نثرا
ولا قدر شعري أن يكون سحابها ولو كان من ألفاظه الشَّمس والشِّعرى
ولكنَّني شرَّفته بمديحهم وأبقيت لي في الصَّالحات به الذِّكرا
عليك صلاة الله ثمَّ عليهم سلامٌ يعير المسك من طيبه النَّشرا
سلامٌ كنشر الرَّوض حمَّله الصَّبا لتبلغ عنه شكره السحب والقطرا
سلامٌ كلطف الله جاء لخائف فقير بأمر يعدم الخوف والفقرا
فيا خير مأمولٍ ويا خير شافعٍ ويا ملجأ العاصي المقرِّ الَّذي غرَّا
سل الله يعطيني إليك زيارةً أشدُّ بها أزرًا وأرمي بها وزرا
وكن شافعي فيها قريبًا فإنَّني بحبِّك أرجو أن أفوز بها حشرا
لأنَّك قلت المرء مع من أحبَّه وإنِّي امرؤٌ صبٌّ بحبِّكم مغرى
إلهي أحاطت بي الذُّنوب وليس لي من البِّرِّ مأ أرجو به العفو والغفرا
[ ٥ / ٢٢٠ ]
سوى حسن ظنِّي فيك ثمَّ شهادتي بأنَّك وترٌ فاز من عبد الوترا
/ ١٦٥ ب/ وأنِّي محبٌّ للنبيِّ وآله وأصحابه فاجعله يا ربِّ لي ذخرا
وقال أيضًا، يتشوق وطنه وإخوانه بجبل قاسيون: [من الطويل]
إذا ما بدت من قاسيون قبابه وبانت لعينيك الغداة لصابه
ولاحت قصور السهم بيضًا كأنَّها قلوعٌ ببحر قد تعبَّى عبابه
رأيت جنان الخلد لولا نفادها ونلت لذيذ العيش لولا ذهابه
وأيقنت أنَّ الدَّهر همَّ بغيرها وفيها على ما كان منه شبابه
خليليَّ ما في العين فضلٌ لمنظرٍ إذا لاح سرب السهم لي أو سرا به
ولا في قوى سمعي استماع ملامه إذا ناح لي قمريٌّه أو غرابه
فواعجبًا حتَّى م يعتب عاذلٌ وما شبَّ نار الوجد إلاَّ عتابه
يكلِّفني ما لا أطيق استماعه ويطلب منِّي ما يعزُّ طلابه
ولا نار إلَّا ما ضلوا علي زنادها ولا ماء إلاَّ ماء جفني سحابه
يصبِّرني عن قاسيون وأهله لقد جلَّ عندي لو فعلت مصابه
وبالسَّفح منه منزلٌ لو يحلُّه تحقَّق أن المسك طيبًا ترابه
وإخوان صدق لو يحاور بعضهم لما شكَّ أنَّ السِّحر حلَّى خطابه
/ ١٦٦ أ/ سقى الله أيامًا ما تقضَّت لنا به هي العيش لا بل صفوه ولبابه
ليالي لا أخشى الوشاة ولا أرى من الناس إلا من يسر اقترابه
وبرد الصِّبا ضاف عليَّ لباسه وورد الهوى صاف لديَّ شرابه
وشيطان حبِّي ماردٌ في مراده نصيب عذولي نصبه وعذابه
وإذا أنا معط للعفاف نصيبه كمالًا ولم يكمل لعمري نصابه
فللَّه ما أبقى النَّوى من متيَّم تنافس فيه وجده واغترابه
يكاد جوى يقضي من العذل نحبه ويخفى عن العدَّال لولا انتخابه
يفيض اشتياقًا نحو ثورا اصطباره ويزداد من ذكرى يزيد اكتئابه
إذا شام برق الشَّام أسبل جفنه بدمعٍ كفيلٍ بالسُّيول انسكابه
[ ٥ / ٢٢١ ]
ويذكره بالنيربين منازلًا إليها إضافات الهوى وانتسابه
منازل سعد من رآها وعنده من الخلد شكٌ زال عنه ارتيابه
وأيقن أن القرب منها تقربٌ إلى ربِّه والبعد عنها عقابه
وأقسمت لو أعطيت من دهري المنى ووافق رأي رشده وصوابه
تمنَّيت أنَّ السَّهم سهمي من الرُّبى وأنَّ ثوائي فيه عمري ثوابه
وقال أيضًا: [من الطويل]
/ ١٦٦ ب/ وحرمه ما بيني وبينك في الهوى أليَّة صبٍّ في المحبَّة صادق
لقد بلغت مِّني المحبَّة غايةً تخلَّف عنِّي دونها كلُّ سابق
فلو أنَّ أهل الأرض طرًا عواذلي وما تحتوي الدَّانيات علائقي
لقطَّعتها طوع الهوى وعصيتهم ولم أتعلَّل فعل كلِّ مماذق
فمن يتهمني بالسُّلو فإنَّما يجيل محالًا في صدور الحقائق
هل الوجد إلاَّ ن يهيج صبابتي تذَّكر طيف من جنابك طارق
وإن أراد الماء الزُّلال مهيَّمًا فيمنعني من شربه لمع بارق
وإنَّ محبًا صدَّت النَّار وجهه أو البحر عن أحبابه غير عاشق
[٦٦٩]
محمَّد بن إبراهيم بن الخضر، أبو النصر بن البرهان المنجم
أصله من طبريَّة؛ وولد بحلب وله شعر حسن.
حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحنفي- أيده الله تعالى- قال: اجتمعت بأبي نصر الحلبي بحرّان، فأنشدني لنفسه: [من الكامل]
من لي بأهيف قال حين عتبته في قطع كلِّ قضيب بان رائقٍ
/ ١٦٧ أ/ يحكي معاطفه الرِّشاق إذا انثنى ريَّان بين جداولٍ وحدائق
[ ٥ / ٢٢٢ ]
سرقت غصون البان لين معاطفي فقطعتها والقطع حدُّ السَّارق
وأنشدني؛ قال: أنشدني أبو نصر لنفسه: [من الكامل]
ومهفهفٍ ريحان نبت عذاره في ورد خدَّيه الجنيِّ الأحمر
أصلى بنار الخدِّ عنبر خاله فبدا العذار دخان ذاك العنبر
وأنشدني؛ قال: أنشدني محمد بن إبراهيم قوله: [من السريع]
يا حلبًا حيِّت من مصر وجاد مغناك حيا القطر
أصبحت في جلِّق حيران من وجدي إلى مربعك النَّضر
والعين من شوقٍ إلى العين والـ ـفيض غدت نابعةً تجري
ما بردى عندي ولا دجلةٌ ولا مجاري النِّيل في مصر
أحسن مرأى من قويق إذا أقبل في المدِّ وفي الجزر
يا لهفتا منه على جرحه تبلُّ منِّي غلَّة الصَّدر
كم قبل من يومٍ ومن ليلةٍ مرَّ لنا من غرر الدَّهر
ما بين رطياس وحيلان والـ ـميدان والجوسق والجسر
وروض ذاك الجوهريِّ الَّذي أرواحه أذكى من العطر
/ ١٦٧ ب/ وزهره الأحمر [في الحسن] كالياقوت والأصفر كالتبر
والنَّور في أجياد أغصانه منتظمٌ أبهى من الدُّرِّ
منأزل الآراك خلف الحيا على رباها دائم الدَّرِّ
تالله لازلت لها ذاكرًا ما عشت في سرِّي وفي جهري
وكيف ينساها فتىً صيغ من طينتها الطَّيِّبة النَّشر
فكلُّ يومٍ مرَّ في غيرها فغير محسوب من العمر
إن حن لي قلبٌ إليها فلا غرو حنين الطَّير للوكر
يا ليت شعري هل أراها وهل يسمح بالقرب لها دهري
وقال في غلامه اسمه هلال: [من السريع]
[ ٥ / ٢٢٣ ]
هذا هلالٌ كهلال الدُّجى من شعره قد لاح في غيهب
إنعطف الصدغ على خدِّه فانظر إلى المرِّيخ في العقرب
وقوله: [من الكامل]
ومهفهفٍ خيلانه كفتيت ندٍّ في لهيب
وكأنَّ نمل عذاره يسعى بحبَّات القلوب
وقوله: [من الكامل]
/ ١٦٨ أ/ ومهفهفٍ هزَّ الصِّبا أعطافه هزَّ الصَّبا الغصن الرَّطيب بزهره
ساق [أدارت] جلنار كأسه في سوسنٍ غضٍ أقاحة ثغره
وقوله: [من مجزوء الرجز]
أفدي كحيل النَّاظر مثل القضيب النَّاضر
مرسل صدغٍ جاء في فترة طرف ساحر
إذا سرى يتبعه إنسان كلٍّ ناظر
وقوله في صبيّ نحوي: [من مجزوء الرجز]
يا حسن نحويِّ بدا واللَّيل مرخي السِّتر
فلاح من غرَّته لألاء نور البدر
قد زارني لم يخش من زيد ولا من عمرو
فبات تحت الهمز مفعولًا به في صدري
ولم يزل يرفعني بالفعل فوق الظهر
آخر يفتح من دخول حرف الجرِّ
لأنَّه لم ينصرف حتى طلوع الفجر
وقوله: [من الخفيف]
/ ١٦٨ ب/ لا تلمني على هوى العذري فعذار الحبيب قام بعذري
نمل مسك العذار دبَّ على الوردات تنهد أقحوان الثَّغر
[ ٥ / ٢٢٤ ]
وقال أيضًا: [من السريع]
أفدي الَّذي يفعل بي في الهوى وهو حبيبي فعل أعدائي
قد جمع الأضداد في طلعة تزهى بإشراقٍ ولألاء
من وجهه والشَّعر [والعين] والخدِّ أرانا فتنة الرَّائي
شمس الضحى واللَّيل والبراء والسُّقم ونار الحسن في الماء
وقال أيضًا: [من البسيط]
بمهجتي فارسٌ في لامه ألفٌ في عينه يقتل الرَّائي بإيماء
إنَّ هزَّ قامته واستلَّ مقلته فالموت ما بين هيفاءٍ ونجلاء
كأنَّه قمرٌ من حسن صورته يعشي العيون بإشراقٍ ولألاء
أما ترى صدغه قافًا ومبسمه ميمًا وشاربه تعريقة الرَّاء
في التُّراب خدِّي وفي قلبي الهوى وعلى خدَّيه تضرم نار الحسن في الماء
وقوله: [من الطويل]
أدار بهار الرَّاح في السَّوسن الرَّطب وحيَّا فأحيا الرُّوح ريحانه الشَّرب
/ ١٦٩ أ/ بنرجس عينيه واس عذاره وصدغيه كم يصبي القلوب وكم يصبى
يطوف بكأسٍ لونها لو خدِّه وأفعالها أفعال عينيه في اللُّبِّ
ألم يكفه سلب العقول بلحظه إلى أن أعانت لحظه الكأس في السَّلب
من التُّرك سهل الخدِّ صعبٌ مرامه وهل آفتي إلَّا من السَّهل والصَّحب
بدا مرسل الأصداغ للناس فتنةً بفترة طرف عن نبوَّته تنبي
ظلت به في الحبِّ بعد هدايةٍ ولا غروكم قد ظلَّ قلبي في الحبِّ
طلى منبت الياقوت صفحة خدِّه ومورد فيه معدن اللُّؤلؤ الرِّطب
غنِّي جمال لا يواسي بوصله فقيرٌ إلى تقبيل مبسمه العذب
لئن كان أفنى كنز صبري بصدِّه فيا ليت أبقى لي ولو حبَّة القلب
تقلِّبه أيدي الصَّبابة والأسى إذا صدَّ من يهواه جنبًا إلى جنب
[ ٥ / ٢٢٥ ]
هوىً أضرب النِّيران بين ضلوعه وعاود فيض الدَّمع سلبًا على سلب
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله النصيبي بحلب؛ قال: أنشدني أبو نصر محمد بن إبراهيم/ ١٦٩ ب/ بن الخضر الحلبي لنفسه من أبيان:
[من الكامل]
سيقًا لوادي النِّيربين بجلِّقٍ لله ما أبهى رباه وأحسنا!
فاضت مياه عيونه وتسللت في ظلِّ بانات تروق الأعينا
وكأنَّما نزلت ثراه كتيبةٌ ألقت سوابغها وركَّزت القنا
وأنشدني أيضًا؛ قال: أنشدني لنفسه: [من مجزوء الكامل]
ومهفهفٍ ماء الحيا ة رضابه العذب الخصر
أو ما ترى ظلمات صد غيه وشاربه الخضر
وقال أيضًا يتغزل: [من الوافر]
وأهيف مثل غصن البان قدًا يجول على معاطفه الوشاح
على خدَّيه فوق الورد آسٌ وحول الورد في فيه الأقاح
حبيبٌ راح يبسم عن حباب له من ريقه المعسول راح
أتاني زائرًا والليل داجٍ فأشرق من محيَّاه الصَّباح
فرضت جماحه بكميت راحٍ إلى أن فارق المهر الجماح
فبتُّ ولي بلثمي عارضيه ورشفي راح ريقته ارتياح
ولي من ليل طرَّته اغتباقٌ ولي من صبح طرَّته اصطباح
/ ١٧٠ أ/ وقال: [من الطويل]
فيا شادنًا قد أنبت الورد خدُّه ومن حبب الصَّهباء يدعى الأقاحيا
إذا غربت شمس المدام بثغره ترى شفقًا منها بخدَّيه باديا
فكم ليلة من كأسه ورضابه مزجت سلاف الرَّاح بالرَّاح صافيا
وانفذ حكمي في مراشف ثغره كأنِّي لذاك الثَّغر أمسيت واليا
[ ٥ / ٢٢٦ ]
إذا ما جلت يمناي كأس مدامةٍ عليه تلوَّى صدغه في شمالينا
تجاسرت لمَّا ذقت درياق ريقه على خشن الشَّعر المبلل حاويا
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي بحلب؛ أنشدني أبو نصر محمد بن إبراهيم لنفسه: [من البسيط]
بشرى لجلِّق بل بشرى لأهليها ففي نعيمٍ مقيمٍ من ثوى فيها
جنَّات عدن بها قد أزلفت ودنت قطوفها من مجانيها تجانيها
ترى بها السَّبعة الأنهار جاريةً جرى الشَّعانين في بطحاء واديها
فللخدود حياءٌ من شقائقها وللثغور ابتسامٌ عن أقاحيها
إذا تثنَّت بها البانات مائسةً حكت قدود الغواني في تثنِّيها
/١٧٠ ب/ يصفِّق الماء والأغصان راقصةٌ على غناء القماري في أعاليها
حيث التفتَّ فأنهار مسلسلةٌ تنساب في ظلِّ أشجار تواريها
وكم بدور على الأغصان طالعة هزَّ الصِّبا لا الصَّبا أعطافها تيها
أرضٌ بها الحور والولدان حائرةٌ فيهنَّ أفكارنا وصفًا وتشبيها
من كلِّ أحور كاد البدر يشبهه وكلِّ حوراء كاد الظَّبي يحكيها
تبدي ثعابين أصداغٍ مبلبلةٍ على سوالفها طوبى لحاويها
فما ترى غير ملدوغ الحشا دنف شفاؤه رشفه الدِّرياق من فيها
واحسرتاه على ما فات من عمري إذ لم أقضِّ زماني كلَّه فيها
وقال أيضًا: [من البسيط]
امزج كؤوسك بالسَّلسال من فيكا وعاطني الرَّاح تسقيني وأسقيكا
قم فاجل يا قمري شمس المدام فيا طوبى لمن بات يجلوها ويجلوكا
يا شادنًا صار ستري في محبَّته بين البريَّة بعد الصَّون مهتوكا
ما قلت: إنَّك تحكي الظَّبي ملتفتًا بالجيد واللَّحظ لكن قلت: يحكيكا
أغار بدر الدُّجى حسنًا سناك كما أغار غصن النَّقا لينًا تثنيَّكا
قد فاز من بات يا ريحان عارضه باللَّثم بين كؤوس الرَّاح يجنيكا
[ ٥ / ٢٢٧ ]
/ ١٧١ أ/ لم أخش من حنش الشَّعر المبلبل لمَّا بتُّ حاويه في صدري وحاويكا
وكيف يخشى من الثُّعبان يلدغه من بات يرتشف الدِّرياق من فيكا
كن كيف شئت فإنِّي لا أحبُّ ولا أهوى سواك وعمري لست أسلوكا
وقال في الأوّل من الطويل، والقافية من المواتر: [من الطويل]
وأحور أحوى فاتن الطَّرف والطِّرف حييِّ المحيَّا ليِّن العطف والعطف
تجلَّى فخلت البدر أشرق في الدُّجى وماس فقلت الغصن مال على الحقف
هو البدر لولا قربه من محبِّه هو الغصن لولا نفره الشَّادن الخشف
يحلُّ إذا ما حلَّ عقرب صدغه منازله في القلب منِّي وفي الطَّرف
ترى أبدا الأبصار في صبح وجهه تسر وتسري في دجى شعره الوحف
أتى زائرًا فينصف شعبان خفيةً وهيهات يخفى البدر في ليلة النِّصف
فقابلت منه الخدًّ والقدَّ واللُّما إلى الفجر بالتَّقبيل والضَّمِّ والرَّشف
لئن كان ولاَّني الدُّجى رشف ثغره فقد قدم الإصباح لا كان بالصَّرف
وقال في الثاني من الطويل، والقافية من المتدارك: [من الطويل]
/ ١٧١ ب/ وريم أعار الغصن لين قوامه كما قد أعار الظَّبي حسن أحوراره
سقاني طلًا فيه على ورد خدِّه ونرجس عينيه وآس عذاره
وقال في الثالث من الطويل أيضًا، والقافية من المتدارك: [من الطويل]
أرقت بعضب اللَّحظ من طرفك الدِّما ورقت بعذب اللَّحظ من طرفك الدُّمى
أيا قمر الأرض الَّذي نور وجهه على القمر التَّمِّ السَّماويِّ قد سما
ويا حادي الحسن الَّذي من عذاره وخدَّيه أبدى جنَّةً وجهنَّما
لويت لنا تيهًا من الصُّدغ عقربًا وأرسلت من شعر الذُّؤابة أرقما
سلمت أما ترقى السليم ليسلما فبي ألم يشفى إذا وجدت باللُّما
وبي مرضٌ أعيا فليس طبيبه سواك ولو كان
[ ٥ / ٢٢٨ ]
وقال في الثاني من الطويل، والقافية من المواتر: [من الطويل]
أنا المرء لا يخفى عليَّ صواب ولا خانني عند السُّؤال جواب
ولا زانني في محفل غير مقولي إذا زان غيري ثروةٌ وثياب
/ ١٧٢ أ/ فما أنا إلَّا السَّيف راق فرنده وراغ غيري حليةٌ وقراب
وإنِّي كماء المزن غير مكنَّد وما في للثَّاني الحسود معاب
ولي بيت مجد بالصوارم عامرٌ ولي بيت مال بالنَّوال خراب
وكم خضت بحرًا من دجى اللَّيل طافيًا عليه من الزُّهر النُّجوم حباب
ومالي إلَّا السَّيف والرُّمح صاحبٌ إذا خانني عند الخطوب صحاب
وكم من عظيم قد وقفت ببابه ومن دونه للُّؤم منه حجاب
فما جادني من راحتيه سحابةٌ ولا أخضر لي في ساحتيه جناب
فللدهر عندي لو أفاق شكايةٌ وللحظ عندي لو أصاخ عتاب
وقال في الثاني من السريع، والقافية من المتدارك: [من السريع]
يا معشر العشَّاق ما فيكم من نال ما قد نلت من دهره
عانقت من أهوى وقبلته في خدِّه ألفًا وفي ثغره
قد فاز بالدُّنيا ولذَّاتها من بات من يهواه في صدره
وقال في المجتث، والقافية من المتواتر: [من المجتث]
/ ١٧٢ ب/ مولاي رفقًا بصبٍّ في الحبِّ لاقى صغارا
قد كان يهوى العذارى فصار يهوى العذارا
وقال أيضًا في الأول من الهزج من الكامل، والقافية من المتدارك من المتواتر:
[من الهزج]
أما والمبسم العذب كعقد اللُّؤلؤ الرَّطب
ولحظ فاترٍ يسبي ولفظ فاتنٍ يصبي
أميرًا مطلق الدَّمع كبيرًا طائر القلب
وقال في الثاني من الرجز، والقافية من المتواتر في مغنٍّ حسن الصورة:
[من الرجز]
[ ٥ / ٢٢٩ ]
يا شاديًا بلفظه غنَّاني وشادنًا بلحظه عنَّاني
هل أنت قمريٌ شدا أم قمرٌ بدا على قضيب [غصن] البان
وقال في الخامس من الرمل، والقافية من المتواتر: [من الرمل]
يا نديميَّ اسقياني من لما ساقي الشَّراب
فاتكٌ وهو ظبيّ فتك آساد الشَّرى بي
/ ١٧٣ أ/ إنَّ قلبي في العذاب من ثناياه العذاب
كم غدا يمزج كاسي في الرِّضا بي بالرُّضاب
وقال في الأول من البسيط، والقافية من المتراكب: [من البسيط]
وأمردٍ كان لي في وصله أربٌ فصار لمَّا التحى في هجره أربى
بالأمس وجنته كانت أبا لهبٍ والآن قد أصبحت حمَّالة الحطب
وقال أيضًا: [من البسيط]
وشادن ذي عذارٍ كنت أعشقه فصار يحلق لمَّا أن طغى الشَّعر
فاليوم قد زاد موسى طور عارضه وكان بالأمس في أرجائه الخضر
وقال أيضًا: [من البسيط]
لي في عذار الَّذي أهواه أعذار وفي هواه أحاديثٌ وأسمار
أمير حسنٍ على العشَّاق حاجبه بالوصل والصَّدِّ نهَّاءٌ وأمَّار
كأنَّ صدغيه لمَّا أن حنا علمٌ ولحظه لهذمٌ والقدُّ خطَّار
ممنَّع ثغره ثغر وعارضه سور حماه من الألحاظ أسوار
في خدِّه وثناياه كمنتزهي ورد وورد وأنوارٌ وأنوار
/ ١٧٣ ب/ جذلان يسخر بي لفظًا ويسحرني لحظًا وبي منه سخَّار وسحَّار
لئن تهتَّك ستري في محبَّته فكم تهتَّك للعشَّاق أستار
في التُّرب خدِّي وفي قلبي وفي بصري وفي حشاي الهوا والماء والنَّار
لا عار لا عار في حبِّ الملاح فما في حبِّهم عند أرباب النُّهى عار
وقال: [من البسيط]
ويلاه من فاتر الألحاظ فتَّان وسنانه وسنان الرُّمح سيَّان
[ ٥ / ٢٣٠ ]
ظبيٌ من التُّرك في شربوشه قمرٌ وفي غلالته غصنٌ من البان
يجني ثمار الرِّضا من جاء معتذرًا عن الإساءة من جان ومن جان
ديباج ورد الحيا في وجنتيه بدا مطرَّزًا من عذاريه بريحان
فالقلب من صدغه مسلوب وعقربه ومن ذؤابته ملدوغ ثعبان
يا مخجل الرَّشأ الوسنان ملتفتًا جيدًا بجيدٍ وأجفانًا بأجفان
أنى إلى ريقك العذب البرود لذّة قلبٌ به ظمأٌ حرَّان حيران
مولاي ما حلَّ في قلبي سواك ولا أحاله عنك لا ثان ولا ثاني
أبيت منك بأحشاء مولَّهةٍ ظمأى وطرفٍ بفيض الدَّمع ريَّان
حاشاك تسمع من قول الوشاة وما قد زخرفوا فيَّ من زور وبهتان
/ ١٧٤ أ/ إنِّي لما كان مِّني سالفًا سفهًا لقارعٌ طول دهري سنَّ ندمان
ما أقبح الهجر من بعد الوصال وما أحلى وأحسن وصلًا بعد هجران
وقال أيضًا [من السريع]
هذا النَّقا والزِّند والبان يا هاتف الأيك متى بانوا
دعني أفيض الدَّمع من شانه لي في البكاء مثله شان
يا منزل اللَّهو ومغنى الهوى سقاك هامي المزن هتَّان
أين شبابٌ فيك قضَّيته وأين عيشٌ مرَّ فينان؟
أصبحت يا دار كأن لم يكن لي فيك أوطارٌ وأوطان
إذا أنت للغيد الظِّبا وجرةٌ وللأسود الغلب خفَّان
يا وحشة الدَّار بعيني إذا فارقها أهلٌ وسكَّان
يا دهرنا الماضي هل عودةٌ ترجع أحبابي كما كانوا
وفاتر الألحاظ قلبي إلى رضابه البارد ظمآن
في فيه لي وردٌ وراحٌ وفي خدَّيه لي وردٌ وريحان
الأقحوان الغضُّ ثغرٌ له والنَّرجس الذَّابل أجفان
أغيد قاس ساخطٌ لا ترى لي رحمة منه ورضوان
/ ١٧٤ ب/ أحور أحوى ساحرٌ ساخرٌ هجيره هجرٌ وهجران
يجني وأغضي خوف إعراضه عنِّي وأرضى وهو غضبان
[ ٥ / ٢٣١ ]
بيض الظُّبى من سود أجفانه تشهر والأجفان أجفان
كم قلت لمَّا مرَّ يختال بي تيهًا كما يختال نشوان
يا غصن حسنٍ مونقًا مورقًا كلُّ زمان منك نيسان
من ثغرك النَّور ومن صدغك الآس ومن أعطافك البان
في خدِّك التُّفَّاح عضّا لمن يجني وفي صدرك رمَّان
الغصن في البستان عهدي به وأنت غصنٌ فيه بستان
مولاي كم هذا الجفا والقلى أما لذنبي منك غفران
لا تستمع قول وشاةٍ سعوا فقولهم زورٌ وبهتان
هب أنَّني كنت مسيئًا أما عندك يا ذا الحسن إحسان
وقال أيضًا [من الوافر]
وريميِّ اللِّحاظ رأى غرابًا فأوتر قوسه ورمى بسهم
فخلت البدر أرسل عن هلالٍ إلى اللَّيل البهيم شهاب رجم
وقال أيضًا: [من المديد]
/ ١٧٥ أ/ حظُّ طرفي الدَّمع والسَّهر وفؤادي الهمُّ والفكر
[في هوى] ريمٍ رميت به ما لقلبي عنه مصطبر
من بني الأتراك حاجبه قوسه والأسهم الحور
قمرٌ في الأرض تحسده في السَّماء الشمس والقمر
كعبةٌ للحسن وجنته وبها من خالها الحجر
إن سخا دهري بقبلته كلُّ ذنبٍ منه مغتفر
وقال أيضًا: [من المنسرح]
يا ملبس جسمي السَّقاما يا سالب مقلتي المناما
ما أسعد في هواك صبّا من ريقك ينقع الأواما
في الصُّبح يقبِّل الثَّنايا في اللَّيل يعانق القواما
[ ٥ / ٢٣٢ ]
ما أعشق في الملاح إلَّا من أسهر مقلتي ناما
ما حسن وجنتيه وردًا ما أطيب ريقه مداما
ما أرشق قدَّه قناةً ما أفتك لحظه حساما
لا يرحم عاشقًا كئيبًا لا يحفظ في الهوى ذماما
إن سرَّاك بالوصال يومًا قد ساءك بالصدود عاما
/ ١٧٥ ب/ من لامك في هواه جهلًا بالحبِّ فقل له سلاما
وقال أيضًا: [من الكامل]
سقيًا لوادي النَّيربين بجلِّقٍ لله ما أبهى رباه وأحسنا
فاضت مياه عيونه وتسلسلت في ظلِّ بانات تروق الإعينا
فكأنَّما نزلت ثراه كتيبةٌ ألقت سوابغها وركَّزت القنا
وقال أيضًا: [من الكامل]
عجبًا لمن يخشى العقا ب ولا يكفُّ عن المعاصي
ولمن غدا يرجو الثَّوا ب وليس يعجل للخلاص
فاحتل لنفسك في نجاتك يوم يؤخذ بالنَّواصي
[٦٧٠]
محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن عبد الملك بن عليِّ بن محمَّد بن عليِّ بن العباس بن محاسن بن عليٍّ، أبو حامد بن أبي جعفرٍ الهاشميُّ الحلبيُّ.
سمع بحلب الخطيب أبا طاهر هاشم بن أحمد بن عبد الواحد الأسدي، وابن المهنا؛ ومات بحلب في إحدى الجماديين من سنة ثماني عشرة وستمائة.
/ ١٧٦ أ/ أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم بن أبي الحسن العقيلي- أسبغ الله ظلاله- قال: أنشدني الشريف أبو حامد لنفسه؛ وكتبها إلى الوزير بن أبي يعلى:
[من الخفيف]
[ ٥ / ٢٣٣ ]
حال دون اللِّقاء وحلٌ وبرد وسحابٌ يروح طورًا ويغدو
وظلامٌ كأنَّه وجه نصرٍ وسجاياه حين يطلب رفد
فاعذر العبد إن تأخَّر أو قصَّر يا من إحسانه لا يحد
وابق في نعمةٍ تدوم على الدَّهـ ـر إلى أن يرى لمجدك ندُّ
فكتب إليه ابن أبي يعلى: [من الخفيف]
أيُّها السَّيِّد الشَّريف الفرد قد تغشَّى القلوب بعدك وجد
إن يكن حاجز اللِّقاء البرد فوصال الأرواح ما لا يصدُّ
غير أنَّ الحواس تطلب حظًّا من سجايا خلالها لا تحدُّ
فابق للفضل قدوةً وإمامًا ما تعالى لأهل بيتك مجد
وأنشدني القاضي الإمام السعيد الأجل بهاء الدين أبو محمد الحسن- أدام الله ظلاله- قال: أنشدني الشريف أبو حامد محمد بن عبد الله/ ١٧٦ ب/ بن محمد الهاشمي الحلبي لنفسه؛ يتشوق ريحا وجبل بني عليم، وكان كثير الاهتمام بها، والتردد عليه، وهو موضع بغربي محروسة حلب سنة ثلاث عشرة وستمائة في جمادى الأولى: [من المنسرح]
قد زدت شوقًا وزدت تبريحا إلى ظلال الكروم من ريحا
فهل ترى يسمح الزَّمان بأن أزور تلك الأماكن الفيحا
وهل تراني يومًا بأرض بين الأشجار مطروحا
قد أصبح القلب من تذكُّرها مكتئبًا والفؤاد مجروحا
واهًا لدهرٍ عاشرت فيه بها عصابةً سادةً مساميحا
أيَّام كان الزَّمان يترك لي بابًا إلى ما أريد مفتوحا
دهرٌ قضيناه بالسُّرور فقد مرَّ وأبقى لنا تباريحا
يكاد طيب النَّسيم فيها إذا ما هبَّ يهدي للميِّت الرُّوحا
يا راكبًا يقطع الفلاة على حروفٍ أمونٍ تسابق الرِّيحا
بلِّغ سلامي إلى معرَّة ما رين سقاها الغمام مسفوحا
واطلب إذا جئت منطقًا و زان فؤادًا هناك مجروحا
[ ٥ / ٢٣٤ ]
/ ١٧٧ أ/ محمَّد بن القاسم بن هبة الله بن القاسم بن عليِّ بن محمَّد بن الحريريِّ، أبو عبد الله بن أبي محمدٍ الطبيب الحكيم.
من أهل دنيسر، كان والده ممن يشار إليه في زمانه في علم الطب والمداواة، وله الإصابة في الإنذار في غالب أوقاته.
وابنه هذا قرأ على المهذب أبي الحسن علي بن أحمد بن هبل البغدادي الخلاطيِّ بالموصل، شيئًا من كتابه «المختار»؛ ورحل إلى بغداد، فظهر له بها القبول عند الناس وعالج بها خلقًا كثيرًا بالأدوية، وبعمل اليد؛ ثم رحل منها إلى بلاد العجم.
قال صاحب كتاب «حيلة السريين من خوّاص الدنيسريين»: أنفذ كتابه إلينا من نيسابور، بأنه يقرأ على الإمام فخر الدين أبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الرَّازي المعروف بابن الخطيب. وله خطّ مليح، كتب على الأمير أمين الدين أبي الدُّرِّ ياقوت الموصلي زمن اشتغاله بالطب على ابن هبل، وتقدّم بعلمه عند الملوك والسلاطين، ورغبوا في استخدامه لاسيما في دولة الملك الأشرف؛ فإنه حظي لديه، وصنّف له كتابًا/ ١٧٧ ب/ سمّاه «الروضة» على وضع «كليلة ودمنة»، وكتاب «البلغة».
ومع ذلك له مشاركة قويّة في الفنون الأدبية، وقرض الشعر، وله خاطر سريع في
[ ٥ / ٢٣٥ ]
ارتجاله، ويد طولى في صناعته.
أنشدني الشيخ الحافظ صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد البكري بدمشق، بمنزله المحروس في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد ابن السيزري لنفسه بسنجار في ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وستمائة؛ وأنشدها السلطان الملك الأشرف شاه أرمن- رحمه الله تعالى- ونظم ذلك بديهة: [من الكامل]
يا أيُّهأ الملك الَّذي بعلومه أصبحت بين يديه كالمتعلِّم
أبدعت فيما قلت حتَّى لم يقل أحدٌ بأنَّ الفضل للمتقدِّم
وقال أيضًا: [من الكامل]
أهدي لمولانا دعاءً صالحًا يدعو به في الصُّبح بعد صلاته
وسوى الدُّعاء فلست أملك غير ما أحويه من صدقاته وصلاته
[٦٧٢]
محمَّد بن عليِّ بن زيد بن محمَّد/ ١٧٨ أ/ بن محمَّد بن زيد بن أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن عبيد الله، أبو البركات بن أبي الحسن العلويُّ الحسينيُّ الموصليُّ.
من أبناء النقباء الأشراف بالموصل.
وكانت ولادته في شهر رمضان سنة ستين وخمسمائة؛ وتوفي في إحدى الجماديين سنة إحدى عشرة وستمائة بالموصل، ودفن قبليها في تربة لهم بمشهد الرأس.
أنشدني أبو الحسين القاسم بن أحمد بن زيد العلوي الحسيني؛ قال: أنشدني ابن عمِّي أبو البركات لنفسه؛ وكان أبو البركات يسمِّيه أتابك نور الدين أبو الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر- صاحب الموصل- المنائري. وذلك أنه كان يسأله عمّا يحصل في يده من ذهب، فيقول أبو البركات: صارت منارة، ثم يسأله مرّة أخرى، فيقول: صارت منارتان، صارت ثلاث منائر، يكنّى بذلك عن
[ ٥ / ٢٣٦ ]
المائة الدينار، وكان يداعبه بهذا القول، وينبسط معه، وكان نديمه وجليسه:
[من الكامل]
مولاي لم يخطر فديتك غير ذكرك لي بخاطر
إن كنت يا خير الأنا م نسيتني فالعبد ذاكر
أوليتني منك النَّدى والحرُّ للإحسان شاكر
/ ١٧٨ ب/ لا تستمع قول الأحينف فهو معتل معتلُّ الضَّمائر
الصِّدق شيءٌ عنده في الدَّهر من طرف النَّوادر
يقفو بذاك خلال وا لده أبي الفتح المخامر
إن كنت تسمع قوله فاقر السَّلام على المنائر
[٦٧٣]
محمَّد بن إسماعيل بن محمود، أبو عبد الله الدمشقيُّ الأصل، المصريُّ المنشأ، المعروف بالصفيِّ الأسود الكاتب.
حدَّثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد الحنفي- أيده الله تعالى- من لطفه، قال: كان أبو عبد الله الأسود كاتبًا مجيدًا، حسن الإنشاء، مليح الخط، جيد النظم، كثير التواضع، طيب المفاكهة، خيرًا فاضلًا.
اشتغل في صدر عمر بالفقه، وحصل منه طرفًا صالحًا، وكذلك علم العربية؛ ثم برع في الإنشاء، وكتب للملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب- رحمه الله تعالى- ثم اتصل بخدمة ولده الملك الأشرف موسى، وصار كاتب أسراره، ورأس كتّاب الإنشاء، وحظي عنده/ ١٧٩ أ/ وتقوَّى عليه.
[ ٥ / ٢٣٧ ]
قدم حلب في صدر عمره، وأقام بها مدّة، وكتب بها لسلطانها الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب- رحمه الله تعالى- ثم انفصل عنها وخدم للملك العادل سيف الدين أبي بكر، وعاد إليها مع الملك الأشرف.
واجتمعت به بها، ثم اجتمعت به برأس عين الخابور، وكتب منها بها شيئًا من نظمه، وقرأت عليه بحرَّان جزءًا يرويه عن والده، من جمع الأقليشي رواية والده عنه.
وسألته عن مولده، فقال: ولدت في ذي القعدة سنة ستين وخمسمائة، وتوفي بالرّقة في تاسع عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودفن بها بباب مشهد أمير المؤمنين علي﵇- وبني له تربة على قبره.
ثم قال: ومما أنشدني لنفسه في الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل عند مقدمه من الحج، ويذكر فيها توديعه عند سفره إليه: [من الكامل]
ما بال قلبك للنوى لا يخفق أتراك كنت بحبِّهم تتلمَّق
إن أتهم الأحباب لست بمتهمٍ معهم ولست بمعرقٍ إن أعرقوا
ما أقطعوك سوى القطيعة عندما جمعوا همومك في الحشا وتفرَّقوا
/ ١٧٩ ب/ ولئن كتمت هواهم وسترته فبكلِّ جارحة لسانٌ ينطق
ولقد جننت بهم فقيَّدك الهوى وعن السُّلوِّ عليك بابٌ مغلق
فلذاك دمعك في الخدود مسلسلٌ وأسير قلبك بالصَّبابة موثق
جدَّ الحداة بهم ولو علموا بما لاقيته لتعطَّفوا وترفَّقوا
حطموا بقصدهم الحطيم مخلَّفًا وبدمعةٍ تلك المشاهد خلَّقوا
وأظنُّ قلبك من جمارهم الَّتي كانوا بها عند المحصَّب حلقوا
لو كنت شاهدنا عشيَّة ودَّعوا وقلوبنا بيد المطيِّ تشقَّق
وعيوننا عين تجود بعبرةٍ ممزوجةٍ بدمٍ وأخرى تخفق
لحسدت من أنف التَّعبُّد للهوى وعلمت أنَّ الحر من لا يعشق
[ ٥ / ٢٣٨ ]
خلق اللَّيالي ما علمت فإن أتت بخلافه فتطبُّعٌ وتخلُّق
ولأشكرنَّ صروفها إن أنعمت وتضمَّنتنا بعد بين جلِّق
هي جنَّة الدنُّنيا فماءٌ سلسلٌ ونسيم أسحارٍ وغصنٌ مورق
وشباب حسنٍ لا يشيب ومنظرٌ بهجٌ عليه من النضارة رونق
ولكفِّ أنواء الرَّبيع تمهُّرٌ في نسج حلَّة حسنها وتأنُّق
ولرُّبما من معجزات سميِّه إحياء ميت أو نوالٍ يخلق
/ ١٨٠ أ/ ملكٌ رقى في المجد أرفع ذروةٍ من تحتها الشَّمس المنيرة تشرق
وتجاوز الأفلاك يطلب غايةً ما فوقها المؤمِّل متسلَّق
الفاعل الفعلات عن أمثالها عمر الزَّمان ومن حواه ضيِّق
لم ترض همَّته تجوُّز واصفٍ فسمت إلى ما لم ينله الأسبق
ورمى العلوم بفيصلٍ من فهمه يعنو لفتكته السِّنان الأزرق
فأحاط منها بالدَّقيق عن النُّهى فهمًا وبالمعنى لمن يتحذَّق
سبَّاق غايات لكلِّ فضليةٍ عنق الزَّمان بحليها متطوِّق
أسدٌ يهاب الأسد شدَّة بأسه أبدًا وتحذر من سطاه وتفرق
كم للملوك ببابه من سجدةٍ شكرًا لأنعمه الَّتي لا تخلق
تلقاه خاشعة العيون تكاد من عظم المهابة والجلالة تصعق
لذخائر الآمال فيه تجمُّعٌ وذخائر الأموال منه تفرَّق
في حربه صار القنا متدقِّقٌ في سلمه صوب الحيا متدفِّق
لله منه مجاهدٌ متهجِّدٌ متوزِّع متواضعٌ متصدِّق
ساع إلى البلد الحرام مؤدِّيًا فرضًا تخبُّ به إليه الأنيق
يجرين في بحر السَّراب سفائنًا طورًا تطوف به وطورًا تغرق
/ ١٨٠ ب/ خطَّت على وجه التُّراب نسوعها مدحًا له وبكلِّ أرض مخرق
متجرِّدٌ في حلَّيتي إحرامه كالبدر لاحقه سحابٌ مغدق
إنِّي لأعجب كيف حرَّم طيبه إحرامه وثناه مسك يعبق
ولكنه محجوجة من كعبه رمز العفاة بها تطوف وتحدق
ما زارها إلَّا وعند حطيمها ومقامها شوقٌ إليه تعلُّق
[ ٥ / ٢٣٩ ]
ولو استطاعت أو درت لمسيره كانت زيارتها إلهي تسبق
مولاء خذها حرَّةً عربيَّةً يعشي النَّواظر نورها المتألِّق
جرَّت جريرًا والفرزدق خلفها وعلت على أرق ومثلي يأرق
ما سقتها إلَّا لسوق فضائل في مثلها درر المعاني تنفق
فاخلد وسيفك فالقٌ هام العدا أبدًا وصيتك في المسامع فيلق
لا الدَّهر يقعد عن مرادك في الورى يومًا ولا لأسير حبِّك مطلق
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في السلطان الملك الأشرف- أعّز الله نصره- يعارض بها قصيدة ابن النبيه التي أوَّلها: [من الرجز]
(يا طيف يا أكرم ضيف قد طرق)
/ ١٨١ أ/ ما طبعوا سيوفهم من الحدق إلَّا لأنَّها أحدُّ وأدق
فواتر بواترٌ ما رمقت قطُّ فأبقت للمحبِّين رمق
كم أودعت يوم الغرام لوعةً لهيبها لو لمس الماء احترق
ترى هم رقُّوا لما لقيته بعدهم من الفراق والفرق
يكذِّبون ما ادَّعيت من هوىً وشاهد الحال لدعواي صدق
أنفقت عمري في انتظار وصلهم فضاع ما أنفقته ما اتَّفق
وابأبي من جمعت وجنته ماءً ونارًا وصباحًا وغسق
كأنَّما في قسمات وجهه بين مسائين ابتسامات فلق
ريمٌ له قلوبنا مراتعٌ غصنٌ له ملابس الحسن ورق
ذو هيف كيف أطاق خصره حمل الَّذي رصِّع فيه من حدق
أسهرني ونام ملء جفنه موسَّدًا من الفؤاد ما خفق
[ ٥ / ٢٤٠ ]
قد فتحت لي فيه أبواب عنًا لأيِّها شاء الغرام بي طرق
ألَّف ما بين اللَّهيب والحشا فليته بين الجفون ما فرق
صاحب ديوان الغرام خاله له على النَّاس بقايا وعلق
مذ سلِّمت خزائن الحسن له فكَّ جميع ما عليها من غلق
/ ١٨٠ ب/ وحازها فلم يجد أحسن من صفات مولانا فخان وسرق
مظفَّر الدِّين المليك الأشرف الكريم حقًا وسواه مختلق
اللاَّبس المجد جديدًا والورى عليهم منه الفتيق والخلق
مسني العطايا والزَّمان باخلٌ مردي الأعا والمنيَّات حزق
حمَّ السَّحاب خجلًا من جوده فرعده الرِّعدة والغيث العرق
جرى به الفضل إلى نهاية سابق فيها العالمين فسبق
كالغيث في أيِّ مكان حلَّه يرجى ويخشى منه ريٌّ وغرق
ساحرةٌ ألفاظه وإنَّما معجزه إبطال سحرٍ غير حق
لو صافح الصَّخر الأصمَّ كفُّه لانبجس الصَّخر بماءٍ ودفق
يكاد أن يدرك من ذكائه ما في الضَّمير واللِّسان ما نطق
لو أنَّ أملاك السَّماء كلِّفوا إحصاء ما تبذل كفَّاه لشق
أيَّ أسير لم يفكَّ جوده من أسره وأيَّ حرٍّ ما رزق
من درَّةٍ مكنونةٍ صوَّره خالقه والنَّاس بعد من علق
فليهنه العيد وألفٌ مثله في نعمٍ واردةٍ على نسق
يا مدحتي خذي أمانًا كل من (يا لطيف يا أكرم ضيف قد طرق)
/ ١٨٢ أ/ واعتذري إلى مجيدٍ شاعرٍ رهن القوافي في يديه قد غلق
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الرمل]
أقداحٌ في جفونٍ أم قدح أسكر السَّاقي بها لمَّا جرح
[ ٥ / ٢٤١ ]
بأبي من وجه لي روضةٌ أنبت الحسن بها كلَّ الملح
نصبت عيناه قلبي شركًا صادتا طرفي به لمَّا لمح
سلَّم الحسن إليه فانتقى منه ما اختار فؤادي واقترح
زارني واللَّيل فلو لم يلح برق الثَّنايا ما افتضح
أيُّ بدرٍ لاح من أفق قبًا وغزالٍ غير وحشينٍّ سنح
سمت منه قلبةً في فمه كان في النَّوم بها الطَّيف سمح
وتعمَّدت يمينًا برَّةً أنَّ أسرار هواه لم تبح
فأدار اللَّحظ عنِّي معرضًا قاتل الله فؤادي ما ألح!
كلَّما استعطفته أنشدني: (صلح النَّاس وهذا ما صلح)
قال: وأنشدني لنفسه صدر كتاب: [من الطويل]
وأحسن ما في جود كفِّك أنَّه أتاني ولم أشعر بأنَّك فاعله
/ ١٨٢ ب/ فقلت له من أين جئت؟ فقال لي: أتيتك ممن يخجل السُّحب نائله
من المبتدي بالمكرمات عبيده ولم يسع عافيه ولم يشق سائله
وقال؛ وكتب إليه تاج الدين بن الكعكي صاحب ديوان الجيش يطلب منه ورقًا: [من الرجز]
يا من نداه قد فهق فوجوده مثل الوهق
أمنن عليَّ بالورق فكما مننت بالورق
أفنت بالفضل أحق
فأجابه مرتجلًا: [من الرجز]
يا من إلى الفضل سبق بشكرك الدَّهر نطق
من درًّة خلقت والنَّاس جميعًا من علق
أنت بما وصفته من سائر النَّاس أحق
قد سيَّر الخادم ما أمكنه من الورق
[ ٥ / ٢٤٢ ]
ولو أطاق كسر [هـ] الـ ـرَّاء ولكن ما اتفق
وقال: وكتب إليه النجيب التاجي: [من الوافر]
/ ١٨٣ أ/ أيا مولى يشرِّف كلَّ وقت بإنعامٍ يقرُّ له الكرام
أتتني منك ألفاظٌ فصاحٌ يتابعهنَّ أشعارٌ جسام
تجرُّ جرير ما يحويه فضلًا ومثل بديع فضلك لا يرام
فأجابه: [من الوافر]
فديتك لا عدمتك من خليل تباكرني أياديه الجسام
يوافيني قريضك كلَّ يومٍ وما ألفاته إلاَّ السِّهام
قريضٌ ملء أبحره لهيبٌ قوافيه الصَّواعق والسَّلام
وأنشدني القاضي أبو القاسم، قال: أنشدني أبو عبد الله الأسود لنفسه:
فديته ليس عليه جناح وإن تعدَّى طور كلِّ الملاح
دمي له حلٌّ وعرضي لمن يلوم أو يعذل فيه مباح
أطلعت في شرع الهوى حكمه كطاعة السُّحب لأمر الرِّياح
مفقَّه الألحاظ لكنَّها لم تقر إلاَّ في كتاب الصِّحاح
سكران من خمر الصِّبا لم يفق وكيف يصحو وجنى فيه راح
أودعت أسرار هواه الصَّبا فاهتزَّ منها الرُّوض طيبًا وفاح
/ ١٨٣ ب/ هل طال ليلي فيه أم تاه في ضلال صدغيه ضياء الصَّباح
يا روضةً أجفانها نرجسٌ وخدُّها وردٌ وفوها أقاح
أوصلت الحسن إلى غايةٍ زادت على التَّأميل والاقتراح
وقال: وأنشدني لنفسه هذه الأبيات، كتبها إلى ابن عنين الشاعر جوابا عن أبيات سيّرها إليه مع هديّة: [من المجتث]
أبيات مولاي عندي بديعةٌ لا تحدُّ
وكلُّ شعرٍ سواها فساقطٌ لا يعدُّ
وقد صوت إليها فبي غرامٌ ووجد
[ ٥ / ٢٤٣ ]
ورحت أنظم منها عقدًا لآليه حمد
لمن له حرُّ مدحني على الحقيقة عبد
أهدى إليَّ وخيرٌ من الهديَّة ودُّ
مؤكَّدٌ كلَّ يمٍ منه إلى الحشر عقد
قال: وأنشدني/ ١٨٤ أ/ له في كتاب تعزية: [من الوافر]
ولو كان البكاء يردُّ ميتًا إلى دار الحية من القبور
لأجرينا ليرجع من فقدنا دموعًا كالبحور على النُّحور
قال: وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
ولو ردَّت إلى ميتٍ حياةً دموعٌ تستهلُّ من الجفون
صددنا الموت عن من يشتهيه بإجراء العيون من العيون
وقال: وأنشدني أيضًا قوله: [من الكامل]
عنّا بعذلك والزَّمان مواتي والخدُّ نقلى والعيون سقاتي
والرَّوض قد حمل النَّسيم تحيَّةً عن زهرةٍ مسكيَّة النَّفحات
ركعت أباريق المدام وصاح حيَّ على الصَّبوح مؤذَّن الصَّلوات
وتجاوبت أوتارنا بلغاتها فالتفَّت النَّغمات بالنَّغمات
فاستجل بكرًا توجِّت بحبابها لمَّا عقدت لها على ابن فرات
كالشَّمس إلّا أنَّ مشرقها يدي ومغربها فمي ولهاتي
من نور عيسى حلَّ في ناسوتها أو نار موسى صاحب التَّوراة
/ ١٨٤ ب/ شرع السُّجود لها اتِّحاد ثلاثة منها ومن ماء ومن كاسات
وتجاوزت لطف الهواء فلم تزد في الكأس عمَّا لاح في المرآة
موجودةٌ معدومةٌ فكأنَّها جرى على أدوارها
من كف معتدلٍ القوام مهفهفٍ خنث الشّمائل شاطر الحركات
[ ٥ / ٢٤٤ ]
فطنٍ يكاد من الذَّكاء يرى الَّذي في أنفس النُّدماء من حاجات
يهوى فتكتب في الثَّرى أصداغه لك نسخةً من جامع اللَّذات
في خدِّه وعذاره ورضابه كم للهوى واللَّهو من آيات
كالماء إلَّا أنَّه متماسك وطيء المحبّ به على الجمرات
يسقيك من فيه ومن ألحاظه سكرين ممزوجين في الوجنات
هذي تميت وهذه تحيي فيا لله من موتي به وحياتي
[٦٧٤]
محمَّد بن المظفر بن محمَّد بن الحسين بن إسماعيل بن المبارك، أبو عبد الله الموصليُّ المعروف بابن جعرة؛ من أولاد قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريِّ
كان والده عدلًا بالخزانة لبني أتابك
رأيت أبا عبد الله شابًا طويلًا/ ١٨٥ أ/ أشقر مقرون الحاجبين، صوفيًا، وكان ذا تديُّن وصلاح، خيِّرًا تقيًا، وكان مواظبًا على الصلوات الخمس، مداوم الصوم، طلق النفس، لم يقبل من أحدٍ شيئًا، يورّق ويقتات من كسب يده، لم يدخر شيئًا من عرض الدنيا.
صار إلى بغداد، وأقام بها مدّة، وتوفي بها بالجانب الغربي، بمارستانها العضدي في ليلة الجمعة الخامسة عشر من شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. وكان يسمّى نفسه عبد الله تواضعًا، وتارة يكتب اسمه المبارك، والاسم الذي سمّاه به والده فهو محمد.
أنشدني أبو الحسن علي بن المظفر بن محمد الموصلي، قال: أنشدني أخي أبو عبد الله محمد لنفسه، يمدح شرف الدين أبا البركات المستوفي بإربل:
[من مجزوء الرجز]
قيل سلا المكلَّف وأنكر المعترف
[ ٥ / ٢٤٥ ]
وعاد عن لجاجه القلب الحزون المدنف
وما دروا أنَّ الهوى تعظم فيه الكلف
وأنَّ أستار الغرا م بالدُّموع تكشف
جهَّالة لاموا على شمس ضحى لا تكسف
/ ١٨٥ ب/ لمَّا خلت قلوبهم من الغرام عنَّفوا
وقلَّ ما يوجد في شرع الهوى من ينصف
يا قمر أوصافه كاملةٌ لا توصف
في الخدِّ منك وردٌ باللَّحظات تقطف
ومن سناك طرف من يدنو إليك يطرف
أرطب من غصن الأراك ك قدُّك المهفهف
والرِّيق في فيك ترى أم السُّلاف القرقف
وثغرك الدُّرُّ على صافي العقيق يرصف
فحبَّذا كأسٌ به من الرَّحيق ترشف
يتعب فيك الكاشح الـ ـمرتاب والمعنِّف
وقائل لي والركا ب في الفلاة تعسف
أين تريد بالمطيِّ في السُّهوب تجف
فقلت حيث يعتلي الفخر ويسمو الشَّرف
ربع المبارك الَّذي على النُّجوم يشرف
طود حمى رأسٍ إذا خفَّ لخطب أحيف
/ ١٨٦ أ/ لولا التُّقى لقلت في علاه جاء المصحف
يجود بالطَّبع إذا ما فضح التَّكلُّف
فكم لنا من جوده روضة جودٍ أنف
يكره أن تبدو له عارفةٌ ويأنف
ثبتٌ وقورٌ والجبال ل الشَّامخات ترجف
لا يخلف الوعد وأنـ ـواء السَّحاب تخلف
يأتي بنصِّ الشَّرع والأحكام فيها جنف
[ ٥ / ٢٤٦ ]
مقتبل السَّعد على رغم العدا ما تنف
فهو وبيت الله من روح الوصال ألطف
يا أوحد العصر الَّذي أوصافه تختلف
لين النسيم غبَّه نزوة نار تخلف
حجَّك مفروضٌ وبالـ ـبيت الحرام أحلف
خذها إليك حرَّةً لباسها مفوَّف
تلطف من ألطافكم طباعها وتطرف
تظلُّ عن غيركم من الأنام تعزف
/ ١٨٦ ب/ كأنَّها أخلاقك الـ ـحسنى بها تشرِّف
[٦٧٥]
محمَّد بن محمود بن محمَّد بن مقدار بن فارسٍ الحرَّانُّي، أبو عبد الله بن أبي الثناء.
كان والده وزير الملك المعظم المظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين بإربل، واستصحبه من حرّان.
وأبو عبد الله قدم إربل في خدمة مظفر الدين، ولي المظالم مدَّة طويلة بإربل.
حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي بإربل-[رحمه] الله- قال: كان أبو عبد الله عنده قحة، وله هيبة يخافه الناس لهما، وصحبته مدّة، وأخذ عني جملة من النحو، إلّا أنه لم يكن له في ذلك طبع، فلم يحصل منه على شيء ولم أعلم زمن ولايته مع ترددي إليه، أنه يحسن عمل شيء من الشعر؛ فلما عزل وقبض هو ووالده وأقاربه وحاشيته وإخوته كان يكتب في رقاعه أشعارًا غريبة من مثله.
وتوفي بإربل ليلة الجمعة ثالث وعشرين شهر ربيع الآخر من سنة اثنتي عشرة وستمائة، ودفن في يومها ظاهر البلد، بالقرب من باب المدينة/ ١٨٧ أ/ المعروف بباب عشائر.
[ ٥ / ٢٤٧ ]
وكان لما خرج من الحبس فقيرًا على أشدّ ما يكون من الفقر، واتسعت الحال؛ فكان يجتدي بشعره الأمراء، وأصحاب الولايات والمناصب.
وكتب إليّ لنفسه هذه الأبيات: [من الوافر]
بأيمن طالع وأجلِّ سعد قدمت فحلَّت الأفراح عندي
أجرني من لظى سجنٍ وضرٍّ يقطِّع بعضه أعلاق كبدي
فقد أصبحت حلف ضنًى وسقمٍ أكابد لوعتي في اللَّيل وحدي
أديم الأرض من تحتي فراشي وساعدي الوسادة تحت خدِّي
وأنت ذخيرتي يا خير مولًى عليه معوَّلي وإليه قصدي
فعاملني بعفوك لا بفعلي وهب لي زلَّتي بقديم ودِّي
وأنقذني بحقِّ إمام صدق أباد الكفر في بدر وأحد
شرابكم الرحَّيق وسلسبيلٌ وشربي الدَّمع ممزوجًا بدردي
وقد وافى الشِّتاء وليس عندي لردِّ البرد شيءٌ غير جلدي
فلا تعدل إلى مطلٍ ووعدٍ فأعذب ما يكون البرُّ نقدي
وأنشدني الصاحب أبو البركات/ ١٨٧ ب/ المبارك بن أحمد المستوفي الإربلي، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن الحراني هذه الأبيات، وكتبها لي بخطه، وطلب مني أن أصلح منها ما فيها من خلل فأصلحته، وعملها في الأمير الكبير شهاب الدين أبي الوفاء قرطايا بن عبد الله المعظمي المظفري، يستعطفه لوالده- رحمهما الله تعالى-: [من الكامل]
يا صاح قد صاح الهزار وغرَّدا وشدا بألحان فأخرس معبدا
والزَّهر مبتسم الثُّغور فأبيضٌ يققٌ وأصفر ظلَّ يحكي العسجدا
مع أخضر يحكي الزَّبرجد ناصعٍ في جنب أحمر قد زها وتورَّدا
قد زانه بسواد آخر حالكٍ يحكي عذار مقرطقٍ لمَّا بدا
هذا وقد وشي الجميع بأزرقٍ شبه الأسنَّة لا ترى فيها صدا
في روضة فيحاء باكرها الحيا طورًا شاميًا وطورًا منجدا
ومدامة صفراءٍ تحسب كأسها ذهبًا وسمط الدُّر فيه منضَّدا
[ ٥ / ٢٤٨ ]
حضرت مناجاة الكليم وشاهدت زمن المسيح وعتِّقت في صرخدا
ورأت بني مروان في سلطانهم وروت بما فعلوا حديثًا مسندا
وهي الَّتي كان الوليد يصونها فإذا بدت خرُّوا لديها سجَّدا
/ ١٨٨ أ/ وبمدحها نال ابن هاني رتبةً علياء نازعها الأمين محمدا
فهناك تستلب العقول جاذرٌ مرضى العيون بكلِّ أجيد أغيدا
يصر على آساد الرِّجال بأعينٍ كظبى شهاب الدِّين في هام العدا
القائد الجرد العتاق ومن له شهد الأكارم بالسَّماحة والندى
ما نازل القرن المناجز في الوغى إلَّا وأضحى في يديه مصفَّدا
يلقاك مبتسمًا متى وافيته بتواضع بعلا [هـ] يعلو الفرقدا
أيحلُّ يا مولاي قتلي عامدًا بمقال واشٍ قد تجنَّى واعتدى
حاشا طباعك أن يشوب صفاءها كدرٌ أرى عيشي له متنكِّدا
وقال لي: أريد أن تتم عليها شيئًا آخر؛ فعملت وذلك في سنة إحدى وستمائة:
[من الكامل]
وأجلُّ مثلك وهو يعلم حالتي أن لا يمدَّ إلى مراعاتي يدا
ما لي رأيتك ملت عنِّي جانبًا أغفلتني معه إلى هذا المدى
ولقد عهدتك لا تزال تبرُّني بندى يديك فما عدا ممَّا بدا
عد لي إلى الحسنى الَّتي عوَّدتني إنَّ الكريم يهمُّه ما عوَّدا
ودع الوضاة وما أتوه فإنَّه إفكٌ وخلِّ لحاسدٍ أن يحسدا
/ ١٨٨ ب/ أنا ذلك العبد الَّذي أنقذته ممَّا يخاف وقد أطلَّ على الرَّدى
كم منَّة لك عنده مشكورةٍ أمسى بزاكي طولها متقلِّدا
لو همَّ لا عمدًا ليجحد فضلها لأبى عليه مكانها أن يجحدا
[ ٥ / ٢٤٩ ]
[٦٧٦]
محمَّد بن عيسى بن عليِّ بن مطر بن محمَّد بن هياجٍ، أبو عبد الله الموصليُّ.
حدثني الصاحب أبو البركات المبارك بن أحمد الإربلي؛ قال: ورد أبو عبد الله الموصلي إربل تاجرًا، في سنة إحدى عشرة وستمائة، وذكر إنَّ هياجًا جدّه الأعلى كان من جملة نواب شرف الدولة قرواش وزيرًا.
عنده معرفة بشيء من النحو واللغة، وذكر أنَّه قرأ شيئًا من الطبّ على أبي الحسن علي بن أحمد بن هبل الحكيم.
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
إذا قيل هل في ثغر دمياط من يؤمل أو جار الرئاسة والكرم
أجابك جواب البلاد بأنَّ من فواضله عمَّت على العرب والعجم
[٦٧٧]
محمَّد بن أبي الحسن بن مازل/ ١٨٩ أ/ بن حمادٍ، أبو عبد الله، الإربليُّ المولد والمنشأ.
جدُّه منازل أصله من أسعرد.
قرأ شيئًا من علم العربية على أبي عبد الله محمد بن أبي الوفاء النحوي المعروف بابن القبيصي، واشتغل بالفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة﵁-.
من بيت العدالة والتجارة بإربل إلاَّ أنه قد قلّ ما بأيديهم فتضعضوا.
خرج أبو عبد الله من إربل ممتدحًا مكتسّبًا؛ وتوفي بالموصل في سادس عشر جمادى الأولى سنة ست عشرة وستمائة.
أنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه:
[من مخلّع البسيط]
ظبيٌ من الحسن في شعار قد عزَّ في حبِّه اصطباري
[ ٥ / ٢٥٠ ]
قد زانه الله بالعذار خلعت في حبِّه عذاري
قد جمع الحسن بين ماء في وجنتيه وبين نار
والخال في خدِّه ينادي حذار من ناره حذار
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
يا ليلةً قضَّيتها مع شادن كالغصن عند تمايلٍ وتلفُّت
/ ١٨٩ ب/ ما زلت أسقيه وأشرب كأسه مملوءةً برضابه قد شجَّت
لمَّا انثنى سكران يخفض صوته ويداي منه تحلُّ عقد التِّكة
نبَّهته سحرًا وقلت له اصطبح فلقد ظفرت بمنيتي يا منيتي
وأنشدني؛ قال: أنشدني من شعره: [من البسيط]
وأهيف في رداء الحسن والخفر يزري على النَّيَّربين الشَّمس والقمر
بدا فأبدى لنا من نور غرَّته بدرًا أحاط به ليلٌ من الشَّعر
له من الصَّخر قلبٌ حلَّ في جسد تكاد تشربه عيناي بالنَّظر
لم أنسه زارني عمدًا بلا عدةً وعمر ليلتنا في غاية القصر
تجري علينا كؤوسًا خلتها شهبًا تردي فوارس خيل الهَّمِّ والفكر
[٦٧٨]
محمَّد بن المفضل بن الحسن بن مرهوبٍ، أبو عبد الله الحمويُّ، المعروف بابن الإمام.
من أهل حماة.
حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد الحنفي العقيلي- أيده الله تعالى- قال: محمد بن الـ[ـم]ـفضل الحموي رجل فاضل فقيه/ ١٩٠ أ/ بارع، حسن النظم والنثر، قادر على ذلك.
أقام عندنا بحلب سنين، ثم خرج إلى بلده حماة، وانتقل إلى حمص، فأقام بها، في خدمة الملك المجاهد زعيمها، يسيَّره رسولًا عنه إلى جهات مثل حلب ودمشق
[ ٥ / ٢٥١ ]
وغيرها؛ وكان حسن الأخلاق، ظريفًا، طيب المفاكهة.
أنشدني لنفسه: [من البسيط]
يا أيُّها المتنائي عن أحبَّته بعد اقتراب متى يدون بك الوطن
أهل تعشَّقت دارًا غير دارهم وجيزةً وهم دون الورى السَّكن
بمن تعوَّضت عنهم حين لا بدلٌ وهم على الحالتين الرُّوح والبدن
خف وقفة العتب منهم حيث يخرس عن ردِّ الجواب الفصيح المدره اللَّسن
يا جيرةً كان في الأحشاء منزلهم والقلب مسكنهم والعين والأذن
يا راحة القلب أنتم منتهى أملي فإن عطفتم فلا حزنٌ ولا حزن
أنتم مرادي من الدُّنيا ولذَّتها وأنتم لجفوني في الكرى الوسن
لا أوحش الله منكم حيثما اتَّجهت ركابكم إن أقام الركب أو ظعنوا
وأنشدني أيضًا؛ قال أنشدني أبو عبد الله محمد بن المفضل الحموي لنفسه:
[من البسيط]
/ ١٩٠ ب/ ولي إليك اشتياقٌ زاد لاعجه وجدًا ونارًا على الأحشاء يضطرم
وأرتجي القرب من رؤياك يا أملي عسى يعود زمانٌ كلُّه نعم
وكلَّما مرَّ وقت قلت مجتهدًا لا أوحش الله منكم من يحبُّكم
[٦٧٩]
محمَّد بن يوسف بن عليِّ بن عبيد الله الشَّيبانيُّ.
من أهل البوازيج.
كان أبوه رجلًا قصابًا.
وكان أبو عبد الله؛ من صغره يميل إلى الأدب ويعاني الكتابة، ويتولّع بذينك الفنّين.
ثم هاجر من وطنه، ودخل ديار بكر، واستقرّ مقامه بآمد، واتصل بخدمة الوزير ضياء الدين أبي القاسم أحمد بن شيخ السلاميّة، وصار يكتب بين يديه؛ فلمّا هاجر الوزير إلى الموصل، استكتبه الملك الصالح أبو الفتح محمود بن محمد بن داود بن
[ ٥ / ٢٥٢ ]
سلمان- صاحبها- في ديوان الإنشاء؛ ثم كتب بعده لولده الملك المسعود أبي المظفر مودود.
وكانت ولادته في حدود سنة سبعين وخسمائة، وعلقت من شعره بخط يده؛ قوله: [من الخفيف]
/ ١٩١ أ/ كم يريني اعتدالك الإعداءا وانثناء القوام منك انثناءا
يا أخا السَّمهريَّ لونًا ولينًا وسنًى عند هزِّه وسناءا
أيَّ سحرٍ موَّهت في المقلة الخو صاء حتَّى أرسلتها نجلاءا
ما غزت في كتيبة الحسن حتَّى عقدت من ذؤابتيك لواءا
أنزلت وحيها على مرسلي صد غيك في كلِّ فترة أجزاءا
وأتت حجَّة التَّأوُّل فيه بدليلٍ فأصبحت أهواءا
بأبي نضرة النَّعيم بخدَّيـ ـك الَّتي لا تبيح إلَّا الشَّقاءا
يا لها جمرةً طغت فوق ما أمنت في التجرح الإنطفاءا
إنَّ عينًا جادت عليَّ وكانت في ليالي الصُّدود تبكي دماءا
لا تلمها إن أهدت الدُّر البيـ ـضا وكانت ياقوتةً حمراءا
صعَّدتها نار الصَّبابة لمَّا طلبت من وصالك الكيمياءا
يا غزال الأتراك راحوا أسودًا في سروجٍ وفي مروجٍ ظباءا
كيف أرسلت فوق كافورة الصُّبـ ـح من المسك ليلةً ليلاءا
وأمرت السُّود أن تطـ ـبع بيضًا سقَّيتهن الضِّياءا
ما اعتقدت الحلول يا بدر في مثـ ـلك حقّا حتَّى حللت القباءا
/ ١٩١ ب/ لا تعدلي في الخضـ ـراء إذ كنت بانةً غنَّاءا
واختصر لي منك السِّناد إلى الهجر فقد أصبح الهوى إيطاءا
حبَّذا الدَّوح في رياضك أعوا دًا وقينات ورقه خطباءا
والرُّبى لا تريك في حلل السُّنـ ـدس إلاَّ ديباجةً رقشاءا
يوم تثني لحاظك الخمر سكرى فترينا المدامتين سواءا
[ ٥ / ٢٥٣ ]
وجلا شمسها الهلال فقلنا في الثُّريَّا حلَّ الصَّباح مساءا
ومنها في المدح:
الحليم الأوَّاه والقانت الأوَّاب يهمي حيًا ويغضي حياءا
نبوي تنجاب عن نوره الحجـ ـب فتخفي شمس الضُّحى الآلاءا
أمناء الوحي الهداة المياميـ ـن الشُّخوص الَّتي خلقن ضياءا
هاشميُّ الأعطاَّف إن صال أوصا ب أراك الأنوار والأنواءا
طود حلم رسا فألقى عليه الله من جدِّه النَّبيِّ رداءا
فانتهز فرصة السُّكوت فقد أنـ ـطق ياسين فيه والشُّعراءا
واحترز أن يضوع فكرك في معنـ ـى المثاني تملي عليك الثَّناءا
يمتطي كاهل التأني فإن سدَّد سهمًا للنصر سدَّ الفضاءا
/ ١٩٢ أ/ أرسلت فكرتي إليه المعاني كلَّ معنى يجاوز الجوزاءا
كلَّما استرفعت حجابًا من القد رة نادى بها الجلال وراءا
حلَّ فيه السِّرُّ الإلهيُّ فانظر تره في جبينه سيمياءا
من يكن علمه مثل علمي لا يرى أن يقلِّد العلماءا
وله: [من المديد]
حبَّذا الطَّيف الَّذي سنحا فرآني مثله شبحا
رام أن يخفى فنمَّ به رائد الطِّيب الَّذي نفحا
زورةٌ كانت لمرسله مرهم القلب الَّذي جرحا
يا أصيحابي مغالطةً نزح الدَّمع الَّذي نزحا
إعذروني إن بكيت دمًا الكرى في ناظري ذبحا
واقفًا بالربع أندبه ما على العذَّال صدحا
آه واشوقا إلى ملحٍ منه أمست في الهوى لمحا
وبنان البدر حامله في ثريَّا الكأس شمس ضحى
وليال بات من كرمٍ سيِّدي في الخصر متشَّحا
كلَّما عنَّت مناطقه زادني في كفِّه قدحا
/ ١٩٢ ب/ شمت برقًا من مقبَّله فأراني خدُّه قزحا
[ ٥ / ٢٥٤ ]
أسكرتني بابليَّته يوم حيَّاني بها وصحا
سلَّمت راحي لريقته حجَّة التفضيل واصطلحا
وثنايا الليل ما ابتسمت وخليج الطَّبع ما طفحا
حار فيه النَّجم حين رأى أدهم الظَّلماء قد جمحا
وله في صفة نهر: [من الكامل]
ومبر ينحو الصَّدى باكرته والجوُّ روضٌ والهلال نديم
سلساله متدفِّقٌ من كوثر في جنَّةٍ ورحيقه مختوم
صقلته وانية النَّسيم فماؤه الفضيُّ في ذهب العقار نسيم
ينساب أرقمه فتحسب متنه نصلًا يريك البرق وهو هزم
نازعت قمريَّ التَّرنُّم كأسها وكأنَّه بخلوقها ملطوم
وجدي به حيٌّ وسلواني به ميتٌ ولكن ناظري قيُّوم
حيَّته راقصةً فقبَّل ثغرهأ فكأنَّما لثم الغزالة ريم
وكأنَّ دهم اللَّيل أول سابق منها على حوض الصَّباح يحوم
صرفًا كما حكم المزاج فإن يكن نارًا تشُّبُّ فإنَّها تنسيم
/ ١٩٣ أ/ ومنها في صفة الراووق:
ومهينم ألفاظه لغزيَّةٌ يشدو فلا رملٌ ولا مزموم
من قاسم بالمعدن التِّبريِّ تظـ .ـهره الزُّجاجة إنَّه لحكيم
يبكي وما هو باليتيم فلا ترى إلَّا ابتسام الدُّرِّ وهو يتيم
وله من أبيات: [من الكامل]
يوم الفريق سقيت كأس فراق فاسق الطُّول سحائب الآماق
أنفقت بعدهم التَّجلُّد فأبكهم بمدامع تزكو على الإنفاق
وأغنَّ وكل بي سقام جفونه فضنيت وهو مطالبي بالباقي
لمَّا سرقت بناظري من خدِّه وردًا حمته صوارم الأحداق
قطع الكرى عن ناظريَّ تعمَّدًا والقطع حدُّ جناية السُّرَّاق
ناديته وهو النَّديم ومطربي ومنازعي الصَّهباء وهو السَّارقي
[ ٥ / ٢٥٥ ]
يا بدر لولا أنَّ صدغك مرسلٌ ما آمنت بك أمَّة العشَّاق
لك آيةٌ من ليلةٍ تدعو إلى توحيد وجهك ساعة الإشراق
أو ما وهي كأنَّها دمع الأسى وحشاشة المشتاق
ولها من الدُّرِّ الثَّمين قلادةٌ صانته بين ترائب وتراقي
/ ١٩٣ ب/ إنِّي إذا ساقي الحميَّا شاقني شمَّرت في شربي [الطِّلا] عن ساق
سيما إذا اعتلَّ النَّسيم وغنَّت الـ ـورقاء خلف ستائر الأوراق
لحنًا ترى الإعراب فيه ظاهرًا ترويه نصّا عن أبي إسحاق
وله: [من المتقارب]
ألا عاطنيها فثوب الأصيل رقَّ فضمِّح بالزَّعفران
إلى أن تجرِّد كفُّ الصَّباح على حبشيٍّ الدُّجى هندواني
وحتَّى تراه قتيلًا به ومن دمه ضرِّج الخافقان
وله: [من مجزوء الرمل]
ناظر الظَّماء ادعج وجبين الصُّبح أبلج
أترى صدغك يا تر كيُّ بالسَّالف عرَّج
كيف أبقى ظلَّه المسـ ـكيَّ في الورد البنفسج
ورد خدٍّ كلَّما شو فه بالعين تضرَّج
يا له روضًا متى ما صوَّح الرَّوض تارَّج
فيه من فيه غديرٌ للحميَّا يتموجَّ
هكذا من طلب الدُّر من المعدن لجَّج
/ ١٩٤ أ/ ربَّ ليلٍ طرفه الأد هم بالظَّلماء مسرج
رعته بالكأس حتَّى تتبلَّج
يا نديمي فاختيِّ الـ ـجوّ والرَّوض المدَّبج
[ ٥ / ٢٥٦ ]
فاسقنيها جذوةً أبهى من الشَّمس وأبهج
وله: [من الكامل]
إنِّي إذا قعد الملوك عن العلا وطلابها ألفيت مجدي قائما
وأبيت يقظان العزائم ساهرًا أسعى لها إن بات غيري نائما
وأعدُّ بذلي للألوف مغانمًا إن عدَّها يومًا سواي مغارما
أهب المضمَّرة العتاق صوافنًا وأبثُّها يوم الطِّراد صلادما
في أيِّ يوم لم أجرِّد صارمًا منِّي وأغمد في المفارق صارما
كالنار والماء اجتماعًا عالم أزل في الحالتين محاربًا ومسالما
أتشام غير بروق جودي لا ومن أنشا أنامل راحتيَّ غمائما
ويلوذ ملهوفٌ بغير صنائعي لا والَّذي أنسى بذكري حاتما
وله في الملك الأشرف موسى بن الملك العادل: [من السريع]
/ ١٩٤ ب/ علمت أن الجيرة المتهمين أمسوا لجفني بالكرى متهمين
لا والهوى إنَّ يميني به راية صدق رفعتها اليمين
ما زال إنساني من دمعه يعوم في بحر ويطفو سفين
ولؤلؤيُّ الثَّغر صهباؤه نشوتها تعزى إلى أندرين
وما انتسب اللَّيل إلى رفعه حتَّى أعار الصُّبح صبح اليقين
وأظهرت آية برهانه في سبّه المسك طريق اليقين
لولا هدىً آمنني نوره لحقت تيهًا في الضَّلال المبين
نبيُّ حسنٍ آمنت بالَّذي يوحى إليه أمم العاشقين
تقول أسباب غرامي به كفى بنا يا مدَّعي حاسبين
سامرته أسمر لو لم أكن بأزرق الكحلاء منه طعين
يدير منها جلَّناريَّةً يطفو عليها حبب الياسمين
ما انتشرت لليل راياته واتَّقدت في الكأس إلَّا طوين
ولا غزاني الهمُّ إلاَّ ولي من نصرها يوم فراري كمين
عجوز خدرٍ ما اجتلاها فتى إلَّا فتاةً وهي في الغابرين
إن أظهر البدر لها كوكبًا كانت له الشَّمس من السَّاجدين
[ ٥ / ٢٥٧ ]
/ ١٩٥ أ/ كيف التسلِّي إن نهاني النُّهى عنها وقد أمست من الآمرين
في طاعة العشق لها لم يزل قلبي عليها مثل ثوبي رهين
لا والَّذي رايات إحسانه مستورة العدل على العالمين
ملكٌ له آية ملك أتت بحجَّة الرَّدِّ على المبطلين
برهانها من غير سوء يدٌ يخرجها بيضاء للناظرين
تقتبس الأعين من نورها هدىً لمن جاء من المطلين
آيته الكبرى إذا ما طغى فرعون دهر يوسفيُّ السِّنين
تنبجس الأنواء في كفِّه تبرًا على أسباطه المجتدين
إن شاقه الهنديُّ يوم الوغى كان إلى الرّوح من المسلمين
فمن تلا من وحيه آيةً رأى المنايا فيه حقَّ اليقين
معجزةٌ لو بلغتها العصا ما كان موساها من الآمنين
من شكَّ في السَّاعة واختار أن يظهرها وهو من الموقنين
فلينتظر رحمته وليخف عقابه فهو القويُّ الأمين
شدَّة بأسٍ رحمةٌ بينهما مع لذَّة العفو لين
يا واهب الدُّنيا على ظنَّة بأنَّه فيها الجواد الضَّنين
/ ١٩٥ ب/ لو أنَّ أهل العجل أصحبتهم سناك ما زالوا من المهتدين
ولو رأى سحرك ملقي العصا ما كان للبحر من الضَّاربين
نوديت من جانب طور العلا إنَّك يا موسى من الظَّاهرين
وله: [من الكامل]
إن رمت أن تسلو فسل موسى إذا وهب الجزيل سجيَّة الإقلال
أو كنت تطمع في الخيال فقل له يخلي ذراه من بني الآمال
أو شئت أن أحنو فقل ليمينه تحنو مواهبها على الأموال
ملكٌ إذا حاولت قبله كفِّه قابلت منها قبلة الإقبال
فحديثها في الجود يروى مسندًا عن كوثريِّ بنانه السًّلسال
[ ٥ / ٢٥٨ ]
فلسيبه ولسيفه ما ينثني أو يقتني من أنعمٍ ومعالي
وله في الصفي بن شكر، وزير الملك العادل: [من الكامل]
لو هبَّ مسكيُّ النَّسيم عليلا لشفى على بعد المزار عليلا
فاستنش من نفحاته خبر الحمى إن كان يلقى السَّائل المسؤلا
علَّ الكحيل الطَّرف يرسل هجعةً فيروز طرفًا بالسُّهاد كحيلا
/ ١٩٦ أ/ الملبسي من خصره ونحوله ثوبي نحول لم يكن منحولا
قمرٌ أرتِّل ذكره فيزيدني شعفًا بتذكاري له ترتيلا
ألقى عليه الكاشحون برودهم قولًا عليَّ من السُّلوِّ ثقيلا
أفتيك مقلته متى يجد الشِّفا من كان يومًا بالعيون قتيلا
وسليم صدغيه سبيلك لا ترى يومًا إلى برء الغلام سبيلا
يا سمهريَّ القدِّهل من نهلة من فيك تأبى أن تبلَّ غليلا
هجر الرُّقاد عداة هجرك مقلتي هجرًا على مرِّ الزَّمان طويلا
إرقد فإنَّ لناظري في دمعه سحّا إذا جنَّ الظَّلام طويلا
ويلاه من عضبٍ بجفنك جفنه أبدًا تراه مغمدًا مسلولا
فكأنَّه عزم الوزير استلَّه فرآه مشحوذ الغرار صقيلا
الصَّاحب الصَّدر الَّذي أضحت له في المجد تيجان الملوك ذويلا
ملكٌ إذا ماهزَّ عطفًا للندى فكأنَّه اغتبق العداة شمولا
ألقى عليه الله سمت نبيِّه وتعبّد ما لم يكن معقولا
فالوحي منه يحوك وشك ثنائه لولا القريض لجاءه تنزيلا
والدِّين لولا أن صاد صفيِّه شرعًا وبدَّل وصفه تبديلا
/ ١٩٦ ب/ وعلاه لمَّا أحكمت آياتها بالنَّصِّ حقًا فصِّلت تفصيلا
يا سيِّد الوزراء دعوة مخلصٍ يتلو ثناءك بكرةً وأصيلا
يا من تكفَّل خاطري بمديحه حتَّى يكون بما أتاه كفيلا
إن كان عن فحوى صفاتك قاصرًا فالطّول منك يزيده تطويلا
[ ٥ / ٢٥٩ ]
يا كاشف الغمَّاء إن هي أظلمت واستبهمت طرقاتها تأويلا
إنَّ الحبى لا تستتبُّ لعاقد ما دام يومًا بالحباء نحيلا
فاقدح زناد العزم فيَّ بهمَّةً تذر القضاء بحدِّها مغلولا
فأثيل مجدك لم يزل يبني لمن والاك مجدًا لا يزال أثيلا
وقفت صفاتك في طريق مدائحي فبهتُّ لا وصفًا ولا تمثيلا
وعجزت عن إدراكها فانظر أخا فضل أقام على القصور دليلا
وله من أبيات: [من البسيط]
ما دمت أوضح إعجامي بإفصاحي طورًا وأشرح إشكالي بإيضاحي
لا أشرقت في يد السَّاقي المدير لها في حندس اللَّيل إلَّا شهب أقداحي
نيران أرواحها بالماء مظلمةٌ من الزُّجاجات في أشباه أشباح
درُّ الفواقع مسباحي وغرَّتها إن أسبلت طرَّة الظَّلماء مصباحي
/ ١٩٧ أ/ فداو دائي بها فهي الدَّواء له وأقبل بها توبتي إن رمت إصلاحي
واطرد شياطين أحزاني إذا تليت بشربها في الدُّجى آيات أفراحي
وقل لمن لام فيها لست تاركها وكيف أدفع فضل الرَّاح بالرَّاح
وما وجدت لحظِّ الهمِّ إن سطرت حروفه مثلها في القلب من ماحي
يا صاح إن صاح داعيها فلبِّ وقل قد ضلَّ من ظلَّ من كاساتها صاحي
أطع هواها ودع عصيان ما أمرت لعاذل في هوى الصَّهباء ملحاح
واقدح زناد مسرَّات القلوب بها في نور أقداحها أو نور قدَّاح
وله من أبيات، طلبها منه الملك الصالح محمود بن محمد بن أرتق، لمعنى ذلك في نفسه، سقطت من الأصل: [من المتقارب]
. الجود له إذ رأيت ثمَّ نعيمًا وملكًا كبيرا
سقاني من كفِّه الكوثريِّ لا لغو فيه شرابًا طهورا
فآمنني أن أرى في الزَّمان يومًا عبوسًا ولا قمطريرا
فرد ظلَّه مستجيرًا تجده لا شمس فيه ولا زمهريرا
نظرت إليه فأهدى إليَّ من بشره نضرةً بل سرورا
وزيرٌ معاليه منصوصةٌ عليه ولكن أياديه شورى
[ ٥ / ٢٦٠ ]
/ ١٩٧ ب/ متى جزم الشَّرط من أمره أصاب الصَّواب فأمضى الأمورا
يمين الخلافة طلت النُّجوم على شأوها فادَّعين القصورا
نبوَّة فكرك آياتها سطورٌ من الغيث تشفي صدورا
بعثت بها فمنحت الشَّكور على شكره ومنعت الكفورا
فأخبار مبتدات الوغى بنصرة رأيك تأتي أخيرا
تبارك منزل تأييده عليك في الدَّست أرسى ثبيرا
ومن سدادك سدُّ الثُّغور فأمسى سوارًا عليها وسورا
إلى ابن عليّ المهيب الوقور فليت الفلاة وهادًا وقورا
فلا وخدت بي إليك الرِّكاب إذا لم أكن لك عبدًا شكورا
ومن منثوره في دعاء الشاعر:
«لا زال وجه البيان منقولًا من تسويده، إلى تبييضه، وخاطره يذبّ عن الممالك بأسياف قريضه، ويخلع على الحمائم أطواقًا من أعاريضه».
وله:
«لا زالت بوارق بشره تبسط الآمال، وفي مرآة خلائقه/ ١٩٨ أ/ تتراءى وجوه الإقبال».
ومن كتاب كتبه:
«أعزّ الله سلطان المقام العالي، ولا زالت درج المعالي، مواطئ صعوده، ومواطن سعوده، وجعل خوفه بأسه، ومن عفوه هذا مصدّقًا لوعيده، وهذا محققًا لوعوده، وأمدّ جند كتائبه بكتائب جنوده، ولا برحت حباة الأيام متحدة، محال سجودها مجالس سجوده.
هذا البشرى تنقل أحاديث النصر مسلسلة، وتشافه بحملها مفصّلة، مسندة عن صفائح القضب، لا صحائف الكتب؛ فإنَّ السيوف أصدق منها
[ ٥ / ٢٦١ ]
إنباءً، والرياح أقصد منها إيحاءً، مسفرة عن صباح بالنصر كفيل، ويوم عرض في الفخار طويل».
ومنها:
«إنَّ العدو ينهض من مجثمه في يوم كذا في جيش غصّت به لهوات الأرض، كأنَّ عرضه يوم العرض، تتموج غمرات أهواله، وتتأجّج جمرات أبطاله، قد امتطت عقبان الخيول منهم أجادل، وسلّت على غدران الدروع من السيوف جداول».
/ ١٩٨ ب/ وله:
«ولا زالت مبارّه تفوت الميادين، وداره بعبق الشَّذا دارين، وعلى ناره هدًى للسارين».
وله:
«صرت لكلّ غربة خدنًا، ولكلّ تربة ابنًا، حتى إذا عانيت عيناي جبال رملها، رميتها من همومي بمثلها، تارة أقذف في لهواتها، وافتلي نواصي فلواتها، إن أظلم ليل كنت له زميلًا، أو ضلَّ نجم كنت له دليلًا، فلا مجلس إلِّا سرج تطرب نغمات صهيله، ولا منادم إلَّا من يعرب عن ».
[٦٨٠]
محمَّد بن عبد الملك بن عبد الله، أبو عبد الله الوظائفيُّ الحاجب.
كان أحد حجاب الديوان العزيز- مجّده الله تعالى- ويتولى حمل ما ينعم به على الرسل الواردين إلى أبواب الديوان العزيز، من ملوك الأطراف.
وكان عنده أدب، ويقول الشعر جيدًا، وتوفي في شهر ذي الحجّة/ ١٩٩ أ/ سنة تسع وعشرين وستمائة، في إحدى القرايا المقاربة لبغداد، وكان قافلًا من سفر.
أنشدني الأجل العالم تاج الدين أبو الحسن علي بن أنجب بن عثمان بن عبيد الله
[ ٥ / ٢٦٢ ]
البغدادي، بمدينة السلام- أدام الله سعادته- في أوائل جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني محمد بن عبد الملك الوظائفي لنفسه هذه الأبيات، يعرض فيها بذكر الوزير أبي الحسن محمد بن محمد بن عبد الكريم القمي، وولده حين قبض عليهما الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، ويذكر سوء صنيعهما، ويحرض فيها على قتلهما بألفاظ رماة البندق، المصطلح عليها، وتوصل في عرضها، لكونه كان موتورًا منه، وحكى أنه عرضها وهي: [من الكامل]
لقد انتحى المستنصر المنصور يوم المكين كما انتحى المنصور
ملك الخراسانيُّ ذاك بعينه وكذا خراسانينا المأسور
يشير إلى أبي مسلم الخراساني- صاحب الدولة- وقد جعل قم من خراسان.
لا تبقه يا خير من وطئ الثَّرى فالرَّأيُّ أن لا يهمل الموتور
/ ١٩٩ ب/ وأقصم عرى عنق القصير فدونه في المكر والكيد الوكيد قصير
القصير الأول القميّ؛ لأنه كان قصيرًا؛ والثاني قصير الذي احتال في أخذ ملك الزَّباء.
مولاي في وجه الغداة صرعت مصـ ـطبحًا وطير المخِّ فيه وكور
أخليت منه الجوَّ في ندب وكم حاملت عليه ولم تنله نسور
خيَّشته لكن مفيقًا فاتَّبع ما سنَّه في البندق الجمهور
والرأي تذكية المفيق فإنِّه ما زال يسكن روعه فيطير
فالكيُّ مخلفه لديه واضعٌ في خدِّه عضدٌ له وظهير
لا تأمنن عليهما في مجلسٍ ضنكٍ فعندهما له تدبير
كم هارب من قلَّة في قلعةٍ ولكم نجا بقيوده مطمور
فاقتلهما بالسَّيف أحوط فارسٍ لهما وهذا أول وأخير
ضلَّ المكين بكلِّ ما صنعت به آراؤه في دسته المغرور
[ ٥ / ٢٦٣ ]
وتر الخلائف بالخلاف ولم يكن قد ردَّ مرسوم الملوك وزير
فعزمت فيه عزمةً نبويَّةً كادت لسطوتها السَّماء تمور
حرست ثغور المسلمين بعزله وتبسَّمت للعالمين ثغور
/ ٢٠٠ أ/ بأسٍا شديدًا لو يمرُّ بيذبل وثبير زلزل يذبل وثبير
وسحاب أنعمك الجسام إذا همى لم يبق في الأرض الوقور فقير
فاسلم أمير المؤمنين تكفُّ عنَّا الجور من أربابه وتجير
[٦٨١]
محمَّد بن الحسين بن محمَّد بن الحسين بن عليِّ بن محمَّد بن عبد الصمد، أبو المؤيد بن أبي إسماعيل الطغرائيُّ، الأصبهانيُّ الأصل، الموصليُّ المولد، الدؤليُّ.
هو من أولاد أبي الأسود الدؤلي، في رواية أبي حامد محمد بن محمّد الكاتب الأصبهاني.
كانت ولادته في سنة تسع وأربعين وخمسمائة؛ روى عن الأمير أبي المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ الكناني، وأبي عبد الله محمد بن يوسف البحراني شيئًا من أشعارهما.
وهو الكاتب الوزير العالم النحرير، حكيم عصره، وفيلسوف دهره، من بيت وزارة وجلالة، [لم] يرثهما عن كلالة، درس العلوم الحكمية، واسترقّ رقابها، وتبحر في ضروب الفضائل وكشف نقابها، فذلّل له حرونها، وتسهَّلت/ ٢٠٠ ب/ لديه حزونها، فأضحت منشورة أعلامها، مطرزة أكمامها، ولم يذر منهجًا من البلاغة إلّا سلكه، ولا حرًّا من بديع الكلام إلّا ملكه، حتى صار الإمام الكامل، يشار إليه في وقته بالأنامل.
[ ٥ / ٢٦٤ ]
حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي﵀- من لفظه بإربل سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، في تاريخ إربل من تأليفه، وساق ذكر أبي المؤيد، فقال: «الوزير الإمام سيد الأفاضل، وصدر الأماثل، وواحد الأكابر، ومن يضرب بفضله المثل السائر، ذو الفكرة المتوقد شعاعها، والبديهة المرضية رويتها وسماعها، المفتن في علوم الأوائل والأواخر، الضارب في فنون الفضائل بالسهم القامر.
ولي والده أبو إسماعيل الوزارة بإربل مدّة، ثم عزل عنها، وكان أبو المؤيد هذا في رفاهية من النعمة ناعمة، وبلهنيةٍ من العيش دائمة، لا تنزل الأحزان ساحته، ولا يعقب التعب راحته، حتى عزل والده، فسلبه الدهر دعته، وارتجع منه العيش الهنيّ وديعته، فتنكرت منه ومن والده معالمها، واستوى في الرقة/ ٢٠١ أ/ لهما شامتهما وراحمهما، ورحلا إلى الموصل، فأقاما بها على أنكد عيش وأمِّره، وأكره منقلب وأضرِّه.
وكان مجاهد الدين أبو منصور قايماز بن عبد الله الزيني- رحمه الله تعالى- يصل والده في كل شهر، بما يقوته، ولا يفضل منه ما يصل أبا المؤيد، فرثَّت بّزته، وساءت حالته؛ فرأيته في الموصل يرد إلى شيخنا أبي الحرم مكي بن ريان المكي النحوي﵀- يأخذ عنه شيئًا من النحو، وهو خامل الذكر، مقسم الفكر، مخالطًا أكثر أمانيه؛ بقوله: [من الوافر]
«ألا موتٌ يباع فأشتريه»
وكان بينه وبني أبي عبد الله محمد بن يوسف البحراني الإربلي صداقة وكيدة، مملوءة من المودة عبابها، فسألته أن يكتب له، إلى خاله أبي غالب عبد الواحد بن مسعود ابن عبد الواحد بن أحمد بن العباس بن الحسين وكان بواسط يتصرف في الأعمال الإمامية أبياتًا يشكو فيها والده، ويذم زمانه، فقال على لسانه: [من الطويل]
[ ٥ / ٢٦٥ ]
أشكُّ بأنَّ الحال رقَّت وليس لي إليك سوى المعروف من يتوسَّل!
/ ٢٠١ ب/ وأنَّ أبي والحادثات تعاونا عليَّ ولا يصفو مع الضَّيم منهل
وما نزغ الشَّيطان بيني وبينه بشيءٍ سوى أنِّي إمرؤٌ ليس يجهل
إذا ما رأيت المرء ليس بنافعٍ لديه جميلٌ فالقطيعة أجمل
ولمَّا دعاني البين وانشقَّت العصا أتيتك لمَّا لم يكن [عنك] معدل
ثم أنفذها في كتاب إلى خاله، فأظنّه- إن شاء الله- أمره أن يصل إليه، فمضى وأقام عنده مدَّة، فنكب خاله؛ ورحلا إلى السلطان الملك الناصر يوسف بن أيوب ابن شاذي- رحمها لله- فأنزل خاله أحسن منزل، وولاه النظر في أموال خزانته، وأقاما إلى أن توفي السلطان﵀- واتصلا بولده الملك الظاهر غياث الدين غازي﵀- فخدمه خاله مدّة.
ثمّ عرض له مرض منعه عن الخدمة، فتوصل أبو المؤيد إلى خدمته فخدمه، فما زال يهمي عليه سحائب نواله، وتسري إليه سرى الخيال طوارق أفضاله، حتى صار ذا جدةٍ وافرة، وسعادة فاخرة؛ وألقى إليه مقاليد أموره، واكتفى به في غيبته وحضوره.
فلقد حدثني من أثق به؛ أنه وصله من/ ٢٠٢ أ/ غير الحسابة بمال جزيل، ونوال جليل، يقارب العشرة الآلاف الدينار، فلم يزل ينمى غرسه، وتشرق شمسه، حتى صار أحدوثة الرُّكبان في الحجة على تقلّب الأعيان.
أخذ علم الأوائل عن شرف الدين المظفر الطوسي، وكان عنده منه معرفة كتاب أوقليدس، والعمل بالبركار التام؛ وأشياء كثيرة تليق بمثله من الصدور.
وله رسائل عذبة، وألفاظ رطبة، ومعانٍ أرق من النسيم، وفصول أحسن من نضرة النعيم؛ وأنا ذاكر منها ما ذكرته من خطّه، ووقفت عليه من غيره، ما تروق الأسماع أسجاعه، وتشوق الطباع أوضاعه.
وكتب إلى أبي عبد الله محمد بن يوسف البحراني: [من الوافر]
وأبرح ما يكون الشَّوق يومًا إذا دنت الدِّيار من الدِّيار
لو أن أشواقي إلى المجلس الفلاني؛ أسماه الله وأيده، وكبت أعداءه وحسَّده،
[ ٥ / ٢٦٦ ]
وزنت لرجحت على ثبير وشمام، ورجحان سيدي بمروءته على الأنام، وقد كنت واصلت تقصيري في إصدار الخدمات إلى أعالي مجلسه تزجية مني للآمل، والوعد أن سيكون ذلك منّي ضمن أمور في نفسي، حال بيني وبين بلوغها الأقدار التي لم تزل/ ٢٠٢ ب/ تحول دون الأغراض وتفرض، وتعدو على الآمال وتمرض؛ وبالجملة ففحوى أحوالي علمه محيط بها قياسًا واستقراء، وإن لم يحط بتفصيلها أخبارًا.
حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أبي الحسن الحنفي- أدام الله سعادته- قال: «كان الوزير أبو المؤيد فاضلًا عالمًا، واسطة خير عند مخدومه، محبًا لأهل العلم، فصيح العبارة، حسن الإنشاء، قد أخذ من العلوم بحظٍ وافر؛ وكان قيّمًا يعلم الهندسة.
وكانت وفاته يوم الخميس الخامس والعشرين من صفر سنة سبع وستمائة بحلب، ودفن في داره، ولم يزل مدفونًا بها، إلى أن بيعت على ورثته، ونقل منها إلى مشهد بمقام إبراهيم الخليل﵇-.
ثم قال: وأنشدني إسماعيل بن محمد بن الحسين قال: أنشدني أبي لنفسه، ولم أعرف له نظمًا غير هذين البيتين: [من البسيط]
إنَّ العذارين ما إن زادني بهما إلّا فؤادٌ تذوب النَّار من حرقه
ما شان حمرة خدَّيه اخضرارهما أغضُّ شيء يكون الورد في ورقه
[٦٨٢]
محمَّد بن المنذر بن عبد الرحمن/ ٢٠٣ أ/ بن أبي عقيلٍ، أبو عبد الله اليابريُّ.
كان والده من بلاد المغرب.
وولد أبو عبد الله ببغداد، وأمّه بغدادية، وتفقه بها على يوسف بن محمد
[ ٥ / ٢٦٧ ]
الدمشقي، وسافر الكثير، وسمع بدمشق الحافظ أبا القاسم علي بن الحسن الدمشقي، وقرأ عليه معظم تاريخ دمشق، وأبا المظفر مظفر بن أسعد بن الحكيم.
ثم اتصل بخدمة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب﵁- وولي له أعمالًا، ثم من بعده بخدمة ابنه الملك العزيز عماد الدين عثمان- صاحب الديار المصرية- ثم انتقل بعد موته إلى حلب، وسكنها، واستخدمه الملك الظاهر غياث الدين غازي على قناة حلب، وأجرى له رزقًا حسنًا.
حدثني القاضي أبو القاسم- أيده الله تعالى- قال: كان أبو عبد الله يمتنع عن إسماع شيء من الحديث النبوي؛ فإنَّني فاوضته في ذلك مرارًا؛ فقال: أنا لا أستجيز رواية الحديث، لقول النبي ﷺ: «نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها» الحديث .. وأرى المحدثين، يأخذون عن من لا يفهم شيئًا، وتقع منهم أوهام إلى أشياء من هذا القبيل؛ وباحثته في ذلك مرارًا، وهو مصرّ على ما سوّلت/ ٢٠٣ ب/ له نفسه.
وسألته عن مولده، فقال لي: تقديرًا إلى هذا التاريخ ثمانون سنة؛ فإنني أدركت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة؛ وكان سؤالي له في سنة إحدى وعشرين وستمائة؛ قال: وولدت ببغداد.
وتوفي بحلب في تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وستمائة، ودفن خارج باب النصر، في مقبرة مشهد الدعاء.
وأنشدني القاضي أبو القاسم- أيده الله تعالى- قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن المنذر، إملاءً من لفظه لنفسه، في الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب﵁-: [من الطويل]
بدت فرأيت البدر في حلَّة الصَّبا وماست فخلت الغصن ميَّله الصَّبا
وهزَّت قوامًا كالرُّدينيِّ وانثنت مغادرةً قلبي المعنَّى وقد صبا
وراشت نبالًا من جفونٍ وجرَّدت حسام لحاظٍ فلَّ صبري وما نبا
فساومتها وصلًا فقالت مجيبةً أخلت وصال الغانيات مسيَّبا
إذا ما طلبت الوصل منهنَّ لم تجد إلى ذهبٍ يومًا إلى ذاك مذهبا
وإن تك ذا مالٍ فأنت الَّذي إذًا نعيد بعيد الشَّيء منك مقرَّبا
[ ٥ / ٢٦٨ ]
فقلت لها إنِّي امرؤٌ ربع ماله غدا مقفرًا من ساكنيه مخرَّبا
/ ٢٠٤ أ/ فقالت تزوَّد حسن ظنِّك واصطحب رجاءك واجعل صدق قصدك مركبا
إلى ملك لو لامست كفُّه الثَّرى لعاد الثَّرى باللَّمس في الحال مخصبا
إلى من له أضحت لنا مصر جنَّةً ومسكنها من جنَّة الخلد أطيبا
وأنشدني، قال: أنشني أيضًا لنفسه من أبيات فيه: [من الكامل]
يا عاذلي دع عنك عذل الواله فالعذل منك يزيد في بلباله
لو كنت شاهدت الَّذي هو مغرمٌ من أجله ما كنت من عذَّاله
رشا يحاكي الغصن في حركاته ويفوق نور البدر عند كماله
لم أنسه أشكو إليه تحصفًا ويدي لفرط الوجد في أذياله
ناديته يا من بسهم لحاظه قلبي أصاب ولم يجد بوصاله
وأذاقني كأس التَّفرق عامدًا وجنى عليَّ بمنع طيف خياله
رفقًا بمن أمرضته ببعاده واعطف على من لم تغب عن باله
واسأل عن الباكي عليك بأدمعٍ تحكي ندى من عمَّ فيض نواله
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه من أبيات: [من الكامل]
/ ٢٠٤ ب/ ثمر المعالي لا ينال وإن دنا إلّا بأطراف الصَّوارم والقنا
وإلى رفيع المجد يومًا ما ارتقى في راحة إلَّا الَّذي اقتحم العنا
وعلى المراد من الرِّيادة ما احتوى إلا الَّذي أعطى صوارمه المنى
فانهض نهوض أخي اعتزامٍ صادقٍ ما قام يدعو الأمر إلَّا أذعنا
كصلاح دين الله والملك الَّذي يرجى ويخشى إن تباعد أو دنا
فيه لأيَّام الزَّمان محاسنٌ إذ جاء يدعى في الملوك المحسنا
كم من يد أسدى وكم من منَّة غطَّى بها فعل المسيء فأحسنا
كم وقفةً شهدت له وثباته وثباته فيها بمشهور الغنا
سل عنه ألسنة الرِّماح فإنَّهأ تنبيك عمَّا أودعته الألسنا
واستمل تملي المرهفات حديثه الـ ـمروي عن يوم الكفاح الأحسنا
ما بات إلاَّ مستجيشًا عزمه فتراه في سفرٍ إذا ما استوطنا
[ ٥ / ٢٦٩ ]
وأنشدني، قال: أنشدني محمد بن المنذر لنفسه: [من السريع]
بالجدِّ تعطى الجد لا بالمزاح وما أفاد الحمد إلَّا السَّماح
والطَّير لا تحصل يوم الثنا على المنى إلَّا بخفق الجناح
/ ٥٠٢ أ/ وما حوى الرَّاحة إلَّا الَّذي سعى إلى كشف الغنا ثم راح
فدع تصابيك وخلِّ الصِّبا ولا ترح يومًا إلى شرب راح
واسع إلى نيل العلا مثل ما سعى إلى الملك المهيب الصَّلاح
وأنشدني، قال: كتب أبو عبد الله لنفسه: [من السريع
يا قلمي نب في الثَّناء المقيم على كمال الدِّين ابن العديم
وقل له عنِّي إذا جئته في منصب الدَّرس الجليل العظيم
يا من عدمنا المثل في فضله يا وارث المجد الأثيل القديم
قد قيل لي إنَّك قد بعتني بالغبن والغبن فداء السَّليم
قدَّمت غيري ثمَّ أخَّرتني في هذه الدَّار الَّتي لليتيم
وأنت بالفرض فأدرى وبالأصلح والمفسد طلٌّ حكيم
يسرّ بالدَّهر من عالم ولا يرى دينار العليم
فارجع إلى ما أنت أهلٌ له من سؤد كلُّ لديه خديم
والأجر والأجرة حصَّلهما بعد الثَّنا الباقي عليك المقيم
من ناظمٍ درَّ اليتيم الَّذي يطرب من يسمعه والنَّظيم
/ ٢٠٥ ب/ فكتب إليه القاضي أبو القاسم جوابها: [من السريع]
يا أيُّها الصَّدر الفقيه العليم ومن له الإحسان والفضل خيم
أرسلت نحوي أسطرًا نظَّمت جواهر اللَّفظ بمعنًى قويم
تعير ماء المزن من لطفها وتكسب الرِّقَّة مجرى النَّسيم
تضمَّنت عتبي ولا ذنب لي يا أيُّها المولى الصَّديق الحميم
[ ٥ / ٢٧٠ ]
أقسم بالله وآياته ونعمة المولى المليك الرَّحيم
ما بعت مولاي ولكنَّني أشـ ـتريته وهو العزيز الكريم
وأنَّ بيع الدرِّ في سمطه ومشتري البهرج حمقٌ عظيم
والعذر قد أبديته قبل أن يأتيني [منك] العتاب الأليم
فاعذر سديد الدِّين أو لا فجد بالصَّفح عن ذنبي فأنت الحليم
إنِّي على حبِّك يا سيِّدي وصدق ودِّي لك ما إن أريم
وقال: [من الخفيف]
قال عبد الله يعزى إلى المنذر يرجو الخلاص يوم العرض
بالَّذي يغفر الذُّنوب سوى الشِّرك إله السَّما معًا والأرض
/ ٢٠٦ أ/ قل لمن قال: إنَّني رافضيٌّ لست تبرا في العرض من دين عرضي
إذا أثني على الَّذي رفض البا طل في كلِّ سنَّة مع فرض
وبحبِّ النَّبيِّ والآل والأصـ ـحاب في البسط دائمًا والقبض
والَّذي لا يرى المودَّة في القر بى عليه فرضًا رهين الرَّفض
ونصوص الآيات جاءت بلا ريـ ـب على الآل بالثَّناء المحض
وبذاك الأخبار جاءت بإسنا د صحيح البنا عديم النَّقض
وإذا لم على النَّبيِّ مع الآل تصلِّي وقت التَّشهُّد تقضي
وإله العبد يعلم ما في الـ ـقلب خاف من فرط حبٍّ وبغض
ومسيء الظُّنون بالخلق لا ينـ ـفكُّ يومًا عن إثمه في البعض
وإذا أنت لم تكن حسن الظَّنِّ فأعرض عن سوء ظنِّك وامض
إذا لم يقر شخصٌ بشيءٍ فبماذا عليه في الصَّمت تقضي
وعن الخوض قد نهينا قديمًا في الَّذي مرَّ قبلنا غير مرضي
من نزاع بين الصَّحابة والآ ل خاف إليه يفضي
والخطا والصَّواب لا بدَّ أن يحـ ـدث بين الخصمين في كلِّ مفضي
مع علم بأنَّ هذا وهذا عادما عصمة بها الشَّرع يقضي
/ ٢٠٦ ب/ وغبيٌّ من قال من غير علمٍ كطبيب لم يدر جسَّ النَّبض
مثل كم يزعم الجهول وقال الفرس لم اعتد الحامي العض
[ ٥ / ٢٧١ ]
واعتقادي هذا وعقدي وقلبي لم يقابل إبرامه بالنَّقض
والبراهين كالسَّماء إذا جاء تك أغنتك عن دليل الأرض
فافخروا الآن يا ذوي العلم بالعلـ ـم على من لم يدر معنى الرَّفض
وهو التَّرك في الحقيقة للشَّيء إذا ما قابلته بالدَّحض
واشكروا الله رَّبكم واسألوه أن يديم النُّعمى لأهل الأرض
ببقاء الملك العزيز عماد الدِّين بن الغازي الشَّهيد المفضي
برضى رَّبه الكريم إلى فر دوس دار البقاء جزاء القرض
وبقا كافل الملوك مع الملـ ـك فلا زال قائمًا بالمرضي
ذي الأيأدي الملك الرَّحيم شهاب الدَّين غوث الورى زمان البرض
لا خلت رتبة الممالك منه أمره نافذٌ بختمٍ وفضِّ
وعلا جدُّه وخصُّ برفعٍ وثوى ضدُّه وخصَّ بخفض
كلَّما لاح نور زهر السَّماو ت وما فاح نور زهر الأرض
[٦٨٣]
محمَّد بن النفيس بن مسعود/ ٢٠٧ أ/ بن أبي سعد بن عليٍّ، أبو سعد المعروف بابن صعوة الفقيه السَّلاميُّ.
قال أبو الحسن القطيعي: شاب حسن الشارة والخلق، من أهل القرآن والفقه، كان يسمع معنا الحديث، وروى اليسير.
وتوفي في ذي القعدة سنة أربع وستمائة، ودفن بمقبرة الزرادين بالجانب الشرقي من بغداد.
[ ٥ / ٢٧٢ ]
قال: وأنشدني لنفسه: [من المديد]
رقَّ يا من قلبه حجر لجفون حشوها سهر
ولجسم ما لناظره منه إلَّا الإسم والأثر
فغرامي لو تحمَّله صخر رضوى كاد ينفطر
إنَّ لومي في هواك لمن شرِّ ما يجري به القدر
يا بديعًا جلَّ عن شبه ما يداني حسنك القمر
صل ووجه الدَّهر مقتبلٌ فزمان الوصل مختصر
كما رأينا وجنةً فتنت فمحا آثارها الشعر
[٦٨٤]
محمَّد بن معمر بن عبد الواحد/ ٢٠٧ ب/ بن رجاء بن عبد الواحد بن محمَّد بن الفاخر بن أحمد بن محمَّد بن القاسم بن الفاخر بن محمَّد بن النعمان بن إسماعيل بن اللقيط بن إسماعيل بن عبد الرحمن ابن كثير بن ربيعة بن سمرةً بن حبيب بن عبد شمس بن عبد منافٍ.
قال أبو الحسن القطيعي: هو بخطّ اللفتواني، وافق لهذا إلى الفاخر الثاني، ثم بعده محمد بن النعمان بن المنذر بن إسماعيل بن اللقيط بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن كثير؛ ثم وافق إلى آخره، وهو بخط محمد بن عبد الواحد بن الحافظ الدقاق، عم معمر من قبل الأم: معمر بن عبد الواحد بن جابر بن عبد الرحمن بن محمد بن الفاخر بن محمد بن بشر بن المنذر بن النعمان بن إسماعيل بن سعيد بن
[ ٥ / ٢٧٣ ]
إسماعيل بن عبد الرحمن بن سمرة، قال لي محمد بن معمر. وهذا هو الأصح في ظني، أبو عبد الله الأصفهاني الفقيه الشافعي.
قال أبو الحسن القطيعي: أنشدني محمد بن معمر بن عبد الواحد لنفسه:
[من الكامل]
شوقي إلى من بالعراق براني يا صاحبي نجران ما تريان
فجوًى حكى وخز القنا من شانه وهوًى حكى نيل المنى من شاني
والبرق والورقاء من أعوانه والدَّمع والإرنان من أعواني
/ ٢٠٨ أ/ فإذا شجا برقٌ أعان مدامعي وإذا شدا ورقٌ شفى إرناني
لو لم يكن إلَّا معرسَّ ساعة في ظلِّ رايات بها لشفاني
بيض الذُّرى سود الذَّوائب ظلُّها مأوى الهدى وتبوُّء الإيمان
تهفو الرِّياح على الرِّماح بها فهل تعلو ومن مطلوبها القمران
إذ لا يرى في ذي البسيطة كلِّها إلَّا مطيعٌ للخليفة عاني
والنَّيِّران وإن نأى أوجاهما أيضًا له عبدان مؤتمران
وقال: وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
تبدَّت مثل ما بزغت براح وآذنت الكواكب بالبراح
فقلت فضحت حين وضحت ليلًا وطال لسان واشٍ في رواح
فقالت بعدما جادت ومادت وأبدت عن ثغورٍ كالأقاحي:
وهل تستنجح الحاجات إلَّا بوجهٍ في مساعيه وقاح
كانت ولادة أبي عبد الله محمد بن معمر، ليلة الإثنين خامس عشري جمادى الآخرة سنة عشرين وخمسمائة، وتوفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وستمائة بأصفهان.
[٦٨٥]
محمَّد بن زهرٍ الإسعرديُّ.
/ ٢٠٨ ب/ وهو ابن أخت أبي محمد الأسعرديّ، الذي مرّ شعره.
[ ٥ / ٢٧٤ ]
وأنشدت لمحمد هذا، يمدح الملك المسعود مودود بن محمد بن محمد بن قرا أرسلان ابن أرتق- صاحب آمد- حين شرع في عمارة خندق آمد وسورها:
[من الكامل]
يا أيُّها الملك الَّذي سعدت به الدُّنيا وأشرق غربها والمشرق
الدِّين من علياك ركن مفاخر يسمو على أفق السَّماء ويسمق
ما آمد [و] السُّور إلاَّ مقلتةٌ أضحت بناظرها ابن أرتق ترمق
ماذا تحاول في عمارة خندقٍ يحمي وبأسك سورها والخندق
لو رام أهل الأرض منها نظرةً لتعذَّرت والباب رحبٌ مطلق
لك في قلوب العالمين مهابةٌ أضحى فؤاد الدَّهر منها يخفق
وستملكنَّ من البلاد أدانيًا وأقاصيا وضياء سعدك مشرق
مولاي شاعرك الشَّكور بحاله نقصٌ وجودك زائدٌ متدفِّق
أمنن بإشفاقٍ عليه مثل ما كان الشَّهيد عليه قدمًا يشفق
[٦٨٦]
محمَّد بن عليِّ بن عليٍّ القامغار، أبو طالبٍ اللغويُّ العراقيُّ، المعروف بابن الخيميِّ.
/ ٢٠٩ أ/ قيل إنَّ اسمه عقيل، وقيل عبد الله، وقيل محمد.
كان مولده بالعراق في آخر شوال سنة تسع وأربعين وخسمائة، بالقرية بدار
[ ٥ / ٢٧٥ ]
الخلافة؛ هكذا قرأت نسبه ومولده بخطّ يده.
نزل الديار المصرية وسكنها، وهو إمام في علم اللغة والعربية، ومعرفة القرآن والحديث؛ رواية شاعر، مصنِّف، له رسائل وأشعار ومصنَّفات، ومن تصنيفه: كتاب «الأمثال في علم القرآن» وكتاب «حرف في علم القرآن» وكتاب «قد في علم النحو» وكتاب «نزهة الملك في اللغة والصيد» وكتاب «الملخص الديواني في علم الديوان» وكتاب «لزوم الخمس» استغفرك وكتاب «المطاول على ديوان أبي العلاء المعريّ» وكتاب «إسطرلاب الشعر» وكتاب «شرح التحيات في اللغة» و«رسالة أهل الإخلاص والمودة إلى الناكثين من أهل الغدر والرّدة» وكتاب «شجرة الإيمان في علم القرآن» وهو من أغرب ما صنف، وكتاب «الأربعين الأحاديث الأساميات» وكتاب/ ٢٠٩ ب/ «مجموع ترجمة جهينة الأخبار وجنينة الأزهار» وكتاب «مقصورة الوزير» وإلى غير ذلك من التواليف، أجازني سائر مصنفاته، وجميع أشعاره ورواياته، وما يندرج تحت ذلك.
ومن شعره، يقول: [من الطويل]
أقمت بمصر جلَّ عمري فلم أجد بها أحدًا يجدي ولا عالمًا يهدي
أزاحم منهم ألف ألفٍ بمنكبي وأمسي كأنِّي بتُّ في فقرةٍ وحدي
وقال أيضًا: [من الكامل]
يا جاعلًا سلع القريض بضائعًا صفها وفي خسرانها لا تمتري
فالشِّعر بائعة بحيث رأيتني والمشتري أبدًا مكان المشتري
فارفضه إنَّك لا تجيء بجيِّد الـ ـطَّائيِّ منه ولا رديء البحتري
وأخبرني الشيخ صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد البكري بدمشق المحروسة، بمنزله في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ قال: قال أبو طالب محمد بن علي بن الخيمي: رأيت في المنام، وكأن شخصًا ينشدني، وق منعني شخص من الصلاة على ميت مات، ومنع من الصلاة عليه: [من مخلع البسيط]
[ ٥ / ٢٧٦ ]
/ ٢١٠ أ/ صلِّ على المسلمين جميعًا واغتنم الأجر قبل فوته
من ذا الذي ليس فيه شيءٌ يقوله الناس عند موته!
وقال أيضًا: [من الطويل]
وقالوا: التحى من كنت تهوى فخلَّه فقلت لهم والنَّار حشو حشائي
وقد كان رأيي أن أكون وراءه فعدت ورائي أن يعود ورائي
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة النصيبي بحلب، قال: أنشدني أبو طالب محمد بن علي لنفسه: [من الطويل]
أأصنام هذا الجيل طرًّا أكلُّكم يعوق أما فيكم يغوث ولا ودُّ
لقد طال تردادي إليكم فلم أجد سوى رَّ شان في الغنى شأنه الرَّدُّ
ودعوى كرامٍ يستحيل قبولها وتقبل إذ حدُّ الحسام لها حدُّ
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو طالب، قال: لمّا دخلت دمشق كان من جملة من صحبه ابن الوزير، فسألني عمّا وصلت إليه من البلاد، ومن خالطت من الناس، ومن وجدته/ ٢١٠ ب/ من أهل الكرم، فسهرت ليلتي، وكتبت إليه بكرة تلك الليلة بهذه الأبيات: [من الخفيف]
كم أطلت الإتهام والإنجادا وطلبت الإسعاف والإسعادا
وتقلَّبت فيَّ البلاد فما أحـ ـمدت ناسمًا ولا شكرت بلادا
وبلغت المراد من رحلٍ قـ ـضَّين عمري وما بلغت مرادا
وإذا لم يساعف المرء جدٌّ فمن الجهل عدُّ الأجدادا
مشعرٌ يفترون فرية عادٍ وثمود وهم يسبُّون عادا
ما أعدُّوا للبعث زادًا فإن فهـ - بذكر المعاد عدت معادا
إن أقلَّ الفتى جفوه وإن أكـ ـثر أمسوا طرًا له حسَّادا
كلَّما زدت فضل علمٍ لأحظى بنفاقٍ في النَّاس زدت كسادا
فكأنَّي إذا دعوت رئيسًا لوذعيًا منهم دعوت جمادا
[ ٥ / ٢٧٧ ]
كم رأى ناظري محرَّم مال ردَّه برد عذره لي جمادى
نعتوا لي الزُّهاد خبًا فلمَّا جدت بالفلس لم أجد زهَّادا
وادَّعوا أنَّ معشرًا من ذوي الصَّو ف مشوا فوق دجلة عبَّادا
وإذا ذلك الطّفو من الخفَّة لا من إخلاصهم اخنفادا
/ ٢١١ أ/ ولعمري ما زيَّف الدِّرهم الجا ئز إلَّا تجويدك الإنتقادا
كم تبينَّت من صديق عدوًّا كاشحًا مضمرًا لي الأحقادا
وأرتني الأيَّام من كلِّ من كا ن عتادًا للحادثات عنادا
وسعت بي جماعةٌ طمعت من حلو فضلي ما فتَّت الأكبادا
كم رأى ناظري لئيمًا ولكن ما رأى في سوى كتابٍ جوادا
[٦٨٧]
محمَّد بن الحسن بن عليٍّ، أبو عبد الله الكوفيُّ المصريُّ، المعروف بأعجوبة الفلك.
كان شاعرًا خبيث اللسان، كثير الهجاء، مسترفدًا بأشعاره.
ومن شعره ما أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم بن أبي الحسن العقيليّ- أدام الله أيامه- قال: أنشدني أعجوبة الفلك لنفسه، يهجو راجح بن إسماعيل الحلي الشاعر:
[من الخفيف]
يا بعيد الصَّواب فيما يعانيه سخيفًا مبخَّرًا وهو يفسو
هبَّ أنت النَّؤوم يا بادي الرَّأ ي رويدًا فأين منك الحسُّ؟
خاب ظنِّي ولا عجبت وقد قلَّ قديمًا لديك عقل وحسُّ
/ ٢١١ ب/ ولقد سمتك الخسيس فلمَّا تسخ لؤمًا فأنت منه الأخسُّ
كيف تقني شكر الرَّجال وقد ضا ع الرَّئيسان منك قلبٌ ونفس
ونقلت من خطه، قوله يمدح القاضي الأجل الفاضل العالم بهاء الدين أبا محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن الخشاب بحلب: [من الطويل]
ألا يا بهاء الدَّين حزت نباهةً فليس لمثلي عن جنابك معدل
تفضَّلت حتَّى لم تذر متفضِّلًا يطول فطل يا خير من يتطوَّل
[ ٥ / ٢٧٨ ]
فأوليتني منك الجميل تفضُّلًا حنانيك يا من دأبه يتفضَّل
وسدت بني الدُّنيا فخارًا وسؤددًا نبيلًا فهل إلَّا عليك المعوَّل!
فأنت امرؤٌ لولاك ما خلق النَّدى وأنت لهذا الملك تاجٌ ومنصل
ولي منك رسمٌ قد تضاعف شكره عليك وبرٌّ من صلاتك مقبل
(فإن تولني منك الجميل فأهله) لعمري وأوفى من يقول ويفعل
وفي حلب لي منذ عامين مفلسًا مقلًا وحسي ما أجنُّ وأحمل
على أنَّني في الصَّبر أيُّوب دائمًا وبفضله والصَّبر بالحرِّ أجمل
/ ٢١٢ أ/ فدم سالمًا يا با محمَّد راقيًا بنصرٍ تعمُّ المجتدين وتشمل
وقرأت أيضًا من خط يده، قوله يمدح: [من مجزوء الكامل]
يا أيُّها المولى الزَّكيُّ ومن غدا للخلق عمده
أنت امرؤ أوصافه شادت غداة الفخر جدَّه
يا سيِّدًا عوَّدت نطـ ـقي بين أهل الأرض حمده
وأريد من شكري له بين الورى وأشيد مجده
فأقول أين حللت قو لًا لا أخاف الدَّهر ردَّه
هذا الزَّكي محمَّدٌ هو لي من الَّلأواء عدَّه
أعددته سيفًا لصرف الدَّهر أرهف منه حدَّه
سيفًا إذا صقل الزَّما ن متونه أبدا فرنده
يا سيِّدًا إن كنت لا أثني عليه منعت رفده
وأذاقني الرَّحمن من جدواه بعد القرب بعده
عجِّل وسمِّ سيِّدي فوصوله ثمر المودَّه
وتهنَّ بالعيد السَّعيـ ـد بنعمةٍ تترى مجدَّه
/ ٢١٢ ب/ وأنشدني القاضي الإمام بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن
[ ٥ / ٢٧٩ ]
سعيد بن الخشاب- أدام الله أيامه- قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي المضري لنفسه، من قصية يمدح الملك الظاهر غياث الدين﵀-:
[من الكامل]
يا للحميَّة خدَّني الخدُّ أشقائقٌ يعلوه أم رد
وبنفسجٌ بالسَّالف المصقول أم تفويف رقم لاح أن ندُّ
صدُّوا غرير صريم وجرتكم عن صدِّه أفما اشتفى الصَّدُّ
وسلوه هل لعسٌ بفيه بدا أم سلسبيل الرَّاح أم شهد
رشا طمعت بقرب زورته وأرى المسافة منه تمتدُّ
طبعت لواحظه ظبى حدقٍ سودٍ فلا يمنٌ ولا هند
وغدا الرُّقاد محجَّبًا بالحاجب المقرون عمَّن قدَّه القدُّ
يا سعد إسعادًا ومن كلفٍ وكآبة ناديت يا سعد
بأبيك إن وافيت رامة أو لاحت لك العلمان والزَّند
/ ٢١٣ أ/ ورأيت محمرَّ الرَّمال فقف فهناك تقنص بالظبا الأسد
وسل المويلك بهجتي كمدي أنَّى ألمَّ عساه يرتدُّ
قل عن لسان جو أقلَّ جوًى بيسيره ثهلان ينهدُّ
حتَّى م تعرض عن أخي وله أودى به الهيمان والوجد
ما قبله قبلٌ بحبِّك لًا كلِّا ولا من بعده بعد
أضحت ضلالته بكم رشدًا يا حبَّذا ذيالك الرشُّد
مولاي يا من ليس لي بدلٌ عنه ولا عوضُّ ولا بدُّ
كن كيف شئت عليَّ محتكمًا يا ذا الملاحة إنَّني عبد
ملَّكت رقِّي مثل ما ملك الـ ـملك المليك الظَّاهر الجعد
[٦٨٨]
محمَّد بن فضائل بن عبد السَّاتر، أبو عبد الله، المقدسيُّ الأصل، المعروف بابن المعيد:
كان جدُّه من أهل بيت المقدس.
[ ٥ / ٢٨٠ ]
ولد أبو عبد الله بمنية ابن الخصيب، من صعيد مصر. وكان حيًا في نيف وستمائة، ومات بعد ذلك بقليل ولم يبلغ الأربعين. وكان أديبًا فاضلًا له نظم ونثر.
/ ٢١٣ ب/ مدح الملك الظاهر غياث الدين صاحب حلب بقصائد عدّة.
أخبرني أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الريحان المكي، كتابة فيما أذن لي الرواية عنه، قال: أنشدني محمد بن فضائل لنفسه، وذكر أنه ضمنه ورقة إلى الملك الظاهر بحلب: [من البسيط]
فما تعرَّض بي يأسٌ أساء به إلَّا وعجَّل ما يأسو به أملي
ولا توغَّلت في شكري فضائله إلَّا أقرَّ بعجزي عنه لي أجلي
وقال: وأنشدنا أيضًا لنفسه، ما كتبه أيضًا إليه: [من السريع]
يا من به يأمن كلُّ الورى إن عنَّ خطبٌ أو عنى حادث
ما بال حظِّي منكم قد غدا حظَّ وفيٍّ حبُّه ناكث
[٦٨٩]
محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن خميس، المغربيُّ الأصل، الموصليُّ المولد، أبو عبد الله الوكيل.
حدثني القاضي أبو القاسم- أدام الله عزّه- قال: كان أبو عبد الله هذا؛ شيخًا حسنًا ظريفًا، مطبوع النظم.
قرأ/ ٢١٤ أ/ الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة﵁- على علاء الدين الكاساني، وسمع منه شيئًا من إملائه بحلب. وسمع بالموصل الخطيب أبا الفضل عبد الله بن أحمد بن الطوسي، وأبا الهنا سعيد بن عبد الله بن الشهرزوري، وحدث بحلب وسمعنا منه بها.
وسألته عن مولده، فقال: ليلة الأحد تاسع المحرم من سنة اثنتين وأربعين
[ ٥ / ٢٨١ ]
وخمسمائة. وتوفي يوم الجمعة السابع من جمادى الأولى من سنة اثنتين وعشرين وستمائة بحلب، ودفن بقابر باب الجنان.
قال: وسمعت الصاحب قاضي القضاة أبا المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الأسدي الموصلي يثني عليه كثيرًا، ويقول: كان عين المجلس ووجهه، وله في صحبتنا هذه المدَّة، لم نطَّلع منه إلّا على الصحة والخير.
وأنشدني القاضي أبو القاسم- أيده الله تعالى- قال: أنشدني أبو عبد الله الوكيل من شعره، وذكر أنَّه كان له محبوبة تدعى عائشة، وبلغه أنها تعرضت لأسود:
[من السريع]
عشت زمانًا عيشتي عيشتي ما طرق البين لنا بينا
قالت: تسلايت احتقارًا بنا قلت تسلَّيت تسلَّينا
/ ٢١٤ ب/ لا تنكري سلوتنا هذه رمت تلافًا فتلافينا
ألجأك الدَّهر إلى أسودٍ يصرف عن عشاقك العينا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه، وذكر أنَّه أنشدها قاضي القضاة أبا المحاسن يوسف بن رافع بن تميم، عند فراغ قراءة الملك الناصر صلاح الدين﵁- عليه جميعه: [من الكامل]
يا سيَّد الحكّام سيرة يوسف نظَّمتها كالعقد زين بدرِّه
وجمعت يا قاضي الممالك فضل من أرضى الإله بسرَّه وبجهره
ملكٌ قضى الله العزيز له بأن خضع الملوك لنهيه ولأمره
فسما بني سام وحام على بني حامٍ عقاب عقابه في نصره
قهر الألى قهر الألى وأعادهم حيَّ المعاد بأسرهم في أسره
أفديه لا نظمٌ يقوم بمدحه أبدًا ولا نثر يقوم بشكره
لو حاز في الشَّرع السُّجود لملحد سجد الملوك من البلاد لقبره
نشر الثُّغور فطيب نشر حديثه يبقى إلى يوم الحساب ونشره
/ ٢١٥ أ/ فتهنَّ يا قاضي الممالك أجر ما أوتيت من عمل تفوز بأجره
إن أصبح العلماء شهر صيامنا شرفًا فقد أصبحت ليلة قدره
[ ٥ / ٢٨٢ ]
[٦٩٠]
محمَّد بن يوسف بن الخضر بن عبد الله بن أبي محمَّد عبد الرحيم بن القاسم بن عبد الله، المعروف بابن الأبيض، الفقيه الحنفيُّ الحلبيُّ.
هكذا أملى علي نسبه ولده شرف الدين، بمدينة حلب المحروسة، وكان يكنى أبا القاسم أيضًا.
تفقه على والده، ثم على علاء الدين الكاساني، وبرهان الدين مسعود الحنفي؛ وقرأ علم الحساب والفرائض على الشيخ أبي محمد طاهر بن جعل، وسمع بحلب أبا علي بن إبراهيم بن إسماعيل الغزنوي الحنفي، ووالده المذكور، وأبا الفرج يحيى بن محمود الثقفي وغيرهم.
وأخبرني القاضي أبو القاسم- أيده الله تعالى- قال: كان أبو عبد الله﵀- دمث الأخلاق، حسن المعاشرة، كريم الطباع، غزير العلم، كثير الورع، مليح النظم والنثر.
ولد بحلب في رابع صفر من سنة ستين وخمسمائة، ونشأ بها، حتى انتقل أبوه إلى دمشق، وولي القضاء بها، / ٢١٥ ب/ فسار إلى والده، إلى دمشق.
وقدّمه القاضي محيي الدين أبو المعالي محمد بن علي بن محمد بن يحيى الفرسي، ومال إليه حتى نفق على السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي﵀- فقلده قضاء العسكر، وسيّره إلى الملوك والرسائل. وقلّده عدّة مدارس بدمشق، منها مسجد خاتون- ظاهر مدينة دمشق- ومدرسة باب البريد، ومدرسة خاتون أيضًا.
ولم يزل كذلك إلى أن حدثت بينه وبين وزيره الصفي محمد بن عبد بن علي بن
[ ٥ / ٢٨٣ ]
شكر وحشة، خاف منها على نفسه. وكان الملك العادل قد سيّره رسولًا إلى حلب المحروسة وإلى الديار الشرقية؛ وكان قد اتصل إلى والدي﵀- فلما ورد حلب، عرض عليه السلطان الملك الظاهر المقام بحلب، وضمن له أشياء، فأجابه إلى ذلك. وسار إلى الديار الشرقية لأداء الرسالة، وعاد إلى حلب، فأقام بها، وسير جواب الرسالة إلى الملك العادل. وولّاه الملك الظاهر مدرسة شاذبخت﵀-.
وحكى لي أنه؛ لما سيّره الملك العادل في هذه الرسالة، تلطف في طلب ، بألطف حيلة، وذلك أنه؛ قال: قد علم مولانا أنَّني قد تأهلت بحلب/ ٢١٦ أ/ وأنا أستخدم الإذن الكريم عند أهلي، عند قضاء شغل السلطان، فأذن له في ذلك، ظنًا منه أنه يقيم مدة ثم يعود.
ولم يزل بعد ذلك مقيمًا بحلب، إلى أن ولّى الملك الظاهر؛ افتخار الدين أبا هاشم عبد المطلب بن الفضل العباسي الهاشمي﵀- رئاسة أصحاب أبي حنيفة، فاستوحش لذلك، وترك منصبه، وسار إلى حماة. فأنزله الملك المنصور أبو المعالي محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب بها، وأكرمه وولاه المدرسة النورية بها.
ثم إنَّ الملك الظاهر﵀- طلب عوده من والدي﵀- فسار- وكنت صحبته إلى حماة- وأعاده إلى حلب المحروسة، إلى منصبه.
قرأت عليه الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة﵁- وشيئًا من الحديث. وسمعت منه أشياء من المذاكرة، وأجاز لي رواية مسموعاته ومروياته.
وكانت وفاته﵀- ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان، من سنة أربع عشرة وستمائة فجأة. كان قد استدعى فقهاء المدرسة، في تلك الليلة على عادته في شهر رمضان للإفطار على مائدته، وأكلوا وخرجوا عنه. ثم صلّى العشاء الآخرة والتراويح، وسجد وحضرته الوفاة/ ٢١٦ ب/ فلم يتكلم بشيء؛ إلى أن مات، واستدعيت إليه، وهو في الحياة، فلم يزل إلَّا يسيرًا حتى مات، ودفن صبيحة تلك الليلة، بتربتنا بمقام إبراهيم﵇- إلى جانب والديَّ- رحمهما الله-.
قال القاضي- أيده الله تعالى- ومما أنشدني القاضي أبو عب الله لنفسه:
[من الطويل]
[ ٥ / ٢٨٤ ]
أشدُّ المحبِّين اشتياقًا ووحشةً لمحببوه صبٌّ يبيت على وعد
يخاف اجتنابًا واضعًا عن تعمُّد وأصعب ما كان التَّجنُّب عن عمد
وقد كان يرجو قبل ذلك وصلة ويحب أنَّ الهجر ما كان عن قصد
فإن صدَّ بعد الوعد ظنَّ بأنَّه جفاه على علمٍ فمات من الوجد
وأنشدني؛ قال: أنشدني محمد بن يوسف لنفسه: [من مخلّع البسيط]
لا تهجعن تحظ بالأماني هجر الكرى حلية الجدود
واسع إلى الفضل غير وانٍ تقطع إذًا دابر الحسود
وأنشدني، قال: أنشدني محمد بن أبي محمد، قوله أبياتًا كتبها إلى الوزير صفي الدين عبد الله بن شكر معتذرًا ومتنصلًا: [من الطويل]
لعبدك من ضعف لمنقبع متى دعا أجبت وكان العفو عنه جوابا
/ ٢١٧ أ/ ويؤمنني حلمٌ وجود وقدرةٌ لمالك رقِّي إن خشيت عقابا
ولست وإن أذنبت أوَّل من جنى على نفسه ثمَّ استقال ونابا
وأنشدني، قال: أنشدني المذكور لنفسه، ما كتبه إلى الصفي محمد بن إسماعيل الكاتب المصري، سأله حسن المناب عنه، عند ابن شكر الوزير: [من الخفيف]
كن شفيعي عند الوزير فإنِّي واثقٌ إن شفعت لي بالقبول
أنت أهلٌ لكلِّ قولٍ جميلٍ وهو أهلٌ بكلِّ فعلٍ جميل
وأنشدني، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه، ما كتبه إلى المبارز يوسف بن خطلخ﵀- وكان قد تكلم في حقّه عند الملك الظاهر بكلام حسن من غير أن يطلب منه ذلك: [من مجزوء الكامل]
أهنا العوارف ما أتى عفوًا بلا طلبٍ مهنَّا
والوجه موفور الحيا ء وقد تعجَّل ما تمنَّى
ما غاض منه ماؤه بل زاد إشراقًا وحسنا
لم يبغ فيه ولا تقلِّد للشفيع يدًا ومنَّا
/ ٢١٧ ب/ كيد المبارز أخجلت بسماحها بحرًا ومزنا
مطرت ولم يفتح لها للوعد بالإيماض جفنا
[ ٥ / ٢٨٥ ]
بل سحَّ وابلها ولم نستقها سحّا وهتنا
[٦٩١]
محمَّد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن بن هبة الله، أبو عبد الله بن أبي الفضل البغداديُّ المعروف بابن النجار.
وكان النجار والده.
كانت ولادة أبي عبد الله في ليلة الأحد الثالث والعشرين من ذي القعدة، من سنة ثماني وسبعين وخمسمائة ببغداد.
[ ٥ / ٢٨٦ ]
أخذ شيئًا من علم العربية، عن جماعةٍ من النحاة البغداديين؛ كأبي بكر المبارك بن المبارك الواسطي النحوي، وأبي الحسن علي بن المبارك بن بابويه النحوي، وأبي البقاء عبد الله بن الحسين النحوي العكبري، وأبي الخير مصدّق بن شبيب بن الحسين الواسطي.
ثم اشتغل بالحديث وكتابته، وسمع ببغداد في سنة ثماني وثمانين وخمسمائة، وهو أول سماعه، ثم طلبه بنفسه في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، فقرأه على أبي الفرج عبد المنعم ب/ ٢١٨ أ/ عبد الوهاب بن صدقة بن كليب الحرّاني، وأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، وأبي أحمد عبد الوهاب بن علي بن علي بن سكينة البغدادي، وأبي طاهر المبارك بن المبارك بن هبة الله بن المعطوش العطار، وأبي القاسم ذاكر بن كمل بن غرائب الخفاف، وعلى جماعة سواهم.
رحل إلى الحجاز، وأقام بمكّة سنة سبع وستمائة، وسمع بها وبالمدينة على جماعة، ثم دخل الشام من مكة في سنة ثماني وستمائة، فقرأ بدمشق على أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، وأبي القاسم الحرستاني وجماعة غيرهم. وقدم حلب فسمع بها أبا هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي، وأبا محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي وغيرهما.
ثم سمع في طريقه بحران وبلاد الجزيرة والموصل وتكريت، ودخل بغداد، وخرج منها إلى بلاد الجبل، فسمع بهمذان من أصحاب أبي المحاسن نصر بن المظفر البرمكي، ودخل أصفهان، فسمع من أصحاب أبي بكر محمد بن علي بن أبي ذر الصالحاني، وإسماعيل بن الفضل بن أحمد بن الأخشيد السراج، وغانم بن خالد التاجر، وزاهر بن طاهر الشحامي.
ثم رحل على خراسان، فسمع بنيسابور المؤيد/ ٢١٨ ب/ ب محمد بن علي الطوسي، وأبا بكر القاسم بن عبد الله بن عمر بن أحمد الصفار، وزينب بنت عبد الرحمن بن أحمد الشعري وغيرهم، وبهراة: أبا روح عبد المعمر بن محمد بن أبي الفضل البزاز الصوفي، وبمرو: أبا المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني وغيرهم؛ ثم عاد راجعًا إلى بغداد، فسمع ببسطام ودامغان والريّ وساوة وهمذان وأسد
[ ٥ / ٢٨٧ ]
آباذ، وغير ذلك من البلاد.
ثم أقام ببغداد سنة، ثم عاد ودخل أصفهان، فسمع في طريقه بنهاوند والكرج، وأقام بأصبهان إلى استولى الكفار على البلاد، وهو بها يكتب ويسمع إلى أن يسر الله الخروج سالمًا منها، مع كتبه وما جمعه وألفه إلى بغداد، فدخلها في سنة عشرين وستمائة، وأقام بها ثلاثة أشهر. ثم رحل عنها إلى البلاد الشامية، فحدّث بها.
ثم توجه نحو الديار المصرية، فكتب بها عن الشيوخ، وعلق الفوائد، وأكرمه سلطانها الملك الكامل، وأطلق له شيئًا، وسأله المقام، فلم يجب إلى ذلك.
ثم عاد من الديار المصرية، قاصدًا مدينة السلام، فدخلها وهو مقيم بها، يسمع الحديث، ويفيد الناس وألّف على «تاريخ الخطيب» مذيّلًا في عدَّة/ ٢١٩ أ/ مجلدات، ولي منه إجازة بجميع مؤلفاته ومسموعاته ومروياته.
[من مصنفاته: كتاب «التاريخ المجدد لمدينة السلام، وأخبار علمائها الأعلام، ومن وردها من فضلاء الأنام»؛ وهو ذيل على تاريخ أبي بكر الخطيب في مائتين واثنين وثلاثين جزءًا، وكتاب «التاريخ الكبير» في ذكر الأعلام من سائر البلاد، المذيل على تاريخ أبي عبد الله محمد بن إسحق بن مندة الأصفهاني، الذي به على تاريخ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الإمام- رضوان الله عنهما-. وكتاب «المحكم في ترتيب المفحم»، يشتمل على مشايخه الذين كتب عنهم الحديث، وعلى من كتب من رفقائه الفضلاء ومن الشعراء والأدباء، يدخل في عشرة أجلاد، ولم يبيض. وكتاب «الكمال في تكملة الإكمال، في معرفة المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والألقاب والأنساب في أسماء النساء والرجال»؛ ذيل به على كتاب الأمير أبي نصر بن ماكولا، يشتمل على خمسة أجلاد، وكتاب «الرائق في معرفة السابق واللاحق»؛ ذيله على كتاب أبي بكر الخطيب، وكتاب «كشف النقاب عن المنمق في الأنساب» - خطًا ولفظًا- في معرفة الصحابة، وكتاب «المنمق والمغترب»؛ ذيل به على كتاب أبي موسى محمد بن عمران بن أبي عيسى الأصفهاني، وكتاب «المنتخب في معرفة النسب»، وكتاب «مناقب الإمام الشافعي» - ﵁- وكتاب «الألقاب»، وكتاب «الذيل على خريدة القصر وجريدة العصر» لأبي عبد الله محمد بن
[ ٥ / ٢٨٨ ]
محمد بن حامد الأصبهاني الكاتب، وكتاب «التاريخ على السنين» في أخبار الملوك والحوادث والوفيات، ابتدأ فيه من سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وهو أول تأريخ ].
أنشدني الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار لنفسه؛ وذكر لي أنَّ بعض الأصدقاء رآه بأصبهان مكتئبًا، يوم عيد، وسأله عن السبب الموجب لذلك، فقال ارتجالًا: [من البسيط]
وقائلٍ قال يوم العيد لي ورأى تململي ودموع العين تنهمر:
مالي أراك كئيبًا باكيًا قلقًا كأنَّ قلبك فيه النَّار تستعر
فقلت: إني بعيد الدَّار عن وطني ومملق الكفَّ والأحباب قد هجروا
وأخبرني الحافظ أبو عبد الله بن النجار، بمدينة السلام، يوم السبت العشرين من ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: اجتزت بدورق مدينة من نواحي خوزستان، فحضر عندنا غلام تركي، مليح الصورة، فسألناه عن واقعة وقعت له، وأطال الكلام. ثم ذهب فرمدت في الحال، ومرضت عيني، /٢١٩ ب/ وكان معنا فقيه كرماني، فقال: هذا خلاف القياس وكان ينبغي بنظرك إليه، أن لو كانت عينك رمدةً، أن تبرأ، فأنشدته مرتجلًا: [من المنسرح]
وقائلٍ قال: قد نظرت إلى وجه مليح فاعتادك الرَّمد
فقلت: إنَّ الشَّمس المنيرة قد يعشو لها النَّاظر الَّذي يقد
وقال الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود البغدادي، في غلام اسمه أوحد، وهي أوائل الأبيات: [من المنسرح]
إن الغزال الَّذي يتيَّمني منه بقدٍّ كالغصن معتدل
ووجنةٍ وردها الجنيُّ جنى قتلي لمَّا أومأت للقبل
حشاي مجروحةٌ بأسهم عيـ ـنيه وما فيهما من الكحل
[ ٥ / ٢٨٩ ]
دواء دائي ريقٌ يجود به من فيه أحلى ذوقًا من العسل
إنَّ اسمه ملغزًا أوائل أبيا تي بلا خفيةٍ ولا خلل
[٦٩٢]
محمَّد بن مسعود بن محمَّد المالينيُّ الهرويُّ.
ومالين من رستاق هرات، أبو يعلى.
كان أديبًا/ ٢٢٠ أ/ فاضلًا عارفًا بالنحو واللغة، ويقول شعرًا جيدًا بالفارسية والعربية، ويذهب إلى مذهب الكرَّاميَّة.
أخبرني أبو عبد الله الدبيثي، إجازة منه إلي إن لم يكن سماعًا، قال: قدم أبو يعلى بغداد حاجًا، في سنة ثمان وستمائة، وكتب عنه بها من شعره، فحجّ وعاد إلى بلده، وسألت عنه، فقيل: لم يكن محمود الطريقة، وأنَّه كان متسامحًا في الأمور الدينية.
ومن شعره العربي قوله ما أنشدني الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود البغدادي، قال: أنشدني أبو يعلى محمد بن مسعود لنفسه بمنزلة في سنة إحدى عشرة وستمائة: [من الطويل]
أصون المحيَّا لا أرقرق ماءه إذا ابتذلت عند الطَّماعة أوجه
أأنزل بالأدنى ومن تحت أخمصي من الفلك الأعلى تطامن أوجه
[٦٩٣]
محمَّد بن الفضل بن بختيار بن أبي نصرٍ الواعظ، أبو عبد الله بن أبي المكارم.
[ ٥ / ٢٩٠ ]
من أهل باعقوبا.
سكن دقوقا؛ وعقد مجلس الوعظ، وصار له قبول عند أهلها.
/ ٢٢٠ ب/ روى بها عن أبي الوقت، وذكر أنه سمع منه ببغداد، ومن جماعة مجاهيل، روى عنهم.
وكانت ولادته في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة في ربيع الأول، وتوفي بدقوقا، ثاني عشر جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة، ودفن بها.
وكان يتولّى الخطابة ببعقوبا في الجمع، ويعظ. أخبرني أبو عبد الله الدبيثي في تاريخه، قال: قدم أبو عبد الله بغداد، وأقام بها مدّة، وسمع بها، فيما يقول من أبي الوقت وعب القادر الجيلي وغيرهما، وببعقوبا من أبي إسحاق إبراهيم بن بدر بن أبي طالب النباري- ونبارى المنسوب إليها من قرى إبراز الروز- ومن أبي طاهر المؤمل بن نصر بن المؤمل وغيرهم.
وسكن بأخرةٍ دقوقًا، ولقيته بها، وكتبت عنه شيئًا يسيرًا، وكان قد حدث بأحاديث من سنن أبي عبد الرحمن النسائي؛ ذكر أنها ثلاثيات للنسائي، وكانت وهما وقع في نسخه له، ذكر أنَّه سمعها من إبراهيم بن بدر المذكور، فعرف الخطأ في ذلك، فترك روايتها.
سألته عن مولده، فقال: في شهر ربيع الأول، سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وكتب لي بخطه، وأنشدني لنفسه من كتاب، كتبه إلى صديق له: [من الطويل]
/ ٢٢١ أ/ وأخلصه قلبي الولاء حقيقةً كإخلاصه في الحبِّ سفن النَّجا حقَّا
موالٍ مواليهم ينال المنى بهم فلا زال طول الدَّهر في حبِّهم يرقى
[ ٥ / ٢٩١ ]
[٦٩٤]
محمَّد بن حازمٍ السَّمَّان، أبو عبد الله الحلبيُّ.
من أهل حلب.
وكان قد ولاّه بعض أمراء حلب، كتابة شيخلية الحاضر السُّليماني، لكونه مدحه أولًا بقصيدة.
وكانت وفاته في سنة سبع عشرة وستمائة. كان شاعرًا يمدح الأكابر والرؤساء، وله يد في حلِّ الألغاز، وعنده فضل وتميز.
ومن شعره يقول: [من الطويل]
أعاذل مهلًا إنَّ سلوانهم عار ومن لي بأن أسلو وقد شطَّت الدَّار
أعد ذكر نعمان الأراك فإنَّه ليعتادني منه على البعد تذكار
وقصَّ أحاديث العذيب فإنَّني رحلت ولي فيهم حديثٌ وأسمار
سلا بانة الوادي متى خطرت به ففي إثرها للمندل الرَّطب آثار
تأرَّج ريَّاها بذي البان والنَّقا ففي كلِّ ميَّالٍ هنالك عطَّار
وأنشدني أبو محمد القاسم بن محمد بن سراج/ ٢٢١ ب/ الحلبي، قال: أنشدني محمد بن حازم لنفسه: [من المتقارب]
أما آن أن تتلافى تلافي وأن تتجافى سبيل التَّجافي
وأن تتجنَّب ذا الاجتناب وتعرف عهد المحبِّ الموافي
[ ٥ / ٢٩٢ ]
ألا يا غزالًا غزا مهجتي وأضعفني بالجفون الضِّعاف
عيونٌ تفيض عيونًا عليك فطر في لجَّة الدِّمع طافي
وشاهد شاهد سقمي فعاد .. صفا قلبه يشبه الماء صافي
وقد زار تحت إزار الدُّجى وخالف عذَّاله في خلافي
فقبَّلت قبلة ورد الخدود وصيَّرت شافي لماه ارتشافي
وما عاقني من لذيذ الوصال سوى الخوف من هول يوم المخاف
فنفس النَّفيس تعاف الفساد ورسم الخنا قد عفا في عفافي
[٦٩٥]
محمَّد بن أبي الخير بن أبي الفضل بن الفضل بن أبي الفضل بن سطيحٍ، أبو عبد الله الحموي الحكيم الطائفيُّ.
من خواص أصحاب الملك المنصور أبي المعالي محمد بن/ ٢٢٢ أ/ عمر بن شهنشاه- صاحب حماة-؛ ولديه فضل، وعلم، وأدب، ودراية، ومعرفة، وفصاحة، وله شعر جيد مستحسن.
لقيت ولده أبا الفضل أحمد الحكيم الفاضل بحلب المحروسة، وذكر لي أنَّ والده توفي في ربيع الأوّل سنة سبع وثلاثين وستمائة.
ومن شعره يمدح الملك المنصور- صاحب حماة-: [من الطويل]
أما والهوى يوم استقلَّت حمولها وأضحت خلاءً من حبيبٍ طلولها
لقد غادرت بين الضُّلوع صبابةً ولوعة حزن ليس يشفى عليلها
وسارت فقلب المستهام محرَّقٌ بنار الأسى والعين تجري سيولها
لعمري لقد جدَّ البلاء وأعلن الـ ـمشوق بشجوٍ يوم جدَّ رحيلها
وضنَّت بتقبيل البنان وإنني لينفعني ممَّا تنيل قليلها
سقى دار ليلى حيث حلَّت وخيَّمت من المزن منهلُّ الرَّباب هطولها
لك الله هل بعد الصُّدود تعطُّفٌ وهل بعد هذا النَّأي يقضي وصولها
هي القمر الوضَّاح والشِّمس للضحى تنير ولكن لا يخاف أفولها
لها مقلتا ريمٍ وخدٌّ مورّدٌ أسيلٌ ألا خير الخدود أسيلها
[ ٥ / ٢٩٣ ]
وخصرٌ دقيقٌ عاد يشكو نحوله وأحسن ممشوق الحصور نحولها
/ ٢٢٢ ب/ تمايل من سكر الصِّبا فكأنَّما تدار علينا بالكؤوس شمولها
ومنها في المديح:
نشير إلى ملكٍ رفيع عماده وحيث يرى جمُّ العطايا جزيلها
له حملاتٌ في الوغى مستبينةٌ وصولات طعنٍ لا تزال نصولها
تقصِّر عن إدراك شأو علائه ملوك زماني شيبها وكهولها
هو الملك المنصور والماجد الَّذي له كلَّ يومٍ عارفاتٌ ينيلها
علا بك شاذي وابنه وقبيله ذرى شرفٍ ما كان قدمًا يطولها
ما برسول الله حقًا تشرَّفت قريشٌ ولولاه لطال خمولها
[٦٩٦]
محمَّد بن بدران بن مليل، أبو البدر الكرمونيُّ.
من قرية شرقي تكريت، من أعمالها تدعى كرمي.
[كان] رجلًا ذا عقل ودين، وأمانة ومعرفة، يفوق بصفاته على أضرابه وأشكاله، ويتميّز بها من أصحابه وأمثاله؛ ولذلك كثر خلاّنه وأصدقاؤه، وركن إلى صدقه وحذقه ولاته وأمراؤه، ينزل نفسه في نصرة/ ٢٢٣ أ/ صحابه، ويكرم قاصده، ويقوم بواجبه، وعنده من الشجاعة والنجابة والأخلاق العذبة المستطابة، ما يرغِّب اللبيب في معاشرته، ويحبِّب البعيد والقريب في مصاحبته وأخوته.
ما زال الأمراء بقلعة تكريت، يأتمنونه في أشغالهم، ويطلعونه على ما يحتاجون إليه فيه من بواطن أحوالهم.
وكان معين الدين ارنقش الخاص؛ حين تولى إمارة تكريت من جانب الديوان العزيز- مجّده الله تعالى- لما صار أمرها إليه، اعتمد عليه في بعض مهام الدين العزيز، وأنقذه إلى بلد ماردين، وكذلك من بعده من الأمراء بتكريت. وكانت له عناية تامة، ولجماعة أخوته من الأمير فلك الدين آقسنقر الناصري، حين ولي تكريت، ودقوقًا،
[ ٥ / ٢٩٤ ]
وبين النهرين.
وهو مع اشتغاله بخدمة السلطان، محافظ على أداء الصلوات، متجنّب للحرام والشبهات، خدم متجنِّدًا بقلعة تكريت من زمن معين الدين ارنقش لحاجته إلى طلب الرزق.
وحضر عند القاضي تاج الدين ابن زكريا، بتكريت كثيرًا، وسمع ما يذكره، وما يقرأ عليه من العلوم، وقرأ عليه جميع كتاب «العقود اللمع» لابن جني.
/ ٢٢٣ ب/ وكان له ميل إلى فن الأدب والنظم، وعنده معرفة حسنة في منازل الشمس والقمر ومسيرهما، ومعرفة الأنواء، وقد صحبته عدّة مرار في تردداته إلى مدينة السلام. وسألته حين كثرت معه صحبته، وصحت له إرادته، أن يلبسه خرقة التصوف، ليتسم بسمة التلاميذ والأصحاب، ويتمسك منه بأجمل الوسائل، وأحسن الأسباب، فالبسه الخرقة.
وكان ينتمي في لباس الفتوة إلى الشيخ شهاب الدين يوسف القصاب، وهو من جملة رفقائه وأصحابه، وله معرفة بجماعة من صدور مدينة السلام، حسن التوصل إليهم، فيما يحتاج إليهم فيه من أشغالي وأشغال رفقائه وجماعته.
ولما أقام القاضي تاج الدين أبو زكريا بالمدرسة النظامية، مدرسًا لها، كتب إليه الرئيس أبو البدر، كتاب استيحاش، وضمنه أبياتًا من نظمه وهي: [من السريع]
يا سادتي من ذا الَّذي قد رمى بالعين أصمانا بسهم لخطوب
كنتم مصابيحًا بها نهتدي في الدِّين والدُّنيا ونور القلوب
واليوم مذ فارقتمونا نرى قد بان في تلك القلوب الغيوب
/ ٢٢٤ أ/ أنتم رضيتم غيرنا خبرةً نحن لمن يرضى بكم في الشُّعوب
شوقي إلى الزَّوراء ما ينحصي ولو تعاناه حساب الضُّروب
إذا تذَّكرت زمانًا مضى قلت لعلَّ الدَّهر يومًا يؤوب
وحقَّكم ما مرَّ بي طيفكم في اللَّيل أو هبَّت رياح الجنوب
إلَّا وفاضت مقلتي أدمعًا شوقًا إليكم وفؤادي يذوب
يا سادتي بالله لا تقطعوا أخباركم عنِّي فعندي كروب
[ ٥ / ٢٩٥ ]
[٦٩٧]
محمَّد بن موسى المتانيُّ.
ينسب إلى متانة قرية من أعمال حوران.
رجل شديد سمرة اللون، قيل إنَّ أصله من بلاد المغرب، من أنزق خلق الله، وأشرسهم أخلاقًا، يلزم نفسه العزلة عن الناس والرياضة والمجاهدة على ما كان عليه. ويدّعي علومًا كثيرة، ويحضر مجلس الفقهاء، ويبحث معهم، ويسفه عليهم في فلك المناظرة والجدل؛ ولم يخرج عن الأخلاق الغريبة، لضيق عطنه، وكثرة شرّه. وكان يغضب على من يخاطبه ويسمعه كلامًا غليظًا لرداءة طباعه وقحته.
/ ٢٢٤ ب/ واجتمعت به كثيرًا بالمدرسة المنسوبة إلى بني عصرون بحلب، وكان نازلًا بها.
أنشدني القاضي عماد الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عصرون التميمي؛ قال: أنشدني محمد بن موسى المتاني لنفسه: [من الخفيف]
تلفت مهجتي فوامهجتاه من غزالٍ سبى الفؤاد هواه
رشأ أهيفٌ أغنُّ كحيلٌ تحتوي سحر بابلٍ مقلتاه
فاق بالحسن حسن كلِّ مليحٍ فشهدنا أن لا مليح سواه
هل تراه يجود لي بوصال بعد طول الصُّدود فيه تراه
أيها القاتلي بطول الأماني وعدك الصَّبَّ بالوصال شي هو
اتَّق الله كم تعذِّب قلبي يا هواه وسؤله ومناه
أحيي بالوصل مستهامًا كئيبًا مغرمًا منك داؤه ودواه
أيها النَّاس من معينٌ لصبٍّ طال بالنَّجم وجده وعناه
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني محمد المتاني لنفسه [من البسيط]
أهل الصَّبابة هل صبٌّ من البشر لاقى من الوجد ما لاقيت من عمر
/ ٢٢٥ أ/ يرنو فينضو لنا من لحظه صقل ماض مضاربه أمضى من القدر
[ ٥ / ٢٩٦ ]
[٦٩٨]
محمَّد بن الحسين بن أسعد بن عبد الرحمن بن الحسن بن طاهر بن محمَّد بن محمَّد بن الحسن بن عليِّ بن يزيد الكرابيسيُّ النيسابوريُّ، أبو المعالي بن أبي عبد الله بن العجميِّ.
من أهل حلب، ومن أكبر بيت بها، وأقدمه في الحشمة الظاهرة، والثروة الوافرة.
كانت ولادته في شهر ذي القعدة سنة أربع وستين وخمسمائة، وتوفي بدمشق عائدًا من الحجّ، وكان موته يوم الإثنين في فندق ابن المقدم على باب الفراديس، وكان ذلك اليوم الحادي والعشرين من صفر سنة خمس وعشرين وستمائة، وحمل تابوته إلى محروسة حلب، فدفن بها، وكان وصوله يوم الأربعاء مستهل ربيع الأول، ودفن بالجبل صبيحة ذلك اليوم.
وكان فقيهًا شافعي المذهب، له معرفة بالخلاف والأصولين، مدرسًا درس بالمدرسة السلطانية الظاهرية، خارج مدينة حلب قبليها. وكان قد سافر إلى البلاد الخراسانية، وتجّول فيها، واشتغل هنالك مدّة، ثم عاد إلى مدينة حلب، درس الفقه على أبي الحسين عبد الملك/ ٢٢٥ ب/ بن نصر الله بن جهبل الحلبي، وقرأ بالموصل على أبي حامد محمد بن يونس بن محمد بن منعة ابن مالك الموصلي الفقيه الشافعي المدرس.
أنشدني أبو عبد الله الحسين، قال: أنشدني والدي لنفسه؛ وأنشدنيها أيضًا الشيخ الأجل الأمين محيي الدين أبو صالح عبد الكريم بن عثمان بن عبد الرحيم بن العجمي- أيده الله تعالى- قال: أنشدني أبو المعالي محمد بن الحسين بن العجمي
[ ٥ / ٢٩٧ ]
لنفسه: [من الطويل]
ألا هل بنعمان الأراك مقيل لذي لوعةٍ منه ويسمع قيل؟
وهل لليالينا برامة عودةٌ وطرف الأعادي والوشاة كليل؟
وهل يرد الصَّادي رضاب رضاكم فشفى عليلٌ أو يبلَّ غليل؟
أحبَّه قلبي قد ضنيت من الظَّما فهل لي إلى ماء العذيب سبيل؟
أرى منهلًا عذبًا غزيرًا ووروده ألا عنه لي حتى الممات سبيل
أيحسن في شرع الهوى أنَّ ظلَّكم ظليلٌ وأنِّي مدنفٌ وقتيل
ولا عجبٌ أنِّي أموت صبابةً وقد مات قلبي عروةٌ وجميل
وله: [من الطويل]
تغيَّرت الأيَّام واسودَّ بيضها وساد سواد النَّاس فيها قرودها
/ ٢٢٦ أ/ وفي الموت فوزٌ للكريم وراحةٌ إذا ملكت أحرار قومٍ عبيدها
ومما ينسب إليه أيضًا، وأنشدنيه عنه أبو البركات محمد بن عثمان بن المنبجي:
[من الطويل]
لئن قرَّب الله التداني وقوِّضت خيام النَّوى واعتضت عن بعدكم قربا
غفرت لصرف الدَّهر كلَّ جريمةٍ وإن كنت ممَّن لا أبيح له سبَّا
وأنشدني ولده أبو عبد الله الحسين، قال: أنشدني والدي لنفسه [من البسيط]
يا نازلي البلد الأقصى ومنزلهم وسط الضَّمير وهم في القلب سكَّان
أفنيت صبري وأبقيت الغرام فلا صبرٌ ولا عنك لي يا عين سلوان
نفيت عزمي عن أهلي وعن وطني يا من إذا ماس فيه يخجل البان
هل تذكرون محيّا قد فنى أسفًا أفناه في حبِّكم همٌّ وأشجان
لا يطعم الغمض مذ شطَّت دياركم .. وليس يؤنسه أهلٌ وخلَّان
أشكو إلى الله عمرًا قد مضى عبثًا لا الدَّار دارٌ ولا الجيران جيران
[ ٥ / ٢٩٨ ]
ضدّان قد لازماني في محبَّتكم في العين ماءٌ وفي الأحشاء نيران
/ ٢٢٦ ب/ من لي بكتمان ما الأحشاء تضمره وفيض دمعي على الخدِّين عنوان
قد كان دمعي لآلي قبل بينكم والآن مذ غبتم فالدَّمع مرجان
قد كنت ذا طربٍ في قربكم فغدا لبعدكم [في الحشا] همٌّ وأحزان
ونقلت من خطه شعره: [من السريع]
وإن كنت لا أطمع في وصلكم ولا أنال الفوز في الآخره
وقد مضى عمري ضياعًا بكم فيا لها من ضفقةٍ خاسره
[٦٩٩]
محمَّد بن إبراهيم بن خشنام بن أحمد، أبو حامدٍ الحلبيُّ.
كان له عناية بالحديث وسماعه، ورحلة في طلبه، وسمع الكثير منه، وله مع ذلك يد في معرفة الطبّ، وعلم الأدب، وكان فاضلًا.
صار إلى من تأليفه، مجموع حسن في معناه، صنعه باسم بعض الكبراء في ذلك الوقت، محتوٍ على فنون من محاسن الأشعار، ولطائفها، وقد رتَّبه أبوابًا وفصولًا، وأورد فيه نبذًا من شعره.
وحدثني أخوه نجم الدين أبو الحسن بن إبراهيم بن خشنام الفقيه الحلبي، بحلب المحروسة، قال: توفي أخي أبو حامد/ ٢٢٧ أ/ بعد الستمائة؛ لأنه كان الأكبر، وكنت صغير السن يومئذ.
ومن شعره يقول في كتاب ورد عليه من بعض أصدقائه: [من الكامل]
ورد الكتاب فمرحبًا بوروده من عند خير مكاتبٍ ومراسل
فلثمته من بعد قولي ناشطًا يا مرحبًا بقدومه من واصل
وخضعت للرحمن ﷻ أن يجمعن ما بيننا بالعاجل
وقال في مثله: [من المتقارب]
أتاني الكتاب وفصل الخطاب لبرد الشَّباب وعهد الصَّبا
من البحر فصلًا من القطران تراه إلى نشر علمٍ صبا
[ ٥ / ٢٩٩ ]
فبرَّد عنِّي غليل البعاد كما الصَّبُّ هبَّت عليه الصَّبا
وقبَّلته العشر من بعد أن تأمَّلته قائلًا مرحبا
وقوله يمدح: [من الكامل]
صدرٌ يداه مقبل الإقبال وعلى نداه معوَّل الآمال
إن كان لا يأتي السَّحاب بنقله فبكفِّه يأتي سحاب المال
وقوله: [من المتقارب]
إذا نشر الصُّبح أعلامه يد البين أكمامه
/ ٢٢٧ ب/ فقم يا غلام وهات المدام وناد الصِّبوح ومن رامه
ولا تهملن زقَّ بنت الكروم إلى ابن الكرام وإكرامه
فما عاقلٌ من يعقُّ العقار ومن يصغ سمعًا لمن لامه
وقال أيضًا: [من الطويل]
سلامٌ كأنفاس الشَّمال تبسَّمت على نفس مهموم يودُّ نسيمها
نسيمٌ ينسِّي طيب ريَّاه ربربًا ترَّبى بجنَّات النَّعيم نعيمها
[٧٠٠]
محمَّد بن أحمد بن رافعٍ، أبو المحامد الهلاليُّ.
ينسب إلى جبل بني هلال من أعمال صرخد، من الشعراء الدمشقيين.
أخبرني القاضي السيد بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن الخشاب- أيده الله تعالى- بحلب، قال: كان أبو المحامد رجلًا أسمر، وافي اللحية، عبل الجسم، وأوّل ما وخطه الشيب يسلك سلوك الأعراب في إنشاده الشعر، جهوري الصوت. يفد إلى حلب، ويمدح سلطانها الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف﵀- فيجيزه على شعره، ويكرمه، وينصرف عنه شاكرًا لأياديه، وسمعنا منه كثيرًا من شعره.
[ ٥ / ٣٠٠ ]
ذكره أبو الحسن بن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي/ ٢٢٨ أ/ في تاريخه المذيل على تاريخ السمعاني أبي سعيد، وقال: قدم أبو المحامد هذا بغداد، أيام قاضي القضاة ابن الشهرزوري، ثم قدمها سنة إحدى وستمائة.
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
عفا الربع من سلمى فأقوت منازله وعيفت لبعد الحيِّ عنه مناهله
وناحت به ورق الحمام كأنَّها تحاول من سكَّانه ما تحاوله
خليلي إنَّ الحبَّ داءٌ دواؤه فراق حبيب أو حبيبٌ تواصله
إذ الوجد لا ينفكُّ في مذهب الهوى كسبًا إذا لم يخرج الحقَّ باطله
وليل بثٍّ بتُّ فيها كأنَّما بجفني من شوك القتاد عوامله
أراصد منها كلَّ نجمٍ كأنَّما حرامٌ عليه أن يرى الغرب مائله
وكم رمت إسعاف الرُّقاد وقد دنت أواخر ليلي أرَّقني أوائله
لعلَّ خيال العامريَّة موهنًا يغازلني في جنحه وأغازله
وهيهات أن يحنو على ذي صبابةً حليف هوًى قد ملَّ منه عواذله
له أنَّه الشَّاكي إذا ما ترنَّمت على الدَّوح من وادي الأراك بلابله
وأنشدنا أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن سعد بن الخشاب؛ قال: أنشدنا أبو المحامد الهلالي لنفسه، / ٢٢٨ ب/ هذه القصيدة الدالية، يمدح السلطان الملك الظاهر- رحمه الله تعالى-: [من الكامل]
بالمشرفيَّة والقنا الميَّاد ملكت معاقل يعرب وإياد
وبحثِّ والدك الصَّوافن ضمَّرًا تختال تحت قساور الأمجاد
دانت ملوك المشرقين وزعزعت بالمغربين شوامخ الأطواد
فعلام يا خير الملوك أبًا ومن خلقت صوارمه بلا أغماد
لم تورد البيض القواضب والقنا مهج العداة فإنَّهنَّ صوادي
وتقيدها بدم الكماة كأنَّما خضبت عواملها يد العرصاد
فانظر غياث الدِّين يا خير الورى وأجلَّها من حاضر أو باد
يا ابن الَّذي ملك الطُّغاة وأصبحوا رهن الحقوف لديه والأضداد
[ ٥ / ٣٠١ ]
واغتر لدين المسلمين فقد سمت ظلمًا ثعالبه على الآساد
وانهض إلى الدُّنيا بكلِّ غضنفر ندب لكلِّ وقيعةٍ معتاد
ثبتٍ يودُّ لدى الطِّعان بأنَّه لعلاك من دون البريَّة فادي
وافتح حصون الخافقين فإنها وافتك طائعةً على ميعاد
لا تخش من كيد الملوك فإنَّهم نعمٌ وأنت لها بسيفك حادي
/ ٢٢٩ أ/ تالله لا بلغو مداك ولا شأوا علياك يا ابن السَّادة الأجواد
أنَّى وأنت لهم إذا اشتجر القنا ليث الشَّرى وإلى المكارم هادي
غرست رماحك في الجوارح منهم رعبًا تبقِّيه على الأولاد
إن يحسدوك على المكارم والعلا والمجد لا يخلو من الحسَّاد
كم بين من نسخ الكرام وأصبحت أمواله وقفًا على الوفَّاد
نال المدى يوم السِّباق ومجده إرثٌ عن الآباء والأجداد
ومدمَّم بخلت يداه فلا يرى طرف الفخار إليه بالمنقاد
كم رام ذو خطر ليدرك بعض ما أوتيت من شرف وبذل أيادي
فرآك كالنَّجم الَّذي لا ترتقي يومًا إليه طبائع الأجساد
أنت الَّذي عمَّت سحائب جوده سحّا على الأغوار والأنجاد
وغدا لنشر مديحه بين الورى وثنائه في كلِّ قطر شادي
أغياث دين الله يا من لم يزل عزِّي إذا طلب الزمان عنادي
يا خير من جرًّ الجيوش وخير من تليت مناقبه على الأعواد
إنِّي ولجت فناء جودك راجيًا مننا تبلِّغني لديك مرادي
فاجمع رعاك الله شملي عاجلًا يا ابن الكرام الغرِّ بالأولاد
/ ٢٢٩ ب/ فلقد وعدتهم بأنَّك منجحٌ قصدي وأنَّك عدَّتي وعمادي
واسلم فخير النَّاس أنت وللندى أهلٌ وأنت بكلِّ خير بادي
وتهنَّ شهر الهاشميِّ محمدٍ وبشهر أمَّته وبالأعياد
[ ٥ / ٣٠٢ ]
[٧٠١]
محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن عليٍّ اليحصبيُّ، أبو عبد الله القرمونيُّ الأندلسي.
كان طويلًا من الرجال، خفيف الروح، مداعبًا معاشرًا. نزل دمشق وخالط صدورها، واتصل بأماثلها.
وكان طول دهره، لم يزل مكشوف الرأس، ما وضع على رأسه عمامة ولا قلنسوة. ويعتني بالتصوف، وطريقة التوكل، ويميل إلى السياحة والفقر، ولبس الصوف. وكان له شعر حسن، وفيه أدب وفضل.
حدثني أبو الفضل عمر بن علي بن محمد بن هبيرة، قال: رأيت بدمشق، ومدح والدي بهذه الأبيات: [من مجزوء الكامل]
يا طالبًا معنى الزَّمن إلق الوزير أبا الحسن
تلق المكارم والنُّهى والخلق والخلق الحسن
/ ٢٣٠ أ/ ما مثل نجل هبيرةٍ لا بالشَّام ولا اليمن
فإذا ظفرت بحبله ظفرت يمينك بالمنن
وركنت منه إلى يدي طود ترفَّع عن قنن
يا أيها الشَّمس الَّذي حاز الفرائض والسُّنن
يا فجر بغداد الَّذي أضحت لمجدكم سكن
إن لم تكن أنت الَّذي ترجى لمكرمةٍ فمن؟
ومنها:
لا زلت من ريب الحوا دث لابسًا أوفى الجنن
[٧٠٢]
محمَّد بن صالحٍ المعلم، أبو عبد الله الواسطيَّ.
شاعر، له دراية بالأدب؛ نزل البصرة، وهو بها مقيم، يمدح وجوه أهلها، ولم يكن له حرفة سوى التكسب بالشعر، والاستجداء به. وهو من سواد واسط.
[ ٥ / ٣٠٣ ]
أنشدني أبو عبد الله محمد بن شعيب الواسطي، قال: أنشدني محمد بن صالح الواسطي لنفسه: [من البسيط]
/ ٢٣٠ ب/ هل نازح الدَّار بعد البعد يقترب فيستريح فؤادٌ كله كرب
أما اللَّيالي الَّتي جاد الزَّمان بها تعود من بعد ما فاتت فترتقب
أيَّام قد كنت يا لمياء راضيةً فلم أبل رضي الواشون أم غضبوا
ما بال أثواب وصلي بعد جدَّتها قد أخلفت وجلابيب الصِّبا قشب
إذا نهضت إلى مجد أوثِّله تقاعدت بي عن إدرأكه النوَّب
يستضحك الفضل منِّي حين يخطبني الـ ـعلا ويدركها عريٌ فينتحب
ومنها:
يا من أغات على قلبي لواحظه ببيضهنَّ ألا فليهنك السَّلب
صل مدنفًا قلبه شوقًا إليك على مثل اللَّظى يتلظَّى حين ينقلب
ما راق بعدكم شيءٌ له أبدًا ولا دعاه إلى مستحسنٍ طرب
وأنشدني، قال: أنشدني أيضًا لنفسه، من ابتداء قصيدة: [من البسيط]
أفنى وليس بفان ما أكابده ولا عج الشَّوق ماينفك عائده
وأكتم الوجد والتَّبريح يظهره وكيف [يكتم] داعي الحبِّ واحده
يا من صحبتهم دهرًا فما نظرت عيناي منهم أخا صدقٍ أوادده
/ ٢٣١ أ/ من كان طالب خلٍّ يستعين به على الزَّمان فقد أكدت مقاصده
[٧٠٣]
محمَّد بن أحمد بن عليِّ بن محمَّدٍ، أبو أحمد الواسطيُّ الضرير، نزيل الموصل.
كان قارئًا مجودًا، ماهرًا في القراءات، فقيهًا جدلًا مناظرًا، حسن القراءة للقرآن وتجويده. وكان قد تفرّد بشيء ما انفرد به غيره؛ وذلك أنَّه كان يقرأ السورة من آخرها إلى أولها؛ آية بعد آية. ويأخذ من سورتين من أول واحدة، وآخر أخرى، فيقرأ من أول كل سورة آية، ومن آخر سورة أخرى آية؛ فيختم هذه إلى آخرها، ويختم تلك إلى أولها؛ ثم يأخذ من سور متعددة، من أول واحدة، ووسط أخرى، وآخر أخرى، ثم
[ ٥ / ٣٠٤ ]
يختم السور كلّها. قراءة مرضية من غير توقف.
لقيته بالموصل، وطلبت منه شيئًا من شعره، فوعدني ذلك؛ ثم توفي ليلة الاثنين بعد عشاء الآخرة، حادي عشر رجب سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني ولده أحمد؛ قال: أنشدني والدي لنفسه من قصدية أوَّلها: [من الرمل]
/ ٢٣١ ب/ حظر الوجد عن العين كراها فأتت ساهرةً إلَّا قذاها
وأبى البين فأصمى سهمه كبدًا لم يخطها يوم رماها
[٧٠٤]
محمَّد بن المؤمل بن فضلٍ البحرانيُّ، أبو عبد الله.
كان فقيهًا على مذهبه الإمامية، فاشتغل بالحلة المزيدية، ثم ورد الموصل، وأقام بها، إلى أن مات سنة خمس وعشرين وستمائة.
أنشدني الرئيس أبو العباس أحمد الموصلي- أيده الله تعالى- قال: حججنا سنة إثنين وعشرين وستمائة، ومضينا إلى البيت المقدس، وزيارة الخليل﵇- وكان أبو عبد الله في صحبتنا، فأنشدنا لنفسه: [من الطويل]
حججنا وزرنا المصطفى ثمَّ إنَّا عطفنا المطايا يا حسراتٍ ضوامرا
نؤمُّ كريمًا كان في الله بذله وأنزل فيه: قانتًا لي وشاكرا
فكن يا خليل الله ذخرًا وعدَّةً لنفس أتى بالمال والنَّفس زائرًا
وحاجته العظمى إذا جاء في غدٍ تكون له عونًا معينًا وناصرًا
/ ٢٣٢ أ/ وحاشا لجدِّ الهاشميِّ محمدٍ يؤمِّله راجٍ ولم يك ظافرا
[٧٠٥]
محمَّد بن يوسف بن خمر تاش بن سعيدٍ، أبو عبد الله القطبيُّ".
وكان يعرف بأمير علم، وخدم جنديًا لبني أتابك أوّلهم؛ عزّ الدين مسعود بن مودود بن زنكي، ثم ولده من بعده نور الدين أرسلان شاه، ثم ولده الملك الظاهر عزّ الدين مسعود﵃-.
[ ٥ / ٣٠٥ ]
وكان موصلي المولد والمنشأ، وتوفي بالموصل في السابع والعشرين من رجب سنة خمس عشرة وستمائة.
أنشدني ولده المبارك، قال: أنشدني والدي لنفسه، يمدح المولى المالك الرحيم، بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين، ملك أمراء الشرق والغرب، أبا الفضائل غرس أمير المؤمنين- ثبت الله دولته، وأدام الله عليه نعمته- يهنئه بالشهر: [من الطويل]
أمولاي بدر الدِّين ذا النَّائل الغمر أهنِّيك يا خير البريَّة بالشَّهر
وإنَّك أهلٌ للهناء وصاحبٌ له غزَّة كالشَّمس والقمر البدر
وكفٌ إذا مدَّت ببذل مواهبٍ تقاصر عنها نائل البحر والقطر
/٢٣٢ ب/ أنا السَّائل المملوك يرجوك للَّذي تشرِّفه في حاله الطَّيِّ والنَّشر
فما أنا عبد عق مولا لا ولا عصى أمره في حالة العسر واليسر
وأنشدني، قال: أنشدني والدي فيه أيضًا: [من الكامل]
ما قام يستجلي المدام بكفَّه إلَّا حسبت البدر يحمل كوكبا
صنمٌ تفرَّد بالملاحة وحده وسواه إن ذكرت ملاحته هبا
كالملك بدر الدِّين أفرد بالنُّهى فغدا إلى كلِّ القلوب محبَّبا
ملك ظلت بعزِّه مستعصمًا فأغاثني والسَّيل قد بلغ الزُّبى
يا مالك الحدباء بشرى إنَّه الإقبال حولك كيف شئت تقلَّبا
[٧٠٦]
محمَّد بن سعد الله النهرديريُّ.
نهر الدير من أعمال البصرة.
أنشدني أحمد بن عبد الله بن داود المذاري، قال: أنشدني محمد بن سعد الله لنفسه: [من الكامل]
ردي عليَّ تحيةً حيِّت ثمَّ افعلي من بعدها ما شيت
[ ٥ / ٣٠٦ ]
ودعي الحليَّ وحمله يا هذه فعن الحليِّ وحمله أغنيت
/ ٢٣٣ أ/ والله ما أزداد منك على الَّذي قد نالني خلِّيت أو خلِّيت
تيهي على الخفرات تيهًا فافخري فخرًا فما أعطين ما أعطيت
الرِّبح راح لمن شراك ورحت في أشراكه أرخصت أو أغليت
[٧٠٧]
محمَّد بن عليِّ بن عبد الله بن الحسين بن سندٍ، أبو عبد الله بن أبي الرضا الموصليُّ.
كان والده من الأماثل بالموصل، وذوي الثروة والجاه، وورث لولده هذا مالًا كثيرًا، فأتلفه جميعه في الخمر والفساد والقمار. وكان مبتذِّلًا في مواطن اللهو والإنعكاف عليه، حتى افتقر، ونفد ما معه، وساءت حاله، واجتدى الناس بالشعر، ومات على أقبح حال بالموصل، بطاقات سور المدينة.
أنشدني الشريف منصور بن عبد الخالق الموصلي، قال: أنشدني أبو عبد الله بن سند لنفسه، يمدح الوزير أبا المظفر عبد الباقي بن محمد بن أبي يعلى بحلب، من قصيدة أوّلها: [من الطويل]
نسيم الصَّبا إن سرت في السَّحر الأعلى قفي ساعةً في ساحة الشَّرف الأعلى
/ ٢٣٣ ب/ رعى الله بالميدان والكجك ليلة تقضت وكانت من أقاصي المنى أحلى
وحيَّا فنا الحدباء عنِّي فإنَّ لي بها جيرةً ما اخترت غيرهم أهلا
وكم قد تثنَّى في ثنا الثِّني أهيفٌ بصرف شمولٍ كأسها نظم الشَّملا
يميس قضيب البان تحت قبائه وشمس الضُّحى من نور طلعته خجلى
يميت إذا رام القطيعة والجفا ويحيي لموتاه إذا منح الوصلا
[ ٥ / ٣٠٧ ]
[٧٠٨]
محمَّد بن أبي عليِّ بن سالمٍ، أبو بكرٍ الحلبيُّ.
وجدت له قصيدة بخط يده، يمدح بها بعض الرؤساء، أنشدنيها عنه أبو القاسم التبريزي، أولها: [من البسيط]
مرَّت على سرحة الوادي فلم تقف وخلَّفتني حليف الدَّمع والأسف
لمياء ما في جفون الظبي من دعجٍ فيها وما في قوام الغصن من هيف
يغار بدر الدُّجى منها إذ سفرت عن واضحٍ من محيَّاها بلا كلف
تكامل الحسن من فرعٍ إلى قدمٍ فيها وجلَّت معانيها عن الصَّلف
من منصفي من جفاها والهوى له حكمٌ معانيه عانٍ غير منتصف
/ ٢٣٤ أ/ ما كنت من قوم طالوتٍ فتأخذني وما عرفت سواها أخذ معترف
من لي بساخرة الألفاظ ساحرة الأ لحاظ تسلب قلبي سلب ملتقف
ذات المخلخل لو مرَّت نسيم صبًا به لأدمته من لينس ومن ترف
[٧٠٩]
محمَّد بن أبي الوفاء بن أحمد بن أبي طاهر، أبو عبد الله النحويُّ العدويُّ الموصليُّ، المعروف بابن القبيصيٍّ.
أصله من قرية من أعمال الموصل، تدعى القبيصة، شرقيها.
قرأ القرآن العزيز ببغداد بالقراءات، على القاضي أبي الفتح نصر بن علي الكيّال الواسطي؛ ثم قرأه أيضًا على جماعة من المشايخ، وأخذ علم النحو عن شيخه أبي الحرم مكي بن ريّان الماكسي، وحصل له معرفة جيدة بهذا العلم.
وتفقه على أبي القاسم يحيى بن علي بن فضلان البغدادي ببغداد، وسمع الحديث من أبي سعد بن حميه الصوفي، وتخرّج عليه جماعة في علم العربيّة والأدب بإربل والموصل، واستفادوا منه.
[ ٥ / ٣٠٨ ]
وخرج إلى بلاد الروم فسكنها مدّة، ثم رحل عنها إلى الشام. أصله من/ ٢٣٤ ب/ أصفهان، وإنَّما نزل بعض أجداده القبيصة وتديَّرها، فنسب إليها.
وكانت ولادته في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، هاجر إلى حلب بأخرةٍ. وأقام بها مدّة، وتصدّر لإفادة علم النحو والعربية والأدب، إلا أن مات سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن من قبيلها بجوار مقام إبراهيم﵇-.
وصنّف ثلاث مقدمات؛ مقدمة في النحو، ومقدمة في التصريف، ومقدمة في الحساب.
كان شخصًا قصيرًا، ضعيف العينين، وكان يقول شعرًا صالحًا؛ رأيته عدّة مرات ولم آخذ عنه شيئًا.
أنشدني أبو بكر بن محمد بن أمريكا الزنجانيّ، قال: أنشدني ابن القبيصيّ لنفسه، في غلام قصّاب: [من الوافر]
وأهيف قدُّه قدُّ العوالي ولكن خدُّه خدُّ العوالي
بمديته ومقلته تصدَّى لسفك دم المواشي والرِّجال
تراه قاطمًا ماظلَّ يفري به الأودأج خلوًا لا يبالي
فلو ردَّت وقد نهلت رضابًا كشهد شيب بالماء الزُّلال
إلى أعناقها من غير ذبح لكلِّ قام يسعى غير آل
وأنشدني، قال: أنشدني أيضًا من شعره: [من الوافر]
/ ٢٣٥ أ/ وريمٍ قد سقيت الرَّاح حتَّى أمال برأسه فرط العقار
فأقسم أنَّه لابدَّ من أن يريني الشَّيب في وسط النَّهار
فلمَّا أن تبسَّم قلت هذي نجومٌ في النَّهار بلا تماري
لقد برَّت يمينك يا حبيبي بما أبديت من تلك الدَّاري
وأنشدني أبو الفتح محمد بن بدل التبريزي﵀- قال: أنشدني ابن القبيصي لنفسه: [من البسيط]
ما لذَّة الدَّهر إلَّا الرَّاح نشربها أو الفم العذب مضروبًا به الضَّرب
[ ٥ / ٣٠٩ ]
تشابها لطف خلقٍ لا شبيه له وطيب خلق فتمَّ الحسن والطَّرب
والورد والكأس ذا خدٌّ وذاك فمٌ والخمر والحبب الأرياق والشَّنب
والخدُّ والفم ذا وردٌ وذا قدحٌ والرِّيق والثَّغر ذا خمرٌ وذا حبب
وليلة جمعة شملي وشملهما وبات يرتع في ميداني الأرب
حتَّى إذا ما تشمَّت في شمائلنا كأس الشَّمول تمشَّى بيننا الأدب
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه: [من الخفيف]
خذ على الدَّهر إن قدرت يمينًا أن يديم الصَّبا وأن لا يمينا
/٢٣٥/ ما تراه قد راق روضًا وقد رقَّ نسيمًا وقد تأرَّج حينا
زمنٌ طيب وعيشٌ رقيقٌ وصال ما خلته أن يكونا
فكأنَّ السَّماء تنشر في الرَّو ض من القطر لؤلؤًا مكنونا
وكأنَّ البهار حامل أطبا ق نضار على سواعدنا مينا
وكأنَّ الأقأح أزرار تبرٍ كلِّلت لؤلؤًا يروق العيونا
فاغتنم لذَّة الزَّمان فليس الدَّهر كيف اعتبرته مأمونا
ونقلت من خطه، ما قاله لنفسه: [من المتقارب]
أطلعت الغواية فيما مضى فعاص الغواية فيما بقي
وكن في التُّقى أبدًا راغبًا فما إن يفوز سوى المتقي
وخالط أولي الخير تسعد بهم فليس السعيد كمن قد شقي
وله دوبيت مردف:
بالله ترفَّقوا بصبٍّ عاني فالصَّب غريب
قد ذاب فؤاده من الهجران والهجر مذيب
تنهلُّ دموعه من الأجفان والدَّمع مريب
/ ٢٣٦ أ/ قد جلَّ غرامه عن الكتمان فالصَّبر عجيب
وقال أيضًا: [من المتقارب]
على ذلك الخيف ظبيٌ ملول لعينيه في كلِّ حيٍّ قتيل
تحار إذا عاينته العيون وتصبو إذا عقلته العقول
[ ٥ / ٣١٠ ]
ويتلف جسمي بهجرانه وإتلاف روحي فيه قليل
تصبَّرت حتى فداني العدوُّ على جوره ورثى لي العذول
أميل إليه وإن ملَّني كذلك كلُّ محبٍّ يميل
تملَّك رقِّي فماذا يريد وقد حرت فيه فماذا أقول
لساني كليلٌ إذا ما وصفت وطرفي إذا ما رآه كليل
ونفسٌ تمكّن منها الهوى وجسم تمكن منه النحول
فلم يبقى من تيك إلَّا المنى ولم يبق من ذاك إلَّا الاليل
وقال من أبيات: [من الكامل]
دعني أمتِّع [منك] نفسي بالهوى ما بعد هذا الحسن حسنٌ يعشق
أرَّقتني لمّا هجرت وشقتني وكذاك هجرك شائقٌ ومؤرِّق
وتركتني حلف الصَّبابة مقلةٌ عبرى عليك ومهجةٌ تتحرَّق
/ ٢٣٦ ب/ ولقد فرقت من التَّفرق قبل أن يلفى ومن مثل التَّفرُّق يفرق
وشفقت من نظري عليك وربما كان الغنى ما كنت منه أشفق
قمرٌ له في كلِّ قلب مغربٌ من ناظريه وكلِّ عين مشرق
غرقت عقول الناس فيه دائمًا في مثل صورته تضلُّ وتغرق
وتجاوزت وصف اللَّبيب صفاته فلديه كلُّ أخي اجتهاد مطرق
أهوى الهوى وأذب عنه لأنَّه أبدًا إلى طرق العلا يتطرَّق
ويروق لي عذل العذول لأنَّه أغرى ليقظان الصَّبابة أشوق
ويزيد رغبتي الملام كأنَّما لفظ الملام على الترغُّب يطلق
[٧١٠]
محمَّد بن قيصر بن بلك، أبو عبد الله البغداديُّ.
كان شاعرًا فاضلًا، ذكيًا، ماجنًا، منتقدًا للشعر؛ سمع ذات يوم فقيهًا قد صنع قصيدة في الملك القاهر عزّ الدين، وهو ينشدها، فمرّ فيها على قوله: [من البسيط]
[ ٥ / ٣١١ ]
يا أيُّها الملك السَّامي ومن شهدت له الخلائق حتَّى الطَّير والسَّمك
فقال للفقيه: ما كنت أعرف/ ٢٣٧ أ/ أنَّ الملك القاهرة صيَّاد إلَّا الساعة.
قدم من بغداد إلى الموصل، فأقام متفقًا بالمدرسة العمادية، وكان مدرسها يومئذ للشافعية؛ أبو المظفر محمد بن علوان بن مهاجر الموصلي. فمكث عنده، وكان يختلف إلى أبي حفص عمر بن أحمد النحوي الضرير، فيسمع عليه شيئًا من شعر أبي الطيب المتنبي، فبغته أبو المظفر، فقطع جرايته من المدرسة، فأطنب في هجائه، وهجا بنيه، وشتر بهم أبلغ التشتير، وتركهم ضحكة بين الناس؛ فبلغ من مكروه ودهائه، أنَّه لم يسمع هجاءهم إلَّا لمن كان مفرطًا في بغضهم، ومخالفًا لهم في مذهبهم. فإنَّه أسمعه الجلال أبا جعفر محمد بن إبراهيم الحنفي الرازي، ونقيب العلويين.
وبحثت عن سبب قطع خبزه، فلم أعرف في ذلك شيئًا، ثم أخبرت أنَّ السبب في ذلك، أنه كان يشيع ما يعرض للشيخ أبي المظفر بن مهاجر من اللحن.
والشيخ﵀- كان قد فطره الله على اللحن، وترك علم الإعراب، وله في ذلك أخبار عجيبة ولبنية.
أخبرني الإمام أبو عبد الله أحمد بن الحسين النحوي، قال: أخبرني شيخي أبو حفص النحوي، قال: لما: ٢٣٧ ب/ قدم الشيخ أبو المظفر من مكة، مضيت لأهنئه بالقدوم؛ فحدثني ابنه أحمد الذي كان معه، أنه رأى مغربيًا بمكّة، مجاورًا يحفظ سيبويه هكذا لفظ به، ابن الشيخ، ولم أر أحدًا من العامة يقول إلّا سيبويه. فالعجب من عالم تقصر فطرته عن عامي.
وجمع هجاءهم في جزء، ووسمه «برياضة الخاطر في هجاء ابن مهاجر»، وفيه هجاء مقذع، وكلام قبيح، وقول فاحش بذيء لا يليق سطره في هذا الكتاب، ولو وجدت له غير ذلك لأثبته.
[ ٥ / ٣١٢ ]
أنشدني أبو عبد الله النحوي، قال: أنشدني محمد بن قيصر لنفسه: [من الكامل]
درست رسوم الفقه أيَّ دروس مذ أهَّلوك لمنصب التَّدريس
وبكى عليه الشَّافعيُّ وكيف لا يبكي وقد أفضى إلى إبليس
تبًا لدهر صرت فيه مدرِّسًا من بعد رعي الثَّور والجاموس
قد نلت مالًا كنت تأمل عشره فحويته بالنَّصب والتَّدليس
عجبًا تعاف الضَّأن شبعًا أكلت وتبيت طاويةً أسود الخيس
إن كانت الأرزاق تقسم هكذا أبدًا
وقال أيضًا/ ٢٣٨ أ/ يعتذر عن ترك هجاء علوان وولده: [من السريع]
ولائم يوجعني عتبا ولم أكن مقترفًا ذنبا
يقول لم لم تهج علوان أو توسعه ثلبًا ولا سبَّا
فقلت ما أقعد عن هجوه عتبًا ولا خوفًا ولا حبّا
لكنَّه كلبٌ وهل شاعرٌ سمعته قطُّ هجا كلبا
وقال أيضًا، يخاطب رجلًا من قصيدةٍ امتدحه بها شكرًا على يد أسداها إليه:
[من الخفيف]
صنت وجهي عن بذله لوجوه ليس تندى لؤما ويندى الصخر
بأكفٍّ في البحر لو غمسوها كدَّرت صفوه وغاض البحر
ورثوا اللُّؤم عن جدودٍ لئامٍ لا سقى تربةً ثووها القطر
وقال من قصيدة، امتدح بها الجلال الحنفي: [من الخفيف]
كيف ألحى ظلمًا بلومٍ أليم بعد أن أصبح الغرام غريمي
صنت دين النَّبيِّ عن ناس سوء حرَّفوه جهلًا بقول أثيم
/ ٢٣٨ ب/ لبسوا الفقه جاهلين بفرقً بين منع الدَّليل والتَّسليم
ويح نفسي أنا رضيت وغضَّ الرَّوض لي مملقٌ برعي الهشيم
وورود السَّراب والبحر مورو دٌ ونبع المحمود والمذموم
[ ٥ / ٣١٣ ]
ليس ديني صبرًا على الذُّل كلَّا لا أريد الدُّنيا بعيشٍ ذميم
غير أنَّ القضاء في كلِّ حالٍ عجبٌ غير مدركٍ مفهوم
[٧١١]
محمَّد بن محمَّد بن أحمد، أبو الفضل المرنديُّ النحويُّ الأديب.
كان شيخًا مقدمًا في علم النحو والعربية، وصدرًا في معرفة اللغة والأشعار، كثير الحفظ، واسع المعرفة. وكان ينظر شعرًا باردًا، في ألفاظه تعسف.
أنشدني الخطيب الفقيه أبو بكر بن جبريل بن عبد الجليل الأزهري، قال: أنشدني محمد بن محمد المرندي لنفسه، ما كتبه إلى القاضي محيي الدين، قاضي مرند، يشكو إليه حاله:
كيف للحوت بغير الماء قلقا يشوى على الرَّمضاء
كيف للصبِّ ولكن له طمَّه الثَّلج على الأنداء
/ ٢٣٩ أ/ كيف للداء الذي له وللمراق رمين الدَّاء
كيف للطفل فطام لبنًا وفراق الشَّمس للجرباء
كيف محمودٌ لدى غلَّته كيف مخمورٌ بلا صهباء
كيف ظمانٌ ولا ماء له وهو في دغدغة استسقاء
كيف مجنونٌ وليلاه نأت ونوى الوامق والعذراء
كيف للظبي ويناه طلا كابر الآساد في البيداء
كيف للروضة هجران صبًا وهي قد تبدل بالنَّكباء
كيف للنملة سهلًا جرها حبلًا في خطَّةٍ عسراء
في سحيق في سفا مخلولق في محاكي قلَّة شمَّاء
صرت مأخوذًا بقاف عنوةً فاعترتني رنَّة الفأفاء
وهي قصيدة طويلة، ويكفي هذا القدر منها.
[ ٥ / ٣١٤ ]
[٧١٢]
محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن قدامة، أبو عمرٍو المقدسيُّ.
وهو أخو الشيخ الموفق أبي محمد عبد الله بن أحمد.
وأبو عمرو كان من الشيوخ الصالحين الأولياء العاملين، إمام وقته/ ٢٣٩ ب/ في الزهد والورع. وكان يقطع ليله تسبيحًا وتهجُّدًا، ولم يزل في علمه وعمله حظيًا مجتهدًا.
عمّر إلى أن جاوز التسعين عامًا. وكانت أنفاسه تحية من الله وسلامًا.
أنشدني أبو الفضل عمر بن علي بن هبرة، قال: أنشدني أبو عمرو لنفسه:
[من الطويل]
ألم يك منهاةً عن اللَّهو أنَّني بدا لي شيبٌ الرَّأس والضَّعف والألم.
ألَّم بي الخطب الَّذي لو بكيته زماني حتَّى ينفد الدَّمع لم ألم
[٧١٣]
محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن أبي الفضل السُّلميُّ، أبو عبد الله المرسي النحويُّ المقرئ المتكلم الأديب الفقيه المالكي الأصوليُّ.
[ ٥ / ٣١٥ ]
صنّف التصانيف، وخرّج التخاريج.
رحل إلى بلاد خراسان، ووصل إلى مرو الشاهجان، ولقي مشايخ العلم، ورجال الأدب، وجال في بلاد الشام والعراق، وجاور بمدينة الرسول ﷺ وأقام بها على الدراسة والتعليم.
وهو أحد الأدباء المعدومين، من جملة الأئمة الأعيان، سلك طريق النسك والاجتهاد، وآثر العزلة عن الناس والإنفراد، /٢٤٠ أ/ جامع لأشتات العلوم، حائز، ضارب فيها بسهم فائز، يتكلم فيها بعقل صائب، وذهن ثاقب.
ثم إنّه يقوم بعلم تفسير القرآن، وعلوم الصوفية، أحسن قيام، تكلّم على كتاب المفضل لأبي القاسم الزمخشري، وأخذ عليه عدة مواضع، وعمل كتابًا في تفسير القرآن المجيد، لم يصنف أحد من العلماء المتقدمين مثله، أورد فيه أشياء والتزمها؛ ولم يذكر غيره ممن كان له عناية بهذا الشأن.
وكان مولده سنة سبعين وخمسمائة. شاهدته شيخًا بدار الحديث، بمدينة حلب، يوم الأحد الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وستمائة.
[ ٥ / ٣١٦ ]
وأنشدني لنفسه هذه المقطعات: [من الكامل]
قالوا محمَّد قد كبرت وقد أتى داعي الحمام وما اهتممت بزاد
قلت الكريم من القبيح لضيفه عند القدوم مجيؤه بالزَّاد
وقال وقد تماروا عنده في الصفات: [من الكامل]
من كان يرغب في النَّجاة فما له غير اتِّباع المصطفى فيما أتى
ذاك السَّبيل المستقيم وغيره سبل الغواية والضَّلالة والرَّدى
فاتبع كتاب الله والسُّنن الَّتي صحِّت فذاك إذا اتَّبعت هو الهدى
/ ٢٤٠ ب/ ودع السُّؤال بكم وكيف فإنَّه من باب بحر ذوي البصيرة والعمى
الدِّين ما قال الرَّسول وصحبه والتَّابعون ومن مناهجهم قفا
وقال ملغزًا في شخص اسم يحيى: [من الطويل]
أبثُّك ما بالقلب من لوعة الحبِّ وما قد جنت تلك اللَّحاظ على لبِّي
أعارتني السُّقم الَّذي بجفونها ولكن غدا سقي على سقمها يربي
على أنَّني في بثِّك الحبَّ مثل من يبوح بما في الصَّدر منه إلى القلب
أما وهواك المذهبي إنَّ مهجتي مقسَّمةٌ بين الصَّبابة والكرب
وإنِّي ما ذقت الكرى مذ نسيتني وما حال من يصبو إذا صدًّ من يصبي
كتمت الَّذي بي من هواك عن الورى على أنَّ دمعي ذو ولوع بأن ينبي
ولكن سأبديه إليك لأنَّني أرى ذلك الإبداء من سنَّة الحبِّ
صبا بفؤادي نحوك اثنان سؤددٌ وحسنٌ فعذرٌ واحدٌ منهما يصبي
فديتك من قاضٍ عليَّ لو أنَّه يعدِّي اسمه لي ما قضيت أسى النَّحب
[ ٥ / ٣١٧ ]
ودونكها بكرًا لها من حبابها رداءٌ أتت فيه مروَّعة السِّرب
فمدَّ لها كفّا فمنك حياؤها ولا تبدينها فهي من ذاك في رعب
وقال: [من الطويل]
/ ٢٤١ أ/ تقبَّل أبا بكر كتابًا وهبته كقلبي لا أبغي إليَّ إيابه
وطبت به نفسًا فخذه بمثل ما غدا آخذًا يحيى النبيُّ كتابه
وقال أيضًا: [من الطويل]
فؤادٌ كما شاء الحبيب الَّذي يهوى يسعِّر فيه النَّار وهو له مثوى
وجسمٌ براه الحبُّ إلَّا أقلَّه ويحمل ما ينهدُّ من حمله رضوى
بليت بداني الدَّار ناء بهجره ولي صبر أيُّوب على هذه البلوى
على أن صبري كلَّما زاد قوَّة تلقَّته من هجرانه هجرةٌ أقوى
إلى الله أشكو لا إليه لأنَّني شكوت له حالي فلم تنفع الشَّكوى
طبيبٌ إذا استشفيته قال لي: اصطبر أسى الحبِّ داءٌ لست تلفي له أسوا
وماؤٌ ولكن كدت يهلكني الصَّدى فيا ماء هل لي من سبيل لأن أروى
وقالوا الهوى شهدٌ وصابٌ فذقته فألفيته مرًا ولم ألفه حلوا
ولو أنَّ ما لاقيت منه أبثُّه لكان حديثي فيه أعجب ما يروى
فرفقًا بصبٍّ كلَّما قيس حبُّه بحبِّ سواه كان كلُّ هوًى دعوى
يرى حبَّكم فرضًا تأكد حكمه ولكنَّ فرضًا ليس يحتمل السَّهوا
[٧١٤]
محمَّد بن يحيى بن أبي دلف/ ٢٤١ ب/ بن خشرم- بضم الخاء المعجمية من فوقها، وتسكين المهملة وبعدها ياء مهملة- أبو عبد الله البغدادي الواعظ المعروف بالشاعر.
واعظ حسن، له قبول عند طائفة من الناس، شاهدته عدّة مرَّات في سنة اثنتين
[ ٥ / ٣١٨ ]
وثلاث وعشرين وستمائة، بمدينة السلام، في أيام الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد﵁- يعظ الناس بباب البدرية، ولم يقدَّر لي الاجتماع به، لأعلق عنه من شعره.
ثم بعد ذلك انحدرت إلى بغداد في سنة تسع وثلاثين وستمائة، ولقيته بها؛ فاستنشدته فأنشدني أواخر ربيع الآخر من السنة السابق ذكرها، يمدح الإمام الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين- صوات الله عليه-: [من السريع]
خليفة الله أبو نصر مؤيّدٌ بالعزِّ والنَّصر
من صفوة الله بني هاشم الطَّيِّبين الأصل والذِّكر
أصبح وجه الدَّهر مستبشرًا بوجهك المستحسن البشر
وظلَّت الشمسة شمس الضُّحى فيه وأبدت طلعة البدر
ومنها قوله:
وهو عليه بردة المصطفى وتاجه نور أبي بكر
/ ٢٤٢ أ/ ورحت من طيب مناجاته أهزُّ عطفيَّ من الشُّكر
وظلت في ظلِّ بساتينه أخطر في روضاته الخضر
كأنَّني أخطر في جنَّة أنهارها من تحتها تجري
لكلِّ شيء ثمرٌ يجتنى منه وهذا ثمر الصَّبر
هذا كتابه دائما ندعو له في جامع القصر
فانبسط السُّنِّيُّ في عصره وغيره في القبض والعصر
إنَّ أمير المؤمنين اشترى حسن ثناء الخلق بالتِّبر
ففاز بالرِّبح وحاز العلا من ذا الَّذي يبتاع بالسِّعر
وأرخص البرَّ بإنعامه الـ ـهامي وهذا غاية البرِّ
لم أر أبهى قطُّ من وجهه كأنَّه يوسف في مصر
أنتم بني العباس ساداتنا نطيعكم في السِّرِّ والجهر
طاعتكم بالنصِّ مفروضةُّ وأنتم حقًا أولو الأمر
[ ٥ / ٣١٩ ]
عش ألف عامٍ يا إمام الهدى ما أنت إلَّا غرَّة الدَّهر
وانشر لواء الحمد في ذروة الـ ـعلياء بين الحمد والشكر
ما روَّحت ريح الصَّبا نسمةً وروَّحتها نسمة الفجر
/ ٢٤٢ ب/ تبت من الشِّعر ولكنَّني في حبِّه عدت إلى الشِّعر
وأنشدني أيضًا من شعره، من أبيات أولَّها: [من الطويل]
بلي ببلاء الصَّبِّ من عذل الصَّبا فما لامه إلَّا وما عرف الحبَّا
ولم يبقى حبُّ العامريَّة لي ذمًا يرام ولا سمعًا يلام ولا لبَّا
أغالط عذَّالي فأذكر عزَّةً ولبنى وأعني في ضميري الكنى عتبا
كلانا نصون الحبَّ خوف وشاته فأنظمه شكوى وتنثره عتبا
وأنشدني أيضًا لنفسه، من أبيات، يمدح بها النبي ﷺ: [من الوافر]
أنارٌ أم سنى برق أنارا فأذكى في قلوب الركب نارا
تسامى يمنة العلمين وهنًا ضريمًا ما ورى حتَّى توارى
يفوت تتابع اللَّحظات سبقًا ويأخذ من بيوت الزَّنج نارا
عشيَّة كلُّ من في الرَّكب حيرى فلو مرَّ الهدى بهم لحارا
فبينا نحن في سجف الدَّياجي على الأحداج نرتقب النَّهارا
كوجهك يا رسول الله لمَّا سفرت على زمانك فاستنارا
بك افتخرت قريشٌ في البرايا أفضحت تملأ الدنيا افتخارا
/ ٢٤٣ أ/ ولولا سعد جدِّك لم يعدُّوا معدَّا في الجدود ولا نزارا
سبقت إلى العلا وسمعت أقصى نهايتها فشأوك لا يجاري
معال أصبح الفصحاء فيها ووصف صفاتك العليا حيارى
فمدحك لا تحيط به البرايا ولو جعلوا مدادهم البحارا
[ ٥ / ٣٢٠ ]
[٧١٥]
محمَّد بن يوسف بن أبي بكر بن بقاء، أبو عبد الرحمن الموصليُّ.
كان شابًا ذكيًا من حفاظ القرآن، ومن أهل الفقه؛ وأخذ طرفًا من علم الحساب والفرائض، وله شعر حسن، رأيته ولم أكتب عنه من شعره شيئًا، لتوانٍ لحقني.
أنشدني أبو الفضل العباس بن ثروان بن طرخان الموصلي، قال: أنشدني أبو عبد الرحمن محمد بن يوسف لنفسه، يمدح الصاحب الوزير أبو البركات المبارك بن أحمد المستوفي- رحمه الله تعالى-: [من البسيط]
بي من لحاظك جرحٌ أنت مرهمه وفي الحشا منك وجدٌ أنت تعلمه
أخفيت حبَّك جهدي أن أبوح به فأعرب الدَّمع ما قد أعجمه
/ ٢٤٣ ب/ ومن جوارحه تبدي مفاضحه إذا طرا الحبُّ قل لي كيف أكتمه
لا غرو أن مات من يهوى الملاح جوًى أو دام في حبِّ فتان يتيِّه
ما أعذب الحبَّ ما أحلى مغبَّته لو أنَّ أيدي النَّوى منهًا تسلِّيمه
ترى يبلُّ غليلٌ من صدى دنف أم هل يبلُّ عليلُّ عزَّ مرهمه
لجدَّه الوجد في أحشائه قدمٌ وإنَّ أقتل داء الحبِّ أقدمه
جفاه كل حبيب كان يألفه وملَّه كلّ خلٍّ كان يرحمه
فعاد ليس له بين الورى أملٌ في الجود إلَّا ابن موهوب مقدِّمه
[٧١٦]
محمَّد بن حيدر بن مسعود بن محمَّدٍ، أبو عبد الله الأصفهانيُّ الأصل، الموصليُّ المنشأ والمولد.
قدم أبوه مع الملك السلجقي الموصل، من أصفهان.
ونشأ محمد ولده وأحبّ الأدب، فصحب الشيخ أبا الحرم مكي بن ريّان النحوي الماكسي مدّة، وقرأ عليه النحو واللغة والأدب والأشعار، حتى تميّز من بين تلاميذه
[ ٥ / ٣٢١ ]
وكان ذا فضل ومعرفة، وكان نزقًا شرسًا، سريع الغضب، في طبعه/ ٢٤٤ أ/ جفاء، بسفّه على من يخاطبه، خرج عن الموصل إلى ديار بكر، واتصل بجماعة من ملوكها.
ثم انقطع آخرًا بالملك المسعود ركن الدين مودود بن محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سليمان بن أرتق بامد سلطانها. ولم يزل في خدمته، يفيد الناس علم النحو والأدب إلى أن مات بجباني في أوائل شهر الله رجب سنة ست وعشرين وستمائة.
ومن شعره، يمدح الأمير فخر الدين أبا إسحاق إبراهيم بن سعد بن عمار المهلبي- رحمه الله تعالى- وذلك في سنة تسع وثمانين وخمسمائة، من قصيدة:
[من الكامل]
ما راغ عنك على عظيم بلائه قلبٌ أحلَّك منه في سودائه
قسمًا بمن أمَّت زيارة بيته أممٌ تحاول من جزيل عطائه
وبمهجتي غفرت جرائم من به يدعو الإله تبهُّلًا بفنائه
يفديك من لحن الزَّمان وصرفه بك مغرمٌ يفنى ومن برحائه
ومن مديحها يقول:
لك يا أبا إسحاق رقِّي فاحتكم أنت الَّذي أنا منه في آلائه
فخرت بفخر الدِّين آراءٌ له إذ هنَّ فيه ولسن في نظرائه
/ ٢٤٤ ب/ لو أنَّ من منح السناء بعقله والمجد كان على ذرى علوائه
صومٌ يبشِّرك الصِّيام بمثله ألفًا وفطرٌ ناطقٌ بإزائه
[٧١٧]
محمَّد بن خلف بن راجح بن بلال بن عيسى، أبو عبد الله المقدسي الأصل، الدمشقي المولد والدار.
[ ٥ / ٣٢٢ ]
كان رجلًا صالحًا متدينًا، سمع بدمشق أبا المكارم عبد الواحد بن محمد بن المسلم. كان من فقهاء الحنابلة؛ محدّثًا عالمًا مناظرًا، حسن العلم والكلام، عارفًا بالتفسير.
تفقه بمدينة السلام، وسمع الحديث من شهدة بنت الأبري، وابن تغوبا [وأبي محمد بن الخشاب، وأبي الحسين عبد الحقّ بن عبد الخالق بن يوسف] وغيرهم. وعاد إلى دمشق؛ حدّث بمسند مسدد بن مسرهد، عن أبي الحسن علي بن المبارك بن تغوبا، ووعظ الناس.
وتوفي في أواخر صفر سنة ثماني عشرة وستمائة. وكانت ولادته في سنة خمسين وخمسمائة.
رأيت له هذه الأبيات، رواها عنه إنشادًا من لفظه أحمد بن الحمزة أبو الحسين السلمي العدل: [من الكامل]
قربت وحانت أوبة التَّرحال عن هذه الدُّنيا بلا إشكال
/ ٢٤٥ أ/ الأرض قد منعت كلاها والسَّما ضنَّت وذلك رائد الأهوال
ظهر الفساد ببرِّها وببحرها وتنكَّرت أحوالها في الحال
لم يبق في الدُّنيا جميلٌ ظاهرٌ إلَّا أقاصيص الزَّمان الخالي
هل في الورى متيقِّظ متحفِّظٌ يدع التَّواني عنه في الأعمال
[٧١٨]
محمَّد بن المظفر بن عمر بن الحسين بن المظفر، أبو طاهرٍ- من أهل قزوين- الفقيه الشافعي الواعظ.
نزيل منبج، المدعو بالناصح.
[ ٥ / ٣٢٣ ]
كانت ولادة أبيه بقزوين، سنة ثلاثين وستين وخمسمائة. قدم منبج، واستقر بها مقامه، وأولد بها.
وكان فقيهًا عالمًا أصوليًا شاعرًا، يعرف الخلاف والحديث والمذهب والتفسير والنحو واللغة والأدب. وتوفي بمنبج في شهر شوال سنة إحدى عشرة وستمائة.
وكان يعظ الناس على أسلوب وعظ العجم؛ بملاحة إشارة، ولطافة عبارة.
وكان فصيحًا في إنشاده، وصحب جماعة في أسفاره من المشايخ المشهورين المعتبرين. وكان أكثر اعتماده في الاشتغال والصحبة على قطب الدين بن أبي المعال/ ٢٤٥ ب/ مسعود بن محمد النيسابوري الفقيه الشافعي﵄- وكان يذكر الدليل من يديه، والأئمة يحضرونه- وهو صغير السن- وأنجب على يديه. وكان يتعجب من فرط ذكائه، ويؤيد دليله.
ومن شعره ما أنشدنيه ولده المذكور: [من الرجز]
اذكره ومض البروق الأبرقا فأمطر الأجفان سحّا غرقا
هاج له الوجد دعاء ورقه على غصون بانه تشوُّقا
اله أنشده يمين منشد وقل له قل لي متى يوم الِّقا
ولائمٍ لام على تجلُّدي ما درى أنِّي أداري الحرقا
يقول لي دمعك جفَّ أورقا فلا رقا دمعك جفَّ أورقا
أإن صبرت جلدًا أو سلوه فما رعيت للغرام موثقا
يا لك من قاسي الفؤاد أكذا جزيت بعد البين جيران النَّقا
ماذا أقول إن جرى ذكركم في أرضهم مات لكم طول البقا
[ ٥ / ٣٢٤ ]
[٧١٩]
محمَّد بن لؤيِّ بن محمَّد بن عبد الله، أبو منصور بن أبي محمَّدٍ القرشيُّ.
من الشعراء/ ٢٤٦ أ/ البغداديين المتسمِّين بخدمة الديوان العزيز الخليفتيّ- مجّده الله تعالى- وله المدائح الكثيرة في الناصر لدين الله أبي العباس أحمد- رحمه الله تعالى- ومدح الظاهر بأمر الله، وكذلك المستنصر بالله.
وقد ذكرت والده في كتاب «تحفة الوزراء المذيل على معجم الشعراء»، وكان أبو منصور ينشد في الهنآت وغيرها.
كتب عنه شيخنا أبو عبد الله محمد بن سعد بن الدبيثي، وأبو عبد الله محمد بن محمود ابن الحسن بن النجار البغدادي الحافظان؛ إلَّا أنَّ شعره نازل لا حلاوة عليه.
وكانت ولادته- فيما ذكر أبو عبد الله الدبيثي- في شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
وأخبرني أبو عبد الله بن النجار البغدادي بها، قال: مولد أبي منصور في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. وتوفي إما في سنة خمس أو ستٍّ وثلاثين وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار البغدادي، قال: أنشدني أبو منصور لنفسه من أبيات: [من الخفيف]
تاه بالحسن شادنٌ عربيُّ صار في القلب منه داءٌ دويُّ
بدر تمٍّ يسعى بغنج لحاظٍ ساحراتٍ وسحرها بابليُّ
/ ٢٤٦ ب/ يخجل البدر خاطرًا حين يبدو وجهه المشرق البهيُّ المضيُّ
بعذارٍ كالنَّمل دبَّ على العا ج ولكن له دبيبٌ خفيُّ
[ ٥ / ٣٢٥ ]
رشاٌ جسمه أرقُّ من الما ء وأندى قلبه جلمديُّ
أنا من عظم هجره مستجيرٌ بجوادٍ له النَّبيُّ سميُّ
[٧٢٠]
محمَّد بن عبد الجليل بن أبي المجد بن أبي الفوارس التاجر الدمشقيُّ، أبو عبد الله.
ولد ببغداد، ونشأ بها، وقرأ القرآن، وتفقه بالمدرسة النظامية، وكتب بخطه الكتب الكبار في الفقه. وسمع الحديث من جماعة. ثم اشتغل بالكسب والتجارة، وسافر إلى الشام عدّة نوب.
قال محبّ الدين: سمع معنا الحديث؛ وهو أحد رفقائنا وأترابنا ربينا معه في المكتب، وفي قراءة الأدب، وسماع الحديث، ولم تر عيناي صاحبًا أسلم جانبًا منه في سفري وحضري، ولا أتم مروءة، ولا أصدق إخاءً، ولا أحفظ منه العهود، وحقوق الصحبة.
علقت عنه شيئًا من الشعر له، ولغيره/ ٢٤٧ أ/ في المذاكرة، وسألته عن مولده، فقال: في يوم الأربعاء مستهل ربيع الآخر سنة ثمانين وخمسمائة ببغداد.
قال: وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
قلبي إليكم من السَّاعات مشتاق ودمع عيني على خدَّيَّ مهراق
والجسم من بعدكم حلف الضَّنى أبدًا إذا ابتدا يتثنَّى وهو حرَّاق
صلوا لديغ صدودٍ في محبَّتكم قصدُّكم موته والوصل ترياق
يا عاذلي خلِّ عذلي في محبَّتهم فالعذل يغري بمن قد ضلَّ يشتاق
لولا تذكُّرهم لم أبق بعدهم ولا سعت قدمٌ بي لا ولا ساق
لم أملك الصَّبر إذ ساقوا مطيَّهم فليتهم ملَّكوني الصَّبر إذ ساقوا
[٧٢١]
محمَّد بن عبد الحميد بن عبد الله بن أسامة بن أحمد بن عليِّ بن محمَّد بن عمر بن يحيى بن الحسين بن أحمد بن
[ ٥ / ٣٢٦ ]
عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ، العلويُّ.
كانت ولادته في ثامن عشر من رجب، سنة تسع وخمسين وخمسمائة، بمشهد علي بن أبي طالب- صلوات الله عليه- / ٢٤٧ ب/ بالنجف.
كان أديبًا فاضلًا، له معرفة بالنسب؛ ويقول الشعر الحسن، ومنه قوله، وأنشدنيه تاج الدين أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله البغدادي، بمدينة السلام، رابع شوال، يوم الاثنين سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني الشريف أبو طالب لنفسه: [من الطويل]
وصادحة باتت ترجِّع شجوها وتظهر ما ظمَّت عليه ضلوعي
تنوح إذا ما اللَّيل أرخى سدوله فتذكر أشجاني بكم وولوعي
فيا ليت شعري والأمانيُّ ضلَّةٌ هل الله يقضي بيننا برجوع
فنبلغ أوطارًا ونقضي مآربًا ويلتذَّ طرفي من كرًى بهجوع
وما ذاك من فعل الإله وصنعه غريبٌ ولا من حوله ببديع
[٧٢٢]
محمَّد بن إسماعيل بن عبد الجبار بن يوسف بن عبد الجبار بن شبل بن عليِّ الصويتيُّ- من صويت فخذ من اليمن- أبو الحسين ابن أبي طاهر بن أبي محمَّدٍ المقدسيُّ.
من أهل الديار المصرية.
[ ٥ / ٣٢٧ ]
وكان والده كاتبًا في ديوان العرض هناك. وأبو الحسين فاضل أديب له أنسه بالتواريخ، وأخبار الأدباء.
وكانت ولادته في ليلة الأربعاء تاسع صفر سنة أربع وسبعين وخمسمائة.
قدم بغداد طالبًا للحديث، وسمع من شيوخها/ ٢٤٨ أ/ وحصّل وجمع واستفاد، وانحدر إلى واسط، وسمع من أبي الفتح المندائي، ومن غيره. وعاد إلى بلاده.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي بها، في سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو الحسين محمد بن إسماعيل لنفسه:
[من المتقارب]
فلا تعجبا لاختلاف الأنام وما قد نرى من صروف الزَّمن
بهذا قضى الله في خلقه فقومٌ سرورٌ قومٌ حزن
[٧٢٣]
محمَّد بن الحسن بن محمَّد بن عليِّ بن إبراهيم، المعروف بابن الكريم، أبو عبد الله البغداديُّ.
الكاتب الشيخ الأديب.
كان فيه أدب وفضل، وله كتابة وشعر.
أنشدني وجيه الدين الإسكندري، أنشدني ابن الكريم النفسه: [من الخفيف]
إن يغب عن فنائك الرَّحب شخصٌ فدعائي إليه سارٍ وشكري
وثنائي على معاليك مازا ل مقيمًا في كلِّ سرٍّ وجهر
وانقطاعي عن الحضور لأمرٍ سوف أنهيه فهو يوضح عذري
[ ٥ / ٣٢٨ ]
/ ٢٤٨ ب/ وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من السريع]
ما صاحبٌ يسعى على رأسه للنفع بين النَّاس والضُّر
معكوسه منقصةٌ في الورى لا ترتضى للماجد الحرَّ
حوى علوم الخلق من عابر وغابر في سالف الدَّهر
وهو إذا استودع سرًا فلا يحفظ ما استودع من سرَّ
وطالما أجرى دماء وكم فرَّج بعد العسر باليسر
وقد تراه صامتًا ناطقًا ممتهنًا مرتفع القدر
فاعجب لناهٍ آمرٍ لم يزل ممتثل النَّهي مع الأمر
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
قلت لمَّا سئلت عن كنه حالي من هوى نجمه فكيف يكون؟
أنا ممَّن أصابه حادث الدَّهـ ـر فأمسى لريبه يستكين
أتمنَّى خلًا أمينًا على الدَّهـ ـر أراه وأين خلُّ أمين!
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
إنَّ البلاغة إن أردت بيانها فضلٌ لمعنًى زانه الإيجاز
كالوعد أحسن ما يكون لآملٍ من ذي النَّوال أتمَّه الإنجاز
/ ٢٤٩ أ/ وقال يصف زهر الخشخاش، وأنشدنيه: [من البسيط]
أمأ ترى زهر الخشخاش حين بدا تقلُّه في الرِّياض الخضر قضبان
كأنَّه لعيون النَّاظرين يرى مشاعلًا أضرمت فيهنَّ نيران
وله أيضًا فيه، وأنشدنيه عنه: [من الوافر]
سقى صوب الحيا روضًا نزلنا به مذلاح للإصباح فجر
وقد أبدى به الخشخاش وردًا يحيِّر ناظرًا فيه وفكر
كأنَّ بدائع الأزهار فيه مطارد عسكر بيضٌ وحمر
وله: [من المتقارب]
قنعت بميسور قسم الإله وقد كان من باليسر اقتنع
وأصبح راض بخاء الخمول ونون النَّباهة عنه رفع
[ ٥ / ٣٢٩ ]
وأنشرت نفسي بقاف القنوع وألزمتها طيَّ طاء الطَّمع
وإن وفق الله كنت امرءًا يرى لازمًا رأي راء الورع
وقوله: [من السريع]
وصاحب لي بالنُّهى لم أزل أعرفه والفضل موسوما
يقول يومًا حين ناديته ما أحسن المنثور منظوما
/ ٢٤٩ ب/ مثل عقود الدر تفصيلها تراه بالياقوت مفهوما
أهداه لي عصر الرَّبيع الَّذي إحسانه مازال معلوما
فاسعد به لازلت في نعمةٍ ولا أراك الدَّهر مهموما
وله: [من الطويل]
إذا ما بدا من صاحب لك زلَّةٌ وأخفيتها ثمَّ ابتدرت عقابه
فإنَّك قد عاقبته ظالمًا له ولورمت انصافًا نشرت عتابه
وله: [من مجزوء الكامل]
متحلِّفٌ إن جئته لم تلقه للهمِّ فارج
وتراه يستمع المدا ئح ثمَّ لا يقضي الحوائج
وله: [من المنسرح]
أمسيت في جلِّق أسير أسى رهين همٍّ محالف الكمد
لا مسعدًا أرتجيه يسعدني على زمان يفت في عضدي
يا بلدة السُّوء ويك لست أرى فيك معينًا يعين ذا رشد
لأرحلن عن فنان لا ندمًا أقرع سنِّي ولا أعضُّ يدي
وكون مثلي يسير عن بلدٍ عارٌ على أهل ذلك البلد
/ ٢٥٠ أ/ وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
أيُّها الماجد الَّذي لست عن حفـ ـظ ودادي ما غبت عنه أحول
وثنائي عليه كالرَّوض غضٌّ لا يدانيه ما حييت المحول
[ ٥ / ٣٣٠ ]
لي عذرٌ عن التَّأخُّر لمَّا أصبحت بيننا الوحول تحول
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
أرى بجلَّق أقوامًا مودَّتهم إذا تبينتها منحلَّة السَّبب
إن أولموا لم يلمُّوا بالصَّديق وإن دعوه لم تك إلَّا دعوة النَّشب
ونشدني عنه أيضًا: [من البسيط]
حتَّى م ترضى بضنك العيش مغتربًا ناء عن الأهل والجيران والسَّكن
وأنت من سعة البيداء في رحلٍ تمسي وتصبح فيها ضيِّق العطن
لا تستقرُّ بدار غير نازحة تجد سيرًا كثير الحضر في المدن
فاثن العنان وسر بالعزم مرتحلًا من بعد طول النأي واربع على الوطن
وإن حللت بدار العزِّ مغتربًا فالضُّرُّ والذُّلُّ بالتَّغريب في قرن
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من السريع]
تغيَّر النَّاس وأحوالهم فما ترى منهم فعالًا جميل
/ ٢٥٠ ب/ لا صادقًا ألقى ولا ألقى لما ناب نبيها نبيل
قد عدم المشفق في عصرنا حتَّى فقدنا وعزَّ المنيل
فعدت بالوحدة مستأنسًا وحسبي الله ونعم الوكيل
وأنشدني وجيه الدين، قال: أنشدني ابن الركيم لنفسه: [من الطويل]
إذا فرصةٌ لاحت فخذها ولا تكن بمعتذرٍ عن أخذها بسبيل
ولا ترجها إن أمكنتك إلى غدٍ فمن لغدٍ من حادثٍ بكفيل
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الرمل]
لم أزل أعفو ويهفو صاحبي وإذا أبصرت عيبًا أتعامى
ولكم راءيت غمرًا جاهلًا وإذا خاطبني قلت سلاما
وأنشدني، قال: أنشدني من شعره: [من المتقارب]
إذا ما نظرت إلى جاهلٍ سفيه يفوه بغير الصَّواب
وقد جاء مستهترًا عابثًا يخاطب جهلًا بسوء الخطاب
فلا تحفلنَّ به واطَّرحه مهانًا ولا تلقه بالجواب
[ ٥ / ٣٣١ ]
فما إن لعمري يضرُّ السَّماء إذا ما فهمت نباح الكلاب
/ ٢٥١ أ/ وأنشدني أيضًا وجيه الدين أبو المظفر الأسكندري، في المحرم سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن إبراهيم المعروف بابن الكريم البغدادي، بدمشق لنفسه: [من المنسرح]
أهدى إليَّ النِّظام مبتديًا مكفَّنًا يبتغي له سترا
من فوق عرش مزخرف بهرت ألوانه ثمَّ حيرت فكرا
يخبر في الطَّعم عن خلائقه وعرفه قد غدا له نشرا
دفنته في الفؤاد من حزنٍ وظلَّ صدري إذًا له قبرا
فهو حقيقٌ منه بكلِّ ثنًا .. أهديه نظمًا وتارةً نثرا
ما زال يهدي برًا إليَّ وما زلت بجهدي أهدي له شكرا
فلا عداني إفضاله كرمًا ولا عدته مدائحي تترى
وأنشدني، قال: أنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الكامل]
قل للَّذي خضب المشيـ ـب مغالطًا حكم القدر
هلَّا ادَّعيت تصابيًا وغدوت تخفي ما ظهر
/ ٢٥١ ب/ وسترت شيبك بالخضا ب فكيف تصنع بالكبر؟
وأنشدني، قال: أنشدني من شعره: [من مجزوء الكامل]
صارحت إخوان الوداد فعل اللَّبيب أخي السَّداد
لمَّا تكَّر منهم صفو الأخوة والوداد
وأطلعتهم وجفوتهم كالعضو يقطع للفساد
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من المتقارب]
قبول المديح بغير اعتذارٍ يدلُّ على سوء رأيٍ قبيح
ولكنَّ هذا جزاء امرئٍ أتى كاذبًا لكم في المديح
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من السريع]
وباخلٍ جادلنا غالطًا بالنَّزر من فاضل إنعامه
في عامه الماضي ولكنَّه استقضاه في الحاضر من عامه
[ ٥ / ٣٣٢ ]
وأنشدني، قال: أنشدني من شعره: [من الخفيف]
أنكرتني لمَّا علا الشَّيب فودي وضننت حتَّى بطيف المنام
ليس شيبي من طول عمري ولكن شيَّبتني وقائع الأيَّام
/ ٢٥٢ أ/ وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
ولقد مررت على الدِّيار مسائلًا عن جيزةٍ كانوا بها مستخبرا
فأجابني الرَّسم المحيل بها حدا حادي المنون بهم وقد سكنوا الثَّرى
هذي قبورهم وتلك قصورهم فانظر وقف بفنائها مستعبرا
والله ما نعمت حياتي بعدهم كلَّا ولا التذَّت جفوني بالكرى
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
هل بعد ما شاب العذار يرى في اللَّهو لي إن عدت من عذر؟
ما كان ذا حدَّ المشيب، بلى: هذا غبار وقائع الدَّهر!
غادرتني غرضًا لأسهمها ورميتني من حيث لا أدري
وخفضن أحوالي الخطوب بما قد حطَّت الأقدار من قدري
فغدوت في الأحداث معتصمًا لمَّا نزلن بأجمل الصَّبر
أجرى مع الأيَّام كيف جرت لا فوز عند الصَّبر بالأجر
لا أشكينَّ لوقع نائبةٍ والصَّبر أحسن بالفتى الحرِّ
[٧٢٤]
محمَّد بن أحمد بن أبي عيسى/ ٢٥٢ ب/ أبو عبد الله المايرقيُّ.
الناسخ الأديب، نزل دمشق.
أنشدني أبو المظفر منصور بن سليم بن منصور الإسكندري، قال: أنشدني أبو عبد الله الناسخ لنفسه بدمشق: [من البسيط]
قالوا: تحبُّ ترى بغداد قلت لهم إنِّي بحبِّ ثرى بغداد مشغوف
وكيف لا وبها البدر المنير بدا من في الأنام عليه الحسن موقوف
[ ٥ / ٣٣٣ ]
[٧٢٥]
محمَّد بن محمَّد بن الحسين ابن الخراسانيِّ الوراق، أبو عبد الله.
من أهل بغداد، ومن أولاد المحدثين.
قال محب الدين: سمع الكثير من شيوخنا، وكتب بخطه، وقرأ بنفسه، وكان يكتب خطًا حسنًا، ويورّق للناس. كتب الكثير من الكتب الكبار والصغار والكراريس، والإجزاء؛ وكتب لي كثيرًا، وسمعت معه وبقراءته.
وكان شابًا فاضلًا صالحًا ورعًا زاهدًا تقيًا متعففًا، لازمًا لمنزله، لا يخرج منه إلَّا في يوم الجمعة لأجل الصلاة، ويأكل من كدّ يده.
وما رأيت أحدًا أبلغ احتياطًا منه في أداء الأمانة، وصحة المعاملة، والخروج/ ٢٥٣ أ/ من مظالم العباد، لحقته أمراض متعبة، وطالب به إلى أن مات شابًا، قبل أوان الرواية، يوم الأربعاء الخامس من رجب سنة ستٍّ وستمائة، ودفن من الغد بباب حرب- رحمه الله تعالى-.
حدّث بالسير عن ابن زريق؛ وحدّث الحديث قديمًا من أبي الحسين بن يوسف، وأبي السعادات القزاز.
ثم قال: قرأت بخط محمد بن الحسين بن الخراساني: ولد الولد أبو عبد الله في تاسع عشر من صفر سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وقرأت بخط ابن الخراساني محمد بن محمد في كتابه، قال: رأيت كأني أنشد هذه الأبيات في المنام لنفسي:
[من الخفيف]
غرَّدت في الأراك أيكة سلع فوق غصنٍ سقيته ماء دمعي
[ ٥ / ٣٣٤ ]
فاعتراني إلى الحبيب اشتياقٌ وتذكَّرت موقفي بالربع
يا عذولي دع عنك لومي فإنِّي عن ملام العذول قد صمَّ سمعي
كتبه محمد بن محمد بن الحسين الخراساني.
قال: وقرأت بخط محمد بن محمد بن الخراساني، قلت: [من السريع]
/ ٢٥٣ ب/ جدُّو إلى طاعة مولاكم فإنَّما دنياكم ذاهبه
فقد حظي بالفوز من ربِّه من كان برًا للورى ذاهبه
[٧٢٦]
محمَّد بن معمر بن عبد الواحد بن الفاخر، أبو عبد الله القرشيُّ.
من أهل أصبهان.
كان شيخًا حسنًا فاضلًا عالمًا ثقة نبيلًا؛ سمّعه والده الكثير من أبي الفضل جعفر بن عبد الواحد بن الثقفي، وأبي نصر أحمد بن عمر الغازي وغيرهما من المشايخ المعتبرين.
وكانت ولادته ليلة الإثنين الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة عشرين وخمسمائة. وتوفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وستمائة.
قال ابن القطيعي؛ أنشدني أبو عبد الله محمد بن معمر لنفسه: [من الوافر]
تبدَّت مثل ما بزغت براح وآذنت الكواكب بالرَّواح
[ ٥ / ٣٣٥ ]
فقلت فضحت حين وضحت ليلًا وطال لسان واشٍ فيَّ لاحي
فقالت بعدما جادت ونادت وأبت عن ثغورٍ كالأقاحي:
وهل تستنجح الحاجات إلَّا بوجه في مساعيه وقاح
[٧٢٧]
محمَّد بن النفيس بن مسعود بن محمَّد بن عليِّ الدقاق، أبو سعدٍ المعروف بابن صعوة البغداديُّ.
كان شابًا حسنًا، وفقيهًا فاضلًا، حافظًا لكتاب الله، كيّسًا متوددًا، ظريفًا لطيفًا؛ قرأ الفقه على أبي الفتح بن المنى، وتكلم في مسائل الخلاف، وحصل طرفا صالحا من العلم.
وسمع الحديث من أبي علي أحمد بن علي الرحبي، وأبي عبد الله بن منصور بن هبة الله الموصلي، وأبي الحسن عليّ بن عساكر البطائحي. وحدّث باليسير، لأنه توفي شابًا، قبل أوان الرواية.
قال محبّ الدين: علقت عنه شيئًا من الأناشيد في المذاكرة، وكان صديقنا- رحمه الله تعالى- وسألتها عن ولادته، فقال: في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. ومات ليلة الجمعة ثاني عشر شوال سنة أربع وستمائة ببغداد، وصلينا عليه، من الغد بجامع القصر؛ وحمل على رؤوس الناس إلى الزرادين، فدفن بها.
قال القطيعي: أنشدني ابن صعوة لنفسه: [من المديد]
[ ٥ / ٣٣٦ ]
رقَّ يا من قلبه حجر لجفون حشوها سهر
/ ٢٥٤ ب/ ولجسمٍ ما لناظره منه إلَّا الرَّسم والأثر
فغرامي لو يحمَّله صخر رضوى كاد ينفطر
إن لومي في هواك لمن شرِّ ما يجري به القدر
يا بديعًا جلَّ عن شبه ما يداني حسنك القمر
صل ووجه الدَّهر مقتبلٌ فزمان الوصل مختصر
كم رأينا وجنةً قتلت فما آثارها الشَّعر
[٧٢٨]
محمَّد بن أبي الفرج بن معالي بن بركة، الفقيه الشافعيُّ [المقريء، أبو المعالي الموصليُّ.
قال أبو الحسن القطيعي: رفيقنا من أهل القرآن والفقه والأدب، قم بغداد في المحرم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة].
قال القطييعي: أنشدني لنفسه، يمدح بعض الصدور: [من الوافر]
وقد أوتيت أخلاقًا تحيِّر ضارب المثل
فأنت الكامل المتفرد الخالي من الخلل
[ ٥ / ٣٣٧ ]
لقد أصبحت للوفَّا دمن حافٍ ومنتعل
مسيح مروةٍ تحيي لدينا ميِّت الأمل
[٧٢٩]
محمَّد بن أحمد بن هبة الله/ ٢٥٥ أ/ ابن تغلب، أبو عبد الله النحويُّ، الفرزانيُّ.
من قرية تدعى فرزينيا، من قرى نهر ملك.
كان مقربًا عارفًا فاضلًا، وقيِّمًا بعلم العربية والقراءات. قرأ على الإمام أبي محمد بن الخشاب، وغيره، وسمع من أبي منصور مسعود بن عبد الواحد بن الحصين.
وكانت ولادته في سنة ثلاثين وخمسين، وتوفي يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر سنة ثلاث وستمائة ببغداد، ودفن في باب حرب، بمقابر الشهداء.
فمن شعره قوله: [من المجتث]
يا هاجري ادلالا هجرتني أم ملالا
أم كاشحٌ أم عذول أراك قتلي حلالا
يا غصن بانٍ رطيبٍ فاق الغصون اعتدالا
ارفق بمهجة صبٍّ أضحى يحاكي الخلالا
تظنُّه عنك سال حاشاك هيهات لا، لا
وكيف يسلوك صبٌّ يذوب فيك اشتعالا
[ ٥ / ٣٣٨ ]
ولو أطاق سلوًا أبى هواه انتقالا
إيهًا على طيب عيشٍ ألذَّ ما كان زالا
/ ٢٥٥ ب/ أنالنا الدَّهر وصلًا ثمَّ استردَّ النوالا
[٧٣٠]
محمَّد بن عليِّ بن الحسن بن محمَّد بن رضى، أبو حامد بن أبي المكارم الموصليُّ العمرانيُّ.
كان أحد أجداده من العمرانيّة، قرية من نواحي الموصل شرقيها.
وقد تقدم شعر أخيه.
ورد أبو حامد مدينة إربل، في عهد سلطانها الملك المعظم مظفر الدين﵁- وأقام بها متوليًا نظارة ديوانها، ثم حبس بعد ذلك، وآلت به الأحوال إلى أن ضمن جهبذة الديوان؛ فأقلع عن ظلم فاحش، وسيرة غير حميدة، فلم تطل أيامه بها، حتى أتت عليه منيته، وذلك يوم الاثنين أواخر صفر سنة إثنتين وعشرين وستمائة.
وكان حسن الحظ والشعر، له كتاب سمّاه: «بهجة الناظر في الخيال الزائر» ذكر فيه مدائح الملك القاهر عزّ الدين مسعود.
ومن شعره، وكان سائرً مع بعض الأكابر، وذكر له، أن عمل بيتين يتضمن شرح من يكتب بليقة حمراء في كاغد أصفر، فعمل أبو حامد فيمن يكتب بالأسود في الكاغد الأبيض: [من الطويل]
/ ٢٥٦ أ/ كتبت بخطِّي فوق خطِّ معذِّبي سطورًا تحاكي أضلعي وسقامي
وأوردت فيها بعض ما بي من الجوى وأودعتها وجدي وفرط غرامي
ومن شعره أيضًا، ما كتبه إلى بعض الرؤساء: [من الطويل]
سلامٌ كأنفاس الخزامى وقدهما عليه سحيرًا دائمًا سبل القطر
[ ٥ / ٣٣٩ ]
تهبُّ به ريح الشَّمال معطَّرًا وتهديه من صبٍّ نحيل أخي فكر
أدام له الله الكريم بفضله سعادات جدٍّ لا تزال مدى الدِّهر
ألا أيُّها المولى الَّذي جاد باللُّهى وإحسانه عمَّ البريَّة بالوفر
ومن سابقت آلاؤه وتتابعت إليَّ أياديه ونعماه كالقطر
أبثُّك أشواقي وفرط صبابتي تقلِّب أحشائي على مسعر الجمر
فلو كانت الأرض الفسيحة صفحةً لسطري عليها والمداد من البحر
وأوغلت إفصاحًا وأطنبت شارحًا وأسهبت بالإفراط لم آت بالعشر
فيا ليت أنِّي كنت بين سطوره لأحظى برؤيا وجهه المشرق البدر
ولولا عوادٍ أشغلتني عن السُّرى لجئت إليه ساعيًا عوض السَّطر
وقال غزلًا: [من الرجز]
/ ٢٥٦ ب/ وغادة شبَّهتها في حسنها بالقمر الزَّاهر في جنح الدُّجى
قلت لها: يا منية القلب إلى أورثت الجسم سقامًا وضنى
صلي محبّا ذائبًا فؤاده أذابه الهجر وأفناه الجوى
قالت أجبت القول فيما تبتغي إن كان ما قد قلت حقًا يا فتى!
وله من صدر كتاب: [من الطويل]
كتابي عن شوق إليك وغبطة لا يزال يزيد
ولي بعد بعدي عن لقائك زفرةٌ لها بين أحناء الضُّلوع وقود
وقال أيضًا: [من البسيط]
يا ربَّ قد أخذ البلوى مآخذها منِّي ولم يبق لي صبرٌ ولا جلد
فليس لي ملجأ إلَّا إليك ولا ركن ألوذ به إلَّاك يا صمد
وله أيضًا: [من الوافر]
عساها عن صباح النُّجح تجلى وترفع من دجى الغمرات سدلا
وتعقب بعد شدَّتها لباثًا وتنشط من عقال الهمِّ حبلا
فقد طاولت ناصية اللَّيالي أريد تجلُّد وأريد مطلا
/ ٢٥٧ أ/ إلى أن أنفدت صبري وأفنت سهام خطوبها حطمًا وفلَّا
[ ٥ / ٣٤٠ ]
أرح قلبي بذكراهم فإنِّي أحنُّ على الجوانح منه طلَّا
فلي طرفٌ بحرِّ الدَّمع يدمى ولي كبدٌ بنار الشَّوق تصلى
وله وقد سأله بعض أصدقائه، أن يضع أبياتًا يلغز فيها اسمًا، فصنع هذه الأبيات، وألغز فيها اسم «كلبهار»: [من البسيط]
يا من تحلَّ لديه كلُّ مشكلةٍ ومن وجدنا إليه الفضل منسوبا
ما اسمٌ إذا ما عكست الثُّلث مختبرًا منه يصير من الأصباغ محسوبا
وإن عكست بالَّذي يبقى يكن رجلًا يبغي رضا الله قلا، أن يرى طوبى
فأوضح الاسم لازالت منائح ذي الإفضال تأتيك مهديًا وموهوبا
وقال يلغز باسم سلطان: [من البسيط]
يا من علا رتبًا في الفضل ساميةً ومن وجدناه أكفى النَّاس في الأدب
ما اسم ما ذكرت خمسًا بدايته يطل أمرًا لخرط النصل ذي الشطب
وإن ذكرت الَّذي يبقى يظلُّ كمن رمَّ البناء بترب أحسن التُّرب
/ ٢٥٧ ب/ وإن عكست المبقَّى منه صار كما تعلَّق الأمر في هذا بذا السَّبب
وإن جمعتهما صارا بلا ريب قيلًا عظيمًا كريم الأصل والنَّسب
فحقِّق الاسم واغنم فيه محمدةً تبقى على قدم الأزمان والحقب
[٧٣١]
محمَّد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الواحد، أبو عبد الله الآرسيُّ السبيُّ بحلب.
[عمران الغرناطي، قال: أنشدنا محمد:] [من البسيط]
قف بالدِّيار وحيِّي الأربع الدُّرسا ونادها فعساها أن تجيب عسى!
وإن أجنَّك ليلٌ من توحُّشها فاشعل من الشَّوق في ظلمائها قبسا
إذا تنشَّق أنفاس الصَّبا سحرًا يكاد تسري إليهم نفسه نفسا
[ ٥ / ٣٤١ ]
وإن يكن في قفار ظنَّها لججًا وإن تنفَّس عادت كلُّها يبسا
مضى الزّمان الَّذي قد كنت أعهده وكان بالأمس معمورًا فقد درسا
يا هل درى الغادون عن دنفٍ يبيت وليل الدَّياجي يرقب الغلسا
ظبيٌ غريرٌ ولكن لحظ مقلته يسطو على الصَّبِّ سطو اللَّيث مفترسا
كلَّمته فتشكَّى الكلم من كلمي وكدت أجرحه باللَّحظ مختلسا
وابتزَّ قلبي قسرًا قلت مظلمة يا حاكم الحبِّ هذا القلب لم حبسا
/ ٢٥٨ أ/ غرست باللَّحم دمعًا فوق وجنته حقًا لطرفي أن يجني الَّذي غرسا
وإن أبى فالأقاحي منه لي عوض من عوِّض الثَّغر من خدِّ فما بخسا
فبات طوع يدي والشَّمل يجمعنا في بردةٍ للتُّقى لا تعرف الدَّنسا
تلك اللَّيالي الَّتي اعتدُّ من عمري وبالأحبَّة كانت كلُّها عرسا
لم يحل للعين شيءٌ بعد بعدهم والقلب مذ أنس التَّرحال ما أنسا
يا جنَّة فارقتها النَّفس مكرهةً لولا التأسِّي بدار الخلد متُّ أسى
[٧٣٢]
محمَّد [بن] نصر بن أبي البيان، أبو عبد الله الأديب الدمشقيُّ.
كان يفهم صدرًا صالحًا من علم العربية، وينظم شعرًا حسنًا، وسمع الحديث ورواه عن أبي القاسم الحافظ، وحمل عنه، وسمع سعادة الأعمى، وروى عنه من شعره.
أنشدني أبو المظفر منصور بن سليم بن منصور الإسكندري، الفقيه الشافعي، قال: أنشدني الأديب أبو عبد الله بن أبي البيان لنفسه: [من البسيط]
لا تنكرن ضعف خطِّي وارتعاد يدي فإنَّه خطُّ من قد جار سبعينا
/ ٢٥٨ ب/ صرَّفتها بيد التَّسويف مرتجيًا عفو الإله وأسلافي المطيعينا
قومٌ مضوا منذ كانوا قطُّ ما برحوا إلى العفاف وفعل الخير ساعينا
لم يحملو لمليك منةً أبدًا ولم يكن قصدهم جاهًا وتعيينا
نبا بناصية حتَّى لقد وجدوا أصحابه في الورى غرًا ميامينا
[ ٥ / ٣٤٢ ]
طريقهم بالتُّقى والدِّين واضحةٌ بالذكر لله لا بالرَّقص لاهينا
فالرَّقص نقصٌ عظيمٌ لا يقول به قومٌ مصيبون بل قومٌ مصابونا
هذا مقالي وكلُّ الخلق يعرفه فلا تكونوا لقول الحقِّ قالينا
فنسأل الله حقًا أن يثبِّتنا عليه حتَّى نرى في الخلد ثاوينا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
قلت إذ لفَّع الزَّمان رداء الشَّيب بالثَّلج فهو ضاف قشيب
أنا ما نلت بغيتي في زماني حيث غصن الزَّمان غضٌّ رطيب
أفأرجو نيل الأمانيِّ فيه كيف ترجى وقد علاه المشيب
قد تلاقى مشيبة ومشيبي فانتشا بينهن أمرٌ عجيب
من قريبٍ أراه وهو بعيدٌ وبعيدٍ أراه وهو قريب
وزمان إذا تأمَّلت أهليه فإنَّ الوفاء فيهم غريب
/ ٢٥٩ أ/ ومن شعره يمدح القاضي الخويّ: [من المتقارب]
لقد أسعف الله أهل الشَّام وأنقذهم من أذى يونس
وعادت دمشق بقاضي القضاة تزيد على شرف المقدس
وصار الخويّ لمَّا به تسمَّى أعزَّ من الأطلس
فيا حاكمًا قد ملكت القلوب بلطف ينطِّق للأخرس
ومالت إليك نفوس الأنام كأنَّك مغنيطس الأنفس
وأيَّك الله سبحانه بفصل الخطاب لدى المجلس
فعشت مدى الدَّهر في أنعمٍ وأعداؤك الآن في أبؤس
وكتب إلى بعض القضاة معتذرًا: [من البسيط]
قاضي القضاة عماد الدِّين سيِّدنا سمت مناقبه بالعلم والعمل
فالعدل منبسطٌ والظُّلم منقبضٌ والعلم في عزَّة والجهل في خذل
وليس تأخذه في الله لائمةٌ وخالص الدِّين لا يخشى من الزَّلل
لا تحسبنَّ انقطاعي عنك من سببٍ يصدُّني أو لأمر الحمَّق السَّفل
ومنها:
[ ٥ / ٣٤٣ ]
أعوذ بالله إلَّا أننَّي زمنٌ عشر الثَّمانين قد ضاقت به حيلي
وقد بلغت إلى عمر يؤخِّرني عن كلِّ خيرٍ ويدنيني إلى الأجل
/ ٢٥٩ ب/ فاعذر لعبدك في التقصير وارع له حقًا تقدَّم يا ابن السَّادة الأول
لا زال مجد عماد الدِّين مرتقبًا إلى الكواكب والشِّعرى ولم يزل
وله: [من الطويل]
وقائلة لا ترض بالشِّعر خطَّةً فإنِّي أرى أهليه من أرذل البشر
فقلت أنا الياقوت بين حجارة وقد يشمل الياقوت تسمية الحجر
وله يمدح ابن مرزوق: [من الكامل]
سبحان من رزق ابن مرزوق النُّهى وحباه منه بوافر الأقسام
لمَّا رأيناه رأينا سيِّدنا بمناقبٍ أعيت ذوي الأفهام
متكبِّرًا عن أن يرى متكبِّرًا متواضعًا وله المحل السَّامي
يحنو على الضُّعفاء منه تلطُّفًا ويبرُّهم بالبرِّ والإنعام
فهو المجمَّل بالمناقب كلِّها وهو المجمِّل ملَّة الإسلام
لا زال ماضي الأمر في مصرٍ وفي حلبٍ وبغدادٍ وكلِّ الشَّام
وقال من قصيدة، يمدح بها الفلك بن المسيري: [من البسيط]
باليمن والنُّجح دار أنجم الفلك تنمى سعادتها للصاحب الفلك
/ ٢٦٠ أ/ مولى مدائحه كالمسك مسلكها في النَّثر والنَّظم منه خير منسلك
لا زال يرفل في أثواب عافيةٍ وصانه الله عن بؤسٍ وعن درك
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله النصيبي بحلب، قال: أنشدني محمد بن نصر بن عبد الرحمن لنفسه: [من الكامل]
ولقد ضعفت فلم أزرك وإنَّ لي قلبًا إليك صميمه يرتاح
ودعاؤنا لك صالحٌ ندعو به فيؤمِّن الإمساء والإصباح
يا أيُّها القاضي الَّذي سرَّ الورى بقدومه وتوالت الأفراح
لمَّا قفلت من الحجاز تباشروا أهل الشَّام به فلاح فلاح
[ ٥ / ٣٤٤ ]
فاعذر لخادمك المقصِّر إنَّه يفنٌ ضعيفٌ ما عليه جناح
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
عشر الثَّمانين قد أوهى قواي وقد تضاعف الضَّعف في عشر الثَّمانينا
فاسأل الله لطفًا منه يلطف بي باقي الحياة فقل بالله آمينا
[٧٣٣]
محمَّد بن المبارك بن عليٍّ/ ٥٦٠ ب/ حمى الله حوزته-. وكان ذا فضل وأدب، حافظًا للقرآن الكريم، شاعرًا؛ نظم أرجوزةً في النحو.
وقع إليّ قصيدة من قيله في البيت المقدّس، حين خرّبه الملك المعظم شرف الدين عيسى بن أبي بكر- صاحب دمشق-. وفي تلك السنة أخذ الفرنج- خذلهم الله تعالى- دمياط، وهي سنة ست عشرة وستمائة؛ فأنشأ أبو عبد الله هذه القصيدة:
[من الوافر]
مصاب القدس قد سلب الرُّقادا وقد لبس الخطيب به حدادا
وقاضيه قضى نحبًا وإن لم يمت لخراب ما أعلى وشادا
ونادى المسجد الأقصى أيرضى بهذا الفعل من فرض الجهاد
ومنبره الشَّريف يئنُّ خوفًا وممَّا حلَّ بالمحراب مادا
ولا ترقى لصخرته دموعٌ فكم قد أقرحت أسفًا فؤادا
كذا محراب داود علته الكآبة دمعه يحكي العهادا
ولازم باب رحمته عذابٌ وسطَّح الطُّور أدمعه وجادا
/ ٢٦١ أ/ وأصبحت المدارس معولات تريق محابر الفتيا المدادا
وما عن عين سلوان سلوٌ لساكنه ولو ملك البلادا
وبيت خليله وجلٌ لما قد أصاب سواه يرتعد ارتعادا
[ ٥ / ٣٤٥ ]
وعند قمامة اليوم التَّهاني تتيه ككاعب جاءت تهادى
إذا سمعت بدمياط وما قد أشيع تقول بلِّغت المرادا
ولكنَّ الكنائس ضاحكاتٍ تعالى الله يفعل ما أرادا
ألا يا زائريه أبكوا ونوحوا على الإسلام وافترشوا الرَّمادا
فلو بكت العيون دمًا عليه تقاضى رزؤه الباكي ازديادا
فمكَّة ثاكلٌ عبرى فلمَّا ألمَّ بأختها لبست سوادا
فترك الحجِّ أبكى كلَّ عين وعن طيب الكرى اعتاضت سهادا
رضا الملك المعظَّم ذا عظيمٌ ولو ملك البسيطة ما أفادا
ولكن ربنا ربٌّ غفورٌ لطيف الصُّنع يمتحن العبادا
فخوَّلنا وبوَّأنا بلادًا أرانا جاحدي نعماه عادا
أبعد خراب بيت القدس خطبٌ أشدُّ ولو توسدنا القتادا
على الدُّنيا وما فيها عفاءٌ ولو نلنا بها السَّبع الشِّدادا
/ ٢٦١ ب/ وأنشدني القاضي شهاب الدين أبو المحامد إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن القوصي بدمشق، في المحرم سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن المبارك الضرير خطيب القدس، وقد أنشدته هذين البيتين:
وما طلب المعيشة بالتَّمنِّي ولكن ألق دلوك في الدِّلاء
تجيء بملئها طورًا وطورًا تجيء بحمأةٍ وقليل ماء
فقال مجاوبًا لي ما انحصرت القسمة، بل بقي قسمان آخران، وأنشدني لنفسه بديهة: [من الوافر]
وكم من مرسلٍ دلوا تردى وطورًا عاد منقطع الرشاء
فأجمل في طلاب الرِّزق واعلم يقينا أنَّ رزقك في السَّماء
فلا حرصٌ يقيك ولا توانٍ يغيث فثق بسابقة القضاء
[ ٥ / ٣٤٦ ]
[٧٣٤]
محمَّد بن محمَّد بن عبد الكريم بن يحيى بن عليِّ بن يحيى، أبو عبد الله ابن الأكّاف الموصليُّ المعروف/ ٢٦٢ أ/ أبو عبد الله الموصليّ المقرئ.
كان ممن قرأ على الشيخ أبي بكر يحيى بن تمام بن سعدون القرطبي الأزدي، القرآن والقراءات، وتلمذ به، وجود عليه. وكان شيخًا شيعيًا متواليًا، له أشعار في المدح وغيره. وكان يعرف بابن نصيف.
قرأ عليه القرآن، خلق كثير من أهل الموصل، وتوفي في سنة اثنتي عشرة وستمائة. أدركت آخر زمانه، وهو شيخ كبير.
ونقلت من خطه، قوله يمدح أتابك نور الدين أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود﵁-: [من الكامل]
لعداك فرط صبابتي وغرامي وعداك وجدي في الهوى وهيامي
يا من غدا متفرِّدًا بجماله صل من غدا متفرِّدًا بسقام
رشا جموح الحسن طوع يمينه يقتاده عنفًا بغير زمام
يرمي وترمي مقلتاه بأسهمٍ فسهامه موصولةٌ بسهام
كيف التَّخلص من لواحظه الَّتي جعلت مراميه وهنَّ مرامي
قسمًا بسحر كامن في جفنه ولذاك عندي أوفر الأقسام
لأصاحبنَّ الدَّهر غير مسالمٍ وأصول مقتدرًا على الأعوام
أأرأع يا دهري ونور الدَّين لي مولًى وعونٌ إن سطوت وحامي
/ ٢٦٢ ب/ ملكٌ يرى في سرجه ملكٌ له سيما الهدى وسكينة الإكرام
متقلِّد من عزمه ذا رونقٍ يرضيك في نقضٍ وفي إبرام
[ ٥ / ٣٤٧ ]
ليثٌ العرين إذا تثنَّى في وغًى وإذا انثنى لندًى فبحرٌ طامي
تلقى أرسلانًا إذا اشتجر القنا وتأخَّر المتقدِّمون يحامي
يا آل زنكي أنتم الصِّيد الألى بكم حمى اللَّاجي وريُّ الظَّامي
ليقر عينًا يا فثٌ بكم فقد أربى على سام بفخر سامي
مولاي عوة من أتى مستمطرًا يرجو الرَّذاذ فجدته بركام
حكَّمته في دهره فتقهقرت وتقاعست عنه خطى الأيَّام
حسدتني الدُّنيا عليك وباعدت خدمي ولم يبعد نداك الهامي
فاعطف على العبد الَّذي أبدأته بسجال قربك فهو ذاو ظامي
واسلم منيع الجار مبذول النَّدى خصب الجناب مؤيَّد الأعلام
ونقلت من خطّه شعره، ما كتبه إلى بهاء الدين الربيب: [من السريع]
قل لبهاء الدِّين عنِّي شفاه يسألك الله غدًا من سماه
شيمتك العدل وفيك التُّقى وكلَّ أعمالك ترضي الإله
/ ٢٦٣ أ/ فاسئل عن حالي وعن قصَّتي وذبَّ عنِّي من أذًى قد أراه
غلمان إبن العجمي كلُّهم قد حلَّلوا قتلي وقالوا: الغزاه
وكيف ألقى القتل في بلدة ملك أبي الحارث رسلان شاه
ممهِّد الأرض بأطرافها وليس في الأرض مليك سواه
مجَّدك الأبطا يوم الوغى سائل ملوك الأرض عن ملتقاه
ما جاءه من خاف من ظالمٍ إلَّا أزال الظُّلم لمَّا أتأه
وإنَّني أخوف من أرنب يرى كلاب الصَّيد تعدو وراه
وذاك خوفي لم يكن منهم ما يعجز الرَّامي عمَّن رماه
وإنَّما خوفي من بطشكم أجتنب الشَّر وأخشى أذاه
إنههم مولاي عن فتنتي وردَّهم عنِّي وإلَّا فاه
قد مضَّني فرط سؤالي لهم وليس يزدادون إلَّا عماه
لو أنَّني قد جئت من خيبر كنت أداريهم بوزن البراه
وإبن غازي هو أسُّ البلا يؤلِّب القوم ويهوى هواه
يزوِّر الكتب كما يشتهي مجاهد الدِّين لهذا اتَّقاه
[ ٥ / ٣٤٨ ]
وقد تأذَّى النَّاس من شرِّه فازجره عن مسك القلم والدَّواه
/ ٢٦٣ ب/ ولا خلوت الدهر من دعوةٍ من نالها في الخلق يعطى مناه
واسلم ودم وأبق لدى نعمةٍ ما سارت الركبان أرض الفلاه
[٧٣٥]
محمَّد بن محمَّد بن محَّمد بن محمَّد بن الحسين، أبو البركات ابن أبي جعفرٍ النحويُّ البغداديُّ المولد والمنشأ.
وأصله من شهرستانة، وهي بلدة عند نسا من بلاد خراسان، مما يلي خوارزم، يقال لها: رباط شهرستانة؛ بناها عبد الله بن طاهر في خلافة المأمون.
كانت وفاة أبي البركات يوم الأحد سابع عشر ربيع الآخر سنة ثماني عشرة وستمائة ببغداد، ودفن بجانبها الشرقي بمقبرة الوردية. وكان مولده في شهر رمضان سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
أخذ النحو عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب النحوي، وبعده على أبي الحسن علي بن المبارك المعروف بابن الزاهدة، ولازمه حتى حصل معرفة هذا العلم، وتميّز فيه على غيره، وسمع الحديث من جماعة، وله شعر حسن.
أنشدني أبو عبد الله/ ٢٦٤ أ/ محمد بن سعيد الواسطي، قال: أنشدني أبو البركات لنفسه: [من الكامل]
لمَّا جفا من كنت آمل وصله ظلمًا وجدَّ فديته من ظالم
أخفيت زرقة ملبسي من حاسدي ولبستها من خشيةٍ في الخاتم
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني محمد بن محمد لنفسه: [من الطويل]
خليليَّ عوجا عرَّضا لي بذكر من بها ينقضي عمري وأدفن في رمسي
ونوحا بشجو واندبا لي فرقتي ليال تقضَّين فهل راجعٌ أمسي
غداة افترقنا غاب عقلي فما أرى لي اليوم من عقل صحيح ولا حسِّ
ألا إنَّ نور الشَّمس من نور وجهها فما لي أراها تستظلُّ من الشَّمس
[ ٥ / ٣٤٩ ]
ومن شعره ما كتبه إلى بعض الصدور، وقد أهدى إليه كتابًا ألّفه لأجله:
[من الكامل]
جمَّعت من غرر البلاغة لمعةً أهديتها للكامل بن الكامل
أهديت للبحر الفرات لآلئًا والدُّرَّ في تيَّاره والسَّاحل
ولذاك صيحانيُّ تربة يثرب يهدى إلى نخل العراق الحامل
ومتى تأمَّلت النَّهار لديهم أبصرت كلَّ غريبة في الحاصل
/ ٢٦٤ ب/ وقبول ذلك جبر قلب مؤمِّل لقبوله وكياسةٌ في القابل
لا زال كهفًا للعفاة وملجأ للقاصدين وعدَّةً للآمل
ومن شعره أيضًا، وقد صنف كتابًا في الظاء والضاد، وأهداه إلى زعيم الدين يحيى بن جعفر، وكتب عليه: [من الكامل]
الفرق بين الضَّاد قل والظَّاء أهدي إلى ذي الطَّول والنَّعماء
يحيى بن جعفر الزَّعيم أخي التُّقى والمجد ربَّ جلاله وبهاء
فكأنَّني أهديت ما هو حفظه لكنَّني ذاكرت في إهدائي
جهد المقلِّ فهل رأيت أخا حجًى للبحر يهدي قطرةٌ من ماء
أم هل رأيت أخا سداد متحفًا للبدر حال كماله
لكن أخو الفضل العزي محقِّقٌ لذوي الفضائل صورة الأشياء
[٧٣٦]
محمَّد بن محمَّد بن أحمد بن عليٍّ، أبو عبد الله الحربويُّ.
هو من حربا، من قرايا العراق. من أهل بغداد، وكان مرتبًا بالمدرسة النظامية، وكان أديبًا فاضلًا، يقول الشعر الحسن.
دخل بغداد، وأقام بها إلى أن مات يوم السبت الثامن والعشرين من ربيع الأول
[ ٥ / ٣٥٠ ]
سنة ست عشرة وستمائة. وكان يؤدّب بها الأمراء والأتراك/ ٢٦٥ أ/ وينوب عن النظَّار بطريق خراسان، وكان رجلًا سليم الجانب.
وهو القائل، وقد جاءه كتاب من صديق له: [من الكامل]
وافى كتابك فابتهجت مسرَّةً بقدومه وتضاعفت أشواقي
وكأنَّني كنت السَّليم لبعدكم عنِّي وكان هو الطَّيب الرَّاقي
وافى إليَّ وفيه منك هديَّةٌ فيه الوفا ومكارم الأخلاق
ما زلت أرعى العين بين سطوره في زهر روضٍ جداول وسواقي
فكأنَّني لمَّا فضضت ختامه لك فيه بين زيارةٍ وتلاقي
وأنشدني محبّ الدين، قال: أنشدني الحربوي، في استرضاء قومين، كان يتردد إليهما، قاله لكل واحدٍ منهما: [من الوافر]
لهم ولكم عليَّ حقوق وبرٍّ ومعرفةٌ تعزُّ ولا تهون
ولكنِّي إذا أنصفت كانوا وكنتم بينكم فرقٌ مبين
هم العين اليسار بكلِّ حالٍ لديَّ وأنتم العين اليمين
قال: فلم يرض أحدهما إلَّا بانقطاعه عن الآخرين، فاعتذر إليهما بأن قال:
[من الوافر]
/ ٢٦٥ ب/ ولي عينان من كرمٍ وجودٍ عليَّ تكاملا بصرًا ونورا
وقد أمست جفونهما مراضًا ولم أر نافعًا لهما الذَّرورا
دوا إحداهما في داء أخرى ومثلي في القضَّية لن يجورا
يهون عليَّ أن أدعى بأعمى ولا أدعى بواحدةٍ بصيرا
فرضي كل واحد منهما.
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في غلام مثاقفٍ: [من المنسرح]
قد سلَّ سيف الثِّقاف منتضيًا من بعده مرهفًا من النَّظر
مثاقفٌ من سيوف مقلته قد أصبحت مهجتي على خطر
[ ٥ / ٣٥١ ]
ما همَّ في شدَّ عقد مئزره إلَّا وقد حلَّ عقد مصطبري
يكاد في حفي من يثاقفه بالسَّيف يحصي مغارر الشَّعر
كأنَّما وجهه لمبصره في وجهه غيمةٌ على قمر
[٧٣٧]
محمَّد بن مطرٍ البغداديُّ.
كان عاملًا بتكريت، من قبل أمير المؤمنين الناصر لدين الله﵁-. وكان فيه فضل ومعرفة، شاعرًا متصرفًا؛ ومن شعره/ ٢٦٦ أ/ ما كتبه إلى شهاب الدين أبي عبد الله عمر بن القاسم التكريتي الفقيه الشافعي: [من الخفيف]
ما يقول الإمام وفَّقه الله لسبل الهدى وفعل الصَّواب
في فتًى مات عن فتاةٍ رداح ذي قوام بريقه كالسَّراب
ولها حقُّها من المهرعينٌ وكتابٌ بنسخه في الكتاب
بشهود لا ينكرون مقالًا مع مرِّ السِّنين والأحقاب
وله والدٌ وما كا ن له قبل موته والذَّهاب
من حدادٍ ولا متاعٍ نراه تحت حرزٍ له ولا بوَّاب
هل يجوز التماسها من أبيه حقَّها خالصًا بغير عقاب
ثمَّ ما خلَّف الفتى من نتيج بين حيٍّ بلاحق الأنساب
أفتنا أيُّها الإمام سريعًا واكتسب أعظم الجزا والثَّواب
فأجاب أبو عبد الله ارتجالًا على وزن الشعر ورويّة: [من الخفيف]
قل لمن ألغز الخطاب الَّذي فا ق وقد فاق فوق كلِّ خطاب
سائلًا عن فتًى كريم وقد ما ت بلا علَّة من الأسباب
/ ٢٦٦ ب/ عن فتاة إذا أتاها مريدٌ أخذ المهر منه من لا يحابي
وله والدٌ كريمٌ من الكرم له اشتقَّ اسمه في الصِّحاب
ثمَّ أم توطا لتبرز منها مزنة تجتلى بغير نقاب
مهرها أربعون ممن أتاها أو ثمانون في القياس الصَّواب
فاجتنبها وصن جنابك عنها فهي للقتل خدعةٌ كالسَّراب
[ ٥ / ٣٥٢ ]
هاك ما حاك فيه فكري سريعًا وبديهًا سطَّرته في الجواب
أيُّها السَّيِّد المؤمَّل شمس الدِّين ما هكذا حسبت حسابي
[٧٣٨]
محمَّد بن الخضر بن محمَّد بن الخضر بن عليِّ بن عبد الله بن تيمية، أبو عبد الله ابن أبي القاسم الحزّاني الواعظ الحنبليُّ، الخطيب الكفر جديانيُّ.
خطيب حرّان ومحدّثها وعالمها على المذهب الأحمدي، وكفر جدايا قرية من قرى حرَّان. وكان واعظًا مفسِّرًا حافظًا عالمًا.
حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي- أيده الله تعالى- قال: أخبرني إبراهيم الصريفين، أنه سئل عن نسبه إلى يتيمَّة، /٢٦٧ أ/ فقال: هي جدتي، وكانت من أهل العلم، واعظة البلد- يعني حرّان- فعرفنا بها.
وتفقه أبو عبد الله بمدينة السلام على أبي الفتح نصر بن فتيان النهرواني المعروف بابن المنى، وسمع بها أبا الفتح محمد بن عبد الباقي بن البطي، وأبا الحسن سعد
[ ٥ / ٣٥٣ ]
الله بن نصر الدجاجي، وأبا الفضل أحمد بن صالح بن شافع، وأبا بكر عبد الله بن حمد بن النقور، وأبا القاسم يحيى بن ثابت بن بندار وغيرهم- رحمه الله تعالى-.
كانت له معرفة حسنة بالتفسير والوعظ والأحاديث. وكان من صلحاء الناس ذا قبول عندهم؛ من تصنيفه، كتاب سمّاه: «تحفة الخطباء من البريّة في الخطب المبنرية».
وكان مولده في شعبان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. وكانت وفاته بحران فيما بلغني يوم الخميس وقت العصر عاشر صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة﵁-.
ومن شعره قوله: [من الطويل]
إذا جنَّ ليلي جنَّ قلبي بذكركم فيغلبني وجدٌ بكم وبكاء
وتعتاض عيني عن لذيذ رقادها بحرِّ دموعٍ وقعهنَّ شفهاء
وتضعف عن حمل التَّجلُّد قوَّتي إذا مضَّني داءٌ وعزَّ دواء
/ ٢٦٧ ب/ ويظهر لي صدق الَّذي قال قبلنا وهل لقوي لا أستجد بقاء
أنشدني الشيخ الحافظ محبّ الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي بها، في سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن الخضر بن محمد بن تيميّة لنفسه ببغداد: [من الطويل]
أرى قوَّتي في كلِّ يومٍ وليلةٍ تؤول إلى نقصٍ وتفضي إلى ضعف
وما ذاك من كرِّ اللَّيالي ومرِّها ولكن صروف الدَّهر صرفًا على صرف
[ ٥ / ٣٥٤ ]
فراقٌ وهجرٌ واخترام منيةٍ وكيد حسودٍ للعداوة لا يخفي
وذاك دخيلٌ للفؤاد مقلقل الـ ـضُّلوع يجلُّ الخطب فيه عن الوصف
وعشرة أبناء الزَّمان ومكرهم وواحدةٌ منها لهذا الهوى يكفي
بليت بها منذ ارتقيت ذرى العلا كما البدر في النُّقصان من ليلة النِّصف
وما برحت تترى إلى أن بليت من تضاعفها ضعفًا يزيد على ضعف
وأصبحت شبهًا بالهلال صبيحة الـ ـثلاثين أخفاه المحاق عن الطَّرف
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن أياس بن عبد الله الحرَّاني بحلب، قال: أنشدني أبو عبد الله بن تيمية لنفسه: [من المتقارب]
/ ٢٦٨ أ/ إذا دهمتك عظام الأمور فشاور لها العقلاء الألبَّا
ولا تستبدَّ بها دونهم فتلقى خسارًا عظيمًا وتبَّا
فقد أمر الله خير الأنام وأزكى البريَّة عقلًا ولبَّا
بأن يستشير أصيحابه فشاورهم مستجيبًا ولبَّى
وقوله أيضًا: [من البسيط]
قدمت من سفر الدُّنيا على ملكٍ يعدُّ للوافدين البرَّ والنِّعما
يقري الضيوف بإحسان وتكرمةً قرى الكريم ويوليه المنى كرما
وما قدمت عليه مسلفًا عملًا أرجو به من عطاء فضله قسما
لكن بفقري وإفلاسي ومسكنتي وسيئاتي الَّتي تستوجب النِّقما
أرجو تجاوزه عمَّا أتيت به من القبيح وإن جاز المدى عظما
وحسن ظنِّي به ركني ومعتصمي حسبي بظنِّي به في ذاك معتصمًا
وقال أيضًا: [من المتقارب]
دنت رحلتي وتدانى المسير وزادي من النُّسك نزرٌ حقير
وقلبي على جمرات الأسى من الخوف من خالقي مستطير
وكم زلَّةٍ قد تقحَّمتها فدمعي لها وعليها غزير
[ ٥ / ٣٥٥ ]
/ ٢٦٨ ب/ مضى عمري وانقضت مدَّتي ولم يبق من ذاك إلا اليسير
كأنِّي بكم حاملين السَّرير لشخصي وناهيك ذاك السَّرير
يقلُّونه شرجعًا مثقلًا علومًا لجنبيه فيها صرير
إلى منزل ليس في ربعه أنيسٌ يساكنه أو نصير
سوى عملٍ صالحٍ بالتُّقى فنعم الأنيس ونعم الخفير
وقال لما فرغ من تحرير تفسير القرآن الذي ألّفه: [من الرمل]
أيُّها النَّاظر بعدي في كتابي مستفيدًا منه مرغوب الطِّلاب
قاطفًا منه ثمارًا سقيت باجتهادي ماء شيبي وشبابي
اهد لي منك دعاءً صالحًا واصلاٍ تحت أطباق التُّراب
[٧٣٩]
محمَّد بن يوسف بن الدّخوار، أبو عبد الله السكاكينيُّ.
من أهل حلب، كان أصله فارسيًا.
وكان شاعرًا ينتجع بشعره ويرتزق به، وكان فقيرًا مملقًا، شديد الفاقة، ذا عائلة، وعنده دينٌ وخير. وكان مع خيره/ ٢٦٩ أ/ ودينه بذيء اللسان، هجاءً شرِّيرًا، يتقى شره. وتوفي في سنة أربع وخمسين وستمائة.
أنشدني من نظمه أبو الوليد عبد الملك بن يوسف بن عبد الملك بن رستم ابن علي الديلمي الحلبي بها، في سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني ابن الدخوار لنفسه، يمدح السلطان الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب- صاحب قلعة حلب، رحمه الله تعالى-: [من البسيط]
يا آمل البان ما بالبان مذ بانوا أهل الحمى لك أوطار وأوطان
ولا مغاني الغواني بعد بعدهم يغني مغازلها منهنَّ غزلان
ففيم يصبيك ربعٌ لا أنيس به للصبِّ إلَّا صباباتٌ وأشجان
نعم هي الدَّار من نعمان لو جمعت نعمٌ نعمت بها يومًا ونعمان
وأين منك لياليها الَّتي سلفت وللصِّبا من قلوب العير أعوان
من كلِّ خودٍ رداحٍ في لواحظها أسياف فتكٍ لها الأجفان أجفان
[ ٥ / ٣٥٦ ]
تبدو فتغدو لديها الشَّمس كاسفةً وينثني خجلًا من قدِّها البان
إنسيَّةٌ ما لعين بعد رؤيتها خوف الفراق بسحِّ الدَّمع إنسان
أقول للبين إذ بأنت ظعائنه وللحداة وقد سنُّوا النَّوى شان
/ ٢٦٩ ب/ رفقًا عليَّ فلي إن رمتم تلفي ببينها من غياث الدِّين سلطان
من مالك ما لصرف الدَّهر خيفته إلَّا على حائن عاداه عدوان
بحرٌ إذا هطلت جودًا أنامله فالبحر منحسرٌ والغيث خجلان
وإن غزا ظلَّت الأرضون راجفةً واستشعر الثَّقلان الإنس والجان
مؤيَّد الرَّأى والرَّايات منتصرٌ للنصر في نصله إن سلَّ برهان
في درعه ليث حرب كلُّ منزلة أضحى بها مستقرًا فهي حفان
للدِّين منه وللدُّنيا إذا انتصرًا يوما وغى وحجًى أمنٌ وإيمان
يا ابن الذي لم تكن تلفى خزائنه لها إذا قدم العافون خزان
وابن الهمام الَّذي أغماد صارمه لدى القرى والوغى بدنٌ وأبدن
إليك أشكو زمانًا لا يقوم بما حمِّلت من ثقله رضوى وثهلان
حظٌّ غدا كحضيض الأرض منتقلًا وهمَّه همُّها للعلو كيوان
فمن زماني بإسعادي ترى رجلًا لجامح الفضل إذ ناداه إذعان
فما ألم بمن وافاك منتصرًا كلٌّ ولا مسَّ من يرجوك حرمان
واستجلها بنت فكرٍ لا يدنسها تبذل فهي يا مأمون بوران
/ ٢٧٠ أ/ لها بكلِّ لسانً صان روايةٌ نعم وفي كلّ قلب دان ديوان
لفارسيٍّ به يبدو إذا فخرت قيسٌ وإن لم تلده العرب عدنان
وأنشدني أبو الفتح بن بيان بن علي الحلبي بها، في شوال سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الدخوار لنفسه: [من الطويل]
أتطمع أجفاني بطيب رقاد وقد سلَّمتهن النَّوى بقتاد
وآمل دهري على البين مسعدًا وقد عزَّ ما بيني وبين سعاد
فلا مخبرٌ إلَّا صبا كلَّما بدت نوافحها شبًّ الأسى بفؤادي
[ ٥ / ٣٥٧ ]
ولمع بريقٍ مستطير كأنَّه لبعد المدى في اللَّيل قدح زناد
فيا ريح هل تلقينها بتحيَّة ويا برق هل تعتادها بودادي
ويا طيفها هل لي إليك وسيلة فتدنو بك الأيَّام بعد بعاد
وأنشدني أيضًا أبو الفتح، قال: كان ابن الدخوار، قد مدح القاضي زين الدين- قاضي حلب- فلم يجزه، وكان قد تردد إليه مرارًا فلم يعطه شيئًا، فقال فيه: وأنشدنيه: [من البسيط]
/ ٢٧٠ ب/ رددتني عنك يا هذا بلا صلة وقد علمت بإعساري وإعدامي
وعاد برقك عندي خلَّبا ونبًا قصدي فيا لسراب غرَّ بالظَّامي
يا مشبه البحر أظما ما يكون به السَّاري إذا لجَّ في تياره الطَّامي
تبًا لشعري أما تجدي جوائزه سوى التَّفكير في نقضي وإبرامي
وهكذا السَّهم ما أنهاه حامله للنزع إلَّا وأدمى إصبع الرَّامي
فإن سمت بك زين الدِّين مرتبةٌ فليس تهوى من الدُّنيا سوى السَّامي
إذ لا غناك ولا فقري فإن عظما بين الأنام سوى أضغاث أحلام
وله وقد استهدى بعض الأشراف مركبّا، وضمن البيت الثالث: [من الكامل]
أضحت دواتي بالبياض مناطةً يا ابن المشاعر والمحصَّب من منى
وامتاز خطَّي بالسَّواد لشقوتي فظللت أنشد في التَّضادد معلنا:
يا قلبه القاسي ورقًّة خدِّه هلَّ نقلت إلى هنا ممَّا هنا
وقال أيضًا: [من السريع]
في فم من أهوى وفي خدَّه ستَّة أنواع وأجناس
شذًا وشوٌ وطلًا عزَّرت بالورد والنَّرجس والآس
[٧٤٠]
/ ٢٧١ أ/ محمَّد بن نصر الله بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد، أبو عبد الله بن أبي الفتح الشيبانيُّ الموصليُّ.
[ ٥ / ٣٥٨ ]
وقد تقدّم شعر عمَّه أبي السعادات المبارك بن محمد.
كانت ولادته بالموصل في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وتوفي صبيحة يوم الإثنني ثاني جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
كان يتعاطى فن الترسل والشعر، ويدّعي الفصاحة في النثر؛ ذا حمق ورقاعة، كثير العجب بنفسه، متكبر على أبناء جنسه.
وخبرت عنه، أنه كان يطعن في القرآن، ويتسامح في حقِّ العلماء الأعيان، ويضع منهم، ويعرض بحمقه عنهم؛ وله تواليف منها كتاب سمّاه: «غرّة الصباح في أوصاف الإصطباح» ذكر ما قيل في الصبوح وأيام الربيع، وما وصفت به الخمر من طيب أنفاسها، واختلاف ألوانها وأجناسها، وما يلتئم بذلك من لطافة ندمانها، ومحاسن قيانها، ونعت الساقي، وما يوصف به من الحسن والجمال، والظرف والكمال، وأورد فيه مقطعات من أقاويل الشعراء، ورتبها على حروف/ ٢٧١ ب/ المعجم، ثم أتبع كل حرف من الحروف بشيء من شعره. وكتاب «الأنوار في نعت الفواكه والثمار» ذكر ما قيل في الرياحين والفواكه والأزهار، وما قالت الشعراء من محاسن أقوالهم. وكتاب: «روضة النديم» مجموع أشعار مرتّب أبوابًا.
شاهدته عدّة مرّات بمجلس والده وعمّه أبي الحسن علي بن محمد، ولم أكن من قبل أعلم أنَّ له شعرًا، فلما وقع الاجتماع به، سألته أن ينشدني شيئًا من شعره، فأجاب إلى ذلك، ووعدني أن يكتب لي منه جزءًا، فلم تطل به الأيام حتى انتقل إلى جوار ربّه- رحمه الله تعالى-.
ومن شعره، ما نقلته من خط يده يصف الخمر، من قطعة وأوردها في كتابه «غرّة الصباح»: [من الكامل]
باكر بها قبل الصَّباح نديمي بنت الكروم وأمُّ كلِّ كريم
صفراء في حلل الكؤوس مزاجها من قبل كون الشَّمس من تسنيم
[ ٥ / ٣٥٩ ]
كانت وليس من الكواكب كوكبٌ مقصورةً في جنَّة ونعيم
حتَّى إذا فضَّ الختام تكوَّنت شمسٌ وزيِّنت السَّما بنجوم
وتنفَّست فتنفَّست أرواحنا وتحرَّكت شوقًا لكلِّ قديم
/ ٢٧٢ أ/ جاء النَّسيم بها إليَّ ولم تزل نفسي مرنَّحةً لكلِّ نسيم
وسعى بها ريمًا أغنَّ ومن رأى شمسًا مطالعها بكفِّ الرِّيم
يشدو على كأس المدام كأنَّه صوت المخيَّب فيه والمزموم
ووددته لو كان يمزج كأسه من ريقه برحيقه المختوم
ونقلت أيضًا من خطّه قوله: [من الخفيف]
إسقياني فالصبح مرخي اللِّثام بنت كرم شجَّت بماء غمام
خنريسا تدني السرور وقد أصـ ـبح عن شربها بعيد المرام
شبه نار الخليل في بردها وهـ ـني كنار الكليم في الأضرام
وفتاة مذكراتٌ لها الأفعال لكن مؤنثات الأسامي
زعموا أنَّها حلالٌ فدعني .. من حلال في شربها أو حرام
واقتصد في الملام إنِّي خليعٌ مستمرٌ على سماع الملام
وأدرها حتَّى تراني لا أفـ ـرق بين الأعراف والأنعام
ليِّن العطف بعد طول جماحي أخرس اللَّفظ بعد حسن كلامي
وقال أيضًا: [من السريع]
قد أسفر الصُّبح لنا عن نقاب وزفَّت الكأس ورقَّ الشَّراب
/ ٢٧٢ ب/ فقم بنا نشرب من قهوة تلمع بالشُّرب كلمع السَّراب
من قبل أن تلفظ شمس الضُّحى .. من أعين النَّرجس درَّ السَّحاب
أما ترى الكأس وإيماضها كالسَّيف والكأس لها كالقراب
فهزَّها في كأسها هزَّةً تجن بها أثمار شرخ الشَّباب
وقال يمدح: [من مجزوء الرمل]
[ ٥ / ٣٦٠ ]
يا مليكا زانه جو دٌ وحلمٌ وحياء
والَّذي يكفي لمن نـ ـائل جدواه الثَّناء
والَّذي يومان دا ءٌ للبرايا ودواء
إصطبح دام لك الإقـ ـبال واجتدَّ البقاء
في نعيم لا يدانيـ ـه زوالٌ وانقضاء
دمها يسقي سرورًا إن سقى الأشجار ماء
وافن أيامك لهوًا قبل أن يأتي الفناء
قهوةً تذكر إسما عيل حيَّاه الفداء
إنَّما العيش استماعٌ وانخلاعٌ وانتشاء
وقال خمرية: [من الخفيف]
/ ٢٧٣ أ/ يا نديمي قد أقبل الصُّبح في الشَّرق وولَّت حنادس الظَّلماء
فالق ثوب الوقار عنِّي ودعني من ملام يزيد في إغرائي
واسقنيها حتَّى تراني لا أفـ ـرق بين الخضراء والغبراء
من مدامٍ أيدي المزاج عليها سمط درٍّ كأنجم الجوزاء
فهي شمسٌ لكن بغير مغيب ولهيبٌ لكن بغير انطفاء
وهي نوحيَّة الغراس فلو تنـ ـطق قصَّت سوالف الأنباء
أطربت كأسها فلو لم تدرها كفُّ ساق دارت على النُّماء
عجبًا ما رأيت والكأس تجلى وهي شيءٌ من أعجب الأشياء
مجمع النَّار والزُّجاج مع الما ء ودٌّ يدور فوق الماء
يا له منظرًا وعيشًا لو أن الله لم يبل جمعنا بالفناء
وقال أيضًا: [من مخلّع البسيط]
للروض عند الصَّباح طيب نمَّت إلينا به الجنوب
واستمتع الطَّرف من كراه فملَّت المضجع الجنوب
والطير فوق الغصون تدعو طاب لكم وقتكم فطيبوا
والكأس في كفِّ ذي قوامٍ يخجل من لينه القضيب
/ ٢٧٣ ب/ لولا لباسٌ يقيه طرفي لكاد من لحظه يذوب
[ ٥ / ٣٦١ ]
ما سعد الوالدان فيه إلِّا لتشقى به القلوب
راحٌ إذا الرَّاح أبرزتها صبا إلى شربها اللَّبيب
لها إذا الماء جال فيها في قعر كاساتها وثوب
إذا سرت في عروق شخص هانت على قلبه الخطوب
وقائلٍ: تب، فقلت: كلَّا هيهات عن شربها أتوب
إذا استقام الأنام طرّا قل لي لمن تغفر الذُّنوب
وله أيضًا من أبيات فيها: [من الخفيف]
فكأنَّ الصَّهباء في الحسن السَّا في لها والحباب فوق المدام
شمس ظهرٍ في كفِّ بدرٍ عليه سمط درٍّ تحكي نجوم الظَّلام
وقال فيها أيضًا: [من الرمل]
باكر الشَّرب الكرام فاسقني طاب المدام
من كميت خسرويٍّ قبل أن يدنو الحمام
قهوةً عتَّقها في دنَّها سامٌ وحام
شجَّها أحور قد أد نف عينيه السَّقام
/ ٢٧٤ أ/ فاسقنيها بقنان بعدها طاسٌ وجام
وأدرها مترعاتً زانها ميمٌ ولام
فالرُّبى قبَّلها الزهـ ـر وحيَّاها الغمام
وجيوش الصُّبح قد أقـ ـبلن إذ ولَّى الظَّلام
خمسةٌ في ستَّةٍ والـ ـقوم عن ذاك نيام
فإذا ما زدت كأسًا فعلى الدُّنيا السَّلام
وقال فيها أيضًا: [من مجزوء الرجز]
طاب الصَّبوح فاشرب هذا أوان الطَّرب
ودع ديار لعلعٍ وخلِّ ذكر الربرب
من قهوةٍ صافية تفوق ماء السحب
صفراء مثل الياسميـ ـن أو كصافي الذَّهب
[ ٥ / ٣٦٢ ]
تريك في الظَّلماء إن شجَّت شواظ اللَّهب
ترقص من فوق أعا ليها لآلي الحبب
كراكبٍ مستعجلٍ قلوصه في خبب
فالغيم في تصعُّد والغيث في تصبُّب
/ ٢٧٤ ب/ والعيش واللَّذَّة في احتساء بنت العنب
يديرها مقرطقٌ نشوان تركي النَّسب
ولا تؤخِّر عاجلًا لآجل مغيَّب
وثق بربِّ غافرٍ لكلِّ عبدٍ مذنب
وقال فيها أيضًا: [من الكامل]
قم يا ندييم للمدام فاتها عجلان فالأيَّام في غفلاتها
واشرب على طيب الرِّياض وسقنِّي صفراء كالأقمار في هالاتها
كرخنَّةً لا تعتزي مع جهلها بسنيِّها إلَّا إلى خاناتها
أو ما ترى الأوتار حيث ترجَّعت فأجابت الأطيار في نغماتها
فابق البلابل في احتساء سلافة لا تنزل الأحزان في ساحاتها
والبس لأيَّام الصَّبوح غلائلًا شيعيَّةً في كلِّ ما أوقاتها
واخلع عذارك في الصَّبوح تنل من الأ فراح في الدُّنيا منى لذَّاتها
قال أيضًا يعنيها: [من الكامل]
ذكر المدامة في الصَّبوح فعرَّجا ورأى الصِّباح وقد بدا متبلِّجا
وتصعَّدت أنفاسه طربًا وقد صاح الهزار على الغصون وهزَّجا
/ ٢٧٥ أ/ وتلاعبت أشجانه لمَّا رأى زهر الرِّياض المستنير مدَّبجا
وتنفَّست أنفاس علويِّ الصَّبا فغدا به ربع الصِّبا متأرِّجا
فغدا إلى الخّار يصحب فتيةً شمَّ الأنوف مصوَّرًا ومتوَّجا
عافت نفوسهم الدَّنيَّة فالدُّجى من نور أوجههم تراه مسرجا
وقال فيها أيضًا: [من مجزوء الرمل]
يا لبيني باكري الرَّا ح بمحكوك الزُّجاج
[ ٥ / ٣٦٣ ]
واصبحي الشَّرب فقد أيـ ـقضهم صوت الدَّجاج
وأديريها كميت اللَّون شجَّت بالمزاج
قهوةً لم تبصر النَّا ر ولا ضوء السِّراج
فإذا ما دارت الكا سات من قبل الأجاج
فأمري المطرب أن يقـ ـطع إرسال الحجاج
ويغني بانخفاض الـ ـصَّوت من غير انزعاج
لا تضق ذرعًا نعم كل ضيقٍ لانفراج
وقال أيضًا: [من الرمل]
يا نديمي قم بنا مصطحبًا غرَّد الطَّير فهات القدحا
/ ٢٧٥ ب/ واسقنيها بنت كرمٍ لم يدع من قواها الدَّهر إلَّا شبحا
تطرد الهمَّ إذا ما عبَّها شاربوها وتفيد الفرحا
وتعوِّض عن مثاني معبدٍ بمثاني عندليبٍ صدحا
وقال في مثله: [من مجزوء الرمل]
غرَّد الطَّير الفصاح فاسقني لاح الصَّباح
وأدرها قهوةً يعـ ـذب فيها الافتضاح
خدرها الدَّن مدى الأز مان والقار الوشاح
جسمها من ألطف الأ شياء والطَّبع السَّماح
إنما اللَّذة في الدُّنيا سماعٌ واصطباح
وقال في المعنى: [من مجزوء الخفيف]
إسقني يا ابن معبد من شراب مورَّد
قهوةً تذكر المسيـ ـح بشيرًا بأحمد
من يدي شادن حييَّ الطَّرف بضِّ المجرَّد
فجيوش الظَّلام مثـ ـل طريد مشرد
والعصافير ضللن بين مغنٍ ومنشد
/ ٢٧٦ أ/ واصطخاب الأوتار بيـ ـن مثنى ومفرد
[ ٥ / ٣٦٤ ]
ويد اللَّهو والتَّهتُّك جرَّت بمقودي
فاعص فيها قول العدا وملام المنفنِّد
واصطحبها وغنِّني فلقد طاب مشهدي
عين قري عين أسعدي طلع البدر فاسجدي
وقال أيضًا: [من مجزوء الرمل]
إسقني قد أسفر الصُّبـ ـح سلاف الخندريس
ودع الربع وتذكا ر سعادٍ ولميس
بين مزمارٍ وعودٍ ونديمٍ وجليس
قهوةً عتَّقها في هيت بهرام المجوسي
فأدرها في قنان وبواطٍ وكؤوس
فهي في الدَّنِّ عروسٌ خدَّررها لعروس
وإذا أودعت الأقـ ـداح أزرت بالشُّموس
تم الجزء السادس من قلائد الجمان
/ ٢٧٦ ب/ وتمَّ بتمامه الجزء الثالث من الأصل
ويتلوه إن شاء الله الجزء السابع، بقية من اسمه محمد
والحمد لله أولًا وآخرًا
وصلى الله على محمد النبي الأميّ وآله وصحبه وسلَّم
[ ٥ / ٣٦٥ ]
/١ ب/بسم الله الرحمن الرحيم
وما توفيقي إلا بالله
[تتمة حرف الميم]
[تتمة ذكر من اسمه محمد]
[٧٤١]
محمَّد بن حيدر بن محمَّد بن زيد بن محمَّد بن محمَّد بن زيد بن أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الله، أبو طاهر بن أبي الفتوح الحسينيُّ العلويُّ الموصليُّ.
وقد سبق نسبه بتمامه، عند ذكر والده.
تولى نقابة العلويين بالموصل ثلاث نوب في الدولة الأتابكية؛ ثم في الأيام البدرية.
كانت ولادته سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وأخبرني الأمير مبارز الدِّين أبو المفاخر بدران بن فتوح بن سلطان بحلب؛ قال: توفي النقيب أبو طاهر محمد بن حيدر الحسيني بالموصل، يوم الأحد سلخ جمادى الأولى، ودفن يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة على والده بتربة كان والده أنشأها قبلي المدينة في سنة إحدى وأربعين وستمائة - رحمه الله تعالى-.
أنشدني لنفسه، يمدح بدر الدِّين لؤلؤ بن عبد الله - صاحب الموصل-:
[من الطويل]
رعى الله أكناف الحمى وسقاها من المزن ماروى صدي رباها
ولا برحت [أ] يدي الصبا بربوعها تحوك بهي الروض طول مداها
/٢ أ/ مراتع غزلان من الإنس قد حوت محاسن تصبي من تراه يراها
[ ٦ / ١١ ]
مواقف فيها للمحب مواقف بها هجر الأجفان طيب كراها
دعاني بها داعي الصبا فأجبنه إجابة من لم يعتلق بسواها
وقمت مقامًا لم يقمه متمم على بعد من يهوى وطول نواها
وكم لمت قلبي لومًة بعد لومة على ترك أسباب الهوى فأباها
وكيف يرى ترك التي هي شغله ومن هي داء النفس ثم دواها
فحينئذ قال الوشاة وأكثروا مقالتهم حتى استمس قلاها
وما أنًا ممَّن يدخل العذل قلبه ولا أنا من يصغي لقول عداها
وما أنا ممَّن ينقض الهجر عهده ولا أنا من أضحى يملُّ هواها
طبعت على حفظ الوداد وحب من اياديه أعلاني سني علاها
مليك به طالت حياتي واعشبت ربوعي بعد المحل حين سقاها
بسحب من الإكرام والبذل والحيا افاض علينا جودها ونداها
دعاني ولائي فاستجبت مسارعًا إلى خير داع للقلوب دعاها
لك الله من ملك تعالت صفاته وجلت معاليه وزاد سناها
/٢ ب/ لقد عَّز من والاه حقًا وذلَّ من يناوي علاه غبطًة وسفاها
سمت بك بدر الدِّين همة مالك بنى رتب العلياء ثمَّ رقاها
إليك انتهت آمالنا ورجاؤنًا وكفك أولاها الغنى وكفاها
وكفك راعى حوزة الدِّين وانبرى لها عزمك الماضي فعز حماها
فيا من به قد أسفر الصبح وانجلت غيابة دنيانا وزاد ضياها
أهني بك النيروز يا خير مالك به لذت الدنيا ولذَّ جناها
فدم وابق ما دام الضياء واقبل الـ ـمساء وأولتنا السماء حياها
وأنشدني أيضًا يمدحه – ثبت الله دولته -: [من الطويل]
تحيَّة مهجور إلى خير هاجر تهيجه الذكرى إلى غير ذاكر
على أنه لو شق قلبي وجدته به ماثلًا أو في ضميري وخاطري
وكيف أرى السلوان عمَّن أعزَّني بإنعامه الفياض عزَّة قادر
له من ثنائي ما استطبت سماعه ومن مدحي ما حبرته خواطري
ومن دعواتي المستجابة في الدجى وما باطني بالله إلا كظاهري
[ ٦ / ١٢ ]
دعاني هواه فاستجبت مسارعًا لأنِّي أراه من أجلِّ ذخائري
/٣ أ/ لك الله من ملك به سمت العلا وعم نداه كل باد وحاضر
علوت علو النجم مجدًا وسؤددًا بما أنت قد أوليته من مفاخر
ودانت لك الدنيا وأصحب صعبها ونلت الذي تهوى بأسعد طائر
ولولاك بدر الدِّين ما التذوارد بورد ولا ساغت مصادر صادر
فلا زلت محمي الجناب من الردى تبيد العدا بالمرهفات البواتر
وكذَّب ظن الحاسدين بعكس ما أسروه من داء دخيل مخامر
وقام منار الدِّين واستوسق الهدى بصحة ملك ما له من مناظر
لقد عزَّ من والاك عزًا مؤَّبدًا وذلَّ الَّذي ناواك ذلَّ الأصاغر
بنفسي أقيه كلَّ أمرٍ يخافه ومن عزَّ من قومي وجلَّ عشائري
وأنشدني أيضًا فيه يمدحه – أعز الله أنصاره -: [من الخفيف]
من لصبٍّ أضحى أسير الأماني موثقًا في حبائل الهجران
كلَّما رام أن يبوء بعبء الـ ـحب يومًا زلَّت به القدمان
كيف يرجو الوصال من خصمه المحـ ـبوب أم من له بيوم التداني
كان لي في الهوى زمان مضى يذ مم والآن قد حمدت زماني
/٣ ب/ يا خليليَّ أسعداني على الحـ ـبِّ وكفَّا الملام لا تعذلاني
وذراني وما أحب ومن أهو ى وشان الغرام يومًا وشاني
إنَّ لي في الَّذي أروم حديثًا فاق طيبًا على استماع الأغاني
غير أني لا أستلذ بحال أصبح السر فيه كالإعلان
والذ الهوى وأطيب ما فيه جحود يفضي إلى كتمان
يا أساة الغرام دائي الَّذي أسـ ـقم جسمي علاجه أعياني
أين منِّي السلوهيهات يا صا ح ودمعي يلج في الهملان
وفؤادي يكاد من شدَّة الشو ق حصاه يذوب بالخفقان
يا ليالي الحمى فهلاَّ تعوديـ ـن ويومي به أما لك ثاني
[ ٦ / ١٣ ]
لنعيد السرور بدءًا كما كا ن ونرمي الفراق بالحدثان
ويوالي ذكر الصِّبا ومغانيـ ـه فيا حبَّذا بها من مغاني
كلَّما رمت أنثني عن هوى النفـ ـس شاني قسرًا إليه عناني
لا أرى أنَّني أشق عصا اللَّذَّ ة يومًا بالمنع والعصيان
مثل ما أوجب التُّقى طاعة الما لك بدر الدِّين العظيم الشان
ملك أصبحت محاسنه تتـ ـلى وتروى حقًا بكلِّ لسان
/٤ أ/ همه في اقتناء ما يكسب الأجـ ـر وجبر الكسر أو فكِّ عاني
جوده كالسحاب قد طبق الأر ض وعم القاصي وخص الدَّاني
طالما أعجز الملوك من الملـ ـك وأعيى بناؤه كلَّ باني
ملك قد سما علوًا وعزًّا وعلا قدره على كيوان
من تراه يحصي مكارمه الغـ ـرَّ وما فيه من بديع المعاني
فهو خصب الأنام إن أجدب العا م وأمن من حادثات الزمان
مذ علا ما يزال متصل الإمـ ـداد في كلِّ ساعة واقترن
ببقاء الملك الَّذي خصَّه اللـ ـه وإبلاغه جميع الأماني
وقال يهنئه – أدام الله أيامه -: [من الطويل]
أهنِّي بك الشهر الَّذي جاء مقبلًا هنًاء له الأسماع تزهى وتطرب
وأثني على الملك الَّذي أنت ربه ثنائي الَّذي قد يستطاب ويعذب
أيا مالكًا أعيى الأنام ببذله فلم يبق راجٍ في الورى يتعتب
ويا من رضاه بات أمنًا لآمن ومن سخطه ما فيه منجى ومهرب
/٤ ب/ إليك انتهت آمالنا ورجاؤنا فأنت لنا كنز الحياة ومطلب
فلا زلت منصور اللِّواء مؤيَّد الـ ـعلاء ومن سامي معاليك يطلب
وقال يمدحه – أعز الله نصره – من أبيات: [من الخفيف]
إنَّني مذعن بعجزي عن شكـ ـر أياد أوليت من إحسان
كيف أحصي قطر السماء وماذا ك بحاز في قدرة الإنسان
يا مليك الأنام يا أعظم الخل ـق محلًا يعلو على كيوان
أنا راجٍ بأن تعيش مدى الدهـ ـر وتحيا في غبطةٍ وتهاني
[ ٦ / ١٤ ]
ومنها قوله:
إن سلطاننا الَّذي خصَّه اللـ ـه بفضلٍ يقوم بالبرهان
وبآي بصدقها انزل اللّـ ـه قديمًا في محكم القرآن
كفَّ عنِّي ندى يديك فقد خفت ـت لإفراطه من الطغيان
وبأنِّي أقول ما قال من يعـ بد عيسى في السِّرِّ والإعلان
يا ملاذ المخوف يا كعبة الآ مال يا غاية المنى والأماني
سر براياتك الَّتي حفَّها اللّـ .. ـه بنصرٍ يعنو له الثَّقلان
/٥/أوقال يمدحه، ويهنئه بشهر رجب: [من البسيط]
يا مالكًا جلَّ قدرًا واعتلى شرفًا ففات بالمجد سبقًا سائر الأمم
وخصَّه الله بالفضل الَّذي اعترفت به ملوك جميع العرب والعجم
أنت الّذي جادني من فيض راحته سحبٌ بها عدت في أمر من العدم
لك الهناك بشهرٍ جاء يشفعه بشراكم بدوام العزِّ والنِّعم
وقال يمدحه، ويهنئه بعيد الفطر: [من المتقارب]
أيا مالكًا في العلا أوحد ومن جوده للورى مقصد
ألا لعن الله راجي سواك وطرف بصيرته أرمد
ولو جاز في شرع خير الورى بأنِّي سوى الله من يعبد
لكنت أميل بذكري لكم وعند مديحي لكم أسجد
أيا من سحائب نعمائه يروِّي الورى بحره المزبد
أهنِّي بكم فضل عيد الفطور فإنَّ فضائله ترشد
ولازال سلطانكم دائمًا مدى الدَّهر والدَّهر لا ينفد
/٥/ب وأنشدني لنفسه، يصف سيفًا أهدي [إلى] الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، أبي جعفر المنصور –﵀-: [من الخفيف]
أنا إن فلَّت القواضب في الهيـ ـجاء يومًا فإنني لا أفلُّ
بين حدَّيّ من لظى إن تأمَّلـ ـت ونوحٌ في فلكه مستقلُّ
وفخاري بأنَّني عدت في كـ ـفِّ إمامٍ له الثُّريَّا محلُّ
[ ٦ / ١٥ ]
ملكٌ ذلَّت البرايا لديه وبحقٍّ لبأسه من يذلُّ
هو روح الزَّمان مستنصرٌ با لله من عقد ملكه لا يحلُّ
وقال من أبيات: [من الكامل]
ما أنت أول مولع بغرامه كلاَّ ولا علق الهوى بزمامه
فاصبر على مضض التَّلوُّو آملًا ممَّن تحبُّ فإن يفي بذمامه
واقنع بليت وربما ولعلَّما سمح الذي يقوى بقرب لمامه
إيَّاك أن تصغى لقول مفنِّد واش ولا تك سامعًا لملامه
إنِّي عهدت أخا الهوى لا ينثني عمَّا يروم ولو مني بحمامه
كيف الوصول إلى شحيحٍ ما يرى نيل المحبِّ تعلُّلًا بكلامه
/٦ أ/ ومما كتبه إلى الملك الرحيم بدر الدِّين –ضاعف الله اقتداره، وأعلى مساره-: [من المنسرح]
يا مالكًا اصبحت أنأمله تفتح باب الرَّجاء للراجي
وظلُّه ملجأ المخوف ومنـ ـجاةٌ لمن ظنَّ أنَّه ناجي
ما بال حظِّي عادت محاسنه الـ ـبيض كليلٍ سواده داجي
وأنشدني قوله فيه: [من مجزوء الكامل]
إفتح دواتك بالسُّعو د ووقِّع الدُّنيا عطايا
كم في يراعك للنُّفو س من التَّمنِّي والمنايا
ولكم أشاد من البنا ء بما أباد من السَّرايا
وإذا دحا ثمَّ انتحى أبدى لك النّكت الخفايا
وقال فيه: [من الوافر]
صباحًا بالمسَّرة والتَّهاني لملك ماله في الدَّهر ثاني
مليك سحب كفَّيه توالت فروَّت للأباعد والأداني
فلا زالت له الأيَّام طوعًا تدين له على مرِّ الزَّمان
ولا برحت له الأفلاك تجري بإقبال يخلَّد غير فاني
[ ٦ / ١٦ ]
/٦ ب/ وقال فيه أيضًا: [من مجزوء الكامل]
يا من به وبعدله وببذله كمل الزَّمان
ومن الذي لولا إيا لته لما ظهر الأمان
يا مالكًا ملكت أيا ديه المكرَّمة الحسان
رقَّ الأنام بأنعمٍ عن شكرها قصر اللَّسان
وقال فيه أيضًا: [من مجزوء الكامل]
يا من طوالع جوده هزمت جيوش الفقر طردا
يا ذا الذي اضحى ونا ئله إلى العافين نقدًا
يا ذا الفضائل قد سبقـ ـت ملوكها عنقًا وشدَّا
في حلبة المجد الأثيـ ـل وفيهم قربًا وبعدًا
فليهنك الشهر الذي أولاكم ظفرًا وسعدًا
لازال ملكك دائمًا وحسود مجدك ليس يهدا
وقال فيه أيضًا: [من المنسرح]
يا مالكًا أخجلت سحابة جد واه سحاب السَّماء إذا هطلا
فذاك يروي ظمآنه ظمًا وهذه بالمطار حيَّ هلا
/٧ أ/ يا واحدًا في العلاء منفردًا ومن غدا بالفخار مشتملًا
كم نعمة قد أنعمت طائلة عليَّ حتَّى جعلتني خجلًا
وكم لباسٍ ألبستني فعلًا قدري فأصبحت في العلا مثلًا
لازلت في نعمةٍ مخلدةٍ دائمةٍ تورث العدا نهلا
وله جواب كتاب: [من الطويل]
وقفت على مكتوبه فوجدته كنور رياضٍ باكرته سواجمه
له أرجٌ أذكى من المسك نشره لعرض أمين الدِّين صينت معالمه
وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]
[ ٦ / ١٧ ]
لولا معالجة الصدو دلما حلا أبدًا وصال
ممَّن غدت أجفانه من هدبها ريش النِّبال
ومن الَّذي لولاه ما عرف التَّقاطع والملال
يا من به داء الغرا م فإنَّه الدَّاء العضال
وقال أيضًا، ابتداء كتاب إلى بعض الأكابر: [من الطويل]
/٧/ب سلامٌ على من عطَّر الأفق نشره وفاق جميع العاملين علاه
ومن بات محسود الفضائل واللُّهى ومن ظلَّ مذموم الفعال سواه
ومن بتُّ أرجو قربه ودنوَّه ومن بتُّ أخشى بعده ونواه
فللَّه ما تحوي الأضالع من جوى دخيل وشوق لا يصاب دواه!
إلى الصَّدر شمس الدِّين ذي الفضل والنُّهى ومن عمَّ جدواه وفاض نداه
وقال أيضًا: [من البسيط]
لولا لواعج أشواق تجاذبني يومًا غليكم لما أصبحت مكتئبًا
ولا غدوت مريضًا لا شفاء له حتَّى جعلت دموعي للشِّفا سببًا
وقال أيضًا: [من الخفيف]
لسن ممَّن يعدّ ما تذهب الأيَّـ ـام من عمره بلا لقياكم
لا ولا يلتهي عن الحزن والبلـ ـوى ونار الجوى بلا ذكراكم
فبحقِّ الوداد والسَّبب الأ وَّل عودوا عن الجفا حاشاكم
وقال أيضًا: [من الكامل]
ما كنت في عيشٍ أسرُّ به إلا عليَّ أصبح السَّببا
من بات بالعلياء مُتَّصفًا وغدا إلى الإحسان مُنتسبا
/٨ أ/ وقال أيضًا: [من البسيط]
يا أوحد الدِّين إِّني جدُّ منتظرٍ لما وعدت وراج منك إنجازًا
ففز بما أنت توليه فخير فتَّى يولي الجميل فأضحى بالعلا فازا
[ ٦ / ١٨ ]
[٧٤٢]
محمَّد بن الحسن بن عبد القاهر بن الحسن بن القاسم بن
المظفر بن عليٍّ، أبو السعادات بن أبي عليٍّ القاضي الشَّهرزوري الموصلُّي.
كان والده يتقلد القضاء بالموصل، وكاذلك كان عمّه وجدّه وأسلافه؛ وهم أهل بيت عريق في القضاء، أشهر من أن ينبَّه عليه، والقضاء يتردّد فيهم على قديم الزمان وحديثه.
وأبو السعادات أخبرني؛ أنَّه ولد في ليلة النصف من شعبان سنة تسع وثمانين وخمسمائة.
حفظ القرآن، وسمع جملة من الحديث، وقرأ فقه الإمام الشافعيّ –﵁- على الشيخ العلامة أبي المعالي موسى بن يونس بن منعة بن مالك الفقيه المدرس. وأخذ عنه علم الأصول والخلاف، وغير ذلك من العلوم الشرعية.
ثم تصدَّر للتدريس، فدرس بالمدرسة الكماليّة /٨ ب/ بالموصل. وهو فقيه مدرّس، عالم مناظر، قيّم بعلم الأدب والنحو، شاعر مجيد، له اعتناء بكلام الصوفية من الحكماء، ومعرفة بوصف الخيل ونعوتها، واختلاف أجناسها.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الرحيم بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، نصير أمير المؤمنين –خلّد الله دولته-: [من الطويل]
هو القدُّ يسبي المستهام رشيقه ويصبيه منه عطفة ويروقه
ويهوى اعتناق السَّمهريَّ لأجله ويطربه بان الحمى ويشوقه
ويقلق وجدًا كلَّما عنَّ عارضٌ تذكِّره ثغر الحبيب بروقه
وتغريه إن هبت من الغور نفحةٌ كأن بها حادي الغرام يسوقه
ولم ير زهر الرَّوض إلا وهاجه وأبدى جواه ورده وشقيقه
[ ٦ / ١٩ ]
كذا كلُّ عذريِّ الصَّبابة شأنه وجزب الهوى من قلبه وفريقه
وربَّ خليِّ القلب أضحى معنِّفي ويزعم أنِّي خلُّه وشقيقه
يجرِّ عني كأس السُّلوِّ وإنَّه ليعلم أنِّي لست ممَّن يذوقه
ولو كان لي في سلوة الحبِّ مذهبٌ سلوت ولكن سدَّ عنِّي طرقه
أبى الله إلاّ أن أبيت متيمًا أخا زفرة يتلو الزَّفير شهيقه
/٩ أ/ أقضِّي الدُّجى في سوء حظِّي تفكُّرًا وقلبي قد استولى عليه خفوقه
يهدِّدني بالهجر من لا أصدُّه ويظلمني في الحلم من لا أطيقه
وكيف احيالي والزَّمان معاندي وقد كسدت فيه لذي الفضل سوقه
إذا رمت أمرًا كان عكسي مرامه وإن سمته برِّي بدالي عقوقه
ولم يبق لي كهفٌ الوذ بظلِّه جديرٌ بحمد للثَّناء خليقه
سوى ملك مازلت أدعى بعبده على أنَّني من جور دهري عتيقه
وإن كنت بالإحسان منه مقيَّدًا فإنِّي من صرف الخطوب طليقة
مليك إذا ما سابق العيس باسمه حداها دنا من كلِّ نأيٍّ سحيقه
لأنَّ لها علمًا بذلك إنَّما تصادفن من بحر السَّماء عميقه
وفي جودة فضل على البحر إنه إذا فاض لم يخش الهلاك غريقه
متى حئته مسترفدا لنواله حبا كبه من غير مطل يعوقه
ومازال تفريق الصِّلات صبوحه وتأليف شمل المكرمات غبوقه
فمن لآمه في البذل فهو عدوُّه ومن لم يلمه فيه فهو صديقه
وهذا من الأوصاف أعدل شاهد يدلُّ على أنَّ السَّماح عشيقه
/٩ ب/ عنا خيفةً من بأسه كلُّ ماردٍ وذل له صعب الحران نزوقه
وعاد لها ما بعد ما كان مرهفًا لدى عزمه ماضي الغرار ذليقه
أخو فتكات في العدا ليس تتَّقى بردٍّ ومقدور القضاء رفيقه
وقورٌ إذا طاشت حلوم ذوي النُّهى رعاه رصينٌ من حجاه وثيقه
يرنِّحه مرُّ الثَّناء بسمعه كما رنَّحت حاسي السُّلاف رحيقه
ويعجبه في الرَّوع أن حسامه يكون دماء المارقين خلوقه
ويلتذُّ إن عدَّت فضائل مجده وإن كان لا تحصى بعد حقوقه
[ ٦ / ٢٠ ]
ودعوه ببدر الدِّين لمَّا تمكَّنت يد الإفك بسطًا وادلهم غسوقه
وطال عماد الشِّرك واشتدَّ أزره وعزَّ حماه واشرأب بسوقه
وزحزح عن دين الهدى كل غمَّة بهمَّته العليا وفرَّج ضيقه
وعاد دجى الإيمان أبلج واضحًا كذي البدر لا يبقى الظَّلام شروقه
أمولاي سمعًّا من عبيد لسانه بشرك لا ينفك رهنًا صدوقه
أعيذك أن ترضى لغرس غرسته بنعماك أن يظما وتذوى عروقه
وحاشاك من إهماله وهو مخلصٌ يديم انتسابًا في الولاء عريقه
/١٠/ يبثُّ فنونًا من صفاتك شعره ويسأل حرًّا من نداك رقيقه
وقد وفدت مولاي بنت قريحتي بمدحٍ كنشر المسك فاح سحيقه
يهنِّيك بالنَّيروز يا خير مالك هناءً حكى وشي الرِّياض أنيقه
سلمت مطاع الأمر ما هبَّت الصَّبا وما ماس مخضر الأراك وريقه
وأنشدني أيضًا لنفسه يمدحه – أدام الله أيامه، وبلغه مرامه-: [من البسيط]
أشاقك البرق نجديًّا تألُّقه وراقك الحزن لمَّا لاح أبرقه
وراع لبَّك ظبي الحيِّ ملتفتًا يخاف من أعين الواشين ترمقه
أوفى على شرف يختال في صلفٍ كالبدر في سدف لم يخف شرقه
وهز من قدِّه لدنًا ومقلته غصبًا ومن طرفه سهمًا يفوِّقه
وكان من سوء حظِّ المستهام به لمَّا تعرَّض فرط الوجد يقلقه
وقوس حاجبه بالوتر موترةٌ فما تزال بنبل اللَّحظ ترشقه
حتَّى إذا استحكمت أسباب محنته وشفه بيد البلوى تعلُّقه
وغرَّ ناظره بالسِّحر ناظرهٌ وصار منكره علمًا يحقِّقه
ألقاه مضنى على فرش السِّقام فما أبقى النُّحول له حقًّا يؤرِّقه
/١٠ ب/ يا سعد اصغ لقول من أخي ثة يوليك نصحًا فخير القول أصدقه
إيَّاك ريم الحمى إن جزت واديه فكم به من أسير ليس يطلقه
ومدنف ما دنا منه مخاطبه إلاَّ وكاد من الأنفاس يحرقه
واحفظ فؤادك واحذر فهو ذو حيلٍ خفيَّة المكر يدري كيف يسرقه
وصف لديه غرامي واشك ما لقيت نفسي إليه عسى الشَّكى ترقِّقه
[ ٦ / ٢١ ]
واذكر له يوم بان السَّفح كم سفحت عيني من الدَّمع في خدِّي ترقرقه
وقد حدا بالنَّوى الحادي على مضض منِّي وزمَّت لوشك البين أينقه
وقل إذا لان في استعطافه وبدًا عند المقال له سمعٌ يصدِّقه
متى توفِّي ديون الوصل طالبها من بعد ما شاب بالهجران مفرقه
وقد تقضَّت حياتي بالمنى سفهًا وضاع عمري الَّذي قد كنت أنفقه
وما تدرَّعت ثوب الصَّبر في زمني إلا وكفُّ عواديه تمزُّقه
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من البسيط]
لا تقلقن إذا نالتك نائبةٌ واصبر لمكروه ما أبدى لك القدر
فللَّيالي صروفٌ في تقلبها عجائبٌ ليس يأتي مثلها بشر
وما صفت هذه الدُّنيا لصاحبها إلاّ واعقب منها صفوها الكدر
فلا تكن جزعًا مما أصبت به فربَّ عسر أتى من بعده يسر
/١١ أ/ وربَّما أخفق السَّاعي بقدرته فيما يروم ووافى العاجز الظَّفر
أنشدني القاضي أبو السعادات محمد بن الحسن الشهرزوري لنفسه، يمدح بدر الدِّين لؤلؤ صاحب الموصل: [من البسيط]
هو المحبُّ حليف الهمِّ والفكر وما دهى قلبه شيءٌ سوى النَّظر
كم كان يحذر حتَّى حلَّ في شرك الـ ـبلوى ولم تغن عنه شدَّة الحذر
وصار ذا ذلَّة من بعد عزَّته دهرًا وبدِّل صفو العيش بالكدر
بالله يا هاجر المشتاق صل دنفًا قد باع طيب كرى الأجفان بالسَّهر
واستبق مقلته كيما يراك بها فلذة العين فيها غاية الوطر
وكل يوم جلت رؤياك ناظره فيه فذلك محسوبٌ من العمر
ولا تطع قول اش ظل يحسده عليك في حبِّه يا ضرَّة القمر
سلمت مما أقاسي من جوى وأسى تبيت بينهما روحي على خطر
إلى متى أنا ظمآنٌ إليك وما أروى بقربك في وردي وفي صدري
ألم يحط لك علمٌ أن لي وزرًا به أمنت صروف الدَّهر والغير
حلف النَّدى الملك بدر الدِّين من وسمت أيَّامه في جبين الدَّهر كالغرر
/١١ ب/ قالوا: هو البحر إن عدَّ الكرام وهم نهرٌ وكيف يقاس البحر بالنَّهر
[ ٦ / ٢٢ ]
عجبت منهم ومن تشبيه نائله بالبحر والفرق باد غير مستتر
ذا راكب الأمل الرَّاجي نداه على أمن وذاك عظيم الخوف والعرر
ثمَّ الغريب لديهم ذكر حاتمهم .. منهم بجود على العافين مشتهر
هلاَّ رأوا جوداك الهامي وقد بدرت كفَّاك مولاي بدر الدِّين بالبدر
وشبَّهوك بليثٍ عند سطوته وذاك منهم دليل العيِّ والحصر
لأنَّ أيسر عبدٍ من عبيدك لو رآه ليث الشرى ولَّى من الخور
وقاس رأيك أقوامٌ بقيسهم هيهات ليس رماح الخطِّ كالإبر
متى ادلهم ظلام الخطب في سبب وحلَّه منك رأىٌ وهو لم ينر
واستعظموا أحنفًا في الحلم واعتقدوا أن ليس مثلٌ له يأتي من البشر
وأنت احلم منه والَّذي نزلت في حقِّه معجز الآيات والسُّور
مولاي يا ملكًا عمَّت مواهبه طوائف النَّاس من بدو ومن حضر
منحتني بجواد لو أسابقه بالريح لم تتعلَّق منه بالأثر
رحب اللَّبان أسيلُ الخدِّ منهرت الـ ـشِّدقين حلو المحيَّا غير منبهر
ضافي السَّبيب كمين اللَّون محكمةٌ أرساغه في وظيف محكمٍ عجز
/١٢ أ/ من فوق خضر كأمثال الزَّبرجد في ألوانها وهي في الأجسام كالحجر
فحدتنا كزهر الرُّوض فوَّقه كفَّ الحيا فبدا كالأنجم الزُّهر
من كلِّ معنىً لطيف رائق حسن في نثر منتظمٍ أو نظم منتثر
عروس فكر إلى علياك أحملها من فوقه من بديع القول بالدُّرر
لازال عزُّك محروسًا بأربعةٍ بالسَّعد والنصر والإقبال والظَّفر
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الرجز]
تاه على العاشق باحتشامه واعتقد الصُّدود من إنعامه
وكلَّما طالعه بقصَّة يذكر ما يلقاه من غرامه
وقَّع أعلاها له علامةً دلَّت من الهجر على دوامه
[ ٦ / ٢٣ ]
يا قاتل الله الهوى كم دنف به معنى القلب مستهامه
عوَّضه عن عزِّه بذلَّة وبالهوان المحض عن إكرامه
من مبلغي إلى الحمى تحيةًّ عنِّي وأشواقي إلى خيامه
معرضٌ بذكر ظبي جفنه أعارني النحول من سقامه
إن جرَّد السَّيف فمن مقلته أو سدَّد الرُّمح فمن قوامه
لم أنسه وافى بغير موعد ليلًا وواشي القوم من نوَّامه
/١٢ ب/ فبتُّ طول ليلتي مرتشفًا لريقه أشرب من مدامه
فقام والنُّعاس في أجفانه أذياله تعلق في أقدامه
لو فهم العاذل ما فهمته من حسنه أقصر عن ملامه
لاسيَّما إذا بدا مبتسمًا فإنَّ هتك السِّتر في ابتسامه
وأنشدني لنفسه، يصف مجمرة الطيب: [من الطويل]
ومودعة كتمان سرٍّ وشت به وأدته ما بين النَّدامى مفصَّلًا
توهَّمتها عند الحفاظ جميلةً فألفيتها عند الإذاعة أجملا
تنمُّ بما فيها إذا كان ساكنًا فؤادًا لها نارٌ وتكتم إن خلا
تزيل بريَّاها الهموم كأنَّها سلوُّ محبٍّ لم يكن في الهوى سلا
وأنشدني لنفسه، وذكر أنه صنع ذلك بديهةً: [من الكامل]
كلَّمته فتكلَّلت وجناته عرقًا ولم ينطق لفرط حيائه
فظننت أن الورد ذاك وفوقه بعد الغمام بقيةٌ من مائه
وقال أيضًا، يمدح الملك الرحيم بدر الدِّين /١٣ أ/ أبا الفضائل صاحب الموصل –خلد الله سلطانه- ويهنئه فيها بشهر رجب وبالنيروز لاتفاقهما في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، موازنًا لقصيدة أبي عبادة البحتري –﵀-: [من الوافر]
(أكنت معنِّفي يوم الرَّحيل وقد لجَّت دموعي في الهمول)
رويدك ربَّه الطَّرف الكحيل فكم غادرت من دنفٍ نحيل
[ ٦ / ٢٤ ]
وحسبك ما ألاقي من غرامٍ ووجدٍ لازمٍ وجوىً دخيل
ويكفي أنَّني لولا أنيني خفيت عن العواذل من نحولي
هبي عيني الرُّقاد ولا تشحِّي .. بطيف منك يشفي من غليلي
فإن لم تفعلي فعدي جميلًا ولا تستكثري نيل القليل
وممَّا صحَّ قولًا وهو حقٌّ: جمال الوجه أليق بالجميل
فمنِّي وانظري حالي تريها كحال ابن الملوح أو جميل
وأيسرها إذا فتَّشت عنها وإن عظمت مداراة الملول
بحقِّك يا نسيم الرِّيح عرِّج على تلك المعالم والطُّلول
وسلِّم إن مررت بآل سلمى وحييِّ عقائل الحيِّ النُّزول
/١٣ ب/ وبلِّغ ظبية الوعساء شوقي إذا سنحت ظباء بني عقيل
وما كلفتك الإبلاغ إلا لأنِّي خفت من عذر الرَّسول
وسلها عن فؤاد ضلَّ منِّي غداة البين في أثر الحمول
فما لي منه علمٌ منذ ولَّى سوى عهدي به يوم الرَّحيل
وعرِّفها حنيني وارتياحي إليها في الغدو وفي الأصيل
وأنِّي لست أسلو عن هواها ولا أصغي إلى لوم العذول
وكيف ولم يزل عمري ولوعي بذات الخال والخدِّ الأسيل
وتعجبني الشِّفاه اللُّعس ذهنًا كأنَّ بها جني الزَّنجبيل
ويعذب لي نقيُّ الثَّغر يحكي بريقته حباب السَّلسبيل
واهوى القدَّ ميَّاس التَّثنِّي رشيق الملتوى حسن المميل
ومن أغراه حبًا بعض هذا فليس إلى التَّسلِّي من سبيل
وليس بمنكر إن قيل عنِّي صبا عشقًا ولا بالمستحيل
فكم لعب الهوى قبلي قديمًا بألباب الرِّجال ذوي العقول
ولم أر مخلصًا لي منه إلاَّ إذا ما عذت بالملك الجليل
/١٤ أ/ حليف الجود بدر الدِّين ملكٌ تعالى عن شبيه أو عديل
[ ٦ / ٢٥ ]
وعزَّ عن المفاخر والمناوي وجلَّ عن المباري والرَّسيل
وقصَّر عنه طوق الشُّكر لمَّا سميت أوصافه عن كلِّ قيل
كريمٌ كلُّ من يدعى كريمًا فنسبته إليه كالبخيل
إذا جادت يداه لنا غنينا بجودهما عن الغيث الهطول
وإن سحَّت وشحَّ فما نبالي بجذب العالم فينا والمحول
رزينٌ لو يوازنه ثبيرٌ غدا وهو الخفيف عن الثقيل
حليم عن عظيم الذنب يعفو ويصفح وهو ذو حدٍّ وبيل
وحزمٍ حارت الحكماء فيه وعزم دونه حدُّ الصَّقيل
ورأىٍ لم يفارقه صوابٌ وقلبٍ لم يقلَّب بالذُّحول
شجاعٌ ما تقاعد عن لقاء ومقدامٌ على الأمر المهور
وطلقٌ والزمان به قطوبٌ وماضٍ ليس يتعب بالكلول
ومبتسمٌ وغرب السَّيف يبكي نجيعًا من مقارفة الفلول
ولم تسمع به الأبطال إلا ونادت بالثُّبور وبالعويل
/١٤ ب/ وودَّع بعضهم بعضًا وقالوا نجاةٌ ما إليها من وصول
يقينًا منهم أن ليس يبقى عليهم غير نائحة ثكول
وأن سطاه مثل السَّيل سارت صواعقه الرَّواسي بالسُّهول
وأضحى كلُّ جبَّارٍ عزيزٍ لها في الحلم كالعبد الذَّليل
تأمَّل منه فردًا تلق جيشًا وإنسانًا تعاين ليث غيل
وإن جاورته جاوت بحرًا تقلُّ به مجاورة السُّيول
إذا ركبت به سفن الأماني تجارت فيه أمنًا بالقبول
تحبُّ عقابه العقبان علمًا بأن لم تخل حينًّا من قتيل
فتعشى الجوَّ أسرابًا تحاكي رعيلًا يقتفي أثر الرَّعيل
وتتبعه سباع الوحش تبغي قراها عنده كالمستنيل
فما ينفك من كرمٍ وبأسٍ على حالي مقامٍ أو رحيل
[ ٦ / ٢٦ ]
وإن دعيت نزال سعى ولبَّى وبادر مسرعًا سعي العجول
ويطرب إن جرى للبيض وقعٌ على البيض استماعًا للصليل
وتصيبه الوغى شعفًا إذا ما تجاوبت المذاكي بالصَّهيل
ومادت في سماء النَّقع شهبٌ تلوح من الأسنَّة والنُّصول
/١٥ أ/ وليس تحرِّك الأيَّام منه سوى يومي نزال أو نزيل
وركب نحوه حثُّوا ركابًا تراوح بالرَّسيم وبالذَّميل
إذا غنَّوا به مالوا اشتياقًا كأنَّهم سقوا صرف الشَّمول
أتوه والرَّجاء لهم شفيعٌ فابوا منه بالنَّيل الجزيل
تحدِّث عنه نعمته عليهم وذاك على النَّدى أقوى دليل
له نسبٌ إلى الحسنى عريقٌ إذا ما عدَّ ذو النَّسب الأصيل
ونفسٌ عزُّها منها إذا ما انتـ ـمى عزٌّ إلى شرف القبيل
وليس الفخر بالآباء فخرًا فتتكل الفروع على الأصول
ولكن من حوى غرر المعالي وكملها تمامًا بالخمول
وبالغ في شتات المال جمعًا لشمل الحمد والمجد الأثيل
كما حاز المكارم بدر تمٍّ تنزه عن محاق أو أفول
مليكٌ لا يضاهيه مليكٌ عديم المثل مفقود العديل
ألا يا أيُّها السُّلطان حقًّا ومن مازال للإحسان يولى
هذا الشَّهر واسعد بنوروز بما تبغي كفيل
وسمعًا محبٍّ رماه الدَّهر منه بالخمول
/١٥ ب/ وأخَّر حقَّه عنه وأخفى فضائله وقدَّم ذا الفضول
وحاشا عصر مثلك أن يساوى غزير العلم فيه بالجهول
أقلي عثرتي مولاي يا من سواه لم أجد لي من مقيل
فربعك لم يزل حجِّي إليه ولم يبرح حماك به مقيلي
وعمر شبيبتي فيكم تقضى وقد أصبحت أحسب بالكهول
[ ٦ / ٢٧ ]
وما لي غير بابك من ملاذٍ وسابغ ظلِّ أنعمك الظَّليل
فهبني نظرةً اقتراحي وخوِّلني رضاك فذاك سولي
وعش كهفًا لملهوف وأبشر فداك النَّاس بالعمر الطَّويل
ودم متملكًا ما لاح برقٌ وما ناح الحمام على الهديل
[٧٤٣]
محمَّد بن نصر لله بن محمَّد بن القاسم بن نصر الله بن محمَّد بن
أبي القاسم بن عبد الله الأنصاريُّ المعروف بابن النابلسيِّ،
أبو بكر بن أبي الفتح الدمشقيُّ
كان مولده بدمشق سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
وهو شاعر ذو قدرة على نظم الشعر، كثير القول، /١٦ أ/ صاحب بديهة وارتجال. قصد ملوك الشام بشعره، من بني أيوب وغيرهم من الوزراء والأماثل، وربما أنشأ القصيدة من غير فكرة، ولم يضع لها سوداء، ولا يراجع نظره فيها، لتنقيح ألفاظها ومعانيها، وذلك لقوة قريحته.
شاهدته بمدينة الموصل وإربل عدّة مرات؛ فأنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، سند الملّة، ملك أمر الشرق والغرب أتابك طغر لتكين بلكا أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين – ضاعف الله قدرته، وأدام تمكينه ونصرته-: [من الطويل]
مكارم بدر الدِّين يشرقن في العلا كما أشرقت في اللَّيل زهر الكواكب
وقد حاز من دون الملوك مناقبًا أنافت على عد النُّجوم الثَّواقب
وإنَّ ابن عبد الله أشرف مالك من الصيد مشهور العلا والمناقب
فراجيه من دون البرية ظافرٌ بما يرتجيه من جزيل المواهب
يرى أقبح الأشياء أوبة آمل كسته يد المأمول حلَّة خائب
يؤمِّل نعماه العفاة ويرتجي إليه البرايا من جميع المذاهب
/١٦ ب/ غدا كعبةً للقاصدين فلا ونت تخبُّ إليها تامكات الغوارب
تراه إذا ما جئته طالب النَّدى جميل المحيَّا باسمًا غير قاطب
[ ٦ / ٢٨ ]
فملَّكه الله البلاد بأسرها مشارقها موصولةٌ بالمغارب
فما غيره في الصِّيد من يستحقُّها وليس سواه يرتجي في النوائب
فلا زال منصور اللِّواء مؤيّدًا وشاني علاه عرضةٌ للمصائب
وأنشدني أيضًا لنفسه فيه –خلد الله ملكه-: [من الكامل]
مازلت امتدح الأنام فأنثني عنهم بصفقة خاسر مغبون
حتى امتدحت أبا الفضائل ذا الندى فظفرت منه بلؤلؤ مكنون
أغنى افتقاري جوده لمَّا غدا بنداه لي في الدهر خير معين
فلأثنين عليه خيرًا في الورى ما عشت مدة اشهري وسنيني
ولأمنحن علاه شكرًا دائمًا إني بذاك عليه غير ضنين
ولا سألنَّ الله أن سيمدُّه طول المدى بالعزِّ والتَّمكين
والله أكرم أن يردَّ دعاء من يدعو بصالحةٍ لبدر الدِّين
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا – أعز الله نصره-: [من الكامل]
/١٧ أ/ الصِّيد من شبه وبدر الدِّين في حال التَّناسب عسجد ونضار
وإذا الَّلآلئ واليرامع قِّومت لابدَّ أن تتباين الأسعار
وأنشدني فيه أيضًا لنفسه – أوضح الله برهانه-: [من الكامل]
بأبي الفضائل عذت في زمني فها أنا قد آمنت لديه كلَّ مخوف
فكأن بدر الدِّين أهلٌ في العلا لإغاثة المكروب والملهوف
يا أفخر الدُّر الثَّمين ومن به أضحى افتخار قلائد وشنوف
هل يفخر الإكليل وهو مجوهرٌ يومًا بمثل اللُّؤلؤ المرصوف
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا – أدام الله سلطانه- من جملة أبيات: [من الطويل]
مدائح بدر الدِّين فرضٌ على الورى فمن لم يفه بالمدح فيه فملحد
فهذا نبيُّ المكرمات وقبله أتانا نبيُّ البيِّنات محمَّد
"ﷺ".
[ ٦ / ٢٩ ]
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا، وعمل ذلك بديهًا، يوم الميلاد: [من الكامل]
/١٧ ب/ لأبي الفضائل لا عدته سعادةٌ في كلِّ يوم فرحةٌ وسرور
ملكٌ على أيام دولة ملكه لا دكن ساطعة عليها نور
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا- ثبّت الله دولته-: [من البسيط]
أبو الفضائل بدر الدِّين أشرف من سعى على الأرض من حافٍ ومنتعل
يممته آملًا منه عوارفه فنلت منه ندىً أربى على أملي
فمن لشكري فيه أن يقوم بما أولى وإن كنت بالشُّكر الجميل ملي
فيا له من مليك ساد سائر أمـ ـلاك البريَّة في قول وفي عمل
فالله يحرسه من كلِّ حادثةٍ ما غردت في الضُّحى ورقاء في الأصل
وأنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير شرف الدِّين أبا البركات المبارك بن أحمد المستوفي –رحمه الله تعالى-: [من البسيط]
أنكرت ما بي ولكن دمعي اعترفا إذ خان صبري وطرفي بالدُّموع وفى
فرحت إذا ظهرت سرِّي الدُّموع أخا تهتُّك في الهوى مستهترًا كلفا
إني لاستعذب التَّعذيب من قمرٍ لم يعره النَّقص في حسن ولا انكسفا
/١٨ أ/ ريمٌ رنا فرمى عن قوس حاجبه سهمًا فصادف أحشائي لها هدفا
فيا له يوسفي الحسن حاز من الـ ـجمال أنواعه واستكمل الطرُّفا
لدن المعاطف مثل الغصن قامته لكن على عاشقيه قلَّما انعطفا
عذب الرُّضاب شهيُّ الرِّيق يحسبه الصَّهباء والشَّهد طعما من له رشفا
قويم قدٍّ إذا ما ماس من هيفٍ يعلَّم اللُّدن الخطِّيَّة الهيفا
أنكرته ما ألاقي من محبته فقال: أنكرت من بالحال قد عرفا
ستقرع السنَّ إذا انكرت حبَّك لي على الَّذي أنت راج في الهوى أسفا
وسوف تصبح إذا رمت الشَّفاء من الـ ـغرام بي بعد ذا الإنكار حلف شفا
فقلت أترك حبًا أنت تملكني به وأمدح خير العالم الشَّرفا
[ ٦ / ٣٠ ]
أعني أبا البركات الأريحيَّ ومن بجوده الغمر كلٌّ راح مغترفا
خير الورى الماجد المأمول والنَّدس الَّـ ذي حوى العزَّ في الأيَّام و
ممجَّدًا من أناس في العلا لزموا لغامر الجود في بذل النَّدى السَّرفا
إذا نزلت بهم يومًا لحادثة عرتك ألفيت منهم سادةً رؤفا
قومٌ مناقبهم مثل النُّجوم وقد حباهم الله منه الفخر والأنفا
إذا جرى ذكرهم في محفل فغم الـ ـعبير أدخلت فيه روضةً أنفا
/١٨ ب/ تبارك الله ما أجراهم سبقًا إلى المعالي إذا ما غيرهم وقفا
هم أنجمٌ وابن موهوب سهيلهم الَّـ ـذي لناظر شانيهم قد اختطفا
كريم قومٍ إذا عدَّ الكرام غدا أممهم إثره كلٌّ تلا وقفا
فيه يجمع ما في النَّاس مفترقٌ فأيُّ وصفٍ جميلٍ ما به وصفا
وأنشدني قوله يهجو أمراء إربل: [من الكامل]
أمراء إربل كلُّهم نسقٌ ما فيه من عنده كرم
قصرت به عمَّا يطول إلى كسب الثَّناء بمثله الهمم
وتكاد لو قطعت أناملهم من شحِّها أن لا يشحَّ دم
وأنشدني لنفسه في الأمير عز الدين محمد بن بدر الحميدي الكردي:
[من البسيط]
من مبلغٌ لابن بدر غير مكترث عنِّي مقالة مشهور من الدُّول
أنفقت من عمري في غير فائدةٍ يومًا ببابكم واخيبة الأمل
وأنشدني قوله: [من البسيط]
إنَّ ابن آدم إن أضحى وليس له قوتٌ وأمسى ضعيف البطش والجلد
للموت خيرٌ له إذ عيشه نكدٌ من الحياة ولو دامت مع الأبد
/١٩ أ/ وأنشدني من شعره لنفسه: [من الخفيف]
يا مليكًا له نواله ينشر العا مي وقد كان قبل عظمًا رفاتًا
[ ٦ / ٣١ ]
شرف الدِّين بحر نعماك أضحى لجميع الورَّاد عذبًا فراتًا
أنا ميتٌ وأنت عيسى ومن معـ ـجز عيسى أن يحيي الأمواتا
وأنشدني لنفسه ملغزًا، في فص النرد: [من البسيط]
وأسمر الجسم غرَّار يهام به مسدَّس الشَّكل فيه النَّفع والضَّرر
أفعاله قدريَّاتٌ فصاحبه لم ينجه منه في تصريفه القدر
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من البسيط]
وقائل قم إلى رزق تحصِّله فقلت دعني فإنَّ الرِّزق مقسوم
ما كان لي سوف يأتيني فما لي والـ ـحرض الَّذي هو عند النَّاس مذموم
[٧٤٤]
محمَّد بن يحيى بن الفضل بن يحيى بن عبد الله بن القاسم بن
المظفر بن عليٍّ، أبو حامد بن أبي طاهرٍ الشهرزوريُّ الموصليُّ.
أخبرني أنه؛ ولد ثامن عشر شهر رمضان /١٩ ب/ سنة تسعين وخمسمائة. من أبناء القضاة المشهورين. وكان والده قاضي الجزيرة العمرية.
وهم أهل بيت أشهر من أن ينبه على محله في الجلالة والمكانة في العلم والجاه، وانتشر ذكرهم في الأقطار.
وأبو حامد تفقّه على مذهب الإمام الشافعي –﵁- بالموصل وبغداد، ونظم شعرًا كثيرًا، فأجاد وأحسن. مدح الرؤساء والأمراء والملوك، وهو شاب جميل له رواء ومنظر، يتزيا بزيّ الجند؛ فيه لطافة، لقيته بمدينة السلام، متوجهًا [إلى] بيت الله الحرام- حرسه الله تعالى- سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني لنفسه، ما كتبه إلى المولى الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، نصير أمير المؤمنين –أدام الله سلطانه-: [من الوافر].
[ ٦ / ٣٢ ]
ألا يا مالكًا عمر البرايا بسيب نواله الجمِّ الغفير
أتيتك مستجيرًا بعد ضرٍّ فهل لك في إجارة مستجير
عددتك للنوائب خير ذخرٍ وها أنا في يديها كالأسير
فلا تشمت بي الأعداء إنِّي على أعداك كاللَّيث الهصور
/٢٠ أ/ وسوف أصدِّق الدَّعوى بيومٍ عبوس في الكريهة قمطرير
وليس يطول للإنسان ذيلٌ إذا ما خاف من أجلٍ قصير
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]
وليلة أقبلت كالبذر نشوى يميِّل عطفها مرُّ الرِّياح
تعاطيني كؤوس الثَّغر لمَّا حماها الثَّغر بالبيض الصِّفاح
فأرشف من مراشفها الحُميَّا والثم من ملثَّمها الأقاحي
وجيش اللَّيل مهزومٌ وأيدي كواكبه تطرِّق للصباح
يقوم الدِّيك كالنشوان فيها ليوقظنا بتصفيق الجناح
ينادي للصباح إذا غفلنا عن الأقداح: حيَّ على الفلاح
فنبتكر السُّلاف بكفِّ بكرٍ مهفهفةٍ معاطفها رداح
على وردٍ من الوجنات غضٍّ وريحان به تعي وراحي
ونشر من كمال الدِّين هبَّت به كالمسك أنفاس الرِّياح
أبي الكرم الَّذي لولا نداه لما ظفر العفاة بمستباح
محمَّد الرَّسول إلى البرايا بآيات المكارم والسَّماح
[٧٤٥]
محمَّد بن عبد اللطيف /٢٠ ب/ بن أبي الفتح بن أبي نصرٍ،
أبو عبد الله التبريزيُّ
ويكتب في نسبته النثري؛ لتعاطيه نوع المنثور، دون المنظوم.
أخبرني، أنه ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة، بتبريز. وشدا طرفًا من العلم في
[ ٦ / ٣٣ ]
صباه، واعتنى بصناعة النثر، وتعاطي الكلام المسجوع والقرائن، وكان يتبع الكلمة بما وازنها ويلحقها بأختها، تشبهًا بطريقة وطواط الكاتب، فيما ينشئه، غير أنَّه يبين فيه تكلّف وركاكة، للزومه الأسلوب الذي يتوخّاه.
وله شعر بارد، وكان ذا هوسٍ شديد في الطِّلَّسمات والنجوم، ونزل الموصل، وسكنها مدة طويلة، وانضاف إلى خدمة المولى المالك، الملك الرحيم بدر الدين أبي الفضائل –ضاعف الله جلاله- وصار أحد ندمائه، وأجرى عليه رزقًا.
ثم سافر إلى بلاد الشام، وعاود الموصل، فمكث بها أشهرًا، وتوفي في ربيع الأول سنة ثماني وعشرين وستمائة.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك، الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، نصير أمير المؤمنين- أعز الله أنصاره-: [من الطويل]
نسيم الصَّبا عج بالخيام رسولا تجد عندها برد الحياة رسولا
/٢١ أ/ وحيِّ مليك الأرض تحظ بقربه تنل غررًا من جوده وحجولا
تأنَّ إذا بادرت نحو جنابه وعرِّج برفق لا يراك عجولا
فإنَّك إن لم تعتضد بجلاله أفادك شوب الحادثات ذبولا
وجانب ملك الأرض عند لقائه فأخلاقه للمكرمات هيولى
تر العدل والإحسان والعزَّ والعلا جائبه في سيره وخيولا
مليكٌ إذا ما جئت تطلب رفده أفاض من النُّعمى عليك سيولا
من النَّفر البيض الَّذين برأيهم يجرُّون فوق الكائنات ذويلا
هو البدر والعلياء تحوي منازلًا وجثته فيها تحلُّ حلولا
أرى الدهر لمَّا أن ارانا بعاده أحلَّ بنا ريب الزَّمان غلولا
فصرنا فروعًا لا بقاء لذاتنا لقضبان بان قد فقدن أصولا
الا بح بأشواقي وكرِّر مدائحي وبلِّغ دعائي دائمًا ونصولا
فلو سامح الدَّهر الخؤون بنظرة وصلت إلى ذاك الجناب وصولا
وهنَّيت مولى العالمين مبشَّرًا بفتحٍ جديدٍ أو لكنت أصولا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من السريع]
[ ٦ / ٣٤ ]
مالك لا تبكي بدمعٍ هتون قد كسر الموت متون المنون
/٢١ ب/ إذ قال جبريلٌ وهم صامتون إنَّك ميتٌ وهم ميِّتون
[٧٤٦]
محمدبن يوسف بن مسعود بن بركة بن سالم بن عبد الله بن
جساس بن قيس بن مسعود بن محمد بن خالد بن محمد بن
خالد بن يزيد بن خريد بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن
قيس بن شراحيل بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان، أبو عبد
الله بن أبي المحاسن الشيبانيُّ التَّلعفريُّ الموصليُّ.
أخبرني، أنه ولد في خامس عشري جمادى الآخرة، سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بالموصل. وكان أبوه شاعرًا من أهل تلعفر.
ومحمد هذا، شاب أسمر لطيف الخلقة مكتنز، بذيء اللسان، بهيّ الشعر، مدّاح هجاء. له هجاء شنيع، لم يسلم منه أحد، وله في كل صنف من المنظوم: كالموشح، والدوبيت، والمواليا، والرجز، والمزدوج، وكان وكان؛ وغير ذلك، إلاَّ أنَّه غير مرضي الطريقة؛ بتبذله وانهماكه في الشرب، والتظاهر بالخلاعة، والتهتك والفسق والقمار والسرقة، وأشياء مما تقارب هذه الأشياء المنكرة التي لا تليق بذوي
[ ٦ / ٣٥ ]
الفضل والأدب فهي التي /٢٢ أ/ أهبطته وأسقطته في أعين الناس.
أنشدني لنفسه يمدح المولى المالك العالم العادل المؤيد الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين أتابك طغرل تكين أبا الفضل غرس أمير المؤمنين- خلد الله دولته- وأنشه إياها بظاهر الموصل، في الجوسق المعمور ببستانه، وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة: [من الخفيف]
لا تلمه على الهوى فافتضاحه صونه فيه والفساد صلاحه
كلكم معشر العواذل في نهـ ـج على العاشقين ضاق انفساحه
خنتم المستهام ظلمًا وجرتم وزعمتم بأنَّكم نصّاحه
عذبت طيبة مطارحة العشـ ـق فصعبٌ على المحبِّ اطِّراحه
وقليلٌ إلى مواسمه بالـ ـعين منه غدوُّه ورواحه
يا خليي سر بي متى ما تبدَّت لمعٌ منه هان لي إيضاحه
سل نسيم الصَّبا إذا ريض في مسـ ـكيِّ روض الحمى الأريض جماحه
ألريَّا هذا الذي فيه من ريَّـ ـا أم الزَّهر فتَّحته رياحه
جاده طيَّبٌ من المزن يحكي صوبه دمع مقلتي وانسفاحه
ورعى الله عهد ذات جمالٍ جال في كشحها الهضيم وشاحه
/٢٢ ب/ غادةٌ خال خدِّها أين لثمي منه في خدِّها وأين امِّساحه
شعرها والظَّلام منه كسى جسـ ـمي سقامًا أم وجهها وصباحه
ربَّة المبسم الذي راحة الأر واح في أن تريحها منه راحه
هبك بالوصل تبخلين وشرط الـ ـحبِّ أن تهجر السَّماح ملاحه
أجناحٌ على الخيال إذا ما زار وهنًا واللَّيل وحفٌ جناحه
أرسليه فوانعطافك لاريـ ـع برعبٍ ومقلتاك سلاحه
واسأليه يجبك كيف رقادي فلقد طال عن جفوني انتزاحه
حسب قلبي بأنَّه بالأسى قد أعجزت فيك كلَّ آس جراحه
وفؤادي بأنه جدَّ فيه الـ ـوجد لمَّا جناه منه مزاحه
لك منِّي الهوى الذي راق حسنًا ولبدر الدِّين الرَّحيم امتداحه
ملكٌ فاتكٌ جوادٌ لمن زا غ ومن زار بأسه وسماحه
[ ٦ / ٣٦ ]
بالمعالي ارتداؤه فله اللّـ ـه نصيرٌ وبالفخار اتِّشاحه
ضمنت كفُّه الأماني وقالت للبرايا: العافي عليَّ نجاحه
أيُّ باب للرزق أغلقه الدَّهـ ر وما كان عنده مفتاحه
كلَّما قلَّ ماله بالعطايا زاد من صدره الرَّحيب انشراحه
/٢٣ أ/ ولعمري أبو الفضائل ما يذخر مالًا صان العلا مستباحه
غيث جذب يسدي الأيادي نداه ليث حرب يردي الأعادي كفاحه
ما دجا ليل عثير النَّقيع إلاّ وأضاءت سيوفه ورماحه
نشر الجود عنه نشر ثناء أرج الأرض بالشَّذا نقَّاحه
فاللَّيالي والإنس والجنُّ والطَّيـ ر مع الوحش كلُّهم مدَّاحه
لم يدبر تدبيره الملك لا منـ ـصوره قبله ولا سفَّاحه
مستهامٌ بالبرِّ ما ألفت غيـ ـر شتات الكنوز بالبذل راحه
فإذا لامه على الرِّفد لاح زاد في بذله اللُّهى إلحاحه
مكرماتٌ قلب المآثر والمجـ ـد بها اليوم جمةٌ أفراحه
ملك الأرض دعوةً من وليٍّ لاح لمَّا إليك مال فلاحه
فو رأى الجوهريُّ أشعاره فيـ ـك لكانت قد أودعتها صحاحه
علَّمتني صفاتك الشِّعر حتَّى عذبت راحه وراق قراحه
فرفضت العلا ولا كنت يوم الـ ـفضل ممَّن يبينه فصَّاحه
إن حبست الثَّناء عنك إلى حـ ـين أرى جسمي الرَّدى يجتاحه
جدت لي بالنَّوال عفوًا وإحسا نك كم عمَّ آملًا سحَّاحه
/٢٣ ب/ دمت للملك ما تغنَّت من الطَّيـ ـتر على الدَّوح عجمه وفصاحه
في سرورٍ قد قارنت غرارًا تشـ ـرق منه طول المدى أوضاحه
وأنشدني لنفسه أيضًا، يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المستوفي بإربل –رحمه الله تعالى-: [من الكامل]
لو كان طيفك زائري يا هاجري ما أسبلت صوب الدُّموع محاجري
لكن غرامي طال فيك وإنَّه لمَّا رأيتك رب طرفٍ قاصر
يا مالكًا رقَّ القلوب وباسطًا فيها ظلامة حاجبٍ أو ناظر
[ ٦ / ٣٧ ]
عجبي لقدِّك كيف أصبح عادلًا من تحت طرفك وهو أفتك جائر
من للمقيَّد في هواك ووجده مترادفٌ من هجرك المتواتر
لو لم تته عجبًا بحسن كامل ما بتُّ فيك حليف حزن نافر
أنت المعزُّ لمن تشاء وها أنا الـ ـمشغوف منك بحاكمٍ وبآمر
أرسلت صدغك آيةً ثعبانه في فترة الجفن الأغنِّ السَّاحر
صوِّرت لي صنمًا فزاد ضلالتي لمَّا عكفت عليه لهو السَّامري
لو لم أرح وأنا المطيع للوعةٍ أضرمتها لأخذت أخذ القادر
/٢٤ أ/ ورضاب ثغرك وهي أيُّ أليةً ميني بها وأعوذ منه ضائري
إن الذي عاهدته وعهدته منِّي لذو صدقٍ وسقمٍ ظاهر
أتهمت إذا اتهمت قلبي بالقلى فهدمت منه أخًا الغرام العامري
أيجوز عندك نهر سائل مدمعي جار على رسم الخدود الدَّاثر
حتَّى م تصبح في وصالي زاهدًا وأبيت في وله لعيني فاجر
أصبو إلى ريق بثغرك باردٍ وأخاف من لحظً بطرفك فاتر
ومن البليَّة لوم ذي لؤم لحًا وعذار خدِّك عاذري
ماذا عليه وقد رآني راضيًا بالعذر منك ومنه شيب غدائري
يا ساكبًا منِّي السَّواد وهادمًا ركني أتئذ إن ابن أحمد ناصري
شرف الورى والدِّين والباني العلا المطرى بجود كالسحاب الماطر
صدرٌ يحدِّث موردًا سير العلا والمجد عنه واردٌ عن صادر
غيث النَّدىِّ لكلِّ عاتق غارمٍ هو معتقٌ بندى يديه الغامر
يا باغي العلم المصون وخائفًا باغي العدا من كلِّ ضار ضائر
يمِّم أبا البركات تظفر عنده بالفضل بل بمضاء جدًّ قاهر
لولاه كان الدَّهر أفرغ فارغٍ لكن غدا بثناه أفغر فاغر
/٢٤ ب/ ومن الفريضة شكر اهجر هاجر لخنًا وبالإحسان أجهر جاهر
ما روضةٌ ضحكت ثغور أقاحها أصلًا بدمع بكا السَّحاب الباكر
وشَّى الرَّبيع لها مفوَّف حلّة قد رصِّعت من حليه بجواهر
وغدت تلامح زهرها شمس الضُّحى من خلف سجف الغيم بين ستائر
[ ٦ / ٣٨ ]
حتَّى إذا ما اليوم رقَّ رداؤه وأنهار جرف نهاره المتقاصر
باتت خدود شقيقها محميَّةً من عين نرجسها بطرفٍ ساهر
وجرى النَّسيم بها تجرُّ عليله ذيلًا ويخطو فيه خطو العاثر
متحمِّلًا في برده من عرفها أرجًا ينمُّ على شذاها العاطر
كثنا ابن أحمد ذي المكارم والعلا نشرًا وقف نسمع حديث النَّاشر
عن ذي جبين بالبشاشة سافرٍ طلق الضِّياء لكلِّ ذنبٍ غافر
متبرِّع متورِّع فاعجب له من ذاكر من لم يسله وشاكر
حاز الصِّفات فما يشقُّ غباره من فاق من آت ولامن غابر
يسمو به في كلِّ يوم تشاجرٍ قلمٌ يطول على القنا المتشاجر
يسطو إذا ما ثار نقع مسائلٍ قد أشكلت بشباه سطوه ثائر
قلمٌ لجوهر كلِّ مجدٍ حارزٍ فالدَّهر منه مدير لحظ خازر
/٢٥ أ/ يجريه حكم أغنَّ سام داره عمرت على فلك السَّماء الدَّائر
سار إلى سرِّ الفخار وآسر ما ندَّ من مثل العلاء السَّائر
قل للمثير عجاج عجز خلفه ويروم معجزة بغير مآثر
أينال ما قد نال أصلع حاسرٌ عن ساعديه وأنت اطلع حاسر
شرف المعالي اسمع ثناءً لم يكن لولاك يجري خاطرًا في خاطري
قد كنت صنت قصائدي في خدرها فأبانها مدح الهزبر الخادر
إليك أشكو جور دهرٍ زائغٍ بأذاه عن غير فكم هو زائري
فعساك تنجد ربَّ صبرٍ عابرٍ ممَّا يكابده ودمع غائر
اجبر بصنعك سؤر ما أبقاه من عمري زمانٌ كالعقاب الكاسر
واسعد بها يا ذا النَّدى رائيَّةً آنست منها كلَّ معنى نافر
أتقنت محكمها بحذقٍ صناعة من ذي ضميرٍ كالجواد الضَّامر
إن قال في هذي البريَّة شاعرٌ أختًا لها فحشرت محشر كافر
زارت على بعد المزار وخلفها من فرط شوقي أيُّ حاد زاجر
فانظر لنظرتها بناظر مرتضٍ راضٍ لها نظر الصَّفوح العاذر
لازلت تبلغ ما ترنَّم طائرٌ ما شئت من أملٍ بأيمن طائر
[ ٦ / ٣٩ ]
/٢٥ ب/ وأنشدني أيضًا لنفسه، غزل ابتداء قصيدة: [من الكامل]
حتى م أرفل في هواك وتغفل وإلى م أهزل من جفاك وتهزل
يا مضرمًا بصدوده في مهجتي حرقًا يكاد لهنَّ يذبل يذبل
القلب دل عليك أنَّك في الدُّجى قمر السَّماء له لأنَّك منزل
هب أن خدَّك قد أصيب بعارضٍ ما نال صدغك راح وهو مسلسل
قسمًا بحاجبك الذي لم ينعقد إلا أرانا السَّبي وهو محلَّل
وبماء ثغرك من سلافة ريقه عذبت فقيل هو الرَّحيق السَّلسل
لولا مقبَّلك المنظَّم عقده ما بات من يهواك وهو مقبَّل
حزني وحسنك إن لغا من لا مني ونحوت هجري مجملٌ ومفصل
لو كنت في شرع المحبَّة عادلًا يا ظالمي ما كنت عنِّي تعدل
ألحى عليك ولو درى بصبابتي لأراحني من لومه من يعذل
أوما العجيب أنَّ دمعي معربٌ عن سرِّ ما أخفيه وهو المهمل
أضحى ويا لك من بلاء هاتكًا سرَّ الهوى وعليه أصبح يسبل
يا آمري بسلوِّه ليغرَّني إنَّ السُّلوَّ كما نقول لأجمل
/٢٦ أ/ لكن يعزُّ خلاص قلب متيَّمٍ تركته أيدي الهجر وهو مبلبل
هيهات كلاَّ لا نجاة لمن غدا من جسمه في كلِّ عضوٍ مقتل
وأنشدني لنفسه في الملك الأشرف مظفر الدين، وكان معه في الخيمة، بحباب التركمان بين حماة وحلب، عند رجوعه من جهاده، وقد لسعته عقرب في كفه، فأنشأ ارتجالًا: [من السريع]
يا ملك الأرض وكهف الورى ومن إلى ساحته المهرب
ما لسعت كفَّك عن هفوة أقسم منها هذه العقرب
لكن رأته وهو سمٌّ على مالك لا يرقى ولا يذهب
فأقبلت تشتاق من بعضه باللسع شيئًا علَّها
[ ٦ / ٤٠ ]
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
سل عن دمي ليلى إذا هي أقبلت بين النِّساء وخدُّها كالعندم
ومتى أبت إلا الجحود وانكرت فانظر على وجناتها أثر الدَّم
يا للرجال وإنَّها لعجيبةٌ ما مثلها أبدًا إليه مقسَّم
/٢٦ ب/ أخشى قناة قوامها ومقاتلي غرضٌ لما في لحظها من أسهم
وأهاب عقرب صدغها ويدي على وما أرسلت من شعرها من أرقم
ما ذاك من سفه ولكن لا هو ى ما لم يذر ربَّ البصيرة كالعمى
ومعنَّفي جهلًا على عشقي له اذكى بمرِّ العذل نار تألُّمي
ناديته قسها إلى شمس الضُّحى حسنًا فإن هي لم ترد نورًا لم
وأنشدني لنفسه أيضًا، يهجو ابن عنين الشاعر: [من الطويل]
أرى أبن عنين لا كلا الله نفسه أخاف الورى طرًّا بمرِّ هجائه
ولم يهملوه خشيةً منه إنَّما رواه مهينًا ذمُّه كثنائه
وأنشدني أيضًا لنفسه من أبيات: [من الطويل]
تتيه على عشَّاقها كلَّما رأت حديث صفات الحسن عن وجهها يروى
فتاةٌ لها في مذهب الحبِّ حاكمٌ بقتل الورى أعطى لواحظها فتوى
يرنِّحها سكر الشَّباب فتنثني بقدٍّ إذا ماست تكاد بأن تلوى
ولو لم يكن في ثغرها نبت كرمةٍ لما أصبحت أعطاف قامتها نشوى
وأنشدني لنفسه، يمدح أهل البيت /٢٧ أ/ صلوات الله عليهم وسلامه-:
[من الخفيف]
خلِّني من حديث زيد وعمرو واسع بي يا نديم نحو العمر
واسقني قهوةً إذا ما تبدَّت في الدُّجى خلتها عمود الفجر
بنت كرمٍ ما لي إذا بتُّ منها صاحيًا فرد ليلة من عذر
فأدر لي في جامد الفضَّة البيـ ـضاء من كأسها مذاب التِّبر
[ ٦ / ٤١ ]
ثمَّ قل للَّذي يلوم عليها خلِّني أيُّخا العذول وزري
أإذا كنت ذا ضلال وإثمٍ تغتدي أنت نائمًا في قبري
قسمًا لا ثنيت عنها إلى المو ت عناني فدع ملامي وزجري
أنا راضٍ أن ألتقي الله فردًا والحميَّا ما بين سحري ونحري
فأدرها في كأسها واسقنيها ليلة القدر أو ليالي العشر
من يدي فاتر اللَّواحظ معسو ل الثَّنايا أحوى دقيق الخصر
تحسب الكأس وهي في يده تشـ ـرق شمسًا تلوح في كفِّ بدر
لا حياةٌ لغير من لم يبت يحـ ـيي الدَّياجي ما بين عود وزمر
في رياضٍ خضر يطوف بها البيـ ـض مع السُّمر بالكؤوس الحمر
بين دوحٍ تميل منه غصونًا مورقاتٍ ريح الصَّبا حين تسري
/٢٧ ب/ كلَّما حركت أنامل شادٍ وترًا جاوبته ألحان قمري
[٧٤٧]
محمَّد بن العباس بن أبي الفضل بن أبي القاسم بن أبي محمَّدٍ،
أبو عبد الله الموصليُّ الحكم.
تولّى في الدولة البدرية الحكومة في الملاعب والحرف والصنائع، كصنعة المنافقة، والصرَّاع. وذوو الشطارة والسعادة، وأصحاب المعالجة، يرجعون إلى كلامه، ويقتدون بقوله، وإليه الحكم في ذلك. ويكتب خطًا حسنًا، ويقول الشعر الرائق.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين، وعضد الإسلام والمسلمين، تاج الملوك، شرف السلاطين أتابك طغرل تكين أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين –خلد الله دولته- وكبت أعداءه وحسدته-: [من الكامل]
ألاَّ سألت الربع والأطلالا فعسى المعالم أن يجبن سؤالا
هي وقفةٌ إمَّا لإدراك المنى أو أن تضاعف عندك البلبالا
[ ٦ / ٤٢ ]
أمّا الخليط نأى بقلبك عاجلًا وحنين قلبك زاده إعجالًا
جعلوا السُّها نصب المطيِّ وحجَّبوا في كلِّ سجفٍ للحدوج هلالا
/٢٨ أ/ فأذل دموعًا صنتها فلطالما أذرفت قلبك مدمعًا هطالا
وأجنح لترجيع الحمام فطالما بكت الهديل فأبكت الأطلالا
ما هذه في الربع أول وقفة المشتاق تهمل دمعه إهمالا
فاعص العواذل ما استطعت فقلَّما يدعى ملولًا من عصى العذَّالا
ومتى أضرَّبك الهوى فاجنح إلى ملك تصادف عنده الإحلالا
ملكٍ لو ادَّعت السَّماء تطاولًا بمكارمٍ لسما السَّماء وطالا
أسدٍ وما الأسد الهزبر وإنَّنا لنجلُّه عن مثله إجلالا
وأنشدني لنفسه أيضًا، مبدأ قصيدة: [من الرجز]
أشاقك البرق بتيماء ومض أم استباك السِّرب صبحًا إذ عرض
لا تبعثنَّ الطَّرف إثر غادر فربَّ رامٍ سهمه أخطا الغرض
ما من وفى بعهده ووعده دهرًا لمن خان الحفاظ ونقض
وافه الوعد المطال فاستعر صبرًا وإن عزَّ عليك فافترض
يا بأبي الناشد قلبًا بالحمى ضلَّ ولمَّا يبغ عنه [من] عوض
كلَّفه حمل الهوى من كلف النَّاشط من عقاله حين نهض
/٢٨ ب/ بانوا فأي كبدٍ لم تستعر نارًا وأيٌّ دمع عينٍ لم يفض
وأنشدني أيضًا لنفسه من أخرى: [من البسيط]
نعم نعمت صباحًا أيُّها الطَّلل لأهلك الأهل إن حلُّو وإن رحلوا
سجيَّةٌ من كريم لا يغيِّره نأى الأحبَّة إن جاروا وإن عدلوا
ما لاح برقٌ ولا ناحت مطوَّقةٌ إلاَّ صدفت فلا ميلٌ ولا ملل
أعلِّل النَّفس والعذَّال تكثر من لومي وأني يفيد اللَّوم والعذل
واكتم الوجد وهو الدَّمع يفضحه كأن دمعي رقيبٌ حين ينهمل
يا صاحبيَّ أناةً بالمطيِّ ولو لوث الأزار فبي عن وخدها شغل
هل شيَّع الركب من دعواه صادقةٌ في الحبِّ أم كلُّهم للوجد منتحل
كلٌّ يلوم النَّوى يوم الفراق وما يجني التَّباعد إلاَّ الخيل والإبل
[ ٦ / ٤٣ ]
كم ليلة بتُّها والنَّجم يلحظني شزرًا وجفني بالتَّسهيد مكتحل
حتَّى إذا رقد الواشي وأمكن من ليلى المزار و بيننا السُّبل
زارت على وجل خوف الرَّقيب وما أحلى الزِّيارة حيث الزَّائر الوجل
بيضاء تسفر عن بدر وتبسم عن درٍّ يجيب ليلًا شعرها الوجل
في وجهها خفرٌ في طرفها حورٌ في قدِّها خفَّةٌ في ردفها ثقل
/٢٩ أ/ لها من الظَّبي جيدٌ والمها حدقٌ والخيزرانة قدٌّ والنَّقا كفل
تمشي ودل الصِّبا يثني معاطفها كأنها شاربٌ من ريقها ثمل
وتحمل الرِّيح ريَّاها إذا انبعثت من خدرها فيضوع الحيُّ والكلل
وأنشدني لنفسه من قصيدة أخرى: [من الطويل]
هلا ليس ما دون الثَّنَّية منزل وصبرًا فهل غير الثَّويَّة منهل
أناق لئن قصَّرت عن غاية المدى فعزمي أهدى ما امتطيت وأهمل
حرامٌ عليَّ النَّوم يا ميُّ بعدها إذا لم أنل من هذه ما أؤمِّل
وبي فرط وجد حلَّ بين جوانحي وصدري فلا ينأى ولا ينتقَّل
متى شمت من أطلال برقة بارقًا دعاني هوى خلَّفته ثم أول
ومن ولهي بالربع لم أر منزلًا بتيماء إلاّ قلت حيِّيت منزل
فلولا الهوى العذريُّ لم أدر ما الهوى ولولا الحمى النَّجديُّ ما عجت أسأل
خليلي هلاَّ تعذران أخاكما على دائه فالعذر بالحرِّ أجمل
أجدَّ كما أنِّي جليدٌ على الهوى وما كلُّ من يستحمل الضَّيم يحمل
منعت جفوني من أن تطعم الكرى كأنَّ سهادًا بالجفون موكل
وقلت ارتقب طيف الخيال وإنَّني لفرط غرامي بالمنى اتعلَّل
/٢٩ ب/ وأنشدني لنفسه: [من المنسرح]
صدَّ فليس الصُّدودمن شانه ولجَّ في هجره وعدوانه
ريمٌ رماني عن قوس حاجبه سهمًا مراشًا بهذب أجفانه
عذَّب قلبي على العذيب فمن ينصف قلبي من جور جيرانه
[ ٦ / ٤٤ ]
ولو لوى باللَّوى ثنيت على تلك الثَّنايا صدور ركبانه
يا بأبي قدَّه الَّذي يفضح الـ ـغصن إذا ماس فوق كثبانه
أنست منه النِّفار إذ كلُّ إنـ ـسان له رائدٌ بإنسانه
يا سعد من يسعد المحبَّ وقد أشقاه محبوبه بهجرانه
فانظر عيانًا واضع استماعًا فما قام دليلٌ إلاَّ ببرهانه
لو عدل القلب في الحكومة ما شكوت قاضيه ظلم أعوانه
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
تناءت فلم يضمن لها القلب سلوةً ولمَّا يزدها البعد إلاَّ تدانيا
وإنِّي وإيَّاها على القرب والنَّوى صبوران إن موتًا وإمَّا تلاقيا
[٧٤٨]
محمَّد بن سليمان بن كمشتكين /٣٠ أ/ بن إسفنديار المجلّد،
أبو عبد الله الموصليُّ
كانت صنعته في ابتداء أمره تجليد الكتب والدفاتر، ثم تركها وصار يكتب القصص، ويقول الشعر، ويمدح به الرؤساء والأكابر؛ وله بديهة في النظم، وخط حسن. ولقي جماعة من الشعراء، وأخذ عنهم من أشعارهم.
وهو شيخ ممتَّع بإحدى عينيه، أبيض اللون، تعلوه صفرة. وتوفي بسنجار في سنة ستٍّ وثلاثين وستمائة، وقد نيّف على التسعين.
أنشدني لنفسه، في المولى المالك، الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، قطب المعالي، ناصر الحق أتابك طغر لتكين بلكا، نصير أمير المؤمنين –أيد الله سلطانه- حين عمل القنطرة والشباك بالباب العمادي. وكان يجلس به يحكم بين الناس في قضاياهم: [من الكامل]
لو أنَّ كسرى في زمانك لم يكن أذكى بسلسلة إلى الإيوان
شبَّاكنا في كلِّ عامودٍ له يا سيٍّد الأملاك سلسلتان
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الخفيف]
[ ٦ / ٤٥ ]
من مجيري من طرفه النِّبال ومعيني على صروف اللَّيالي
بدر تمٍّ حوى جميع المعاني غصن بان يهتزُّ كالعسَّال
/٣٠ ب/ حلَّل الهجر واستحلَّ دم الصَّبِّ وهذا في الشَّرع غير حلال
أتمنَّى وصاله كلَّ عامٍ وأرجِّي خياله في الخيال
ولقد كان قبل هذا التجنِّي مستهامًا بزورتي ووصالي
في زمان يفوق كلَّ زمانٍ وليال كأنهنَّ اللآلي
وجبينٍ كالبدر يحمل شمسًا من عقارٍ من غيره ما حلالي
وإذا أعوز المدام علينا علَّني من رضابه السَّلسال
وأنشدني لنفسه: [من مخلع البسيط]
دبَّ على خدِّه عذارٌ كأنَّه اللَّيل غير سار
فلم يزل واقفًا حييًا يطلب إذنًا من النَّهار
وأنشدني من شعره: [من مخلع البسيط]
كان وما في العذار نبتٌ مواصلًا دائم الوداد
فمذ بدا الشَّعر في المحيَّا إز داد في التِّيه والتَّمادي
فليت خدَّيه ما أريعت ولا اكتست حلّة السَّواد
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الكامل]
إن كان نزعكم الجواب تقاطعًا فأنا الودود مكاتبٌ ومواصل
/٣١ أ/ أو كنتم لم تسألوا عن حالنا فأنا المحبُّ مخاطبٌ ومسائل
وأنشدني لنفسه في إنسان يعرف بالقوام بن حمدان: [من الخفيف]
يا قوامًا للفسق لا للدين ومحلًاّ للشكِّ لا لليقين
وأمينًا قد كان يا ليت شعري أخؤونٌ يدعى بعدل أمين
فلك العذر في فعالك هذا ليس يرجى الوفاء من يقطين
أيُّ فضلٍ يعزى إليك وقد أصبحت ياءً ما بين تاءٍ وسين
[ ٦ / ٤٦ ]
وحدثني، قال: بات محمد بن يوسف بن عراج الشاعر عندي ليلةً، فسرق مني كساء، وكان أبو محمد شاعرًا أيضًا، فقلت فيه: [من المجتث]
لنجل عرّاج نجلٌ من كلٍّ خير تعرَّى
لصٌّ كمثل أبيه والإبن بالإرث أحرى
فالأب يسرق شعرًا والنجل يسرق تبرا
قال: فبلغت الأبيات إلى أبيه، فأنفذ الكساء.
[٧٤٩]
محمَّد بن الحسين بن محمَّد بن الحسن بن الحسين، الإربليُّ
المولد والمنشأ.
وأصل آبائه من أهل همذان ويعرفون ببني بسريان، من يت دين وتصوف
وأبو عبد الله هذا؛ شاب فاضل، عنده أدب وسكون، حافظ للقرآن الكريم، يشدو شيئًا من فقه الإمام الشافعي –﵁- ويكتب خطًا رائقًا، ويقول الشعر الحسن في الزهديات.
انتقل هو وأهله إلى دنيسر حدثًا، ودرس الفقه بها على الشيخ الإمام أبي محمد حمد بن حميد بن محمود الدُّنيسري، الخطيب المدرس، فلمّا جاء الخوارزمية، وقصدوا البلاد، سافر إلى حلب في سنة ستٍّ وثلاثين وستمائة، فنزل في بعض مدارسها، يرتزق من جامكيها.
أنشدني لنفسه: [من البسيط]
يومٌ يمرُّ ويومٌ بعده يأتي ينغِّصان حياتي ثمَّ لذَّاتي
والنَّفس في دعة ممَّا يراد بها مشغولةٌ بأمانيٍّ وفرحات
فبينما الموت إذا حطَّت ركائبه نحوي بغير احتشام أو تحيَّات
وقال حتَّى متى ترجو البقاء بها أما علمت بأيامي وساعاتي
[ ٦ / ٤٧ ]
فاستنقذ الرُّوح ثمَّ اسكنني في قعر لحدٍ بدارٍ عند أموات
/٣٢ أ/ سلاهم الأهل والأحباب كلُّهم كأنَّ ما عرَّفوهم بعض أوقات
[٧٥٠]
محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن محمَّد بن الجارود، أبو عبد الله
المارانيُّ القاضي الكفر عزّيُّ
ولد بكفر عزّة، قرية من قرايا إربل، ونشأ بها، وقرأ فقه الإمام الشافعي –﵁- على الشيخ الإمام أبي الفضل يونس بن محمد بن منعة بن مالك الإربلي. وتقلّد القضاء بإربل في أيام الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁- بعد القاضي أبي محمد جعفر بن محمد بن محمود الكفرعزي. وكان نائبه.
ولم يزل متوليًا، إلى أن توفي ليلة السبت ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وستمائة، فجأة –﵁- وقد جاوز الثمانين بقليل. وكان من ظرفاء الحكام، ومحاسن الأنام، متحليًا بالنزاهة، معتليًا في ذروة النباهة؛ شيخًا لطيفًا كيسًا، فكهًا رزينًا متواضعًا، بهي المنظر، دمث الأخلاق، فيه أدب وحسن عشرة، وطيب محاضرة وتودد.
أنشدني لنفسه، وأوائل هذه الأبيات /٣٢ ب/ إذا جمعت تكون بيت شعرٍ، وهو:
[من المجتث]
إنَّ الصَّلاح مجيري من نكبة الحدثان
وهي جواب أبيات كبتبها إليه الصّلاح أحمد بن عبد السيد بن شعبان الإربلي، وهما بالديار المصرية، فقال القاضي: [من المجتث]
إنِّي أحبُّ فتاةً كأنَّها غصن بان
نمَّت بوجدي عليها سحائب الأجفان
[ ٦ / ٤٨ ]
أهوى فريدة حسنٍ هيفاء شتَّى المعاني
لمياء لو شفتاها قبَّلتها شفتاني
صدَّت فبان اصطباري بالبين والهجران
لا تلحني يا عذولي فالبين قد اضناني
حسبي الَّذي أنا لاقٍ من الوجوه الحسان
من البدور اللَّواتي بهنَّ صبري فإني
جزعت منهن َّ جدًا ولأن صعب جناني
يهوين قتلي وأهوى بهنَّ فرط هواني
رعى الإله زمانًا قضَّيت فيه الأماني
/٢٣ أ/ يا من يسائل عنِّي حالي عجيب البيان
من لي بخلٍّ أمينٍ خليله في أمان
نبيل قدرٍ نبيه صدرٍ عظيم الشَّان
نبني المدائح فيه وجوده خير باني
كتبت سرًّا وجهرًا عنه فهلاَّ كناني
به أدافع ضرِّي وشرَّ أهل زماني
هذا ولي من نداه وفهمه بحران
أهواه طبعًا ولكن لو أنَّه يهواني
لكنت في خفض عيش ولذَّة وأمان
حتَّى يقول عذولي ويلاه واحرماني
ديوان مدحي فيه مذهَّب العنوان
ثمَّ الثَّناء عليه كنغمة العيدان
الموت والبعد عنه يا صاحبي سيَّان
نعم وفيه خصال خفيفة الأوزان
إن الصلاح مجيري من نكبة الحدثان
/٣٣ ب/ وأنشدني لنفسه من قصيدة، يمدح بها بعض الرؤساء: [من الرجز]
لا تلح من حنَّ إلى أحبابه وشفَّه الشَّوق إلى أترابه
[ ٦ / ٤٩ ]
وخلِّه يبكي إذا جنَّ الدُّجى وارث له وكفَّ عن عتابه
ولا تحمِّله على أحزانه حزنًا فقد كفاه بعض ما به
أنَّي يلام مستهامٌ مدنفٌ حلف أسى غرامه يغر به
انحله البين ولم يبن له مساعدٌ على جوى إكتئابه
وأنشدني أيضًا قوله: [من مخلّع البسيط]
إن كنت خلِّي فخلِّ دمعي يجري كحرِّ الفراق سكبا
ولا تلم مغرمًا كئيبًا منِّي ببين الحبيب صبَّا
إذا دعاه الغرام سرًا أجابه معلنًا ولبَّى
وأنشدني له في الشيب والوعظ: [من المتقارب]
مشيبٌ أتى وشبابٌ رحل أحلَّ العناء به حيث حل
وعمري تقضَّي بلا طاعةٍ فويحك يا نفس ماذا الزَّلل؟
وذنبك جمٌّ ألا فارجعي وعودي فقد حان وقت الأجل
/٣٤ أ/ وديني الإله ولا تقصري ولا يخدعنَّك طول الأمل
فما لك غير التُّقى مسعدٌ ولا صاحبٌ غير حسن العمل
وأنشدني لنفسه من أبيات ابتداؤها: [من البسيط]
لا تكثر العي في عذلي وفي فندي وقل عني فما أصغي إلى أحد
هلاَّ نهضت إلى عذلي وما قدحت نار الصبابة بالأشواق في كبدي
أيَّام اغدو سليم القلب في دعةٍ من الغرام وحلمي في الهوى بيدي
وشادن قدُّه كالغصن معتدل من فوق متَّزر كالحقف منعقد
أحوى مريض بحاري اللحظ مقلته تعلم النَّافثات السِّحر في العقد
يزورُّ عنِّي إذا ما جئت أعتبه وليس يعلم ما عندي من الكمد
قد كنت قبل النَّوى والبين ذا جلد فمذ نأى خانني بعد النَّوى جلدي
[ ٦ / ٥٠ ]
[٧٥١]
محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي شاكرٍ، أبو عبد الله بن
أبي محمدٍ الإربلي الكفر عزيُّ
[ ٦ / ٥١ ]
وقد سبق ذكر والده في موضعه.
أخبرني والده؛ أن ولادة محمد كانت سهرة يوم الاثنين ثاني صفر سنة إثنتين وستمائة.
وهو من فتيان /٣٥ ب/ إربل، وأحد من إعتني بقول الشعر، تأدب على أبي عبد الله أحمد بن الحسين بن الخباز النحوي بالموصل. وأخذ طرفًا من فقه الإمام أبي حنيفة –﵁-.
وهو شاعر، طويل اللسان، ذو إحكام في قوله وإتقان، يجيد معانيه في الهجاء، ويتصرف فيهنّ كيف شاء، سمح الخاطر منقاده، ذكي الطبع وقاده.
أنشدني لنفسه في الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي –﵀-: [من الكامل]
لا نال قلبي منكم ما أمَّلا إن كان يومًا من محبَّتكم سلا
وحرمت ما أرجوه من لقياكم إن حلَّ في قلبي سواكم أو حلا
أحبابنا عودوا إلى عهد الصِّبا وعدو بوصلكم المحبَّ المبتلى
وإذا بخلتم بالوصال فحمِّلوا ريَّاكم ريح الصَّبا والشَّمالا
حمَّلتم المشتاق أثقال الهوى لمَّا تبدَّى ركبكم متحمِّلا
وسفحتم دم أدمعي لمَّا غدا سفح الغوير لكم برغمي منزلا
من ذا يعيد لياليًا انفقتها سرفًا وعهد صبًّا مضى وتبدَّلا
علِّقتكم طفلًا فشيَّب لمَّتي طول التَّجنِّي والتَّجنُّب والقلى
/٣٦ أ/ رقُّوا لرقِّ حليف وجد ما عصى أمر الغرام ولا أطاع العذَّلا
واغنَّ معتدل القوام مهفهف منعته نخوة حسنه أن يعدلا
فتن الورى بجمالٍ وجهٍ ما بدا إلاَّ وكبَّرا من رآه وهلَّلا
وأغار غزلان الصَّريم تلفُّتًا وأعار أغصان الأراك تفتُّلا
[ ٦ / ٥٢ ]
لمَّا بدا عاينت سنَّة وجهه كالبدر في أفق الملابس يجتلى
ورأيت أنَّ الرُّشد في دين الهوى لمَّا رأيت الصُّدع منه مرسلا
أضحى ضنينًا بالسَّلام وطالما أمسى يعاطيني الرَّحيق السَّلسلا
في روضة حاك الرَّبيع لربعها حبرًا وحاكى النَّشر منها المندلا
فكأنَّما جود ابن موهوب غدا دون السَّحاب بريَّها متكفِّلا
مولى إذا ما جئته تلقً امرءًا يلقاك بارق بشره متهلِّلا
يقظان ما ينفكُّ يسدي نعمةً ويكفُّ حادثة ويوضح مشكلا
مغرىً بحبِّ المكرمات فما يرى إلاَّ بأبكارً العلا متغزِّلا
ما أمَّه يبغي نداه مؤمِّل إلاَّ أعادته يداه مؤمَّلا
يجلو بطلعته الظَّلام إذا دجا ويفوق نائله السَّحاب المسبلا
في كفِّه القلم الَّذي قد غادرت حدَّاه حدَّ الحادثات مفلَّلا
/٣٦ ب/ وإذا امتطى القرطاس وهو بكفِّه راع الصَّوارم والرِّماح الذبلا
يحيى به العافي وقد ضنَّ الحيا ويردُّ في يوم الهياج الجحفلا
يا أيُّها المولى الوزير ومن غدت بنداه أخلاف الأماني حفَّلا
بك أصحب الحرون وأحسن الدَّ هر المسيء بنا وأصبح مجملا
ولديك أضحى مخصبًا أملي وكم أمسي وأصبح عند غيرك ممحلا
قد سرت فينا سيرةً عمريَّةً كادت لها الآيات أن تتنزَّلا
وعممت مبتدئًا بنعماك الورى فملكت أحرار الكلام تفضُّلا
حتى لقد ظنُّوا السُّؤال محرَّمًا فيهم ومالك للعفاة محلَّلا
فاستجل من غرري غريزة خاطرٍ عذراء يرجو ربها أن تقبلا
ويرى الثَّناء وكلَّ مدحٍ فاخرٍ من دون أوصاف الوزير وإن علا
وأنشدني فيه أيضًا، يمدحه حيث تقلّد الوزارة للملك المعظم مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁-: [من الكامل]
[ ٦ / ٥٣ ]
أمَّا الزَّمان فقد وفى بوعوده وذوى من العدوان مورق عوده
/٣٧ أ/ وتردَّت الدُّنيا ملاءة بهجةً والدَّهر قد نجمت نجوم سعوده
بعلا أبي البركات أصبح خاليًا من منصب العلياء عاطل جيده
شرفت بطلعته الوزارة مثلما شرفت بنو أيَّامه بوجوده
أمسى حفيًّا بالرِّعيَّة فاغتدى متتَّبَّعًا فيها رضا معبوده
خلق التَّواضع للوزير خليقةٌ قسمًا وأضحى الدَّهر بعض عبيده
لقن الشَّجاعة والسَّماح يراعه عن سيل واديه وبأس أسوده
وغدا مصيب الرَّأي في تحريفه ومبيَّض الآمال في تسويده
يا أيُّها المولى الوزير ومن له مجدٌ يغيض الدَّهر جفن حسوده
ما قال فيك وإن تناهى مادحٌ إلاَّ وفضلك من أدل شهوده
هنِّئت بالعام الجديد ودمت ما دام الزَّمان مبشّرًا لخلوده
وسلمت محروس الجناب من الرَّدى ما طرَّب القمريُّ في تغريده
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا، ويلتمس منه فروة: [من مجزوء الكامل]
يا ماجدًا لبَّى ندا هـ المعتفي قبل النِّدا
ومن استرقَّ بجوده ونواله حرَّ الثَّنا
/٣٧ ب/ الله أدعو أن يزيـ ـدك رفعةً فوق السَّما
لازلت محروس الجنا ب ممتَّعًا طول البقا
البرد قد وافى يجرِّ ر ذيل تيه واعتدى
وجيوشه قد أقبلت فاستوعبت كلَّ الفضا
والصَّبر منذ راى بقا ء البرد آذن بالفنا
فانعم عليَّ بفروةٍ تعدى على برد الشِّتا
واسلم ودم في نعمةٍ عمر الزَّمان بلا انقضا
وأنشدني أيضًا لنفسه، ما كتبه إليه، يطلب منه تحقيقه: [من السريع]
يا شرف الدِّين الجواد الَّذي يمناه بالمعروف معروفه
ومن له نفسٌ على كلِّ أنـ ـواع التُّقى والبرِّ موقوفه
عبدك لا شيء على رأسه هامته في الحكم مكشوفه
[ ٦ / ٥٤ ]
وهو على كثرة تثقيله يرجو من الإنعام تخفيفه
فاسمح بها واسمع ثناءً له أجاد فيه الفكر تأليفه
واسلم ولازالت صروف الرَّدى عنك مدى الأيَّام مصروفه
/٣٨ أ/ وأنشدني له فيه من أبيات، حين وثب عليه ذلك الشخص وجرحه، وقتل شخصًا آخر، وكان اسم المقتول غزالًا: [من البسيط]
لئن فدى الله إسماعيل من كرمٍ بالذّبح واستعظمته الإنس والجان
لقد فداك بإنسانٍ ولا عجبٌ أن يفتدى بجميع الخلق إنسان
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
أحنُّ إلى بان العذيب واثله واشتاق ريَّاه وكثبان رمله
واصبوا إلى آصاله وهجيره وكذر لياليه وبارد ظلِّه
أأحبابنا عودوا وعودوا متيَّمًا بحبُّكم لا يستفيق لعذله
أضرَّ به إعراضكم عن وداده وعجَّل صرف الدَّهر تشتيت شمله
وقد كان ذاعرٍّ منيعٍ فباعه رجاء رضاكم في هواكم بذلِّه
صبورٌ على جور الهوى وعذابه وقورٌ على حلم الزَّمان وجهله
ويحمل فيكم لا عدمتم فؤاده غرامًا يهدُّ الرَّاسيات بثقله
ولولاكم لم يسفح الحزن دمعه على السَّفح من حزن الغوير وسهله
وكيف احتيالي في اللِّقاء وبيضكم وسمرٌ كم كلٌّ يذاد بمثله
/٣٨ ب/ حرامٌ على عيني أن تردا الكرى إذا لم أفز ممَّن أحبُّ بوصله
وأغيد ممشوق القوام رشيقه مليح التَّثنِّي وافر الرِّدف عبله
أحلَّ دمي من غير جرمٍ سوى الهوى وقد كان قبل اليوم غير محلِّه
إذا جئت أشكو ما بقلبي يرقُّ لي ويخلط لي جدَّ الحديث بهزله
ويطمعني حتَّى أقول ملكته ويؤنسني من طوله طول مطله
وإن عقد الزُّنَّار حلَّ تصبُّري ويعقد عن جفني الكرى عن حلِّه
[ ٦ / ٥٥ ]
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
فؤادٌ على مرِّ اللَّيالي يعذَّب وقلبٌ على نار الأسى يتقلَّب
وأنت لحيني معرضٌ متجنِّبٌ بنفسي وأهلي المعرض المتجنِّب
مر الوجد يفعل ما يشاء بمهجتي فإنَّ عذابي في تجنِّيك يعذب
ولا تخش من قلبي سلوَّا عن الهدى وأنت على ما كان منك محبَّب
إذا كان طرفي موردي منهل الرَّدى فمن اشتكى أم من ألوم وأعتب
صددت فصفو العيش فيك مكدَّرٌ وبنت فضوء الصَّبح بعدك غيهب
وإن عاد يومًا وجه ودِّك مقبلًا تبسَّم لي وجه الزَّمان المقطَّب
سقيت الحيا الغوريَّ يا أربع الهوى وجادك من دمع المحبِّين صيِّب
/٣٩ أ/ وحيَّتك أنفاس النَّسيم عليلةً تميل بها الأغصان نشوى وتطرب
وناحت بأعلى دوحتيك حمائمٌ تهيِّج أشواق المحبِّ فيندب
ولا برحت فيك الرِّياض أنيقةً فإنَّك ملهى للحبيب وملعب
عهدتك دهرًا للبدور مطالعًا وصرف الرَّدى عن ساحتيك منكِّب
فمذ رحلوا أضحى بك الدَّهر ناصبًا خيام عفاء بالرِّياح تطنَّب
رعى الله ليلات بمنعرج اللَّوى تقضَّت وظلُّ العيش إذ ذاك مذهب
ليالي ترعى العهد لمياء في الهوى وتصبو إلى وصلي سليمى وزينب
تقضَّت على رغمي قصارًا حميدةً فبعدًا لنفسٍ بعدها ليس تذهب
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
وظبي غرير غرَّني لين لفظه وإجماله المشفوع لي بجماله
فهمت به مستعذبًا مبدأ الهوى وأنساك الشَّيطان ذكرً ماله
وما خلت أنَّ الحين في سيف لحظه وخطِّ عذاريه ونقطة خاله
فلمَّا رآني واثقًا بحيائه وأنَّ فؤادي موثقٌ بحباله
تجاهل عنِّي معرضًا فكأنَّني من الدَّهر يومًا ما خطرت بباله
وخلفني لا آبسًا من جفائه ولا طامعًا في زور زور خياله
[ ٦ / ٥٦ ]
/٣٩ ب/ أروح بقلبٍ خافق من صدوده واغدو بظنٍّ مخفقٍ من وصاله
فيا حاليًا بالحسن رفقًا بعاطلٍ من الصَّبر عان في يد الشَّوق واله
ويا غصنًا هاجت عليه بلابلي وجار على ضعفي بحسن اعتداله
تعطَّف على قلبٍ يقلِّبه الأسى وصل دنفًا أنت العليم بحاله
وأنشدني أيضًا من قيله: [من الطويل]
أأحبابنا إنِّي على ما عهدتم وإن لم تزالوا هاجرين مقيم
وعندي فنونٌ من أسى وصبابة وبي من هواكم مقعدٌ ومقيم
وقلبي الَّذي حدِّثتم عنه إنَّه سليمٌ من الوجد القديم سليم
ودادي وجسمي من وفائي وغدركم بعهدي صحيحٌ في الهوى وسقيم
أحنُّ إليكم كلَّما ذرَّ شارقٌ وأصبو إذا هبَّت صبًا ونسيم
وأحيا بذكراكم إذا ما ذكرتكم ولو أنَّ عظمي في التُّراب رميم
فلا غرو وإن انكرت ما بي أو صبا فؤادي وأضحى بالهموم يهيم
فقد يجهل الإنسان من ألم الهوى ويصبو إلى الأحباب وهو حليم
وأنشدني لنفسه يهجو: [من السريع]
لا تعجبوا من جاهلٍ أحمقٍ بدِّل دائمًا عزُّه
/٤٠ أ/ إن كان قد صدَّره عجزه دهرًا فقد أخره عجزه
وأنشدني لنفسه يهجو: [من المتقارب]
وبلدة سوءٍ لها حاكمٌ طويل العناء لتقصيره
إذا أخطأ الشَّرع في حكمه تداركه بمعاذيره
يزيد ثراءً على نقصه كما زاد الاسم بتصغيره
وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
قد دفعنا إلى زمان لئيمٌ لم ننل منه غير غلِّ الصُّدور
ومنينا من الورى بأناسٍ جعلتهم أعجازهم في الصُّدور
[ ٦ / ٥٧ ]
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض أصدقائه، يلتمس منه كتاب البديع، وهو الذي صنّفه أبو السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزري: [من السريع]
مولاي عزَّ الدِّين يا من له مالٌ مذال وجنابٌ منيع
ومن أياديه وأخلاقه يخجل منها جعفرٌ والرَّبيع
قاسم ما تملكه كفُّه وللندى بين البرايا مشيع
عبدك مولاي به حاجةٌ دعت إلى نسخ كتاب البديع
/٤٠/ فجد به عاريةً واغتنم ثناء عبد شاكر للصنيع
واسلم ولازلت مدى الدَّهر في ظلٍّ ظليَّل ومحلٍّ رفيع
وقال أيضًا: [من الكامل]
لو أن طيفهم يزور لمامًا لشفى أخا لممٍ وبلَّ أواما
ولو أنَّهم رقُّوا لرقِّ سليمهم بعثوا إليه مع النَّسيم سلاما
قومٌ لجارهم الأمان من الرَّدى إلاَّ إذا كان الغريم غراما
من كلِّ قدٍّ أهيف وكحيلة هزُّوا وسلُّوا ذابلًا وحسما
ساروا بدورًا في بروج هوادج وكسى وجوههم الكسوف تماما
شاموا البروق من الحجاز لوامعًا فغدوا لذلك هاجرين الشَّاما
بلغوا من الحرم المعظَّم منزلًا ومن المقام مخيَّمًا ومقاما
لا كان قلبي إن عصى في حبِّهم أمر الصَّبابة أو أطاع ملاما
وقال أيضًا: [من الطويل]
ترى من لصبٍّ بان عنه سكونه هواك وإن لم يحظ بالقرب دينه
مسهَّد جفن نام عنه سميره ونمَّت عليه بالشؤون شؤونه
له جسد هو ميت خافٍ على نظر العوَّاد لولا أنينه
/٤١ أ/ وداء الهوى باديه أيسره الضَّنى واقتله للمستهام دفينه
غدا عنده عذبًا أليم عذابه وعزًا له إذ كان يرضيك هونه
وألفاك مطلوبًا لك القتل فاستوى لديه مناه في الهوى ومنونه
وبي منك طرفٌ بابليٌّ فتوره يزيد فؤادي صبوةً وفتونه
[ ٦ / ٥٨ ]
محاسن هذا الكون أنت مغيضها ومورد بحر الحبِّ قلبي معينه
فشمس الضُّحى من نور وجهك نورها وبان اللِّوى من لين عطفك لينه
فما شاهدٌ إلاَّ بحسنك شاهدٌ ولا غائبٌ إلاَّ إليك حنينه
وقال أيضًا: [من الخفيف]
هل إلى ثغرك المنيع طريق أم لطيف الخيال منك طروق
يا ابنة العامريِّ عهدي على النا ي جديدٌ وعقد ودِّي وثيق
وفؤادي فداك عان أسيرٌ مستهامٌ ومع عيني طليق
لك حسنٌ بالحبِّ يغري ولي و دٌّ عن الصَّبر والسُّلو يعوق
هل ترى وقفةً بنهر المعلَّى يلتقي شائقٌ بها ومشوق
فأبثَّ الوجد الَّذي هو للُّـ ـبِّ رحيقٌ وفي الضُّلوع حريق
وأرى شاهدًا بعين عياني من ثناياك ما حكته البروق
/٤١ ب/ وبي الأهيف الَّذي لحظه والـ ـقدُّ ذا راشقٌ وهذا رشيق
راح في حسنه غريبًا وإن كا ن شقيقًا لوجنتيه الشقيق
ثغره لؤلؤٌ وسافح دمعي في ثرى السَّفح لؤلؤٌ وعقيق
كلُّ معنى من الجمال بديعٌ من معاني جماله مسروق
فيه يهفو لبُّ الحكيم ويجفو في هوى مثله الصَّديق الصَّدوق
وقال أيضًا: [من الطويل]
أرقت لبرق من دياركم عنَّا ألمَّ فكم أضنى فؤادًا وكم عنَّى
بدا حاكيًا تلك الثُّغور ابتسامه وعاد نحيلًا حاكيًا جسمي المضنى
وسلَّ كسيف الهند من غمد أفقه اختلاسًا لقتل الغمض في مقتلي وهنا
فلو لم يحل من دونه دم عبرتي جعلت له جفني غرامًا به جفنا
أأحبابنا قضَّيت فيكم شبيبتي ولم تشفعوا يومًا بحسنكم حسنا
وما نلت من مأمول وصلكم منى ولا ذقت من روعات هجركم أمنا
أسرتم وقيدتم فؤادي بحبِّكم فها هو لا يرجو فداءً ولا منَّا
[ ٦ / ٥٩ ]
سلو داركم بالحزن كم من مدامعٍ ومن مهج سالت لبينكم حزنا
وهل أبرق الحنَّان صوَّح نبته بلوعة قلبٍ غير قلبي إذ حنَّا
/٤٢ أ/ وقال أيضًا: [من الطويل]
عني فيكم المشتاق فرط عنائه فرقُّوا لما يلقاه من برحائه
ومنُّوا بإهداء النَّسيم من الحمى وإن كان يذكي الوجد برد هوائه
عريب الحمى إنَّ الأسود بربعكم لقتلي ظبا ألحاظ عين ظبائه
أيطلق من أسر الصَّبابة مغرم ٌ بعادكم والشَّوق من غرمائه
سقيكم ما احمرَّ إلاَّ بما سقى به جفنه ترب الحمى من دمائه
لئن صوَّحت روضاته من زفيره لقد روَّضت ساحاته من بكائه
أأحبابنا ما حال عهد مشوقكم ولا حلَّ كفُّ الغدر عقد وفائه
وعبد هواكم من نواكم على شفا بلى فتلاوا عبدكم لشفائه
وقال أيضًا: [من مجزوء الرجز]
هم المنى والغرض إن أقبلوا وأعرضوا
وهم حلولٌ في الحشا إن خيموا أو قوَّضوا
نهوا عن الحبِّ ولـ ـكن نهيهم يحرِّض
ليس لقلبي عنهم وإن أساؤوا عوض
إن أعرضوا فللبلى بمهجتي تعرُّض
/٤٢ ب/ يسودُّ من سخطهم وجه النَّهار الأبيض
وينجلي جنح الدُّجى إن واصلوني ورضوا
صحَّة وجدي بهم في القلب منهم مرض
أصار قتلي سنَّةً هواهم المفترض
وقال أيضًا: [من الكامل]
أبدت لك الأيَّام أحسن منظرٍ في ثوب روضٍ بالنَّبات مشهَّر
[ ٦ / ٦٠ ]
فالق الرَّبيع بطلق وجهك باسمًا واسحب إلى اللَّذات ذيل مشتمِّر
واستجل من جلب الكروم كريمةً فيها تليق خلاعة المتوقِّر
في ليل صحو بالمدامة مشمشٍ ونهار غيمٍ بالأزاهر مقمر
فالرَّوض بين مدَّبجٍ ومضرَّجٍ والزَّهر بين مدرهمٍ ومدنَّر
والماء بين مصفَّق ومسدَّل والتُّراب بين ممسك ومعنبر
وكأنَّ قدَّ السَّر وقدُّ مهفهف نشوان من راح الصِّبا يتبختر
وكأنَّما النَّار نج في أوراقه جمرات نار في رداء أخضر
وترى الحمامة فوق مزهر غصنها تشدو مطرِّبةً كقينةً مزهر
والعندليب على الغصون مردِّد الـ ـنَّغمات يخطب فوق أشرف منبر
/٤٣ أ/ يا أيُّها الملك الَّذي أيَّامه صفو الزَّمان وغرَّةٌ في الأعصر
. من كفَّيك إذا مطرتها سحب النَّدى والجود عدة أنهر
ملئِّت قصر النَّيرب الموفي بإتـ ـقان البناء على البناء الجعفري
لو كان في أيَّام كسرى قصَّرت عنه أمانيه وهمَّة قيصر
هو جنَّة الدُّنيا كوثر وتراه كالمسك السَّحيق الأذفر
فرياضه من سندسٍ وحياضه من قرقفٍ ونسيمه من عنبر
وبه من الولدان حولك كلُّ فتَّـ ـان اللَّواحظ كالغزال الأحور
من آل يافث ربِّ خصر ناحلٍ ومؤزَّرٍ فعمٍ وطرفٍ أخزر
يسطو على ليث العرين بأبيضٍ من جفنه ومن القوام بأسمر
لازلت يا ملك الورى في نعمةٍ تبقى بشاشتها بغير تغير
وقال أيضًا: [من الكامل]
يا ظبي كم تردى الأسود وأنت في حرم الملاحة مستقرٌ آمن
لولا سهامفتور طرفك لم أخل أنَّ الجفون الفاترات كنائن
هب أنَّ طرفي بان عنه رقاده يا نوره إذا أنت عنه بائن
فعلام لا ينفكُّ قلبي خافقًا شوقًا إليك وأنت فيه ساكن؟
[ ٦ / ٦١ ]
/٤٣ ب/ وقال أيضًا: [من الرجز]
كم بين سهل المنحنى وحزنه من مطلق الدَّمع أسير حزنه
يصوِّح النَّبت بنار وجده وتعشب الأرض بماء جفنه
ومن فؤاد خافقٍ مروَّع بساكن الوجد ومطمئنِّه
وبي غريرٌ نهب ألباب الورى غير بعيد من بديع حسنه
يغني فتور طرفه واللِّين من قوامه عن ضربه وطعنه
فلحظه إذا رنا كعضبه وقدُّه إذا انثنى كلدنه
يا باخلًا بوصله إن لم تجد على المشوق بالمنى فمنِّه
يحسن سوء الظنِّ منك عنده حبًا وإن خيَّبت حسن ظنِّه
لي دم دمعٍ ناب في سقيا الحمى وأهله عن هاطلات مزنه
وقال أيضًا: [من الكامل]
غشُّ المفنِّد كامنٌ في نصحه فأطل وقوفك بالغوير وسفحه
واخلع عذارك في محلٍّ ريُّه بزذاذ دمع العاشقين وسحِّه
وإذا سرى سحرًا طيلح نسيمه مالت به سكرًا ذوائب طلحه
/٤٤ أ/ ما صادقٌ في الحبِّ من هو عالمٌ فيه بحسن صنيعه أو قبحه
جهل الهوى قومٌ فراموا وصفه خلِّ الهوى وجنابه عن شرحه
وبي الَّذي يغنيه فاتر طرفه عن سيفه وقوامه عن رمحه
ظبيٌّ يؤنِّس بالغرام نفاره ويجدُّ في نهب القلوب بمزحه
استعذب التَّعذيب في كلفي به والحبُّ لذَّة طعمه في برحه
يا شاهرًا من جفنه عضبًا غدا ماء المنيِّة باديًا في صفحه
ومعربدًا في صحوه ومباعدًا في قربه ومحاربًا في صلحه
نم لا جناح عليك في سهري وما ألقاه في اللَّيل الطَّويل وجنحه
وسعى إليك بي العذول وإنني لأخيب إن ظفر العذول بنجحه
[ ٦ / ٦٢ ]
طرفي وقلبي ذا يسيل دمًا وذا دون الورى أنت العليم بقرحه
وهما بحبَّك شاهدان وإنَّما تعديل كلِّ منهما في جرحه
والقلب منزلك القديم فإن تجد فيه سواك من الأنام فنحِّه
[٧٥٢]
محمَّد بن محمَّد بن الحسن بن الفضل بن المطلب، أبو القاسم البغداديُّ
هكذا أملى /٤٤ ب/ عليَّ نسبه لمّا سألته عنه، ويعرف بالنقّاش.
ورد هذا الشاعر الموصل من أرض الشام، سنة ثلاثين وستمائة، وسكنها ولقيته بها في التاريخ المذكور. وهل رجل طويل أشعر.
وأنشدني شعرًا كبيرً في مدائح بني أيوب ملوك الشام، وادّعى أنه من إنشائه وعمله.
ولم يزل يتوصل إلى الأمراء والرؤساء، ويتقرب إليهم ويمدحهم بالشعر، لينفق سوق شعره حتى أوصلوه إلى حضرة المولى المالك، الملك الرحيم، بدر الدين- خلد الله ملكه- وزع أنَّه قد نظم في معاليه عدّة قصائد، أفردها في مجلدة، فلما سمع بها المولى المالك الملك الرحيم، خلع عليه خلعة سنية، وأثابه على مدحه له ستين دينارًا.
ثم رحل إلى مدينة السلام قاصدًا مولانا وسيدنا الإمام أمير المؤمنين المستنصر بالله –أدام الله أيامه-. ثم إنَّني خبرت بعد رحيله إلى بغداد، أنَّه كان من أهل واسط، وأنَّ أباه كان جمالًا يكري الجمال، وأنَّه ظفر بأشعار نجم الدين يعقوب بن صابر المنجنيقي فأغار عليها، وانتحلها لنفسه، يقصد بها الناس ممتدحًا، فقيل له: إنَّك تسرق أشعار الناس /٤٥ أ/ وتدّعيها. ثم امتحن في عمل قصيدة ومعنى، فبقي أيامًا لم يجبه خاطره إلى المقترح عليه.
وكان يقول شعرًا باردًا، ومما أشدني لنفسه، وزعم أنَّه له، هذه القصيدة التي أنا ذاكرها، يمدح بها الملك المعظم أبا الحسن عليّ بن الإمام الناصر لدين الله﵄-: [من الوافر]
[ ٦ / ٦٣ ]
غوادي المزن بالرَّاح امطرينا وبالصِّرف الحميَّا باكرينا
وروِّينا من الصَّهباء إنَّا إلى شرب المدامة قد ظمينا
وقد أخذت ليالي الصَّوم منَّا مآخذها فرحنا مجد بينا
وكاد يميتنا بعذاب قرًّ تطيب به لظّى للمصطلينا
فبتنا نستلذُّ النَّار فيه على جمر المجامر راقدينا
يكاد القرُّ يعقرنا ظهورًا ولذع الجمر يعقرنا بطونا
ولولا أنَّ خالقنا رحيمٌ لكان البرد مثوى المجرمينا
فحيِّي الشَّاربين بكأس راحٍ تطيب به نفوس الشَّماربينا
فقد طابت لشاربها الحميَّا وهلَّ هلال عيد الصَّائمينا
وآذنت اللَّيالي من شباطٍ بتقويضٍ وراء الظَّاعنينا
وبان الصِّنُّ والصِّنبر منه بسبعٍ يقتفين الأربعينا
/٤٥ ب/ وألبست الجمار الأرض وشيًا من المنثور منثورًا فتونا
وقد حميت محدَّبةً صعيدًا وقد بردت مقعَّرةً معينا
وجادتها السَّواري والغوادي فطبَّقت الأباطح والحزونا
فقهقه راعدٌ وبكى غمامٌ فخلنا الجوَّ مسرورًا حزينا
وغنَّى بلبلٌ وشدا هزازٌ فماس الدُّوح من طرب غصونا
وخلنا الأرض في الدِّيباج تجلى عروسًا من بنات المترفينا
مدعدعةً مرابيها سيولًا مفجَّرة رواسيها عيونا
يعاف صعيدها إلاَّ اخضرارًا ويأبى الغصن إلاَّ أن يلينا
شاى منثورها الأزهار سبقًا فحاز هناك سبق السَّابقينا
يقول تأهَّبوا للورد بعدي فقد وافاكم والياسمينا
وثغر الزَّهر يبسم عن أقاحٍ يهيج به غليل العاشقينا
ووجه الأرض وضَّاحٌ طليقٌ لوجه فتى أمير المؤمنينا
فللملك المعظَّم نور وجهٍ تقرُّ به عيون النَّاظرينا
[ ٦ / ٦٤ ]
إذا ما لاح عن قربٍ وبعدٍ تخرُّ له الملائك ساجدينا
تُعفِّر دونه خدًّا وتدمى على ترب المباسم لا ثمينا
/٤٦ أ/ وأحرى أن تحفَّ به ركابًا وأن تغدو عليه عاكفينا
وأن تدعو لدولته وتعنو كما ندعو ونعنو مخلصينا
له المعروف معروفٌ لديهم وهم فيه الكرام الكاتبونا
ولولا الله مجزيهم حسابًا تعالى الله خير الحاسبينا
يريك سماح راحته وجدوى يديه كلَّ ذي كرمٍ ضنينا
تخال الغيث منهمرًا شمالًا له والبحر منسكبًا يمينا
قتولًا عند سطوته سفوكًا حليمًا عند قدرته رصينا
رؤوفًا بالعباد لهم رحيمًا حفيظًا في رعايتهم أمينا
سميعًا حين ندعوه مجيبًا .. مثيبًا حين نسأله معينا
يرى ظلم اللُّهى بالجود عدلًا وقتل الفقر بالنَّعماء دينا
يجود على العفاة بلا سؤالٍ صيانة أوجهٍ للسائلينا
ويعصم من خطوب الدَّهر جارًا ويرغم فيه أنف الحاسدينا
يطير إلى المريخ بغير درع وأسد الغاب تدَّرع العرينا
ونطرد باسمه الشَّيطان عنَّا غداة به نروح مسبِّحينا
وأقسم لو درى إبليس من في تراب آدمٍ منه دفينا
/٤٦ ب/ أطاع الله فيه وكان يومًا إمام السَّاجدين الرَّاكعينا
ولم يقل اللَّعين خلقت نارًا لآدم عزَّةً وخلقت طينا
به فخر الأئمَّة من قريشٍ إذا افتخرت رجال بالبنينا
أليس سليل من ملك البرايا وسادهم وأم المسلمينا
أبو العبَّاس مولى النَّاس طرًا له رقُّ الخلائق أجمعينا
أتمَّ الله نعمته عليه وعاش معمرًا في الخالدينا
[ ٦ / ٦٥ ]
[٧٥٣]
محمَّد بن عثمان بن محمَّدٍ، أبو عبد الله النقجوانيُّ الملحن
نزيل الموصل.
حاذق في صنعة الغناء والألحان. كان متصلًا بخدمة بني أتابك أمراء الموصل منهم: عز الدين مسعود، ثم ولده نور الدين أرسلان شاه، ثم ولد الملك الظاهر عز الدين مسعود، ثم انقطع إلى حضرة المولى المالك الملك الرحيم بدر الدين أبي الفضائل – أعزّ الله أنصاره- وتقدّم لديه وقرّبه، وأنعم عليه إنعامًا وافرًا، يعلِّم جواريه المجتمعة بمجلسه.
سألت أبا عبد الله عن ولادته، فقال: ولدت /٤٧ أ/ خامس عشري المحرم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وله نظم غثّ، مضطرب الوزن.
أنشدني لنفسه، يمدح أتابك نور الدين أرسلاه شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي –﵁-: [من الرمل]
يا مليكًا قد علا سلطانه شاع في كلِّ الورى إحسانه
مالك الشَّرق وسلطان الورى قد تعالى كلَّ يومٍ شانه
نور دين الله شمسًا للعلا ما ونى في خلقه ديَّانه
محكمٌ في رأيه ذو حجَّةٍ متقنٌ قد زاده إتقانه
قد دعا الخلق إلى دين الهدى دعوةً طرَّزها إيمانه
نور دعواه بيانٌ واضحٌ مستنيرٌ ظاهرٌ برهانه
وهو في إيمانه مستيقنٌ زاد في إيمانه إيقانه
أصبح الإيمان عريانًا فمذ إتَّقى الله اكتسى عريانه
نيله في الدَّهر رايات العلا ممكنٌ وافقه إمكانه
فهو طودٌ شامخٌ في ملكه وهو دوحٌ قد علت أغصانه
مذ تولَّى الملك في إقليمه لم تزل معمورةً بلدانه
[ ٦ / ٦٦ ]
[٧٥٤]
محمَّد بن جعفر بن محمَّد بن محمود /٤٧ ب/ بن هبه الله
أبو عبد الله بن القاضي أبي محمَّدٍ الكفر عزي الإربليّ
وقد تقدم شعر والده في مكانه.
أخبرني أنه ولد بإربل في شوال سنة أربع وثمانين وخمسمائة. تولّى كتابة الإنشاء في دولة الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁- في شهر رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة.
أنشدني لنفسه: [من البسيط]
يا من إذا جاد أغنى الخلق قاطبةً ومن إذا رام حفظ المال لم يطق
أمطر عليَّ سحابًا من نداك وجد إنَّني أخشى من الغرق
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
فهل أحدٌ في الخلق غيرك يرتجى وهل أحدٌ إلاَّك في النَّاس يقصد
فإن كان فارشدنا إليه فلم نجد سواك أمرًا يثنى عليه ويحمد
وأنشدني قوله: [من الوافر]
له رأيٌ يفلُّ شبا الأعادي وعزمٌ مثل ما انتضى الحسام
له قلمٌ بأرزاق البرايا كفيلٌ واثقون به الأنام
وأنشدني أيضًا في الملك العزيز: يعقوب بن الملك العادل، /٤٨ أ/ وكان مختصًا بخدمته، وقد آب من سفر: [من الطويل]
أضاءت بك الأيَّام بعد ظليلها وعاد سرور الخلق بعد ذهابه
فأنت هلال الأرض يا خير مالكٍ وبحر ندى طامٍ بفيض عبابه
أجرني مجير الدِّين من حبِّ شادنٍ رماني بهجران وعظم مصابه
وكم لوعةٍ جرِّعتها بصدوده وجرَّعني مرَّ الجفاء وصابه
أيا عاذلي لا تعذل الصَّبَّ في الهوى كفاه مصابًا في الهوى بعض ما به
[ ٦ / ٦٧ ]
فلا دافعٌ عنِّي جفاه وجوره سوى ملك مردي العدا باعتصابه
مليكٍ إذا رام الملوك تعزُّزًا تقبَّل ذلًا نعله بثوابه
ومازلت أرخي ناقتي وأحثُّها وأجهدها حتَّى وقفت ببابه
فبلَّغني كلَّ الأماني وزادني اقترابًا وإنِّي راغبٌ في اقترابه
فقد قال في شعرٍ أبو الطَّيِّب الَّذي يفوق بنظمٍ في الورى وانتسابه
يسير إلى إقطاعه بحسامه على طرفه من داره في ثيابه
فلازال في عزٍّ ونصرٍ ورفعةٍ وجدٍّ وتأييد ومجدٍ سما به
وأيَّده للنطق في كلِّ حالةٍ وبلَّغه ما يرتجي في شهابه
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى الملك الأشرف: [من الطويل]
/٤٨ ب/ أيا عاذلي إنَّ الملامة تعرف وإنَّ استماع العذل في الحبِّ متلف
ويا سائرًا إن كنت طالب حاجةٍ أنخها إلى كم ذا تسير وتعزف؟
فقال: إلى ملك الأنام وموئل العفاة هداك الله إن كنت تعرف
ألا فاستمع يا أيُّها الملك قصَّتي ففي شرحها السَّمع الشَّريف يشنَّف
فقال: إلى الضِّرغام في حومة الوغي أبو الفتح موسى مالك الخلق الأشرف
وبي من هوى ظبي لواعج لوعةٍ به الجسم يبلى والمدامع تذرف
فوالله ما أدري أأكشفه له فيسخط أم أخفيه عنه فأتلف
ولكنني أخفيه عنه فإننَّي وإن تلفت روحي من السُّخط أخوف
بخصر حكى جسمي نحولًا ودقَّةً وقدَّ كغصن البان بل هو أهيف
ومن وجهه شمس النَّهار مضيئةٌ ومن ريقه المعسول صهباء قرقف
فواحزني لو جاد يومًا بقبلةٍ ووأسفي لو كان يغني التأسُّف
فقلبي لذكر البين يخفق دائمًا وقد طالما يدنو الوصال فيرجف
أقضِّي نهاري مع لياليَّ بالمنى لعلِّي يرى ذلِّي يجود ويسعف
وكم يعتدي ظلمًا بقتلي تعمدًا ومالي من يرثي لحالي وينصف
سوى ملك من آل أيوب صيغمٍ يجود ويحنو ثمَّ يسطو ويعطف
[إليك مليك الخلق أجهدت ناقتي الموالي والنَّدى والتلطُّف
وجئتك أشكو جور دهري الَّذي اعتدى عليَّ وأنَّ الدَّهر بالحرِّ يجحف
[ ٦ / ٦٨ ]
فإنَّك أوفى الخلق خلقًا وخلقةً وأنت أنوشروان بالعدل تخلف
وفي الحرب ضرغامٌ وفي الجود حاتمٌ وفي الفضل سحبانٌ وفي الحلم أحنف
وفي الملك سلمانٌ وفي العلم مالكٌ وفي الرَّأي هارونٌ وفي الحسن يوسف]
/٤٩ أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه بحلب، يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من جمادى الأولى، سنة خمس وثلاثين وستمائة، يهنئ بخلعة: [من الخفيف]
هذه خلعة الرِّضا والقبول وهي عنوان قصدنا المأمول
منذ جاءتك دل حظُّك بالإقـ ـبال يا غاية المنى والسُّول
فتمتَّع بها هنيًا مليًّا ما تعاطى النُّدمان شرب الشَّمول
وأنشدني لنفسه في المعنى: [من مجزوء الكامل]
يا خلعةً إذ أرسلت شرفت على إرسالها
مذ أقبلت ولبستها دلَّت على إقبالها
وأنشدني لنفسه في صاحب له قد مرض، ثم أبّل من مرضه، وضمنها أبيات المتنبي: [من البسيط]
الجود عوفي لمَّا أن شفيت من الآ لام والمجد والعلياء والكرم
وعمَّ منك جميع الأولياء فدى والفضل والحلم والإحسان والنِّعم
فلا مرضت ولا زارتك حادثةٌ (وزال عنك إلى أعدائك الألم)
/٤٩ ب/ ما دمت في صحَّةٍ فالخلق في دعةٍ إذا سلمت فكلَّ النَّاس قد سلموا
وأنشدني لنفسه في صاحب له، وقد تأملت رجله: [من المنسرح]
قالوا اشتكت رجله فقلت لهم حاشاه أن تشتكي له رجل
لأنَّها لم تزل لمكرمةٍ تسعى رهام العلا لها نعل
[ ٦ / ٦٩ ]
[٧٥٥]
محمَّد بن أحمد بن سعيد بن المبارك بن ثابت بن عليٍّ الأزريُّ،
أبو عبد الله بن أبي العباس.
تقدم شعر والده المعروف بابن الدنيّة.
وهو من قرية تدعى أزر من قرى قوسان الأعلى من الأعمال العراقية، ويعرف بالموصلي بالباعشيقي؛ لأنه أقام بقرية من قرايا الموصل تسمى باعشيقا، برهة من الزمان فنسب إليها.
وهو شيخ مربوع مائل إلى السمرة، قدم الموصل، ولازم الإمام النقيب كمال الدين أبا الفتوح حيدر بن محمد بن زيد بن عبد الله الحسيني الموصلي –﵀- وصار من أخصّ تلاميذه عنده ونفاه الملك الرحيم بدر الدين –صاحب الموصل- حين بلغه أنه يعمل الكيمياء، /٥٠ أ/ فخرج إلى إربل، ونزل بدار حديثها، وتردد إلى جماعة من أكابرها العراقيين، فنفقت سوقه. وهو شاعر عارف متشيّع حافظ للقرآن العزيز، وقد طالع أخبار الناس وأيامهم، ومن أهل المعرفة والأدب.
أنشدني لنفسه، في شهر جمادى الأولى، بمدينة إربل سنة ثماني وعشرين وستمائة، يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المبارك بن أحمد المستوفي –﵀-: [من المنسرح]
أما الأسى اليوم فهو لي داب إستحسن العاذلون أم عابوا
فلا تقولوا سلا فمثلي لا يسلو ولافي هواه يرتاب
ولا تظنُّوا فارقتكم مللًا كلُّ ملولٍ في الحبِّ كذّاب
تشهد لي عندكم ضمائركم بأنكم للفؤاد أحباب
وأنَّنا حضر الجواهر والأعـ ـراض منَّا لا شكَّ غيَّاب
يا جيرتي حيث لا جوار وأصـ ـحابي وأنَّا للصبِّ أصحاب
رحلت عن ربعكم وللدمع في الـ خدِّ نزولٌ بادٍ وتسكاب
[ ٦ / ٧٠ ]
حتَّى لقد خلت أنَّ آذار أعداني وإن كان في آب
وذاك من بعد ما فرت أظافرٌ عندكم وأنياب
/٥٠ ب/ وكنت أرجو إصلاح حالي إلى أن حال بالبعد ما بيننا الزَّاب
فرائق الماء في فمي كدرٌ مرٌّ وحلو عيشتي صاب
لو لم ينهنه عنِّي الأسى شرف الـ دِّين لكانت أحشاي تنجاب
هو الخصمُّ الَّذي عجائبه لكلِّ عجب منهنَّ إعجاب
تنوَّعت للورى مكارمه تنوُّعًا لا يناله عاب
لقاصديه منه سدىً وندىً جمٌ وجاهٌ ضافٍ وآداب
ما أسبلت دونهم له حجبٌ ولا ازدراهم لديه حجَّاب
كلُّ ثناءٍ على سواه يرى نفيًا ولكن عليه إيجاب
تأتيه من كلِّ وجهه مدحٌ كأنَّه للمدح محراب
مباركٌ كاسمه مباركةٌ أفعاله والأفعال أنساب
تزداد منه ألقابه شرفًا إن شرَّف العالمين ألقاب
له يراعٌ يروع شانئه مظفَّرٌ للعداة غلاب
إذا جرى فالأرزاق جاريةٌ تستنُّ من خلفه وتنساب
وإن احسَّت وقوفه وقفت كأنَّما في الطَّريق اعتاب
من معشرٍ إن دجا الزَّمن أضاء ت منهم أوجهٌ واحساب
/٥١ أ/ علقت منهم بذيل ذي كرمٍ له المعالي والمجد أتراب
يستصغر النَّائل الجزيل لمن يغشاه فالذَّود عنده ناب
قد فرَّقت ماله مواهبه إنَّ ابن موهوبنا لوهَّاب
مولاي عطفًا بالجاه منك على من ماله غير بابكم باب
قد كان ألغى نظم القريض لأسـ ـباب أتت بعدهن أسباب
فإن وجدتم لحنًا لديه ففي سماعكم للملحون إعراب
والعجز بالاختصار ألزمه لديكم والتطويل إسهاب
[ ٦ / ٧١ ]
وأنشدني أيضًا لنفسه في إنسان، اسمه يوسف يُعرّض له بطلب ثوب: [من الطويل]
يقول لي الحسَّاد من حسد بهم وأكبادهم غيظًا عليَّ تفور
وصلت إلى المولى الأمير بمدحةٍ من الشِّعر حقًا أم كلامك زور
فأين أمارات الوصول وجوده على كلِّ عافٍ في البلاد غزير
فقلت لهم: تالله ما أنا آسيًا وإنِّي على ما تلفظون صبور
عسى يوسفٌ يلقى إليَّ قميصه فيرتدَّ أعمى الحظِّ وهو حسير
وأنشدني لنفسه في صديق، /٥١ ب/ وقد بلغه أنَّه مريض: [من البسيط]
قالوا: تمرَّض من تهوى فقلت لهم: أنا المريض وأمَّا ذاك حاشاه!
لو أمكنتني الليالي من عيادته وكيف أطمع فيما الدَّهر يأباه
خلعت منِّي على عطفيه عافيتي حبًا وألبست جسمي ثوب شكواه
وأنشدني لنفسه، يرثي الشيخ الإمام أبا حفص عمر بن أحمد النحوي –﵁-: [من الطويل]
ألا ما لنادي الفضل أصبح باكيًا وروض النُّهى في أرضه آض ذاويا
وعهدي به من قبل يبسم نيِّرًا فأوشك ما أمسى يعبِّس داجيا
وما ذاك إلاَّ أنَّ بدر سمائه عراه خسوفٌ لن يرى بعد باديا
أمن بعد مجد الدِّين تحمد لامرئٍ مساعٍ وإن أضحى إلى المجد ساعيا
مبيِّن أعلام العلومٍ ومظهرٍ دقائق سبلٍ كنَّ قبل خوافيا
ألا قاتل الله الخطوب بفعلها لقد هذبت طودًا من المجد عاليًا
وبحر علومٍ غيضته وطالما رأينا به ذكر البلاغة طافيا
حسبنا الرَّدى لم يق كأس مصابه سوانا وما ذقنا أذاق المعاليا
/٥٢ أ/ عقرنا عليه كلَّ لبٍّ وخاطرٍ إذا نحن لم نعقر عليه النَّواجيا
وأبنا بحزِّ الشَّعر لا الشِّعر والحجى عليه وحذَّقنا الذكا لا المذاكيا
وقائلةٍ ما بال دمعك جامدًا وكان لك الخلَّ الصَّدوق المصافيا
فقلت لها نار التَّلهُّف نشَّفت بإيقادها منِّي الدُّموع الجواريا
[ ٦ / ٧٢ ]
كذلك شمس الإفك عند غروبها يرى كلُّ نجمٍ في السَّماوات هاويا
أرى معشرًا من بعد موتك جادلوا ليرقوا من العلياء ما كنت راقيا
لعلمهم أن قد نأيت مفارقًا ولو كنت فيهم ما رأيت مباريا
لئن نال أهل النَّقص منصبك الَّذي غدا اليوم قفرًا من جمالك خاليا
فغير عجيبٍ للثعالب وطؤها حمى أسد حاميه أصبح نائيا
وأن تسكن البوم القصور مشيدةً إذا لم تجد في ذروة الفخر بازيا
[٧٥٦]
محمَّد بن حيدر بن مسعود بن دلف بن عليِّ بن أبي الحسن بن
أبي البقاء بن الدُّنبدار، أبو عبد الله الواسطيُّ.
أخبرني أنه ولد سنة خمسٍ وتسعين وخمسمائة، بالمضمار، وهي محلة بواسط. وقل ما تخلو له قصيدة /٥٢ ب/ من ذكرها، ويصغرها للتحبيب.
وزعم أنَّ له نسبًا متصلًا إلى ميثم التمار، غلام علي بن أبي طالب –صلوات الله عليه وسلامه-.
شاب أسمر، خفيف العارضين، قضيف البدن.
وهو شاعر مكثر مجيد مقتدر، متفنن في أقواله، لم أر أحدًا من الذين ينتمون إلى هذه الصناعة، ويعزون إلى هذا الشأن؛ أقدر منه على إنشاء القوافي، وارتجال الأشعار.
وآخر عهدي به، بمحروسة إربل في رمضان سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. وأفاها مادحًا أميرها، والمستولي عليها يومئذ أبا الفضائل باتكين المستنصري، فألزم نفسه، في كل يوم إنشاء قصيدة على نظام حروف الهجاء، ما بين الخمسين والثلاثين، يمدح المستنصر بالله أبا جعفر –خلد الله دولته- إلاَّ أن شعره؛ ظاهر الكثافة، عارٍ من السهولة واللطافة، ذو قدرة على نحت القريض وارتجاله، مع معرفته بضروب آلاته، بالغ في
[ ٦ / ٧٣ ]
ذلك أقصى غاياته، طوّف قطعة من بلاد العجم، وحظي بقوله من ملوكها بأوفر القسم.
ثم هاجر إلى البلاد الشامية، ومنها إلى الديار المصرية، مستمطرًا سحاب جود ملوكها وأمرائها، ومنتجعًا /٥٣ أ/ بقوله ندى صدورها.
لقيته في شوال سنة خمس وعشرين وستمائة، بمحروسة إربل. وافاها صحبة فلك الدين بن المسيري، وهو متوجه معه نحو مدينة السلام، ثم لقيته مرة أخرى بإربل سنة ثلاث وثلاثين؛ فأنشدني لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي –﵀-: [من الكامل]
لا ترجني للَّهو واللَّذَّات واستبقني وقفًا على الحسرات
الحبُّ أحكم في قلوب بني الهوى بتقلُّب الحركات والسَّكنات
حكم التَّفرُّق أن أبيت مسهَّدًا قرح الجفون مرقرق العبرات
يا شيم برق الشَّرق هجت لمهجتي أسفًا ورعت جموعنا بشتات
أحدثت لي ظمأ الفؤاد وريًّه من ماء دجلة أو من الدَّرجات
زدني بومضك جنَّةً أدنى بها أمد الدُّمى وزيارة الدَّمنات
فلكم لنا في واسطٍ من مألفٍ أمست معارف آيه نكرات
يا مجمع اللَّذَّات هل لزماننا من رجعة يا مجمع اللَّذَّات
أيَّام يدعوني الهوى فيقودني طوعًا إليه تعرُّض الظَّبيات
من كلِّ من لعب الصِّبا بقوامها لعب الصَّبا بمهفهف البانات
/٥٣ ب/ لولا مواثقها الَّتي أوثقتني لم اغترب متقسِّم العزمات
ولما رأيت الفوز قطع مفاوزٍ وارتحت بالرَّوحات والغداوات
إنَّ الَّتي نظرت إليك أظنُّها رمت الفؤاد بأسهم النظرات
كحلت جفونك بالسُّهاد مراض أجـ ـفان لها بالسِّحر مكتحلات
ريميَّة اللَّفتات في تركيَّة اللَّـ ـحظات من عربيَّة النُّطقات
حجبت حواجبها كراك فنقَّطت عيناك ما عرَّقن من نوبات
لم أنس يوم وداعها وتأمُّلي مقلًا بماء جفونها شرقات
والبين يظهر ما تجنُّ صدورنا من فيض أنفسنا على الوجنات
لا تنكروا تصفير لونٍ مقطِّرٍ عبراته بتصعُّد الزَّفرات
[ ٦ / ٧٤ ]
إنَّ الهوى يقضي الهوان لأهله وتغيُّر الألوان والحالات
يا دهركم من غصَّة جرَّعتني بفتى جزعت لبينه وفتاة
أوهت سطاك تجلُّدي وفللن غر ب مهنَّدي وحنت قويم قناتي
وتركنني رهن الصُّروف تنوشني أحداثها لولا أبو البركات
الكافل الكافي بصيِّب راحة مخلوقة للبرِّ والصَّدقات
كادت أنامله وقد جادت على الأ حياء تحيي غابر الأموات
/٥٤ أ/ وصلت صلات يمينه وأتى بها موصولةٌ بالصَّوم والصَّلوات
وقفت قوافينا مناقبه وقد وقف الثَّراء على ذوي الفاقات
لم تخب نار قرى تشبُّ ولا لها قلبٌ له يومٌ عن الإحنات
من ناطقين عن العلاء بسرِّه فمصدَّرٌ ماضٍ وآخرات
قومٌ إذا مطرت سحاب أكفِّهم رفَّت من الآمال كلُّ رفات
يتسابقون إلى النَّدى فنديُّهم أبدًا يحجُّ إليه ذو الحاجات
إن انكروا فعلى العداة وإنَّهم لا يعرفون المطل يوم عدات
وإذا الزَّمان ترادفت أزمانه كفَّت أكفُّهم أذى الأزمات
حمدوا مساعي للمبارك لم تزل محمودةً مرفوعة الدَّرجات
وهب ابن موهبٍ لنا من حلمه سترًا لما يبدو من العوردات
إنَّ الكلام وإن أصاب مواقعًا من سامعيه لمشبه العثرات
وإذا أتيت به المبارك فاستعن بالصفح واجمع ما تشاء وهات
يا من كسى دست الوزارة رونقًا غربت به الدُّنيا من التَّبعات
كنت المليَّ بحقِّها فوليتها وبلغت منها غاية الغايات
ما هبت أمرًا هيب يوم حكومةٍ كلاَّ ولا هبناك يوم هبات
/٥٤ ب/ ولقد عنيت بها وغيرك ما اعتنى بسوى الكؤوس ورنَّة القينات
إن صغت تبر المدح فيك فإنَّني رصَّعته بالدُّرِّ من لفظاتي
حكمٌ حكمن على القلوب ولم يمن في نظمهنَّ مصدِّق اللَّهجات
ستر البديع عن الجهول جمالها ستر البراقع أوجه الفتيات
جاءتك سوداء السُّطور وإنَّها بيضاء مثل الدُّرِّ في الظُّلمات
[ ٦ / ٧٥ ]
نشرت صحائفها ففاح بذكركم عرفٌ لها متأرِّج النَّفحات
أنهضتني لمَّا قعدت وطالما انطقتني بالحمد بعد صمات
وفتحت بابًا ما تبوأها أمرؤٌ إلاَّ رآها معدن الخيرات
يأوي إليها السَّاغبون فتنثني محفوفةً بأطايب الشَّهوات
فرَّقت فيها ما تجمَّع من لهى وجمعت شمل المجد بعد شتات
فاليوم أغفر سيِّئات زماننا وأعدُّ مدح علاك من حسناتي
وأنشدني لنفسه، يمدح فلك الدين المسيري: [من البسيط]
على ملاعب ألاَّ في وخلاَّني تحيَّةٌ من فؤاد المدنف العاني
أرضًا با رضت قلبًا لست أملكه جهدي وحيَّيت من بالوصل أحياني
/٥٥ أ/ أبيت فيها بلا واشٍ أحاذره أجرُّ في اللُّهو أذيالي وأرداني
طورًا إلى فتيات الخدر ملتفتي وتارةً حفظ ندماني بإدماني
تجلو عليَّ كؤوس الرَّح آنسةٌ هيفاء لم تهف من قلبي بإنسان
الشَّمس من وجهها تبدو ومن يدها تهدى إلى غير ولا واني
أمسى بسنجار أحبابي ولي وطنٌ بواسطٍ ولباناتٌ بحرَّان
يا قصر حيَّاك من دمعي أوائله فإنَّ آخر دمعي أحمرٌ قاني
ولا دنت منك أنفاسي فإنَّ بها من السَّموم أماراتٌ لنيران
أأستلذُّ حياةً بعدما عدمت عيناي منك دمى أدمين أجفاني
ويا فتاة أسترجعي زمنًا ولَّى بميَّالة العطفين مذعان
بيضاء في اللَّيلة الظَّلماء تحسبها بدر التَّمام على غصن من البان
تخال جامد درٍّ من مقبَّلها يذوب في عسلٍ لم يجنه جاني
دعوتها فأجابتني بتلبيةٍ جواب وافٍ بعهدي غير خوَّان
ولي رسولٌ إليها غير متَّهمٍ يتلو عليها صباباتي وأشجاني
فأقبلت ينثني خمر الشباب بها فاعجب لصاحبه في زيِّ سكرانٍ
أقول للَّيل لو يصغي إلىَّ وقد زارت وكلُّ رقيبٍ نحونا راني
[ ٦ / ٧٦ ]
/٥٥ ب/ يا أيُّها الليل طل إن رمت عازمةً وأحسن لما يلتقي الحسنى بإحسان
إنَّ الَّتي صرمت حبلي وأحسبها تخشى العدا واصلتني بعد هجران
الحزن والحسن مقسومان لي ولها رزقًا ولابن المسيري رفعة الشَّان
الواهب المال يبتاع الثَّناء به وصاحب المنهل الطَّامي لظمان
ومن بجمِّ أياديه وأنعمه آنست مجمع أوطاري وأوطاني
بنى له رتبةً في المجد شاهقةً شمَّاء لم يلفها من قبله باني
ما قطَّ قطُّ يراعًا ثمَّ خطَّ به إلاَّ جرت منه للإحسان عينان
ولا امتطى واحدا ً يومًا ثلاثته إلاَّ وأسقت له وأسقاني
حبرٌ أحبِّر فيه كلَّ قافيةٍ في راحتيه لمن يرجوه بحران
إذا نظرت إليه يوم نائلةٍ رأيت مناخ برٍّ غير منَّان
يعطي ويعلم أنَّ الحمد مكتسبٌ باقٍ وأنَّ هواه متجرٌ فاني
يجزي على الخير خيرًا وهو معترفٌ به ويغفر جرم المذنب الجاني
يا من أياديه عندي غير واحدةٍ ومن أناديه في سرِّي وإعلاني
ومن إذا راعني دهري لحادثةٍ أحدثت من برِّه لي خير أعوان
/٥٦ أ/ إن تنأ دارك عن داري فإنَّ لنًا قلبين عند مزار عندها داني
ولو تمكَّنت من شوقٍ يؤرِّقني إليك أودعت طيَّ الطِّرس جثماني
مالي أبيت من الآمال في شغلٍ عنها وقرب مكاني منك إمكاني
ولي قصائد لو ألقى النَّبيَّ بها لكنت أجدر أن أدعى بحسَّان
وعدتني منك مركوبًا وإنَّ لنا يوم الرَّحيل لتوديعًا بإرنان
فامنن بأدهم مثل اللَّيل ينظرني في سرجه زمني في عين خزيان
أو أشهبٍ في ظلام النَّقع تحسبه صبحًا يفرِّقه من خيل خاقان
أو أشقر من دم الأعداء صبغته يدافع الخطب عنِّي منه ركنان
بغدان حنَّت إلى لقياك ثانيةً فسر وصل بعد صرمٍ حبل بغدان
إبسط بها يد منٍّ منك قابضةً ثناء من ماله في فنِّه ثاني
[ ٦ / ٧٧ ]
وألق الخليفة طلق الوجه مبتسمًا حتَّى يضيق بأفق الشَّرق بدران
واسدد برأيك أمرًا لا سداد له وافتح بنطقك فيه باب برهان
سيرفع الوزر عن بغداد مقدمنا إذا استقلَّ على دستٍ وزيران
وأنشدني أيضًا فيه يمدحه: [من الطويل]
أتعلم ذات الخدر أيُّ مودع أشارت إليه بالبنان المقمَّع
/٥٦ ب/ وفيٌّ وكلٌّ بالمواثيق غادرٌ وحافظ أسرار الحبيب المضيِّع
وهل أنكرت أنِّي على بعد دارها أخو كبد حرَّى وقلبٍ موزع
بسنجار أحبابٌ له وبواسطٍ صبابته لا بالعذيب ولعلع
يهيج له تذكار هاتين جنَّةً ويطر به سجع الحمام المرجَّع
أبيت اجتناب العذل إن بتُّ ليلةً ولم يمل من تذكار نطقك مسمعي
ولا مسَّ عيني نومها إن تمتَّعت بغيرك يا ذات الحجاب الممنَّع
حننت إلى قصر الفتاة ودونه مفاوز قفر موحش دون بقلع
إذا ظمئ الرُّواد فيها تعلَّلو بها من تعالي آلهًا المترفِّع
أحبُّ بها طلق الأسرَّة إن أقل يجبني وإن أشك الهوى يتوجَّع
وأين الَّذي إن قلت قال وإن أرع يروَّع وإن ابثتته مؤلمًا يعي
غدا نفسي تلك الرسوم فإنَّه سمومٌ وسقتها سحائب ادمعي
منازل لا أمسي بعيش مكدَّر مهينٍ ولا أضحي بسربٍ مروَّع
تغازلني الغزلان فيها وإنَّها لخير ظباءٍ ظلن في خير مرتع
ولمَّا براني جورٌ كلِّ مقنَّعٍ تقنَّعت عن كلٍّ بدر مقنَّع
تلفَّتُّ للتوديع خوف وشاتنًا تلفُّتها نحوي بقلبٍ مصدَّع
/٥٧ أ/ فلم أر إلاَّ أدمعًا مثل أدمعي وقلبًا لقلبي من أسى وتفجُّع
يشيِّعني منها بنانٌ مخصَّبٌ فقل في قتيل من المشيِّع
تناسيت أهلي إن تناسيت ليلةً رأيت بها شمس الضُّحى ملء مضجعي
ومنها:
[ ٦ / ٧٨ ]
سأركب ظهر الهول في متنٍ صافنٍ من الخيل سبّاقٍ إلى القصد مسرع
أخوض به طورًا فجاجًا وتارةً أسير به في واضح النَّهج مهيع
وانصب نفسي للهجير ولا أرى لقومي ومربع
عسى كامنٌ كابن المسيريِّ يجتني ثناي ويدني من أحبَّاي مرجعي
ومنها:
وليلٍ قطعنا فيه كلَّ تتوفةٍ بكلِّ طويل الباع أشوس أروع
رأينا النُّجوم الزُّهر فيه كأنها حبابٌ على كأس المدام المدعدع
أديرت عليه فيه من سأم السُّرى كؤوسًا حسوناها بإرخاء انسع
فلو كنت فينا خلت أنَّ رحالنا محاريب قومٍ ساجدين وركع
سئمنا به التَّعريس حتَّى انجلى لنا سنى صبحه من وجهك المتشعشع
وأنشدني لنفسه، وقد استدعاه /٥٧ ب/ صديق له، إلى مجلس شراب ولم يمكنه الحضور فيه: [من البسيط]
إن قصَّرت قدمي والقلب في شغل عنكم فلا حملت من فوقها قدمي
وإن جرى قلمي والقلب في شغلٍ عنكم فلا قبضت كفِّي على قلمي
تصدُّني عنك أحوال لهيبتها قلبي لها أذنٌ إن حدَّثت بفمي
فدونكم والحميَّا إنَّها مزجت ولست حاضرها من حبِّكم بدمي
ما قصَّر الكأس عنِّي دونكم كسلٌ إلاَّ وطال على ندمانكم ندمي
وأنشدني لنفسه في صديق مرض ولم يتمكن من عيادته لسبب ما: [من الوافر]
سمعت بأنَّ عبد الله يشكو فضقت وقد سمعت بذاك ذرعا
وبتُّ وقد منعت سواك منِّي لما خبِّرته بصرًا وسمعا
وعزَّ عليَّ عزَّ الدِّين ألاَّ أطيق أردُّ عنك الضُّر نفعا
ألست أخا اليد البيضاء عندي أقرُّ بها ولا اسطيع دفعا
ومن عمَّت شمائله وطابت لنا فزكا بها أصلًا وفرعا
وأقسم بالكؤوس مدعدعاتٍ يحسِّيني بها وترًا وشفعا
/٥٨ أ/ وبالنِّعم الَّتي قلَّدتنيها ولست أرى لها ما عشت منعا
[ ٦ / ٧٩ ]
لقد صدع المخبِّر لي فؤادًا جعلتك خير ثاو فيه صدعا
ولو مكِّنت من قلقٍ عراني على رأسي لكنت إليك أسعى
وأنشدني قوله في صديق له، اسمه أبو بكر، كان كثير المكاتبة إليه ثم قطعها عنه: [من الطويل]
منحت أبا بكرٍ إخائي ومدحةً لأوصافها مثل الجمان المبدَّد
وقد أبناء الزَّمان مودَّتي وقلت لآمالي على مثله اعقدي
فمن سنَّ قطع الكتب بيني وبينه أخان أبو بكر عهود محمَّد
وأنشدني لنفسه في فلك الدين بن المسيري، وقد نقم على أستاذ دارٍ له رباه صغيرًا، فكان تركيًا اسمه "أقش": [من الكامل]
يا أيُّها الفلك المدِّبر ملـ ـك الشَّام وهو لدسته صدر
غلمانك التُّرك النُّجوم إذا حضروا واقشٌ بينهم بدر
/٥٨ ب/ ولقد مضى ليل السِّرار وما للبدر بعد سراره ستر
أعززت جانيه وليس له نابٌ به يفري ولا ظفر
وكفلته طفلًا فشبَّ كما تهوى إليه النَّهيُّ والأمر
كذب الوشاة به وما كذبوا إلاَّ ليصدق عندك الهجر
حاشاك لا تحنوا وقد موَّلته وبنانه صفر
وأنشدني لنفسه، وقد عمل لفلك الدين بن المسيري، سماع بدمشق في دار حسنة البناء، وحضر جماعة من الشعراء، فامتدحوه ووصفوا الدار بحسن بنائها:
[من المنسرح]
لله يا دار من بناك فقد سلكت نهجًا من قبل ما سلكا
أما كفاك الذي منحت به حتى أطلت سقوفك الفلكا
وأنشدني لنفسه، وقد نادم في بستان جماعة، منهم رجل يلقب العفيف، وقد استحضر قينة يقال لها كوكب: [من السريع]
[ ٦ / ٨٠ ]
وجنَّة بتُّ بها اجتني لذاذة المأكل والمشرب
/٥٩ أ/ عاف عفيف الدين فيها التُّقى بكوكبٍ واغترَّ بالملعب
فقلت في اللَّيلة يا قومنا قد رجم الشَّيطان بالكوكب
قال: فقيل لي: أطلت الفكرة في المعنى، حتى أجدته. فارتجلت:
قالوا: عفيفٌ، فقلنا: من التُّقى والأمانة
دانت لديه المخازي لمَّا ابته الدِّيانه
مذبات فينا رجمنا بكوكبٍ شيطانه
وأنشدني أيضًا لنفسه في العفيف، وقد سأل غلامًا اسمه أبو بكر، يريد به الفاحشة: [من الطويل]
سمعت لأهل السُّنَّة اليوم مأتمًا وخطبًا جليلًا حاق بالعبد والحرِّ
يقولون: ما ارتدَّ العفيف وبدِّلت عقيدته إلا بنسك أبي بكر
وأنشدني لنفسه في ابن دنينير الشاعر، وكان كثير الأذية للناس: [من السريع]
يا قوم ما لابن دنينير قد شنَّ عليكم غارة الفتك
أتى مكانٌ لامرئٍ لم يزل أبوه بين الصَّرف والصَّكِّ
/٥٩ ب/ وأنشدني لنفسه فيه أيضًا: [من السريع]
يا ابن دنينيرٍ اطلت الأذى للنَّاس في سرٍّ وإجهار
واسم أبيك الشَّيخ مستحقرٌ فكيف لو كنت ابن دينار
وأنشدني قوله في مغنية اسمها قمر: [من الكامل]
لله ليلتنا وقد كسفت قمر السَّماء بوجهها قمر
[ ٦ / ٨١ ]
وترنَّمت فينا فمن طرب كادت نجوم الأفق تنتشر
في فتية مثل الكواكب إن جادوا فجود أكفِّهم بدر
فيهم لنور الدِّين مرتبةٌ تنحطُّ منها الأنجم الزُّهر
ذاك الأمير ابن الأمير ومن ببقائه الأيَّام تفتخر
وأنشدني لنفسه في غلام مشبب جميل الصورة: [من البسيط]
واسمر تخجل السَّمراء قامته من طيب أنفاسه الأرواح تستلب
أمسى يشبِّب والشَّادي يرجِّع الـ ـحانًا فلم يك إلا زيره الطَّرب
لو انصفوه لصاغوا الزِّير من ذهبٍ وقد يقلُّ لهذا الأسمر الذَّهب
وأنشدني قوله في مغنٍ يعرف بشمس الدين بلبل: [من المتقارب]
/٦٠ أ/ أرى الشَّمس قد بزغت في الدُّجى تبيِّض من ليله الأليل
ولم أر شمسًا لسمارها تحدِّث من نغم البلبل
وأشدني لنفسه في أخوين مطربين، يعرف أحدهما بالشمس، والآخر بالقمر بمجلس الملك الناصر- صاحب حماة- وقد سئل ذلك، فقال ارتجالًا: [من الكامل]
وعصابة مثل الكواكب قد جمعوا لدينا الشَّمس والقمرا
فترى القلوب لذا منازله ويروح هذا السَّمع والبصرا
وأنشدني لنفسه في غلام، خلع عليه الملك الناصر جبة حمراء، وكان يحبه: [من الكامل]
ومترَّك الألحاظ هزَّ قوامه تيه الصِّبا كالغصن هزَّته الصَّبا
عقر القلوب وقد تقمَّص أحمرًا فحسبته بدمائهنَّ تجلببا
وأنشدني أيضًا لنفسه في مشبب يعرف بابن سلطان: [من السريع]
إنَّ ابن سلطان وأنفاسه يحيى بها من هو مقبور
/٦٠ ب/ كأنَّه والزِّير في كفِّه ينفخ إسرافيل والصُّور
وأنشدني أيضًا من شعره، في مطرب حسن الصوت والوجه: [من المنسرح]
يا مطربًا لحنه ونغمته تحلُّ عقد العقول والمهج
إيَّاك والفتك في القلوب فما أفتاك في سلبها بلا حرج.
[ ٦ / ٨٢ ]
أمسيت فينا فناب وجهك في اللَّيل مناب الشُّموع والسُّرج
وأنشدني له فيه أيضًا: [من المتقارب]
لنا مطربٌ من سنى وجهه يبيَّض وجه الدُّجى المظلم
تكاد إذا ما شدا ترقص السَّـ ـماء وتنتثر الأنجم
يهيم الحليم بألحانه ويفهم من لم يكن يفهم
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا: [من الكامل]
ومطرب عذبت لنا ألفاظه تهتزُّ من ألحانه الجدران
ودَّت عيون النَّاظرين جماله من نطقها لو أنَّها آذان
وأنشدني لنفسه، وقد حضر مجلسًا في جوسق بدمشق /٦١ أ/ مع أميرين، يلقب أحدهما بدر الدين، والآخر بهاء الدين، وهنالك غلام حسن الصورة، يقال له: سعدون، فسأله الأمير: أن يشبّه محاسنه بشيء من أزهار الجوسق، فقال ارتجالًا:
[من السريع]
وجوسقٍ مرَّت لنا نزهةٌ فيه بأنواع الرَّياحين
لم أر شيئًا فيه إلاَّ وبي مثاله من وجه سعدون
من وجنةٍ كالورد محمرةٍ وحاجبٍ كالآس مقرون
وسايره الأميران المقدم ذكرهما في البستان حتى وقفوا على ماء يترقرق على الحصى، فقال بديهة: [من السريع]
وربَّ ماءٍ وهو من فوق الحصى مندفقٌ يجري
لو أنه مال لشبهته يد البها أو راحة البدر
وسأله راجح الحلي الشاعر: أشربت الخمر قبل اليوم؟ فأنكر، وأنشد بديهة:
[من البسيط]
/٦١ ب/ يا راجح القول في سرٍّ وفي علن وواحد النَّاس من أنثى ومن ذكر
هذي المدامة من أخلاقك اعتصرت حتَّى تصابي إليها أوقر البشر
وأنشدني لنفسه، وقد اجتاز برأسٍ عين سنة عشرين وستمائة، وجرى بينه وبين قاضيها كلام، ونهض من عنده مغضبًا، فلقيه فيما بعد القاضي راكبًا على بغلة،
[ ٦ / ٨٣ ]
فاستوقفه، وأنشده ارتجالًا: [من البسيط]
عاتبت بغلة قاضينا وقلت لها إلى متى أنت من مولاك في دأب
قالت: فقد جاء في القرآن ملتزمٌ بالوالدين ومالي أن أعقَّ أبي
فشكاه القاضي، إلى شاعر هناك، يقال له برهان الدين عثمان بن عطية، فلما عتبه، أنشده ارتجالًا لنفسه: [من الطويل]
أعثمان إن كان القريض فضيلةً يقربها في كلِّ مجتمعٍ تروى
فممَّ بمرأى إدَّعيت اجتنابه ومالك فيه حجَّةٌ تثبت الدعوى
وإن كان نظم الشعر غير فضيلةٍ فإنِّي وإياك اتفقنا فلم أزوي
/٦٢ أ/ وأنشدني لنفسه أيضًا، وقد حضر مع راجح الحلي الشاعر، مجلس شراب، فمد له قدحًا يشربه، فقبله، وأنشده ارتجالًا: [من الوافر]
كأن الرَّاح في كفَّيك تبرٌ يجود بها بلا من علينا
فلا شكرٌ يغرُّ يديك منَّا كما إحسانها يترى إلينا
وأنشدني أيضًا لنفسه، يمدح الإمام المستنصر بالله أبا جعفر المنصور أمير المؤمنين، خليفة الله في العالمين –﵀- ويحرضه على أعدائه، وأخذ بلادهم:
[من السريع]
في صهوات الشُّزَّب الضُّمَّر مطَّلب النَّصر لمستبصر
وفي الرُّدينيات نيل المنى ومنشأ العزَّة والمفخر
لا تغترر بالخدع من صاحبٍ من يغر بالعلياء لا يغرر
إن معطاه كؤوس السُّرى تسرُّ قلب الخاطر المخطر
وخوض هول الأرض لا يرتضى إلاَّ لجرَّار القنا مجتري
الدَّهر وآراؤه محمودة المورد والمصدر
/٦٢ ب/ لله كم من مهمهٍ جئته بهمَّةٍ تهزأ بالأنسر
تؤنسني الوحدة في منزلٍ والرفق ما في البلد المقفر
وجنح ليلٍ جنحت رفقتي فيه إلى الأزهار والمزهر
بتنا على اللَّذات أسرارنا مسروروٌ بالخمر والميسر
[ ٦ / ٨٤ ]
تقدِّح الأقداح من لهونا شرار حقد الكبد الموغر
وضجَّة الأوتار ما بيننا وأنزه الصَّاحي من المسكر
ليل حميدٌ ما زجرنا به مهرَّيةً في المهمه الأغبر
ولا اصطحبنا منه في غارةٍ غازين بالأبيض والأسمر
مارسني الدَّهر ومارسته والحرُّمين يحمد في المخبر
أقصى قصاراي به عزمةٌ حكيت الملك على قيصر
ما أنا ممَّن همُّه بلغةٌ يبلغ منها إرب المقتر
إذا نبا بي موردٌ عافه .. خلقي ولو كان من الكوثر
لا أحمد النَّهضة إلاَّ إلى خليفة الله أبي جعفر
الآمر الأمَّة بالعرف والـ ـمعروف والنَّاهي عن المنكر
والصائم القائم والعالم الـ ـحاكم في الغيَّب والحضَّر
/٦٣ أ/ وعاقد الرَّايات سودًا يقرِّ بن العدا من موتها الأحمر
في جحفلٍ جبريل من جنده يموز بالنَّصر ولا يمتري
لوامع البيض وبيض الظُّبا فيه كبرق العارض الممطر
كأنَّ فتح الطير من فوقه مخلوقةٌ من ذلك العسكر
كأن غرثي الوحش سرَّت به سرب قطًا بالماء مستبشر
كأن فيه الخيل جوَّالةً ضراغمٌ ثرن فلم تثأر
تهتزُّ فيه كلُّ خطيَّة سمراء هزَّ الغصن الأخضر
شنَّ به المنصور نصرًا لمن يعدُّ دعواه ولم يغدر
لا غرو أن بطش من أعراقه تغلق بالمئزر
مبتهج الوجه إذا أمَّه ذو أملٍ مرتفع العنصر
زرناه بالزَّوراء فاستبشرت آمالنا بالنَّائل الأوفر
وأصبح المعروف من تيهه يعلو على المشئم والممصر
فيا أمير المؤمنين الَّذي جبينه كالقمر المسفر
[ ٦ / ٨٥ ]
************
ورأييه في فضل يزهر مثل الكوكب النيِّر
/٦٣ ب/ عز لبلاد الله من حاكم بالجور فيها لحكم مستنكر
وأجبر بعدل منك كيس امرئ لولاك لم يؤس ولم يجبر
يا ملكًا أنمل راحاته سحائبٌ أنشئن من أبحر
رع كل باغ ما بي إذا صال فمثل الأسد القسور
ليثٌ على السرج له غرَّةٌ كالبدر في دائرة المغفرة
فالأرض إرثٌ لك من دوننا يا ابن الصَّفا والرُّكن والمشعر
من لي بأن أنظر راياتكم مرفوعة تنشر في شيزر
في فيلق تجري كرجل الدَّبى معتصمًا بالعدد الأكثر
تحتل من أرض حماة الحمى حلول حام غير مستنكر
ويلتقي حمص بملمومةٍ تدمِّر الأعداء عي تدمر
ضراغمٌ تطلب من جلِّق عرين ثاوٍ غير مستنفر
وترجم القصرين من بعدها عزائمٌ طالت فلم تقصر
تجتذب النيل إلى دجلة كما مضى في سالف الأعصر
لوارث البردة من أحمد للسيف والمنبر
/٦٤ أ/ ومنقذ الأمَّة من غيِّهم ومنصف الأعمى من المبصر
هناك ينجو الشَّرق من مشرقٍ ويبرأ الغرب من البربر
[٧٥٧]
محمد بن سعيد بن يحيى بن عليِّ بن الحجّاج بن محمد بن الحجاج، أبو عبد الله بن ابي المعالي الدبيثيُّ الواسطيُّ.
[ ٦ / ٨٦ ]
وجده الأعلى كان من دبيثا؛ قرية الحجّاج من طريق الجبل، بينها وبين واسط عشرة فراسخ.
شيخ صالح فاضل، عدل ثقة من مشاهير أصحاب الحديث وعلمائهم وأعيانهم وحفاظهم، قد جمع عدّة كتب منه: تأريخًا ذيّل به على تاريخ السمعاني المذيل على تاريخ الخطيب؛ وقرئ عليه، وكتب به عدة نسخ.
وكانت ولادة أبي عبد الله يوم الاثنين سادس عشري رجب سنة ثماني وخمسين وخمسمائة، بواسط. وتوفي ببغداد يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وستمائة.
وسمع الحديث الكثير على مشايخ واسط، وبغداد، والحجاز، وطلبه بنفسه، وسمع بواسط أبا طالب محمد ابن علي الكتاني، وأبا العباس هبة الله بن نصر الله بن مخلّد /٦٤ ب/ وجماعة آخرين. وبالحجاز من عبد المنعم بن عبد الله الفراوي، وببغداد من أبي السعادات نصر الله بن عبد الرحمن القزاز وغيرهم؛ وألّف التاريخ.
وهو شيخ ثقة حافظ ذو معرفة، وضبط وعلم بالتواريخ والوقائع، واسع الرؤية، له أشعار متضمنة الزهد، والوعظ، وما يتصل بهذه الأنواع.
أنشدني لنفسه: [من الطويل]
سبيلك يا نفسي إذا رمت مخلصا وراحة سرَّ أن تقلّي من الطمع
وأن تقنعي بالقصد في كل حاجة ولا تيأسي في الحادثات إذا تقع
وإن مس دهرٌ بالمساءة فاصبري وزيدي خضوعًا للإله فقد نفع
[ ٦ / ٨٧ ]
ولا تظهري الشَّكوى لخلق فلن تري لأمر قضاه الله من دافعٍ دفع
فما العسر باقٍ مثلما اليسر لم يدم ولا المرء يبقى فاتركي الحرص والخدع
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الطويل]
سيذري دمًا بعد الدُّموع كآبةً على خوضه في اللَّهو من كان لاهيا
ويندم من قد كان يسعى لنفسه بأهوائها إذ بان في النار هاويا
ويعلم عقبى حاله كلُّ خالعٍ عذار الحيا يوم الحساب الملاقيا
فقل لمجدٍّ في الحرام مسارعٍ ترفَّق قليلًا سوف ترحل
/٦٥ أ/ وأنشدني من شعره أيضًا: [من الطويل]
يغر الفتى طول السَّلامة لاهيًا وينسى هجوم الموت مع ظلمة القبر
وأهوال ما يلقى ويوم حسابه إذا برز الجبَّار للفصل والأمر
وصيحة أهل النار في النار والبكا إذا عاينوا أهل المفازة والغفر
فيا ربِّ وفِّفنا لخير طريقةٍ ومنِّ بما يرضيك يا عالم السِّرِّ
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الكامل]
إني نظرت مفكرًا في مبدأي وتنقُّلي في الخلق والأحوال
حتى عقلت وصرت أعلم أنه لابد لي من منتهى ومال
وكأن ما قد كان لم يك صائرًا فيما مضى متحقِّقًا لزوال
أيقنت أنِّي لا محالة ذاهبٌ متحلِّل التَّركيب غير محال
ومن شعره، يمدح المستنصر بالله: [من الطويل]
إمام هدى أحيا به الله خلقه وأغناهم بالبرِّ منه وبالفضل
وأعطاهم فوق الذي كان ظنَّهم من الطول والإحسان والأمن والعدل
به ازدانت الدنيا وزاد جمالها وظلَّ بنوها من أياديه في ظل
فلا زال في ملك عقيم ونعمةٍ تدوم وفي عمر مديد وفي بذل
/٦٥ ب/ وبلَّغنا فيه الذي نرتجي له من النَّصر والتمكين رب له يعلي
وله: [من الطويل]
خليليَّ إن جار الزَّمان أو اعتدى فلوذا بحسن الصَّبر فيه وسالما
[ ٦ / ٨٨ ]
فمن سالم الأيَّام نال مرامه وكان من المكروه وسالما
وقال: [من الطويل]
عليك بحسن الصَّبر في كل حالةٍ وإن كان طعم الصَّبر في حمله صبرا
فلن يعدم الإنسان نيل مرامه إذا قطع الأيام مستعملًا صبرا
وعدِّ عن الأطماع وأقنع بدونها فكم أهلكت حرصًا وكم قتلت صبرًا
وقال: [من الطويل]
خبرت بني الأيام طرًّا فلم أجد
صديقًا صدوقًا مسعدًا في النَّوائب
وأصفيتهم منِّي الوداد فقابلوا صفاء ودادي بالقذى والشَّوائب
وما اخترت منهم صاحبًا وارتضيته فاحمدته في فعله والعواقب
وقال: [من البسيط]
يا من يكاثر بالإ خوان معتقدًا أن المودَّة من أسباب قوَّته
لا تغترر ببني الأيام معتمدًا على مودَّة من تغري بصحبته
/٦٦ أ/ وكن على حذر ممن تعاشره فالدَّهر أنكد أن تصفو لعشرته
كم من خليلين طال الودُّ بينهما عادا عدوَّين كلُّ حلف جفوته
[٧٥٨]
محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر بن عليِّ بن عبد السلام، أبو نصرٍ البصريُّ.
لقيته بمدينة السلام سنة أربع وعشرين وستمائة؛ وهو كهل طويل. وذكر لي أنه قرأ القرآن العزيز بالروايات العشر والسبع والشواذ.
وهو تاجر يسافر [إلى] البلاد، وينتقل في طلب المعاش والتجارة، وله شعر قصره على فن التغزل والنسيب؛ ولم يمدح أحدًا ولا هجاه إلاَّ بقول الشعر تأدبًا،
[ ٦ / ٨٩ ]
الألحان. وهو
أنشدني لنفسه: [من الكامل]
حتَّى م أعذل في الهوى وأعنَّف تالله إنَّ عواذلي قد أسرفوا
قالوا: اصطبر واسل الحبيب تكلُّفًا وأبى الهوى أن يقتضيه تكلُّف
أنَّى وكيف لي السُّلوُّ وها أنا في الحب مسلوب الحشاشة مدنف
أخفى الغرام تسترًا من كاشح فتذيعه عنِّي جفونٌ وكف
/٦٦ ب/ يا للرجال سبى فؤادى شادنٌ غنج اللَّحاظ رخيم دل أهيف
خنث الشَّمائل عذبةٌ أخلاقه من خدِّه ورد الشَّقائق يقطف
ملك القلوب بحسن لطف خلاله فكأنَّه ربُّ الملاحة يوسف
جاوزت في حبيبه كل نهايةً فصبابتي أنهى حديث يوصف
أشكوا غليه لعلَّه أن يرعوي لسكايتي وأودُّلوا يتعطَّف
وبليَّتي ونحول جسمي أنَّه في وصل مثلي زاهدٌ متعفِّف
وحياته قسمًا وحسبي أنني بحياتي في الحب برًا أحلف
لا خنته جهدي ولا عن حكمه أبدًا ولو ذقت الرَّدى اتخلَّف
وأنشدني لنفسه في الغزل: [من مجزوء الرمل]
غفل الواشي فزارا لابس الليل إزارا
بدر تمَّ لو رآه الـ ـبدر إجلالًا توارى
في الدُّجى يسري فخلت الليل إذا وافى نهارا
فاتر الطَّرف كساه السِّـ ـحر غنجًا وأحورارا
قلت: أهلًا ب حبيبٍ لا أرى عنه اصطبارا
/٦٧ أ/ مالكي تفديك روحي ذبت شوقًا وانتظارا
فسقاني من رضاب خلته صرفًا عقارا
عطل الكاسات لمَّا خمر عينيه أدارا
[ ٦ / ٩٠ ]
وانتقلنا اللَّثم حتى خالنا الصَّاحي سكارى
يا لها فرصة عمرٍ ليتها عادت مرارًا
ليلةٌ ضاهيت فيها ليلة القدر افتخارا
[٧٥٩]
محمد بن أحمد بن أبي بكرٍ، أبو حامدٍ الجرباذقانيُّ.
وجرباذقان بليدة بين أصفهان وهمذان.
ففيه شافعي، جيد المعرفة في المذهب، فاضل في علم الأصول والخلاف، وله شعر يقصر عن معرفته وعلمه. وسألته عن ولادته، فقال: ولدت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه من قصيدة أولها: [من البسيط]
أحبابنا بالحمى بالله ما الخبر هل يعتريكم سلامٌ فائحٌ عطر
أم أنتم ذهَّلٌ عن فحصكم أثري وما لودَّ إلينا بالرِّضا نظر
ما هكذا الودُّ للخلاَّان منعقدٌ بالله صحبي أروني كيف أصطبر
/٦٧ ب/ ومنها:
ثغر المودّة للأحباب مبتسمٌ لكنَّ عيني بكاها مسَّه الأثر
على فؤادي فنون الجور من زمنٍ بأن دمي في عهده هدر
ومنها:
ابيت في ترحةٍ والقلب منصدعٌ والدَّهر هيهات لا يبقى ولا يذر
ومن مديحها:
غوث البريَّة دستور الممالك من ذا عنده للندى عظمٌ ولا خطر
عين المعالي حليف العزِّ مصطنع سيَّان عند نداه العين والمدر
[ ٦ / ٩١ ]
[٧٦٠]
محمد بن عبد الواحد بن محمد بن الحسين، أبو عبد الله الموصلي.
تفقه على مذهب الإمام الشافعي، وقرأ طرفًا من علم النحو والعربية على جماعة من أدباء الموصل.
وكان شابًا خفيف العارضين، نحيفًا، أبيض اللون، تعلوه صفرة. وكان ترامى إلى العلوم الرياضية، ويدّعي معرفتها. وكان فيه ذكاء حسن، وكان بيني وبينه عشرة وصحبة. وكان في خلواته بارعًا /٦٨ أ/ جاد خاطره بشيء من النظم، في غرض يقع لا بأس به.
كانت ولادته ليلة عرفة سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وتوفي آخر النهار يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة سنة ثماني عشرة وستمائة بالموصل.
أنشدني لنفسه، ما خلا البيت الأول وهو للأمير أبي العباس عبد الله بن المعتز:
من معيني على السَّهر وعلى الهممِّ والفكر
فنظم أبو عبد الله على الوزن والقافية: [من مجزوء الخفيف]
من غزالٍ قد اشتهر حسنه واسمه عمر
قد براني في ضرر من هواه على خطر
فكم الحسن قد سطر حاجبيه وما اقتصر
ليس في خدِّه شعر نوره يقمر القمر
ليته زار في السَّحر والكرى يفهم الخبر
[٧٦١]
محمد بن عليِّ بن عبد الله بن سليمان بن عليِّ بن عبد الحميد بن أبي العافية، أبو عبد الله البلنسيُّ العمريُّ.
من أولاد عمر بن الخطَّاب – ﵁ -.
[ ٦ / ٩٢ ]
رأيته شابًا طويلًا، أشقر /٦٨ ب/ أزرق العينين، بمدينة إربل، في أوائل رجب سنة ثماني وعشرين وستمائة. وهو من أهل القرآن والمعرفة بالنحو والأدب. وذكر أنه قرأ العربية على أبي الحجاج يوسف بن محمد الأندي. وعلى ذهنه قطعة صالحة من أشعار الندلسيين.
وله تصانيف في الأدب، عدّد لي أسماءها منها: كتاب "النكت الغريبة في شرح الجزولية"، وكتاب "الشافعي في علم العروض والقوافي"، وكتاب "الروض الممطور في أوصاف الخمور"، وما يتعلق بها في الشذوذ".
وله شعر مليح، وقول عذب. وسألته عن مولده، فقال: ولدت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه: [من الكامل]
ومهفهف سفك الدِّماء بلحظه جارت على كلفي به فتكاته
رقَّت محاسن وجهه فكأنَّما ماء الحياء غذيت به وجناته
رشًا إذا أهدى السَّلام بمقلة ولَّى وقد عبثت بنا لحظاته
نمَّ العذار على مورِّد خدِّه ولوت بعقرب صدغه نوناته
نشوان لكن من خمار خفونه من أين للقلب العميد نجاته!
/٦٩ أ/ أنت الكمال وغصن قدِّك ناعمٌ لا تبخلنَّ فقد زهت ثمراته
الحسن مالٌ والزَّكاة فريضةٌ لا يزك مالٌ لم تؤدَّ زكاته
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الكامل]
يا سيدًا ساد الورى قسمًا بمن خلق الهوى إنِّي إليك متيِّم
جرحت ظبا ألحاظ جفنك مهجتي فعساك تأسوا ما جرحت وترحم
وأنشدني لنفسه أيضًا، وكان قد أهدى إليه بعض العلماء شربة ماء: [من البسيط]
يا خير من كتبت يمناه بالقلم وخير من قد غدا يمشي على قدم
تغضي العيون حياءً من مهابته بحر العلوم وبحر الجود والكرم
أهديت لي شربة ماء إن شربت بها ماء سوى حبِّك المفروض في الأمم
[ ٦ / ٩٣ ]
شرَّفتني بالَّتي تحيا النُّفوس بها يسقيك من كل عذب بارد شبم
بالورد قد طيبت لكن نوافجها طيَّبتها منك بالأخلاق والشِّيم
لا زلت في نعمةٍ تترى مجدَّدةٍ عليك ما لاح بدرٌ في دجى الظُّلم
[٧٦٢]
محمَّد بن عليِّ بن أحمد /٦٩ ب/ بن عبد الله بن عليِّ بن أبي طالب بن أبي الفرج بن مخلد بن كرمٍ، أبو عبد الله الخزرجي الأنباري.
كانت ولادته بمدينة السلام، سابع عشري رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، بجانبها الغربيّ، في جوار محمد بن بشار بالقرية.
وهو رجل صالح عفيف، نشأ في طاعة الله تعالى وحفظ القرآن المجيد، وسمع الحديث الكثير على جماعة من مشايخ بغداد الثقات؛ كأبي الفرج بن الجوزي، وأبي القاسم يحيى بن أسعد بن بوش البغدادي، ومكيّ الغراد، وعبد الرحمن بن عيسى البغدادي، وأبي علي عمر بن علي بن عمر الحربي الواعظ وغيرهم، مما ينيِّف على خمسين شيخًا.
اجتمعت بأبي بعد الله بمدينة إربل، وهو مقيم بها، فانتظمت بيني وبينه مودة.
أنشدني لنفسه أشعارًا في أغراضه، فمن ذلك قوله: [من المديد]
يا خليَّ البال عن كمدي بأبي السُّبطين خذ بيدي
أنا في داء أعالجه لا أرى الشكوى إلى أحد
مغرمٌ قد قلَّ ناصره مستهامٌ ناحل الجسد
ربَّ ليلٍ بتُّ ساهره عن غرامٍ حلَّ في كبدي
/٧٠ أ/ وأنشدني أيضًا: [من المنسرح]
يدَّبر الله ما يشاء وفي تدبيره للعباد إحسان
يقيم أرزاق خلقه وله في كل وقتٍ من أمره شان
[ ٦ / ٩٤ ]
[٧٦٣]
محمد بن عمر بن محمد بن علي بن محمد بن المبارك بن محمد المهتدي بالله بن الواثق بن المعتصم بن الرشيد بن المهديِّ بن المنصور بن محمد بن عليِّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أبو عبد الله بن أبي حفصٍ العباسيُّ.
هكذا نسب لي نفسه.
شيخ رأيته بمدينة إربل في جمادى الأولى، سنة سبع وعشرين وستمائة. وذكر لي، أنَّه كان بالموصل معلّم صبيّة لكتب العامة، ثم ترك صنعة التعليم، وعاد إلى وطنه بغداد، فصار بها يؤدّب أولاد أمرائها بالخط.
أنشدني لنفسه، يمدح القاضي شهاب الدين أبا المناقب محمود بن أحمد بن بختيار الزنجاني: [من البسيط]
علوُّ مجدك أجرى السَّعد في الأفق فأبشر بيمن وإقبال على نسق
واسعد به يا شهاب الدين وابق لنا يا أبيض الوجه والإحسان والخلق
لأنت مولى إذا عدَّت مناقبه فبلَّجتك ضياء الصُّبح في الفلق
سامي المناقب محسود المراتب محـ ـمود العواقب محمولٌ على الحدق
/٧٠ ب/ إن قال أو صال أو سالت عوارفه لدى المرا والوغى والنائل الغدق
كالغيث كالعضب مندلق واللَّيث منطلق والغيث مندفق
أغنت عوارفه فقرى وعاش بها أهلي ومات بها ضدِّي من الفرق
فما اصطبحت بكأس من عوارفه إلاَّ وقد بثَّ في جلباب مندفق
كم نلت ما رمت من إنعام راحته فنال أقصى المنى في ملكه وبقي
في ظل مالكنا رقًا وموسعنا رزقًا ومنذنا من العلق
النَّاصر الملك الدَّاعي إلى الرَّشد النَّاهي عن الفند الهادي إلى الطرق
خليفة الله ظل الله ناصر ديـ ـن الله أحمد كهف الواهن الفرق
لا زال عصمة ملهوفٍ وكعبة معـ ـروف يحجُّ إليها كل مرتزق
[ ٦ / ٩٥ ]
[٧٦٤]
محمد بن عليِّ بن شمَّاس بن هبة الله، أبو عبد الله بن أبي الحسن الإربيليُّ.
وقد تقدم شعر والده، وشعر أخيه.
أخبرني أنه؛ ولد في شهر ذي الحجّة سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وهو الأكبر من أولاد الوزير أبي الحسن علي بن شماس. وهو حسن المذاكرة بأيام الناس وأخبارهم، وقال أشعارًا غير أنَّها ذهبت، ولم يظهر لي منها شيء.
ومن شعره، يهجو علي بن /٧١ أ/ النفيس. كان من أولاد نصارى رومايا، قرية من بلد قلعة ألقى من أعمال الموصل.
وكان قديمًا من الجزيرة العمرية. وكان هذا المهجو بإربل قد استولى على مملكة سلطانها الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين – ﵁ – وحكم فيها، واستفحل أمره، وظلم الناس ظلمًا فاحشًا حتى غلب على السلطان مظفر الدين، وانقاد له في جميع ما يأمره وينهاه، وحصل أموالًا جمّة، ومات على أقبح موتة، وأراح الله المسلمين من ظلمه. فأنشدني أو عبد الله فيه لنفسه: [من الخفيف]
قد كرهت الولاء لمّا تسمَّى بعليٍّ هذا الوضيع الرَّذيل
إنَّ يومًا يكون فيه رفيعًا عند هذا الورى ليوم ثقيل
إنَّ ملكًا يكون فيه مشيرًا مثله في الأنام ملكٌ علي
ما احتيال
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
بكت عيني حذار البين حتَّى جرت بعد الدُّموع لها الدِّماء
وعوِّدت التئام الشَّمل جهدي وليس لصحبةٍ أبدًا بقاء
[ ٦ / ٩٦ ]
[٧٦٥]
/٧١ ب/ محمَّد بن عليِّ بن يحيى بن محمد بن الحسن بن يوسف بن عبيد الله، ابو عبد الله بن أبي الحسن الشلمانيُّ.
كان ولده من قرية من قرايا فنك، تدعى شلما، من عمل الجزيرة العمرية. وقد سبق شعره أبيه في موضعه.
وأبو عبد الله ذو طبع في الشعر، إلا أن شعره ضعيف؛ لكونه لم يشتغل بالعربية. نزل إربل، وتولّى بها عملًا، ثم حبس، وطالت مدته في الحبس.
أنشدني لنفسه، ما كتبه إلى الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفى من الحبس، يشكو حاله، وما يلاقي من الضائقة والفاقة: [من الخفيف]
شرف الدين لا برحت بإحسا نك تحيي من كان ميتًا كسيرا
أنت بحرٌ والبحر يمنح ما يأ تيه درًّا ولؤلؤًا منثورا
إن أكن في الحديد أصبحت فردًا عاري الجسم جائعًا مكسورا
فلي الله ثمَّ أنت ومن كنـ ـت له مسعدًا فعزَّ ظهيرا
قيَّدتني أطواق إحسانك لمَّا ضنَّ من كنت أرتجيه نصيرا
وملكت القياد منِّي فأصبحـ ـت بجدواك منعمًا محصورا
قست ما كان من زماني فلم أحـ ـظ منكم هبًا منثورًا
[٧٦٦]
/٧٢ أ/ محمَّد بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن ثابت بن مزاحم بن عياش بن وديعة، أبو عبد الله الموصليُّ.
تقدّم شعر أبيه، وكان من النيل.
[ ٦ / ٩٧ ]
وكانت ولادة محمد بالموصل، في منتصف ذي القعدة يوم الاثنين ضاحي نهار سنة ثمانين وخمسمائة.
شاب ضعيف العينين، وقد وخطه الشيب، مربوع. سمّى نفسه شاعر أهل البيت. يلحن في إنشاده.
وحكى أنه وقف على منجم طرقي، فأراد أن يعبث به، فقال: نجّم لي، وذكر غير اسمه، واسم أمّه.
فقال له المنجم: قل الصحيح.
فقال: فقلت له، اسمي الحقيقي.
فقال: أنت تكون تجمع ألواح الصبيان، وتصر معلمًا.
قال: فكنت بعد ذلك بمدّةٍ طويلة كما قال.
وكان يؤدّب الصبيان بالموصل.
وهو شاعر غزير الشعر، طبعه مجيب في النظم، مدح أهل البيت – صلوات الله عليهم – بقصائد شتى، اشتهرت عنه، وترك التأديب، ثم اشتغل بالتنجيم، وعرف منه طرفًا جيدًا وكتب التقاويم الحسنة.
أنشدني لنفسه من قصيدة، يمدح بها مولانا وسيدنا الإمام المفترض الطاعة على كافة الأنام المستنصر بالله أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور – رحمه الله تعالى -.
/٧٢ ب/ يقول فيها: [من السريع]
وربَّ عنس صرت في ظهرها جائلة في مهمه الأنهر
لا تشتكي فرط وجى لا ولا ترعى من الحوذان والعرعر
جاريه كالطَّير في جوِّها لغامها من طحلب أخضر
تؤمُّ بي نحو إمام النَّدى خليفة الله أبي جعفر
الظَّاهر الأنساب من هاشمٍ رب الجبين الواضح الأزهر
[ ٦ / ٩٨ ]
هو الإمام النَّبويُّ الذي عنصره من أشرف العنصر
وإلى أمور الدين عن جدِّه العبَّاس بل عن أحمد المنذر
حامي حمى البطحاء والرُّكن والـ ـحطيم والكعبة والمشعر
واللاَّبس البردة والحامل الـ ـقضيب والرَّاقي على المنبر
ذو التاج والمغفر لا بربِّ التاج والمغفر
من في فناه مهبط الوحي والتَّبجيل والتَّفضيل والمفخر
من نور رب العرش أنواره كذاك لا تخفى على المبصر
مالك أعناق ملوك الورى منشي زمام الرِّمم الدُّثَّر
ذو الجحفل الجرَّار والعسكر الساري من الأملاك في عسكر
/٧٣ أ/ تخفق في الآفاق راياته باسم منصور ومستنصر
إذا جرت في معرك خليه بغير هام الشُّوس لم تعثر
توسم في الأرض المحاريب فالثغور باللَّثم لها تمتري
يظل من فوق الثَّرى دونها يسجد وجه الملك الأصفر
سيوفه مذ لم تزل والقنا بالدَّم غن يدع بها يقطر
وبيضه حمرٌ وأرماحه سمرٌ بغير الهام لم تثمر
حاز على عشر بحار وفي كل الورى سبع من الأبحر
وحيث جادت كفُّنه بالحيا فالعارض الهتَّان لم يذكر
يغني بعيد الدار بالوابل الـ ـمدرار من مثر ومن مقتر
يعلم ما في السرِّ وحيًا من اللـ ـه وقد يخبر بالمضمر
أضحت به بغداد كالخلد للسَّاكن والدِّجلة كالكوثر
فنشرها أذكى من المسك للنَّاشق والكافور والعنبر
خليفة الله الذي حبُّه في اليوم ينجيني وفي المحشر
من لا يواليك غدًا في لظى يكبُّه الله على المنخر
فقت على كيوان في رتبة الـ ـفخر وجاوزت مدى المشتري
/٧٣ ب/ وأصبح المرِّيخ في هوَّةٍ منك على الأعداء كالقسور
فارق وطل واسعد وسد وابتهل وعش ودم واسم وجد وافخر
[ ٦ / ٩٩ ]
وأنشدني لنفسه، وقد أهدى إلى الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفى، تقويمًا، وكتب على ظهره: [من الطويل]
ولما رأيت الشعر ليس ببالغ علاك وأهل الأرض أنت رئيسها
منحتك بالأفلاك تجري سعودها إليك وتجري في الأعادي نحوسها
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا، وقد لسعته عقرب في قدمه: [من السريع]
يا شرف الدين الذي لم يزل يجوده يوجد أهل العدم
قد فاقت العقرب فخرًا كما قد فاق من قبل منك القدم
وأنشدني لنفسه، مبدأ قصيدة: [من مجزوء الكامل]
يا مائسًا تحت الغلائل أمن الشَّمول هي الشَّمائل
أزرت لحاظك بالسيو ف ولين قدِّك بالذَّوابل
إن شئت قتلي في هوا ك فحبذا ما أنت فاعل
/٧٤ أ/ شفَّيت بي منك الحوا سد واللَّوائم والعواذل
يا أيُّها الرِّيم الذي مرعاه قلبي لا الخمائل
لا حبذا واش غدا عنِّي إليك الزُّور ناقل
كم ذا أميل إليك من وجد وعنِّي أنت مائل
لا تحملن سيفًا فلحـ ـظك ناب عمَّا أنت حامل
لك من خفونك والحشا طول المدى رامٍ ونابل
حازت لحاظك ما وعى الملكان من سحرٍ ببابل
ويح النَّسيم لو أنَّه أدَّى إليك لي الرسائل
لبعثت في طيَّاته منِّي إلى الحبِّ الرَّسائل
وأنشدني لنفسه: [من المتقارب]
مدحتك لا طعامًا في نداك وفي جود مثلك من يطمع
ولكن بشحِّك لمَّا سمعت أردت أحقِّق ما أسمع
وأنشدني أيضًا لنفسه، في غلام لابس أحمر: [من الكامل]
ومهفهف كالغصن قامته بخصره ما بي من السَّقم
[ ٦ / ١٠٠ ]
/٧٤ ب/ لم أنسه لمّا بدا قمرًا يختال في ثوب من العنم
وحواسدي حولي وقد بهتوا من حسنه في ذلك الصَّنم
فأجبتهم والدَّمع يكسب من جفنيَّ في خدَّيَّ كالدِّيم
لم يكف أن دمي بوجنته حتَّى تسربل كلُّه بدمي
[٧٦٧]
محمد بن المبارك بن يحيى بن عبد الله بن القاسم بن المظفر، أبو سعد بن أبي الفتح الشهر زوريُّ الموصليُّ.
من أبناء القضاة الشهرزوريين.
أخبرني أنه ولد بالموصل، في سلخ جمادى الآخرة سنة ستٍّ وثمانين وخمسمائة.
تفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁ – وحفظ فصولًا في الوعظ، وقال أشعارًا مختارة، ووعظ الناس بالمسجد الجامع برهةً من الزمان. وكان يحصر مجلسه عالم كثرٌ من الرؤساء، والفقهاء، وأكابر البلد. وكان حسن الصوت في إنشاد الشعر، ذا قبول تام عند الناس؛ فبقي مدة يسعد المنبر، ويتكلم على الناس، ويعظهم، ويظهر التدين والنسك على سيرة مرضية، وطريقة حميدة؛ فعند ذلك جذبه المولى الملك الرحيم إلى خدمته، واختاره لمنادمته، وأنعم [عليه]، /٧٥ أ/ وقربه إليه، وصار أحد ندمائه، ومخصوصًا من بين جلسائه، وتزيّا بزي الأجناد.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الملك الرحيم بدر الدين، عضد الإسلام والمسلمين، تاج الملوك شرف السلاطين، غياث الملهوفين، ملك أمراء الشرق والغرب بهلوان جهان خسروا إيران اج أرسلان إينانج قتلغ بك أتابك صغرك تكين بلكا، أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين – ثبت الله أركان دولته – وأسبغ عليه ظل نعمته، ويهنئه بالنيروز: [من البسيط].
لمَّا تبدَّى الكثيب الفرد والعلم أهدى السَّلام فماد البان والسلم
وظلَّ يلثم خدَّ الأرض معترفا بسكر ما أسلفت أيَّامها القدم
أيَّام لهو تقضَّت وهي حافلةٌ بالوصل لا سامٌ فيها ولا ندم
[ ٦ / ١٠١ ]
ونحن في صفو عيش ما به رمقٌ الدَّار دانيةٌ والشمل ملتئم
لله كم من لبانات قضيت بها أيَّام لم يهتضمني الشيب والهرم
فاليوم لا عثرتي فيها تقال ولا يرعى لديَّ بها إلٌ ولا ذمم
لا درَّ درُّ الغواني كم حشا تركوا مقتروحةً حشوها من جورهم ألم
يوفون بالعهد ما دام الشَّباب لنا غضًّا وما مسَّنا الإملاق والعدم
/٧٥ ب/ صحوت يا صاح من سكر الشَّباب وقد أضاء صبح مشيب ليس ينكتم
وعدت أدأب في نيل الفخار ولي عزمٌ يقصِّر عنه الصارم الخدم
أرى المعالي مرامًا ليس يدركه إلا فتى بذيول العزم يلتزم
باتت تعنفني في الحرص لائمتي تقول ما الحرص يجدي إذ جرى القلم
فقلت أرجوا زماني أن يبلِّغني مراتبًا ليس تسموا نحوها الهمم
وكيف لا أترجَّى الخير في زمن أبو الفضائل في العادل الحكم
ملكٌ سما في سماء المجد مرتديًا ثوبًا له العدل سلكٌ واحلجا علم
وفي مدائح بدر الدين مالكنا تحير اللَّوذعيُّ المصقع الفهم
إن قيل ليثٌ، فليث الغاب في وجلٍ أو قيل غيثٌ فليست تمرع الدِّيم
يا أيُّها الملك المرجوُّ نائلة ومن تخاف سطاه العرب والعجم
فضحت حاتم طيَّ بالنَّدى فغدا إليك ينتسب الإحسان والكرم
لله أنت فكم شيَّدت من رتب ومن جنان نعيم دونها إرم
أما وحقِّ أياديك التي ملكت رقَّ الأنام وحسبي ذلك القسم!
إني على قدم الإخلاص قد علقت كفِّي بعروة أمن ليس تنفصم
جعلتها لي ملاذًا أستجير به من الحوادث أنَّى زلَّت القدم
/٧٦ أ/ لا زال ربعك أمن المستجير به تؤمُّه من أقاصي أرضها الأمم
تسعى إلى بابك الميمون كل ضحى تطوف سبعًا بركنيه وتستلم
يكبرون إذا لاحت بشائره كأنه بينهم في الحرمة الحرم
تهنَّ واسعد بذا النَّيروز حين أتى مبشرًا بسعود ليس تنصرم
ودم على رغم من يشناك في نعمٍ العدا في إثرها نعم
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الرمل]
[ ٦ / ١٠٢ ]
يا رعى الله أناسًا ما رعوا عقد ذمامي
فرَّقوا بالهجر ما بين جفوني والمنام
وكسوا جسمي سقامًا فوق ما بي من سقامٍ
ومنها:
يا فتاة الحيِّ حيَّا أرضكم صوت الغمام
كم قتيل لك أمسى بين أطناب الخيام
راعها الشيب وقد لا ح بفودي كالثَّغام
فأجابت عبراتي وهي تهمني بانسجام
لم غير هجرانك عامًا بعد عام
/٧٦ ب/ ومنها:
باكر الرَّاح سحيرًا قبل تغريد الحمام
واله بالكأس وذرما قيل فيها من أثام
فعروس الكرم لا تجـ ـلى على غير الكرام
سكنت في الدَّنِّ حتَّى سئمت طول المقام
ثمَّ جاءت تورد الأنـ ـباء عن سامٍ وحام
وأنشدني لنفسه، يمدح بعض الأمراء، ويعتذر إليه من أمرٍ جرى له:
[من السريع]
دم نافذ الأحكام والأمر في دولة مشدودة الأزر
ورتبه بالسعد مقرونه تسمو على العيُّوق والنسر
ونحن في ظل حماك الذي نلقى به غائلة الدهر
نرتع من قربك في روضة أزهارها أبهى من الزَّهر
يطربنا ذكرك فوق الَّذي يبلغ منَّا طرب الخمر
ينشر من وصفك بين الورى حسن ثناء طيِّب النَّشر
/٧٧ أ/ إنَّ أياديك التي طوَّقت أجيادنا جلَّت عن الحصر
ما سمع الناس ولا أبصروا مثلك في بدوٍ ولا حضر
[ ٦ / ١٠٣ ]
تقني وتفني للندى والعدا فأنت للنفع وللضر
أضحى عماد الدين كنز لنا نرجوه في عسر وفي يسر
يقضي له الخطِّيُّ يوم الوغى على العدا بالجدِّ والنَّصر
إن عبس الفتيان يوم الرَّدى رأيته مبتسم الثغر
يا واهب الجرد العتاق استمع شكواي لمَّا خانني صبري
لله ما بتُّ رهينًا به من شدَّة الشَّوق إلى الصَّقر
أضحت مواعيدك عندي بلا شكٍّ يماريها ولا عذر
فأجمع به شملي على حالة ترضيك بالحمد وبالشكر
وكنت الهو برشيق غدًا يسطو على العنقاء والنَّسر
رجوته كيما أسلي به طول هموم أحرجت صدري
فما دنا لي الدَّهر في قربه فأبتزه منِّي بالقهر
غادرني باليأس لمَّا غدا عند بهاء الدِّين في الأسر
وليس يسلي الهمَّ من بعده شيءٌ سوى إحسانك الغمر
/٧٧ ب/ لم يك تأخيري لغير الذي أبديه يا مولاي من عذري
وذاك أنَّ الكأس لمَّا رمى منِّي بالصَّدِّ وبالهجر
جنى على رجليَّ لمَّا جنت عليه بالدَّوس وبالكسر
لا زلت في عزٍّ منيع الحمى ما غرَّد الصَّادح في الفجر
[٧٦٨]
محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين بن يحيى بن الحسين بن أحمد بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. الشريف أبو الغنائم بن أبي الفتح الحائري، المعروف بابن الجعفرية.
من مشهد الحسين بن علي – صلوات الله عليهما وسلامه -.
وهو شاعر مطيل، كثير الأشعار، متبجح لسنٌ، هدار ذو مديح وهجاء، وصاف
[ ٦ / ١٠٤ ]
لنفسه. يفد إلى بغداد يجتدي وجوه الحضرة بها، ويمدحهم.
لقته بمدينة السلام، سنة أربع وعشرين وستمائة؛ وهو شيخ كبير السن، طويل أسمر، ذو جسم عبل. وخبرت أنه ولد سنة أربع أو ثلاث وسبعين وخمسمائة؛ وذكر أن والده كان فيهًا /٧٨ أ/ على مذهب الإمامية، وكان جده نقيبًا علاّمة وقته في الأدب، وعلم العربية والفقه.
أنشدني لنفسه يفتخر: [من الطويل]
مرامي قريضي لا تطيش نبالها وأسياف فهمي مرهفات نصالها
ولي خاطرٌ كالعضب أخطر من ظبًا مهنَّدة بتر حديد صقالها
تطأطئ دوني رأس كل معاندٍ وعيل بعزمي من عداه احتيالها
ومنها:
وإنِّي لأبكار القوافي لمالكٌ ،مذهب غيري نقصها وانتحالها
سأدعى فريد العصر فضلًا وحكمةً أقلِّد خصمي عثرةً لا يقالها
فلوذوا بسلمى تسلموا من خواطري وإلا دهاكم بالهجاء عضالها
سلوا شعراء الملك عنِّي فإنَّني إذا أنسيت يوم الفجار تخالها
أنا ابن علي والبتول وحبذا فخارٌ إذا الأعياض قام سجالها
أبي خير خلق الله بعد محمَّد لقد حلَّ من أنساب قومي جلالها
فإن تنسبوني تخبروا لي أرومةً كثيرًا معانيها قلالًا مالها
بسبق أبي قامت شريعة دينكم فباد لدينا حرمها وحلالها
/٧٨ ب/ وما زال طلاَّع الثنايا وموقع الـ ـمنايا باحران شديد ضلالها
لنا يوم خمٍّ والعهود عليكم بحب أبينا لا تجدُّ حبالها
ونحن ورب البيت أكرم أسرةٍ تسود علًا نسوانها ورجالها
وأنشدني لنفسه: [من الكامل]
ما عن أجرع رملةٍ وعقيق إلا ولؤلؤ مقلتيَّ عقيق
[ ٦ / ١٠٥ ]
أوهزَّ خفَّاق النسيم أراكةً إلا عرا منِّي الغرام خفوق
إنِّي وإن عنف الوشاة وراش لي بالصَّدِّ سهم سلوِّه المعشوق
لمتيَّمٌ بهوى الأحبَّة وآلهٌ إلى العقيق وساكنيه مشرق
يا أهل رامة إن جفا عرصاتكم ودق الغمام وصوبه المدفوق
فأنا الوفيُّ فلا لديَّ عهودكم رممٌ ولا ودِّي لكم ممذوق
كم في بيوتكم جداية ربرب يصبي الحليم جمالها الموموق
في عطفها هيفٌ وفي الحاظها سحرٌ بألباب الرجال علوق
الثَّغر عن خصر الرُّضاب منضدٌ فالدُّرُّ ثغرٌ والسُّلافة ريق
[٧٦٩]
محمد بن محمد بن إبراهيم /٧٩ أ/ بن الحسين بن سراقة، أبو القاسم بن أبي عبد الله الأنصاري الشاطبيُّ.
كانت ولادته فيما أخبرني – من لفظه – بشاطبة، في شهر الله رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. وهو شاب طويل، أبيض اللون، تعلوه صفرة، خفيف العارضين، نحيف البدن.
ذكر لي أنه من أبناء القضاة الفقهاء، حفظ القرآن الكريم، وتفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس – ﵁ – رحل إلى مدينة السلام في طلب الحديث، فلقي بها جماعة من مشايخها العلماء؛ كأبي حفص عمر بن كرم بن الحسن
[ ٦ / ١٠٦ ]
الدينوري، وأبي علي الحسن بن المبارك بن محمد الزبيدي، وأبي الفضل عبد السلام بن عبد الله بن أحمد بن بكران الداهري، وغيرهم من هذه الطبقة.
قدم إربل، ونزل بدار حديثها، وقرأ على شيخنا أبي الخير بدل بن أبي المعمر بن إسماعيل التبريزي، كتبًا كثيرة من الأحاديث والتفسير.
شاهدته بها في ربيع الأول سنة ستٍّ وعشرين وستمائة؛ فوجدته رجلًا فاضلًا، متنسكًا عاقلًا، مسالمًا ذا دين وعفاف وبشر، ووقار على منهاج المتقدمين من العلماء، مواظبًا على الاشتغال بالعلم وتلاوة وقراءة القرآن /٧٩ ب/ ثم إنَّه جيّد المعرفة بمعاني الشعر، صالح الفكر في حل التراجم، له شعر حسن.
أنشدني لنفسه: [من الطويل]
إلى كم أمنِّي النَّفس ما لا تناله فيذهب عمري والأماني لا تقضى؟
وقد مرَّ لي خمسٌ وعشرون حجَّةً ولم أرض فيها عيشتي فمتى أرضى؟
وأعلم أنِّي والثَّلاثون مدَّتي حر بمغاني اللَّهو أوسعها رفضا
فماذا عسى في هذه الخمس أرتجي ووجدي إلى أوب من العشر قد أفضى؟
فيا ربِّ عجِّل لي حياةً لذيذةً وإلاَّ فبادر بي إلى العمل الأرضي
[ ٦ / ١٠٧ ]
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى بعض ملوك المغرب: [من الطويل]
لقاؤك عيدٌ بالنَّجاح بشير وتقبيل يمنى راحتيك حبور
بهاؤك في لحظ المواسم موسمٌ ونشرك في ريَّا العبير عبير
وما عادنا من عيدنا غير وافد يحول عليه الحول ثم يزور
له أملٌ في لثم لقياك مدركٌ وطرفٌ بها يرنو إليك قرير
سرى نحوكم مذ عام أول جاهدًا يجوب عراص البيد وهي شهور
فبشراه وفي النفس ملء فؤادها سرورًا وإن أعيت وطال ميسر
/٨٠ أ/ وناجيت نفسي والهوى يبعث الهوى وطال بي التسويف وهو غرور
أأترك موسى ليس بيني وبينه سوى ليلة إنِّي إذن لصبور!
فملت بودِّي وأنحياشي وهمَّتي إليك وفيها عن سواك نفور
وأيقنت أني إن أخذت بحبلكم على ريب دهري من الثَّناء أجير
هما منثنى الأعناق نحو علائه كمالٌ بأهواء النُّفوس جدير
ومنها:
ينوب عن الدُّر النَّفيس كلامه وما ناب عن جدوى يديه بحور
إذا صفرت أيدي السَّحاب فكفُّه سحابٌ بآفاق السَّماح درور
[٧٧٠]
محمد بن يوسف بن أبي سعد بن يونس بن فيروز، أبو عبد الله التلعفريُّ الفرّاء.
أخبرني أنه ولد بتلعفر، بمحلة بني سعد، في المحرم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وتوفي بالموصل في العشر الآخرة من شعبان سنة اثنتين وعشرين وستمائة. ودفن خارج البلد غربيه، بمقبرة المعافى بن عمران الزاهد، تجاه باب الميدان – رحمه الله تعالى-.
[ ٦ / ١٠٨ ]
كان مقامه بالموصل، يتردد إلى فضلائها، ويختلف إلى أدبائها لطلب الإفادات.
/٨٠ ب/ وكان يحفظ مقطعات من الشعر، ويذاكر بها ويشعر، وله طبع يساعده في المنظوم، ومدح جماعة من أهل الموصل. وكان يخلط في شعره ألفاظًا عاميّة، ويستعملها كثيرًا في أثناء كلامه؛ فتأتي لائقة في مواضعها، وربّما تكلّف لنفسه يداعب رجلًا يعرف بالحكيم الفقاعي، يبيع الفقاء. وكان يتدين، وإذا سمع موعظةً بكى وتواجد، ويظهر خوفًا وخشية من الله – ﷿ – رحمه الله تعالى: [من المنسرح]
لم يبك هذا الحكيم مستمعًا إلا أقمنا له معاذيرا
لأنَّه من كرام معشره حاز التُّقى والسَّداد والخيرا
ما فيه من خصلة يعاب بها وعرضة لن يزال مستورا
قالوا: نراه يبكي إذا عرضت موعظةٌ ما تظنُّه زورا
فقلت: هذا البكاء متفقٌ عليه قد قدَّروه تقديرا
يبكي فلوس الفقَّاع منتحبًا إذ لم تكن كلُّها دنانيرا
وأنشدني أيضًا لنفسه، في رجل يلقب بزنباط، وكان من أخل الخير /٨٠ أ/ والديانة. وكان يكثر الصياح في الصلاة تواجدًا. وكان من أبغض الناس صياحًا، وربما كان في الصلاة، فيقرأ الإمام آيةً من القرآن، فيزعق زعقات متوالية، فيشوش على الناس صلاتهم لكثرة صياحه، ومقت صوته. وكان الحكيم الفقاعي – رحمهما الله تعالى – يحتذي بحذوه في التواجد: [من المنسرح]
كم صاح زنباط في الصلاة وكم خر صريعًا ما بين صفَّين
واليوم قد أصبح الحكيم لنا يحطُّه في السَّماع رخَّين
وأنشدني أيضًا لنفسه في زنباط – رحمه الله تعالى -: [من البسيط]
وقفت يومًا أصلِّي والصَّلاة بها يمحِّص الله ذنب المجرم الخاطي
ثم انثنيت إلى الصف الأخير على أن ليس ذلك من عزمي وأشراطي
فقيل أول صفٍّ لم تركت وقد علمت فيه ثوابًا غير منحاط
فقلت زنباط فيه وهو مستمعٌ وإنني أتخشى صوت زنباط
وأنشدني قوله من أبيات، يرثي بها طير حمام، ويستعير لها ألفاظًا، /٨١ ب/ من
[ ٦ / ١٠٩ ]
ألفاظ المطيرين، واصطلاحاتهم، مبدأها: [من الخفيف]
عين سحِّي بدمع جفن هتون واسعدي عبد بالبكا والحنين
واندبي طيره الذي قطُّ لا يعـ ـرف إلا بالسَّابق المجنون
كان أوفى الحمام في العلم الا ول سبقًا بفوتها كل حين
كان لون خفَّق المناصف ما احتاج إلى حمل وغدا مكين
كان سهل التسريح ما خطر الترحيل يومًا له كدس الظنون
وأنشدني أيضًا لنفسه، في إنسان يعمل الخل، يعرف بالمؤذن، فقال له رجل: ما بال خلك يا مؤذن ما له طعم؟ فسئل محمد بن يوسف الفراء أن ينظم في ذلك شيئًا، فصنع هذه الأبيات: [من الكامل]
نصح المؤذِّن من له عزم وثواب كل نصيحة غنم
في حال ذوق الخل قال له: ما بال خلك ما له طعم؟
لا توهمنَّ الناس إنَّك قد أصلحته ما ينفع الوهم
الخل أدمٌ أي فائدة فيه إذا لم يصلح الأدم؟
/٨٢ أ/ وشروه منك بغير تجربةً خطأٌ ولم يحدث بذا رسم
يا عاذلي في شرح قصّته خفض عليك فحربه سلم
قل للمؤذِّن لا يغرُّك أن حمدوك قومٌ حمدهم ذمُّ
يكفيك فعلك بالزبيب فقد أحسدت ما قد أصلح الكرم
درياقنا عنب الكروم وما دبرت منه كأنَّه سمُّ
لا تعزلنَّ نقيع أوَّله فعليك إن أعزلته إثم
فاقبل نصيحتنا تبترَّ وإن خالفت مالك في السما نجم
وأنشدني لنفسه من قصيدة، يقول فيها من أبيات: [من الخفيف]
وعلى جيرة نعمت زمانًا بهم من خليلة وخليل
كل بيضاء لدنه القدِّ تحكي الغصن في لينه وفي التعديل
ذات ثغرٍ كالأقحوان كأنَّ الـ ـخمر فيه قد شيب بالزنجبيل.
[ ٦ / ١١٠ ]
يخجل الغصن قدها كلَّما ما ست دلالًا عن فوق ردف ثقيل
حجلها صامتٌ ونطق نطاق الـ ـخصر منها ما بين قال وقيل
ما بدت في الظلام إلا وقلنا طلعة البدر ما لها من أفول
/٨٢ ب/ بي غرامٌ وحرُّ شوق إلى رشف لمى من رضابها المعسول
فيه إن أعوز الدَّواء شفاءٌ من سقام المضنى الكئيب العليل
واصلت وهي جارة الجنب حتى ما نبا الربع آذنت بالرحيل
وأبى طيفها يزور لأنِّي لم أذق لذَّة الكرى في مقيل
يا آخلاَّي هل على كثرة اللَّوَّام من عثرة الهوى من مقيل
غدرت فاعتمدت بالصَّادق الوعـ د زعيم الجيوش إسماعيل
الأمير المهذَّب الأصيد الذَّر ب الذَّكي النَّدب الكريم النبيل
جئته أشتكي من العلم لمَّا شاع في الناس ذكره بالجميل.
وأنشدني لنفسه يهنئ بعض الرؤساء بولده: [من الوافر]
سعدت بطلعة الولد السعيد وعشت الدهر في عيش رغيد
تأمَّل أن تعيش بلا نظيرٍ يفوق كما يفوق على الوجود
ومنها:
فأنتم أكمل الرؤساء منكم يحقَّق سبق وعد من وعيد
إذا ما الخطب أضحى مدلهمًّا يضيء بحسن رأيكم السَّديد
/٨٣ أ/ وقد عرف الملوك بأن فيكم نصائح ما عليها من مزيد
عتبت على الرئيس حسن لمَّا تباعدت وهو أقرب من وريد
عتبت عليه لمَّا صدَّ عنِّي وما عوِّدت منه بالصُّدود
ومن شيم المحبِّ إذا تمادى به المحبوب تذكار العهود
تهنَّ بطلعة الولد المفدَّى سعدت به وبالشَّهر الجديد
وقال أيضًا: [من الخفيف]
شغل الحزم بالعنوة عنَّا كل ريم إذا مشى يتثنَّى
بدر تم بنوره يخجل البد ر ويخجل الشمس حسنا
[ ٦ / ١١١ ]
سحر عينيه علَّمت بابل السحـ ـر وقد أشبه الغزال الأغنَّا
من فنون الجمال فيه ويزدا د من الحسن كلَّما ماس فنَّا
عوَّدونها الوصال منهم فأضحوا بعد إقبالهم يولُّون عنَّا
أوقع الحزم بيننا بعد قرب نار حرب ضرامها ليس يفنى
ويك ما جرم من أباحك في المراد نقيتم ولم تخض منَّا
وشيوخ الفتيان قالوا جميعًا لا يعنّى من ليس يقنص دفنا
ويك هلاَّ استأذنت في ذاك طرخا ن والأشيخ الفتوة يمنا
/٨٣ ب/ جعل الخزم ذا الفتوَّة صيدًا .. ليس يخفي مقاصد الخزم عنا
وادَّعى أنها صيانة عرضٍ ينطوي في بلوغه ما تمنَّى
خيروه وليس يخفى عليه حال علق إذا عليه تجنّي
كلَّما شدَّ امردًا بسراويـ ـل نهارا نجلُّه نحن وهنا
قد تعجبَّبت حيث مالوا إليه وهو منَّا أشدُّ فسقًا وأزنى
قل لمن رامه رفيقًا لعمري عن قليل محبة المرد تفنى
فقصارى ما نلت يا صاحب منهم فهو نصف اسم كل شيء مثنَّى
إنما أنت فاعلٌ والمفاعيل كثيرٌ والخزم حرف لمعنى
[٧٧١]
محمد بن يوسف بن مكارم بن منصور بن عبد الله بن منصور بن علويٍّ، أبو عبد الله الشيباني الموصلي المؤدب.
شاب أسمر قصير، نزل في عارضيه الشيب. كان يؤدّب الصبيان في المكتب بالموصل، ثم ارتبطه الأمير أمين الدين أبو المكارم لؤلؤ بن عبد الله البدري، لتأديب ولده الأصغر.
وهو شاعر فطن مجيد، ذو فكرة نادرة، وبديهة في الشعر حاذرة. كان النظم طلوع يديه، والقوافي /٨٤ أ/ مسلمة أزمتها إليه، يتصرف في القريض، كيف ما أراد من غير فكرٍ ولا استعداد. مدح جماعة من رؤساء مدينته وأمرائها.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين، عضد
[ ٦ / ١١٢ ]
الإسلام والمسلمين، محي العدل في العالمين، جلال الملوك والسلاطين بهلوان جهان طغر لبك مكا أتابك أبا الفضل غرس أمير المؤمنين – خلّد الله دولته – ويذكر القنطرة والشباك، بالباب العمادي. وكان في الحكومات بين الناس: [من الوافر]
ألا يا أيها الملك الرَّحيم بعدلك ذا الصراط المستقيم
بثثت العدل فالعنقاء تلفى ولا يلفى لمخلوق ظلوم
وجدت فلا نرى إلا غنيًا .. ز فمنذ وجدت قد عدم العديم
بنورك دين الله ضاءت دياجي الظُّلم والليل البهيم
سليل الجود أنت فليس يأتي بمثلك بعدها الدَّهر العقيم
فدمت أبا الفضائل لا رأينا يتيمًا في الفصائل يا يتيم
طويت حديث طيٍّ في العطايا وقال كريمهم هذا كريم
كسرت نصيحةً في العدل كسرى كما سفَّهت أحنف يا حليم
/٨٤ ب/ تهاب الأسد بأسك خادراتٍ في الأرحام يقدمها الوجوم
وتخشاك الهوام بكلِّ أرض فلو أكلت لما ضرَّ السموم
ولو ملكٌ توهَّمك احتوته همومٌ جمَّةٌ وعراه لوم
سلوفك لا تفارقها الغواشي وبأسك في الوغى عنها يقوم
فلو جرَّدت عضبًا يوم حرب إذن عمَّ الورى موتٌ عميم
ودهرٌ كلُّه يومان بؤسٌ لمن عادى وللراجي نعيم
وكل الناس في يوميك إمَّا سليمٌ بالمنيَّة أو سليم
وأنشدني لنفسه يمدح: [من الرجز]
بين أراك المنحنى وضاله مهفهفٌ كالغصن في اعتداله
بدر دجى إذا بدا مقرطقًا يخجل بدر التمِّ من جماله
تخال كثبان النقا إذا انتشى معتدلًا ترتج في سرباله
حاز جميع الحسن فهو كاملٌ أعيذه بالله من كماله
يتشاقه قلبي وطرفي فإذا رأيته أطرقت من صلاله
ميل الصدغين لم يفق في حبه قلبي من بلباله
/٨٥ أ/ لا يعرف العطف على عشَّاقه بل الجفا والصدُّ من خصاله
[ ٦ / ١١٣ ]
يغضب طورًا ويصدُّ تارةً ظلمًا فكم يعمه في ضلاله
رضيت يا قوم بأنِّي عاشقٌ له بما يرضاه من فعاله
يا ليت شعري هل تعود ليلةٌ قضيتها بالسفح في وصاله
إذ بتُّ أدني الورد من خدوده غضا وأسقى الورد من سلساله
وكنت لا أرضى الوصال عفَّةً واليوم أشتاق إلى خياله
لم أنس إذ زار بغير موعد والنسر قد أطلق من عقاله
فلم نزل في غبطة حتى انقضى الليل ولاح الصباح في خلاله
كوجه تاج الدين والمولى الذي عم جميع الخلق من نواله
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الرجز]
ما سنحت ببابل نعاجه إلا أبان
ولا تذكرت ظباء عالجٍ إلا وأبدى كمدي اعتلاجه
من كل معسول الرُّضاب أشنب الذُّ في مخِّ الطلى مجاجه
أهيف ممشوق القوام مائل الـ ـعطف يزين ردفه ارتجاجه
مرنانه حاجبه ونبله لحاظه ومهجتي اماجه
/٨٥ ب/ يلجُّ في هجري فإن عاتبته زاد على تعتبي لجاجة
بدرٌ له قلوبنا منازلٌ وحبرات عبقر أبراجه
أعزَّه الحسن كدين أحمدٍ أعزَّه المولى الحسين تاجه
وأنشدني أيضًا من شعره، فلا غلام اسمه حسن، وقد قال له: هل عشقت أحسن مني؟ فأنشده بديهة: [من الخفيف]
بأبي شادنٌ أغنُّ غضيض الـ ـطرف لدن القوام حلو التثنِّي
عربيُّ الألفاظ من آل خا قان سما حسنه على كل حسن
بابليُّ الألحاظ معجز هارو ت بسحر الجفون في كل فنِّ
يتجنَّى عليَّ من غير جرمٍ فهو عذب الجنى ومرُّ التجنَّي
ليست أنساه قائلًا: بحياتي هل تعشقت قطُّ أحسن مني
[ ٦ / ١١٤ ]
قلت: دع ما مضى فلست أرى مثـ ـلك حسنًا يا غاية المتمنِّي
[٧٧٢]
محمَّد بن فضلون بن أبي بكر الحسين بن محمد بن وهب بن صالح بن يوسف بن عمر بن عبد الله /٨٦ أ/ بن عاصم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الله العقريُّ.
من أبناء الأكراد، والعقر قلعة حصينة مشهورة، يقال لها: عقر الحميديَّة جيل من الأكراد، ببلد الموصل.
شاب طويل أحول، مائل إلى الشقرة، ضئيل البدن نحيفه.
أخبرني أنه ولد بها في جمادى الأولى سنة ستٍّ وثمانين وخمسمائة. وبلغني أنه كان مريضًا بالموصل، فتوجه نحو أهله إلى العقر، فأدركته منيته بموضع يعرف برأس النا عور؛ فدفن هنالك، وقبره به على تلعة من الأرض؛ وذلك في أواخر ذي الحجة سنة أربع وعشرين وستمائة – تغمده الله برحمته ورضوانه إنه جواد كريم-.
وكان من الفضلاء في كل علم، فقيهًا شافعيًا، مناظرًا، أديبًا، نحويًا، شاعرًا، متفننًا، لقي علماء الأدب والفقه، وأخذ عنهم، وسمع عليهم الحديث، وصنّف كتبًا منها: كتاب "الرموز الشرقية على الكنوز الخفية" في علم الأصول. وكتاب في الفرائض، وغير ذلك.
أنشدني لنفسه: [من الكامل]
بي من فراقك وحشةٌ وصبابةٌ ابين لجنبي أن يلائم مضجعًا
وغضضت من بصري ففيه تورعٌ عن رؤية الدُّنيا إلى أن يرجعا
/٨٦ ب/ ولقد ذممت الصَّبر قبل دفاعه والشوق قد قرع الفؤاد فأوجعا
[ ٦ / ١١٥ ]
وحمدت بعدك إذ أعاتب أدمعي فمر المعين فقد نزفت الأدمعا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
وصل الكتاب فكان عند وروده روحًا تردد في حشاشة هالك
فطفقت أنشد في الجوانح كلها لا يعدم المملوك جود الممالك
وأنشدني من شعره: [من الوافر]
أبثُّك أن من شيم اللَّيالي الـ ـعنيفة أن تجور على اللهيف
كمثل الخلط أقوى ما تراه يصب أذاه العضو الضعيف
وأنشدني قوله: [من الطويل]
تمكن الحب من قلبي يعذبني ولا محالة أن الحب تعذيب
فهل كمثلي محبٌّ لا يفيق هوى أم هل كمحبوبي الفتَّان محبوب
هويت من لو رآه العاذلون أمـ ـضَّني فيهم عذلٌ وتأنيب
/٨٧ أ/ كأنَّما قدُّوه والتِّيه يعطفه رمحٌ قد اضطربت منه الأنابيب
وفي لواحظه سفيان لو شهرا على لأضحى وهو مغلوب
وأنشدني قوله: [من الطويل]
وفيت بوعدي والموانع جمَّةٌ واختلفت منك الوعد من غير مانع
وما ذاك إلا أن عندك نفرةً وعندي هوىً كالنَّار بين الأضالع
فكن كيف ما تهوى جفاءً ورقَّةً فإنك عندي في أعزِّ المواضع
متى تجن ذنبًا يقتضي عنك سلوةً ففي وجهك المحبوب أكرم شافع
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من المتقارب]
قرأت كتابك فازداد بي إليك اشتياقي وهاج التياعي
عسى من رمانا ببعد الديار يمنُّ علينا بقرب اجتماع
[ ٦ / ١١٦ ]
وأنشدني من شعره: [من الطويل]
ولو أنني حمَّلت كتبي بعض ما يلاقيه قلبي من فراقك والصَّدِّ
لما وصلت إلا وفي صفحاتها ندوبٌ من الهمِّ المبرِّح والوجد
وأنشدني لنفسه، ما كتب به إلى صديق له في صدر رقعة، يشفع فيها لبعض الشعراء: [من الكامل]
/٨٧ ب/ كرمت طباعك كالخلائق روضةً والكف غيثٌ دائمٌ الهطلان
وتناقل المدَّاح وصفك بينهم لا زلت ممدوحًا بكل لسان
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض الرؤساء عتابًا: [من الطويل]
أليس عجيبًا أنني لك شاكرٌ محبٌ وأمسي موغر الصدر باكيا
وكانت ظنوني في علاك جميلةً فغادرتها والله يعلم ما هيا
أتعمر جسرًا باطِّراحك جانبي وتهدم بي قصرًا من الذكر عاليا
وترقد عنِّي ملء جفنيك ملغيًا حقوقي وقد نبَّهت فيك القوافيا
وجدت لساني عن كلام يسؤكم كليلًا وإن كان الحسام اليمانيا
وجاء أذاكم مرةً بعد مرةٍ فصادف مني صابرًا متغاضيا
فلا تحوجوني اقتفي غير مذهبي وأنوي لكم غير الذي كنت ناويا
وما ضرَّكم أن تستديموا مودَّتي عليكم وأن تشروا بمال ثنائيا
وأنشدني أيضًا لنفسه في المعنى: [من الطويل]
إذا زدت شكرًا زدتموني أذيَّةً فبت ولي قلبٌ يقلَّب في العتب
وما زلَّتي فيما أرى غير حبكم فهل عندكم أن تغفروا زلَّة الحب
/٨٨ أ/.
/٨٨ ب/ وأنشدني لنفسه يصف الثلج: [من الطويل]
عدمت رواء الثلج أن بياضه سوادٌ إذا النيران لم تتضرم
كأني وقد أرعدت عند وقوعه فؤاد جبانٍ خاف من وقع لهذم
[ ٦ / ١١٧ ]
هو المشتري المذموم في كل شتوةٍ ولكنه في الصيف غير مذمم
[٧٧٣]
محمد بن عمر بن عليِّ بن سعد الله بن يوسف بن إسماعيل، أبو حامدٍ المعروف بابن الحديثي.
شيخ ربعة، نقي الشيبة، ضعيف العينين جدًا.
أخبرني أنه ولد بحديثة الموصل – وهي بليدة على دجلة، بالجانب الشرقي قرب الزاب الأعلى – وقيل إنها كانت ولاية الموصل، منتصف شوال سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
ونشأ بإربل، وحفظ القرآن الكريم، وتوجه إلى الموصل، فقرأ تجويدًا على الشيخ أبي الحرم مكي بن ريّان النحوي، ثم عاود إربل، وختم عليه القرآن خلق كثير. وكان يتولى بإربل لسطانها الملك المعظم مظفر الدين –﵁ – الوقوف والحشرية وارتفاع الخاص، والنظر في /٨٩ أ/ أملاكه، ولم يكن له شعر طائل.
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الأثير أبي محمد الحسن الموصلي العمراني، وهو يومئذ يتولى الإشراف بديوان إربل: [من الكامل]
قل للأثير بن الأثير ومن له بين الورى الإجلال والإعظام
بعلاك يا ابن عليٍّ الشرف الذي يعلو ويقصر دونه بهرام
إن ضاع حقِّي عند غيرك لم يضع للمسلمين بحوزتيك ذمام
.. بك يا محمد التقى والفضل والقرآن والإسلام
[٧٧٤]
محمد بن ثروان بن سلطان بن حسّان المعروف بهياسٍ، يكنّى أبا عليٍّ.
رجل عبل اليدين، متكهل أسمر اللون، ضعيف البصر. وكان يخضب لحيته، ثم
[ ٦ / ١١٨ ]
ترك الخضاب، ولم يستعمله؛ كان أبوه من أهل هيت.
وأبو علي ولد بالموصل سنة ثماني وسبعين وخمسائة. وكانت صنعته في ابتداء أمره الحياكة، ثم مال إلى الشعر، وأحبّه من صغره، وصحب أدباء وقته من أهل الموصل، وامتدح بها جماعة.
نزل إربل، وأقام بها برهة /٨٩ ب/ من الزمان يتكسّب بشعره الوزراء والأمراء؛ ولما رأى من لؤم أهل هذا الزمان، ورفضهم الفضائل والآداب، وتقاعسهم عن المكرمات، وكساد سوق القريض، غسل ديوان شعرهن واعتنى بحفظ الحكايات والملح والمحاضرات، وأخبار الناس والتواريخ، وحين مات مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين – ﵁ – وجاءت الدولة المستنصرية، فارق إربل، ورحل إلى بلاد الشام؛ فنزل محروسة حلب في أيام الملك العزيز غياث الدين، فامتدحه، فأجازه وجعله أحد شعراء دولته، وقرر له جراية وجامكية، تصل إليه في رأس كل شهر.
ولما توفي الملك العزيز، وتولى السلطان الملك الناصر صلاح الدين بن يوسف – خلد الله ملكه – لم يغير عليه شيئًا، ومدحه وأنعم عليه:
أنشدني لنفسه، يمدح الملك المنصور عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه: [من الطويل]
لقد هاج لي رند الحجاز بنشره جوىً خلت حرَّ النار من دون حره
واذكرني عهدًا بنعمان سالفًا على أنني ما زلت مغرىً بذكره
خذوا من حديثي ما لكم فيه عبرةٌ لمعتاد أوجاع الهوى مستمره
/٩٠ أ/ ولا تطلبوا من مغرم القلب سلوةً فميقات ما تبغونه يوم حشره
كفى قلبي المحزون كثرة وجده غداة استقلوا عند قلَّة صبره
ألفت الغضا مما أبثُّ له الجوى كألفة ودٍّ بين قلبي وجمره
وطال على الليل حتى ظننته سميري من الأحزان من فقد فجره
وأهيف معسول الشمائل طرفه يفيض على هاروت تيّار سحره
يحار ضياء الصبح من صبح وجهه ويغرق جنح الليل في ليل شعره
[ ٦ / ١١٩ ]
رضيت بما يرضاه في السُّخط والرِّضا واعترضت عن زيد الملام وعمره
أيا قاتل المشتاق من غير زلَّة لك الله ما أغناك عن حمل وزره
لئن خمت عهدي أن غدرت بذمَّتي وكل أخي حسن يدل بعذره
وساعدك الدهر الخؤون معاندًا وكل أخي فضل شكا صرف دهره
فلي ولصرف الدهر والدهر وقفةٌ لدى الملك المنصور علمًا بنصره
فتى تعجز الأسماع عن حدِّ مدحه وتعيى ذوو الأفهام عن بثِّ شكره
يميت ويحيي سيفه وبنانه كأن الرجا والبؤس يأتي بأمره
إذا ما لجا عافٍ إلى يسر كفه بمتربةٍ أنساه أيام عسره
أنشدني لنفسه يمدح: [من المديد]
/٩٠ ب/ يا نديمي هزَّني الفرح ودعاني للهوى المرح
فاسقني خمرًا إذا مزجت خلت منها النار تنقدح
سترت في الدَّنِّ فاحتجبت وهي في الكاسات تفتضح
مذ أتى المنثور منتظمًا نبذت ما بيننا السُّبح
وغذا القنديل منكسفا وتلالا خلفه القدح
ومن مديحها، يقول:
يا مليكًا عن تفضُّله تقصر الأوصاف والمدح
والذي بالعدل مغتبقٌ وهو بالإحسان مصطبح
ذهب وقد جاءت اللذَّات والملح
بك نلقى العيد تهنئةً أنت عيد الناس والفرح
وأنشدني لنفسه، يمدح السلطان الملك الناص صلاح الدين أبا المظفر يوسف بن محمد – صاحب حلب المحروسة أدام الله أيامه – ويهنئه بعيد النحر:
من لي بإيناس نومي النافر وبالحبيب المفارق الهاجر
/٩١ أ/ وبالوصال الذي نعمت به نهبًا كظلٍّ أتى به طائر
يا غادرًا غادر المحب لقىً وراقدًا عن أسيره الساهر
[ ٦ / ١٢٠ ]
لا تسل الناس ما منيت به وسل بحالي خيالك الزائر
قدك قد حير الرماح وقد أعجز هاروت طرفك الساحر
كم يجحد الحق عند سفك دمي وفوق خديك شاهد حاضر
افعل بقلبي الذي تشاء فما زال جليدا على الأذى صابر
ظبي من الترك تاركي مثلًا معتدل عند حكمه جائر
اسمر من صده غلا سمرًا حديث وجدي والحزن لي سامر
يعذر من جن في محبته وماله في سلوه عاذر
يا روضة بالحمى [] بين صريم النقا إلى حاجز
لا تحزني إن وعدتك غادية فسوف يكفيك جفني الماطر
أو نائل المالك الذي نصر الإ سلام حقا فسمي الناصر
صلاح دين الإله والمورد العذب لبادي العفاة والحاضر
يسمو بجودٍ وسؤددٍ وندى كفٍّ وأصل مؤثل طاهر
أبلج ماضي الجنان يعتمد الإ حسان والعدل واهبٌ غافر
/٩١ ب/ أصبح يحكي المسيح نائله وأصبح الناس كلُّهم عازر
يا ظاهر الفضل في الملوك لقد أحييت ذكر العزيز والظاهر
يا ضاحك الوجه والخلال إذا جاء زماني بوجهه الباسر
أصبحت للملك جبهةً وغدا الأملاك عند القياس كالحافر
جوذك كالبحر عند زخرته ليس له عائمٌ ولا جازر
سيفك قد مهَّد البلاد وقد طهرها من معاند غافر
ما خالف القول عند مدحك بيـ ـن الناس لا صادقٌ ولا فاجر
عنترةٌ في اللقاء دونك والـ ـطائي عمَّا ترومه قاصر
يا بحر يا ليث يا مقدم في الملك وإن كان عصره آخر
ويا جوازًا أضحى بحليته كل جواز مقصِّرًا عاثر
تهنَّ بالعيد شاكرًا أنعم الله إله لخلقه فاطر
وصلِّ وانحر كما أمرت فلا زلت على الخالق ناهيًا آمر
[ ٦ / ١٢١ ]
فأنت عيد الأنام والفرحة الـ ـكبرى فدم سالمًا إلى حاشر
لا زلت تلقى مناك في السلم والـ حرب سليمًا مؤيدًا ظافر
وأنشدني لنفسه، في غلام له شامتان في شفته، إذا أطبقهما انظمتا، فتصيران كأنهما واحدة، وإذا تبسم انقسمتا: [من المنسرح]
يا صنمًا بات للورى صنما وجائرًا بالمحبِّ إذ حكما
ومن له مقلةٌ صوارمها تقل عمدًا وما تريق دما
وورد خد يزيده وعك التـ ـقبيل حسني نضارة ونما
وليل خال على مقبَّله كأنَّما ثغره به ختما
يشبعه صمته ويقسمه برق ثناياه كلَّما ابتسما
وأنشدني أيضًا لنفسه، ما كتبه إلى كمال الدين بن مهاجر الموصلي: [من الطويل]
ألا يا كمال الدين نفعك حاضر وغيرك يأتي نفعه بعد ضره
تجود بأموال سعيت لكسبها وغيرك يعطي من مكاسب غيره
وأنشدني أيضًا لنفسه في قصيدة: [من الخفيف]
ألا يا كمال الدين نفعك حاضر وغيرك يأتي نفعه بعد ضره
تجود بأموال سعيت لكسبها وغيرك يعطي من مكاسب غيره
وأنشدني أيضًا لنفسه من قصيدة: [من الخفيف]
خوِّلوا جفنه القريح رقاده فعسى طيفكم يزور وساده
واقنعوا منه بالذي فعل الهجـ ـر فقد أمرض الصدور فؤاده
/٩٢ ب/ كأن حظي الشقاء منكم على الو د وغيري بكم ينال السعاده
فارحموا عاشقًا بكم ذا اعتقادٍ أفسد الحب دينه واعتقاده
قد لقيتم مرادكم منه بالهجر متى بالوصال يلقى مراده
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
أبيت في لجج التذكار منك وبي حالان مختلفان: اليأس والأمل
لا يهتديني طيفٌ مذ هجرت ولا يزورني المبينان الكتب والرسل
أسائل الدار من وجد عليك فلم يجبني المقفران الربع والطلل
قد كنت في دعة قبل الغرام وقد ضاقت بي الأقصيان السهل والجبل
تصادمٌ كلما سلَّت لواحظه لم يعمل القاتلان البيض والأسل
[ ٦ / ١٢٢ ]
وإن بدا ريقه في كأس ساربه لم يحمد الأطيبان الخمر والعسل
مهفهفٌ من بني الأتراك معتدلٌ لديه يختصمان الخصر والكفل
أخفى هواه ويخفى لوعتي حرقٌ يهيجه المزعجان اللَّوم والعذل
عندي له عقدودٍ لا انفصام له وعنده الأقبحان الغدر والملل
وأنشدني من شعره: [من الطويل]
ألم يكفكم ذلِّي بفقد حبيبي وشاهد أسقامي وفرط شحوبي
/٩٣ أ/ إلى أن أطلتم في الملام فليتكم عذلتم القلب غير كئيب
أجيراننا ما كنت في حفظ عهدكم خؤونًا ولا في ذكركم غريب
نزحتم دموعي إذ نزحتم فلم أفز لدعوة ضرِّي بعدكم بمجيب
فهلاَّ تركتم بعد صبري ذخيرةً لساعة بين أو لعين رقيب
فواعجبًا يشتاق قلبي لحاظكم وما برؤه من جرحها بقريب
ليعجب أرباب الهوى كيف يدَّني فؤاد مصاب من سهام مصيب
أقول وقد مالت بقلبي صبابةٌ تؤجِّج وجدي أو تزيد لهيب
سقى الله أرض الغائبين غمامةً وردَّ إلى الأوطان كل غريب
[٧٧٥]
محمد بن فاخر بن شجير بن أبي الهيج، أبو عبد الله البغدادي.
شاب أشقر، أبيض اللون، مشرب بحمرة، من شباب مدينة السلام؛ فيه دماثة وطلاقة، ويترامى إلى قرض الأشعار، والتحفظ منها، ويتشبه بشعراء مصره، ويسلك نهجهم في سهولة الألفاظ، وخفّة أرواح المعاني، وتارة يسلك مذهب العرب في أقوالهم وجزالتهم.
سألته عن ولادته، فقال: ولدت في سنة اثنتني وتسعين وخمسمائة، واستئنشدته من شعره، فأنشدني /٩٣ ب/ لنفسه مبدأ قصيدة: [من الطويل]
[ ٦ / ١٢٣ ]
خليليَّ عوجا بالمطيِّ على الحمى لنقضي لبانات لنا ونسلِّما
وميلا إلى الشِّعب التِّهاميِّ سحرةً فالبشعب قد أصبحت صبًا متيَّما
وما كنت أدري أن شعب تهامة يصير ثراه لي مزارًا ومثلما
فلا تعذلاني في هواي جهالةً فلو بكما بعض الذي بي عذرتما
رجوتكما أن تسعداني على الهوى فخاب الذي قد كنت أرجوه منكما
وإن كنتما أغريتما بملامتي ذراني ووجدي واذهبا حيث شئتما
فإني رأيت الصبر عني ظاعنًا ووجدي بليلي في جانبي مخيِّما
فتاةٌ قضيب البان يحسد قدَّها ودعص النقا من دونها قد تظلَّما
لها مبسمٌ عذبٌ تخال رضابه مجاجة نحل أو رحيقًا مختَّما
وبي ظمأٌ يذكي المياه ضرامه ويطفي برشف الظلم من ذلك اللُّما
ولولا وشاة الحي لا درَّ درُّهم نزلت وسرَّحت المطيَّ المخرَّما
وإني لأجفوا لادار لا عن ملالة ولكنني أخشى الرَّقيب المذمَّما
إلى م قعودي لست أنهض للعلا تعلَّل آمالي بليت وعلَّما
وحتى م لا أسعى لها سعي ماجد بعزم يفلُّ المشرفيَّ المصمَّما
/٩٤ أ/ عصبت على الآمال إلا ارتياحةً تنازعني للمجد قلبًا مقسما
ولا حملتني الخيل إن لم أردَّها سواهم قد أودى بنا وبها الظَّما
ولا رفعت ناري لتجلب طارقًا ولا حملت كفِّي الوشيج المقوَّما
ولا أخذت عنِّي الرُّواة قصائدًا ولا شمت في يوم الكريهة مخذما
إذا أنا لم أبلغ من المجد غايةً يقصر عن إدراكها كل من سما
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مجوء الكامل]
ارح المطيَّ من الرسيم وذر التعلُّل بالرُّسوم
وانزل بحانات المطيرة خاطبًا بنت الكروم
واستجل بكرًا شتِّتت يومًا بها شمل الهموم
صفراء في كاساتها حمراء في كفِّ النَّديم
يملي عليك هديرها ما كان في الزَّمن القديم
نصبت شباك مواقعٍ صادت بها عقل الحليم
[ ٦ / ١٢٤ ]
من كفِّ معتدل القوام بوجهه ماء النَّعيم
مثل الصباح جبينه والفرع كالليل البهيم
برعت ماحسنه فليـ ـس تحدُّ بالشِّعر النَّظم
/٩٤ ب/ والرَّوض يكسره النَّدى ويفيقه مر النسيم
والزَّهر يضحك شامتًا لبكاء أجفان الغيوم
[٧٧٦]
محمد بن قرطايا بن عبد الله، أبو العباس بن أبي الوفاء الإربليُّ.
كانت ولادته في شهر رمضان، سنة ستٍّ وستمائة.
وقد تقدم شعر أخيه.
وهو أمير ذو منظر ورواء وجمال رائع وبهاء. ولم يزل يتولع بصناعة القريض، ويصرف همّته إلى إنشائه، حتى صدر عن خاطره ما استحسن معناه، واستجلى مغزاه.
لقيته بإربل، وكان يومئذ في خدمة سلطانها مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين – رحمه الله تعالى– فلما مات مظفر الدين، سافر أبو العباس إلى حلب، وخدم مليكها الملك العزيز غياث الدين محمد بن غازي – رحمه الله تعالى – وتقدم لديه، ونادمه وأنعم عليه إنعامًا وافرًا، فحينئذ توفي الملك، أقرّ على ما هو عليه.
اجتمعت به بحلب بمنزلة بالحاضر السليماني في سنة أربع وثلاثين وستمائة، وترددت إليه ثلاث مرات، فآخر مرة كنت عنده جالسًا؛ وذلك يوم الاثنين في رجب سابع عشر. فتشكى من كسل اعترضه، وثقل في جسمه، فأشاروا عليه بالفصد، ففصد من ساعته، ونهضت من عنده، ودعوت به بالسلامة، فأعقب ذلك الفصد /٩٥ أ/
[ ٦ / ١٢٥ ]
مرض انصبّ علين، من إسهال وحمى، وعولج ولم يزل يعالجه الأطباء، وأحواله تتناقص، إلى أن توفي يوم الأحد الثالث والعشرين من التاريخ، في الشهر المذكور. ودفن يوم الاثنين قبلي البلد بالمقابر المعروفة بالمقام – رحمه الله تعالى-.
لقد كان شابًا كيّسًا ساكنًا، ومما أنشدني لنفسه: [من الطويل]
أما واشتياقي عند خطرة ذكركم وذا قسمٌ لو تعلمون عظيم
لأنتم وإن عذبتموني بهجركم على كل حال جنَّةٌ ونعيم
سلمتم من الوجد الذي بي عليكم ومن مهجة فيها أسىً وكلوم
ولا ذقتم ما ذقت منكم فلي بكم رسيس غرامٍ مقعدٌ ومقيم
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
أقدُّك هذا أم هو الغصن الرَّطب وطرفك هذا أم هو الصَّارم العضب
أيا بدر تم فيك للعين نزهةٌ وللقلب تعذيبٌ ولكنَّه عذب
خف الله في قتل الكئيب وعده بالوصال عسى نارٌ بمهجته تخبو
ولا تجهلن ما بي وإن تك جاهلًا سقاني به الجوزاء والأنجم الشُّهب
وأنشدني أيضًا من شعره: [من المنسرح]
/٩٥ ب/ بورد خدَّيك إنه قسم صلني فقد شفَّ جسمي السَّقم
يا صنما ضلَّ فيه عابده كم من دم قد أرقت يا صنم
منحتني بالخيال مختلسًا يا ليت عمري بأسره حلم
لله من غادر محاسنه شتى من العاشقين تنتقم
يقول قومٌ كأنَّه غصنٌ من أين للغصن ريقه الشَّبم
أفديه نشوان فوق وجنته نورٌ ونارٌ في القلب تضطرم
يا لائمي فيه خلِّ ويحك عن عذلي فلومي في حبِّه ألم
[ ٦ / ١٢٦ ]
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الرجز]
قد أزف البين وآن السُّرى تبًا لجفني إن دنا الكرى
وكيف يأتي النوم جفن امرئ لولا حنينٌ في الحشا لن يرى
يا حاوي الظَّعن رويدًا فقد روَّيت من دمعي يبيس الثرى
كأنَّما العيس أنيخت على جفني فلمَّا أن أثيرت جرى
رفقًا بصبَّ هجركم قاصمٌ من صبره الواهي عقود العرى
فما يخون العهد فيكم ولا يغادر الحبَّ لخطبٍ عرا
ومنها يقول:
لله قومٌ قد أراقوا دمي بكل طرف فاتر أحورا!
أودعتني سقمًا وحمَّلتني في الحبِّ ما يعجز عنه حرا
آهًا لعيشٍ كان لي بالغضا غضًا وعودي بالحمى مثمرا
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الكامل]
يا أيها الشَّاكي السلاح وطرفه عن سهمه وحسامه يغنيه
الضَّبُّ أولى أن يكون مدرَّعًا لسهام مقلتك التي ترميه
[٧٧٧]
محمد بن غازي بن علي بن محمد بن أبي سعدٍ، أبو بكرٍ الموصليُّ المعروف بالفقاعيِّ.
أخبرني أنه ولد بالموصل سنة تسع وخمسين وخمسمائة، في محلة شاطئ النهر، وتوفي بدمشق في رجب سنة تسع وعشرين وستمائة.
رأيته شيخًا كبيرًا، أسمر أبيض اللحية، فقيهًا، يتعلّق بخدمة الملكة خاتون بنت أيوب بن شاذي، بإربل. وكان شربدارها.
[ ٦ / ١٢٧ ]
أنشدني لنفسه، يمدح الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب بن شاذي؛ من جملة أبيات أولها: [من الكامل]
/٩٦ ب/ يا صاحبي بين الأراك ولعلع أرح المطيَّ به وذرها ترتعي
إن المسافة والدِّيار بعيدةٌ أين الأراك من اللوى والأجرع؟
وإذا اكتفيت من رعيها ورأيتها قد اتفقت من وردها في المشرع
أقصد بها نحو الغدير لأنني يوم الفراق ملأته من ادمعي
كم قد سفحت مدامعي في أربع عبثت بها أيدي الرياح الأربع
ومن العجائب أنني أسقي الحيا من مدمعي ولظى الجحيم بأضلعي
وحمامة سجعت على بان الحمى سحرًا فقلت لها كذلك فاسمعي
حزني لحزنك في الهوى يا هذه لو كان يجدي في الرُّسوم تخضُّعي
والله ما هجعت جفوني بعدهم فكأنَّما شوك القتاد بمضجعي
ما ذاك إلا أن يوم وداعنا قالت أميمة لي بقلبٍ موجع
لا تنس صحبتنا بعيد فراقنا فاجبتها: لا والبطين الأنزع
ويقول في مديحها: /
يا أيها الملك المغيث أنا الذي أثنى ولست عن الثَّناء بمقلع
ووعدتني بالخير يا خير الورى وطعمت فيه فلا تخيِّب مطمعي
وأنشدني أنها قوله من أخرى: [من البسيط]
/٩٧ أ/ قفا قليلًا بربع الدار من أضم كيما أبث إلى ذات اللُّما ألمي
قد رقَّ لي حاسدي ممَّا بليت به وعاذلي قد رثى لمَّا رأى سقمي
كيف الخلاص من البلوى وقد تلفت روحي وقد صار خصمي في الهوى حكمي
يا نازلين بأرض الخيف عبدكم من بعد بعدكم عيناه لم تنم
يهيم شوقًا ووجدًا كلما صدحت بالجا ورقاءٌ على علم
ما هبَّت الرِّيح يومًا من دياركم إلا ذكرت ليالينا بذي سلم
أين العهود التي بيني وبينكم أيام حبل التَّداني غير منصرم
أطمعتموني إلى أني هويتكم فما حصلت على شيءٍ سوى ندمي
[ ٦ / ١٢٨ ]
وأنشدني لنفسه، يهجو بعض القضاة: [مجزوء الكامل]
قاض يقول لضيفه الخبر في بيتي وديعه
والماء أصبح عندنا مالا تجوِّزه الشَّريعه
فاحتل لنفسك في قرىً فالأرض مخصبةٌ وسيعه
[٧٧٨]
محمد بن شعيف بن عبيد بن المجلّى بن عبد الله التميميُّ البصريُّ، أبو عبد الله.
شاب/٩٧ ب/ قصير، أسمر اللون، تعلو لونه صفرة.
ورد من إربل إلى مدينة الموصل، في أواخر ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة؛ وأقام بها أشهرًا. وكان مدة مقامه يستنسخ بها كتاب: "المثل السائر"، ويتردد إلى مصنِّفه أبي الفتح نصر الله بن محمد بن عبد الكريم الكاتب الجزري. يقرأه عليه، فحين فرغ من نسخه وقراءته، سافر إلى إربل في شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
وكان شابًا ذكيًا، شاعرًا خبيرا ًبالشعر، بصيرًا بمعانيه، حافظًا للقرآن العظيم، شدا طرفًا صالحًا من الأدب واللغة. وكان عاقلًا دينًا، ذا سكون وصلاح، وحسن صحبة. سألته عن ولادته، فقال: ولدت في جمادى الآخرة بالبصرة سنة اثنتين وستمائة.
أنشدني لنفسه، يمدح بهاء الدين أرغش ، وأنشده إياها بالبصرة: [من المنسرح]
دارت على دار ميَّة الدِّيم تسحُّ طورًا بها وتنسجم
وكلما ناح غيمها وبكى بدت ثغور الرِّياض تبتسم
دارٌ أديرت على كؤوس الـ ـلَّهو دهرًا والشَّمل ملتئم
/٩٨ أ/ من كل فتَّانة إذا برزت توهَّم القوم أنَّها صنم
يا منية القلب في تودُّدها وطرفها في الوفاء متهم
[ ٦ / ١٢٩ ]
ينجاب ستر الدُّجى إذا سفرت عن وجهها والظَّلام مرتكم
لا يدرك الواصفون بهجتها وصفًا ووصَّاف حسنها الأمم
مضى الزمان الذي نعمت به كما يرى فيه المنام محتلم
كأنما الدَّهر كان يحسدني عليه إذ ذاك فهو ينتقم
أصار حظِّي إلى الحضيض فما ينفعني إن تسامت الهمم
. الفتى كاملًا ويسعد من ليس له في فضيلة قلم
وددت لو كانت الحظوظ على أقدار فضل الأنام تنقسم
تالله لولا رجاء خيرٍ فتى أضحت ترجِّيه العرب والعجم
ملكٌ أضاءت لنا بدولته الدُّ نيا وقد أحدقت بها الظُّلم
ما كنت ذا مطمعٍ بأ، يصبح الدَّ هر وبيني وبينه ذمم
فلست أخشى من حادث وبها الدِّ ين لي ملجًا ومعتصم
ما لامرئٍ أصبحت تعانده الأ يَّام إلا ج نابه حرم
ومنها:
/٩٨ ب/ يا من غدوا بأعلى الزمان به لمَّا غزتنا أحداثه الحطم
أحييت بيت القريض فابتدرت قالته حيث أنت تزدحم
علمت أن الأموال يذهبها الدَّ هر ويبقى عليه ما نظموا
تكرم للمدح ما مدحت إذا ما راح قومٌ له وقد لؤموا
من لم ير المدح عنده شرفًا فذاك عندي وجوده عدم
ألم ير الشعر في الذين مضوا ينشر من فضلهم وهم رمم
ما كان لولا القريض في سالف الدهر زهيرٌ يعني به هرم
كان متى ما رآه جاد له حتى أبى الجود وهو يغتنم
وأين من أرغش النَّدى هرمٌ وهل تساوى الملوك والخدم
يمنح فوق الذي نؤمِّله وينهب المال وهو مبتسم
كأن أخلاقه لسائله ماءٌ أذالته مزنةٌ شبم
قد ألف البذل منذ قام به فنفسه لا يمسُّها سأم
ومنها:
[ ٦ / ١٣٠ ]
يا واحد المجد والعلاء ومن يعزى إليه السَّماح والكرم
/٩٩ أ/ إليك يهدى قلائدًا نظمت لجيد علياك شاعرٌ فهم
مؤيَّدٌ بالصَّواب منطقه فكل قول يقوله حكم
يرجو بها عندك الغناء فقد أودى به مذ أصابه العدم
وأمرك اليوم بالنَّوال له كالبرء وافى من غاله السقم
لازلت ذا عزَّة يذلُّ لها كل عزيز بأنفه شمم
مقتدرًا ما بقي الزمان على الأعداء تعفو عنهم وتنتقم
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى الشرف عبد الصمد بن محمد بن المجلّى النصيبي: [من البسيط]
لله ما شرفت الدِّين [الذين] شرفت أفعاله فهو حال بالثَّنا كاسي
ما إن رأيت على إفراط تجربتي للناس أكرم طبعًا منه في الناس
فأجابه عبد الصمد بن محمد، عنها في الحال بديهة: [من البسيط]
سوى مكارم شمس الدِّين من ظهرت أنواره فهي فينا ضوء مقباس
ومن غدا نظمه من لطف صنعته أشهى إلى الرُّوح من مشمولة الكاس
وأنشدني لنفسه في طلوع /٩٩ ب/ القمر على دجلة: [من المنسرح]
كأنما دجلةٌ لناظرها إذ رفع الليل ثوبه الأسود
ثوب لجينٍ معرَّكٌ رقم الـ ـبدر طرازًا له من العسجد
وأنشدني لنفسه، يهجو الصدر علي بن أبي الفرج الواسطي: [من المتقارب]
أعن عزمةٍ ما الدِّيار الدِّيار ولا الأهل أهلٌ ولا الجار جار
وسقها تتابع أرسالها كما ريع بالقفر وحشٌ مثار
فقد أدرك البين ثاراته ولم يدرك العام للشِّعر ثار
وإن تقلقلها قد يفيد سرورًا إذا لم يسرَّ القرار
أرتك صروف النَّوى بالشِّام نوائب لم يغن منها حذار
فإن سهادك فيها كثيرٌ وإن رقادك فيها غرار
وما إن حصلت على طائلٍ مقيم التَّثبُّط والاصطبار
[ ٦ / ١٣١ ]
فلا صاحب صاحبٌ حافظٌ للعهود ولا من يقال لديه العثار
وكلب تعرَّض لي نابحًا وإنَّ دواء الكلاب الحجار
طغى أن صبرت على شرِّه وصبري هوانٌ به واحتقار
/١٠٠ أ/ ولو كان ذا شهرة في الورى لعاجله من يديَّ البوار
هممت به ثم الفيته حقيرًا ففاء إليَّ الوقار
متى ما يجازي الشَّريف الوضيع في الأمر حاكى النِّجار النِّجار
على أنني من أناس هم لدى السِّلم ماءٌ وفي الحرب نار
فيا ابن اللئيمة ما قدر ما يغالب عصف الرِّياح الغبار
فهل أنت إلا الصُّدير الذي له العار في واسط الشَّنار
خدمت المغنِّين حتى كبرت وكان شعارك بئس الشعار
وها أنت ذو أبنة لا يزال يكون بها حيث كنت الفجار
وهل كنت في جمع قوم ولا يكون الجراب عليهم يدار
فصار نصيبك مما يدقُّ فذلك من غير خمر خمار
عجبت لع مري لتفضيل قومٍ مقامك فيهم على القوم عار
قمرت بإفكك البهائم وداؤك منذ نشأت القمار
فظنوا بينهم صالحًا وأنت حليف المخازي قدار
ونلت بجهلك في بلدة تساوى الرَّصاص بها والنَّضار
إلى أن دعيت بنحويِّهًا وأولى بذا الاسم منك الحمار
/١٠٠ ب/ وقال فيه أيضًا يهجوه: [من البسيط]
حوى الَّلآمة ثوبٌ أنت لابسه وباء بالعار مخلوقٌ تجالسه
صدير أنت الذي لو قيس من شبه لما تعدَّى حمارًا من يقايسه
سمع القفا لا يردُّ السَّائلين وإن يركب على الأير يومًا فهو فارسه
يذل جبنًا فإن من درِّه ذل عنه من يمارسه
ما إن يلام على فحشاء يفعلها بطيب فرعٍ إذا طابت مغارسه
[ ٦ / ١٣٢ ]
وقال فيه أيضًا، وهو يرقص: [من الرجز]
انظر إلى فعل الصُّدير الذي بفعله دل على نقصه
لمَّا تثنَّى بيننا راقصًا ذكرت فعل الدُّب في رقصه
فلا نرى أعظم من حمقه ولا نرى أحقر من شخصه
وقال فيه يهجوه: [من الكامل]
ما لي غفلت عن الصُّدير فلم يزر نعلي قفا الكلب اللئيم خلائقه
حسب الخمول يكفُّني عن صفعه وهوانه فسرت إليَّ بوائقه
ما إن تسلِّمه حقارة قدره منِّي وما للكلب إلى خانقه
إني أمرؤٌ يخشى إذا ما زمجرت سحب الحقائد رعده وبوارقه
/١٠١ أ/ وقال فيه أيضًا: [من الكامل]
من يبلغ الملك المعظم بعد إبـ ـلاغ إليه تحيَّةً وسلاما
من عبده وربيب نعمته الذي ملأ العراق بمدحه والشَّاما
إن الصُّدير إذا سألت وجدته يلغي الجميل ولكفر الإنعاما
ففعاله ينبي بأن جدوده وأبوه كانوا في الفعال لئاما
قد أطلق الجهل المضلُّ لسانه في الإفك حتى ما يفيق
أبدًا يرى من نحو إربل ذاكرًا أشياء تحدث للفتى أوهاما
[٧٧٩]
محمَّد بن عبد الرحيم بن عليِّ بن أبي منصور بن جعفر بن أحمد بن علي بن الحسين بن الحسن الهيتي الأنصاري.
شاب قصير، أحمر اللون. زعم أنه ولد قيس بن سعد بن عبادة.
وكانت ولادته بهيت في الثاني والعشرين من شعبان سنة ستمائة، ونشأ بالشام، وأصله من ديار مصر، يشعر ويقصد الناس بشعره.
أنشدني لنفسه من قصيدة: [من الخفيف]
لهو قلبي أين الصَّديق الصَّدوق ليوالي أو الشقيق الشفيق
[ ٦ / ١٣٣ ]
خانني فيهما الزمان فخالفـ ـت انفرادي لمَّا دها التَّفريق
/١٠١ ب/ فذر اللوم يا عذولي على الوحـ ـدة قد دلَّني لها التَّوفيق
كل خل نراه لمع سراب يتراءى للعين منه بروق
إن يكن يرتجيك فهو مصاف أو تكن ترتجيه فهو مذوق
خبث الدهر فاجتنبه وأهليـ ـه فما عندهم لخيرٍ طريق
ومن مديحها يقول:
.. من أبي السَّعادات سعدًا لم يشبه مدى الزَّمان حريق
ماجدٌ إن عراك خطبٌ يكن عو نك في كشفه وأنت
وجوادٌ يجري براحته بحـ ـر نوالٍ فيه الأنام غريق
[٧٨٠]
محمد بن ياقوت بن أبي نصر بقن المقلّد بن الحارث، أبو محمدٍ.
زعم أنهم يرجعون في النسب إلى عبد القيس. وكان والده من المحرزة، أخذ أبوه وعمه وعمته نهبًا، ووردوا الحلة المزيدية، بسقي الفرات، فأخذهم أبو الفضائل محمد بن خشرم ورباهم، فسمى والده ياقوتًا، وسمى عمّه لؤلؤًا، وسمّى عمته خيزرانًا.
وكان مولد محمد هذا بالعامرين من أرض العراق، بعد السبعين وخمسمائة، ونشأ بإربل، واعتنى بسماع حديث /١٠٢ أ/ رسول الله ﷺ فسمع كثيرًا منه على المشايخ، الذين قدموا إربل.
أنشدني لنفسه: [من المتقارب]
وقالوا: مرارة هذا الغراب خضابٌ وهيهات رجع الشَّباب
يعود إذا رجع القارظان وما لهما أبدًا من إياب
وأعجب ممن يحبُّ الحياة ومن دونها كلُّ صعبٍ وصاب
وفي عصرنا لا أرى من يلذ بطيب الطعام وبرد الشراب
[ ٦ / ١٣٤ ]
[٧٨١]
محمد بن مكارم بن ابي العلاء بن علي بن أبي العلاء بن محمدٍ أبو عبد الله.
زعم أن جده أبا العلاء من قرية بدجيل، تدعى: "الداودية"، وانتقل إلى نواحي إربل، وسكن قرية فيها، تعرف باللهثيَّة، فولد محمد بها، ونشأ وترامى إلى نظم القريض، وقصد نهج الشعراء، فيما يتوخونه، ومدح ناحيته والمقدمين بها، ولم يكن يمتاح أحدًا لرفده. وهو يتحرى من اللحن، ويعرف مواقع الخطأ في كلامه، ويقيم أوزان شعره.
أنشدني لنفسه، يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي ﵀: [من المنسرح]
/١٠٢ ب/ رفقًا فهذي الرُّسوم والطَّلل تخبر أن الأحباب قد رحلوا
وقف معي بالدِّيار تندبها لعلَّ بالنَّوح تذهب العلل
أما ترى الدَّار وهي خاليةٌ وقد نأت عن عراصها الحلل
والبين قد شتَّ شمل ساكنها وللردى في ربوعها عمل
فالصبر مذ حيث فارقوا رحلت جيوشه ثم خيَّب الأمل
فبعدهم لا سقى العقيق حيًا ولا جرى فيه وابلٌ هطل
بانوا فمن بعد بينهم هجرت طيب الكرى إذ باعدوا المقل
تالله لو بعض ما حملت من الـ ـوجد برضوى تضعضع الجبل
من قيس ليلى، من بشر هند، ومن عروة، من بدر، نعم ما فعلوا
أنا الذي في الغرام هان علـ ـيَّ الموت إن قاطعوا وإن وصلوا
ويقول في مديحها:
وغير جود المولى اللَّبيب فلا يحسن فيه المديح والغزل
الفاضل المنعم السَّموح ومن عطاء معنٍ في جوده وشل
[ ٦ / ١٣٥ ]
والاريحيِّ الذي مكارمه يفرق منهنَّ السَّهل والجبل
والكامل الماجد الخلائق والإحسان ما شاب جوده بخل
/١٠٣ أ/ عمَّت عطاياه كل ناحيةٍ وسار في جوده له المثل
إمام هذا الأنام في أدب أوفرهم نائلًا إذا بذلوا
مولاي يا أوحد الزَّمان ندىً ويا جوادًا باهت به الدُّول
يا شرف الدين منتهى أملي دم في سرورٍ ما سارت الإبل
وأنشدني لنفسه يتغزل: [من الرجز]
يا قمرًا أراق دمعي ودمي ظلمًا بسلسال الرُّضاب الشَّبم
ويا غزالًا ناظراه سلِّطا على تلاف المغرم المتيَّم
لحظم أمضى في القلوب فتكه تالله من حدِّ الحسام المخذم
يا من بمعسول اللما من ريقه أسكرني وزاد في تألُّمي
لولاك ما عرفت ما طعم الهوى يا قاتلي ومتلفي ومسقمي
أفديك من بدر دجا تكاملت أنواره من لجب ليل مظلم
على قوامٍ كالقضيب أهيفٍ ريَّان من ماءٍ الصِّبا منعَّم
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من المنسرح]
مفهفٌ كالقضيب معتدلٌ في وجهه لمحةٌ من الحور
كأنَّما الخال فوق وجينته نقطة مسكٍ من فوق كافور
/١٠٣ ب/ لما أنشدني أبو عبد الله هذين البيتين، قلت له: أخذت البيت الثاني من قطعة لشاعر، يعرف بابن الستري، من شعراء واسط، ويلقب بالخفّ، ثم أنشدته الأبيات، وهي:
الجور منسوبٌ إلى الحور عذاره أفنى معاذيري
الجور من حكم فتى جائرٍ منتسب الجدِّ إلى جور
ذي طرَّةٍ طيِّر عقلي بهًا وشارب أخضر مطرور
كأنما الخال على خدِّه نقطة مسكٍ فوق كافور
فلما سمع هذه الأبيات، أقسم بالله أنَّه لما يسمعها أبدًا، فعجبت من اتفاق
[ ٦ / ١٣٦ ]
خاطريهما على المعنى.
[٧٨٢]
محمد بن منصور بن دبيس بن أحمد بن درعٍ، أبو عبد الله بن أبي المنى المعروف بابن الحداد.
شاب خفيف اللحية لم تستتم، يعلو لونه صفرة.
أخبرني أنه ولد سنة ثلاثة وستمائة، صحب أبا إسحاق إبراهيم بن المظفر بن البرني الواعظ /١٠٤ أ/ وسمع عليه الأحاديث، وأخذ عنه شيئًا من الفصول الوعظيّة. وهو شاب ينسخ ويعظ ويشعرن.
أنشدني لنفسه، يمدح مولانا المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، شهريار الشام، بهلوان جهان ألب قتلغ طغرلتكين بلكا أتابك أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين – ثبت الله دولته بمحمد وآله أجمعين-: [من البسيط]
بدرٌ متى قابلته الشَّمس تنكسف وغصن بان له من قدِّه هيف
ريمٌ رمى لحظه عن قوس حاجبه سهمًا يصيب الحشا قلبي له هدف
فالورد من خدِّه باللَّحظ يقتطف والخمر من ريقه المعسول نرتشف
مولاي كل جمال الناس متصفٌ إلا جمالك ممَّا ليس يتصف
كأن وجهك يا من لا شبيه له في الحسن صبحٌ تبدَّى فوقه سدف
ما بال جيدك عنِّي اليوم منعطفًا الخصر منك بمرِّ الرِّيح ينعطف
تهوى الصُّدود وأهوى الوصل يا أملي فنحن مؤتلفٌ فيه ومختلف
يا حاضرًا في الحشا مذ غبت عن بصري وجدي مقيمٌ وصبري عنك منصرف
أخفي هواك وفرط الوجد يظهره وأنكر الحب والآماق تعترف
لجَّ العواذل في عذلي ولو وجدوا لبعض وجدي عليه في الهوى تلفوا
/١٠٤ ب/ لاموا وقد علموا تركي ملامتهم كأنهم جهلوا بالعدل ما عرفوا
[ ٦ / ١٣٧ ]
يا من كلفت به طفلًا فشيبني منه الصدود ومنِّي الوجد والكلف
يا ممرضي بالجفا أنت الطبيب فعد وداوني بوصالي إنني دنف
أفنيت فيك حياةً ما بلغت بها منك المنى وزمانًا ما له خلف
يا منية القلب كم أدنوا وتبعدني حتى متى تنثني عنِّي وتنحرف
أسرفت في الهجر إفراطًا كراحة بد ر الدين من شأنها في بذلها السَّرف
ملكٌ سجيته بذل النَّدى أبدًا فكل جود تعدَّى جوده كلف
عمَّ الورى جوده الظَّامي فما أحدٌ إلا بجود ندى كفَّيه معترف
فكل دان له من رفده طرفٌ وكل قاصٍ له من جوده تحف
بحرٌ خضمٌّ جميع الناس وارده فكلُّهم صادرٌ عنه ومغترف
إن قايسوه بعمرو في شجاعته أو حاتم في الندى ضلُّوا بما وصفوا
كأن كف المنايا طوعه فلذا عدَّت لأرواح من عاداه تختطف
يا من له ذلَّت الأبطال صاغرةً والأقوياء لديه هيبةً ضعفوا
يا مالكًا طاعة الرحمن طاعته فينا نقر به طوعًا ونعترف
لله سرٌ لطيفٌ فيك أودعه ما فيه شكُّ ولا ريبٌ ولا خلف
/١٠٥ أ/ يا من تعمُّ على الدنيا مواهبه ومن مناقبه تملى بها الصُّحف
يا درَّة غرَّة الأيَّام فاخرةٌ بها فكل الورى من دونها صدف
جلت صفاتك عن حصر الأنام فعن إدراك بعض معاني كنهها صدفوا
لا زلت ترقى بجدٍ في صعود علًا ما دامت النيرات السبع تختلف
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الخفيف]
يا وصولي ومصرمي ومصحِّي ومسقمي
هل تريحنَّ من جفا ك كصبٍّ متيِّم
مزج الحب في هوا ك بلحمي وأعظمي
لا أطيع العذول فيـ ـك وأصغي للوَّمي
فتكت مقلتاك بالـ ـقلب فتك ابن ملجم
لست من بعد فتكها في الهوى بالمسلِّم
ومنها:
[ ٦ / ١٣٨ ]
هل مهيني بهجره وهو بالوصل مكرمي
بان صبري بينه وهو بالصَّبر ملزمي
/١٠٥ ب/ أنت بالهجر قاتلٌ لامرئٍ غير مجرم
أي قاضٍ قضى وأفـ ـتاك في قتل مسلم
أو نبيٍّ مشرِّعٍ حل في شرعه دمي
أيسر الوجد في هوا ك من الوجد معدمي
يا قليل البكا على كثير التبسم
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
جنى وتجنَّى في الهوى من ألفته وأعرض عني ليته ما عرفته
جفا فجفا جفني لذيذ رقاده حبيبٌ فقدت الصبر لمَّا فقدته
وأفرد في هجرانه وملاله بلا سبب منِّي وجرم فعلته
وأسلمني للنَّائبات وللأسى وقاطعني في الحب لمَّا وصلته
فلمَّا رأى وجدي به وصبابتي وصحَّة صدق الودِّ فيما زعمته
أتى زائرًا من غير سابق موعدٍ فأهلًا به من زائر ل عدمته
فباعد عن قلبي الهموم بقربه وبلغني بالوصل ما كنت رمته
وأنشدني أيضًا لنفسه من أبيات: [من الخفيف]
/١٠٦ أ/ هاج ما عنده من الأشواق لسنى لاح من العراق
مرَّ وهنًا ولم يلمَّ بصب مستهام متيَّم مشتاق
مدنف فارق الأحبَّة كرهًا فهو من بعد بعدهم في سياق كلَّما فرَّ وجده عاودته برحٌ من لواعج الأشواق
قد بكاني العذول مما أقاسي ورثى لي الحسود مما ألاقي
كمدي فيكم قديمٌ وودِّي لكم دائمٌ على العهد باقي
وأنشدني لنفسه، يعتذر عن الوداع: [من الطويل]
تؤنبني لما تركت وداعها وتنكر ما أبديته من تتجلُّدي
تقول بدمع العين توديع ذي هوىً على زعمه حلف الصَّبابة مكمد
[ ٦ / ١٣٩ ]
فقلت لها: إني جزعت فلم أطق وداعًا له تمتدُّ عند النَّوى يدي
ولم أدر من جدٍ وفرد صبابةٍ .. .أفي يومنا هذا التَّفرُّق أم غد
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]
رمتني حين صدَّت بالدواهي فتاة أمرضتني والدواهي
فتاةٌ تخجل الأغصان قدًّا تقل بطلعة
لها نغمٌ ينوب عن المثاني ويغني السَّمع عن صوت الملاهي
/١٠٦ ب/ فلو نادت به ميتًا رميمًا اجاب كما يجيب ندا الإله
تخال الشَّمس إذا سفرت لميل علينا طالعًا في نون كاهي
تقوِّق أسهمًا تصمي الحشايًا فليس لرميها أبدًا تناهي
قتيلٌ لا يقاد بها قتيلٌ فبالقتلى وكثرتهم تباهي
لهوت بها حياتي وهي عنِّي بفرط الهجر والإعراب لاهي
تعاهدني فلم تف لي بعدٍ أنا الوافي لها بالعهد لاهي
أقابل عزَّها منِّي بذل كما ذلِّي تقابله بجاه
إذا ما استحسنت عيناي مرأى رأيت خيالها فيه تجاهي
فركن الودِّ من قلبي مشيدٌ لها أبدًا وركن الصبر واهي
تصد وتدَّعي السلوان منِّي فكيف ولي عن السلوان ناهي
وكم لجَّ العواذل في هواها ولاموا بالزَّواجر والنواهي
وكيف الصبر عنها والتَّسلي وقد ملكت قيادي والمنى هي
ألا هي ليس لي عنها اصطبارٌ إليك المشتكى منها إلهي
وأنشدني لنفسه مبدأ قصيدة: [من الكامل]
لو أن طيفك كان من عوَّاده ما كان قد أودى الهوى بفؤاده
/١٠٧ أ/ أنت الطبيب فداو من أمرضته واعطف عساه ينال بعض مراده
يا أيها الرَّشا الذي أصفيته ودِّي ولم يسمح ببعض وداده
أنت الذي شهرت لواحظ طرفه غضبًا حداد البيض دون حداده
وجعلتني حلف اشتياق ينقضي عمري ولا يأتي على إنقاده
من منصفي من ظالمٍ وجوارحي أنصاره والقلب من أجناده
[ ٦ / ١٤٠ ]
يذكي غرامًا كل نار أججت بين الضلوع فتلك قدح زناده
طيب الحياة بقربه ووصاله والموت من هجرانه وبعاده
غصنٌ وما للغصن مثل قوامه يزري على مياده
وأنشدني أيضًا قوله، من جملة أبيات أولها: [من البسيط]
ته كيف شئت فما لي عنك مصطبر فصفو عيشي مذ فارقتني كدر
عنيت بالهجر عن وصلي فذبت أسى صلني فإني إلى لقياك مفتقر
أنت الذي تخجل الأغصان قامته وإن تبدَّى لبدر التَّم يستتر
سلبتني النَّوم فاردده عليَّ عسى يسري الخيال على كسري فينجبر
[٧٨٣]
محمد بن يحيىُّ بن معَّنَّصر /١٠٧ ب/ بن أبي مضر بن يكساس بن علي بن أبي عليٍّ، أبو عبد الله المغربي القسنطينيُّ.
هو من قسنطينة الهوى، من بلاد المغرب.
شاهدته شابًا أسمر اللون، لطيف الخلقة، بمدينة إربل، في صفر سنة ثمان وعشرين وستمائة، متفقهًا وفيه ديانة وصلاح.
أنشدني لنفسه: [من الكامل]
إن جزت بالعرصات من يبرين فاشرح غرامًا كاد أن يبريني
لأهيل ذاك الحي وابثث عندهم وجدي وبعض صبابتي وأنيني
وقل الميتيَّم عن هواكم ما سلا دنفٌ وبالعبرات غير ضنين
يحني جوانحه على جمر الغضا ويئن أنه عاشقٍ محزون
مذحل بالحدباء قد علق الضَّنى بفؤاده وأسيغ كأس منون
[ ٦ / ١٤١ ]
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
لو كنت تعلم ما يجنُّ فؤادي لأخذت في وصلي وترك عنادي
لكنَّ قلبك من ألمَّ به الهوى فجهلت ما يلقاه قلبي الصَّادي
[٧٨٤]
محمد بن محمد بن يوسف /١٠٨ أ/ بن قليج بن تكين خان بن محمود خان، أبو عبد الله الموصليُّ، المعروف بابن آيدغدي.
وقد تقدم شعر أخيه:
كانت ولادته، فيما أخبرني – من لفظه – يوم الثلاثاء سابع عشر ذي القعدة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وتوفي بالموصل يوم سنة ثلاثين وستمائة.
وكان جنديًا مدة، ثم ترك الجنديّة، ولبس الفوط، ولزم الأثر، وسلك طريق التصوف، وتنقل في الأمصار، ومال إلى مصاحبة أصحاب الأحوال والدين. وكان شيخًا، أشقر نقي الشيبة، عرضها ملء بدنه، مربوعًا.
أنشدني لنفسه: [من مجزوء الوافر]
سقى الوسميُّ إذ وكفا زمان سبيبة وكفى
مضى ومضى لذيذ العمـ ـر فيه وخلَّف الأسفا
فكم باكرت فيه الحا ن رقَّ سلافها وصفا
مدامٌ تستبيح حمى الـ ـهموم وتسعد الدنفا
أطال الواصفان لها فكانت فوق ما وصفا
[ ٦ / ١٤٢ ]
[٧٨٥]
محمد بن يونس بن أبي البركات /١٠٨ ب/ بن إبراهيم بن أبي القاسم، أبو عبد الله الموصلي.
عنده طرف صالح من علم العربية، ويحفظ صدرًا جيدًا من الشعر الحسن، ويشعر. أقام بإربل مدة، يمدح أهلها ويرتزقهم، فسئموه لكثرة إلحاحه وسؤاله إياهم.
وكان شابًا أسمر اللون، مقرون الحاجبين، رقيق الحال، مجازفًا صعلوكًا، وسخ الثياب، زري الهيأة، لا دين له، كثير الهذيان؛ وأكثر ما كان يحصل له من نفقة يخرجه على الصبيان. لقبه أهل إربل خمارويه، فبسط لسانه فيهم، وتناول بالتقطع أعراضهم؛ فبغضوه بغضًا شديدًا، وكانت سيرته معهم سيرة غير جميلة.
أنشدني لنفسه، يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي – أيده الله – ويذكر إنعامه عليه، بكسوة: [من الطويل]
ألا أيهذا الصَّاحب المنعم الذي تجمَّع فيه الفضل وهو مفرَّق
لقد نلت من عزِّ المعالي مكانةً تسامت فأدنى شلوها ليس يلحق
وأحييت ميت الجود بعد مماته وكسنه لحدٌ من الحزن ضيق
فها هو باق ما بقيت وإنه لحيٌّ على مرِّ الأهلَّة يرزق
علًا لقد غدا كأن لم يكن منٌّ [من] الدهر يخلق
/١٠٩ أ/ وعطَّرت نشرًا كل طيب يحدُّه ويحصره غربٌ فسيحٌ ومشرق
فما الظن بالرَّوض الأنيق مباكرًا بقطر غ مامات وبالمسك يسحق
وحل حلولًا في عروقك كلِّها دمٌ وندىً فيه الرَّجاء مصدِّق
وإجماع من ضمَّ الوجود ومن حوى بأن الندى من ذلك الدم أسبق
متى أمَّه القوم العفاة فعيشه على أرض آمال لهم تتدفَّق
أمولاي أوليتني من مضيعة بأطواقها جيدي المبين مطوَّق
ومن بعضها هذا الذي أنا لابسٌ أينكر ضوء الصُّ بح والصُّبح مشرق!
الا إنه ثوبٌ وجوده عليَّ بما شرَّفتني منك ينطق
تطرِّز طرزًا من علاك جميلةً لمنظرها الأوفى بهاءٌ ورونق
[ ٦ / ١٤٣ ]
ولم يرني إلاَّك مذ كنت عاريًا وثوبي على مرِّ الدُّهور ممزَّق
فما وفِّقوا أن يفعلوا ما فعلته لأنك من دون الجميع موفَّق
قدم لابسًا ثوب البقاء مطرَّزًا بطرزتنا ما تعفى مطوَّق
وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الكامل]
قسمًا بصبح جبينه وبليل طرَّة شعره
وبطرفه السَّاجي الكحيـ ـل وما حوى من سحره
/١٠٩ ب/ وبخدِّه الضَّرج الأسيـ ـل وسالفيه ونحره
وبريقه العذب الشهـ ـيِّ وعقد لؤلؤ ثغره
وبلين غصن قوامه الـ ـغضِّ الرَّشيق وخصره
إني قتيلٌ في هوا هـ بسيف مؤلم هجره
ما ضرَّه لو رقَّ لي أو فكَّني من أسره
حاز القلوب هوىً كما حاز الجمال بأسره
وأنشدني أيضًا قوله: [من المديد]
مالكي يا غوث مشبهه عزَّ عن كونٍ فلم يكن
غنجٌ في طيِّ ناظره سرُّ سحر شيب بالفتن
جل عن علم يحيط به لغبيٍّ كان أو فطن
أبدًا ما زال ناظره ذاك وسنانًا بلا وسن
فتنت بالحسن صورته كل مخلوقٍ مدى الزَّمن
حسنه أعدى ولا عجبٌ كل ظبيٍ غيره حسن
كل عقَّارٍ له وثنٌ وهو في دين الهوى وثني
[٧٨٦]
محمد بن مكيِّ بن عبد الملك /١١٠ أ/ بن أبي حرب بن حمدان أبو عبد الله الإربليُّ.
شاب أسمر، قصير، نزل الشيب بعارضيه.
أخبرني أنه ولد في أوائل سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
[ ٦ / ١٤٤ ]
اعتني بسماع حديث رسول الله ﷺ، فرحل في طلبه إلى بغداد سنة ثلاث عشرة وستمائة. وسمع رجال الحديث بها، وكتب عنهم.
ولقي في رحلته أصحاب أبي الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموتي، وأصحاب أبي بكر محمد بن عبيد الله بن نصر بن الزّاغوني، وأصحاب أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري – قاضي البيمارستان – وأصحاب أبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد السلال الوراق، وغيرهم من هذه الطبقة بمدينة السلام.
وهو يسلك طريق التصوف، ويخالط المتصوفة والفقراء، ولم يكن أحد من أبناء جنسه يشابه حسن خطه. وله أشعار في مديح، وغزل، وهجاء، وغير ذلك.
أنشدني لنفسه في قصيدة أولها: [من الخفيف]
غير مجد إن عنَّف العذَّال أقصروا في ملامهم أو أطالوا
أنا لا أسمع الملام ولا يو جد عندي في حبِّ حبِّي ملاك
ومحالٌ أن يسمع الهجر في الهجـ ـر محبٌّ فلا عليه الوصال
/١١٠ ب/ يا عذولي نكب هديت فعندي قد تساوى فيه الهدى والضلال
غير أني التذُّ ذكراه شوقًا فلقلبي لذكره بلبال
مذ جفاني جفا الرُّفاد جفوني فاللَّيالي القصار فيه طوال
لم تدر قط سلوةٌ في ضميري وليت ذاك ينال
وقلاني دمعي كوجنته الحمـ ـراء قان سحابه هطال
بأبي ثم بي وأهلي وصحبي أهيفٌ لحظ طرفه بتَّال
ذو قوامٍ لدن وجفن سقيم ذا اعتدال به وهذا اعتلال
مخطف الخصر أهيفٌ حصر الريـ ـق سلال بذا وذا سلسال
ومن مديحها قوله:
فهو مالٌ لمن يروم نداه وهو للذخر والطريد مال
وهو رب العرض المصون ولكن عرض المال من يديه يذال
وأنشدني لنفسه من أخرى: [من الكامل]
أغرى ملامك مستهامًا مغرمًا لما ذكرت حديث سكَّان الحمى
[ ٦ / ١٤٥ ]
وقدحت من زند الملام نارًا تزيد مدى الزمان تضرُّما
ومنها قوله:
/١١١ أ/ يا شاكي اللحظات دونك أعزلًا من صبره لمَّا جفوت متيَّما
يجد الحياة بغير قربك مغرمًا والقتل منك لدى التوصل مغنما
قطَّعت بالهجران حبَّة قلبه فعسى يصير لي التَّداني مرهما
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى النقيب محيى الدين أبي طاهر حيدر الحسيني الموصلي – أدام الله إقباله -: [من السريع]
مولاي محيي الدين يا ماجدًا فاق جميع الخلق إحسانا
ومن إذا ما فاه من طقه يعجز بالتِّبيان سحبانا
أخلاقك الغرُّ التي قد صفت عن كدر الشُّبهة إيمانا
لم قبلت مذق كذوب سعى زورًا وتحريفًا وبهاتانا
مولاي إن الدَّهر قد حطَّ من قدري فسادًا لي وعدوانا
مال لجاجاكي يذل الألى
وقال قولًا أنت من أهله وأسأل الرَّحمن غرفانا
وهو بضدِّ العقل يغري الذي يبدي إلى الحلم وقد مانا
فهذه حال أمرئ خانه زمانه سرًا وإعلانا
/١١١ ب/ أفرده بالرغم عن صحبه وعن ذويه الزُّهر طغيانا
والآن وفَّيت [إلى] صاحب بصرف صرف الدَّهر إذ خانا
وقد تخيَّلت نجاحي به إذ أنت أولى عنه من صانا
فاسلم ودم في غبطة لا تني ما غرَّد القمريُّ ألحانا
وقال أيضًا: [من الكامل]
أرج النَّسيم سرى بعرف البان فأثار وجدي نشره وسجاني
أهدى السرور شذاه لمَّا أن سرى وانى الخطى سحرًا لقلبي العاني
وروى حديث الرَّوض يسند ربَّه متواترًا عن مرسل الهتَّان
وافى معنبره الذَّكيُّ مقدِّمًا جيش الربيع مبشرًا بأمان
[ ٦ / ١٤٦ ]
وترنَّمت عجم الطُّيور فأفصحت بغرائب الألحان في الأغصان
والظل ينثر درَّه في دوحها فبكل فرعٍ منه عقد جمان
فحدائق الأزهار من نوَّارها قد أحدقت بغرائب الألوان
من أخضر خضل وأصفر فاقعٍ في أبيض يقق وأحمر قاني
والنَّرجس الغضُّ المضعَّف ناظرٌ نحو البنفسج لطيره الولهان
والجدول الموَّار يرعد خيفةً مذ سلَّ فيه البرق عضب يماني
/١١٢ أ/ خفَّت حواشيه بوشي جواهر الـ ـمنثور في قطع [من] الريحان
وله: [من الكامل]
هل للمتيَّم والمطيُّ تساق من راحم أم للقاء وفاق؟
ظعن الفريق فما البقاء بنافعٍ من بعدهم براه فراق
سفحت نجيعًا من جفوني إذ سروا في سفح رامة دمعها الآماق
لما استقل بها الحداة تنصُّها أودى بها الوخدان والإعناق
عرض الوجيف لحومها بمدى السُّرى فدماؤها بيد الذَّميل تراق
فكأنَّما الأرسان من جذب البرى مخبوءةٌ في مثلها الأعناق
فغدت تميل من الكلال نحافةً إذ حمِّلت ما لا يكاد يطاق
وبأيمن العلم المطلِّ على الحمى رشأله حبُّ القلوب نطاق
كالبدر إلا أنه في تمِّه لا يعتريه لدى الكمال محاق
بهر الدجى فرعًا وأزرى بالضحى من نور بهجة وجهه إشراق
حاز القلوب له الجمال فما لها من أسره طول المدى إطلاق
وله: [من الطويل]
أراق دمي بين الرُّبى والمعالم تذَّكر أيَّام مضت كالمواسم
/١١٢ ب/ تقضَّت حميدات بصحبة معشر شذا ذكرهم بين الورى كاللَّطائم
أسكان نجدٍ إن مضناكم غدًا بكم مفردًا ما إن له من مساهم
[ ٦ / ١٤٧ ]
توحَّد فيكم حبَّه عن مشارك ومزاحم
إذا هبَّ من تلقائكم نشر نسمةً جرت عبراتي كالغيوث السواجم
ويخفق قلبي إن سرى البرق خافقًا وما ذاك إلا أنه كالمياسم
هبوا الصَّبَّ رشدًا من صباح لقاكم فقد ظلَّ في ليل من البعد عاتم
وقد أخذت منه التَّنائف حقَّها بوخذ المهارى والمطيِّ الرَّواسم
فعهد الصِّبا ولَّى وعهد وصالكم كأنَّما كانا كأحلام نائم
وأنَّهما كانا ألذ من المنى وأحلى من التهويم في جفن نائم
وله: [من مجزوء الكامل]
عرف النَّسيم عساك تسرح خبري بلطف حين تسرح
وتبلِّغ الأشواق في ضمن السلام لهم وتنضح
فل ذاك مضناكم غدا بالوجد والبرحاء مطرح
وإليكم إنسانه ما زال باللَّحظات يطمح
يأبى خلائق حاله فإلى م بالهجران تسمح
/١١٣ أ/ منحته الصَّد المذيـ ـب ومن سواه الوصل تمنح
ويجدَّ فيك غرامه وبه طوال الدَّهر تمزح
يا عاذلًا فيه قبحـ ـت ووجه عذلك منه أقبح
اللَّوم ينجح في فتى بحر الغرام عليه يطفح
ولئن تجنَّى أو جنى فالقلب عنه ليس يبرح
ما زلت أكتم جمرة الـ ـبرحاء في صدري وتلفح
حتى تبدى فيه العذا ر على صفا الخدِّ الملوَّح
فأذعت تبريحي وقد برح الخفاء به وبرَّح
طرفي غداة ترحُّلي لا زال بالعبرات يسفح
[ ٦ / ١٤٨ ]
[٧٨٧]
محمد بن الحسين بن أبي بكر بن الحسين بن أحمد، أبو الحسين الشروبيُّ النتاج الموصليُّ.
المعروف بشاعر الصحابة؛ لأنه استفرغ معظم أشعاره في صحابة رسول الله ﷺ وكانت ولادته في سنة تسع وسبعين وخمسمائة.
وهو شاعر أميّ لم يعرف الخط /١١٣ ب/ ولا القراءة، وله شعر كثير في الصحابة وأهل البيت – صلوات الله عليهم وسلامه – يقوله بصحة طبعه، وسلامة غريزته، وأنشأ مقامةً سمّاها: "روضة المناظل ورياضة الخاطر"، أودعها نكتًا لطفية، وملحًا طريقة.
أنشدني لنفسه، يمدح صحابة رسول الله ﷺ، ورضي الله عنهم أجمعين -: [من الكامل]
يا دمنتين لرزينب ورباب أسقيتما صابًا فؤادي الصَّابي
كم لي أبثُّ الوجد في ظليكما فعساكم أن تأذنا بجوابي
أنكرتما حالي وقد عاينتما منِّي المشيب مبرقعًا بخضاب
هيهات بالتعليل تبرأ علَّتي ويعود لي زمن الصِّبا بتصابي
نزلا بقلبي المفجعان كلاهما فقد الشباب وفرقة الأحباب
يا صاحبي إن لم تكن عونا على حكم الهوى ما أنت من أصحابي
ذرني وما ضمَّت عليه جوانحي وترائبي إن كنت من أترابي
كم ذا تجرِّعني الملام أما كفى ما احمرَّ من ماء الجفون شرابي
طالت ليالي الهجر بعد فراقهم فكأنَّما أضحين كالأحقاب
وترى الخيال وقال عند رحيلهم قولًا أنست به الغداة عتابي
/١١٤ أ/ أسقيك من ماء الجفون لعلَّة تبديه من فرحٍ ليوم غياب
من كل فاتنة بطرف فاترٍ قتلت بسيف اللحظ في الأعراب
قطعوا القفار فأقفرت من بعدهم من الدِّيار وقطِّعت أنيابي
[ ٦ / ١٤٩ ]
وتيمَّموا شيح العذيب وما دروا أن العذيب موَّكلٌ بعذابي
وفلى الفلاة بكل حرف جسرةٍ تطوى لها البيداء طيَّ كتاب
يبغون خير الناس بعد محمد مولى دخرت ولاءه لحسابي
مولىً إذا الجهَّال عافوا فضلةً نطقت بسؤدده ذوو الألباب
لزم النبي بكفِّه بين الملا وأقامه للناس في المحراب
سمَّاه صدِّيقًا وأعمل رأيه .. ز يوم التقى الجمعان بالأحزاب
خلقا جميعًا من ترابٍ واحد وتلحَّفا موتا بفرد تراب
هذا الفرات العذب من الظما لمع سراب
واخطب غدًا دار النَّعيم مخلَّدًا فيها بحب سلالة الخطَّاب
مولى تجلب بالتُّقى دون الورى فجعلت عقد ولائه جلبابي
وله الفضيلة بالحجاب لنسوة الـ ـمختار حتى
إن كان دأب الملحدين هجاؤه فلقد جعلت له المدائح دابي
/١١٤ ب/ ولأصحبن الرَّكب حسن تيحَّة تنجو بها عند الصِّراط ركابي
لقباب عثمان الشهيد لأنه نورٌ تبرقع عنهم بقباب
قصدوه بالسهم المميت جهالةً وتأوَّلوا عنه بغير صواب
جادت أنامله بما ضنّوا به حتى دعي بالماجد الوهَّاب
ولقد ذخرت مدائحًا في حيدر تنفى الظُّنون بها عن المرتاب
بابٌ لدار العلم يا طوبى لمن علقت يداه بحبِّ ذاك الباب
أعطاه ربُّ العرض منه فضيلةً قصرت لكتبتها يد الكتَّاب
خطبٌ يخاف الموت من سطواته في يوم معتركٍ ويوم خطاب
وله اتصالا نسبه وولادةٍ بأعزِّ منتقلٍ من الأصلاب
نسبٌ بمولده العريق وولده نسبٌ يفوق به على الأنساب
وبحبهم يرجوا الأديب تخلصًا في عصره من سيء كذاب
طالت به أيدي الضَّلال كما بها قصرت يد الأزلام والأنصاب
وأنشدني لنفسه، يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفى – أيده الله: [من الكامل]
[ ٦ / ١٥٠ ]
ربعٌ كسته يد الغمام ربيعا ودعا فلبَّاه النَّسيم مطيعا
/١١٥ أ/ وسرت إليه من الجنوب جنائبٌ نشَّرن رايات الرِّياض جميعا
وتنفَّست سحرًا رباه فعلَّمت نشر الربيع وغيره التَّضويعا
وهمت عليه من الجار سحائبٌ من كل جوهرة تسحُّ دموعا
ورأى البنفسج ضوء برق خاله عضبًا بأذيال السَّحاب لموعا
خاف بالحسام فصاع من قضب الزَّبرجد للقاء دروعا
ومنها في المديح:
ولقد طفقت مسائلًا من بعد ما جرِّعت سمَّ الحادثات نقيعا
عن زاخر عذب الورود وشامخٍ أضحى عن اللاَّاجي إليه منيعا
أو كعبة للقاصدين فلم أجد إلا ابن موهوب لتلك جموعا
ودعاه أهل الرشد لمَّا عاينوا شرفًا به مريعا
من يشتري طيب الثناء بماله وسواه ظل بضدِّ ذاك مبيعا
لله كم ميتٍ ثوى من فاقةٍ دهر فأحياه نداه سريعا
وكتب إليه أيضًا: [من المنسرح]
يا شرف الدين إنني رجلٌ ما دار في خاطري ولا حسي
أنك يا عدَّتي ويا أملي تجعلني كالمقيم في الحبس
/١١٥ ب/ أظلُّ أشكو إليك من نفر كل مريدٍ في صورة الإنس
إن عيالي أتوا على أثري وأصبحوا في طريقهم عرسي
على دينٌ وليس لي ذهبٌ كلاّ ولا قدرتي على فلس
فكان هذا جزاء مدحكم أصبح بالذل مثلما أمسى
أو كيف فيمن فضائله أشرف شيء يحلُّ في طرس
حرام بختي فلو ضربت به بحرًا شكا قعره من اليبس
وكتب إليه أيضًا: [من الطويل]
أيا شرف الدِّين المحبب عزّ النَّدى فإن النَّدى من جود كفَّيك يستجدي
[ ٦ / ١٥١ ]
وأتيتك أشكو صرف دهرٍ وعيلةً وصالهم عندي أمرُّ من الصَّدِّ
كأنَّهم في منىً عراةٌ بلا إحرام فضلًا عن الوفد
وقد مسَّهم بردٌ شديدٌ وليس لي يضمُّهم إلا حصيرٌ من البردي
وقال يمدح عماد الدين أبا القاسم عبد الرحمن بن محمود بن بلدجي الفقيه الحنفي المدرس /١١٦ أ/ الموصلي: [من الكامل]
لو شام بارق رامةٍ حادي السرى ما مال بالعيس الشام وعوَّرا
أو لو تفهَّمت السَّحاب وصوبها بندى عماد الدِّين ما مطر الثَّرى
يغني عن المزن البالد بنيله وعن الصَّباح بوجهه أن يسفرا
وتكلَّف الشُّعراء فاضل جوده شكرًا يجل عن الثنا أن يحصرا
متعوِّدُ بذل اللُّهى لعفاته قبل السؤال معوِّدي لبس الفرا
فعليه دفع القرِّ عنِّي في الشِّتا وعليَّ بثُّ صنيعه بين الورى
وأنشدني في إنسان، يلقب غرس الدين، أصابه سهم: [من الخفيف]
لا تظنُّوا بمولاي غرص الـ ـدِّين إذ لم يردَّ سهمًا تعدَّى
إنما السهم قاصدٌ وهو قد عا هد قدمًا أن لا يخيِّب قصدا
[٧٨٨]
محمد بن سعيد بن هاشم بن عبد الواحد بن أحمد بن هاشمٍ؛ أبو المعالي بن أبي البركات الأسدي، المعروف بابن الخطيب.
من أبناء الخطباء، وبيت الخطابة /١١٦ ب/ بحلب المحروسة.
كانت ولادته فيما أخبرني من لفظه سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
وهو شاب ذو رواء ومنظر لطيف الشكل، جميل الخلقة، يعاني الكتابة الإنشائية ويتزيّا بزيّ الجند.
رأيته متعلقًا بخدمة الأمير نصرة الدين أبي منصور مروان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بحلب، كاتب إنشاء؛ وربما نظم شيئًا من الشعر
[ ٦ / ١٥٢ ]
على سبيل الولع.
أنشدني بنفسه، وكتب لي بخط يده، في النقيب أبي الفتوح المرتضى الحسيني، حين ردّت النقابة إليه، وكان قبل ذلك معزولًا: [من الرجز]
يا سيِّدًا في المجد يقتدى به ويستفاد العلم من آدابه
ومن هو الظَّاهر في إحسانه إليَّ والطَّاهر في أحسابه
هنأك الله بها نقابةً تقضي على الحاسد با كتئابه
سيادةٌ عادت إلى معدنها وسؤددٌ صار إلى أربابه
تبسَّم الدَّهر لها طلاقةً ومال بالعجب على إعجابه
والدَّهر قد أنشد مسرورًا بها قول امرئ أحسن في خطابه:
قد رجع الحق إلى نصابه وأنت من دون الورى أولى به
[٧٨٩]
محمد بن عليِّ بن حامد بن إبراهيم بن الحسن بن عليٍّ، أبو بكرٍ المعروف بابن الماشطة الإربليُّ.
كانت ولادته بإربل، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، كذلك أخبرني من لفظه. له شعر صالح في الغزل، والمعاتبة، والمدح، والهجاء، ومعظمه في الألغاز والأحاجي. وكان يتولى بإربل في عهد الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين – ﵁ – أعمالًا شتى.
أنشدني لنفسه: [من الطويل]
لحا الله حمامًا أرتني صروفها بعيني فيها ضدَّ ما أتمنَّاه
أرتني من لا قدرةٌ لي بأن أرى ما بين الأنام محيّاه
وأنشدني لنفسه في حكيم يلقب "الشمس ختن الرحبى" وكان طبيبًا حاذقًا في صنعته. وكان قد كثر الموت بدمشق: [من الخفيف]
قيل لي زاد في فناء جلِّق المو ت فعيشٌ بربعها لا يطيب
قلت هذا لغظ أيوجد ميتٌ في فناها والشمس فيها طبيب
[ ٦ / ١٥٣ ]
/١١٧ ب/ وأنشدني لنفسه، يهجو طبيبًا ذميًّا اسمه معافى كان بدمشق: [من الكامل]
من شاء ينظر في الورى ضد اسمه فينظرنَّ إلى معافى يكتفي
طبٌّ إذا عاد المريض تزايدت أمراضه وإذا تجنَّبه شفي
[٧٩٠]
محمد بن منير بن البطريق بن منير بن عسكر بن أحمد بن يحيى بن الحسن، أبو بكر بن أبي النجم العجليُّ.
زعم أنه من بني عجل بن لجيم، وكتب نسبه بخط يده. وجدت فيه خللًا، يجب إصلاحه، فلذلك لم أربع فيه شيئًا أكثر من ذلك من أجداده.
وكانت ولادته ومنشؤه بالجزيرة العمرية، وخرج عنها حدثًا، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقدم الموصل، وجعل نفسه سائقًا لصبيان المكتب. وتولّع بالأدب، وقول الشعر، وتردد إلى الشيخ أبي الحرم؛ فقرأ عليه أدبًا وشعرًا.
ثم اشتغل بالتأديب، وصار معلّمًا، ورزقه الله قريحة في القريض؛ فقال منه كثيرًا، ثم ترك التعليم، واستأجر دكانًا في الصفارين، فبقي فيها مدة، ثم عاد وفتح حانوتًا /١١٨ أ/ في قيسارية البّز، وصار بزازًا، ومع ذلك لم يترك صنعة الشعر طلبًا لحطام الدنيا، وشدّه حرصه عليه، والاستجداء به، والاستماحة والارتزاق؛ فحصل رزقًا صالحًا.
وكان يجمع بين التجارة والاستجداء بالشعر للملوك والأمراء والصدور والوزراء، ونفقت سوقه، ومشت أحواله.
[ ٦ / ١٥٤ ]
وهو شاعر يضرب في الأرض ببنات أفكاره، ويركب آماله إلى إدراك أوطاره، أشعر من ذلك في وقته، ذو قدرة على إنشاء الكلام ونحته؛ حسن الشعر صنعة، تنقاد له القوافي الشرّد وتطيعه. وكان كثيرًا ما يصف أشعاره إذا أنشدها، ويطرب لها إذا أوردها، متفنن في أنواع القريض وضروبه، لم يجر أحد معه من الشعراء في أسلوبه، يفوقهم في قوله لفظًا ومعنىً، ويبر عليهم فصاحة وحسنًا.
وكان رجلًا قد طبعت طبيعته على الأخذ، وجبلت طينته على الشحذ، من أشرس الناس خلقًا، وأدناهم نفسًا، سيء العشرة، ضيق العطن، كثير اللجاج، وكانت طباعه فيها جفاءٌ، وأخلاقه فيها شراسة.
ثم تاب عن قول الشعر، والاستجداء به، وحجّ إلى بيت الله الحرام، سنة ثلاثين وستمائة /١١٨ ب/ قصد زيارة النبي ﷺ ونظم قصيدة في النبي ﵇، وتوقف عالم عظيم لسماعها. ثم قال بعد أن فرغ من إنشادها على قبره ﷺ وذلك في أوائل المحرم من سنة إحدى وثلاثين: يا رسول الله! لكل ضيف قرى، ولكل مادح ثواب، ولكل قاصد حرمة. وقد قصدتك، ومدحتك ووصفتك؛ فأسألك أن يكون قراي شفاعتك على الله الجنة والمغفرة وبعدها لم يسترفد بالشعر.
ثم قدم الموصل فمكث بها قليلًا، وخرج منها في تجارة متوجهًا إلى بلاد الشام، فطلع عليه التتر الملاعين، فاستأصلوا ما كان يملكه، ثم رجع إلى سنجار، فأنعم عليه كمال الدين بن مهاجر بفروة، كانت على جسمه، ورحل إلى حلب، فنزل في بعض مدارسها مرتزقًا جامكية تصل إليه، وأدّب جماعة من أولاد أمرائها.
ثم عنّ له السفر إلى دمشق، فسكنها، وكتب بها الشروط، ومات بها في أواخر جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وست مائة في المدرسة العادلية.
ولو حلفت بالله تعالى، إنني سمعت ديوانه من لفظه، إلاَّ القليل منه لم أكن حانثًا في يميني، لكثرة ما كان /١١٩ أ/ ينشدني فكان قد استعرت منه ديوان شعره، فعلقت منه ما يصلح إثباته في الكتاب من المقطعات. وأنشدته ثم طلبه بعد ذلك، فأعطيته إياه، فلما طلبته ما طلني به، وسافر إلى دمشق، ولم يعده إليّ، فبقي عندي الشيء اليسير من شعره، فأثبته ورحل إلى دمشق، فما عدت رأيته بعد ذلك. وكان إذا أنشد
[ ٦ / ١٥٥ ]
شعره يتعجب، ويكثر التعجب، لكثرة ما كنت أستنشده من أشعاره ويبالغ في وصف شعره غاية المبالغة، ويمدح.
وكانت ولادته تخمينًا سنة خمس أو ست وسبعين وخمسمائة، فاستوفى إحدى وستين سنة. فمن شعره: [من الوافر]
بزاهر آس خدِّك بالشَّقيق ودائر كأس ثغرك بالرَّحيق
عميد هوى قضيت عليه عمدًا يهزُّ قضيب بانتك بالرَّشيق
نأيت مع الغريق فبان شوقًا يغرِّق نفسه إثر الغريق
ورجَّح بالأغاني في المغاني وبكَّى بالعقيق كالعقيق
وطاف على الرُّقاد عساه يحظى بزور زيارة الطَّيف الطَّروق
فصلت عليك بظهر سرجي ولست لشرط ذلك بالمطيق
لأن جليل ما بي منك يبدو بمرأى ذلك الفرق الدقيق
/١١٩ ب/ وأنشدني لنفسه، يهجو ابن صباح الشاعر: [من المنسرح]
يا ابن صباح وتلك عنزٌ تدور حول القمدِّ دورا
كان قياسًا لو جئت جديًّا بل كنت بغلًا فجئت ثورا
وقال أيضًا فيه يهجوه: [من مخلّع البسيط]
قالوا: رأينا فتى صباحٍ يمشي وفي رأسه قرون!
فقلت: كفُّوا، فتلك عنزٌ ونصلها هكذا يكون
وقال في فخر الدين عثمان – مقدم الدولة السلطانية بمصر -: [من الطويل]
أعثمان مت قتلًا بسيف محمدٍ وتحقيق هذا أنه ابن أبي بكر
مدحناك لا نرجو نداك وإنما حجىً لامرئ يرجو ندىً من صفا صخر
ولكن تصدَّقنا عليك بشكرنا لأن بك الفقر المكبَّ إلى الشكر
[ ٦ / ١٥٦ ]
وكنَّا سمعنا المال تعطى زكاته بمصرٍ فأعطينا الزكاة على الشِّعر
وأنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الرحيم، بدر الدنيا والدين، وعضد الإسلام /١٢٠ أ/ والمسلمين، تاج الملوك شرف السلاطين، قامع الكفرة والمتمردين، أبا الفضائل غرس أمير المؤمنين – أسعد الله جدّه، وقصم عدوه وضدّه، بمحمد وآله الطاهرين -: [من الطويل]
قليلٌ على إثر الحبيب المودِّع إذا كان من قاني دمي سيل أدمعي
رأى جزعي يوم الفراق فلامني خليلي ومن يعرض له البين يجزع
وليس بصبٍّ من نأى عنه حبُّه إذا فرَّ وآوى اللبيب لمضجع
وإني للمفجوع بالبين بغتةً وإن لم أزل أحيا بقلب مفجَّع
ولي في حمول الظّعن ريمٌ إذا نأى أقام هواه من فؤادي بمرتع
يذاد الكرى عن مقلتي بعد بعده فيرجع قلبي للحنين المرجَّع
ويلويه فرط الوجد في كل ما لوى فأجرع سيل الدَّمع في كل أجرع
ولائمةٍ تلحى وتعلم أنني أمينٌ النُّهى لا يدخل العذل مسمعي
ترغِّبني في الاغتراب لعلَّها تمتَّع من كسبي بوفر مجمَّع
فقلت لها واستعجلتها أمينة تخبِّر عن قلبٍ من الدهر موجع
/١٢٠ ب/ إليك فما عقلي لمثلك لعبةٌ وغير [ي] بدمع العين والشَّجو فاخدعي
أرى بائعًا من ماء وجهي وشاربًا رضاك بوصف السائل المتضرِّع
قنعت فنلت العزَّ من غير مانعٍ ومن يطلب العزَّ الممنَّع يقنع
وإني حلبت أشطر الدهر يافعًا وأصبحت شرَّابًا عليه بأنقع
ولست بسال النَّوال سوى فتىً يفوت سؤال جوده وتضرُّعي
سأصنع خير الشِّعر في كل ساعةٍ لوصف صنيف منه غير مصنَّع
لبدرٍ يرى في كل وقت مكمّلًا إذ البدر بدر بعد عشرٍ وأربع
فتى سفرت بين اسمه غرَّة العلا وأفعاله الحسنى بتاجٍ مرصَّع
طويل نجاد السيف للخطب والندى محل قرى منه بباعٍ موسَّع
فتى شاع ذكرًا في السَّماحة والوغى بجود يدٍ تهمي وقلبٍ مشيَّع
إذا أورد الأمر المهرول لم يفت بديهة عزمٍ منه لم تنبع
[ ٦ / ١٥٧ ]
يقضِّي أقاضي ليلة غير هاجعٍ لينظر في أحوال قاصين هجَّع
عليمٌ بخافي السِّر حتى تخاله تطلعه جهرًا ولم يتطلَّع
حليمٌ إذا ما الطِّيش زعزع يذبلًا أطاف بطود منه لم يتزعزع
تقاصر أعناق الكرام إذا بدا لهم عن مهيب أريحيٍّ سميدع
/١٢١ أ/ يراعون فكر في الندى ساعة الندى لندب بديهيِّ السَّماحة أروع
لقد منيت منه الخطوب بباسلٍ شجاعٍ متى يبرز له الخطب يصرع
يخوض الوغى فردًا بوجه كأنه سنى قمر في رأس ليث مقنَّع
يحاذر يلقى الذَّمِّ إلا مدرَّعًا وقد يرد الهيجاء غير مدرَّع
بصير بصيد القرن غير مخادعٍ خبيرٍ بوضع السَّيف في كل أخدع
مليك قلى أحوال أملاك عصره فردَّ لنا أيام كسرى وتبَّع
ملوكٌ تفدَّى كفُّهم بأكفِّهم وما هامهم منها فداءٌ لإصبع
حوى قصبات السَّبق في الفصل دونهم على أعقاب حسرى وظلَّع
ملوكٌ رأوا الدينار ربًا فأجمعوا على سجَّد منهم لديه وركَّع
أضاعوا حدود الله فاعتصموا الورى وولُّوا عليهم كل مجدَّع
حووا صدقات الناس قسرًا وزاحموا عليها وصدُّوا دونها كل مدقع
وكفَّوا عن الميراث كل يتيمة وعمُّوا بظلم منهم كل مرضع
لك الله! يا معطي الرَّغائب دونهم ومن دونه المظلوم غير مدفَّع
فعش أبدًا واستخدم القهر مالكًا متى تدعه يسمع مجيبًا ويسرع
ولا زالت الأعياد ترهى أهلةً بنور هلال بين عينيك مطلع
/١٢١ ب/ تملَّ العلا واستجل منها غريبةً تغور بصافي الورد في كل مشرع
لها نسبٌ مني عريق نجاره إذا الشِّعر أخزى نسبةً كل مدَّعي
وإني كثير العجب من كل ناقص يزاحم أهل الفضل في كل مجمع
يرى بارزًا فيهم بشعر مبرقعٍ ووجه بالاستحياء غير مبرقع
يسابق حظِّي جهله فيفوته فليس يرى بعدي بجاء ولا معي
إذا كنت في فضلي عليه مقدَّمًا فما حزني إن أخَّر الحظُّ موضعي
وما كان مثلي في جنابك مائلًا به الشعراء في المكان المرفَّع
[ ٦ / ١٥٨ ]
وغير جهول منبر الحمد أنني أجلُّ خطيبٍ في معالكي مصقع
وحاشى نداك الفائض الغمر أن يرى وفي قسمه مثلي بحظٍ مضيَّع
وقال أيضًا، يمدحه – خلّد الله سلطانه -: [من الطويل]
نفديك بالآباء يا من صفاته تشابه معنىً لاسمه وتشاكل
وننظمها في الشعر علمًا بأنَّها عقودٌ لأعناق ومراسل
إليك تشكَّى أن تصير أواخرًا حساني وهنَّ السَّابقات الأوائل
فضائل يحبوها أبوها بصدِّه ويصرفها عن حقِّها وهو عادل
/١٢٢ أ/ وليس بعدل موحشاتٌ نوافرٌ تؤخَّر عنها آنساتٌ أواهل
عواطل يكسوها حلّيًا بسمعه وأثنى ومنه حالياتي عواطل
وهنَّ الجواري المنشآت وإن يكن لأعلامها بحرٌ فإنَّك ساحل
وقال أيضًا، على طرز ابن الحجاج في الخلاعة والسُّخف: [من المجتث]
قد جاءنا رمضان وقد مضى شعبان
وقد علت نار قلبي وما ببيتي دخان
وقد مضى لمغيبي عن عيبتي إحسان
بان الكرى عن جفوني لمّا عن العين إحسان
كأنه من عيالي إذ كان لي حيث كانوا
عقلي بأمِّ عيالي مدلَّةُ ولهان
وهي التي قتلتني بالشَّوق لا الولدان
أيرى طوال الليالي كناظرٍ يقظان
يراقب الشخص منه كأنَّه ديدبان
/١٢٢ ب/ لا يرتضي بسواها فدهره غضبان
كأنَّما عنده من عهودها أيمان
[ ٦ / ١٥٩ ]
أروى قدودًا تثَّنى كأنَّها أغصان
فتلك جنَّة عدن وهنَّ حورٌ حسان
إذا حواهنَّ يومًا لنرزهة بستان
تبسمت عن ثغور كأنَّها الأقحوان
ينفرن منِّي وعنديّ من الصِّبا عنفوان
يرين شخصي لفقري كأنه شيطان
فإن أشارت إليهـ ـنَّ من يميني بنان
صدفن عنها كأنَّ الإ عدام فيها سنان
يا رب سؤلها الخلافة شان
مازحتها فأجابت: تنحَّ يا صفعان
مانيك مثلي إذا ما مجنت بي مجَّان
فليس ينفق عندي من رأسك الهذيان
فقلت عندي من فطنتي
/١٢٣ أ/ ومن مصاغ القريض الرَّ قيق لي ديوان
فقالت: أقصد بلالًا بالشِّعر يا غيلان
وأم أكرة رأسي من رجلها الصَّولجان
فقمت أقصد ربعًا فيه المنى والأمان
فصانني من أذاها فعرض مثلي يصان
[٧٩١]
محمد بن محمود بن المبارك بن جبريل، المؤدّب الإبربليُّ.
أنشدني لنفسه، ما كتبه إلى بعض أصدقائه، يشفع له، أن يوصل قصيدةً، نظمها في الصاحب شرف الدين أبي البركات، إليه: [من المنسرح]
يا أيها السيد الكمال ومن جود أياديه يخجل المطرا
ومن يظل اليراع مفتخرًا به على غيره إذا سطرا
إني أرجيك أن توصِّل لي قصيدةً قد نظمتها دررا
[ ٦ / ١٦٠ ]
في شرف الدَّين والعلاء ومن نواله للعفاة قد غمرا
واسلم ودم لا برحت في نعمٍ ما جنَّ جنح الظَّلام واعتكرا
[٧٩٢]
محمَّد بن عمر بن محمَّد بن عليِّ / ١٢٣ ب/ بن موهوب بن إسماعيل، المعروف بابن زبيدة أبو بكرٍ الجزريُّ القيسي الواعظ الفقيه الشافعيُّ المدرّس.
عالم فاضل، متفنن مناظر أصولي.
أخبرني؛ أنه ولد في ربيع الأوّل سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، بالجزيرة العمرية، وانتقل إلى الموصل، وهو بها مقيم.
أنشدني لنفسه: [من مخلَّع البسيط]
يحسدني كلُّ من رآني اركب في موكب الأمير
وليس يدري بأنَّ بغلي يبيت شهرًا بلا شعير
[٧٩٣]
محمَّد بن أحمد بن عبد الصّمد بن بدران بن حامد بن حمدان بن عليٍّ الغيداويُّ السّلميُّ البوازيجيُّ، أبو أحمد.
شيخ أسمر اللون، ربعة من الرجال، من أهل البوازيج.
لقيته بمدينة إربل، يوم الاثنين العشرين من شعبان من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، بدار حديثها المظفرية؛ ذكر أنه حفظ كتاب الله تعالى وأقام بنظامية بغداد اثني عشر عامًا، يتفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁ = /١٢٤ أ/ ويقول أشعارًا سخيفة، وربّما وقع له فيها أبيات لا بأس بها.
[ ٦ / ١٦١ ]
وأخبرني، أنه ولد بالبوازيج ثالث عشر رجب سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه: [من الطويل]
وزهَّدني في صحبة النَّاس خائن قليل الحياجم الخنا والمعائب
يعرِّض عرضي للِّئام سفاهًة ويوقعني من جهله في المعاطب
ويؤيسني من كلِّ حرٍّ طلبته ويطمعني في نيل أحمق كاذب
دعوني أروض النفَّس في ذمِّ معشر هم اللُّؤم محض مذ غدو بالمثالب
فما علقت كفِّي بخلٍّ يسرُّني مباديه إلاَّ ساءني في العواقب
وأنشدني أيضًا قوله: [من البسيط]
مولاي لا تتعبن قلبي بهجرك لي فالهجر يظهر ما يخفى على النَّاس
والصدُّ مرُّ وشكواى أمرُّ إلى من لا يرقُّ لذلٍّ قلبه القاسي
وأنشدني لنفسه، صدر كتاب: [من الكامل]
وافى كتابك فابتهجت له وشكرت ما أوليت من نعم
وطفقت الثم عند رؤيته شوقًا إليك مواقع القلم
وأنشدني لنفسه، يهجو جماعة /١٢٤ ب/ ببغداد، إذ شرعوا في أذاه، وذكر أنَّهم كانوا يتعاشرون، وصدر منهم أشياء لا تليق في حقّه، منهم: ابن الأبله الشاعر، وابن ورد كاتب السلّة، وابن البيّع، والزهري المحدّث: [من السريع]
قل لفتى البيّع ما هكذا أوصاك لمَّا درج الوالد
أن تعشق المرد ولا ينتهي عن الخنا شيطانك المارد
إن دمت يا ثكل أبيه كذا سيذهب الطَّارف والتَّالد
ولابن ورد خبر مطرف يعلمه الغائب والشَّارد
فيه من الوصلة ما إنَّه يطيعه الشَّارد والوارد
ونحوه كيف تأمَّلته ونجوه بين الورى واحد
والحجَّة المغرور كنز البغا فقد دهانا شعره البارد
[ ٦ / ١٦٢ ]
ثلاثة رابعهم كلبهم قد لعن السَّائق والقائد
[٧٩٤]
محمَّد بن الحسن بن جامع بن عليِّ بن أبي كامل /١٢٥ أ/ بن أبي طالبٍ، أبو عبد الله الإربلي.
وقد سبق شعر عمّه أبي الفضل الياس بن جامع – في الجزء الأول من الكتاب -.
وأبو عبد الله رجل حافظ للقرآن العزيز، ضعيف العينين، نزل في عارضيه البياض.
رأيته بمدينة إربل سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وسألته عن ولادته، فلم يتحققها، غير أنه قال: لي الآن خمسون سنة. وكان سؤالي له في التاريخ الذي مرِّ ذكره.
أنشدني لنفسه، ما كتبه إلى الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي – رحمه الله تعالى-: [من الطويل]
شكوت الَّذي لاقيت من نوب الدَّهر وما نالني بعد الثَّراء من الفقر
إلى بعض إخواني الَّذين أودُّهم كشفت له حالي وأظهرته سرِّي
فجاوبني جذلان من غير غمَّة لك الخير بارد الصَّدر
إلى شرف الدِّين الوزير فإنَّه قدير على إصراف عسرك باليسر
أبي البركات الأريحي الَّذي سما بمعروفه قدرًا على الأنجم الزُّهر
هو الصَّاحب المغرى بتفريق ماله على الطَّارق الملهوف في السر والجهر
جواد إذا ضنَّ الغمام بقطره فجود ندى كفَّيه يغني عن القطر
وزير فريد بالعفاف وبالتقى وبالحلم والعلم الغزير وبالبر
/١٢٥ ب/ له همَّة فوق الثُّريَّا يحلُّها وآراؤه أمضى من البيض والسُّمر
[ ٦ / ١٦٣ ]
[٧٩٥]
محمَّد بن بدر بن الحسين بن مقبل بن السمين، أبو الفرج بن أبي النجم الليليُّ البصريُّ.
من أبناء المتصرّفين، ومن بيت رئاسة.
ذكر لي، أنه ولد سنة أربع وثمانين وخمسمائة، بقرية تدعى قرية فاطمة، وهي في مستغرق أجم ومياه، فوق قرية تسمى الشُّرطة من أعمال واسط. ونشأ بالعقر، قرية بنواحي البصرة.
شاهدته بإربل رجلًا قد وخطه الشيب، طويلًا، أزرق العينين، عبل البدن، في رمضان سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، يتولى التصرف في نواحي الخاص. وسألته على من اشتغل؟ زعم أنه لم يشتغل بشيء من العلوم، وإذا أنشد قلَّ أن يلحن في إنشاده؛ ومما أنشدني لنفسه ما كتبه إلى مخدومه وهو إذ ذاك زعيم البصرة: [من البسيط]
لم يبق شأنك في عيني لذي خطر شأنًا ولا رفعًة تسمو لمرتفع
من أين للنَّجم نور البدر حين بدًا وللوحوش جميعًا هيبة السَّبع
/١٢٦ أ/ فكلُّ من يدَّعي العلياء غيرك في لبس ومن يتبنَّى المجد فهو دعي
فاسلم على رغم من يشناك في دعة من الحوادث يا ذا الحلم والورع
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى بعض الصدور، وقد انقطع عنه، فبلغه عنه عتب:
[من البسيط]
إن غبت عنك فإنِّي بالدُّعا لهج وبالثناء على علياك معكوف
وإن حضرت فما أزداد تبصرًة لأنَّ قلبي إلى تلقاك مصروف
ألفت حبَّك إذ أوليتني نعمًا كثرًا ومن ولي الإحسان مألوف
وأنشدني لنفسه إلى بعض أصدقائه: [من البسيط]
لئن كفرت أياديك الجسام وما أوليتنيه من الإحسان والنِّعم
[ ٦ / ١٦٤ ]
فلا جرى لي في طرس العلا قلم ولا سعت لي إلى كسب الثَّنا قدمي
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الخفيف]
يا مليح الصُّدود يا حسن الإعـ ـراض والهجر يا جميل التَّثنِّي
كم أعاني الغرام فيك وكم أحـ ـمل عبء الهوى بضعف ووهن
أترى السُّقم ما اشتفى من نحو لي والجفاء الممض ما نال منِّي
وأنشدني له، وكتب بها إلى بعض الأمراء جوابًا: [من الطويل]
/١٢٦ ب/ ومن أين لي عمر يقوم بمدح ما تعهَّدتني فيه من الطَّول والبرِّ
ولو كان عمري عمر نوحٍ لضاق بي وقصَّر عن شكري صنائعك الغرِّ
فحسبي من نعماك ما قد منحتني وحسبك منِّي ما يضوع وما يسري
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى بعض أقاربه جوابًا عن شيء كاتبه به، وعاتبه عليه:
[من الكامل]
شرخ الشَّباب مضى وريعان الصِّبا ولَّى وما ظفرت يداي بطائل
والغانيات صددن حيث رأينني غرض الحوادث والزَّمان المائل
والأقربون تفرَّقت آراؤهم عنِّي وصدَّ معاشري ومواصلي
فعلام أجزع للخطوب وصرفها ولأيِّما حالٍ تهيج بلابلي
وأنشدني أيضًا لنفسه، ما كتبه إلى بعض أودائه، وقد سأله أمرًا في ضمن توليةٍ تقدّمت له في حقّه إلى بعض الصدور: [من الطويل]
صرفت هواي عنك حيث قذفتني إلى لجَّة التَّيار والأسد الورد
وقابلت مدحي والثناء بضدِّه وجازيت ودِّي بالجفاء وبالصَّدِّ
وألفيت عنِّي غير ما أنا فاعل ولم ترع لي حقَّ الولاء ولا الودِّ
/١٢٧ أ/ وما كنت لولا فرط حبِّيك عاجزًا عن القول والعذر المبيِّن والرَّدِّ
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض أصدقائه: [من المديد]
يا جلاء العين إن مرهت ودواء القلب إن مرضا
[ ٦ / ١٦٥ ]
ما الِّذي أثنى هواك ومن لو كيد العهد قد نقضا
أدلال منك يا سكني أم جفاء فيك قد عرضا
أم صدود قد ثناك وما خلت حبل الودِّ منقرضا
لم ألم دهري على مضض كلَّه ما زال لي مضضا
كم سقاني من حوادثه غصصًا مأهولًة جرضا
فابق في شهر الصِّيام ودم واقضه ومفترضا
بسعود دائم وعلاء ومجد بالمنى نهضا
ثمَّ عش لي ما بدا فلق بحواشي الجوِّ معترضا
[٧٩٦]
محمَّد بن عبد الله بن عمر بن سعد بن العجليِّ الموصليّ.
سألته عن ولادته، فقال: ولدت سنة ثماني وستمائة في ذي القعدة بالموصل.
أنشدنا /١٢٧ ب/ لنفسه: [من الكامل]
وافى يهزّ قوامه سكر الصِّبا كالغصن إذ مرَّت به سحرًا الصِّبا
فالنَّمل عارض لقلبي فاطر والنور مبسمه وحاجبه سبا
وأنشدنا أيضًا لنفسه: [من الكامل]
أفديه من قمر فتنت بحسنه ولقد أبى أن يعرف الإحسانا
فجننت حتَّى صادني في حبِّه ممَّا لقيت من الهوى سرطانا
وأنشدنا أيضًا له: [من الرجز]
أمير حسن رمحه قوامه وطرفه يغني عن البواتر
وخدُّه وصدغه وطرفه عن عاملٍ ومشرفٍ وناظر
[ ٦ / ١٦٦ ]
[٧٩٧]
محمَّد بن هاشم بن أحمد بن عبد الواحد بن هاشمٍ، أبو عبد الرحمن بن أبي طاهر الأسديُّ الحلبيُّ الخطيب.
من بيت خطابة وعلم. وكان والده [انتهت] إليه خطابة المسجد الجامع بحلب.
وتولّى أبو عبد الرحمن مكانه في الخطابة، والصلوات الخمس. شاهدت الخطيب هذا بمدينة حلب، بمسجدها الجامع ثامن جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وستمائة.
وسألته عن مولده، فقال: ولدت في رجب سنة ستين وخمسمائة.
وتوفي بحلب عصر يوم الاثنين السادس من ربيع الأول /١٢٨ ب/ [ودفن] في يوم الثلاثاء بمقبرة الجبيل، شمال البلد – رحمه الله تعالى، وتغمده برحمته ورضوانه – في سنة إحدى وأربعين وستمائة.
وهو من عدولها المتميزين؛ شيخ حسن فاضل، دمث الأخلاق، حافظ للقرآن الكريم. ذكر لي أنه سمع جملة من الحديث النبوي. روى عن والده وغيره، واستجزته فأجازني جميع مروياته، وله أشعار، أنشدني منها من الملك الظاهر غياث الدين
[ ٦ / ١٦٧ ]
غازي بن يوسف، صاحب حلب – رحمه الله تعالى-: [من البسيط]
حيَّت سليمى فاحيت مغرمًا دنفا ثمَّ استقلَّت فأفنت قلبه أسفا
وغادرته غريمًا للغرام بها وعوَّصته صدودًا زائدًا وجفا
ها قد وهى صبره يا ظاعنين وقد أمسى لنا بكم بالسُّقم ملتحفا
وانهلَّ من وابل الأجفان زاخره شوقًا إليكم خبايا دمعه نزفا
أحبابنا بان صبري يوم بينكم لهفًا على طيب عيش لي بكم سلفا
لله أيَّامنا والشَّمل مشتمل وحادث الدَّهر عنَّا صرفه صرفا
يا آمري الصَّبر إنِّي بعد بعدهم والله استعذب التعذيب والتَّلفا
ويا مكلِّفي السُّلوان حسبك بي يكفيك ما حلَّ بي من فقدهم وكفى
/١٢٩ أ/ وحقِّ سالف عيش مرَّ لي بهم ما لذَّ عيش ولا ورد الحياة صفا
يا قاتل الله يوم البين كم كبد ذابت وكم مدمع فيه دمًا ذرفا
دعني بوجدي على فقد الفريق وإن أعيى وبرَّح بي التبريح واعتسفا
يا صاح يا صاح من وجدي ومن حرقي وكنه حال على التحقيق ما عرفا
هذي منازل من أهوى فدع عذلي لا عذر إن لم أمت في رسمها شعفا
داء لقلب المعنَّى الصَّبِّ ليس له سوى مديح غياث الدِّين قطُّ
يعطي رغائب آمال إليه سرت غرائب الجود حتَّى يوهم السرفا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الهزج]
بنفسي معرض عنَّا وكم من عاشق غنَّى
ولم يعطف على صبٍّ صبا شوقًا ولا عنَّا
أأحبابي لئن غبتم فقلببي لكم مغنى
فلا أبصرت أحلى منـ ـكم لفظًا ولا معنى
فكم يبكي معنَّا كم إذا ما ليله جنَّا
ويبدي فرط وجد من رآه قال: قد جنَّا
يناديكم بناديكم وإن واش وشى كنَّى
/١٢٩ ب/ ترى يجتمع الشَّمل بمن يهوى كما كنَّا
وأنشدني أيضَا لنفسه في غلام اسمه لؤلؤ: [من الرمل]
[ ٦ / ١٦٨ ]
يا لقومي من غريرٍ جعل الإعراض ثغره
بدر تمٍّ فوق غصنٍ إسمه يشبه ثغره
[ ٦ / ١٦٩ ]
[٧٩٨]
محمَّد بن محمَّد بن عبد الله بن علوان بن أبي بكرٍ، المعروف والده بالأستاذ، أبو المكارم الأسديُّ الحلبيُّ.
هو ابن عم القاضي زين الدين أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي، قاضي حلب.
أبو المكارم فقيه شافعي المذهب، مترسل مدرس، يدرس الفقه بالمدرسة الأسدية، ثم أضيف إليه النظر في التركات الحشرية. وهو رجل فاضل عالم بالعربية والأدب، شاعر مجيد، حسن الشعر، مليح الكلام في نظمه ونثره، جليل القدر.
لقيته بحلب يوم السبت خامس رجب سنة أربع وثلاثين وستمائة، وأخبرني أنَّه ولد يوم السبت خامس عشر من ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
وأنشدني لنفسه يمدح القاضي أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن الحلبي، /١٣١ أ/ ويهنِّيه بولاية القضاء مدينة حلب. وكتب بالولاية منشور، ولاّه ذلك الملك غياث الدين محمد بن غازي – رحمه الله تعالى – واتفق يوم ذلك ثلج كثير، وأعقبه غيث متدفق، فقال: [من الكامل]
يا حاكم الدّنيا وواحد عصره دم للزمان فأنت مالك أمره
أيَّام مجدك كلُّها أعياده وكذا لياليه ليالي قدره
لحظات عدلك لا يقوم بشكرها نظم الشَّكور ونظمه في عمره
ألبست أكرم ملبسٍ لكنَّه بك عاد يرفل في ملابس فخره
[ ٦ / ١٧٠ ]
ثوب حكى الفلك المسخَّر لونه وحكت ضياءك فيه طلعة بدره
وأتاك تقليد القضاء بعقود لا هيًا عن درِّه
وركبت مركوبًا تودُّ الرِّيح لو كانت تنوب بمرِّها عن مرِّه
وطلبت للتدريس في مغنًى شكا ظلمًا عرته فكنت غرَّة فجره
اليوم عاد أبو المحاسن حاكم الـ ـحكام غير مروَّع في قبره
وغدت عيون الحكم وهي قريرة والدَّست وهو مسلَّم من ذعره
أكرم يذا اليوم الَّذي قد عمَّنا برًّا فحقَّ لنا القيام بشكره
/١٣١ ب/ كنَّا نذرنا صومه لكنَّه عيد فليس يصام فيه بنذره
زين البريَّه يا أجلَّ محكَّم أضحى العلاء بأسره في يسره
يا من إذا ما المشكلات استكلفت أبدت كواكبها دياجي حبره
طلت البريَّة بالنساء والسَّنى فلك الفخار بحدِّه وبقصره
يا ثالث العمرين والقمرين في إنصافه بين الأنام وقدره
موافق ومخالف وموحِّد ومبالغ في كفره
وأفادك الإجماع ما قلِّدته يا معلمًا بالسِّرِّ جهره
وسخا الغياث على الورى بك حاكمًا فسخا الغمام على الأنام بقطره
وكسا النِّثار الجوَّ عريان الثَّرى حلل البياض وكان فاقد طمره
فتساوق الغيثان في شأويهما وأطاب بشرى الخافقين بنشره
وأجاد ذكر مناقب القاضي الَّذي قد صغِّر الخبر العظيم بخبره
أبقى الإله لنا العزيز محمَّدًا ملك الزَّمان ونور ناظر دهره
فلقد كسا الإنصاف ثوبًا معلمًا يبقى على حدث الزَّمان بذكره
/١٣٢ أ/ وسعى لنظم الملك سعي جدوده وأبيه والملك العزيز بمصره
ورعى رعيَّته ولم ينزلهم هملًا بما بذل أمرؤ من تبره
أرضى الخلائق والإله بحكم من يرضي الإله بنهيه وبأمره
وحبا القضاء بمن غدا أولى به فحباه رب العالمين بنصره
[ ٦ / ١٧١ ]
وأعاد ملك الأرض طوع يمينه والحادثات قصيرًة عن قصره
وجزاه خير جزائه فلقد سمت نعماه عن نظم الثَّناء ونثره
/١٣٢/ب.
/١٣٣ أ/.
[٧٩٩]
محمَّد بن إياس بن عبد الله، أبو عبد الله الحرَّانيُّ.
كان والده مولى هبة الله بن .
كان شابًا كيسًا، دمثًا حسن المعاشرة، يميل إلى الفضل والأدب، ويعاني حفظ الأشعار الرائقة، ورّبما نظم منه شيئًا. وكان حافظًا للقرآن العزيز، كثير التلاوة له، خير الطباع، ذا تودد إلى الناس، وله ثروة من الدنيا.
كان سافر البلاد تاجرًا، سافر قطعة من بلاد العجم. إلى بلاد العراق إلى الديار المصرية؛ فهجم الخوارزمية على حرّان، فأخذوا الموجود من ماله، فقلّ ما بيده، ونزل حلب فصار يضارب للناس، وساءت حاله؛ ثم مرض في أثناء ذلك ونقل إلى البيمارستان، فأقام به مدّيدة. وتوفي به في يوم الجمعة رابع عشر صفر، ودفن ظاهر المدينة، بتربة بني العجمي شمالي البلد في سنة اثنتين وأربعين وستمائة.
أنشدني لنفسه: [من البسيط]
يا ساكني مصر في قلبي لبعدكم نار اشتياق بفيض الدَّمع تتَّقد
ما إن ذكرت ليالينا الَّتي سلفت إلاَّ تبادر دمع العين يطرد
ولست أشكو فقد السَّقام بكم لأنَّه كان لمَّا كان لي جسد
/١٣٤ أ/ أخذه من قول أبي الطيب المتنبي:
[ ٦ / ١٧٢ ]
(وشكيَّتي فقد السَّقام لأنَّه قد كان لمَّا كان لي أعضاء)
[٨٠٠]
محمَّد بن عبد الله بن عبد الله بن مالكٍ، أبو عبد الله الطائيُّ.
من أهل جيّان، مدينة من مدن المغرب.
استوطن محروسة حلب؛ شاب فاضل، حافظ للقرآن الكريم، يشدو طرفًا من علم العربية.
أنشدني لنفسه ملغزًا باسم وهو سلمان: [من البسيط]
بغير ذكر اسم من أهوى بلفظ سل فيطمع الضَّبُّ في المأمول مرتقبا
[ ٦ / ١٧٣ ]
ويعقب اليأس باقي اللَّفظ منه كما يقول حدثت النفس أي كذبا
وأنشدني لنفسه ملغزًا في الشكر: [من الكامل]
ما اسم بإجماع البريَّة واجب وإذا يخف مصحَّفا فحرام
وإذا تثقِّله لدى تصحيفه فهو الحلال الحلو كيف يرام
وأنشدني أيضًا له يلغز بالمال: [من الخفيف]
إسم هذا الَّذي ألفت هواه فعل قلبي يسمى إذا هو فعل
/١٣٤ ب/ كلُّه في آخر أحرفه باد وإذا ما عكسته حين تتلو
وإذا صار أوَّلًا منه ثان فهو معنى ما آمل عنه يسلو
وإذا أوال تأخَّر منه فهو وصف لكلِّ من عنه ضلُّوا
وأنشدني أيضًا لنفسه في امرأة اسمها عين، يلغز بها: [من الطويل]
عجبت للفظ في اكتمال حروفه يبين معنًى ثلثه عنه يعرب
وفي الثُّلث الثَّاني دلالات أربع وفي الثُّلث الباقي دليلان فاعجبوا
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى نجم الدين أبي الفضل الياس بن الياس الإربلي، الفقيه الشافعي: [من المجتث]
وفتية صدقت فيـ ـهم الأماني ظنونا
وناولتهم يداها من الأيادي فنونا
وحاولوا أن ينالوا وجه التَّهاني المصونا
لكن لإدراك هذا بالنَّجم هم يهتدونا
ففض ختم رضاهم لكي يقرُّوا عيونا
[ ٦ / ١٧٤ ]
[٨٠١]
محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن عليِّ بن يحيى /١٣٥ أ/ بن طاهر بن محمَّد بن عبد الرحيم بن محمَّد بن إسماعيل بن نباتة، أبو الفتح بن أبي الحسن القرشيُّ العبسي.
وجدّه الخطيب عبد الرحيم بن محمد، هو المشهور بالخطابة، وبيت العلم والفضل بميافارقين.
وأبو الفضل رجل نبيه القدر من ذوي الهيات الكبراء الأماثل، حفظ القرآن الكريم، ونظر في شيء من الأدب، وله نظم ونثر، لم يقصر في إنشائهما.
تقدّم في دولة الملك الأشرف شاه أرمن أبي الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب بخلاط، سنة تسع وستمائة، وميّزه على نظرائه حتى كاد يجري مجرى الوزراء عنده، وسار معه إلى حرّان، ومنها إلى دمشق، وبقي في خدمته إلى أن مات الملك الأشرف.
نزل مدينة حلب في سنة خمس وثلاثين وستمائة قاصدًا ديار بكر، فلقيته بها في شهر صفر سنة ستٍّ وثلاثين، فألفيته شيخًا حسنًا كيسًا، نقي الشيبة. وذكر لي أنَّه ولد في ربيع الأول بماردين سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه، ما كتبه في ضمن شكايته إلى ولده أبي عبد الله معاذ:
[من الطويل]
وما روضة فاحت مجامر نورها سحيرًا وقد بات السَّحاب يجوده
/٢٧٢/ تبسَّم في أقطارها الزَّهر بعد أن بكتها بروق ساعدتها رعودها
بأحسن عندي من كتاب سطوره يضاهي عقود الغانيات نضيدها
إذا ما قرأناه يود جليسنا لما قد حوت ألفاظه لو نعيدها
معاذ لقد أقررت عيني بشمه السَّبق طرًّا حميدها
[ ٦ / ١٧٥ ]
وصدقت لي فيك المخيلة فاغتدت وقد سال واديها وأورق عودها
وأنشدني لنفسه إليه أيضًا: [من الطويل]
أتاني كتاب منك لمَّا فضضته تضوَّعت الآفاق من نشره عرفا
وأقرأني عنك السَّلام كأنَّما حباني به نعمى وخوَّلني عرفا
كأنَّ به قسًا يقصُّ بلاغًة غدت لبديع القول بين الورى صحفا
فما الأمن بعد الخوف أعقبه الغنى لذي فاقة مذ كان كان لها حلفا
وإطلاق مأسور وأوبة غائب ويرشفا الموصوب من بعد ما أشفى
واسعاف دهر بالسعادة لامرئ بلاه بصرفٍ لا يطيق له صرفا
بأحسن عندي من وقوعه
فأنهلني من درِّ معناه قرقفًا وشنَّفني من درِّ ألفاظه سنفا
فألصقته بالقلب أنعى سقاه وأرشف بالتَّقبيل أسطره رشفا
/١٣٦ أ/ فأطفأ نارًا كنت أحسب أنَّها بغير التَّلاقي ليس تخبو ولا تطفا
وأنشدني أيضًا لنفسه، في الملك الأشرف: [من الكامل]
موسى الكريم حكى الكليم بخلَّة هي للمحامد والـ يؤلّف
فعصا الكليم غدت تلقَّف سحرهم وندى الكريم لفقرنا يتلقف
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من المنسرح]
الملك الأشرف الَّذي بهرت صفاته النَّيِّرين إشراقا
سما سماء العلا لمحتده وراق خلقًا وراق أخلاقا
أخطأ من قاس جوده بحيًا هيهات قد بذَّه وقد فاقا
ذاك تسحُّ المياه مزنته وكتب هذا تسحُّ أرزاقا
وأنشدني ما كتبه إلى ولده المذكور: [من الطويل]
كتابك وافاني ودمعي مطلق وقلبي أسير في يدي البين موثق
ولي زفرات ما تني في أتقادها تكاد لنيران البسيطة تحرق
[ ٦ / ١٧٦ ]
فأطلق من أسري وأخمد لوعتي وعاد به صفوًا شرابي المرنَّق
فأفديه من طرسٍ كأنَّ سطوره جمان ومعناه سلاف معتَّق
/١٣٦ ب/ سما فوق ألفاظ البريَّة لفظه فمن أفقه شمس البلاغة تشرق
كتاب به رعت الكتابة واغتدى به فرقي من فرقة الحب يفرق
فأقسم بالقوم الألى بولائهم غدًا لذوي السَّبق المخفِّين أسبق
لذكرك أحلى من جنى النَّحل في فمي ونشرك من عرف اللَّطيمة أعبق
[٨٠٢]
محمَّد بن عيِّاش بن صباوة بن أبي بكر بن عبد العزيز بن رضوان بن عياش بن رضوان بن منصور بن دويد بن صالح بن زيد بن عمرو بن الزبّار بن جابر بن كعب بن عليم بن جناب، أبو الفضل بن أبي البقاء النحوي الأديب العرَّمانيُّ.
وعرَّمان قرية كبيرة من أشهر قرى صرخد من عمل حوران من نواحي دمشق.
كان والده يتولّى قضاء الثغور الشامية؛ وولده هذا درس علم النحو والعربية على الشيخ أبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي، وأتقن معرفة هذا الشأن، وتمهَّر فيه على أبناء زمانه، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁-. وأخذ منه جملة وافرة، إلاَّ أنَّه غلب عليه علم الأدب والإعتناء به.
لقيته بحلب المحروسة، وهو ساكن /١٣٧ أ/ بالمدرسة النوريّة المنسوبة إلى بني عصرون. وتأكدت بيننا صحبة؛ وهو شاب فاضل كيّس، بارع في فنّه، حسن الذكاء، جميل المناظرة، واسع الحفظ لأشعار المحدثين، وغيرها من أشعار العرب، كثير الدعابة والهزل، مائل إلى المزاح بكليته، فيه سماحة، وله نفس؛ وهو مع ذلك يجيد قول الشعر، ويحكم معانيه.
[ ٦ / ١٧٧ ]
وأنشدني منه كثيرًا له، ومما أنشدني لنفسه، يمدح موسى بن محمد بن موسى القمراوي: [من البسيط]
أصبحت علاَّمة الدُّنيا بأجمعها تشدُّ نحوك من أقطارها النُّجب
بان على كبد الجوزاء منزلًة تحفُّها من خلال حولها الشُّهب
ما نال ما نلت من فضل ومن شرف سراة قوم وإن جدٌّوا وإن طلبوا
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
ولما اكتسى بالشَّعر توريد خدِّه وما خاله ألاَّ يزول إلى حال
وقفت عليه ثمَّ قلت مسلِّمًا: (ألا أنعم صباحًا أيُّها الطلل البالي)
وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الكامل]
وجه صفا ماء الجما ل به وشبَّت فيه ناره
/١٣٧ ب/ وكأنَّ خطَّ أبن العديـ ـم على حواشيه عذاره
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من مجزوء الكامل]
قد زخرفت في وجهه للنَّاس جنَّات النَّعيم
وكأنَّ خطَّ عذاره الـ ـمنسوب خطُّ ابن العديم
وأنشدني أيضًا من قوله [أتمَّ به] البيت الأول: [من الطويل]
وسمراء رود حجَّبوها بأسمر يماثلها في اللَّون واللِّين والقدٍّ
جفت فجفا جفني الكرى بجفائها كأنَّهما كانا لهجري على وعد
[ ٦ / ١٧٨ ]
وأنشدني أيضًا له: [من الطويل]
خميس كمثل البحر عبَّ عبابه أوائله ليست لهنَّ أواخر
له تحت أطباق الأراضي زلازل ومن فوق أفلاك النُّجوم زماجر
وأنشدني أيضًا له: [من مجزوء الرجز]
يا مالكي أمسيت من وجدي به متيَّما
سقام جفنيك الَّذي أغرى بجسمي السَّقما
ونار حدَّيك بها وقعت في جهنَّما
من منصفي من شادن مهفهف عذب اللَّما
[حكَّمته في مهجتي فجار لما حكِّما
كأنَّ عقد لؤلؤ في ثغره قد نظما
قد رقم الحسن له في عارضيه أرقما
نمَّ بسرِّ حسنه حين بدا منمنما
وسلَّ من جفونه من اللِّحاظ مخذما
وفوق الهدب بقو سي حاجبيه أسهما
وهزَّ لدنًا ذابلًا من قدَّه مقوَّما
فاعترضت من دونه يمنعه أن يلثما
تحميه ممَّن رامه وحقَّ للثغر الحمى]
/١٣٨ أ/ وأنشدني لنفسه يصف الشمس: [من البسيط]
والشَّمس مصفرَّة في الغرب قد نشرت شعاعها في تفاريق من السُّحب
كأنَّما السُّحب أعلام مورَّدة والشَّمس من تحتها ترس من الذَّهب
وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الرجز]
[ ٦ / ١٧٩ ]
وشادن شاد هو الشَّـ ـمس ضحًى بل أحسن
قد جمعت في خلقه لناظريه الفتن
يودُّ جسمي أنَّه حين يغنِّي أذن
في مجلس فيه لنا أحسن ما يستحسن
ما تشتهيه الأنفس وما تلذُّ الأعين
وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]
يا صاحٍ دع عذل العوا ذل في معتَّقة الرَّحيق
صرفًا تلهّب في الكؤو س كأنَّها لهب الحريق
ممَّا تخيَّرها المسيـ ـح ذخيرًة للجاثليق
وكأنَّها ذوب من الـ ـياقوت لا ذوب العقيق
يسعى عليك بها غزا ل كالغزالة في الشروق
/١٣٨ ب/ رشا رشيق قوامه أحلى من الغصن الرَّشيق
جلَّت بدائع حسنه عن وصف ذي الذِّهن الدَّقيق
لك كلَّما نادمته سكران من خمر وريق
أو ما ترى وشي الرُّبى أربى على الوشي الأنيق
كم فيه من زهر يرو ق الطَّرف في غصن وريق
لما تخلَّله النسيـ ـم ومسَّه مسَّ الشَّفيق
لثمت ثغور للأقا ح به خدودًا للشقيق
وكأنَّ نرجسه مدا هن من لجين للخلوق
وكأنَّ زهر بهاره الـ تعقيان أو خدُّ المشوق
والجوُّ في سلك مطـ ـرَّزة بمذهبة البروق
فاشرب وصل منها صبو حك وكلَّ يوم بالغبوق
وتسلَّ عن كلِّ الأنا م فليس فيهم من صديق
[ ٦ / ١٨٠ ]
وله أيضًا: [من الخفيف]
إدَّعى مفتي الأنام رئيس الـ ـشَّام زين الإسلام قاضي القضاة
أنَّ ذا الصاحب الوزير ابن حرب ذا المعالي والأنعم السَّابقات
/١٣٩ أ/ ناشر العدل في الرَّعية طاوي الـ ـظُّلم عنها موفَّق العزمات
ثابت القلب واثب في لظى الحر ب مخوف الثَّبات والوثبات
خاضب الأبيض المهنَّد والأسـ ـمر في الرَّوع من نجيع الكماة
والشُّهود العدول عدل وفضل ونوال كالأبحر الزَّاخرات
وعجيب أن أدَّعي ما أرى النَّا س أقرُّوا به وبالبيٍّنات
وقال أيضًا: [من السريع]
أنشد عزُّ الدِّين أشعاره فما شككنا أنَّها درُّ
وما عجبنا أنَّها مخرج للدِّر منه وهو البحر
وأنَّ أوصاف الوزير الَّذي يفرق من صولته الدَّهر
قد أكسبت أشعارّه بهجًة يخجل منها الشمس والبدر
وقال أيضًا: [من الوافر]
وما لي لا أحيِّي دار ليلى وأحبس في معالمها ركابي
واعتنق التراب لعلَّ قلبي يسكِّن حرَّه برد التراب
وقد سلفت لنا فيها بليلى ليال مثل ريعان الشَّباب
[٨٠٣]
محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن أحمد /١٣٩ ب/ العربيُّ، أبو عبد الله، الشيخ العارف الحاتمي الطائيُّ من ذرية عبد الله بن حاتم الطائيِّ.
[ ٦ / ١٨١ ]
كانت ولادته بمدينة مرسية، في أيام الأمير أبي عبد الله محمد بن سعد بن مردنيس، سنة ستين وخمسمائة. وكانت وفاته يوم الثاني والعشرين من ربيع الآخر
[ ٦ / ١٨٢ ]
بدمشق، ودفن بجبل قاسيون بتربة القاضي ركن الدين، وذلك في سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
سمع الحديث على أبي عبد الله محمد بن عبيد الله الحجري، وأبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، وأبي الحسين يحيي بن الضائع السَّبتي، ومحمد بن قاسم بن عبد الكريم ، وجماعة سواهم. وكان أهله أجنادًا في خدمة المستولين على البلاد، وبقي مدّة جنديًا، ثم رجع عن الجندّية في سنة ثمانين وخمسمائة.
وحدثني من لفظه، قال: كان سبب انتقالي عن الجندية، وبنذي لها وسلوكي هذه الطريقة، وميلي إليها، أنني خرجت صحبة مخدومي الأمير أبي بكر يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ بقرطبة، قاصدين المسجد الجامع، فنظرته في ركوع وسجود وخشوع، كثير الابتهال إلى الله – ﷿ – فخطر لي خاطر، أن قلت في نفسي: إذا كان هذا ملك البلاد خاضعًا /١٤٠ أ/ متذللًا، يضع هذا بين يدي الله تعالى – ﷿ – فما الدنيا بشيء، ففارقته من ذلك اليوم، وما عدت رأيته أبدًا؛ ثم لزمت هذه الطريقة.
وهو رجل له قدم في الرياضة والمجاهدة، وكلام على لسان أهل التصُّوف، موصوف بالتقدّم والمكانة عند جماعة من أهل هذا الشأن، وله أصحاب مريدون وتلامذة، وصنّف تصانيف كثرة، وتواليف جمًّة، سكن بلاد الروم؛ ملطية، وقونية، وطاف البلاد، ودخل بغداد، ثم سكن بأخرةٍ دمشق. وله كلام حسن في الحقيقة يأتيه من غير اشتغال بالعلم.
وقد رزقه الله تعالى خاطرًا متوقدًا، فانثال عليه هذا الكلام إنثيالًا، ووفق في إستنباطه توفيقًا عجيبًا، ما حير العقول عند سماعه، وسلب القلوب في إيراده.
شاهدته بمحروسة حلب، في يوم الأربعاء سادس ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وستمائة؛ شيخًا يخضّب، وقرأت عليه جميع ما تضمنته هذه الأوراق وأنشدنيها؛ فمن شعره على طريق العارفين: [من الطويل]
ألا يا حمامات الأراكة والبان ترفّقن لا تندبن بالنَّوح أشجاني
[ ٦ / ١٨٣ ]
/١٤٠ ب/ ترفَّقن لا تندبن بالنَّوح والبكا خفيَّ صباباتي ومؤلم أحزاني
ومن عجب الأشياء ظبي مبرقع يشير بعنُّاب ويومي بأجفان
ومرعاه ما بين الترائب وفي الحشا فيا عجبًا من روضة وسط نيران
لقد صار قلبي قابلًا كلَّ صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيتًا لأصنام وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحبِّ أنَّى توجَّهت ركائبه فالحب ديني وإيماني
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
قالت: عجبت لصبٍّ من محاسنه يختال ما بين أزهار ببستان
فقلت: لا تعجبي ممَّا ترين فقد أبصرت نفسك في مرآة إنسان
ومن نظمه في المقامات من الفتوحات المكية في التوبة، وأنشدنيه:
الإعتراف متاب كلِّ محقِّق وبه إله الحقِّ يشرح صدره
رضي الإله عن المخالف مثلمًا رضي الإله عن الموافق أمره
ماذا ينال مناله لاسيَّما إن كنت تعرف سره
من عين منتبه ينال مخالف ما ناله من كنت تجهل قدره
/١٤١ أ/ وقال أيضًا، وأنشدنيه: [من الطويل]
هبوط مكان لا هبوط مكانة لتلقى به حورًا وملكًا مخلَّدا
كما قال من أغواه صدقًا لكونه رآه كلامًا من إله مسدَّدا
[ ٦ / ١٨٤ ]
وقال في الخلوة، فأنشدنيه: [من الطويل]
خلوت بمن أهوى فلم يك غيرنا ولو كان غيري لم يصحَّ وجودها
إذا أحكمت نفس شرط انفرادها فإن نفوس الخلق طرًّا عبيدها
ولو لم تكن في نفسها غير نفسها لجادت بها جودًا على من يجيدها
وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن العربي، قال: كنت أطوف بالبيت، فطار قلبي، وهزَّني حال أعرفه، فخرجت من البلاط من أجل الناس، وطفت على الرمل، وذلك بالليل، فحضرتني أبيات، فأنشدتها، أسمع بها نفسي ومن يليني، ولو كان هناك أحد، وهي: [من مشطور المديد]
ليت شعري هل دروا أيَّ قلب ملكوا؟
/١٤١ ب/ وفؤادي لو درى أيَّ شعب سلكوا
أتراهم سلموا أم تراهم هلكوا؟
حار أرباب الهوى في الهوى وارتبكوا!
فلم أشعر إلاّ بضربة بين كتفيّ بكفٍّ ألين من الخز، فالتفت فإذا بجارية من بنات الروم، لم أر أحسن وجهًا، ولا أعذب منطقًا، ولا أرق حاشية، ولا ألطف معنًى، ولا أدق إشارة، ولا أظرف محاورة منها، قد فاقت زمانها ظرفًا وأدبًا، وجمالًا ومعرفة، فقالت: يا سيدي! كيف قلت؟ فقلت:
ليت شعري هل دروا أيّ قلبٍ ملكوا؟
فقالت: عجبًا منك، وأنت عارف زمانك، تقول مثل هذا! . ليس كل مملوك معروف، وهل يصح الملك إلاّ بعد المعرفة، وتمنّي الشعور يؤذن بعدمها، والطريق لسان صدق، فكيف يتجوز مثلك؟ قل يا سيدي، فماذا قلت بعده؟ فقلت:
وفؤادي لو درى أيّ شعبٍ سلكوا
فقالت: يا سيّدي! الشعب الذي بين الشعاب والفؤاد، وهو المانع / ١٤٢ أ/ له من المعرفة به، فكيف يتمنّى مثلك ما لا يمكن الوصول إليه؟ والطريق لسان صدق،
[ ٦ / ١٨٥ ]
فكيف يتجوز مثلك يا سيدي؟ فماذا قلت بعده؟ فقلت:
أتراهم سلموا أم تراهم هلكوا؟
قالت: أما هم فسلموا، ولكن عنك يبقى أن تسأل نفسك، هل سلمت أم هلكت يا سيدي؟ فما قلت بعده؟ فقلت:
حار أرباب الهوى في الهوى وارتبكوا
فصاحب، وقالت: واعجبًا كيف تبقى للمشغوف فضلة، يحار بها والهوى شأنه التعميم، يحذر الحواس، ويذهب العقول، ويدهش الخواطر، ويذهب بصاحبه في الذاهبين، فأين الحيرة هنا، أو من هنا باق فيجاور الطريق لسان صدق، والتجوز من مثلك غير لائق، قلت: يا ابنة الخالة ما اسمك؟ قالت: قرّة العين، فقلت: لي، ثم سلّمت وانصرفت؛ ثم إنّي عرفتها بعد ذلك، وعاشرتها، فرأيت لها من لطائف المعارف، ما لا يصفه واصف.
وحدثني بمدينة حلب في يوم الأربعاء سادس ربيع الأول سنة خمس وثلاثين /١٤٢ ب/ قال: كنت مجاورًا بمكّة سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فرأيت في منامي رسول الله ﷺ قاعدًا على الدكمة التي تلي باب أجياد الأقرب إلى باب الحزورة، ووجهه مستقبل الركن اليماني، ورجل يقرأ عليه كتاب البخاري، وهو محمد بن خالد الصدفي التلمساني، وأنا قاعد بين يديه ﷺ قد ضربت بذقني على ركبته ﷺ أتطلع في وجهه، فقلت له: يا رسول الله! المطلقة ثلاثًا في مجلس واحد، هل يرجع طلاقها إلى واحدة، أو هي ثلاث كما قال؟ فقال لي رسول الله ﷺ: هي ثلاث كما قال، لا تحلّ حتى تنكح زوجًا غيره، فقلت له: يا رسول الله إنَّ بعض العلماء يردّها إلى واحدة، فقال لي ﷺ: هؤلئك حكموا بما وصل إليهم، وأصابوا. قلت له: يا رسول الله: ما أريد في هذه المسألة إلا ما تدين الله تعالى أنت به، ما لو وقع منك، فعلت به. فقال لي: هي ثلاث كما قال لا تحلّ له، حتى تنكح زوجًا غيره، يرددها ثلاثًا، ثم بسط يديه، ودعا بهذه الكلمات: اللهم أسمعنا خيرًا، وأطلعنا خيرًا /١٤٣ أ/ ورزقنا الله العافية، وأدامها لنا، وجمع الله قلوبنا على التقوى، ووفّقنا لما يحبّه ويرضاه، ، واستيقظت.
وحدثني أيضًا أبو عبد الله بن العربي، قال: رأيته ﷺ في هذا التاريخ، فقلت له:
[ ٦ / ١٨٦ ]
يا رسول الله، الله تعالى يقول:﴾ والمطلقات يتربَّصبن بأنفسهنَّ ثلاثة قروء ﴿والقرء عند العرب من الأضداد، يطلقونه على الحيض وعلى الطهر، وأنت أعرف بما أنزل عليك، فما أراد الله بالقرء هنا؟ فقال لي ﷺ: إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها الماء وكلوا مما رزقكم الله قلت: يا رسول الله، فإذًا هو الحيض، فتبسم وقال لي: إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها الماء، وكلوا مما رزقكم الله فعاودت عليه، فإذًا هو الحيض يا رسول الله؟ فأعاد علي وهو يبتسم: إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها وكلوا مما رزقكم الله، واستيقظت.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن العربي لنفسه: [من الطويل]
خليليَّ عوجا بالكثيب وعرِّجا على لعلع واطلب مياه يلملم
/١٤٣ ب/ فإنَّ بها من قد علمت ومن لهم صيامي وحجِّي واعتماري وموسمي
محصَّبهم قلبي لرمي جمارهم ومنحرهم نفسي ومشربهم دمي
فيا حادي الأجمال إن جئت حاجرًا فقف بالمطايا ساعًة ثمَّ سلِّم
وناد القباب الحمر من جانب الحمى تحيَّة مشتاق إليكم متيَّم
فإن سلَّموا فاهد السَّلام مع الصَّبا وإن سكتوا فارحل بها وتقدّم
إلى نهر عيسى حيث حلّت ركابهم وحيث الخيام البيض من جانب الفم
وكاد بدعد والرَّباب [وزينب] وهند وسلمى ثمَّ لبنى وزمزم
وسلهنَّ هل بالحلبة الغادة الَّتي تريك سنى البيضاء عند التَّبسُّم
وأنشدني أبو عبد الله لنفسه: [من الطويل]
سلام على سلمى ومن حلَّ بالحمى وحقَّ لمثلي رقَّة أن يسلِّما
وماذا عليها أن تردَّ تحيَّة علينا ولكن لا احتكام على الدّمى
[ ٦ / ١٨٧ ]
سروا وظلام اللَّيل أرخى سدوله فقلت لها صبًا غريبًا متيَّيما
أحاطب به الأشواق شوقًا وأرصدت له راشقات النَّبل أيًّان يمَّما
فأبدت ثناياها وأومض بارق ولم أدر من شقَّ الحنادس منهما
وقالت أما يكفيه أنِّي بقلبه يشاهدني في كلِّ وقتٍ أما أما
/١٤٤ أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
وزاحمني عند استلامي أوانس أتين إلى التطواف معتجرات
حسرن عني أنوار الشُّموس وقلن لي: تورَّع فموت النَّفس في اللَّحظات
فكم قد قتلنا بالمحصب من منى نفوسًا أبيّات لدى الجمرات
وفي سرحة الوادي وأعلام رامة وجمع وعند النفر من عرفات
ألم تر أن الحسن يسلب من له عفاف فيدعى سالب الحسنات
فموعدنا بعد الطواف بزمزم لدى القبة الوسطى لدى الصَّخرات
هنالك من قد شفَّه الوجد يشتفي بما شاءه من نسوة عطرات
إذا خفن أسدلن الشُّعور فهنَّ من غدائرها في ألحف الظُّلمات
وأخبرني إبن العربي، قال: أنشدني بعض الفقراء، بيتًا مفردًا، لا يعرف أخًا، وهو:
[من الكامل]
كلُّ الَّذي يرجو نوالك أمطروا ما كان برقك خلَّبًا إلاَّ معي
فأعجبني مغزاه، وقفوت معناه، فعملت أبياتًا، جعلته واحدًا منها:
[من الكامل]
قف بالطُّلول الدَّارسات بلعلع واندب أحبَّتنا بذاك البلقع
/١٤٤ ب/ قف بالدِّيار ونادها متعجبًا منها بحسن تلطّف بتفجُّع
عهدي بمثلي عند بانك قاطفًا ثمر القدود وود روض أينع
كلُّ الَّذي يرجو نوالك أمطروا ما كان برقك خلَّبًا إلاَّ معي
قالت: نعم! قد كان ذاك المتلقى في ظلِّ أفناني بأخصب موضع
[ ٦ / ١٨٨ ]
إذ كان برقي من بروق مباسم واليوم برقي لمع هذا اليرمع
فاعتب زمانًا مالنا من حيلًة في دفعه ما ذنب منزل لعلع
فعذرتها لمَّا سمعت جوابها تشكو كما أشكو بقلب موجع
وسألتها لمَّا رأيت ربوعها مسرى الرِّياح الذَّاريات الأربعاء
هل أخبرتك رياحهم بمقيلهم؟ قالت: نعم، قالوا: بذات الأجرع
حيث الخيام البيض تشرق للَّذي تحويه من تلك الشُّموس الطُّلَّع
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من مجزوء الرجز]
بين النَّقا ولعلع ظباء ذات الأجرع
ترعى بها في خمر خمائلًا وترتعي
ما طلعت أهلَّةً بأفق ذاك المطلع
إلاَّ وددت أنَّها من حذر لم تطلع
/١٤٥ أ/ ولا بدت لامعًة من برق ذاك اليرمع
إلاَّ اشتهيت أنَّها لما بنا لم تلمع
يا دمعتي وانسكبي يا مقلتي لا تقلعي
وأنت يا حادي أتَّئد فالنَّار بين أضلعي
قد فنيت ممَّا جرى خوف الفراق أدمعي
فارحل إلى وادي اللِّوى مربعهم ومصرعي
إنَّ به أحبَّتي عند مياه الأجرع
ونادهم: من لفتًى ذي لوعة مودِّع
رمت به أشجانه بهماء رسم بلقع
يا قمرًا تحت دجى خذ منه شيئًا ودع
[ ٦ / ١٨٩ ]
وزوِّديه نظرًة من خلف ذاك البرقع
أو علِّليه بالمنى عساه يحيى ويعي
ما هو إلاَّ ميِّت بين النَّقا ولعلع
فمت يأسًا وأسى كما أنا في موضعي
ما صدقت ريح الصَّبا حين أتت بالخدع
/١٤٥ ب/ قد تكذب الرِّيح إذا تسمع ما لم تسمع
وأنشدني أيضًا: [من الوافر]
أطارح كلَّ هاتفة بأيك على فنن بأفنان الشُّجون
فتبكي إلفها من غير دمع ودمع الحزن يهمل من جفوني
أقول لها وقد سمحت جفوني بأدمعها تخبِّر عن شؤوني:
أعيذك بالَّذي أهواه علم وهل قالوا: بأفياء الغصون
وقال، وأنشدنيه: [من الكامل]
عند الكثيب من جبال زرود صيد وأسد من لحاظ الغيد
صرعى وهم أبناء ملحمة الوغى أين الأسود من العيون السُّود
قتلت بهم لحظاتهنَّ وحبَّذا تلك الملاحظ من بنات الصِّيد
وقال وأنشدنيه: [من الطويل]
ثلاث بدور لم يزنَّ بريبة خرجن إلى التَّنعيم معتجرات
حسرن عن أمثال الشُّموس إضاءًة وليس بالإهلال معتمرات
وأقبلن يمشين الرُّويدا كمثل ما تمشي القطا في الحف الحبرات
وقال، وأنشدنيه: [من البسيط]
[ ٦ / ١٩٠ ]
/١٤٦ أ/ نفسي الفداء لبيض خرَّد عرب لعبن بي عند لثم الرُّكن والحجر
ما تستدُّل إذا ما تهت خلفهم إلاَّ بريحهم من طيِّب الأثر
ولا دجى بي ليل ما به قمر إلاَّ ذكرتهم فصرت في القمر
وإنَّما حين أمشي في ركابهم فاللَّيل عندي مثل الشَّمس في البكر
غالزت من غزلي منهنَّ واحدًة حسناء ليس لها أخت من البشر
إن أسفرت عن محيَّاها أرتك سنًى مثل الغزالة إشراقًا بلا غر
الشَّمس غرَّتها واللَّيل طرَّتها شمس وليل معًا من أعجب الصُّور
فنحن في اللَّيل في ضوء النَّهار به ونحن في الظُّهر في ليل من الشَّعر
وقال وأنشدنيه: [من البسيط]
بين الحشا والعيون النُّجل حرب هوى والقلب من أجل ذاك الحرب في حرب
لمياء لعساء معسول مقبَّلها شهادة النَّحل ما تلقي من الضَّرب
ريَّا المخلخل ديجور على قمر في خدِّها شفق غصن على كثب
حسناء حالية ليست بغانية تفترُّ عن برد ظلم وعن شنب
تصدُّ جدًّا وتلهو بالهوى لعبًا والموت ما بين ذاك الجدِّ واللَّعب
ما عسعس اللَّيل إلاَّ جاء يعقبه تنفُّس الصُّبح معلومٌ من الحقب
/١٤٦ ب/ ولا تمرُّ على روض رياح صبًا يحوي على كاعبات خرَّد كعب
إلاَّ أمالت ونمَّت في تنسمها بما حملن من الأزهار والقضب
سألت ريح الصَّبا عنهم لتخبرني قالت: وما لك في الأخبار من أرب
في الأبرقين وفي برك الغماد وفي برك الغميم نزلت الحيَّ عن كثب
لا تستقلُّ بهم أرض فقلت لها أين المفر وخيل الشَّوق في الطَّلب
هيهات ليس لهم معنًى سوى خلدي فحيث كنت يكون البدر فارتقب
أليس مطلعها وهمي ومغربها قلبي فقد زال شؤم البان والغرب
ما للغراب نعيق في منازلنا وما له في نظام الشَّمل من ندب
[ ٦ / ١٩١ ]
وقال، وأنشدنيه: [من السريع]
حمامة البان بذات الغضا ضاق لما حمَّلتنيه الفضا
من ذا الذي يحمل شجو الهوى من ذا الَّذي يجرع مرَّ القضا
أقول من وجد ومن لوعة: يا ليت من أمرضني مرَّضا
مرَّ بباب الدَّار مستهزئًا مستخفيًا معتجزًا معرضا
ما ضرني تعجيره إنَّما أضرّ بي من كونه أعرضا
وقال وأنشدنيه: [من الرجز]
/١٤٧ أ/ يا حادي العيس بسلع عرِّج وقف على البانة بالمدرَّج
ونادهم مستعطفًا مستلطفا يا سادتي هل عندكم من فرج
برامة بين النَّقار وحاجر جارية مقصورة في هودج
يا حسنها من طفلة غرَّتها تضيء للطارق مثل السرج
لؤلؤة مكنونة في صدف من شعر مثل سواد السَّبج
كأنَّها شمس ضحًى في محمل قاطعة أقصى معالي الدَّرج
إن حسرت برقعها أو سفرت أزرت بأنوار الصَّباح الأبلج
ناديتها بين الحمى ورامة من لفتى حلًّ بسلع يرتجي
من لفتًى متيَّه في مهمه مولًّه مدلَّه العقل شجي
من لفتى دمعته مغرقة أسكره خمر بذاك الفلج
من لفتًى زفرته محرقة تيَّمه جمال ذاك البلج
قد لعبت أيدي الهوى بقلبه فما عليه في الَّذي من حرج
وقال وأنشدنيه: [من الطويل]
[ ٦ / ١٩٢ ]
ألا يا نسيم الرِّيح بلِّغ مها نجد بأنِّي على ما يعلمون من العهد
/١٤٧ ب/ وقل لفتاة الحيِّ موعدنا الحمى غديَّة يوم السَّبت عند ربي نجد
على الرَّبوة الحمراء من جانب الضُّوى وعن أيمن الأفلاج والعلم الفرد
فإن كان حقًّا ما تقول وعندها إلىَّ من الشَّوق المبرِّح ما عندي
إليها ففي حرِّ الظهَّيرة نلتقي بخيمتها سرًّا على أصدق الوعد
فتلقي ونلقي ما نلاقي من الهوى ومن شدَّة البلوى ومن ألم الوجد
أأضغاث أحلام أبشرى منامة أنطق زمان كان في نطقه سعدي
لعلَّ الَّذي ساق الأماني يسوقها عيانًا فيهدى روضها لي جنى الورد
وقال وأنشدنيه: [من الطويل]
ألا هل إلى الزُّهر الحسان سبيل وهل لي على آثارهنَّ دليل
وهل لي بخيمات اللِّوى من معرَّس وهل لي إلى ظلِّ الأثيل مقيل
فقال لسان الحال يخبر أنّها تقول تمنَّ ما إليه سبيل
ودادي صحيح فيك يا غاية المنى وقلبي من ذاك الصَّحيح عليل
تعاليت من بدر على القلب طالع وليس له بعد الطُّلوع أفول
فديتك يا من عزَّ حسنًا ونخوًة فليس له بين الحسان عديل
فروضك مطلول ووردك يانع وحسنك معشوق عليه قبول
/١٤٨ أ/ وزهرك بسَّام وغصنك ناعم تميل له الأرواح حيث يميل
وظرفك فتَّان وطرفك صارم به فارس البلوى عليَّ يصول
وقال وأنشدنيه: [من المتقارب]
لظبية ظبى صارم تجرِّد من طرفها السَّاحر
وفي عرفات عرفت الَّذي تريد فكم أك بالصَّابر
وليلة جمع جمعنا بها كما جاء في المثل السَّائر
يمين الفتاة يمين فلا تكن تطمئنُّ إلى غادر
[ ٦ / ١٩٣ ]
منى بمنى نلتها ليتها تدوم إلى الزَّمن الآخر
تولَّعت في لعلعٍ بالَّتي تريك سنى القمر الزَّاهر
رمت رامًة وصبت بالصَّبا وحجَّرت الحجر بالحاجر
وشامت بريقًا على بارقٍ بأسرع من خطرة الخاطر
وغاضت مياه الغضا من غضى بأضلعه من هوى ساحر
وبانت ببان النَّقا فانتقت لآلي مكنونه الفاخر
وآضت بذات الأضا القهقري حذارًا من الأسد الخادر
بذي سلم أسلمت مهجتي إلى لحظها الفاتك الفاتر
/١٤٨ ب/ حمت بالحمى ولوت باللِّوى كعطفة جارحها الكاسر
وفي عالج عالجت أمرها لتفلت من مخلب الطَّائر
خورنقها خارق للسَّما فيسمو اعتلًاء على النَّاظر
[٨٠٤]
محمَّد بن عليِّ بن [محمد بن] يوسف بن قليج بن تكين خان بن محمود خان بن إيل خان، أبو عبد الله بن أبي الحسن الموصليُّ.
من مولّدي الترك، وقد قدّمت شعر والده وعمّه في مكانهما، كان في زمن أبيه ذا نعمة وافرة، وجاه بسيط، متعلقًا بخدمة الملك العادل نور الدين أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي، المستولي على الموصل.
وكان أميرًا جليلًا، مذكورًا في زمانه، يخالط أهل الأدب والحديث، ويغشاه جماعة من الفضلاء.
أخبرني، أنه ولد بالموصل، يوم الخميس سادس عشر رجب سنة خمس وسبعين وخمسمائة، فلما توفي والده؛ تناقصت أحواله، وضعف أمره، وترك ما كان عليه،
[ ٦ / ١٩٤ ]
وصار فقيرًا، يلبس الصوف، وينتقل في البلاد ويخترقها.
شاهدته /١٤٩ أ/ بمدينة حلب؛ وهو شيخ، والفقر مؤثّر عليه، والحاجة قد مسَّته، والدَّهر قد أناخ عليه بكلكله، وله عيال، وهو على أشدّ ما يكون من الفقر والفاقة؛ وربما استجدى بأشعاره، وارتزق بها كبراء حلب، ويقنع منهم بالنزر الطفيف.
ورأيته من المدعين في معرفة الحديث وسماعه، ويقول المقطعات من الشعر، تلجئه إلى ذلك الحاجة والضرورة.
أنشدني لنفسه، وقد عمل أربعين حديثًا، وأهداها إلى بعض الملوك من بني أيوب:
[من الطويل]
وإنِّي في حملي كتابًا وضعته وأودعته النَّثر المفصَّل والشِّعرا
إلى ملك في العلم واحد عصره كمهد إلى شمس النَّهار سنى الشِّعرى
وأنشدني لنفسه، وقد اقترح عليه في هذا الرويّ والقافية، فعمل ذلك ارتجالًا:
[من الكامل]
أفديهم من نازحين وحبُّهم دان على مرِّ الزَّمان مخيِّم
إن لاح برق هاج لي تذكارهم فكأن نارًا في فؤادي أضرموا
أو هبَّت النسمات من واديهم وجَّهت وجهي نحوهم فأسلِّم
/١٤٩ ب/ يا مرسلين على البعاد تحيَّةً أحيوا بها ميت الجوى حييتم
من لي بليلات قصار باللِّوى ولَّت وسماري الأعزَّة أنتم
قسمًا بعقد عهودكم وودادكم ولقد محضت الصِّدق فيما أقسم
ما راق طرفي غيركم ومسامعي إلاَّ حديثكم إذا ما قلتم
ومن العجائب أنَّني أشتاقكم ومن العيان إلى الضَّمير نقلتم
وعلى دياركم تحيَّة ذاكر عصر الصِّبا الماضي بها وعليكم
وأنشدني لنفسه يمدح: [من الطويل]
ولمَّا أتى من نحو أرضكم الرَّكب ولم يأتني منكم سلام ولا كتب
ولا مبلغ في الوفد عنكم رسالًة يداوي بذكراها تباريحه الصَّبُّ
[ ٦ / ١٩٥ ]
بكيت وما يجدي البكاء مع النَّوى إلى أن جرى في الشَّرق من عبرتي غرب
وأنشدني لنفسه يمدح: [من الكامل]
ملك يجلُّ عن المديح كما علا قدماه نسرًا في الفخار وفرقدا
عمَّ البسيطة خيره ونواله للمعتفين وبأسه قهر العدا
لم يبق في الدُّنيا نداه معدمًا يبغي النَّوال ولا سطاه ملحدا
والله ثمَّ إليه اشهد صادقًا وكفى على قول امرئ أن يشهدا
/١٥٠ أ/ ما أبصرت في الحرب عين مثله بل لا ولا رتب الممالك سيِّدا
تفديه أرواح الملوك وحسبها شرفًا بذلك أن تكون له فدا
هذا الَّذي بالزُّهر من أيَّامه أضحى الزَّمان متوَّجًا ومقلّدًا
إنزل بناديه وناد فلم يخب والله من نادى المليك محمَّدا
أنا ضامن إن زرته لك منحًة ترضي الوليَّ بها وتردي الحسَّدا
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]
بكيت كما يبكي الغريب صبابًة على وطن أقوى وغابت شموسه
وناجيت نفسي بالعتاب فلم تصخ وقد سئمت ربعًا تولَّى أنيسه
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
وفي مصر للآداب سوق تجارة لدى أهلها الغرِّ الكرام كرام
إذا استعرضوا نظم الكلام ونثره يهون عليهم للعقود نظام
وأنشدني لنفسه، يمدح شرف الدين أبا البركات المستوفي – ﵁ – بإربل: [من الخفيف]
قال لي قائل وقد رمت أهجو إربلًا لازلت هجًَّاء سخيفا
كيف تهجو مصرًا حوى شرف الديـ - ـن الوزير البرَّ التَّقيَّ العفيفا
/١٥٠ ب/ قلت أهجو غير الصَّديق عنادًا قال: ما أرتضيك تهجو الكنيفا
وأنشدني أيضًا لنفسه في غلام أعمى: [من الوافر]
يقول عواذلي أعشقت أعمى؟ وأغريت اللَّوائم والعواذل
فقلت: عشقت منه كل معنًى يخبِّر إذ وعاه كلُّ عاقل
[ ٦ / ١٩٦ ]
رأى جفنيه قد فتن البرايا بسحرهما وأعيت سحر بابل
فأرسل مرسل الصُّدغين منه فأبطل سحرها والسِّحر باطل
وأنشدني لنفسه، وكان محبوسًا بقلعة إربل: [من الطويل]
كأنِّي في سجني وضيق فنائه وقد تركوني فيه مرتهنًا وحدي
دفين جفاه أهله وحميمه وغادره الحفَّار في ظلمة اللَّحد
وأنشدني لنفسه في حمام: [من السريع]
ضدَّان في حمَّامكم هذه سكَّانها بينهما قد شقوا
كأنَها قلبي في حرِّه وماءها قلب الَّذي أعشق
وأنشدني أيضًا لنفسه في أوائل شهر ربيع الأوّل، بمحروسة حلب سنة خمس وثلاثين وستمائة: [من الكامل]
/١٥١ أ/ عد عن ملام المستهام وزجره فمتى يفيق من الغرام وسكره
أو ما ترى الحدق المراض وسحرها جاءت تقيم لديك واضح عذره
إن شئت لم أولًا بقلبه أودى الفريق مع الفراق وصبره
وإذا بدا برق فليس وميضه إلاَّ زناد قادح في صدره
أو هبَّ من نجد نسيم بارد أذكى بذاك البرد خامد جمره
صاح يميل من الدَّلال كأنَّه ثمل برقَّة ريقه وبخمره
وعلى العقيق ممنَّع يوم النَّوى فضحت مدامعه قلائد نحره
لو لم يكن من ريقه ثملًا لما بالصَّدِّ عربد ظالمًا وبهجره
كم أطلق الدَّمع المصون وقد غدا قلب المحبِّ مقيَّدًا في أسره
أفديك من مذك سعيرًا بالحشا عند الوداع ببارد من ثغره
آهًا لساعات التواصل بالنَّقا ولطيب أيام الشَّباب وعصره
أيَّام أسحب في مراتع رامة ذلَّ المذلِّ بنهيه وبأمره
كم متُّ من شوقي على روض الحمى فيعود ينشرني النسيم بنشره
يا سعد حدِّث عن منى أو ركبه فالنَّوم نفرَّه بصارخ نفره
وإذا وصلت الشِّعب ناد بأهله راسخ صخره
[ ٦ / ١٩٧ ]
من ذا يحرِّم وصل مضطرِّ الهوى محرم هجره
/١٥١ ب/ الذي يجازي كل حافظ عهده أم شيمة الحبِّ الجزاء لعذره
يا صاح قبل الحبِّ حلوًا كنت لم أحفل بمن غمرته لجَّة بحره
ما زلت أولع بالهوى متعرِّضًا حتَّى بليت بحلوه وبمرِّه
وأنشدني أيضًا من شعره قوله: [من الطويل]
أما مخبر اين استقلُّوا ويمَّموا وفي أيِّ دار بعد نعمان خيَّموا
وكم حلَّلوا قتلي على الخيف وانثنوا عن العهد والوصل المحلَّل حرَّموا
وقد ذبحوا في عيني النَّوم بعدهم فمن ذاك في أجفانها يسفح الدَّم
أيا جيرة الوادي إلى م أعاتب الطُّـ ـلول وصمُّ الصَّخر لا يتكلَّم
نقضتم على الرَّمل العهود ومن بنا على الرَّمل أمسى كيف لا يتهدَّم
وأرضيتم الواشي وأسخطت عذَّلي وخالفت
وحقِّ ليالينا القصار بوصلكم وعهد حفظناه لكم وأضعتم
إذا بارق من أرضكم لاح خلته لهيب سعير بين جنبي يضرم
وإن نسمة هبَّت من الشِّعب سحرًة توحَّمت طوعًا نحوها فأسلَّم
ويطربني عذل العذول ومن نأى محبًا لذكرى حبِّه يتألَّم
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
/١٥٢ أ/ لا أوحش الله من كتب إذا وردت كأنَّما نشرت من طيها الفرجا
أكرم بها ومبهديها وحاملها فقرَّة العين لي فيها وألف رجا
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى القاضي الإمام بهاء الدين أبي محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب – أيده الله تعالى-: [من المنسرح]
يا سيِّدًا لم تزل مراكبه راكبًة فوق منكب الشِّعرى
علوت قدرًا على المدائح بل بوصفك الشِّعرا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
لو كنت شاهدت يوم البين موقفنا أبصرت منِّي ما أبدى لك العجبا
روحي مضت وبقي الجثمان بعدهم لقًى يقلِّبه بين الثِّياب هبا
[ ٦ / ١٩٨ ]
وكلَّما صعدت الضلوع صغته ذهبا
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى أخيه، بعد تهاجر كان بينهما: [من الكامل]
قدِّمت قبلك وافتديت بمهجتي يا ذا الَّذي من غير جرم يعتب
أولست تعلم أنَّ عتبك ظالمًا ممَّا جناه النَّحل عندي أعذب
/١٥٢ ب/ وأنشدني لنفسه، يلغز باسم: [من السريع]
لو صحَّ لي من منيتي زورة تسخن منها عين واشيه
كنت أسمه من بعد عكس إذا صار أخير الإسم ثانيه
هذا اسم من أهواه لكنَّني خوفا عليه لا أسمِّيه
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
كأنَّما الرَّاح في الإبريق كامنة وقد بدا نورها للكأس فانصدعا
وأنشـ [من المجتث]
إن سرَّ بالعيد قوم فما سررت بعيدي
وكيف يفرح عان مهدَّد بوعيد
يودُّ أن ينظر الأهـ ـل نظرًة من بعيد
وليس يعطي مناه من كان غير سعيد
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
إذا نسمة هبَّت لنا من دياركم بكيت وإن برق من الغور أو مضا
ومنَّيت نفسي رجعًة لوصالكم وهيهات أن يدني من العيش ما مضى
/١٥٣ أ/ وكان دمًا دمعي ولكنَّ عبرتي يصعِّدها حزني فينهلُّ أبيضا
[ ٦ / ١٩٩ ]
[٨٠٥]
محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن عبد الله بن سجمان البكري – من بكر بن وائل – الشريشي الأندلسي.
كان مولده تقديرًا في سنة ستمائة؛ سمع الحديث الكثير بالأندلس، وديار مصر، والحجاز، والشام، وبغداد. واستظهر القرآن الكريم، وقرأ علم الأدب والعربية على جماعة. ترَّبى بالأندلس، وقرأ فقه الإمام مالك – ﵁-.
أنشدني لنفسه، يلتمس من إنسان كتاب "التلقين" على مذهب الإمام مالك بن أنس – ﵁ – فمنعه، وكان قبل ذلك قد أعاره إياه، ثم كتب له رقعة يعتذر إليه في المنع: [من البسيط]
ما إن وجدت أطال الله عمرك لي وللمكارم توليها وتنشرها
من منعكم منِّي التَّلقين موجدًة عليك في النَّفس أطويها وأسطرها
قد طال ما كان عندي وانتفعت به وكم لكم من أياد لست أحصرها
وفي الضَّمير لكم ودُّ ومنزلة منع الحوائج ممَّا لا يغيِّرها
/١٥٣ ب/ إذ الصداقة صحَّت من أخي ثقة على صفاء فما شيء يكدِّرها
وأنشدني أيضًا لنفسه من قصيدة: [من الطويل]
لقد سار فينا سيرًة عمريَّةً وأذهب عنَّا الجور فالعد قائم
[ ٦ / ٢٠٠ ]
إذا ما انتضى للخطب يقظان عزمه غدت عزمات الدَّهر وهي نوائم
ففي الحرب للأعداء بالقهر قاصم وفي السِّلم للأموال بالرِّفق قاسم
لكلِّ بيوت الله بالعلم عامر وكلِّ بيوت الشِّرك والجهل هادم
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
هلاَّ عليك كما كلفت جميلا إن تولي الصَّبَّ المشوق جميلا
يا واصلي بالهجر إنَّك قاتلي هلاَّ بوصلك أن يكون وصولا
أيحلُّ قتل الصَّبِّ في شرع الهوى لا والَّذي قد أنزل التَّنزيلا
حزني من الجفن العليل فإنَّه قد صيَّر الجسم الصَّحيح عليلا
يا مالكًا رقَّ الأنام بحسنه ما بال طرفك للعبيد قتولا
أو ما ترقُّ لمدنف ومتيَّم أضحى بحبِّك هائمًا مخبولا
أضناه طول الشَّوق حتَّى إنَّه ما إن يبين لمبصريه نحولا
ألف السُّهاد مع الضَّنى فجفونه ما إن تذوق من المنام قليلا
/١٥٤ أ/ يرعى النجوم إلى الصَّباح وينثني حتَّى المساء بذكركم مشغولا
فوحقِّ حسنك والصَّبابة إنَّني ما خفت موتي بالهوى مقتولا
لكن أخاف عليك إن أتلفتني إذ كان شخصك في الفؤاد نزيلا
هذا دمي لك يا ظلوم أبحته أو ما تخاف لدى الحساب جليلا
أقسمت أنَّك في جمالك واحد ما إن أرى لك في الملاح مثيلا
[٨٠٦]
محمَّد بن عبد القاهر بن هبة الله بن عبد القاهر بن عبد الواحد بن يوسف ابن النصيبيِّ، العدل الأمين، أبو عبد الله بن أبي المعالي.
أخبرني أنه ولد ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شوال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
[ ٦ / ٢٠١ ]
سمع الحديث النبوي كثيرًا؛ بحلب، ودمشق، ومصر، وبغداد. وهو من بيت مذكور بحلب معروف، وهو عدل من عدولها وقبره بها، وتولى عدّة أعمال منها؛ خزن مال الأيتام والنظر فيه، وغير ذلك، وأفادني كثيرًا من رواياته.
رأيته شيخًا حسنًا صحيح الرواية، جيّد المعرفة، أنشدني لنفسه يوم الجمعة ثالث جمادى الآخرة /١٥٤ ب/ بحلب المحروسة، بجامعها سنة خمس وثلاثين وستمائة، قال: أنشدنا قاضي القضاة أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بن شداد – ﵁ – قال: أنشدني القاضي الفاضل لبعضهم على صعد: [من مجزوء الرمل]
قلت للزلمة جودي لا تمرِّي بلهاتي
وبخفي خلِّ حلقي فهو دهليز حياتي
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
نظرت إلى الدُّنيا الغرور بعَّزة وغفلة مشغول بها يتجاهل
وكيف أرى دارًا لذيذ نعيمها وأطمع أن أحظى به غير زائل
وضيعت دارًا للخلود معدَّةً بلذَّات دار أكملت للرذائل
ولمَّا رأيت الأقدمين تقدَّموا ولم يحصوا إلاَّ على غير طائل
رجعت إلى النَّفس اللَّجوج ألومها وقلت لقد ضيَّعت حقًّا بباطل
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الرمل]
كم عدٍّو لي من ظهري وكم من حميم لم تلده لي أمِّي
وكذا الخال وبال قاله قبل هذا كلُّ ذي فهم وعلم
فاحذر الأخوة والإبن وكن من بني الأعمام في همٍّ وغم
/١٥٥ أ/ وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
إنَّ حمَّامنا الحمام لمن را م نعيمًا من غير ضرٍّ وبؤس
هي مثل الموت المنغِّص للَّذا ت بين بردٍ ويبس
[ ٦ / ٢٠٢ ]
[٨٠٧]
محمَّد بن يحيي بن محمَّد بن هبة الله بن أبي جرادة أبو المفاخر بن أبي الفتح العقيليُّ.
من أهل حلب وأبناء أجلتها وقضاتها وأكابرها، فضلًا وعلمًا.
سمع الكثير من الحديث النبوي، وتفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة – ﵁ – وأتقن صدرًا جيدًا منه، وناظر وتكلم مع الفقهاء، وقرأ أنموذجًا صالحًا من علم العربية، على الشيخ الفاضل موفق الدين أبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي، وأتقنه معرفة.
وهو شاب كيس دمث الأخلاق، جميل الخطاب، حلو المحاضرة، وربما جادت قريحته بشيء من الشعر على سبيل الرياضة فيجيد فيما يأتي به.
أنشدني لنفسه، كتبها إلى يونس بن المرتضى الشاعر: [من الطويل]
/١٥٥ ب/ ولابد أن يعلو بك الفضل رتبًة يجلُّ عن التَّحديد في الطُّول والعرض
وأتلو على رغم الزَّمان وكيده ﴾ كذلك مكَّنَّنا ليوسف في الأرض ﴿
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
وردت خباها والرَّقيب مهوِّم فهبَّت سريعًا قبَّح الله نعله
تعرَّف حالي فانصرفت ولي مصدر أضمر الفعل قبله
وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط]
قالت: طرقت بيوت الحيِّ في غسق ثمَّ اهتديت إلينا، قلت: بالقمر
تبسَّمت فأضاء الخدر فاستترت عن النَّواظر في سحب من الشَّعر
وأنشدني أيضًا قوله: [من الكامل]
سرَّحت طرفي في رياض محاسنٍ عرف النَّسيم بنشرها متأرج
[ ٦ / ٢٠٣ ]
فالقدُّ غصن، واللَّواحظ نرجس والخدُّ ورد، والعذار بنفسج
[٨٠٨]
محمَّد بن محمَّد بن حنين بن عمر بن أبي سعيد العربيُّ، البصريُّ المولد، الواسطي المنشأ، النحويُّ.
أخبرني أنَّه ولد في سنة إثنتين وستمائة.
شاب ألحى، ربع القامة، ذو فنون من العلم والأدب، حفظ القرآن المجيد، /١٥٦ أ/ وتفقه على مذهب الشافعي، وأخذ علم النحو عن أبي الفتح محمد بن أبي الفتح الواسطي، وأبي الحسن علي بن عدلان بن علي النحوي الموصلي، بمدينة السلام، وغيرها وعلى خاطره من النكت الأدبية، وعنده كيس ولطافة، ودماثة أخلاق.
ولمّا انحدرت صحبة الأمير الكبير العادل ركن الدين، إلى بلد البطائح، واستقر بها المقام، أبلغ أنَّ بواسط رجلًا فاضلًا، وأنَّه قد انحدر إلى قرية تدعى: "بأم عبيدة"؛ فأرسل في استدعائه، فأقبل إليه، فرآه كاملًا في كل فضل، فندبه على تأديب ولده الأمير شهاب الدين أبي الفضل عيسى – بلّغه الله تعالى فيه ما يتمناه – وقررّ له جامكية، ورتب له جاريًا يكفيه ويفضل عنه، في رأس كل شهر، وأصعد صحبته إلى مدينة السلام، وقربه وأدناه، وأنعم عليه.
أنشدني لنفسه، ليلة الجمعة الثانية عشر [ة] من شعبان، ببلد البطائح من الأعمال الواسطية، سنة تسع وثلاثين وستمائة، من قصيدة منها: [من الخفيف]
دمت ما دامت الفواعل أسما ًء صراحًا واشتدَّ جرس الطَّاء
وتمكَّنت ما تمكَّنت الألـ ـفاظ حال الإعراب لا في البناء
. ما ارتفع الفا عل أو ضمَّ خالد في النِّداء
/١٥٦ ب/ ثمَّ لازلت في دسوتك منصو بًا كزيد في حالة الإغراء
[ ٦ / ٢٠٤ ]
وأميلت رقاب شانيك بالفعـ ـل خلا من حروف الاستعلاء
لأمدَّن في مديحك صوتي مثل مدِّ الكوفيِّ في هؤلاء
وأنشدني أيضًا لنفسه من قصيدة: [من الكامل]
ما ضر من بر عليها هتن لو أنها جادت لصبٍّ
علقت شرار الحبِّ في أحشائها وتضرَّمت مثل اضطرام جهنَّم
وافلته المأسور وازفراته ما في الرِّفاق مساعد لمتيَّم
وأنشدني أيضًا لنفسه، يخاطب بها بعض من كان يتردد إليه، ويستفيد عليه بشيء من الأدب: [من الطويل]
أبا القاسم اذكر عهدنا واستعن بنا تجدنا ولا تحلل عهود المواثق
وكن عالمًا أنَّ اللَّذاذة تنقضي ورَّبك بالمرصاد من كلِّ ناطق
[٨٠٩]
محمَّد بن عمر بن الحسين بن محمَّد بن منصور البغدادي الفارقي.
من أهل ميَّا فارقين ولادًة /١٥٧ أ/ ومنشأ.
أخبرني أنه ولد سنة إحدى وستمائة.
وهو شاب له طبع موات في نظم الشعر، وقريحة جيدة في استنباط المعاني.
أنشدني لنفسه في سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وذلك حين افتتح المسلمون قلعة بالروم، وليلة فتحها احترقت بأجمعها، فتطيّر رب الدولة من ذلك، فقال: "والقلعة هي زينجا ببلد دايت": [من البسيط]
لا تحسب القلعة الميمون طائرها خربتها يا أبا الهيجاء من عار
لكنَّها أشركت بالله مذ فطهَّر الله ذاك الشِّرك بالنَّار
وله: [من الطويل]
فواعجبًا إنِّي ظللت بصدغه على قرَّة من جفنه وهو مرسل
وأعجب من ذا أنَّ بي منه عارضًا أصبت به والصدغ منه مسلسل
[ ٦ / ٢٠٥ ]
وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]
بين المثقَّفة الطِّوا ل السُّمر والبيض القصار
رشا أطعت صابتي فيه وعاصيت اصطباري
وسنان يجلو طرفه كأس الصَّبابة والعقار
لا غرو أن لبس العذا ربأن خلعت له عذاري
/١٥٧ ب/ لله ليلة زارني واللَّيل مسدول الأزار
فحبا يدي بعقاره وأعضته عنها وقاري
ولثمته فوردت في ماء النَّعيم لهيب نار
ولربَّ ليل كالغدا ف هلاله تحت السِّرار
أطلعت شمس رجاي فيـ ـه فعاد لي مثل النَّهار
ومن مديحها:
فشعاره النُّعمي علـ ـيَّ وشكره أبدًا شعاري
يهني بيمنى راحتيـ ـه حيث باليسرى يساري
ولتصنع الأيَّام ما شاءت فإنَّ به انتصاري
إنِّي أخاف الحادثات وجورها ونداه جاري
وله: [من الطويل]
وأسمر منه القدُّ أسمر ذابل فؤادي عليه ناصر لي وخاذلي
إذا ما أتى أثنت عليه عواذلي أيا حسن من تثني عليه العواذل
من السُّمر أودى بالنُّفوس قوامه سجيَّة نفس كلِّ أسمر قاتل
له رامح من قدِّه غير راحم وغير شفيق في المحاجر بابلي
/١٥٨ أ/ رماني فما أخطت فؤادي سهامه وهب أخطأت قلبي فكلِّي مقاتل
وزار وقد مالت به نشوة الصبا وعنق الثُّريَّا في المجرَّة مائل
فقبَّلت ما أبداه لي برق ثغره وعانقت ما أخفته عنِّي الغلائل
بنفسي وما لي تلك ليلة وصله لقد كان فيها للصباح شمائل
نعمت به فليصنع الدَّهر بعدها مشيئته بي ولتغلني الغوائل
[ ٦ / ٢٠٦ ]
وقال يمدح رشيد الدين عمر بن القصّار الفارقي – أسعده الله-: [من البسيط]
إن كان عنِّي رشيد الدِّين مستترًا ما جود كفَّيه عنِّي الدَّهر مستور
فهو الرَّشيد به أمسيت معتصمًا من الخطوب ورأيي فيه منصور
وقال وكتبها إلى صديق: [من البسيط]
يقبِّل الأرض عبد من عبيدك لو يسطيع شوقًا إلى تلك العلا طارا
لكن كما تعلم الأيَّام مقعدة فقد أقامت له الأيَّام أمدارا
وقال أيضًا: [من الكامل]
ما نام لي حتَّى بدا في خدِّه ليل العذار
واليوم سهل في الدُّجى من حيث يعسر في النَّهار
/١٥٨ ب/ وقال أيضًا: [من مجزوء الرمل]
زار واللَّيل بهيم أبلج الوجه رخيم
من بني الرُّوم رشيق فاتر المقلة ريم
وعلى كفَّيه شمس طلعت فيها النُّجوم
من بنات الكرم بكر كفؤها الندب الكريم
وقال أيضًا: [من الطويل]
سلام كأيَّام الشَّبيبة والصِّبا عليك ومثل الرُّوض هبَّت به الصَّبا
سلام امرئ إن جاز في ليل فكره أرته به آراؤه فيك كوكبا
تغرَّب عنكم غير أنَّ فؤاده لديكم فيا لله ما إن تغرَّبا
تذكرَّ لو أجدى عليه ادكاره زمانًا بكم كان الرَّبيع واطيبا
سأركب في إدراكه اللَّيل أدهمًا وأجنب في تلقائه الصُّبح أشهبا
عساي وعلِّي ما اجتليت من العيش أجنيه بقربك مذهبا
وله: [من مجزوء الكامل]
جمعت مسرَّات الزَّما ن لنا كما جمع الكمال
[ ٦ / ٢٠٧ ]
تاريخه يأتي إليـ ـته يسرُّ في الصِّدق الرِّجال
/١٥٩ أ/ أخَّرنه فكأنَّه في وجنة الأيَّام خال
[٨١٠]
محمَّد بن عبد الوهاب بن محمَّد بن ظاهر بن حمزة، أبو بكر بن أبي محمَّد القرشيُّ، المعروف بابن البراذعيِّ.
نجم الكتّاب، من أهل دمشق، وأبناء أماثلها في الفضل والكتابة.
رأيته بحلب، في سنة إحدى وأربعين وستمائة، أخبرني أنه ولد بدمشق في سنة ستٍّ وسبعين وخمسمائة؛ شيخ أزرق العينين، نقي الشيبة، قد أصابه داء الفالج، فتلجلج لسانه، وثقل. يتعاطى مذهب الحريري – صاحب المقامات – في أقواله، يكتب خطًا حسنًا، وينشئ نظمًا ونثرًا، لم يكن على ذلك طلاوة، ويظهر عليه تكلّف.
لازم الشيخ أبا اليمن زيد بن الحسن الكندي، مدة طويلة، وقرأ عليه شيئًا من الأدب، وصحب أبا المحاسن محمد بن نصر بن عنين الشاعر، وروى عنه معظم أشعاره.
أنشدني لنفسه بحلب المحروسة يوم الخميس السادس من شهر شوال سنة إحدى وأربعين وستمائة يقتضي وعدًا: [من الكامل]
سرَّ الحسود بما جرى وبما بدا من وعد مولانا الوزير بنفعه
/١٥٩ ب/ قد نال هذا بالسَّماع فهل أرى في عينه ما قد جرى ف سمعه
وأنشدني أيضًا، وقد رأى في منامه، وهو ينشد بيتًا، فعمل أبياتًا، والبيت المذكور آخر الآبيات: [من البسيط]
لم ينتفع عالم يومًا بحكمته إن لم يقدِّم عليها حسن نيَّته
ويترك العرض الفاني ويرفضه ويطلب الجوهر الباقي بأوبته
وما انتفاع أخي الدّنيا بزخرفها إذا ثوى في الثَّرى يومًا بوحدته
إنِّي امرؤ لست أبغى في الزَّمان سوى عفو الإله وأن يجري
[ ٦ / ٢٠٨ ]
وقد لهجت بقول لا أغيِّره عمري ولا حلت دهري عن مودَّته
إنَّ الذي منَّ في الدُّنيا بنعمته إنِّي لأرجوه في الأخرى لرحمته
وأنشدني أيضًا لنفسه يقتضي وعدًا: [من الطويل]
ألا أيُّها المولى الَّذي عم رفده وكلُّ وزير في البريَّة عبده
أيجمل أنِّي تحت ظلِّك ضائع وأنت الَّذي في الدَّهر قد قلَّ مجده
وقد مسَّني ضرُّ ودين وفاقة ويزداد هذا ما تأخَّر وعده
وأنشدني لنفسه، يمدح الشيخ العلاّمة /١٦٠ أ/ علم الدين السخاوي:
[من الكامل]
يا خابط الظّلماء ي بيدائه أو ما سلمت من السرى وعنائه
عرِّج على الشَّام الشَّريف ولذ به تلتذُّ منه بظلِّه وبمائه
لا تنزلنَّ إلى الغوير ولا تزر جيرانه فالجور في أرجائه
وارجع إلى الرَّأي السَّديد وعدِّ عن ذكر الهوى ونعيمه وشقائه
وانزل على الجبل المنيف بجلِّق فالصًّالحون بسفحه وفنائه
واقبل إلى العلم الكبير المجتبى تلق المنى واليمن عند لقائه
العالم الصَّدر الإمام المرتضى مهدى الهدى من نوره وبهائه
ما زال أوحد دهره علمًا وقد رضي الزَّمان به على أبنائه
هذا السَّخاوي الَّذي ما مثله بين الورى في علمه وسخائه
يتلى كتاب الله حول يمينه وشماله وأمامه وورائه
متواضعًا لله جلَّ علاؤه متورِّعًا خوفًا على عليائه
شاد المعالي بالتَّواضع فارتقت وتنَّزهت فاعجب بحسن بنائه
وهو الَّذي غمر الوجود جميعه من فضل أنعمه وفيض عطائه
ولطالما نفع الأنام بعلمه وصواب منطقه وصائب رأيه
/١٦٠ ب/ دامت لنا أيَّامه وبقاؤه والله ينفعنًا بطول بقائه
وأنشدني لنفسه، في غلام يرقص: [من الطويل]
وظبيٍ حكى نور الغزالة وجهه وقد شدَّ بندًا عندما قام يرقص
[ ٦ / ٢٠٩ ]
من الرِّيم لكن فيه حسن التفاته وفي الرِّيم لفتات من يقنص
فهذا بما فيه من الحسن قانص وتلك بما فيها من الحسن تقنص
وقد صاد قلبًا عزَّ منه خلاصه ومن ذا الَّذي من أسره اليوم يخلص
وأنشدني لنفسه، في غلام معه خدّام يحفظونه: [من الكامل]
نفسي الفداء لمن أقام قيامتي بقوامه ونحافة في خصره
حرسوه بالخدَّام خيفة عاشق قد حار من حرِّ الهوى في أمره
كم خادم من حسنه في وجهه يغنى به عن خادم في عمره
ريحان سالفه وعنبر خاله يتعايران وجوهر في ثغره
وأنشدني لنفسه في المعكوس: [من مجزوء الرجز]
أسمر راجٍ نكبًة تبكن جار رمسا
أسرَّنا لقاؤه وهو أقلُّ إن رسا
/١٦١ أ/ وأنشد لنفسه، حرف سقط، وحرف مهمل: [من الوافر]
بربك قلت: أنا يا جميلًا فإنَّك تستلذُّ وتستميح
وقل يا جابري هذا بلاء فلا تهجر فإنَّك تستريح
وأنشدني لنفسه، يلغز وعملها على لسان شخص يلتمس من السلطان قباء وعده به:
[من السريع]
يا مالكًا فاق جميع الورى وعمَّ في العالم تشريفه
ابق متى ألبس متى ألبس معكوسها كل بأعدائك تصحيفه
وأنشدني لنفسه، وهي أبيات خالية من الإعجام: [من الكامل]
إسمع كلام مسلِّم ومسالم وموادع ومودّد ومواصل
وله وداد لامرًا ولا ادعا ما ود صرام لود الواصل
حمد الإله محمِّدًا ولآله آل المروة والسماح الكامل
أهل الإمامة والعدالة والعلا وهم المراد لعالم ولعامل
وهم عماد مؤمِّل ومعوِّل ومداه كلُّ مردِّد ومطاول
/١٦١ ب/ هم عمدة الإسلام ما دام الولا وسلاح كلِّ محاور ومحاول
[ ٦ / ٢١٠ ]
وهم مهاد للكرام وعدّة ولصادر ولوارد ولآمل
ما للرواة سواهم وهم كما ماء السَّماء لكلِّ عامٍ ما حل
لا أحمد الهمَّ الملمَّ وما لهم أو الملح الهاطل
لا حرَّم الله الورود ولا هم وهو الدَّواء لكلِّ صدر آهل
[٨١١]
محمَّد بن عليِّ بن أبي الحسن عليِّ بن أبي القاسم هبة الله بن أبي العساكر سعد بن محمَّد بن الحسن بن أحمد بن عليِّ بن الفضل بن بشرويه، أبو عبد الله بن أبي القاسم الهماميُّ.
هكذا أملى عليّ نسبه لما سألته عنه، وذكر لي أن أصله يرجع إلى قوم من الفرس.
كان مولده في سلخ جمادى الآخرة سنة ستٍّ وتسعين وخمسمائة، بالهمّامية قرية كبيرة تحت واسط، من أعمالها وأشهر قراياها، نسبت إلى رجل، كان ينعت بهمام الدين من بني أسد، وكانت من جملة أقطاعه. وكان أجداد ابن بشرويه ومقدميها، ولهم بها يتوارثونها بها /١٦٢ أ/ وهي بأيديهم إلى يومنا هذا.
وهو رجل أسمر، خالطه الشيب قليلًا، يتولّى التّصرف في الأعمال الديوانية، من قبل الديوان الخليفيّ المستنصري. يعاني صناعتي النظم والنثر، وهو ذو طبع سليم في إنشائهما، ويكتب خطًّا حسنًا، ولم يكن ممن يبغي أجرًا على المدح، فإنَّ نفسه ترفعه أن يمدح أحدًا مستميحًا، يفد على مدينة السلام في كل وقت، ويمدح أرباب الحضرة الشريفة بها، وربما امتدح أمير المؤمنين المستنصر بالله – خلّد الله ملكه – ثم يعود إلى قريته.
ولما توجَّه انحدر في جمادى الآخرة من سنة تسع وثلاثين وستمائة، صحبة الأمير الكبير العادل ركن الدين أبي شجاع أحمد بن قرطايا – أسبغ الله ظلاله – إلى أملاكه التي أقطعه إياها أمير المؤمنين من أعمال واسط، لاستيفاء أنفاعها، وقبض
[ ٦ / ٢١١ ]
المغل الذي يحصل له من الخراج، اجتزنا بالهمامية، وكان ابن بشروية غائبًا عنها، لأشغال عرضت له من قبل الديوان العزيز، ولم يتفق للأمير الاجتماع به؛ فلما قدم ابن بشرويه من غيبته، أشعر بمقدم الأمير، فشق ذلك عليه، كيف لم يحظ بخدمته!، فعند ذلك صنع رسالة وأعقبها أبياتًا، وأنفذها/ ١٦٢ ب/ إلى مخيمه المحروس مديحًا، يعتذر فيها من تأخره عن خدمته المولوية؛ وبعد ذلك انحدر إلى خدمته قاصدًا زيارته، وقاضيًا حقه، وذلك في أوائل شعبان من السنة المذكورة، فاجتمعت به بالمخيم المحروس، وأنشدنا صدرًا متوفرًا من أشعاره، وعلقت عنه القصيدة التي امتدح بها الأمير- حرس الله مدته، وبلغه أمنيته- فأنعم عليه بجائزة سنية كعادته على الذين يردون عليه من أهل العلم والفضل.
أنشدنا إبن بشرويه، يمدح الأمير الكبير العالم العادل الفاضل ركن الدين أبا شجاع أحمد بن قرطايا- أدام الله إقباله وحرس جلاله بمحمد وآله أجمعين: -
[من الرجز]
أهلًا عديد الرَّمل من جلاجل ومن زرود وأكام عاقل
والمرو من سلمى ومن متالع ومن شمًام وهضاب حائل
بأحمد من قادم أمست به بشائري شافيةً بلابلي
ومرحبًا من بعد ما سهل به من ملك ندب ند حلاحل
مهذَّب الأخلاق ذي فضائل مصونة الأطراف بالفواضل
أغرَّ كالشَّمس سنى جبينه يجلود جى الحوادث النَّوازل
/١٦٣ أ/ ما انفكَّ حصنًا مانعًا لخائف ونجعًة لسائل وآمًل
وافى كساري المزن أضحى ناشرًا كل ما حل
تحفُّه صيد وغًى من يافث كأنجم حفَّت ببدر كامل
فاهتزَّت الأرض به مسرًّةً سرورهًا بالسُّحب الهواطل
وأنبتت من كلِّ زوجٍ ناضرٍ أضحت به بهيجة الخمائل
وفاح طيبًا كالخزامى تربها جاءت صبا الآصائل
وراح للبشر ينادي أهلها أهلًا بهذا الآريحيِّ الفاضل
أهلًا به من مستفيد خالد من خالص الجهد ببذل زائل
[ ٦ / ٢١٢ ]
أهلًا به من غيث خصب قاتل للجدب واللأواء أيِّ قاتل
أهلًا به من ليث حرب خيسه من الرِّماح الشُّرَّع الذَّوابل
صيوده أسد الشَّرى يوم يرى فيه الضُّحى ليلًا من القساطل
يخاله الجحفل من إقدامه على زؤام الموت في حجافل
فلست أدري للَّذي قد حازه من كرم الأخلاق والشَّمائل
ومن تهفو وبأس في الهياج صائل
أطرقه بالبحر أم بيذبل أم بليث غاب باسل
/١٦٣ ب/ أعزز علىَّ غيبتي عن بلد مرَّ به رهوًا على منازلي
تلك لعمري حسرةٌ رحت لهًا أخا حشًا من الهموم آهل
ضاهت سروري بتداني خطَّتي من ظلِّ علياه الظَّليل الشَّامل
إسمع أبا شجاع خير مدحة لها أريجٌ المسك في محافل
هديًة من خادم بحمده لمجده السَّامي الذَّرى مواصل
سمع لعلياك بها ذًي ضنَّة بمثلها على سواك باخل
ما جيًد من أضحت له قلادةٌ من حلية المجد بجيد عاطل
تهزُّ أعطاف الرُّواة نشوة كأنَّها شيبت بخمور بابل
يا أحمد المحمود يا خير فتًى يرجى ليومي شدَّة ونائل
أنا الَّذي أصبح منه جاريًا هواك مجرى الدَّم في المفاصل
فلو يحول بذبلٌ لم ألف عن ودِّك يا رٌكن العلا بحائل
لا تنقمن منِّي تعدَّاك الرَّدَّى سوء ثنائي عنك أو رسائلي
فذاك عن غير قلًي لكنَّه عن شغل لي في الخطوب شاغل
قد جشَّمتني حمل ما أحقره يوهي قوي رضوى فكيف كاهلي
وغادرتني راضيًا أحداثها بالضَّيم عن رغم من الأرذال
/١٦٤ أ/ثم/ أرتني كيف يسطو سفًا بغاث ذا الدَّهر على الآجادل
وكنت قسَّ الحلم أدعى قبلها فصرت أدعى حصرًا بباقل
وآض سهل الشِّعر عند نظمه أصعب من عضِّي على الجنادل
ولو جرى المقدار لي بنيل ما عن نيله أصبح ظلمًا خاذلي
[ ٦ / ٢١٣ ]
لم تلقني يومًا لناديك ولا لوجهك الميمون بالمزايل
الوذ في القلب وكم مواصلٌ يكتبه للودِّ شرُّ فاصل
وكم فتًى مقاطع يكتبه وهو بصفو الودِّ خير واصل
وما لأشواقي إليك غايةٌ لكنَّها بحرٌ بغير ساحل
ولو أروم وصفها كنت كمن حاول عد الشُّهب والجراول
ولو تمكَّنت لقد الفيتني مكان ما خطَّت إذا أناملي
وزرت سعيًا ربعك الرَّحب وما للزائر الرَّاكب فضل الرًّاجل
وأنشدني لنفسه يوم الأربعاء، ثالث شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة، ما كتبه إلى علاء الدين هاشم بن علي بن الأمير السيد العلوي، وكان قد أسدى إلى والده /١٦٤ ب/ حسنى حين كان ناظرًا بواسط: [من الطويل]
على بابك الميمون من كنت موئلًا لوالده ممَّن يخاف ويحذر
أتاك بما أوليته من صنيعة وعارفة يثني عليك ويشكر
لأن الثَّناء يا ابن بنت محمد أجلُّ جزاء المنعمين وأكبر
فهل من سبيل لي إليك فإنَّني إلى نظرة من نور وجهك مقتر
وتقبيل يمناك التي من بنانها عيون ينابيع النًّدى تتفجر
فأنت الجواد أبن الجواد الَّذي به تغاث الورى في الممحلات وتعصر
أرى أكرم الأشياء عندك ساعة بأنَّك فيها مستجيزٌ ومعسر
ويصبح هذا في جوارك آمنًا ويصدر من مغناك ذا وهو موسر
ولله بيتٌ قاله ذو فصاحة به أنت يا ابن الهاشميين أجدر:
"كريمٌ له عينان عينٌ عن الخنًا تغضُّ وأخرى في العواقب تنظر"
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى مجد الدين يوسف بن الوقي. كان وزيرًا بخوزستان. (من الكامل]
يا أيها الملك المنيع حجابه إلا عن العافين والسُّؤال
/١٦٥ أ/ يا كاشف الكربات وهي قوادحٌ ومفرِّج الغمَّاء والأهوال
[ ٦ / ٢١٤ ]
يا من نؤمِّله لإدراك المنى وبلوغ أقصى غاية الآمال
أإليك من نهج لعبد مخلص بولائه جم الثَّناء موالي
غرضٌ إلي تقبيل راحتك الَّتي هي للعفاة أبٌ وأمُّ عيال
والإبتهاج بنور طلعتك الَّتي نسقى الغمام بها لدى الإمحال
جاب الحزون إليك علمًا أنَّه سينال عندك راحة الإسهال
ولكم غدا إخلاصه مستشهدًا لما إليه شكا وجا الإرقال
أحوامل الأثقال أنك في غد بفناء أحمل منك بالأثقال
فاسلم لنا يا يوسف أبن محمد وزرًا نلوذ به من الأوجال
فلأنت أكرم من بوافر سيبه لفحت لنا الآمال بعد حيال
وأنشدني لنفسه، يرثي علي بن أحمد بن هزدي. وكان صديقًا له: [من الطويل]
سقى جدثًا وارى علىَّ بن أحمد هزيم حيًا أحوى الرَّباب دفوق
ملثٌ إذا يومًا أربَّ لماحل غدا وهو بالرَّوض الأنيق أنيق
فتًى حاز منه التُّرب ترب فواضل بأيسرها كان الفضاء يضيق
/١٦٥ ب/ مضى فمضى المعروف والبأس واغتدى فشيب رداء الحلم وهو سحيق
فما ساءني من بعده فقد صاحب ولا سرَّني في الأصدقاء صديق
ولم أر شيئًا مذ تضمَّنه الثَّرى يلذُّ لعيني شخصه ويروق
فيا كبدي أنت الأسيرة للأسى عليه ودمعي الدَّهر أنت طليق
وأنشدني لنفسه في بعض أغراضه: [من الطويل]
هجرتك يا دار الأحبَّة راغمًا وودُّك ما حالت لديَّ به الحال
ولولا وشاة الحيِّ يا دار لم يكن يحلُّ ركابي فيك ما عشت ترحال
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى الصاحب فخر الدين أبي سعيد المبارك بن يحيى- صاحب ديوان الزمام، وكان قد أنفذ له شيئًا من المال، فم يمكن رده عليه- بقصيدة منها هذه الأبيات: [من الطويل]
أمولاي فخر الدِّين دعوة ناظم مدائحه عقدًا لسؤددك النَّهد
لك الخير رفقًا بعض سيبك إنَّه جسيمٌ فكيف الجمُّ من طولك العدِّ
[ ٦ / ٢١٥ ]
لقد جدت لي منه بما رحت مالكًا به رقَّ شكري في دنوٍّ وفي بعد
/١٦٦ أ/ فوالله ما أحرزته عن ضرورة إليك ولا عن فاقه لي إلى الرِّفد
ولست بنكس آنست عين دهره له قطُّ في خوض المطامع من وردِّ
ولا شاعر يهدي مديحًا فيجتني له ثمرًا عند الكرام سوى الودِّ
ولكنَّني أجللت برَّك ليتني أكدِّر ما أصفيت له منه بالرَّد
وحاولت أن تضحي بحسن قبوله لديك لي الآمال محكمة العقد
فأحرزته إحراز حر ثناؤه عليك جزاء الله خيرًا ثنا عبد
ولو أنَّه من عند غيرك جاءني وكان عديد الرَّمل والمرو من لحد
لما وأبيك الخير همت بأخذه يميني ولو همت لفارقها زندي
زكنت أرى ذياك لؤم سجيَّة تأنَّقها منِّي أخو خلق وغد
وأيسر من حملي لغيرك منَّهً وإن سهلت حملي لثهلان أو أحد
وأحسن ما قد قيل في مثل هذا الصـ صنيعة من نثر يروق ومن نضد
ثلاثة أبيات بخفض نحورها عفت أربع الحلاَّت للأربع الملد
(وما كنت ذا فقر إلى صلب ماله وما كان حفصٌ بالفقير إلى حمدي)
(ولكن رأى شكري قلادة سؤدد فصاغ لها سلكًا بهَّيًا من الرِّفد)
(فما فاتني ما عنده من حبائًه ولا فاته من فاته من فاخر الشِّعر ما عندي)
/١٦٦ ب/ الثلاثة الأبيات الأخيرة لأبي تمام.
وأنشدني لنفسه، وكان قد تصاحب هو ورجل علوي في بلاد خوزستان، فرأى منه ما يكره. وكان من جانب مجد الدين ابن البوقي- رحمة الله- ثم انفصل مجد الدين، وتولى بعده ظهير الدين الحسن بن عبد الله، فانفصل هو والعلوي عن العمل الذي كانا به، وطلب دستورًا ليعود إلى أهله، فلم يمكنه ظهير الدين، وكثر مقامه عنده، ثم أشار إليه أن يخدمه في موضع يعرف بمعاملة القروج، وكان عاملها قاضي الحويزة، وهو جعفر بن الحسن العلوي، فأبى أن يخدم بالعمل المذكور كرهًا له؛ لأنه
[ ٦ / ٢١٦ ]
استقله فلم يقبل ظهير الدين عذره، وألزمه الخدمة؛ فكتب إليه هذه الأبيات، وعرضها عليه سعد الدين الحسن بن محمد الحاجب، وهي: [من البسيط]
/١٦٧ أ/ أعوذ بالله ربِّ النَّاس كلِّهم وبالفتى حسن ذي المنظر الحسن
بأن يراني إنسان له بصرٌ مصاحبًا علويًا آخر الزَّمن
فقد لقيت من الكوفي معضلًة لو لابست
حتَّى لقد كدت لو لم تقض فرقتنا وشكًا أحبُّ أبن هند مظهر الفتن
فلا تعدني ظهير الدِّين ثانيًة إلى مكابدة الأهوال والمحن
فليس يلسع من جحر حوى رقمًا طورين إلا أمرؤٌ خال من الفطن
وإن يكن ضاق عن مثلي جنابك أو أنِّي لما منك أرجو لست بالقمن
فما أذمُّ سوى حظِّي لديك ومن بغير حظٍّ يرد نيل المرام يني
وله: [من البسيط]
تجمَّعت خمسةٌ من مكرمة في أحمد بن قراطايا هي الشِّيم
وجهٌ مليحٌ وأخلاقٌ مهذبةٌ ومنطق ذربٌ ]
محمد بن محمد بن محمد محمد بن عمرك بن أبي سعيد عبد الله بن الحسن بن القاسم بن علقمة بن النضر بن معاذ بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق صاحب رسول الله صلى الله عليه البكري التيمي القرشي الدمشقي، أبو الفضل بن عبد الله.
[ ٦ / ٢١٧ ]
أخو الشيخ الحافظ صدر الدين أبي علي الحسن بن محمد البكري.
وأبو الفضل هذا، رأيته شيخًا بدمش / ١٦٧ ب/ وأخبرني أنه ولد سنة تسعين وخمسمائة، وكان يتصرف في الأعمال والولايات وتحت يده أوقاف الصدقات. يشدو شيئًا من فقه الإمام الشافعي﵁- ويقول الشعر طبعًا، ويزنه ويذوقه ويفهم مواضع الخطأ منه، وقد نظمه في الأغراض التي يقصدها، وذكر لي أنه لم يشتغل قط بشيء من العربية، ولا قرأ منها لفظة، وينظم نظمًا متزنًا صحيحًا، وربما جاء في شعره لحن قريب، لكونه لم يتعلم شيئًا من الأدب.
أنشدني لنفسه، يمدح النبي ﷺ وذلك في أواخر سنة تسع وثلاثين وستمائة:
[من الكامل]
لي في مديحي للرسول غرام فعلى الرَّسول تحيةٌ وسلام
المصطفى المختار من دون الورى الـ ـمدَّثر المطَّهر الصَّوام
الهاشميُّ الأبطحيُّ ومن به تتفاخر الأيَّام والأعوام
كالبدر وضَّاح الحبين مهذَّب الأ خلاق حاز المجد وهو غلام
حسبي بمدحيه افتخارًا أنَّه في الحشر ممَّا أتَّقيه ذمام
فمديحه يشفي السَّقام وذكره ينفي الأوام وحبُّه معصام
كم غصت في بحر المعاني مخرجًا درر المدائح زانهنَّ نظام
/١٦٨ أ/ في خاتم الرُّسل الكرام ومن به للأنبياء المرسلين ختام
سبحان من أسرى به في ليلة فانجاب عنها غيهب وظلام
وعلا على ظهر البراق وجاوز السَّـ ـبع الطباق فعمَّه الإنعام
خفَّت به الأملاك تعظيمًا له فهم لحضرة قدسه خدَّام
ودنًا فكا كقاب قوسين كما قد جاءت الآيات والأحكام
ورأى فما كذب الفؤاد لما رأى من رِّبه فتبارك العلَّام
يا خيرة الله الذي بك قد سما التوحيد والإيمان والإسلام
[ ٦ / ٢١٨ ]
بلغت يا خير الأنام رسالة تهدى بها الأعراب والأعجام
لولا رسالتك التي بلَّغتها ضلَّت قريش ودينها الأصنام
أرسلت فينا شاهدًا ومبشِّرًا يا قدوة للمتًّقين إمام
يا من إذا ما قطَّبت عداؤه في الرَّوع صال وثغره بسام
يا من بحضرته الغزالة سلَّمت ولبدر طلعته أظلَّ غمام
وإليه حنَّ الجذع من شوق كما حنًّ البعير أقدام
وله الأيادي البيض والمنن التي تحيا بها الفقراء والأيتام
تالله إني في مديحك صادقٌ ولئن أطلت المدح لست الأم
/١٦٨ ب/ لو قلت مهما قلت إني عاجز عن كنه حصر صفاته تمتام
ماذا يقول المادحون بمدحه ولرِّبه في مدحه أحكام
أثنى عليه اللهﷻ مدحًا يقصِّر دونها الأفهام
يكفيه معجزة الكتاب ولم تكن بيمينه قد خطَّت الأقلام
أوليس أقسم رُّبه بحياته قسمٌا به تتحمَّل الأقسام
وتزعزع الإيوان في ميلاده وخمود نار الفرس وهي ضرام
وتضاعف الزَّاد القليل لصحبه من بعد ما قد مسَّهم إعدام
من إصبعيك الماء فاض ينابعًا سحًا فروَّى الجيش وهو لهام
يا من تعاظم في النُّفوس مهابًة والرُّعب يقدمه فليس يرام
ورمى بكف من تراب أعين الـ ـكفَّار فاغشوشت بذاك وهاموا
نكصوا على أعقابهم إذا قوبلوا فكأنَّما إقدامهم إحجام
ناجاك ربُّك صلِّ وأسعد واقترب فلشانئيك الذٌّل والإرغام
أعطاك ربُّك كوثرًا لكرامة لك عنده فليهنك الإكرام
ولك الشفاعة إذ غدوت مشفَّعًا دون الورى والنقض والإبرام
يا سيِّد السَّادات يا خير الورى والماجد الطَّعان والمطعام
/١٩٦ أ/ لولا المسير إلى زيارتك الَّتي خفت بها الأرواح والأجسام
[ ٦ / ٢١٩ ]
ما طاب ذكر الجزع أو ذات النقا أبدًا ولا ضربت بهنَّ خيام
كم بثَّ بالحرم الشَّريف مجاور الـ ـقبر المنيف فما ألمَّ سنام
مرَّت لييلاتٌ وأيامٌ به نعم اللَّيالي كنَّ والأيَّام
يا كنز كلِّ مؤمِّل ذي فاقة قد مسَّه الإقلال والإعدام
نسخت شريعتك الشرائع فاغتدى لكلامها في المشركين كلام
[٨١٣]
محمد بن عبد السلام بن المطهر بن عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن المطهر ابن أبي عصرون، أبو عبد الله بن أبي العباس التميمي.
كانت ولادته بحلب، في أوائل المحرم سنة عشر وستمائة.
من أبناء القضاة المعتبرين، والعلماء المدرسين، ومن بيت علم مشهور، وفضل مذكور.
وهو شاب جميل، حصل من الفقه صدرًا صالحا< يرجع إلى ورع وتقى، وخير وسداد، وحسن طريقة، واستقامة سيرة، ويحفظ جملة من الأشعار النادرة، ويقول شعرًا لطيفًا /١٦٩ ب/ أنشدني لنفسه يتغزل: [من الوافر]
وظبى تسترقُّ له قلوب النَّاس الحاظه
كأنَّ العقد مبسمه ونثر الدُّر ألفاظه
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الخفيف]
حلبٌ جنَّة النَّعيم فزرها تلق فيها ما تشتهية النُّفوس
من هلال يرنو بعيني غزال وقضيب على كثيب يميس
ورياض كأنَّها بنظيم الـ ـنَّور من حسن نبتها طاووس
[ ٦ / ٢٢٠ ]
[٨١٤]
محمد بن عبد المنعم بن نصر الله، أبو عبد الله، [المعروف بابن شقير الدمشقي التنوخي].
أنشدني لنفسه: [من الطويل]
أشاقك برقٌ بالحمى يتألَّق له بالنَّقا عهدٌ عليك وموثق؟
أم البان هزَّته الصَّبا فتأرَّجت سحيرًا فمن أنفاسها المسك يعبق
أم اقتنصت أرام رامة قلبك الـ ـمشوق فأضخى وهو لهفان يخفق
بعيشك حدِّثني عن البان والحمى فإنِّي إلى أهل الحمى أتشوَّق
أما وليالينا بمنعرج اللِّوى وغصن الصِّبا واللَّهو ريَّان مورق
/١٧٠ أ/ لقد أغري الجفن المسًّهد بالبكا فكا أسًى في لجَّة الدَّمع يغرق
إذا أنا لم أبك العقيق بمثله فما أنا صبٌّ لا ولا أنا شيِّق
ومنها:
علي عيون المزن تبكي تأسُّفًا ومن حزني ناح الحمام المطوَّق
عدمت الكرى والطَّيف طيف خيالكم فلا النَّوم يغشاني ولا الطَّيف يطرق
وقد وعد الصَّبر الجميل تجلُّدًا ومن لي بأنَّ الصَّبر في الوعد يصدق
عقرت لضيف الطَّيف إنسان مقتلي فدمعي دمٌ في سفح خدِّي يهرق
وأنفقت كنز الدمع في سوق بينكم وفي مثله كنز المدامع ينفق
وبي ربُّ حسن بات قلبي كليمه إذا ما تجلَّى كدت بالشَّوق أصعق
وإن هو ناجاني على طور حسنه تراني من الإجلال أغضي وأطرق
[ ٦ / ٢٢١ ]
ضللت بليل من ذوائب شعره كما ضلَّ سار في الدُّجنَّة معنق
فانست نارًا أضرمت بين أضلعي لها قبسٌ يهدي لمن ضلًّ يشرق
خدمت بديوان المحبَّة ناظرًا ولي في الهوى جار من العين مطلق
وجسمي ضناه عاجلٌ وهو مشرفٌ على تلف أضحى لحيني يحقِّق
وقد حاسب التَّبريح جسمي فلم تكن بواقيه إلَّا أضلعٌ تتحرَّق
/١٧٠ ب/ ولو إنكسار الصًّبر في جهة الهوى لما كان قلبي بالحبيب يعلَّق
رفعت له مع حاجب الغمض قصَّتي بأنِّي عان في هواه وموثق
فوقَّع لي سلطان خطِّ عذاره: أسير الأسى من حبِّنا ليس يطلق
وإن يك بالهجرة انقضت مدًّة الجفا فباقي الهوى بالرَّوح منه يغلَّق
لي الله من غصن وريق ومبسم وريق به جفني قريحٌ مؤرَّق
بهاء محيَّاه وأملود قدِّه من البدر أبهى أو من الغصن أرشق
يصول على عشاَّقه بجماله دلالًا ولا يحنو ولا يترفًّق
وقد تمَّ ما فوق النِّصاب ملاحًة فهلَّا على مسكينه يتصدَّق
ومنها:
فللَّه ليلاتٌ تقضَّت حميدًة بجلِّق الفيحاء والعيش مونق
وأيَّامنا بالنَّيربين ونورها منيرٌ وأحداق الزُّهور تحدِّق
ينمُّ بها النَّمام من حسد لها ومن طرب حيث الشَّقيق يشقَّق
ومنها:
لقد أصبحت ذات العماد بملكها الـ ـعماد يمينًا مثلها ليس يخلق
ومنها:
/١٧١ أ/ وما أسدٌ خفَّان باسلٌ شديد السُّطا عبل الذِّراعين أشدق
طواه الطَّوى حتى استمرَّ مريره وسيف المنايا بين عينيه يبرق
بواد تحاماه الأسود مخافةً إذا مرَّ في أرجائه الموت يفرق
[ ٦ / ٢٢٢ ]
بأعظم منه سطوةً ومهابةً وأثبت جأشًا والكتائب تقلق
أمدَّ عليها صافيًا من ظلاله فأضحت به من نهجة تتألَّق
رأينا بها الولدان والحور رتَّعًا فقلنا يقينًا: جنَّة الخلًد جلِّق
تزوَّج منها بالسُّرور نفوسنا على أنَّنا منها الهموم نطلِّق
فكم راقنا مستنزهٌ في ظلالها وكم شاقنا قصرٌ مشيدٌ وجوسق
فلم أنس أنسي في ميادينها الَّتي لها نضرةٌ تحيي النُّفوس ورونق
يخيط بخيط المزن ثوب ربيعها الـ ـنسيم وأكمام النَّبات تفتَّق
تراكض في أرجائها اللَّهو والصِّبا فجالت بها خيلٌ إلى الأنس سبَّق
فكم من غزال سانح في رياضها حكى أخته في حسنها حين يبرق
وكم لاح بدرٌ فوق غصن أراكة رشيق قوام بالعيون ممنطق
وكم كوثر يجري إلى جنب كوثر وكم أعين نضَّاخة تترقرق
لقد صبَّت الغدران عند مديرهًا فسلسل فيهًا ماؤها وهو مطلق
/١٧١ ب/ جنان نعيم ليس يشقى نزيلها يحلى بها جيد المنى ويطوَّق
كلاها كمال الدِّين منه بعينه فمن جوده أمواهها تتدفَّق
فلا غرو إن رقَّت وراقت لأنَّها بأخلاقه الحسنى غدت تتخلَّق
ومنها:
يكاد ذكاء عند إعمال فكره متى شاء عمَّا في المغيَّب ينطق
له قلمٌ فيه المنَّية والمنى يجاور بحرًا ماله ليس يورق
وأعجب منه أنَّني جار ظلِّه الـ ـرَّحيب لراجيه ورزقي ضيِّق
ومنها:
أبثُّك حالي حال عمَّا عهدته وشكوى لها صمُّ الصَّفا يترقَّق
فقد مسَّني فقرٌ وحاشا أمرءًا غدا لجودك جارًا أن يرى وهو مملق
فعطفًا وإشفاقًا على ذي فضيلة ألست على أهل الفضائل تشفق
أعيذك أن أنسى بظلِّك ظاميًا وغيث ندى كفَّيك بالجود مغدق
وهذا قريضي يخجل الدُّر نظمه إلى حسنه الجوزاء ترنو وترمق
فخذ مدحة فاقت على كلِّ مدحة غدت وعليها من ضيائك رونق
[ ٦ / ٢٢٣ ]
فدونك معنٌ في السَّماح وحاتمٌ ومن دون شعري جرولٌ والفرزدق
/١٧٢ أ/ صورة ما كتب الشيخ علم الدين السخاوي، يمدح هذه القصيدة:
[من الطويل]
وقفت على هذا الفريض الَّذي له ضياءٌ وأنوارٌ وحسنٌ ورونق
تضمَّن أوصافًا بها كلُّ سامع إذا ما تلاها شاهدٌ ومصدِّق
وأبرز أنواعا من الدُّر بحرها أن لا يجيد النظم من در مغرق
ولا عجبٌ ممَّا جرى من جواهر ففي التَّاج أنوار الفرائد تشرق
له قصبات السَّبق في كلِّ وجهة فمن ذا يجاري سابقًا ليس يلحق
يقول علي بن محمد السخاوي: "إنني تدبرت هذا النظم البديع، والبحر الوسيع، فرأيته مالكًا لعنان البلاغة والإحسان وافيًا بصناعة الشعر في الإجادة والإتقان، مع عذوبة ألفاظه، وسهولة مسالكه والرقة لمن يهجن المعاني بأغلاطه، فكم فيه من درة حسنها مع جسمها، وضعها في موضعها، ومن مطربة تثني على منشدها ومسمعها، وما هي إلا ساعدة من نظم فيه، نسأله الله حفظه فيما /١٧٢ ب/ يأتيه". وكتب علي بن محمد السخاوي؛ متشرفًا بهذه الفوائد، ومبتهجًا برؤية هذه الفرائد، إن شاء الله تعالى، وذلك في ثالث عشر شهر الله الأصم سنة تسع وثلاثين وستمائة.
وله في قاضي القضاة رفيع الدين حامد بن العزيز بن عبد الواحد بن [عبد] الحميد: [من الطويل]
أمثلي في أرض الشَّام يضيع ولي فيك مدحٌ كالعبير يضوع
وحسن معان راق للنَّاس حسنها ولفظٌ هو السِّحر الحلال بديع
لمن أتصدَّى غير مجدك مادحًا وأنت فمغرًى بالسَّماح ولوع
ومن ذا الَّذي أدعو سواك من الورى وأنت مجيبٌ للدعاء سميع
أما وأحاديث السَّماح الَّتي غدت غرائبها عن راحتيك تشيع
لأنت الَّذي ما زلت تولي عوارفًا بها عمرت للمكر مات ربوع
وصلت بكفٍ ظلّ إلى النَّدى وصلت للضَّلال يريع
[ ٦ / ٢٢٤ ]
ترى منك يا خير العطايا محرَّمًا لأنَّ بها كلَّ الشُّهور ربيع
ومنها:
طويل وعيد بل قصير مواعد مديد نوال للعطاء سريع
/١٧٣ أ/ (تواضع كالنَّجم استبان لناظر على صفحات الماء وهو رفيع)
(ومن دونه يسمو إلى الجوِّ صاعدًا سموَّ دخان النَّار وهو منيع)
البيتان مضمنان لابن التلميذ
وكتب إليه بهذه الأبيات أيضًا: [من الخفيف]
أيُّها الحاكم الذي عمر النَّا س جميعًا بفضله الفيَّاض
أفتنا في قضيَّة أنت فيها الـ ـخصم لي في العلا وأنت القاضي
بعت للفضل منك خالد حمدي وافترقنا عن غبطة وتراضي
لم تدحى نصب لتمييز حال حلَّ من بعد رفعة في انخفاض
وغلامًا نداك خال ووعدي منك وأمرك ماضي
إن تقل عاف ذاك ترًك التقاضي لست يا ابن الكرام بالقول راضي
وإذا الجود كان عوني على المر ء تقاضيته بترك التَّقاضي
وله إليه: [من الطويل]
بديع مديحي فيك شرقًا ومغربًا سرى كندى كفَّيك في البرَّ والبحر
ومعروفاك المعروف موجب أنًّنا لك الله ندعو بالزِّيادة في العمر
فإنا رأينا من أياديك فوق ما سمعناه عن معن السَّماح وعن عمرو
/١٧٣ ب/ نسخت بما أوليته ذكر حاتم فأصبح في سوق الثنا كاسد الذَّكر
أعيذك ان أمسي بظلكِّ خاملًا وحالي بعد اليسر حالت إلى العسر
ولم يبق منِّي الدًّهر إلا صبابةً وإلَّا كما أبقى نداك من الفقر
[ ٦ / ٢٢٥ ]
فهل تشتري منَّي بما هو ذاهبٌ ثناءً ومدحًا فيك يبقى على الدَّهر
فيقبح بي أن أرتجى من سواكم نوالًا وأن يعزى إلى غيركم شكري
وله: [من الطويل]
لسان غرامي في هواك المهذَّب وتنبيه وجدي ماله عنك مذهب
وجلَّاب أشواقي إليك صبابتي ونافع صبري ليس لي عنه مذهب
أمالك رقِّي ما لأحمد سلوتي على زهده في مثل حسنك يرغب
أبى خدُّه أن لا يرى وهو شافعي وقال إلى النُّعمى أعزًّى وأنسب
وناظرني في صيغة الحبِّ والهوى وكم مرَّة نازعت فيها وأغلب
أسائله يا مقتفي نص هجره فيسهب من ذكر القياس ويطنب
ويوضح وجه الصَّدِّ منه بفرقة فيعطفني إعراضه والتَّحنُّب
حبِّي له وصبابتي هما نتجًا أن ليس لي عنه مهرب
وحاوي فضول الشَّوق ليس بحاذق وإلَّا فمنها كيف لا يتطيَّب
/١٧٤ أ/ أعلِّل قلبي في هواه بعلَّما وليت وقلبي في هواه المعذَّب
ألم يك مبنيًا على الكسر جفنه فما بال أمسي وهو بالسِّحر معرب
وقائلة لمًّا رأتني لمًّا رأتني خاملًا وروض ربيع الحظَّ مَّني مجدب
تنبَّه تفز من فضلك الجمَّ بالغني فأنت لإدراك الغني تتطلبَّ
وإن قلت كنز الجود عزّ فباطلٌ وكنز رفيع الدَّين للنَّاس
[٨١٥]
محمد بن أبي الحسن بن هبة الله بن عمر بن أبي بكر، الشيخ أبو عبد الله الراكبدار الواسطي والدًا وأصلًا، البغًدادي دارًا ومنشأ.
كانت ولادته ببغداد في المحرم سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. كذا ذكر لي لما سألته عنه.
[ ٦ / ٢٢٦ ]
حافظ للقرآن العظيم، عني بسماع الحديث، فأكثر منه، وصاحب أهل الدين، وخالط الصالحين.
ثم تعلم صنعة الركبدارية، فصار طبقة منها، مشهورًا بها، واتصل بالإمام الظاهر – ﵁- وهو ولي عهد، وخدم معه ركبدار؛ ولما أفضت الخلافة إليه، قربه وأدناه، وحظي عنده حيث رآه ماهرًا في صنعته، مشكورًا في طريقته /١٧٤ ب/ ولما انقضت مدة إمامته، ونقله الله تعالى إلى مستقر رحمته، وما أعد له من فضله وكرامته، ومن على العالم بقيام من شملهم بعدله ورأفته، وعمرهم بعميم عطاياه ووافر صدقته؛ وهو الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، أقرَّ محمدًا هذا على ما كان عليه، وأجراه على ما أهل له، وفوّض إليه، وعمّه بالأنعام، وعمره بالعطاء الوافر الأقسام.
وهو رجل آدم، شديد سمرة اللون، شيخ نقي الشيبة، كبير النفس، عالي الهمة، قد أخذ بأطراف الفضائل على اختلافها؛ قرانًا، وحديثًا، وفقهًا، وأدبًا، وشعرًا، وجودًا، وسماحة، وإيثارًا.
وشعره رائق سهل الألفاظ، وهو القائل يمدح المستنصر بالله- رحمة الله- وأنشدنيه بمدينة السلام، بجانبها الشرقي يوم الأربعاء ثاني عشر رمضان سنة تسع وثلاثين وستمائة: [من الوافر]
أدرها باليمين أو الشَّمال فلو كانت حلالًا ما حلا لي
ولا تطفي توقُّدها بماء ففي ياقوتها نور الَّلالي
وصرَّف صرفها بغناء شادً مليح الوجه معشوق الدَّلال
يزيد هوًى ويطمع في الوصال
ولا تخش الهموم على سرور ولا تجزع لحادثة اللَّيالي
/١٧٥ أ/ إذا المستنصر المنصور دامتً له النعماء لم تضرع لحال
وصلنا صولة الأسد الضَّواري على ريب الزَّمان ولم نبال
وباهينا ملوك الأرض جودًا وعدلًا جلًّ عدلك عن مثال
وقلنا ذا إمامُ أو نبنيٌّ كفاه ذا العلا عين الكمال
يبخل بالعطاء السحب كفًّا أفاض على الورى سحب الَّنوال
[ ٦ / ٢٢٧ ]
يعفو عن عظيم الذَّنب حلمًا ويفصح الموالي
أيا مولى الأنام فدتك نفسي وزادك ذو الجلال من الجلال
ولازالت جيوش النصر تسري أمامك في حلول وارتحال
ولا برحت صلاتك كفالات بارزاق العباد بلا زوال
وأنت الغيث إن جدب عزلها وأنت اللَّيث في يوم النَّزال
فعش ما شئت أن تبقى سعيدًا تعم بفضل عدلك والنَّوال
وتفني المارقين بحدَّ عزمٍ وتغني المعتفين عن السؤال
[٨١٦]
محمد بن محمد بن عبد الخالق بن المبارك بن عيسى بن الحسين، أبو عبد الله بن أبي الفضل / ١٧٥ ب/ المعروف بابن الأبريَّ البغداديُّ الحنفيُّ مذهبًا.
فقيه فاضل، صحيح الذهن، جيد الإيراد، حاضر الخاطر، حسن الكلام في المناظرة، تولى القضاء بواسطة، وسار سيرة حسنة مرضية، واعتمد أمورًا موافقةً للشريعة المحمديّة، وهو أحد المعيدين بالمدرسة المستنصرية على الطائفة الحنفية.
سألته عن مولده فذكر أنّه ولد في خامس ذي الحجة سنة خمس وثمانين وخمسمائة.
له فضل، وأدب، وحسن خلق، ودماثة.
أنشدني لنفسه يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من رمضان بالمدرسة المستنصرية، سنة تسع وثلاثين وستمائة، من قصيدة يمدح الخدمة الشريفة المقدسة النبوية الإمامية المستنصرية، ويذكر فيها الدراهم المنعم بها على العالم حفظًا لأديانهم، وصيانة لأموالهم، وتنزيهًا لهم عن الشبهات، بترك تلك المحظورات: [من الكامل]
أبدت لنا قمرًا من السَّجف وتكلَّمت بإشارة الطَّرف
وتستَّرت بمحاسن كشفت عنها فكان السَّتر في الكشف
ومنها:
[ ٦ / ٢٢٨ ]
يا من عرفنا في عوارفهم علميةً معلومة الوصف
/١٧٦ أ/ لكم التَّمكُّن في سموَّكم ولنا عليكم عادة العطف
أعلامكم مرفوعةٌ أبدًا وعدوُّكم ينجرُّ بالحرف
أبدًا وتفَّرق كلَّ ما جمعوا وتصغَّر الآلاف في الألف
وقال أيضًا: [من الطويل]
تعرَّض للأعراض عن عاشق صبَّ وجار بحكم الحسن عن سنن الحبَّ
فصارت ضروب الَّصَّد تخظى بوصله .. إذا ملَّ ضربَّا منه مال إلى ضرب
أذكرته عهد الهوى وحقوقه وما كنت ألقى فيه بالعذل من صحبي
وأنَّي لمَّا كنت قانص سربه تعلَّقت منه قانصًا قانص السَّرب
وإن فاق أيَّام الصَّبأ في وصاله على نفسه منه وأصباه ما يصبي
فعاد بعطف ثم قال معاتبًا فقلت له: لا تفسد العطف بالحبَّ
ودعني من عتب يكدَّر مسربي علىَّ فحسبي بالرَّضا عاتبًا حسبي
[٨١٧]
محمد بن علي بن غازي القاضي، أبو عبد الله الحموي الفقيه الحنفيُّ.
شاب ذو فضائل جمّة، كثير المحفوظ. وكان من جملة محفوظة صحيح مسلم بأسانيده ومتونه، /١٧٦ ب/ وكتاب المفصل للزمخشري، مع مواظبة على تلاوة القرآن المجيد؛ وهو أحد المعيدين بالمدرسة الشريفة المستنصرية، وتولى قضاء واسط، ثم عزل عنها.
وله في المستنصر بالله يمدحه: [من البسيط]
دار السَّلام لها من يمن طلعته سلامةٌ عطبت من دونها الغير
ذو سيرة كسرت كسرى وذا يزن وعن مدى طولها في قصير قصر
ويلٌ لأعدائه من بأسه أبدًا لا ملجاٌ منه ينجيهم ولا وزر
عليه أنار وحي الله شاهدها إلا جماع والنَّصُّ والمعقول والأثر
يستعظم النَّاس أخبارًا لهيبته وعند رؤيته يستصغر الخبر
[ ٦ / ٢٢٩ ]
سطا وأعطى فشمل الشُّكر منتظمٌ له وشمل العدا والمال منتثر
ماذا عسى يستطيع الشَّعر يمدحه وفي مدائحه الآيات والسُّور
يا ثالث العمرين الرَّاشدين ومن على أياديه يثني البدو والحضر
أنت الحقيقة للإسلام حقّ هدًى وما سواك مجارٌ ليس يعتبر
جنَّت إليك أقاليم البلاد وقد أطاعك القادران: السَّعد والقدر
فروَّ من علق الأعداء لاعجها فأنت هادي الورى للفتح منتظر
لازلت مستنصرًا بالله منتصرًا للدين يا خير من للدين ينتصر
/١٧٧ أ/ وقوله وقد أوردها بالمدرسة المستنصرية عقيب مرض عرض له:
[من الكامل]
من كان مفتتحًا بحمد إمامه فلقد أجاد وجاد عقد نظامه
ومن اقتدى بهدى الفتى المستنصر الـ ـمنصور فليبشر بنجح مرامه
فالصَّدق في أقواله والحقُّ في أفعاله والرَّزق من أقلامه
والبأس جدوُّ البأس من عزماته والنَّاس كلُّ النَّاس من أقوامه
والفضل من أحاسبه والفضل من أنسابه والرُّشد من إلهامه
والصَّيد والآساد من أجناده وأفاضل الأملاك من خدَّامه
ما ملك ذي يزن ومن ذا قيصرٌ ما عدل كسرى العدل في أحكامه
من قيس آراء وقسُّ فصاحة من حاتم الإنعام في إنعامه
حرُّ الملوك رقيق حدَّ حدَّ رقيقهً وبروق سطوته بريق حسامه
يا سيد الخلفاء دعوة شاكر شاك إليكم من أليم سقامه
لولا تداويه بيمن ولائكمّْ ما طال عنه حمام يوم حمامه
وافى من الوطن البعيد مهاجرًا فسما ووفَّى اللَّيل في إكرامه
من فضلكم حاز الفوائد والعلا وبفضلكم يرجو بلوغ مرامه
/١٧٧ ب/ ومنها:
إن كان عاصيه يشوق فؤاده فمطيع دجله آخذٌ بزمامه
لازال يخفض بالسَّيوف عداته ويديم رفع الَّدين في أعلامه
[ ٦ / ٢٣٠ ]
وقال أيضًا يمدحه: [من الكامل]
كم مهمة قفر ومرت فدفد جبناه بالنُّوق الكرام الوخَّد
مع رفقةً هجروا لإدراك العلًا شامًا بمعرق سيرهم والمنجد
وتيمموا دًار السَّلام وسلَّموا وتباشروا بهدى أبن عمِّ محمَّد
المقتدي بالمصطفى خير الورى في الهدى نعم المقتدى والمقتدي
إنَّ الإمام الظَّاهر بن النَّاصر بـ ـن المستضيء الماجد المستنجد
التَّائبين العابدين الحامديـ ـن السَّائحين الرَّاكعين السُّجًّد
من دوحة نبويَّة قرشَّة أكرم به فرعًا لأكرم محتد
لمَّا غدوا إنسان إنسًان العلًا لبسوا سواد عيون كلَّ موحَّد
فهم الغصون المثمرات لمجتد وهم البحور الزَّاخرات لمجتدي
ومنها:
يلقى الحروب بلا حقي سابق لمع البروق وأعوجًّ أجرد
/١٧٨ أ/ فتراه ليثًا في الوقائع بلاسلًا بل طود حلم فوق بحر مزبد
حكمت مواضيه على أعدائه بهلاكهم ودمارهم وكأن قد
ومنها:
يا سيَّد الخلفاء دعوة شاكر داع موال مخلص متودَّد
هجر العشيرة والعشير مهاجرًا لأداء فرض في الجنًان مخلَّد
وافيت من وطني حماة بتحفة ومفصَّل من مدحكم ومنضَّد
ووسيلتي إحسانكم وولاؤكم وبضاعتي حفظ الصَّحيح المسند
إن كان يمنعني الشَّباب مطالبي ياليته يبقى وإن صفرت يدي
[ ٦ / ٢٣١ ]
[٨١٨]
محمد بن يحيى بن أبي دلف بن خشرمٍ، أبو عبد الله الواعظ البغدادي.
[ ٦ / ٢٣٢ ]
صحب الفقراء، وخالط الصالحين، وتشاغل بالوعظ، وفتح عليه قبة؛ فكان يجلس في كل جمعة بجامع ابن المطلب، وتحضره الخلق الكثير، وحصل له قبول تام، واستمر بذلك، وصار معروفًا به، ووحظى عند الإمام الظاهر بأمر الله﵁- وأمره بالجلوس ببابب بدر وأنعم عليه بشيء وافر، وتحمل ظاهر ورتَّبه شيخًا بالرباط المجاور لعين ومعين بمشرعة الكرخ، ومقدمًا على من مرّ به.
ولمّا مرض المرضة التي توفي فيها﵁- وصَّى أن يغسله، فأحضر وشرف بمباشرة غسله؛ ثم أقرَّ في الأيام المستنصرية على الجلوس في باب بدر، وأجري عليه من البرّ المتقبل في رجب قدر وافر، يصل إليه في كل رجب.
وهو رجل خيَّر جيد الكلام، حسن العبارة، عذب الإيراد، حاضر الاستشهاد.
/١٧٩ ب/ وهو القائل في الإمام المستنصر بالله، يمدحه﵀: -
[من الوافر]
سبى عقلي سنى البرق التَّهامي وأجب عند عذَّالي التهامي
أضاء على فضاء الجزع وهنًا فخرَّق جيب جلباب الظَّلام
وأسهرني وأسعر نار شوقي وأجرى دمع عيني بابتسام
أيا حادي الرَّفاق دع المطايا تسير إلى العراق بلا زمام
فحادي الشَّوق قلبك قد حداها وهدَّاها إلى دار السَّلام
إلى حرم الخلافة زاد عّزًا فللَّاجي به كلًّ المقام
منادي جوده في كلَّ ناد ينادي أمَّموا ظلَّ الإمام
بنو العبَّاس في الدُّنيا شموسٌ مطالعها من البيت الحرام
بجدَّهم نغاث كما سقينا بجدَّهم شابيب الغمام
وللمستنصر المنصور مجدٌ عريقٌ ثابت الآساس سامي
تلفَّع بردة المختار فخرًا وأيَّد بالقضيب وبالحسام
ويسبق رأيه الرَّايات عزمًا ويقتل روعه قبل السَّهام
[ ٦ / ٢٣٣ ]
فللدُّنيا وللدَّين ابتهاجٌ بدولته المنوطة بالدَّوام
وجودك يا إمام العصر عزٌ وجودك كالخضمَّ العذب طامي
/١٨٠ أ/ أمين الله قد فرضت علينا مديحك منَّه النَّعم الجسام
وما أنا شاعرٌ يقفو القوافي ولكنَّي بحَّبك يا إمامي
أصاب صواب وصفك صفو فكري فكانت روميةً من غير رامي
[٨١٩]
محمد بن هبة الله بن حيدر البغداديُّ، أبو عبد الله، يعرف بابن المليحة.
أحد شعراء الديوان العزيز المستنصري- مجّده الله تعالى-، شاعر جيد حسن المقاصد، متصرف، خدم عن خدم سوادًا وحضرة؛ وهو وكيل أحد السادة الأمراء، أولا الظاهر بأمر الله﵁-.
وهو القائل في مدح الخدمة المستنصرية، زادها الله عزًا وشرفًا، وأوردها بالقرب الشريفة، بالرصافة في موسم رجب: [من الكامل]
ما زاره الطَّيف الملهمُّ مسلَّمًا إلاَّ وودَّعه كراه وسلَّما
ولطالما هجر الكرى لكنَّه جعل الرُّقاد إلى الزَّيارة سلَّما
صبٌ براه الشَّوق حتَّى لم يدع في جسمه لحمًا يبين ولا دمًا
لو تستطيع دموعه كانت له من طول ما يبكي المنازل لوَّما
/١٨٠ ب/ يصبو إلى الوطن القديم برامة متأسَّفًا ويشوقه ذكر الحمى
لم يبق فيه معلمًا إلاَّ وقدً وشَّاه ثوبًا بالمدامع معلما
حتَّى غدا قد عاودته يد النَّوى عينًا مسهَّدةً وقلبًا مغرما
كم عاذل ظنَّ الملام يفيده عتبًا فأقسم لا يفيق متَّيمًا
أتراه رام به سلوًَّا بعدما أخذ الهوى بعنانة فاستسلما
كلاَّ وزمزم والحطيم ومن سعى بالبيت مستلمًا ولبَّى محرما
وندى أمير المؤمنين فإنَّه قسمٌ يراه فريضةً من أقسما
خير الخلائف من سلالة هاشمٍ ينتابه خلف الغيوم السُّجما
[ ٦ / ٢٣٤ ]
مستنصر بالله نور جبينه نور جبينه يجلو ظلام الخطب أتَّى أظلما!
كم فكَّ مأسورًا وآمن خائفًا وأجاب مضطرًّا وأغنى معدما
وأجار من جور اللَّيالي عدله من آداه صرف الزَّمان وحطَّما
يدنو حباه للعفاة ولم يزل يعفو عن الجاني المقرَّ تكرُّما
جودٌ يقلُّ له السَّحاب يزينه حلمٌ يصغَّر يذبلًا ويلملما
ويومي يوم ندًى فلو أنَّ الحيا يحكيه عمَّ العالمين إذا هما
يدنو حباه للعفاة ولم يزل يعفو عن الجاني المقرَّ تكرَّما
جودٌ يقلُّ السَّحاب يزينه حلمٌ يصغَّر يذبلًا ويلملما
ويومي يوم ندًى فلو أنَّ الحيا يحكيه عمَّ العالمين إذا هما
من معشر ورثوا المشاعر والصَّفا والرُّكن والبيت الحرام وزمزما
/١٨١ أ/ وعليهم نزل الكتاب ومنهم عرف الصَّواب وكان قدمًا مبهما
وبهم يرجَّي في المعاد شفاعًة من جاء من زلاَّته متندَّما
والحوض حوضهم الَّذي استسقى به من خاف يوم الحشر من حرَّ الظَّما
فلهم على الدَّارين حكمٌ نافذٌ أمضى الإله نفوذه فاستحكما
حتى لقد أحيا الخليفة ذكرهم جودًا وعدلًا في البريَّة قد نما
أيَّامه الغرُّ الحسان مواسمٌ فلذاك ما خصَّ التَّهاني موسما
والدَّهر يكشر فعله فلو أنَّه يسطيع نطقًا همَّ أن يتكلَّما
فاسلم أمير المؤمنين معمرًا أبدًا كما تهوى البقاء مسلَّما
وتنهَّ بالشَّهر الأصمَّ مؤيَّدًا فالله نسأل أن تعيش وتسلما
المواسم والشهور ممتَّعًا ملكًا على هام النُّجوم مخيَّما
لازلت منصور الجيوش مظفَّرًا يجري بما تهوى القضاء المبرما
وقال أيضًا يمدحه، ويهنّيه بشهر رمضان: [من الكامل]
ما لامني فيك العذول مفنَّدًا إلاَّ وأتهم في هواك وأنجدا
وأثار بين جوانحي بملامه نارًا يبيت لهيبها متوقَّدا
/١٨١ ب/ يا مفردًا في حسنه وجماله أصبحت من ولهي بحبَّك مفردا
ته كيف شئت ونم هنيئًا إنني أمسيت ذا وجد عليك مسَّدا
ته كيف شئت ونم هنيئًا إنَّني أمسيت ذا وجد عليك مسهَّدا
لي فيك قلبٌ لا يزال متيَّمًا أبدًا ونومٌ لا يزال مشرَّدا
حتَّى م توليني جفاك فكلَّما أبديت لي هجرًا بذلت توددا
وإلى م أظلما في هواك وقد غدت من فرط شوقي أدمعي لك موردا
[ ٦ / ٢٣٥ ]
ما بال قلبك كلَّما رقَّت له في حسنها خدَّاك أضحى جلمدا
وعلى م لحظك قاتلٌ بفتوره في جفنه والسَّيف ينبو مغمدا
وجفون عيني ما تحدَّر دمعها إلاَّ تلقَّاه الأسى مستصعدا
فاضت شابيب السَّحّاب كأنَّما مدَّ الخليفة من نداه لها مدى
خير الخلائف من سلالة هاشم وأجلُّهم قدرًا وأعلى محتدا
مستنصرٌ بالله منصورٌ به عذب الرَّضا حلو الجنى داني النَّدى
أعطى فبخَّل جوده صوب الحيا وسطا فأردى بأسه صرف الرَّدى
وأجار من جور اللَّيالي عدله فالشَّاة لا تخشى الهزبر الملبدا
خيفت مهابته وآمن جوده من خاف من جور الزَّمان إذا اعتدى
ما شام بارق بشره باغي ندًى إلاَّ تهلَّل للندى نور الهدى
/١٨٢ أ/ وبدت له سييما النَّبيِّ محمد فكأنَّما ألقى النَّبيَّ محمَّدا
هذا الخليفة في البريَّة رحمةٌ تركت فسوَّت بالقريب الأبعدا
فالله يحرسه ويحرس ملكه أبدًا على مرَّ الزَّمان مخلَّدا
حتَّى تمتَّع بالبقاء فدهرنا ندعو الإله بأن يعيش مؤَّبدا
والله يسعده بشهر الصَّوم فالدُّ نيا وأهليها به قد أسعدا
وإذا حى أجر الصَّيام مضاعفًا باليمن فالإكمال فيه عبَّدا
أبدًا على مرَّ اللَّيالي لابسًا ثوب البقاء مدى الدُّهور مجدَّدا
[٨٢٠]
محمد بن فاخر بن شجير البغداديُّ، أبو عبد الله
شاب فاضل، نشأ مشتغلًا بالنحو، حصل منه طرفًا جيدًا، ويقول شعرًا حسنًا. ومن شعره في مدح المستنصر بالله- صلوات الله [عليه]- ويعرض بذكر زلزلة عرضت ببغداد، عند زيارة الركاب الشريف بعض الأماكن المحترمة، فقال وأنشدنيه في أواخر
[ ٦ / ٢٣٦ ]
شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وستمائة، بمدينة السلام، بجانبها الشرقي: [من الكامل]
/١٨٢ ب/ حتَّى م في سفه وفي إغفاء والورد يدعونا إلى الصَّهباء
والجوُّ من عبق النَّسيًم ممسَّكٌ والأفق منه معنبر الأرجاء
أفما ترى الأغصان مسن نضارًة في حلَّة من سندس خضراء
من صنعة القطن الَّذي لم ينتسب تفويف صنتها إلى صنعاء
فاشرب على زهر الرَّبيع سلافةً لطفت عن الإدراك والإيماء
راقت ورقَّ نسيمها فللطفها تسري مسير الرُّوح في الأعضاء
بكرًا على فرع المزاج مسنُّةً عجبًا لها من ثيَّب عذراء
لم يغنها درع الحباب وقد غدت مقتولًة عمدًا بسيًف الماء
ما العيش إلَّا شربها في روضة قد كلَّلت بلالئ الأنداء
مذكورة الأنهار نام ظلُّهًا أزهارها تحكي نجوم سماء
نشوانًة أغصانها قبًل الصَّبا أهدت لها كأسًا من الصَّهباء
أو أنَّها غارت فمالت نشوًة لمدائحي في سيَّد الخلفاء
مولًى يذل له الزَّمان المعتدي ذلَّ العبيد لعزَّة الأمراء
أغنى العباد عن الجهاد بنائل ومواهب غمرتهم وعطاء
ولقد أقول وما نطقت بباطًل والحقُّ متَّضحٌ بغير خفاء
/١٨٣ أ/ ما زلزت بغداد بل من عدلًه طربت فقد رقصت من السرَّاء
إذا كان ما زعموا فغير ملومة شوقًا إلى ذي العزَّة القعساء
هذا الجمال فكيف بالمهج التي أحييتها بالأمن والنَّعماء
فاسلم على الإسلام وابق مخلَّدًا ماكراَّ إصباحٌ وراء مساء
[٨٢١]
محمد بن إبراهيم بن أميّة بن عليَّ بن خلف، أبو عبد الله العبدريُّ
من أهل ميورقة من بلاد الأندلس
[ ٦ / ٢٣٧ ]
شاب أشقر قصير، من حفّاظ القرآن العزيز، زعم أنَّه درس صدرًا من علم العربية وأتقنه. نزل حلب واستوطنها يسترزق من الوراقة والنسخ؛ وذكر أنَّه ولد سنة عشر وستمائة، ويقول الشعر.
أنشدني لنفسه بحلب، وكتبه لي بخطه في سنة أربعين وستمائة: [من الكامل]
عج بالكثيب المستهام وسر به متيمَّمًا نحو العقيق وسربه
وانشد فؤادًا ضلَّ فيه وقل لهم ليس المتيَّم آمنًا في سربه
واسفح بسفح الأبرقين وتربه سحب الدُّموع على تشتُّت تربه
١٨٣ ب/ فلعلَّه يقضي لبانة نفسه من قبل أن يقضي بلوعه حبَّه
يا مدنفًا عبث السَّقام بجسمه ومتيَّا لعب الغرام بلبَّه
وطوى السُّرور لبينهم يوم النَّوى طيَّ الأديب اللَّوذعيَّ لكتبه
خفَّض فديتك زفرةً أبديتها وتلاف جفنك من إساله غربه
كي لا يقال من الصبابة قد صبا وتضرَّمت حرق الجوى في خلبه
ومهفهف ملك القلوب بحسنه وسبى العقول بغنجه وبعجبه
لدن المعاطف كالقضيب إذا انثنى حلو المراشف والمقبل عذبه
سلس المقال من اللَّطافة سهلة عسر الوصال من القطيعة صعبه
يقري المعنَّى من سلوةً وتجهُّمًا ويظلُّ يعمل فكره في خلبه
أخدى السَّقام لجسمه ولطرفه فرط السُّهاد وصدَّه عن قربه
يا لائم الصَّبَّ الشَّجي بحبَّه أقصر بليت بدائه من عتبه
شتَّان بينكما تبيت منعَّمًا ويبيت ملتهب الحشا من كربه
وقال أيضًا: [من الطويل]
سلامٌ يباري المسك والمندل الرَّطبا ونشر نسيم الرَّوض عن هبَّا
عليكم يبثُّ الشَّوق منَّي إليكم ويمنحكم محض المودَّة والقربا
/١٨٤ أ/ تحية نائي الدَّار فالأهل ما قضى له وطرًا لكن قضى نحبه نحبا
[ ٦ / ٢٣٨ ]
يحنُّ إذا هبَّ النَّسيم صبابًة إليكم وسلَّ البرق من ومضه عضبا
ويستنجد الصبر الجميل إذا جرى حديثكم يومًا فهاج له كربا
لعمري ما تأخيري كتبي عن قلى ولا ملل منَّي فأستوجب العتبا
ولكن ريب الدَّهر يا صاح مولعٌ بتشتيت شمل المرء تبَّا له تبّا
تطوَّحه أيدي النوى عن فترمي به شرقًا وطورًا به غربا
لحا الله من لا يقبل العذر من أخ ويوسعه عفوًا وإن قارف الذَّنبا
عليكم سلام الله ما جنَّ غاسقٌ وما جنَّ شوقًا عاشقٌ أو رعى الشهُّبا
وما شرَّقت شمس النَّهار وأشرقت وما صدَّ أحوى الطَّرف عن مدنف عجبا
وله أيضًا: [من الطويل]
أثمَّ محيًّا نجتلي وجه أغيد وأحلى حديث لا يملُّ عتابه
وأحسن زهر يجتنى ورد خدَّه وأعذب ورد يستلدُّ رضابه
وله أيضًا: [من الطويل]
خليلي لوما في الهوى الصَّب أو دعا فليس وإن عنَّفتما عنه مقلعا
وهل يرعوي في الحبَّ حرَّان قد غدا من الوجد لا يصغى إلى العذل مسمعا
/١٨٤ ب/ وهل يستطيع الواله الصَّبُّ سلوةً وقدبان من يهواه عنه وودَّعا
وأودع ما بين الجوانح جذوةً فضرَّمها داعي التَّفرق إذا دعا
وقلقل أحشاء المتيَّم لوعةً فأصبح مذعورًا الفؤاد مفجَّعا
يهيم العذيب إذا سرى نسيمٌ عليك منهم فتضوَّعا
تمازجه أنفاسهم فكانَّما تحمَّل مسكًا أذفرًا فيه مودعا
[٨٢٢]
محمد بن سالم بن مطر بن حمد بن سالم بن مطر بن مسلم بن أبو عبد الله القبيضي الموصلي.
من أهل القبيصة، وهي قريٌة من قرايا الموصل شرقيَّها
[ ٦ / ٢٣٩ ]
نزل حلب، وسكن بعض مدارسها، متفقهًا وجاد خاطره بالشعر، وقال منه كثيرًا وسلك فيه مذهبًا حسنًا في صناعته.
أنشدني منه جملة وافرة، ومما أنشدني قوله بحلب سنة أربعين وستمائة:
[من الكامل]
لو كان في جفنٌ يلمُّ به الكرى لرجوت أن ألقى الخيال إذا سرى
لكن قضى من لا أعرَّض خيفة الـ ـواشي بذكر جماله أن اسهرا
رضاٌ يصول من الجفون بأبيض ويهزُّ من لدن المعاطف أسمرا
/١٨٥ أ/ نزلت باية حسنة سور الجوًى تتلى بألفاظ الغرام على الورى
لي فيه جفنٌ ما تألق بارقٌ للبين من مغناه إلَّا أمطرا
أضحى لمنصور الجمال يدٌ على سفَّاحة فلذلك يغدق جعفرا
لولا يا عاذلي منَّي الطُّلول كما ترى
ولما أباح لي الولوع من الأسى في مذهب الوجد النَّصيب الأوفرا
وسفحت في سفح اللَّوى دمعًا متى حرقًا جرى ذكر العقيق له جرى
وإذا شككت فخذ حديث كابتي من عبرتي فحديثها لا يفترى
أغريب ذاك الحيَّ برح صبابتي بكم أنزَّه سرَّه أن ينشرا
أيضام قلب الصَّبَّ وهو نزيلكم ويصد عنه وشمية العرب القرى
أحبابنا حاشى حفاظ مودَّتي لكم بطول البعد أن يتغيَّرا
أحسنت ظنَّي في الهوى بجمالكم فسواء جرتم أو عدلتم لا أرى
وإلى سواكم لا شكوت صبابتي في الدَّهر طوَّل عاذلي أو قصَّرا
وأنشدني أيضًا لنفسه، من قصيدة يمدح بها الملك الصالح أحمد بن الملك الظاهر /١٨٥ ب/ غياث الدين غازي بن يوسف: [من الرجز]
لو صقت بوعده وعوده لما وفى بهجره وعيده
بدر دجًى فتَّر عن مؤشَّر شفاء داء صبَّه بروده
[ ٦ / ٢٤٠ ]
للغصن من أعطافه شمائلٌ وللغزال طرفه وجيده
يشرق صبح الحسن من جبينه إذا بدا ويجتلي عموده
له بديع مهجتي خميلةٌ وفي فؤادي لوعتي زروده
لولا فتور لحظة ما خضعت يومًا لآرام النَّقا أسوده
برَّح بي في حبه رقيبه وصدَّ عن جفني الكرى عتيده
أضحى لطرفيَّ بروق هجره سحائب يحسنها رعوده
وكيف يرجى قربه وللنوى حوادثٌ عن قربه تذوده
عليَّ من عروض بحر حبَّه دائرةٌ أسبابها صدوره
فوافر الصَّبر الَّذي أدخرته لهجرة قطعه مديده
يا كعبة الحسن الَّذي للحظه مهنَّدٌ شاهده شهيده
وحَّدك القلب فدار لوعًة بغير معناك ولا سجوده
وقلب صبَّ كلَّما نازعه العاذل في سلوَّه يزيده
/١٨٦ أ/ كالملك الصالح ما عذلته على النَّدى إلَّا وزاد جوده
ملكٌ سجاياه على مكانة إذا ادَّعى فضيلةً شهوده
يحمي حمى مجلسه طارفًه ويتَّقي عنه الرَّدى تليده
فالنَّصر حيث تبتلى جيوشه والعزُّ حيث تجتلى بنوده
إكسيره للكيمياء ذكره والجود من راحته تصعيده
وأنشدني لنفسه، يمدح المولى الصاحب الوزير العالم مؤيد الدين أبا نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيباني- أدم الله توفيقه وتسديده-: [من الخفيف]
أيُّها الصَّاحب الَّذي فضله البا هر بين الأنام لا يستطاع
والَّذي لم يزل بذكر مساعيـ ـه جلالًا تشنف الأسماع
لتباطيك المنيع نوال ليس فيه عن العفاة امتناع
جمع المجد بشره بالعطايا فعلى سعد نشره الإجماع
أروعٌ ينثر بنظم الجزم إذ لدنه القويم اليراع
[ ٦ / ٢٤١ ]
ولكم القراع الرقاع
/١٨٦ ب/ فمساعيه ليس فيها إذا نو زع في المكرمات قومٌ نزاع
ولعمري لولا نداك لما قا مَّ لشرع السَّماح يومًا شراع
أيُّها الصَّاحب الوزير ومن يصـ ـرف بالعدل كلَّ خطب يطاع
والَّذي لم يزل به لجناب الـ ـملك عزٌ مذ ساسه وارتفاع
بي إلى لثم ثغر ظلَّك شوق أبدًا تستفزُّ الأطماع
حرمٌ حجُّة على أربي فز ضٌ وسعيي إليه فيه انتفاع
ومديحي إن ضغت عقد ثنائي لسوى جيده الأثيل الضَّياع
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا يمدحه: [من مجزوء الكامل]
يا غائبًا وخياله .. في القلب منَّى حاضر
ومهفهفًا أنسي به وهو الغزال النَّافر
أشكو إليك هوًى به ربع التَّجلد داثر
وجوى أقام بمهجتي وله فؤادي طائر
وأما وخد ورده يحميه طرفٌ ساحر
وبنظم ثغر درُّه لعقيق دمعي ناثر
إنَّ الغرام كما عهد ت وفوق ما أنا ذاكر
/١٨٧ أ/ وعلي عامل قدَّك الـ ـلَّدن المثقَّف ناظر
يا هاجري رفقًا بمن هو في حماك مهاجر
لجمال وجهك في النَّوى سلطان حسن قاهر
ما للصبابة أوَّل اليوم هجرك آخر
ونهى العذول وكيف والـ ـوجد المبرَّح آمر
يا راقدًا لي ناظرٌ ساه لبعدك ساهر
صبٌ جواه وصبره واف عليك وغادر
يا من شمائله على قتًل المحبَّ تظافر
ليلي مديدٌ مذ هجر ت وفرط شوقي وافر
أنا لا أخاف إذا ألمُّ بحادث وأحاذر
[ ٦ / ٢٤٢ ]
ومؤيَّد الدَّين الوزيـ ـر لكسر قلبي جابر
مولًى سحاب نواله هامي الماثر هامر
من بشره في كلَّ وجـ ـه للمقاصد ظاهر
وبه أطارحً في السَّما ح ذوي العلا وأناظر
ولمجده في كلَّ نا حية حديثٌ سائر
/١٨٧ ب/ وأنشدني لنفسه، في رجل شيعي المذهب، غال في التشيع، من أهل الحلة المزيدية، ورد حلف، وأقبلوا عليه الشيعة، وتعصبوا له، فظهر يومًا منه في حق الصحابة كلام قبيح، فأخذه صاحب الأمر يومئذ، فشهره وأركبه حمارًا، وصفعه وطيف به في المدينة، فقال في ذلك أبو عبد الله محمد بن سالم: [من السريع]
قل لذوي الرَّفض وأشياعهم يا ذا العلا قول فتًى مثلي
لا تظهروا في حلب فتنةً ويحكم عودوا عن الجهل
وميِّزوا الأمر بطرف النهى ففرع ذا الأمر بلا أصل
وإن أبوا من بعد ذا نصحهم قد سمعوا ما حلَّ بالحلِّي
وأنشدني لنفسه أيضًا من غزل قصيدة أولها: [من الرمل]
خذ أحاديث الهوى العذري عنَّي فلوجدي فيه يروى كلُّ فنِّ
وإذا كرَّر أنَّات الأسى بلسان الدَّمع جفني لا تلمني
/١٨٨ أ/ إن ثناك العذل عن برح الجوى يا فؤادي سلوًة ما أن منِّي
أيُّها اللاَّئمي نصحًا في الهوى أنا لا أقبل نصح اللَّوم دعني
وإذا كنت معيني رحمًة فعلى الأطلال بالدَّمع أعنِّي
بي جوًى يا حبَّذا فيه الضَّنى والهوى أعذبه ما كان يضني
أوما هاتيك أعلام النَّقا فإذا لم أبكها ما عذر جفني
يا غزال الجزع من سفح اللَّوى هات حدَّثنا عن الظبي الأغنِّ
واحكه لحظًا وإن فاتك من قدِّه معتدلًا ذاك التَّثني
أيُّها الشَّاكي تجنِّي إلفه في الهوى أهون ما عندي التَّجنِّي
كلَّما زاد جمالًا قاتلي قلت: يا باعث فرط الشُّوق زدني!
وعلى البان حمامٌ كلَّما بات يدعو إلفه، جدَّد حزني
[ ٦ / ٢٤٣ ]
يدعي ما أدَّعي واعجبًا منه إذ أبكي غرامًا ويغنَّي!
وأنشدني أيضًا لنفسه، في صبىّ يعرف بالماء ورد؛ فحضر عند صديق، وأنفذ خلفه، وقال: قم إلى الماء ورد فهو يستدعيك؛ فعمل أبو عبد الله بديهة مع الرسول هذه الأبيات: [من المديد]
/١٨٨ أ/ أيُّها المولى الشِّهاب ومن ذكره بين الورى ساري
والَّذي لولا مكارمه ما حلت في الدَّهر أشعاري
أخرج الماورد عنك فما تصطلي يا ذا العلا ناري
واغتنم شكري علاك ففي ترك شكري غاية العار
لا يرى الماورد في بلدٍ قطُّ إلاَّ عند عطَّار
وأنشدني أيضًا لنفسه، في غلام خيّاط، كان يعشقه شخص، وكان أبو عبد الله يطبّب العاشق: [من مجزوء الرمل]
أيُّها الغائب عنِّي وهو في دارة قلبي
والَّذي لا أتمنَّى غير أن يحييه رِّبي
لك مني خير خلِّ راح في بعد وقرب
واقفًا في كل حالٍ كيف ما تدعًو يلبِّي
والًّذي أنصح مولاي به من دون صحبي
إنَّ عندي لك ما يغنيك عن أكل وشرب
غصن بان بدرتمًّ طالعٌ من تحت شرب
/١٨٩ أ/ أنت ذو جسم عليل وفؤاد فيه صبِّ
وأنا يا غايتي القصـ ـوى كمًا تعرف طبِّي
وسوى ذا أنَّ من تهـ ـواه عندي وبجنبي
وأنشدني من شعره، يمدح القاضي كمال الدين أبا بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الأسدي، قاضي حلب: [من مخلّع البسيط]
مولاي قاضي القضاة يا من خدمته أشرف المعالي
ومن نداه بكلِّ حالٍ وجاهه دائمًا معًا لي
[ ٦ / ٢٤٤ ]
أنظر فداك الأنام طرًّا من جور دهري في أمر حالي
عساه يمسي ياذا المعالي بعقد [هذا] السَّماح حالي
يا ما جدًا لم يدر يمينًا بمدحة غيره ببالي
أرف بنعماك ثوب صبر منَّي على النَّائبات بالي
[وفز بحمد كالمسك عرفًا من عبدك الشَّاكر المولى]
وهكذا لم تزل لعلمي تقصد ساداتها الموالي
يا من نداه في كلِّ يوم يشير نحوي على التَّوالي
لو شئت ألوى الزَّمان عنِّي بكفِّ نعماك لا لتوى لي
/١٨٩ ب/ أصبح من عدلك البرايا دام لك العزُّ في ظلال
وليس يخشى من راح يهدى بأحمد وقفة الضَّلال
حسبي أنَّي أتيت أرجو كمال حظِّي من الكمال
وراجيًا أن يموت غيظًا حاسد فضلي أسًى كمالي
وأنعم على بهذه الأبيات، قالها حين سمع إنني قد أنزلته في كتابي هذا، وأثنيت عليه، فسيرها إلىّ: [من الخفيف]
يافلًان الدِّين الَّذي ساد إذا شا د لأهل القريض رٌكن المعالي
والَّذي شاع ذكره العذب إذ صا غ لهم ما غدا به الفضل حالي
أيُّ نحر خلا لغادة بحر من معان قلَّدته كاللآلي
بمساع قد أعجزت كل ساعً ومعال من دونها كلُّ عالي
غبَّرتً حين حبِّرت حلل الًا داب في أوجه العصور الخوالي
يا أجلَّ الأنام طرًّا محلًا وأجلَّ الأنام في الإجلال
كان ثغر القريض لولاك تنغور المباني وبال بانيه بالي
ولعمري ما الروض راضته أيدي الـ ـمزن جودًا بالوابل الهطًّال
/١٩٠ أ/ بين دوح عليه للورق نوحٌ وظلال مشفوعة بظلال
ونسيم الصَّبا يهزُّ قدود الـ ـبان تيه الصَّبا بكفًّ الدَّلال
[ ٦ / ٢٤٥ ]
يرقص الدَّوح كلَّما صقَّق الـ ـماء بها في الغدوِّ والآصال
كطروس رقَّمتها بسطور الـ ـحمد في وجنة العلا للجمال
من كتاب جمعت فيه من الآ داب روح الألباب لبَّ المقال
نصبته نعًماك كعبة ذكر للمًعالي على ممرِّ اللَّيالي
فعليه صلاة كلِّ صلاة وإليه توجه الآمال
وله تسجد التَّصانيف من مذ هب أهل القريض في كل حال
سيَّما كلَّما تلا النَّاس آيا ت معانيه في مجال جدال
ولعمري للأرواع الأبـ ـرع يومًا إليه شدُّ الرِّحال
وقريبٌ كماله في معانيـ ـه إذا كان نشو ذكر الكمال
[٨٢٣]
محمد بن عبد الكافي بن الياس بن محمود بن عبد الملك، أبو عبد الله البغداديُّ.
قال الوزير الصاحب أبو البركات المستوفي- رحمة الله تعالى-: كان أبوه خازن دار الكتب ببغداد، وعزل عنها. ورد إربل في صفر سنة ثمان وعشرين وستمائة؛ /١٩٠ ب/ شاب ربعة يعظ. سألته عن مولده، فقال: ولدت في يوم الخميس ثامن صفر سنة ثلاث وستمائة.
ثم قال أنشدني لنفسه يتغزل: [من الخفيف]
صاد قلبي وزاد في بلواه وجفاني مهفهفٌ أهواه
خنث الدَّل أهيف القدِّميَّا سٌ بديع الجمال عذبٌ لماه
ساحر الطَّرف لا يرق لصبًّ فتنته بحسنها عيناه
ومريض يحبُّه كلُّ آسيه وفي آس عارضيه شفاه
قدُّ الذَّبل الرَّشيق وعينا هـ سهامٌ تصمي الَّذي يهواه
يتثنَّى، فينثني عزم سلوا ني ويأبى إلاّله ورضاه
[ ٦ / ٢٤٦ ]
عقد سحر الجفون حلَّ اصطباري عن سلوِّى فلم أحل عن هواه
خان عهدي فواصلت عبراتي آه من هجره وطول جفاه
فدوائي لثم المراشف منه وشفائي فيما حوت شفتاه
[٨٢٤]
محمد بن عبد اللطيف بن أبي الفتح بن أبي نصر، أبو عبد الله التبريزيُّ.
ويكتب في نسبته: "النثري ذو البيانين" لتعاطيه نوع المنثور دون المنظوم.
أخبرني أنه ولد بتبريز /١٩١ أ/ سنة أربع وسبعين وخمسمائة. وشدا طرفًا من العلم في صباه، واعتنى بصناعة النثر، وتعاطي الكلام المسجوع والقرائن. وكان يتبع الكلمة بما وازنها ويلحقها بأختها، تشبهًا بطريقة وطواط الكاتب، فيما كان ينشئه؛ غير أنه يبين فيما يعمله تكلُّفٌ وركاكة؛ للزومه الأسلوب الذي يتوخاه، وله شعر بارد، وكان ذا هوس شديد في الطلسمات والنجوم.
نزل الموصل وسكنها مدة طويلة، وانضاف إلى خدمة بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله، وأجرى عليه رزقًا، وصار أحد ندمائه وجلسائه؛ ثم فارق خدمته وسافر إلى بلاد الشام، ونزل حلب، وأقام بها مديدة، وعاد إلى الموصل، فمكث بها شهورًا، وتوفي في ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وستمائة.
وكان رجلًا مفَّوهًا بالكلام، ذا فصاحة في لسانه، هدّارًا لسنًا، حسن المنطق، عذب الإيراد، يتشدق في إنشاده. وكان مليح الشكل، نظيف البَّزة، جميل الهيأة.
من شعره ما أنشدني لنفسه بالموصل، يمدح بدر الدين أبا الفضائل لؤلؤ بن عبد الله- صاحب الموصل-: [من الطويل]
نسيم الصَّباعج بالخيام رسولًا تجد عندها برد الحياة وسولا
[ ٦ / ٢٤٧ ]
/١٩١ ب/ وحيَّي مليك الأرض تحظ بقربه تنل غررًا من جوده وحجولًا
تأنَّ إذا بادرت نحو جنابه وعرَّج برفق لا يراك عجولًا
وإنَّك إن لم تعتضد بجلاله أفادك شوب الحادثات ذبولًا
وجانب ملوك الأرض عند لقائه فأخلاقه للمكرمات هيولى
تر العدل والإحسان والعزَّ والعلا جنائبه في سيره وخيولًا
مليكٌ إذا ما جئت تطلب رفده أفاض من النُّعمى عليك سيولا
من النَّفر البيض الَّذين برأيهم يجرُّون فوق الكائنات ذيولًا
هو البدر والعلياء تحوي منازلًا وحشمته فيها تحلُّ حلولًا
أرى الدَّهر لمَّا أن أرانا بعاده أحلَّ بناريب الزَّمان غلولًا
فصرنا فروعًا لأبقاء لذاتنا كقضبان بان قد فقدن أصولًا
ألا بح بأشواقي وكرر مدائحي وبلِّلغ دعائي دائمًا وفضولًا
فلو سامح الدًّهر [الخؤون] بنظرة وصلت إلى ذاك الجناب وصولًا
وهنَّئت مولى العالمين مبشَّرًا بفتح جديد أو لكنت أصولًا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من السريع]
مالك لا تبكي بدمع هتون قد كسَّر الموت متون المتون
/١٩٢ أ/ إذ قال جبريل وهم صامتون إنَّك ميِّتٌ وهم ميِّتون
وأنشدني كثيرًا من اشعاره، وعلقت منها جملة، إلاّ أنني استبردتها، وهذه نبذ من نثره الذي كان يستعمله، ما كتبه إلى شهاب الدين طغكين بحلب.
"عبد ولائه، عند بلائه، وهجير لاوائه، يستجير بلوائه، وينتمي إلى كره الغامر، ويحتمي بحرمه العامر، شاطرًا سننه، ذاكرًا سننه. ويشتهي أن ينتهي بالصعود إلى السعود، بالارتقاء إلى اللقاء، وبالحركة إلى البركة، ويفوه بما ألفوه من الثناء في الأثناء، على علا خلاله وجلاله- صانه الله كما زانه الإله-، معرّضًا عن التثقيل، متعرّضًا بما قيل:
[من الطويل]
خذوني رخيصًا باحتياجي إليكم ويرخص عند الإحتياج مبيع
وما أنا إلا المسك ضاع فعندكم يضوع وعند الأرذلين يضيع
[ ٦ / ٢٤٨ ]
لا زال لهزال الآمال بالمال مسمّنًا، وفي النزال للرجال عن الآجال مؤمنًا، والسلام".
وله إلى المهذب نائب المستوفي بالرّوم:
/١٩٢ ب/ "الخادم القادم، ينادم الولاء، ويصادم البلاء، بقدومه على علا مخدومه، مع أنه جمع أنه، لائذٌ بحرمه، عائذٌ بكرمه، متكفلٌ لولائه، متطفلٌ على عليائه، ناشرٌ سناه، ناثٌر ثناه، ذاكرٌ نجده، شاكرٌ مجده، حافظٌ على الدعاء، لاقطٌ للإدعاء، جائٌل في الأرجاء، قائٌل بالرجاء:
[من المتقارب]
إذا أمَّني حادثٌ كارثٌ فليس ملاذي سوى بابه
وذاك لأنَّ المعالي إذا أتيحت حللن بألبابه
لا زال لهزال الآمال، كعبة الأعمال، على الإجمال، بمحمد وآله خير الآل".
وله يرثي بعض الجهات:
"أما ترى إلى هذه الرزيَّة المكدرة، وما جرى لهذه الرضيَّة المخدَّرة، رجعت القهقرى، وأضجعت في الثرى، واحجبت بالتُّراب عن الأتراب"
وله في فصل طويل يقول منه:
"يا ثمال الفصحاء، ويا جمال النصحاء، حيّاكم الله، وبيّاكم الإله! . قد تقرر في الأذهان، وتحررّ بالبرهان؛ أن الطول والعلا، والحول والاستيلاء، للعلي الأزلي، يفيد ويبيد ويعيد، ويفعل /١٩٣ أ/ الله ما يشاء ويحكم ما يريد".
يقول منه:
"الملك المعظم، والأتابك الأعظم، الملك القاهر، والفلك الزاهر؛ عز الدين، وكنز الخدين، الليث الحامي، والغيث الهامي، والنور اللامع، والسور الجامع، كورة الفطنة، وباكورة السلطنة، سليل السيادة، وأكليل السعادة، نور سيما جبين اللآلي، مهَّد الله قواعد دولته، وتعهد الإله
[ ٦ / ٢٤٩ ]
سواعد صولته، ما نثر مقول، وبعثر معقول، وعسعس الديجور، وتنفس المهجور".
وله كثيرٌ من هذا الجنس.
[٨٢٥]
محمد بن عبد المحسن بن محمد بن عبد الله القرشيُّ، أبو عبد الله.
من أهل مصر.
كانت ولادته بها، في سنة ثلاث وستمائة تقريبًا.
قرأ القرآن العزيز على جماعة من المشايخ بالقدس، وجوّد القرارات بدمشق، ويلزم نفسه بالرياضة والمجاهدة، ويسلك مسلك أولى المعارف، وذوي الأحوال، ويسافر على قدم التجريد، ويؤثر العزلة عن الناس، /١٩٣ ب/ والإنفراد بنفسه والخلوة، لا يختار مخالطتهم ومعاشرتهم، وفي معظم أوقاته يرى منقبضًا منهم، متجنبًا عن لقائهم، يبقى الخمسة والستة الأيام، لا يتناول فيها طعامًا ولا شرابًا البتة؛ وهو قائم بذات نفسه، ويروِّضها بالجوع، ومنع الشهوات، وخشونة الملبس. ولم يزل تلك الأيام في صلاة وفي تسبيح، وذكر لله تعالى، فاكتسب بهذه الرياضة؛ ضيق العطن، وإساءة الخلق، وجفاءٌ الطبع، وفراغ الرأس.
ويخطر له خاطر في الشعر؛ فينظم منه عدّة مقطعات، ثم يتراءى له في تلك الحال، فيأخذه فيمزقه ويغسله، ولم يظهر منه شيئًا أصلًا؛ لكوهنة تعتريه، وسوداء تغلب عليه.
شاهدته بحلب في محرم سنة خمس وخمسمائة، وسألته أن يملي علىّ شيئًا من أشعاره، فامتنع ساعًة، وأملى على منها، وكتبته عنه، فمن ذلك ما أنشدني لنفسه:
[من الكامل]
نحوي سرت كلُّ المسرَّة فاعملوا من واصل المحبوب فهو منعَّم
عندي أقام الحبُّ أجمع كلُّه فله بصدري منزلٌ ومخيَّم
ومناولاتٌ عندهن مظاهرٌ فيها مقاماتٌ تجلُّ وتكرم
/١٩٤ أ/ أصبحت ما بين الأنام منكَّرًا متخفَّيًا متجلببًا لا أفهم
[ ٦ / ٢٥٠ ]
واصلتهم فقطعتهم وعرفتهم فحجبتهم عنِّي ومثلي يكتم
مال الزُّهد والتَّسبيح فقرٌ خالصٌ كلاَّ ولا عريٌ كأنَّك محرم
ما الفقر قول لا ولا هو صورةٌ بل ذاك أعلى أن يحدَّ وأعظم
سرٌّ أرقُّ من النَّسيم لطاقةً حرفٌ على كلَّ البريَّة يعجم
كم عابد متقشِّف ومسهَّدٍ وهم الأجانب ما إليه تقدَّموا
وأنشدني لنفسه في ذم الهوى: [من الطويل]
أرى الحبَّ لا يحلو مذاقًا ولا يجدي وغير العنا للواله الصَّبِّ لا يبدي
ألا لا راعى الله الهوى ولكم هوًى بصبٍّ صحيح الودِّ متَّصل العهد
وناصر دين الحدبِّ بالمدح إنَّه ليهذي ولا يهدي إلى سبل الرُّشد
أمن بات مفتونًا وأصبح والهًا وعاش حزينًا في الرَّخاء عن الجهد
فيا مادحًا عيش المجِّبين إنًّما تغرُّ وإلِّا ذقة تظفر بما يردي
فليت الهوى لم تجر في فيه سنَّةٌ فلم أجن غير الضُّر والصِّ والكدِّ
أبيت على جمر الغضا متقلقلًا وأصبح من نار الصَّبابه في وقد
فمن نوحي الورقاء أبدت ناحيًة ومن زفراتي أودع النَّار في الزَّند
/١٩٤ ب/ ولكنَّ ذا معنى وذلك صورةٌ فمن أجل ذا يخفي وشاهده عندي
حنينٌ أنينٌ حرقةٌ زفرةٌ جوًى غرامٌ شجونٌ زاد عن غاية الحدِّ
فأخبار وصل الحبِّ لا أعلم لي بها وإقراء صحف الهجر بالشَّدِّ والمدِّ
ولا ذنب للمحبوب في ذاك كلِّه بل الحكم للأقدار تجري علي عمد
تذلُّ عزيزًا تأنف الذُّل نفسه وتترك حرَّ القوم يخضع كالعبد
ألا فرجٌ يرجى، ألا سلوةٌ ترى إلى كم كذا مالي وللهجر والصَّدًّ
ومما قاله أيضًا: [من الخفيف]
عفِّر الخدَّ بالتُّراب ذليلًا إن ترد للوصال حقًّا وصولا
واله باللَّهو عن ملاهي أناس نبذوا العهد واستحبُّوا البديلا
وتجاف الجفا لخلِّ التَّخلِّي عن سوى ساحة الغرام مقيلا
واشرب الكأس من يدي من يعاطيـ ـك سلافًا – تنزهان تحولا
مَّ خذها صرفًا بغير مزاجٍ واقبل النُّضح قد وجدت الدَّليلا
[ ٦ / ٢٥١ ]
واغتبقها ثمَّ اصطبحها وباكر قبل داعي الفلاح ارحًا شمولا
ثمًّ جل في فنون حبِّك فردًا لا تصافي مفنِّدًا أو عذولا
واقر عمَّا تراه ممَّا سيفني وتأمل تر الورى مستحيلا
/١٩٥ أ/ هوِّن الهون واطَّرح طمح النَّفـ ـس إلى عزِّها لتدعى خليلا
لا تخف أن ذللت في الحبِّ واصبر إنَّما العزُّ أن تراك ذليلا
وتهتَّك بحبِّ كم أنت مغرى بهواه عساه يشفى الغليلا
دع دواعي السُّلو إن طال هجرٌ لست بالصَّبِّ إن أردت بديلا
مت معنًّى وعش فقيرًا حقيرًا من سوى عثرة الهوى مستقيلا
وقال أيضًا: [من الرمل]
قلت النَّفس: أنا عاشقةٌ قلت: من؟ قالت: لمن أسقمني
قلت: فالمسقم من يعشقه؟ ليس بالمحبوب من المني
قالت: السُّم رضائي لذَّلي ارتضيه حبَّذا من سكن
قلت: تختاري البلى طالعًة؟ ليس ذا من فعل أهل الفطن
فأجابت: يا معنَّى إنَّني أنا أدرى بالَّذي تيَّمني
لا أطيق الصَّبر دعني والهوى يشتفي منِّي ويضني بدني
كم إلى كم نتمَّنى راحة من عناء الحبِّ والعمر فني
مستحيلٌ أن ترى في راحة مستريح البال من ذا الشَّجن
واسل عن سلوة قلب مغرمٌ صادق في حبِّه مؤتمن
/١٩٥ ب/ أنا لا أسلوه مذ نادمني وسقاني ما به أسكرني
خلِّني من ذكر أخبار الألى واتل آيات الهوى في أذني
وإذا ما شئت أن تطربني ردِّد اللَّحن بيجان مني
فهو جاني وجناني والمنى جان يا رست من يارمني
[ ٦ / ٢٥٢ ]
[٨٢٦]
محمد بن عبد الملك بن عيسى بن درباس، أبو حامد المارنيُّ.
كان والده يتولّى القضاء بالديار المصرية، وقاضي قضاتها، يكني أبا القاسم. وكانت ولادته بالمروح من إربل.
وابنه هذا أبو حامد مصري المولد والمنشأ؛ فقيه عالم أديب شاعر. وكان شابًا ضريرًا، مليح الشعر، حسن الغزل، ومنه قوله: [من الطويل]
أقدُّك أم غصنٌ من البان يختال وردفك أم دعصٌ من الرَّمل ينهال
وثغرك أم درٌ تنظَّم سلكه يجول عليه من رضابك سلسال
وليل دجًى أم فاحم الشَّعر مسبلٌ ووجهك أم بدرٌ له الدَّهر إكمال
وطابع مسك في توقُّد وجنة يلوح لعيني منك في الخدِّ أم خال
شغلت بتعذيًب القلوب صبابًة فأشغلها من فرط حبِّك أشغال
/١٩٦ أ/ تدلُّك أنفاسي على أنَّ في الحشا لنار غرامي والصَّبابة إشعال
فلا تحسبوا أنَّ العذار بخدِّه ولكنَّه من حاكم الحسن اشتغال
يعنِّفني من ليس يجدي ملامه ويعذلني في مؤلم الوجد عذَّال
لقد كثَّروا لي في الملام وطوَّلوا وقالوا ولكن لست أقبل ما قالوا
وكيف استماع العذل في قمر الدُّجى ومن يترضي منه
فلا يطمع العذّال إذا مرضى الهوى ببرء، فما يرجًى من الحبِّ إبلال
[٨٢٧]
محمد بن عبد المنعم بن محمد، أبو عبد الله الخيميُّ.
[ ٦ / ٢٥٣ ]
من أهل مصر.
أنشدني الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي المدرس- أسعده الله تعالى- قال: أنشدني أبو عبد الله بن عبد المنعم الخيمي لنفسه.
[من الكامل]
من مبلغٌ عنِّي كريم تحيَّتي قومي بجرعاء العذيب وجيرتي
الذَّاهبين ولا اعتراض عليهم بحشاشتي والمذهبين بقيَّتي
قومٌ طوال الدَّهر أشهدهم معي وهم بأعلى حاجر واحيرتي
أصبو لغزِّ جمالهم وإلى لذيـ ـذ وصالهم يا بعد مرمى صبوتي
وأصدُّ عنهم حيث كان مرادهم بعدي وكلِّي نظرة المتلفِّت
/١٩٦ ب/ قالوا دلالًا حين قلت من الجفا: قدمتُّ: مت فحييت إذ قالوا: مت
من لي بهم والدَّار غير بعيدة من دارهم والشًّمل غير مشتَّت
أمطالبي بالصَّبر والسُّلوان مًا ت لك البقا صبري الجميل وسلوتي
إنِّي مليٌّ بالغرام وليس لي بالصَّبر عن أحبابنا من ذمَّة
إعلم بأنِّي في محبتَّهم فتُى ما حال عن عهد الغرام وما فتي
وبأنَّ وجدي ذلك الوجد الَّذي تدرونه وصبابتي تلك الَّتي
[ ٦ / ٢٥٤ ]
ما خانهم كلفي القديم ولا وفى صبري ولم تتعدَّهم أمنيَّتي
إن شئت تعرف صنعة الحبِّ الَّتي صحَّت به حالي وحالت صحًّتي
فانظر لأحمد أدمعي ولأصفر من وجنتي ولأبيض في لمَّتي
واعلم علوم الوجد من حالي وخًذ خبر الغرام وأهله من سيرتي
فيقلُّ إن نسبوا إلىَّ كثِّير [ًا] وتذُّل عَّزة أن تقاس بعزَّتي
[٨٢٨]
محمد بن عبد الوهّاب بن أحمد بن عربيٍّ، أبو عبد الله الأديب النحويُّ.
من أهل دمشق.
كان عارفًا بالعربية ولآداب، شاعرًا له أشعار مستجادة في الحكم والمواعظ وغيرها من هذه الفنون.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد /١٩٧ أ/ البرزالي الأشبيلي بحلب – رحمة الله تعالى- من لفظه، قال: أنشدني الأديب أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب لنفسه: [من الكامل]
اخفض جناحك للزمان إذا سطا واقعد له في البؤس عند قيامه
وإذا سقاك الدَّهر كاسًا مرَّةٌ فاصبر على الضَّراَّء من أحكامه
بينا يكون المرء فيه محيَّرًا يشكو الَّذي يلقاه من آلامه
إذ جاءه فرج الإله معجَّلًا فأراه ما يرجوه من أيَّامه
وأنشدني، قال: أنشدني محمد بن عبد الوهاب الدمشقي قوله: [من البسيط]
لا تندمنَّ على أمر أردت به نجاح مسعاك إنَّ الأمر مقدور
ولا تلومنَّ في تأخيًره بشرًا فالأمر لله والإنسان مأمور
وأنشدني، قال: أنشدني أبو عبد الله من شعره: [من البسيط]
على أبن آدم أن يسعى لراحته وما عليه بأن يجري به القدر
كم من فتًى لم ينم ما نال مطلبه نائمٍ نال ما يرجو وينتظر
[ ٦ / ٢٥٥ ]
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]
/١٩٧ ب/ علىَّ بأن أعسى لكي أدرك العلا وما علىَّ إذا لم ينجح الطلَّب
كم من فتًى نائمٍ تقضى مآربه وساهرٍ بات لا يقضى له أرب
[٨٢٩]
محمد بن علىٍّ أبو عبد الله النحويُّ المزدغيُّ الفاسيُّ
ينسب إلى مزدغة، وهي قبيلةٌ من البربر
كان أديبًا نحويًا فاضلًا، عارفًا بالأدب والعربية. قرأ على أبي ذر مصعب بن محمد الجيّاني، وأخذ علم الأصول عن ابي عبد الله بن الكتّاني الفاسي، وقرأ علم النحو على أبي القاسم بن زانيف، وتميّز في العلوم، وتصدّر لإفادتها، وكانت له يد طولى في علم التفسير والقرارات ولآداب وغير ذلك.
وله شعر حسن، ومنه ما أنشدني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبه الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي- أيده الله تعالى- قال: أنشدين عبيد الله بن يوسف المراكشي بسيواش، قال: أنشدني أبو عبد الله بن علي المزدغي لنفسه، في أخوين؛ أحدهما جميل الصورة، والآخر أحدب طويل الساقين، كانا يحضران معنا الحلقة عنده: [من الكامل]
في أبني عليٍّ أن نظرت عائبٌ أخوان ظبيٌّ أحورٌ وحوار
فمن الجمال بوجه ذاك محاسنٌ ومن الجمال بظهر ذا آثار
[٨٣٠]
/١٩٨ أ/ محمد بن عليِّ بن عبد الله بن عمر، أبو عبد الله الأنصاريُّ.
من أهل الإسكندرية
ذكره الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي- رحمة الله تعالى- في تاريخه،
[ ٦ / ٢٥٦ ]
وقال: شاب أسمر، قدم إربل في شوال سنة إحدى وعشرين وستمائة؛ وذكر لي أنَّه سمع الحديث بأخرة
وأنشدني لنفسه في المعمّى: [من المقتضب]
تيَّم القلب شادنٌ محنتي فيه زائده
قلت: صلني، فقال لي: ضدُّ عكس أبن زائده
قال: وأنشدني أيضًا لنفسه: ما كتبه إلى: [من الوافر]
عسأ عيسى عليَّ ومال عنِّي وما طلني بترك وهو يسني
ومالي بعد هذا اليوم مكثٌ بإربل والسَّلام عليك منِّي
[٨٣١]
محمد بن عليِّ بن أحمد بن محمد أبو عبد التميميُّ الشَّقَّانيُّ.
من أهل حلب.
حدثني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي- رحمة الله تعالى- وقال: إمام عالم مشهور، يغشى الأكابر، ويميل إلى القول بعلوم الأوائل، أغري بالكيمياء، /١٩٨ ب/ وأنفق عليه جميع ما حصل له، ولم يصل منه إلى طائل، عنده فضل وأدب وشعر. اجتمع بعلماء الموصل، وطلب أن يناظر من بها من أهل النحو، فاجتمعوا في حضرة الأتابك أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود صاحبها- رحمة الله- فلم يكن عنده ما يثبت دعواه. رأيته ولم آخذ عنه لكونه منسوبًا إلى قلّة الدين هذا آخر كلامه.
وأخبرني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله الفقيه الحنفي المدرس بحلب- أيده الله تعالى- قال: القاضي أبو عبد الله الشاقاني كان فاضلًا عارفًا بالفقه واللغة والنحو، وغير ذلك من العلوم، وسمع الحديث. وكانت ولادته بحلب
[ ٦ / ٢٥٧ ]
سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وتوفي بسيواش في صفر سنة إحدى وعشرين وستمائة وكان وحيهًا عند السلطان ملك الروم، وولي قضاء أقشهر، ثم قضاء سيواش.
ثم أنشدني، قال: أنبأني أبو عمرو عثمان بن الشاقاني، قال: أنشدني خالي أبو عبد الله الشاقاني لنفسه: [من الخفيف]
لا تلن للخطوب واطلب فمن لا ن توالى عليه قرع الخطوب
/١٩٩ أ/ إنَّ ضرب الحديد ما كان إلَّا حيث أبدى لينًا بحرِّ اللَّهيب
وقال أبو البركات المستوفي: نقلت من خطّ أبي عبد الله، وأجازني روايته أبياتًا، مدح بها الفقير إلى الله أبا سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين- رحمة الله تعالى-:
[من البسيط]
يقول صحبي وجاء الزَّهرير لهم في ليلة من جمادي حلَّة الحضر
قد كان يبلغنا عن سيرة الملك الـ ـمعظَّم الشًّرف الأعلى من السِّير
فما وعينا حديثًا من مكارمه بالسَّمع إلَّا وعاينَّاه بالبصر
قال: وهي أبيات أكثر من ذلك.
ثم قال: ومن شعره، ما كتبه إلى أبي الحسين موسى بن الحسين بن موسى الكاتب الإربلي، يستشفع به إلى الفقير إلى الله تعالى، مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين- رحمة الله تعالى-: [من الخفيف]
/١٩٩ ب/ أنت موسى الكليم رب اليد البيـ ـضاء في الإصطناع للنَّاس جمعا
فإذا ما حصلت في طور سينا فاتَّخذ لي عنه المناجاة صنعا
فالفتى إن أراد نفع صديق فهو يدري في شأنه كيف يسعى
قال: ثم أعقبها بكلام منثور، تركته خوف الإطالة.
[٨٣٢]
محمد بن عليِّ بن أبي بكرٍ، أبو عبد الله الجمَّال القارئ البغداديُّ المعروف بالنطوعيِّ.
أخبرني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي الإربلي بها﵁-
[ ٦ / ٢٥٨ ]
قال: ورد إربل في شوال سنة عشرين وستمائة، استظهر كتاب الله الكريم، وكان يقرأه صحيحًا قراءة مرضية، ثم تخبط عليه كما ذكر. وأخبر أنَّ جدّه كان جمّالًا في طريق مكّة وعرفوا به، وكان لحانًا.
ثم أنشدني من شعره هذه القصيدة: [من مجزوء الكامل]
أفللصبابة والشُّجون نوح الحمام على الغصون
أم للصباح وللصِّبا طربًا يغرِّد بالفنون
والدِّيك يهتف للصبوح مصفِّقًا بعد السُّكون
/٢٠٠ أ/ ويقول: حيَّ على السُّرو ربغرَّة الصُّبح المبين
ومنها يقول:
فأغن أخاك على المدا مة والخلاعة والمجون
وتناول الأقداح منـ ـه بالشِّمال وباليمين
واشرب على ضوء الصَّبا ح المستنير المستبين
حمراء كالمصباح يمـ ـحو نورها ظلم الدُّجون
تسبي العقول بشربها والسُّكر أشبه بالجنون
أوما ترى الرًّاووق يبـ ـكيها بمدمعه الهتون
سهران كالصَّبِّ الكئيـ ـب بعيد ما بين الجفون
قد الجأته إلى الصَّليـ ـب فدينه أبدًا كديني
ومنها قوله:
ظبيٌ أرأق دمي بسهـ ـم لواحظ كاللَّيل جون
عذر العواذل فيه حتَّى لو سلوًت لعنَّفوني
بتنا يعاطيني المدا م فأشتكيه ويشتكيني
/٢٠٠ ب/ فكأنَّه برضابه مزجت بكأس من معين
وتبسمت عن ثغره حببًا وعن درٍّ ثمين
وحكته خدًّا كالشَّقيـ ـق الغضِّ في ترف ولين
قل للمدام الصِّرف: ديـ ـني للخلاعه واستكيني
[ ٦ / ٢٥٩ ]
ما السُّكر إلاَّ للثغو رو للخدود وللعيون
[٨٣٣]
محمد بن عليِّ بن بختيار الأمير، أبو الفضل الشربدار الموصليُّ.
كان قريبًا من أتابك نور الدين أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود، صاحب الموصل، ولّا الدزداريّة بقلعتها.
وكان رجلًا كافيًا جلدًا ماهرًا متيقظًا صارمًا على الفسّاق والمفسدين، يظفر بالمفسد فيبطش به في الحال، ولا يبقيه. وكان ذا شهامة ونظر في الولاية وبعضٌ مان كان يرضى سيرته، وينسبه إلى الظلم الفاحش، وما في ذيً الحجة سنة خمس وستمائة بالموصل، ودفن بها تجاه باب الميدان غربي المدينة ظاهرها.
صار إلىَّ/
أ/ من شعره، يمدح الأتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود، ويهنيّه بالنيروز وذلك في سنة خمس وتسعين وخمسمائة: [من الخفيف]
قصر اللَّ حين طال النَّهار وأتانا بجيشه آذار
وبكت مقلة السَّحاب عليه فتغنَّت عجبًا بها الأطيار
وكأنَّ الزَّمان مدَّ على الرَّو ضة ثوبًا طرازه الأنهار
نسَّجته الأنواء فاتَّضحت فيـ ـه معان أطمارها الأمطار
فهو مثل العروس بالزَّهر للدهـ ـر عليه تفتضُّها الأبصار
لا زورديَّة الثِّياب وشي فـ ـيها إصفرارٌ مدنَّر واحمرار
كلَّما هينم النَّسيم عليها نمَّ بالطِّيب شيحها والعرا
وكأنِّي بالجوِّ إذ هلَّ بالطَّـ ـلِّ إليها يقول: هذا نثار
وكأنَّ الحوذان قال لعود الرَّ ند في كلِّ نفحة عطًّار
فتتباكى الأنواء فيها وما تضـ ـحك إلاَّ لأنَّها أبكار
وكأنَّ القمريَّ قطَّب إذ طرَّ ب شوقًا على الغصون الهزار
/٢٠١ ب/ ياليالي الوصال جادك من صيِّب جدواك واكفٌ مدرار
هل لما فات عودةٌ خبِّرينا أم رداء الشَّباب ثوبٌ معار
[ ٦ / ٢٦٠ ]
وحبيب مضرَّج الخدِّ ساجي الـ ـطَّرف جارت منه عليه العقار
ريقة خمرةٌ، وصدغاه ريحا نٌ وورد الخدود ماءٌ ونار
قام يسعى فعلَّم الغصن حسنًا بمحل وكيف تجنى الثِّمار
علَّمته اجفانه سحر هارو ت وإنِّي عليه منها أغار
قيل لي: كيف نمت بعد تجافيـ ـه ونوم العشَّاق في الحبِّ عار
قلت: لا والوفاء لكن تناعسـ ـت لطيف إذ عزَّ منه المزار
[٨٣٤]
محمد بن عليِّ بن أبي شجاع، أبو عبد الله الجامديُّ
ينسب إلى الجامدة من أعمال واسط. كان شيخها.
أنشدني أبو الحسن علي بن أبي منصور بن علي بن جرير الرُّصافي الواسطي بالموصل، قال: أنشدني أبو عبد الله الله الجامدي لنفسه: [من المتدارك]
دمنٌ من رامة فالقلب فجديلة فلخه فالكثب
فالنعف فكاظمة فالجزع فوادي الفتّة فالهضب
/٢٠٢ أ/ يعتضن بريم البيد عن ريم كنَّس في الطنب
غيد هيف خمص نزف بيض ترف عرب ترب
دعًج الأحداق سود الآمًاق بيضً الأعنًاق حمرً الأهب
إن مسن فصحن غصون البان أو ملن ضحكن عن الشَّنب
فكأنَّ مباسمهنَّ نظمن قلائدهنَّ من الشُّهب
وكأنَّ مراشفهنَّ مدامٌ شيب وأمزج بالضَّرب
[ ٦ / ٢٦١ ]
[٨٣٥]
محمد بن عليِّ بن أبي الفتوح بن عمر، أبو الفتح الحكيم القرشيُّ.
من أهل دمشق
أخبرني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي﵁- في تاريخه من لفظه- قال: أثنى عليه المواصلة فيما كتبوا إلىّ، وقالوا: إنَّه من السادة الأكابر الفضلاء الرؤساء العلماء، مشهور بالفضائل والفنون، قريب عند السلاطين والملوك، محترم لديهم، مسموع الكلمة.
ورد الموصل، فمدح بها الملك القاهر عّز الدين مسعود بن أرسلان شاه- رحمة الله- فأحسن جائزته وشرّفه، ثم قال: هذا لفظ ما كتب إليّ من الموصل على يديه، ولم /٢٠٢ ب/ يقدّر لي الاجتماع به، إلّا أنّي رأيته مجتازًا، فعرفته بما سبق عندي من صفته وهو شاب حسن الصورة والشمائل.
ورد إربل في العشر والوسطى من شهر رمضان من سنة ثمان وستمائة، ولم يقيَّض له المثول بخدمة الملك المعظَّم أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين- رحمة الله تعالى- وسافر في رابع عشريه، إلى بلد العقر إلى الملك المنصور زنكي بن أرسلان شاه أتابك –صاحب الموصل- ولم يقع إلي من شعره سوى أبيات، سأله عملها إنسان موصلي فكتبها إلىّ بخطّه على لسان الموصلي- وهو خطّ حسن- وهي: [من الطويل]
أيا شرف الدَّين الَّذي شرفت به الـ ـمناقب فانقادت إليه المدائح
ومن ظهرت أعراقه فتأرَّجت لقصَّاده أخلاقه والمنائح
شربت كؤوسًا من هواك لذيذة فقلبي سكرانٌ بحبِّك طافح
فأصبحت لا أثني ثنائي إلى إمرئ سواك يقينًا إنَّ زندي قادح
وأقسم لو حاولت أكتم بعض ما تجود به نمَّت علىَّ الجوانح
وإنِّي غاد عن جنابك شاكرٌ .. أياديك يا خير الأنام ورائح
[ ٦ / ٢٦٢ ]
/٢٠٣ أ/ أبثُّ الَّذي أوليتني من فواصل لأنعمها لسان حمدي مادح
فإن تحيي الرَّسم بالرَّسم تجن من عصون الثَّنا ما ثمَّرته القرائح
[٨٣٦]
محمد بن عليِّ بن يوسف بن خمارتكين، أبو عبد الله الحلبي، المعروف بابن المحتسب.
لأنه تولّى بحلب الحسبة مدَّة.
ذكر لي، أنَّه ولد سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. وخمارتكين جدُّه، كان حاجب الملك أبي المظفر رضوان بن تتش بن ألب أرسلان- سلطان حلب- ومن أخصّ حجابه؛ وأبو عبد الله يتولّى التصرف. وقد تولّى عمل غير عملٍ سلطاني، ويقول الشعر طبعًا.
أنشدني لنفسه مبدأ قصيد: [من الكامل]
ما ضرَّه لو زارنًي متكتِّمًا في حندس اللَّيل البهيم على ظما
رشا تحاكي السَّمهرية قدَّه ولحاظ عينيه تباري الأسهما
بدرٌ يعير الليل طرَّه شعره ويغير ضوء جبينه بدر السَّما
في خدِّه ورضابه خمرٌ لها إن نقَّصت فعل المدامة تمَّما
حلفت لواحظة بأن لا تنثني عن قتلتي أفدي بروحي المقسما
أضني وظنَّ بأنَّني أسلو وقد أضحى السُّلوُّ على المحبِّ محرَّما
وجنى علىَّ فجنَّ وجدي من جنى شفتيه أو ألم إلى ذاك اللَّما
/٢٠٣ ب/ وأنشدني لنفسه، حين قدم المولى الصاحب الوزير الصدر الكبير العالم السعيد مؤيد الدين أبو نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيباني- أدام الله علاه- من ميا فارقين: [من البسيط]
عاد المؤيَّد بالتأييد والظَّفر وجاءه النَّصر يسعى سعي منتصر
[ ٦ / ٢٦٣ ]
وأقبلت دوحة الإقبال يانعة تومي إليه بأكمام من الثَّمر
وأصبحت روضة العلياء مذ هطل الـ ـحياء من وجهه تختال بالَّزهر
وأمست الدُّولة الغرَّاء في حلب بقربه تزدهي في ثوبها النَّضر
من بعد ما عريت دهرًا محاسنهًا وشابها بعده نوعٌ من الضَّرر
طال اغتراب بنيها في ديارهم وأصبحوا بعد يسر منه في عسر
ظلُّوا بع زمنًا في ظلِّ أنعمه وجود راحته المغني عن المطر
ممتِّعين بما قد خوِّلوا فهم في خلد جنَّته العليا على سرر
مقابلي رجل يزهي على زحل في رتبة الشَّمس مستول على القمر
له عزيمة رأي ليس يسبقهًا ريب الزًّمان فما يخشي من القدر
/٢٠٤ أ/ حبر يخبِّر عمَّا في غد فغدا مستقبل الفعل ماض غير منتظر
لولا مخافةً ربِّ العرش، قلت له: يا عالم السِّر منِّي قلَّ مصطبري
أبسط بفضلك آمالًا قد انقبضت فأمرك اليوم مقدورٌ على القدر
ولا تلكني إلى ما في غد فغدٌ يأتي بما ليس نهواه من الغير
لا تستقلَّ قليل الخير تفعله ففاعل الخير مشكورٌ مدى العصر
نبني الزَّمان ويبقى حسن سمعته ويذهب النَّاس والدُّنيا على الأثر
وأنشدني أيضًا لنفسه إملًاء: [من البسيط]
يا جانحًا عن طريق المكرمات أفق من سكرة العب واحذر زلَّة القدم
بينا ترى المرء في عزِّ الولاية منـ ـقادًا إليه أمور العرب والعجم
حتَّى يوافيه ذلُّ العزل يصلحه حينًا لإخوانه بالفقر والعدم
فالعزُّ يصلح أخلاق اللَّئيم كما تبدي الولاية حتفًا من أخي الكرم
[٨٣٧]
محمد بن عليِّ بن محمد بن محمود بن عبد الرحيم، أبو عبد الله ابن أبي الحسن التميميُّ.
من إنشاء حلب وأبناء رؤسائها، والنبهاء بها، وبيت الأدب والفضل.
وأبو عبد الله تأدّب وقرأ من علم العربية ما يحتاج إليه، وساعدته قريحته في قول
[ ٦ / ٢٦٤ ]
الشعر، وأنجب فيه، /٢٠٤ ب/ وأحسن وأجاد، وفاق أقرانه نظمًا، وبذّهم في أنواع القريض وأجناسه تمكنًا ما شهد له أرباب هذا الشأن بالتقدّم فيه والاقتدار على ما يتوخّاه من المقاصد التي يرومها، والمحاسن التي يأتي بها.
شاهدته بحلب شابًا ذكيًا متيقظًا عاقلًا، أريبًا عفيفًا، نزهًا سريًا، جميلًا عارفًا بأقدار الناس، يتدين بمذهب الشيعة، من أحسن الناس عشرة، وأوفاهم توددًا ومروؤةً، وأسمحهم نفسًا. يخدم متصرفًا في الأعمال السلطانية. وسألته عن ولادته، فقال: ولدت في عاشر المحرم سنة إحدى عشرة وستمائة.
أنشدني لنفسه، وقد جاءه من العفيف أبي طالب بن صقر أبيات: [من الخفيف]
أنت في العلم فوق كلِّ عليهم يا ابن صقر من أبن عبد الرَّحيم
قد شأوت الفحول في حلبة الفضل وأنسيت ذكر كلِّ قديم
لك شعرٌ قد سار في سائر الا فاق ما الشَّام ما بلاد الرَّوم
لا تقس دعبلًا إليك ولا الطا ئيًّ والبحتريَّ وابن الرُّومي
أين منكً الرِّجال ما لهم مثـ ـلك نظمٌ كالجوهر المنظوم
/٢٠٥ أ/ لو تقدَّمت في الزَّمان لقال الـ ـقوم هذا أحقُّ بالتًّقديم
وأقرُّوا لدى جدالك بالعجز وفرُّوا منه إلى التَّسليم
أيُّها الفاضل الأديب عفيفة الدِّين والماجد الكريم الخيم
سفرت لي شمس النَّباهة في أر جاء ليل من الخمول بهيم
حين نوًّهت في قريضك باسمي وعلا منصبي وقدري وخيمي
أنت شرَّفتني بنظم قريض بت منه في مقعد ومقيم
خيفة الرَّدِّ والتَّردُّد فيه مفعمًا مقلتي من التَّهويم
يا أبا طالب تطلَّبت ما لم يك في خاطري ولا معلومي
لا تسمني ردًّ الجواب فما خا طر فيه سوى الخطير العظيم
درَّ درُّ الصَّدر النَّبيل شهاب الدِّ ين عمرو الإقدام غمر العلوم
إن تجرَّا على جوابك في الشِّعـ ـر لقد قام في مقام عظيم
أنا لولا خوفي وعيدك ما فهـ ـت بحرف على رويًّ الميم
لا تخف أن يعيب شعرك خلقٌ لن يعيب الصًّحيح غير السَّقيم
[ ٦ / ٢٦٥ ]
والزنامي أليًة برَّةً ما أعـ ـتلَّ إلاَّ على العتلِّ الزَّنيم
قسمٌ كلُّ من تجراَّ عليه كان عند الأنام غير أثيم
/٢٥٠ ب/ لا وحبِّي علاك خالصة من غير لغو فيها ولا تأثيم
لم يعب في الأنام شعرك من يفـ ـرق بين المجهول والمعلوم
ضاع طيبًا فخلته جاء يروي خبر البان عن لسان النَّسيم
شيَّد السًّيِّد الشًّريف جمال الدِّ ين ذكرًا يسير في الإقليم
بات يرويه عنك ثمَّ يودِّيه كما قلته بطبع سليم
بالجنان الثَّبت القويِّ على إي يراده عنك واللِّسان القويم
قال لي إذ سألت: خبرك يغني عن مديحي له وعن تفخيمي
ليس بالرَّحبة الصَّغيرة من يس قط منه على خبير عليم
غير ذا السَّيِّد المقيم على حبِّ ك لا زال في نعيم مقيم
يا مفيدي من الإخاء بما غاد رعيشي إلىَّ غير ذميم
أنت أبرزت وجه عرضي باطرا ئك يا ذي احتشام صافي الأديم
أنت اغليت سعر شعري بما أم ليته في كتابك المرقوم
فأخي اليوم حاسدي بعد ما كان عدوِّي على الخمول رحيمي
وكستني علاك غرَّ صفات غادرتني من دارم في الصَّميم
ولهذا أجرُّ ذيلًا من الفخر على كلِّ منتم لتميم
/٢٠٦ أ/ أنا أولى بأن أقبلِّل كفَّي ـك على فضلك العميم الجسيم
أنا حبِّي لكم صلاةٌ وسعيي لا يتمُّ الصلاة بالتَّسليم
لست بدرًا وإنَّما أنت في أهـ ـليك كالبد بين زهر النُّجوم
سادة كلُّهم تقيٌّ نفيُّ الـ ـعرض ضافي النِّجار زاكي الأروم
يشتري باقي الثَّناء ويشري فإني المال فعل كلِّ كريم
سيَّما الكامل الفضائل نجم الدين ربِّ العلا الأثير الزَّعيم
ذي الجفان المكلَّلات من الشِّيـ ـزى طعامًا إلى محلِّ الشَّكيم
والفتى المشتري المحامد ذي المحيَّا الطَّلق البهيِّ الوسيم
من حباني من نصب باب مزاعا بنصيب المشيمس المعدوم
[ ٦ / ٢٦٦ ]
وتراني غدًا إلى طلَّه البارد أولى من حرِّ نار السَّموم
إنَّ لي في جنينة الحلبة الفيـ ـحاء وردًا من قرية أبن العديم
ونصوبًا تخال أثمارها حسـ ـنًا وطيبًا تسقى بماء النَّعيم
سوف أدعوك يا عفيف إليها بعد آيَّار وانقشاع الغيوم
لست أرضى قسم الحياة إذا لم أرخلِّي على حياتي قسيمي
وكذا لا أرى السُّرور بها حتَّ ـى أراه على السُّرور نديمي
/٢٠٦ ب/ دمت سامي العلا كريمًا وعوفيـ ـت وورِّثت عمر كلِّ لئيم
ما أشتكت أينها الرَّسوم في البيـ ـد ومدَّت أعناقها للرسيم
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إليه أيضًًا [من الخفيف]
دمت تصفي مودَّة الأولياء وجزاك الإله خير جزاء
يا عفيف الدِّين الَّذي بشَّر لا باء منه بأنجب الأبناء
يا ابن صقر يا من نداه إذا ما أنـ ـهلًّ أزرى بصيِّب الأنواء
يا فتًى سًاد بيت مجدبه أحـ ـرز مجد الأجداد والآباء
ليس خلف الميعاد شيمة مثلي هو عندي من أقبح الأشياء
غير أنِّي عزنت من قتل نيسا ن على جوسق رفيع البناء
قلت: أبنيه بالجنينة من أجـ ـلك في الصَّيف زائرًا والشِّتاء
فتصدَّى من الورى لعنادي وتناسي مودَّتي وإخائي
صاحبٌ لم يزل عليه من النًّا س اعتمادي في شدَّتي ورخائي
فتراني أخاف في أمر داري وأداري من لا يخاف هجائي
عالمًا أنَّني وإن نكث العهد ولم يرع لي حقوق الولاء
أتلقَّى قبيحه بجميل الـ ـصَّفح عنه وغدره بالوفاء
/٢٠٧ أ/ لا كمن بات يشتكيه فتى الحـ ـجَّاج قبلي لسيِّد الأمراء
وانقضي الورد والجنينة لا تؤ ذن أيَّام وعدها بانقضاء
هبك أنِّي عمَّرت جوسقها الجا مع شمل الألاَّف والقرناء
[ ٦ / ٢٦٧ ]
كيف نمضي إلى الجنينة والقلـ ـب عليه للهمِّ مثل الغشاء
وأرى الهمَّ لا يفرِّجه غيـ ـر اجتماع بسيِّد الشُّعراء
بأبي طالب الَّذي طلب المجـ ـد بعين لم تدن من إغفاء
وذويه المكرَّمين أولي السُّؤ دد والفضل والتُّقى والعلاء
فتفضل بهم إلى قبَّة السَّـ ـيَّد ذي المكرمات والآلاء
فهي مشتاقةٌ تقاسمني الشو ق إليكم ورَّبها بالسًّواء
ثمَّ يغني عن ورد أيَّار ما يعـ ـبق فيها من مائه والكباء
وتقينا حرَّ السَّماء ببرد الـ ـماء في ظلِّها وبرد الهواء
وترانا من حسن أخلاقه نر تع منها في روضة غنَّاء
فلها الله قبَّةً ولبانيـ ـها ففيها مجامع الأهواء
شادها السَّيِّد الشَّريف الَّذي جا زت معاليه رتبة الجوزاء
ماجدٌ أنشر الفضائل فاستو جب شكر الأموات والأحياء
/٢٠٧ ب/ عجلٌ بالنَّدى لمن أمَّ ناديـ ـه مجيبٌ إليه قبل النِّداء
كلفٌ بالعلا يحلُّ عرى المشـ ـكل منه بفطنة وذكاء
حبُّه مذهبي وديني ومازا ل اعتمادي عليه وهو رجائي
مثلما مذهب الكرام بني صقـ ـر غرامٌ بالمجد والعلياء
معشرٌ طفلهم فتى العزم والهـ ـمَّة كهل التَّدبير والآراء
قدرهم في الورى كقدر عفيف الدِّ ين فيهم ذي الجود والنَّعماء
يا أبا طالب أقرت لأشعا رك بالعجز ألسن البلغاء
أنت ربُّ القريض يرفل منه أبدًا في ملابس الإثراء
وأنا المملق الفقير وهيها ت تساوي المثرين بالفقراء
أفحمتني أوصاف قدرك لمَّا جزت حدَّ المديح والإطراء
فتماديت في الجواب وبادر ت مجيبًا لكم برفع دعائي
وسألت الإعفاء منه فما أجـ ـدى سؤالي ولا أجيب ندائي
لم تزل تعمر الإساءة بالعفـ ـو فالاَّ سمحت بالإعفاء
فاكسها حلَّة الفصاحة إن جاء تك منِّي في لبسة الفأفاء
[ ٦ / ٢٦٨ ]
أو أجزها درَّ البلاغة إن مدَّ ت أكفَّ السُّؤال لاستجداء
/٢٠٨ أ/ وأبق ما غرَّد الحمام ومانا ح على غصن أيكة خضراء
وكتب إليه أيضًا: [من الرمل]
يا عفيف الدِّين يا من بشره يهتدي السَّاري به واللَّيل مسدف
يا فتى ما فتئت آراؤه في دجى الَّلأواء للغمَّاء تكشف
يا خليلًا لم يزل من لطفه أبدًا يحنو على الحلِّ ويعطف
قل لنجم الدِّين: يا نجم أتئد لا تكن في العتب والتًّأنيب مسرف
قد جرى الشَّرط على ما قلته والتَّصاريف عن المقصود تصرف
من ترى يكره أن يسعى إلى خدمة السَّيِّد أم من عنه يصدف
هاشميٌّ لم يزل من أود للأخ المعوجِّ في الودِّ مثقِّف
مصلح الفاسد لكن بالنَّدى والردًّى للمال والأعداء متلف
أنا أهواه فما أصغى إلى قول واش في هواه ومعنِّف
لجمال الدِّين بيتٌ قد سما شرفًا فهو على الأفلاك مشرف
وله منتزةٌ من حسنه يبهت الطَّرف إليه ليس يطرف
قبَّة السَّيِّد لو أبصرها لتواري خجلًا طاروف منطف
حبَّذا عيشٌ قطعناه بها والحمام الورق بالأفنان تهتف
/٢٠٨ ب/ ولدينا كلُّ ما نختاره ورياخ اللَّهو باللَّذات تعصف
وقطوف الفضل تستجلي ومن روح أشعارك نجنيها ونقطف
والفتى الماجد نجمالدِّين في كلِّ معنى ينتحيه متلطَّف
أبدًا يورد ما نختاره وسوى المختار يلغيه ويحذف
ومعين الدَّين ذو الفضل الذي بالندى يسعد راجيه ويسعف
كاتبٌ أفلامه كافلةٌ أنَّ ربَّ السَّعد يدنيه ويزلف
تشبه الكتب الَّتي ينشئها وشي أعلام برود أبن المزخرف
أو كما بكَّر وسمى الحيا لبرود الرًّوض بالنًّور مفوِّف
ولشمس الدِّين يحيى راحةٌ ثرَّةٌ نوه نداها غير مخلف
أبدًا يجمع في تفريقه الـ ـمال شمل المجد جودًا ويؤلِّف
[ ٦ / ٢٦٩ ]
يا بني صقر شرفتم أنفسًا فهي عن كلِّ دنيِّ القدر تعزف
قسمًا إنِّي بكم ذو كلف لست في ودِّي لكم بالمتكلِّف
وإذا ما غبت عنكم لم تكن جفوةٌ لكنَّني عنكم مخفِّف
ولقد جئتكم معتذرًا واعتقادي أن نجم الدِّين منصف
لم أخل وهو صفِّيي أنَّه يتوخَّى الظلم في أمري ويعسف
/٢٠٩ أ/ وعفيف الدِّين أولاكم بأن يتحامى القصد في عتبي ويسرف
قال في مدح فراخي إنِّها تشبه الوزَّ إذا ما كان مخلف
وإلى السَّيِّد تهدى وهو بالـ ـفضل منها لعفيف الدِّين متحف
إن يكن عتبكم لي ديدنًا فبما أجنيه من جرم وأسلف
يا أبا طالب صفحًا عن أخ ماله عن حبًّكم ما عاش مصرف
وستأتيك فراخي عاجلًا منجز الوعد بها غير مسوِّف
ثمَّ إنِّي أسأل الله الذي هو بالقدرة فينا متصرِّف
أن نرى يا مالكي جهة أنت فيها العدل والمملوك مشرف
[٨٣٨]
محمد بن عليِّ بن المسلّم بن محمد بن الحسين بن مراجل أبو عبد الله الكندي.
من أهل حماة ومن بيت مشهور بها.
شيخ أشقر أزرق العينين، يتصرّف في الأعمال.
أخبرني أنه ولد ضحوة نهار يوم الأحد ثالث شوال سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. لم يكن عنده يقّوم به لسانه من علم النحو، ويلحن إذا أنشد، وله طبع يطاوعه في قول الشعر.
أنشدني بحلب لنفسه في أوائل محرم سنة خمسين وستمائة، ما/٢٠٩ ب/ كتبه إلى السُّلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف- خلّد الله ملكه-: [من الوافر]
أيا ملكًا ترنِّحه القوافي ويطربه من الشِّعر النسيب
[ ٦ / ٢٧٠ ]
أمانع أن أراك لسوء حظِّي وأبعد إنَّ ذا شيءٌ عجيب
ولكنِّي سأنشد بيت شعر تحنُّ إلى معانيه القلوب:
(إذا كان المحبُّ قليل حظً فما حسناته إلًاّ ذنوب)
وأنشدني أيضًا لنفسه فيه- أعزّ الله نصره-: [من الطويل]
أيا ابن العزيز النَّاصر الملك الَّذي إذا جار دهرٌ فهو بالجود بنصف
على بابك الميمون حلَّت رحالنا وقد مسَّنا ضرٌّوها أنت يوسف
وأنشدني لنفسه يهنّئ بالصيام: [من الخفيف]
لا أهنِّيك بالصِّيام لأنِّي قد تركت الهنا ليوم العيد
إنَّما التَّهنئات بالأكل والشُّر ب وصوت المثنى وضرب العود
لا بصوم قد قرَّح الكبد حتَّى تراك العود فيه مثل العود
وأنشدني لنفسه يرثي ولده عبد المحسن- رحمة الله تعالى-: [من الكامل]
/٢١٠ أ/ عن عظم أحزاني بكم لا أنثني أبدًا ومالي بعدكم عيش هني
أمَّلت أن سأنال كلًّ مأربي بكم فخيَّبني الزَّمان وصدَّني
ولسوف أندبكم وأعلن بالبكا حتى أصير جوار عبد المحسن
وأنشدني قوله فيه أيضًا: [من الكامل]
يا بدر قد عظمت عليك رزيَّتي وتوقَّدت نيرانها في أضلعي
ما كنت أرجو أن أكون مشيِّعا لك للمقابر بل تكون مشيَّعي
ولئن جرى دمعي دمًا فيحقُّ لي أنا صاحب البلوى وغيري المدًّعي
وأنشدني لفنسه في السُّلطان الملك الناصر صلاح الدين، وقد رمى طيرًا، يسمّى الكيَّ: [من الوافر]
كويت قلوب من عاداك كيًّا بصرع الكيِّ لمَّا إن تهيَّا
فلا زالت سعودك سابقات ونجمك في العلا أبدًا مضيَّا
ملكت النَّاصر السُّلطان عدلًا طويت به بساط الأرض طيَّا
وسهم لم يفوَّق يوم حزب فأخطأ لا ومولانا عليَّا
كأنَّ مجرَّة الأفلاك قوسٌ بكِّفك أو بنادقه الثريَّا
[ ٦ / ٢٧١ ]
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الخفيف]
/٢٠١٠ ب/ وتقنطر به فديناك يا بغـ ـل إلى السَّهل من أعالي الحزون
وإذا ما نجا ولا سلَّم اللـ ـه فإيَّاه يا كلاب الجون
وأنشدني لنفسه في السيف والقلم: [من البسيط]
إنَّ المقادير لا ترتدُّ حكمتها وقد تساوت في أحكامها الأمم
إذا رأيت سيوف الهند قاطعًة ما ذاك إلَّا قد خطَّة القلم
[٨٣٩]
محمد بن عمر بن حافظ بن خليفة، يكنّى أبا عبد الله السَّعديُّ، الفقيه الحنفيُّ المدرس المعروف بابن العقّادة.
من أهل حماة.
نزل والده حلب واستوطنها، إلى أن توفي بها. وكان فقيهًا حنفيًا، تولّى بها تدريس المدرسة التي بظاهر المدينة، ولمّا مات قاتم ولده هذا مقامه في التدريس، وفوّض إليه ما كان إلى والده.
وكان أبو عبد الله؛ شابًا أشقر، ربعة من الرجال، ذكيًا فاضلًا، عنده بشر وسكون، جيّد المعرفة بعلم النحو والعربية والأدب وقول الشعر الحسن. ويكتب خطًا في غاية الجودة، وكان فقيهلاًا، مجوّدًا مناظرًا، اجتمعت به غير مرة، وحضرت معه بحلب، واقتضيته شيئًا من شعره؛ /٢١١ أ/ فكان يعدني ويجيبني إلى ذلك، ولم يتفق إنشاد شيء من أشعاره، ثمّ مرض في أثناء ذلك، وتوفي يوم المجمعة سابع عشر جمادي الأولى سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ودفن قريبًا من مشهد الخضر، بمقام إبراهيم الخليل﵇- قبلي المدينة ظاهرها- رحمة الله تعالى-.
وأخبرني أنَّه ولد في سنة اثنتين وستمائة، وبعد موته صار إلىَّ كراسة من شعره، تتضمن غزلًا ومدحًا، وغير ذلك وهي بخطه.
[ ٦ / ٢٧٢ ]
ومما نقلته من خطّ يده، قوله في الغزل: [من الطويل]
ومعتدل كالغصن قد غادر الورى على خطر من قدِّه حين يخطر
إذا مارنت منه اللَّواحظ وانثنى حمى حسنة عنَّا حسامٌ وأسمر
وإن صال يبغي نصرةً فغضنفرٌ كما أنَّه إن نصَّ جيدًا فجؤذر
وإن حلَّ في أرض ومرَّت بها الصَّبا تنفَّس فيها عن بر الأرض عنبر
وإن فاه بعض العاشقين بذكره تضوَّع مسكٌ بالَّذي فاه أذفر
ومن بك هذا طيب ذكراه غائبًا فكيف يكون ذكره حين يحضر
من الُّرك مسكىُّ السَّوالف ليِّن الـ ـمعاطف معسول المراشف أحور
تطيب برؤياه النُّفوس وإنَّما بأنفاس ريَّاه الجيوب تعطَّر
/٢١١ ب/ وليلة وافى والدُّجى مثل شعره وطلعته فيها كم الصُّبح تزهر
فقلت: وفيت الآن وعدم في الهوى فقال: ومثلي في الهوى كيف يعذر
إليك قطعت البيد من رمل حاجر أخوض الدُّجى إذ بالقنا الخيل تعثر
فبتُّ ولي من ورد خدَّيه موردٌ ومن صدره أفديه بالنَّفس مصدر
ولي من سجاياه الشَّهَّية جنَّةٌ لها من ثناياه البهَّية كوثر
وقلت له [لا] زلت مستعذب الجنا ولا برحت أسد الشَّرى منك تحذر
ويفديك منِّي في هواك تصبُّري .. وإن كان ما لي في هواك تصبُّر
وقال أيضًا: [من الطويل]
وطلق المحيَّا لا يرام وإنَّما هو الشَّمس لكن دارة البدر داره
قريبٌ مدًى مرضاه سهلٌ خداعه بعيد مرآة صعبٌ مزاره
نفورٌ ولم تظفر حبائل حبِّه بحبَّة قلب الصَّب لولا نفاره
تعلقته ما طعم محبِّه فيضحى وتقريب المحبِّ شعاره
وقلت: إذا خطَّ سلوته فزاد هيامي حين خطًّ عذاره
وقال أيضًا: [من الطويل]
تعلَّقته ما اشتاقه رمل عالج غرامًا وما ضمَّنته سلعٌ وحاجر
/٢١٢ أ/ حرمت الرِّضا إن كنت منذ ألفته تأملته أوراءه لي ناظر
[ ٦ / ٢٧٣ ]
إذا زارني أطرقت منه مهابًة وأمَّا إذا ما أزورَّ عنِّي فظاهر
وقال أيضًا: [من الوافر]
وأحر ساحر اللَّحظات أحوى شهىِّ المجتنى طلق المحيَّا
ألمَّ بنا فأغنى حين عنَّى وأحيانا جميعًا حين حيَّا
وجاد براحه واللَّيل داج فقلت براح قد طلعت عليَّا
وشجَّ الرَّاح من فيه بريق فشجَّ لنا الحميَّا بالحميَّا
وطاف بها على الأحياء يبغي نهاب نفوسهم حيّا فحيَّا
فأحيا كفُّه من كان ميتًا بها وأمات من قد كان حيَّا
فأسكرنا وأذكرنا حديثًا قديمًا في ربي نجد تهيَّا
فبتُّ لنشر نشر حديث علوى على التَّذكار يطوي القلب طيَّا
أغفِّر في الثَّرى خدِّي لعفرا وأروى الأرض من دمعي لريَّا
وأستجدي الرَّباب مرور يوم على دار الرَّباب ودار ميَّا
فشملي صار ثقل بنات نعيشٍ بهنَّ وكان شملي كالثريَّا
وقال أيضًا: [من البسيط]
/٢١٢ ب/ في أيِّ شرع وقد كلِّفت ذكراك حبًا نسيت محبًا ليس ينساك
لو لم تكوني سواد العين منه لما أصار منه سويدا القلب مأواك
من بالتقالي وعن عطف على كلف مغرًى بحبِّك أغراك وأعراك
صوني معنَّاك عن معناك بارزًةٌ فقد أذبت معنَّاك بمعناك
لا تصدعي القلب تبدي منه سرَّ هوًى أودعتنيه فما في القلب إلَّاك
منعتنا طيب رؤياك على أمم منَّا ولا تمنعينا طيب ريَّاك
أنت المغيرة ريم الرَّمل مقتلة عيناك عيناه أو عيناه عيناك
بالقلب أدركت منك الحسن مكتتمًا وإنَّما الطَّرف أدراك بإدراكي
لولا الهوى ما هوى قلبي لديك جوًى أزاله عنِّي يومًا ذكر مهواك
أفتيت بالفتك في قلبي وفي جسدي أفديك من فيهما بالفتك أفتاك
[ ٦ / ٢٧٤ ]
وجرت في قلب صبٍّ أنت جاريةٌ أجارك الله من بالجور جاراك
نبِّئت هجرك عن أمن العداة وما ظننت هجرك إلَّا خوف أعداك
ألست ظبي كناس من بني أسد فكيف رحت وأسد الغاب تخشاك
يثني تثنِّيك عن غصن الأراك كما عن لامع البرق تثنينا ثناياك
إنَّ الَّذي خلق الإنسان من علق من أطيب الطيب في الأحشاء أنشاك
/٢١٣ أ/ ألم تري لنسيم الرِّيح رائحةً تضوع مسكًا إذا ما صافحت فاك
ماذا عليك وفيك الحسن أجمعه لو كان حسنك مقرونًا بحسناك
سقى العهاد بأكناف الأبيرق من بأن الحمى معهدًا فيه عهدناك
ردِّي حديثك عن حزوى علىّ فما أحلى حديثك عن حزوى واحلاك
فلست أنسى برمل الرَّملتين وقد بتُّ الملمَّ بما تقبيل ألماك
إذ كلُّ عين إلينا غير ناظرة وكلُّ عين علينا طرفها باكي
وربما ليلة بالجزع بتُّ بها وأنت ترعين في قلبي وأرعاك
والحيُّ أساده تبدو ثعالبها بكلِّ أبيض ماضي الحدِّ فتَّاك
أهدى الأمان إلى من ذرى إضم إلىَّ في هضبات الخيف أهداك
نعم وجبّى الجبا وادي مني فبه نلت المنى إذ تمشَّى القلب يلقاك
أهلًا بطيفك خاض اللَّيل محتقرًا هول الفيافي ليقرينا تحاياك
حيا فأحيا فحيَّاه الإله وأحـ ـياه خيالًا وحيَّاك وأحياك
ألمَّ واللَّيل في قيد الصَّباح فما ألمَّ بالصَّبَّ حتَّى أمَّ مغناك
لو امتطيت إلينا شوق أنفسنا إليك أسراك شوقًا نحو أسراك
قد ملَّ جفني طيب النَّوم فيك جفًا فهل ألمَّ بطيب النَّوم جفناك
/٢١٣ ب/ هل للَّيالي المواضي أن تعود لنا يومًا فتجمعنا دارٌ وإيَّاك
عليك منِّي سلام الله ما برحت براح تخفي حياءٌ من محيَّاك
ونقلت من خطِّة قوله، ما كتبه على ظهر كتاب الهداية في فقه أبي حنيفة- رضي
[ ٦ / ٢٧٥ ]
الله عنه –وكان قبيل موته بأيام يسيرة، فسبحان الحي الذي لا يموت -: [من البسيط]
يا ناظرًا فيه يجني من حدائقه ثمار ما أنا فيه غارسٌ ساقي
أفني قريبًا وتبقى في الورى حقبًا فأذكر بها ذلك الفاني بذا الباقي
وقال أيضًا: [من الطويل]
منحناكم منَّا الوداد كرامًة لكم ومنعنا غيركم ودَّنا ضنَّا
دعيناكم حفظًا وملنا إليكم رضًا فاعدلوا فينا ولا تعدلوا عنَّا
وإن نقل الواشون عنَّا إساءًة فقد نقلوا ضدًّ الَّذي علموا منَّا
وقوله: [من الطويل]
نسيم الصَّبا إن زرت برقة ثهمد فبلِّغ سلامي منزل السَّيف أحمد
/٢١٤ أ/ وإن لم يجب من جانبيه سوى الصَّدى فروِّبما الدَّمع مربعه الصَّدي
وقفت به أشكو إليه وإنَّني لأشكو صباباتي إلى غير مسعد
بقلب جريح حلف وجد مجدَّد وطرف قريح إلف جفن مسهًّد
فهذا إن استجديته سلوةً أبي وهذا إن استنجدته الدَّمع ينجد
وقد ساعدتني فيه سعدانهٌ متى أعدُّ لييلات الوصال تعدَّد
وشتان ما بين القرينين شادنٌ وشاد من الورق الحمام مغرِّد
فيا غضَّ عيش غاض ماء حياته سقاك الحيا من كلَّ وطفاء مرعد
وعودي لنا يا ليلة الجزع عودةً وإن لم تعودي فاجملي القول أو عدي
وفي الحيِّ خال من جوى القلب راقدٌ ومن يخل يومًا من جوى الحبِّ يرقد
فصيحٌ يرى قسَّ الفصاحة الكنًا جوادٌ يرينا حاتم الجود مجتدي
بهيُّ المحيَّا لو تراءى ليوسف لما قطعت في يوسف الحسن من يد
همامٌ إذا ما همَّ أن يحضر الوغًي أراك الحسام مغمدًا غير مغمد
إذا ما رمى عن رأيه سدَّد العدا ومن يرم عن رأيًّ سديد يسدَّد
وإن كرَّ بالرُّمح الرُّدينيِّ طاعنًا تر الأسد الضَّاري يكرُّ باسد
[ ٦ / ٢٧٦ ]
ومن حذري أكني بحيِّ كنانة وإن كنت أعزوه إلى الشُّم من عدي
/٢١٤ ب/ أطعت فإن أتهمت أتهم صبابًة إليك وإن تنجد فديتك أنجد
يفنِّدني عنك العذول وربما يزيد الهوَّى قول العذول المفنِّد
ومرتحل يدنيه خرصٌ متثقَّفٌ ويصحبه حدُّ الحسام المهَّند
يريك من الدُّرِّ النَّظيم وضدَّه بمبسمه النَّدِّى ومنطقه النَّدي
سرى لا يرى في الله لومة لائم على نضره دين النَّبيِّ محمد
وجرَّد في الله الحسام الَّذي به يريق دم الأعداء غير مجرد
حسامًا له إن سلَّ هامت إلى العدا مضاربه أو صلَّ للهام تسجد
فشيَّب من أفوادهم كلَّ أسود وسوَّد منهم وجه كلِّ مسوَّد
وطرَّف منهم كلَّ طرف منرجس وخدَّد منهم كلَّ خدًّ مورَّد
فأظهر دين الله كلُّ موحِّد ومكَّن بطن اللَّحد من كلِّ ملحد
تيمَّمته سرًّا على قصد أنَّني أودِّعه جهرًا فما خاب مقصدي
وزوَّدني شوقًا إليه وإنَّما تزوَّد منِّي عبرتي وتجلُّدي
وأوهمت يمناه وقبَّلت صدغه وعدت وغدران الصًّبابة موردي
وسار إذا استهدى به خباطٌ رأي هداه ومن يستهد بالبدر يهتد
تولَّى تولَّى الله حفظ جنابه وسلَّمه أنَّي يروح ويغتدي
/٢١٥ أ/ وقال أيضًا: [من الطويل]
وأهيف يحكي الرُّمح إن ماس قدُّه بدا حسبنا جيبه إذ بدا شرقًا
أغنَّ كحيل الطَّرف ذي نفرة فلم يخلَّ لريم الرَّمل خلقًا ولا خلقا
جعلت له يومًا يميني وسادًة وما كنت أرجو أن أذوق له نطقا
فضاجعني كالغصن بل غصن النَّقا وأرشفني كالخمر بل خمرة حقّا
فعانقت من جثمانه الرُّكن عندما تعلَّقت من صدغيه بالعروة الوثقى
وقبَّلت منه الخدًّ والثَّغر باسمًا فقابل طرفي منهما الورد والبرقا
فلولا ذكت أنفاسنا وتصاعدت لأبصرتنا إذ ذاك في عرقٍ غرقي
[ ٦ / ٢٧٧ ]
وقال أيضًا: [من الوافر]
وخطِّي القدِّ خوطيِّ التَّثِّني رحيقي الرِّيق درِّيِّ الثَّنايا
له من لحظة السَّاجي سهامٌ ولكن من حواجبه حنايا
فإن لحظ القلوب يروم رميًا تثبَّت أن تكون له رمايا
وفي أجفانه سيفٌ جرازٌ تمنَّاه هوادينا هدايا
إذا ما راضه للسبي يومًا رضينا أن نكون له سبايا
أيا من حاز حسن النَّاس جمعًا وجاز الحدَّ في كرم السَّجايا
/٢١٥ ب/ رعاياك القلوب وأن جارٌ لها فأجر جوارك والرَّعايا
ولا تصدع فؤادي تبد منه سرائرك المصونات الخفايا
وحسنك قد وليت به علينا قضاء الحبِّ فاعدل في القضايا
أمانًا منك يا سؤلي أمانًا فقد جرَّعتني غصص المنايا
فلا بعدت يداك عن الأيادي ولا قربت خطاك من الخطايا
وقال أيضًا: [من البسيط]
من منصفي أو مجيري من صدودفتًي عذب التذلُّل في العشاق قد فتكا
مهفهف من بني الأتراك معتدل سبى النُّفوس فما أبقى ولا تركًا
ظبيٌ ولكنه يحميه إن صبًت منه العيون لا ساد الورى شركًا
يذود عن شفتيه من لواحظه مهندٌ من فنون السِّحر قد سبكا
ملكته ثغر قلبي إذ غدا ملكًا لكنَّه جار فيه عندما ملكًا
وشمس راح بدت في كفِّ بدر من الزُّجاجة قد صاغوا لها فلكا
لها نجوم حباب قد طفت دررًا فأطفأت بذكاها بهجًة لذكًا
صفت فلمَّا السَّاقي أنامله قبضٌا على كاسها كانت له حبكا
قم يا نديمي إلى الكاسات معتنمًا عيشًا ودع عنكز من صلَّى ومن نسكا
/٢١٦ أ/ فإنَّ من قال: إنَّ الله ذو بخل أن يغفر الذَّنب إحسانًا فقد أفكا
أما ترى طائر الأغصان من شجنٍ مرنِّحًا عذبات البان حين حكى
[ ٦ / ٢٧٨ ]
فانظر فقد أسبل الرَّاووق أدمعه لمَّا رأى دم دنَّ الخمر قد سفكا
خمرٌ يدور بها بدرٌ علا غصنا من الأراك نضيرًا ليِّنًا حركا
معقرب الصُّدغ لو لاحت معاطفه ليوسف الحسن يومًا ظنَّه ملكا
وقال أيضًا: [من البسيط]
رسمٌ لعزَّة قد أقوت مغانيه راحت سحاب الغودي وهي تسقيه
ولو رضيت بما تذري الجفون له لقلت: ليت جفوني من غواديه
وقفت ناديه أدعوه وأسأله عن ساكنيه وأسقيه وأسقيه
ساويته في البلى، لا في الهوى فغدا بحاله وهو يبكيني وأبكيه
أحلَّ ناديك حيٌّ من بني مطر أم حلًّ فيك الحيا يومًا عزاليه
صمتًا كأن ما غدت واديه غاديةٌ ولا أنثنت في مغانيه غوانيه
أليَّةً بلييلات لنا سلفت وغضِّ عيش تولَّى في نواحيه
إذ منزل الحيِّ طلق الثَّغر باسمه ومورد اللَّهو عذب الماء صافيه
فهو الزَّمان الَّذي لو كان غانيًة لنا عقود جمان في تراقيه
/٢١٦ ب/ يا موقدي جمر قلبي يوم فرقتهم ماذا على طفيكم لو طاف يطفيه
أنتم تسليتم عنِّي ببعضكم محبُّكم عن هواكم من يسلِّيه
أحبابنا لو علمتم ما نكابده من الغرام بكم أو ما نقاسيه
أرفدتمونا فديناكم بمألكة تبري المريض وإن كانت لتبريه
رحلتم عن جريح القلب موجعًه ونمتم عن قريح الجفن داميه
فالوجد يرفعه شوقًا ويخفضه والشَّوق ينشره وجدًا ويطويه
ودَّعتمونا فأودعنا ركابكم منَّا قلوبًا بنار الشَّوق تهديه
عدلتم عن فؤادي إذ غدا لكم دارًا فهلَّا عدلتم سادتي فيه
أقسمت لو كنت أدري قبل بينكم ما بعده لصحبت لرَّكب هاديه
وقوله من جملة أبيات: [من المتقارب]
هي الدَّار من حاجر دار أسما فبلَّ المنازل رسمًا فرسما
[ ٦ / ٢٧٩ ]
وسلِّم على بان وادي العذيب فثمَّ أعيلام أطلال سلمى
وقل لأصيحابنا ينثرون من لؤلؤ الدَّمع ما كان نظما
على دار نعم بوداي الأراك فإنَّ لنعم على القوم نعمى
وقفت لأسمع نوح الحمام ولكن بأذًن عن العذل صمَّا
/٢١٧ أ/ أهيم إذا ذكر أسم الحبيب كأنِّي أرى الإسم عين المسمَّى
وأهيف كالبدر عند التَّمام من الشَّمس أعلى مكانًا وأسمى
رشًا ودَّه حجله فاستسرَّ وعاداه منه النِّطاق فنَّما
وقال أيضًا: [من البسيط]
وأهيف القدِّ عذب اللَّفظ ساخره أغنَّ ساحر لحظ العين ساجيه
معقرب الصدع ريميًّ تلفته مخصَّر الخصر خوطي تثًّنيه
يسبيك بالجيد منه وهو عاطله حسنًا فكيف إذا ما كان حاليه
رنا وأغضى فقلت: المسك من دمه وجفنه الغمد لا ريبٌ ينافيه
يا أضلعي لا تجنِّيه محافظًة فإنَّه بك قد أودى تجِّنيه
وقال أيضًا: [من البسيط]
قلبي بصدِّك عنِّي كم تعذبه تيهًا ووجهك عنِّي كم تحجِّبه
يا بدرتمًّ يفوق الشَّمس مطلعه عذاره وقلوب النَّاس مغربه
ويا غزال كناس من مهابته لا تستطيع أسود الغاب تصحبه
قد راح قلبي له مرعًى فلا عجبٌ أن راح ماء حياتي وهو مشربه
من قال في الحبِّ إنَّ البدر يشبهه فأنَّ في الحبِّ أوصافًا تكذبه
/٢١٧ ب/ يعزى إلى العرب العرباء منطقه واللَّحظ منه إلى الأتراك منسبه
من أين للبدر عيناه وطرَّته وعارضاه وخدَّاه وأشنبه
أما وجفنيه شمس الأفق لو منحت باية النُّطق أضحت وهي تعتبه
أفدي الَّذي طيفه ما زراني كرمًا إلَّا انثنى ولوى عينيَّ يركبه
يروم تقليب قلبي في محبَّته أفديه من أين لي قلبٌ يقلِّبه؟
أملي تجنِّيه ظلمًا زادني ألمًا وإنما أصل آلامي تجنُّبه
فيا حبيبًا حباني بالهوى وهو عنِّي ليخبر أن الغدر مذهبه
[ ٦ / ٢٨٠ ]
ويا رشًا راش سهم الصَّدِّ مقتصدًا لصبَّ حتَّى عليه ضاق مذهبه
ويا غزالًا غزاني حين غازلني بمرهف من غريب السِّحر مضربه
من لي أراك وعين البحر راقدةٌ والوصًل يقظان خلو القلب طيِّبه
حتَّى أبوح بسر كنت أكتمه خوفًا وأعرب شوقًا كنت أغربه
وله من جملة أبيات: [من المتدارك]
لصدودك همت إليك صدى ولهجرك واصلت السُّهدا
وغرامٌ فيك أكابده قد أتلف قلبي والكبدا
فإلى م تعاندني عبثًا وبلحظك جرحي قد عندا
/٢١٨ أ/ وتقلِّب قلبًا منصدعًا بهواجر هجرك متَّقدا
علِّقت غزالًا من أسد يصطاد بمقلته الأسدا
قد حلَّ ذؤابته فأضً ـل وأبرز طلعته فهدى
وإذا ما افترَّ تحار العيـ ـن أثغرًا تنظر أم بردا
يا أحمد دونك سفك دمي لا إثم عليك ولا قودا
قسمًا بسميِّك لا أسكنـ ـت سواك فديتك لي خلدا
إن متُّ بحبِّك يا مولا ي وعيشك كنت من السُّعدا
وحديث سميِّك صلى اللـ ـه عليه بذلك قد شهدا
من مات محّبًا بالكتما ن عفيفًا كان من الشُّهدا
يا قلب عليك جميًل الصَّبـ ـر وإن يك صبرك قد نفدا
فلصرف زمانك منصرفٌ ولمدة هذا الهجر مدى
وارقد لعدوِّك مضطجعًا إن كان عدوُّك ما رقدا
وقال أيضًا: [من البسيط]
إذا ذكرتك فاضت أدمعي وذكت نيران وجدي وزادت فيك أشجاني
وبتُّ ملقًي على فرش الضَّنى فلقد قد نافرت فيك طيب النَّوم أجفاني
/٢١٨ ب/ عان بذا السُّقم أرعى في مدى سهري من أنجم الأفق نجمًا ليس يرعاني
من مبلغ التاركي في حبِّة مثلًا ينسى به ذكر ما قيسٌ وغيلان
أنَّي دنا أو تناءى رقةً وجفًا مغرًى بحبِّيه في سرِّى وإعلاني
[ ٦ / ٢٨١ ]
[٨٤٠]
محمد بن عمر، أبو عبد الله الغماريُّ.
من أهل ميورقة من البلاد الأندلسية
رأيت من شعره ما مدح به المولى الصاحب الوزير الكبير العالم مؤيد الدين أبا نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيبانّي بحلب- أدام الله تمكينه-:
[من مجزوء الرجز]
هل للِّقاء من موعد بأغيد المقلَّد
أما تراني من هوا ك في المقيم المقعد
وأنت عنِّي ملته في حسنك المجدَّد
تلعب بي لعب الصِّبًا بقدك المؤوَّد
مهما تشكَّيت لك الـ ـوجد تقل إلى غد
فلا أنا بمقصر وأنت لست مسعدي
لحظك لي مثاقفٌ عن خدِّك المزرَّد
/٢١٩ أ/ وقد جمعت نفرة الـ ـظَّبي وبطش الأسد
وليس لي منك حمًى إلَّا حمى المؤيَّد
فقال لي: كن آمنًا وابشر بنيل المقصد
إن المؤيَّد الَّذي استنجدت خير منجد
أشهر أهل الأرض في مكارم وسؤدد
أقدمهم في شرف الأ صل وطيًب المحتد
أطولهم يدا ندًى أقولهم في مشهد
أعزُّهم جارًا وأو فاهم بحسن الموعد
أما رأيت فضله يروى بكلِّ بلد
وأنَّه ينطق عن بحر علوم مزبد
أما سمعت مدحه في فم كلِّ منشد
هو الكبير قدره .. في صورة المقتصد!
[ ٦ / ٢٨٢ ]
كم من يدله على هذا الورى كم من يد؟
دامت له النِّعمة والـ ـسَّعد دوام الأبد
[٨٤١]
محمد بن عيسى بن نظام الملك، الأمير.
من أهل بغداد.
يقول في الوزير أبي الثناء محمود بن محمد بن مقدار الحرّاني من قصيدة أولها: [من الوافر]
فؤادي فيك زمُّوالا النِّياقا وشوقي دعدع الحادي وساقا
وصبري عنك يا تامور قلبي قضى وتجلُّدي بلغ السِّياقا
جلاك لي الفراق فصرت شوقًا إلى رؤياك أشتاق الفراقا
ومنها يقول:
فسائلي الفراق عن اغتماضي وقلبي فانشدي عنه الرِّفاقا
تخبِّرك الرَّكائب أيَّ دمع أرقت بها وأيَّ دم أراقا
وأنَّ الرَّبع منك دعا دموعي فلبَّته بوادرها اشتياقا
[٨٤٢]
محمد بن عياش بن صباوة بن أبي بكر بن عبد العزيز بن رضوان بن عياش بن رضوان بن منصور بن دويد بن صالح بن زيد بن عمرو بن الزبار بن جابر بن كعب بن عليم بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن /٢٢٠ أ/ تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة أبو الفضل بن أبي البقاء النحويُّ الأديب العرمانُّي.
[ ٦ / ٢٨٣ ]
وعرَّمان قريةٌ كبيرةٌ من اشهر قرى صرخد من عمل حوران من الولاية المشهورة بدمشق.
دخل حلب وسكنها مدةً من الزمان، وسافر إلى بغداد، ثم رجع عنها إلى إربل، وأقام بها أيامًا قلائل، ثم رحل عنها ونزل الموصل، وتوجه إلى حلب، واستقر بها مقامه، واستوطنها وسكن المدرسة النورية المنسوبة إلى بني عصرون.
وكان يختلف إلى أبي القاسم أحمد بن هبة الله بن سعد [الله] بن الجبراني النحوي المقرئ، يقرأ عليه وعلى الشيخ الموفق أبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي الحلبي؛ علم العربية والأدب، وأتقن معرفة هذا الشأن، وتمهر فيه على أبناء زمانه، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي﵁- إلا أنه غلب عليه علم الأدب والإعتناء به.
وكان واسع الحفظ لأشعار المحدثين وغيرها من أشعار العرب. وكان ذكيًا متوقدًا، جاري اللسان، ولم يدع جنسًا من أجناس الشعر، وفنًا من فنونه إلاّ واستظهر /٢٢٠ ب/ منه جملًة وافرًة. وكان يسر ديوان أبي تمام والحماسة، وشعر أبي الطيب المتنبي، ويجيد قول الشعر، وهو منه على طبعة متوسطة. وكان قادرًا على إنشائه، يقوله لهوى قلبه، ولا يرتزق به كعادة الشعراء اللذين يستميحون بأشعارهم، ويقصدون بها، وكان يعزّ نفسه عن الإسترفاد، وكان نظمه عليه سهلًا، وكان ضنينًا به لا يرى إثباته إلَّا يطرحه ويلغبه.
وكان يصنع الأشعار ويعزيها إلى الكبراء من أهل حلب، وأولى الثروة الذين كان يغشاهم ليتبجح عندهم بذلك وتنفق سوقه، وربما عثر لشاعر بأبيات فيسلخها، ويغير ألفاظها، ويبدّلها ثم ينتحلها.
وكان شابًا قصيرًا، لطيف الخلقة، منزعج العينين، شعره يضرب إلى منكبيه.
[ ٦ / ٢٨٤ ]
يتزيّا بزي المغاربة، وإذا نطق بالقاف جعلها كافًا. وكان خفيف الرأس، ناقص العقل، مبدّد الأحوال، سوداوي المزاج، تعتريه السوداء، ذا هوج وسرعة غضب، وربما أفضى به ذلك إلى ضرب من ضروب الجنون. وكان يسرف في المزاج والمداعبة.
/٢٢١ أ/ إنسان سوء، قلَّ أن سلم أحدٌ من شرِّه ولسانه، وقد جعل هجيراه الوقيعة في أعراض الناس وتلقيبهم، ولم يترك أحدًا من الأماثل بحلب إلَّا وأظهر له لقبًا ونبزه به. يفعل ذلك على سبيل الإنبساط والمجانة، وكنت في بعض الأوقات ألومه على ذلك وأعنفه، فكان يقول لي: أنا أحبُّ اللعب والهزل.
وكان مع ذلك شديد الميل إلى المرد الصباح الوجوه، مغرًى بمعاشرتهم والاختلاط بهم. وكان يذهب مذهب الباشطاريًة، ويتعاطى الرُّجلة والشجاعة وركوب الخيل والمسابقة بها، وما نازعه أحدٌ في شيء ما إلاّ وشهر عليه سكينًا، وتوعّده بالفتك. وكان قد رفض جنب الله تعالى، ولم يخل في زمانه من هوًى يعلق بقلبه، ويستحوذ على ذهنه ولبّه، ويضمنه شرح أحواله، ويذكر ذلك في أقواله، ويصف ما يلقاه من تباريح الهوى، ويجده من شدّة الجوى، والشكوى والغرام، والصبابة والهيام، والجفاء والبعاد، والشوق والسُّهاد.
ولم يزل بالغلمان الملاح مشعوفًا، مستهترًا بهنَّ معروفًا؛ ذوي القدود الرشاق، والخصور الدقاق/ ٢٢١ ب/ والطور المصفَّفة، والوجنات المترَّفة، وميله إلى هوى نفسه، هو الذي أودى به إلى رمسه؛ لا جرم عاد عليه وباله، ومات أشنع موته، وخسر الدنيا والآخر.
وكان يظهر التدين، وفعل الخير، وباطنه بخلاف ذلك، وما ظهر لي منه، شهد الله تعالى ألاّ استقامة الأحوال، وسلوك السَّمت الحسن، حتّى خبِّرت أنَّه هوى صبيًا أمرد بالمدرسة العصرونَّية، وأحبهّ حبًا مفرطًا، والصبيُّ يكرمه، وينفق عليه، ويعاشره أجمل عشرة تكون بين الأصدقاء، ولم يعلم الصبيُّ ما في نفسه إلى ليلة من ليالي شهر رمضان، وهي الرابعة عشر [ة] منه بعد صلاة عشاء الآخرة، وثب على الصبيّ خلسًة فضربه بسكين كانت معه معدَّةً فجرحه ثلاث جراجات، فنزل شخص آخر من المدرسة المقيمين بها، فضربه ضربتين ثم انهزم وصعد إلى بيته الذي يسكن به في علوّ المدرسة،
[ ٦ / ٢٨٥ ]
وقفل عليه الباب، فسمع شخصًا من المدرسة، يقول: قتل العرَّماني إثنين، فخاف على نفسه الصلب، فذبح نفسه! وبقي على صلاة الصبح، فجاء غلمان الوالي، فكسروا /٢٢٢ أ/ الباب، وألقوه من دركاة المدرسة، فبقى إلى ضاحي نهار يوم الإثنين، ثم دفنوه بمقبرة الجبيل وذلك في سنة خمس وأربعين وستمائة – سامحه الله تعالى- وعمره يومئذ في حدود الربعين أو نيّف عليها بيسير.
وما أنشدني لنفسه، وكتبه لي بخطّه: [من الكامل]
يا صاح دع عذل العوا ذل في معتَّقة الرَّحيق
صرفًا تلهًّب في الكؤو س كأنها لهب الحريق
ممَّا تخيَّرها المسيـ ـح ذخيرةً للجاثليق
وكأنَّها ذوبٌ من الـ ـياقوت لا ذوب العقيق
يسعى عليك بها غزا لٌ كالغزالة في الشروق
رشاٌ رشيق قوامه أحلى من الغصن الرَّشيق
جلَّت بدائع حسنة عن وصف ذي الذِّهن الدَّقيق
لك كلَّما نادمته سكران من خمر وريق
أوما ترى وشي الرُّبى أربي على الوشي الأنيق
كم فيه من زهر يرو ق الطَّرف في غصن وريق
/٢٢٢ ب/ لمَّا تخلَّله النَّسيـ ـم ومسَّه مسَّ الشَّفيق
لثمت ثغورٌ للأقاح به خدودًا للشقيق
وتأرَّجت نفحاته كتأرُّج المسك السًّحيق
وكأنَّ نرجسه مدا هن من لجين للخلوق
وكأنَّ زهر بهاره العقيان أو خدُّ المشوق
والجوُّ في حلل مطرًّ زة بمذهبه البروق
فاشرب وصل منها صبو حك كلَّ يوم بالغبوق
وتسلَّ عن كلِّ الأنام فليس فيهم من صديق
[ ٦ / ٢٨٦ ]
وأنشدني لنفسه في الزهد، والرجوع إلى الله –﷿-: [من المجتث]
ياربِّ يا من إليه كلُّ الأمور تصير
يا من على كلِّ شيء هو القوىُّ القدير
إرحم بعفوك واغفرً ذنبي فأنت الغفور
فليس لي من عذاب إن لم تجرني مجير
وأنشدني لنفسه، يستدعى صديقًا له: [من مجزء الكامل]
/٢٢٣ أ/ قم يا كمال الدِّين نغـ ـنم طيب ذا اليوم المطير
بمدامة قد عتِّقت من عهد كسرى أردشير
يهدي إليك نسيمها أرج الخزامي والعبير
رقَّت فما في كأسها منها سوى إشراق نور
كادت تطير فعاقها شبكٌ من الدُّرِّ النَّثير
يسقيكها ذو قرطق أبهى من القمر المنير
فإذا سقاك ثلاثة صرت الأمير على الأمير
ونشرت كلَّ فضيلة طويت من الفضل الغزير
فتعال فاشربها تسًـ ـرٌّ فليس شيءٌ كالسُّرور
وأنشدني لنفسه يمدح: [من مجزوء الرجز]
يا ملكًا إنعامه عمَّ جميع البشر
وبأسه في الرَّوع أمـ ـضى من مضاء القدر
هبَّ إلى الرَّاح فقد هبًّ نسيم السَّحر
وغنَّت الطَّير فأغـ ـنت عن سماع الوتر
/٢٢٣ ب/ والجوُّ يجلى في رد اء فاختيٍّ عطر
كأنَّه معترضًا دخان عود نضر
وطلُّه مثل اللآ لي في عيون الزَّهر
والأرض من رياضها في حلل من حبر
فقم إلى مدامة صافية من كدر
[ ٦ / ٢٨٧ ]
كأنَّها ياقوتةٌ قد رصِّعت بالدُّرر
يسعى بها قضيب با ن مثمرٌ بالقمر
حيَّر غزلان النَّقا بجيده والحور
يسقيكها ومثلها من ريق فيه الخصر
ولا تزل في نعمة ممتَّعًا بالعمر
وأنشدني لنفسه: [من المديد]
وبديع الحسن ليس له غير قتلي في الهوى إرب
فعلت أحاظه بي ما تفعل الهنديَّة القضب
وشفائي لو يجود به ما حواه ثغره الشَّنب
ريقه صهباء صافيةٌ وثناياه لها حبب
/٢٢٤ أ/ عجبي من نار وجنته في مياه الحسن تلتهب
إن بدا في الشَّمس من خجل بستور الحجب تحتجب
كملت في الحسن صورته فإليه الحسن ينتسب
كلُّ راحاتي به تعبٌ ويح من راحاته التَّعب
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
أأحبابنا والله ما العيش بعدكم لذيذٌ ولا الصَّبر الجميل جميل
ولا راق طرفي في الورى حسن منظر ولا تأق قلبي صاحبٌ وخليل
ولولا نسيمات القبول تزورني لها أرجٌ من نشركم وقبول
لما عشت من شوق إليكم مبرِّج بقلبي طول الدَّهر ليس يزول
زعمتم بأن البعد شهرٌ وقد مضى فما للنوى تلوى بكم وتطول
وأنشدني أيضًا لنفسه الشمس: [من البسيط]
والشَّمس مصفرَّةٌ في الغرب قد نشرت شعاعها في تفاريق من السُّحب
كأنَّما السُّحب أعلامٌ مورَّدٌ والشَّمس من تحتها ترسٌ من الذَّهب
[ ٦ / ٢٨٨ ]
وأنشدني من شعره أيضًا: [من مجزوء الكامل]
/٢٢٤ ب/ وجهٌ صفا ماء الجما ل به وشبَّت فيه ناره
وكأنَّ خطَّ أبن العديـ ـم على حواشيه عذراه
وأنشدني لنفسه في المعنى أيضًا: [من مجزوء الكامل]
قد زخرفت في وجهه للنَّاس جنَّات النَّعيم
وكأنَّ خطَّ عذاره الـ ـمنسوب خطُّ ابن العديم
وأنشدني لنفسه، وقد سمع هذا البيت: [من الطويل]
وسمراء رود حجَّبوها بأسمر يماثلها في اللَّون واللَّين والقدِّ
فقال تمامًا له: [من الطويل]
جفت فجفا جفني الكرى بجفائها كأنَّهما كانا لهجري على وعد
وأنشدني أيضًا قوله، يصف الجيش: [من الطويل]
خميسٌ كمثل البحر عبَّ عبابه أوائله ليست لهنَّ أواخر
له تحت أطباق الأراضي زلازلٌ ومن فوق أفلاك النُّجوم زماجر
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الرجز]
يا مالكًا أمسيت من وجدي به متيَّما
سقام جفنيك الَّذي أغرى بجسمي السَّقما
/٢٢٥ أونار خدَّيك بها وقعت في جهنَّما
من منصفي من شادن مهفهف عذب اللَّما
حكَّمته في مهجتي فجار لمَّا حكم حكًّما
كأن عقدي لؤلؤٍ في ثغره قد نظِّما
[ ٦ / ٢٨٩ ]
قدر رقم الحسن له في عارضيه أرقما
نمَّ بسرِّ حسنه لمَّا بدا منمنما
وسلَّ من جفونه من اللِّحاظ مخذما
وفوَّق الهدب بقو سي حاجبيه أسهما
وهزَّ لدنًا ذابلًا من قدَّه مقوَّما
فاعترضت من دونه يمنعه أن يلثما
تحميه ممَّن رامه وقَّ للثغر الحمى
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الرجز]
وشادن شاد هو الشـ ـمس ضحى بل أحسن
قد جمعت في خلقه لناظريه الفتن
يودُّ جسمي انَّه حين يغنَّي أذن
/٢٢٥ ب/ في مجلس فيه لنا أحسن ما يستحسن
ما تشتهيه الأنفس وما تلذُّ الأعين
وأنشدني له في غلام التحى: [من الطويل]
ولمَّا اكتسى بالشَّعر توريد خدِّه وما حالةٌ إلاَّ تؤول إلى حال
وقفت عليه ثمَّ قلت مسلِّمًا: (ألا أنعم صباحًا أيُّها الطَّلل البالي)
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
يعادي فلان الدِّين قومٌ لو أنَّهم لأخمصه تربٌ لكان لهم فخر
ولكنَّهم لم يذكروا فتعمَّدوا عداوته حتى يكون لهم ذكر
وأنشدني أيضًا قوله: [من الوافر]
ومالي لا أحيِّي دار ليلى وأحبس في معالمها ركابي
واعتنق التراب لعلَّ قلبي يسكَّن حرَّة برد التَّراب
وقد سلفت لنا فيها بليلى ليالٍ مثل ريعان الشَّباب
[ ٦ / ٢٩٠ ]
وأنشدني لنفسه: [من السريع]
أنشد عزُّ الدِّين أشعاره فما شككنا أنَّهادرُّ
وما عجبنا أنَّه مخرجٌ لدُّرِّ منه وهو البحر
/٢٢٦ أ/ وأنَّ أوصاف الوزير الَّذي يفرق من صولته الدَّهر
قد أكسبت أشعاره بهجةً يخجل منها الشَّمس والبدر
وأنشدني لنفسه في الفقيه الإمام نجم الدين موسى بن محمد القمراوي يمدحه:
[من البسيط]
أصبحت علاَّمة الدُّنيا بأجمعها تشدُّ نحوك من أقطارها النجب
بأن على كبد الجواز منزلة تحفُّها من خلال حولها الشُّهب
ما نال ما نلت من فضل ومن شرف سراة قوم وإن جدُّوا وإن طلبوا
وأنشدني لنفسه يمدح الوزير عبد المحسن بن محمد بن الواحد بن حرب الحلبي، وزير الملك العزيز غياث الدين محمد بن غازي بن يوسف:
[من الخفيف]
إدَّعى مفتي الأنام رئيس الـ ـشَّام زين الإسلام قاضي القضاة
أنَّ ذا الصَّاحب الوزير بن حرب ذا المعالي والأنعم السَّابقات
نشار العدل في الرَّعيَّة طاوي الـ ـظلم عنها موفَّق العزمات
خاضب الأبيض المهنَّد والأسمر في الرَّوع من نجيع الكماة
/٢٢٦ ب/ والشُّهود العدول عدلٌ وفضلٌ ونزالٌ والأبحر الزَّاخرات
وعجيبٌ أن أدَّعي ما أرى النَّا س أقرُّوا به وبالينات
وأنشدني لنفسه وقد رأى شيئًا من شعر الصاحب الوزير الكبير العالم مؤيد الدين أبي نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيباني- أسعده الله تعالى-: [من الطويل]
وقفت على شعر الوزير ابن يوسف فقلت شمالٌ صافحته شمول
[ ٦ / ٢٩١ ]
تداف من السِّحر الحلال كأنَّها نجوم سما ما لهنَّ أفول
فللَّه أبياتٌ اتتنا بديهة وذاك على الفضل العزير دليل
بخطَّ كنوَّار الحدائق جاده من المزن وكاف السَّحاب هطول
سطور كوشي الرَّوض حسنًا أجادها بنانٌ بأرزاق العباد كفيل
لك الله مولى شدَّ أزري وساعدي وقام بنصري والرَّمان خذول
وقابلني إقباله عندما انثنى وأعرض عنِّي صاحبٌ وخليل
فلست أبالي بالخطوب وظلُّه علىَّ على مرِّ الزًّمان ظليل
فما خاب في الدُّنيا أمرؤٌ هو قصده ولا شملته ذلَّةٌ وخمول
/٢٢٧ أ/ فدام لإسداء المكارم ما شدا حمامٌ وهبَّت شمال وشمول
ونقلت من خطهّ، قوله بعد موته – رحمة الله تعالى- ما كتبه إلى الأمير الكبير العالم السعيد صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن موسى بن يوسف بن أيوب- أدام الله سعادته- من حلب إلى الرُّها، يتشوقه ويستوحش له: [من الطويل]
تجنَّي فقلبي من تجنَّيه يخفق حبيبٌ غريب الحسن ألمى ممنطق
تبسَّم عن عذب الثَّنايا كأنَّها جمانٌ شذاها من شذا المسك أعبق
ووسنانه أمضى شبًا من سنانه وقامته من قامة الرُّمح أرشق
زها ورد خدَّيه باس عذاره فظلَّ به قلب الشَّقيق يشقَّق
عسى هجعهٌ يا طرف علًّ خياله يزور إذا نام الرَّقيب ويطرق
وكيف يزور الطَّيف لو ساعد الكرى من دونه بحرٌ من الدَّمع معرق
ترى يرعوي عن هجره ويعود لي زمانٌ مضى لي منه بالوصل مونق
ليالي لا ألوي على عذل عاذل بسمعي وغصن العيش ريَّان مورق
/٢٢٧ ب/ وكأس الهوى صرفًا تدار وبيننًا حديثٌ كوشي [الروض] حسنًا منمَّق
فلا عذر لي إن لم يروَّض بأدمعي من الحزن حزنٌ بالعقيق وأبرق
وحتَّى متى أبلى أسى ببعاده أمالي مجيزٌ مجيزٌ في هواه ومشفق
بلى إنَّ لي في ظلَّ يوسف ملجأ يشرِّد عنِّي الخطب والخطب محنق
فتًى فات كلَّ العالمين إلى العلا بعزم يباري البرق سعيًا فيسبق
فمن حاتمٌ في جوده وأبن مامة ومن عامرٌ في بأسه والمحرق
[ ٦ / ٢٩٢ ]
وقد علم الآقوام أنَّك منهم بفعل النَّدى والبأس أولى وأليق
وأضرب بالبيض الصَّوارم في الوغى وأطعن بالسُّمر اللَّدان وأحذق
وكم معرك للموت جأشك رابطٌ به وبه هام الكماة تفلَّق
تشقُّ به بحرًا من الدَّم مزبدًا بجيش به آذيُّه المتدفِّق
على سابح نهد يريك نشاكه كأنهَّ به منه على الأين أولق
فكيف أراك الدَّهر منك مساءة ومازال منك الدَّهر يخشى ويفرق
لقد ساءني ما كان منه فأقبلت به عبرتي من لوعة تترقرق
ويسألني عن حالتي من لقيته فأذهل عن ردِّ الجواب وأطرق
ومادت به شمُّ الحبال مخافًة وكادت به روح المكارم تزهق
/٢٢٨ أ/ ولكنًّه ولَّى وأعقب صحَّة مجدَّدة ليست مدى الدًّهر تخلق
كما يكسف الشَّمس ساعة وعاد إليها نورها يتألَّق
فشكر لمن عافاك من كلِّ مؤلم ومن كلِّ مكروه يسوء ويقلق
وأبلغت عتبًا عنك أضرم ذكره حشاي بنار تستنير فتحرق
وما كان تركي الكتب إلًاّ لأنَّه تعذَّر عندي من إليك يشرَّق
وإلاَّ فمن يشتاق مثلي على النَّوى إليك ومن يحنو عليك ويشفق
ويبقى على مرِّ الجديدين دائمًا جديدًا له عهدٌ وثيقٌ وموثق
وجدت على قرب الدِّيار وبعدها كما جاد هطَّال من المزن مغدق
بقيت بقاء النَّيرات مخلَّدًا وأنوارها من نور وجهك تشرق
فللفضل والإفضال والبأس والنَّدى وللدين والدُّنيا ببقياك رونق
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الخفيف]
يا غنّيًا عنِّي وما لي غنى عنـ ـه إلى كم يكون هذا الجفاء
قد رثى [لي] الحسَّاد من سوء حالي وبكى رحمة لي الأعداء
وقال أشعارًا كثيرة تفرقت وذهبت، كان ينفذها إلى معارفه واصدقائه.
[ ٦ / ٢٩٣ ]
[٨٤٣]
/٢٢٨ ب/ محمد بن عابد بن محمد، أبو المكارم الكرمانُّي الصوفيُّ الزرنديُّ
أخبرني الصاحب الوزير أبا البركات المستوفي﵁- إجازة، قال: ورد إربل غير مرّة. ثم وردها في جمادي الآخرة سنة ست عشرة وستمائة، واجتمعت به في رجب. وكان الشيخ أبو نصر عمر بن محمد السُّهروردي، كتب له بخطّه إلى الفقير إلى الله تعالى أبي سعيد كوكبوري بن علي [بن] بكتكين يثني عليه بما حكايته.
"شهاب الدين الكرماني متفنن في العلوم، ويعرف المذهب والخلاف والحديث والتفسير والنحو واللغة. ومع ذلك هو ذو دين، وله النظم والنثر والترسل، ويصلح للتدريس والقضاء، وأن يبعث رسولًا. غير أنَّ بعض الناس تقبله بعض الطباع، وتأباه بعض الطباع فإن قبله الطبع بشيء من ذلك بقدر أن يقيم، وإلاّ فلينعم عليه بعوده إلى بلاده".
فأحببت الإجتماع به لهذه الأوصاف المنسوبة إليه، فوجدت ثناءه عليه، أكثر مما نسبه إليه. وناولني ورقة يمدح بها أبا سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين، وقرأتها تهنئة بشهر رجب المذكور. وأولها:
"حسبي الله كافيًا ومعينا"
[من الكامل]
/٢٢٩ أ/ رجبٌ أتى في حرمة وجمال متبخترًا في مشية المختال
باب المليك مظفَّر الدِّين الَّذي سبق الملوك بجوده الهطَّال
المحسن المطعام والمقدام من أضحى بسؤدده عديم مثال
وصلاته وصلاته وصلاته مع حسن أخلاق ويمن فعال
كالرَّمل او قطر السَّماء وعدِّها إيهون عدُّ قطاره ورمال
يختار شأو المكرمات ووصفه قد فات كلَّ مجوِّد قوَّال
ليبشِّر السُّلطان بعد قدومه ببقائه ألفًا من الأحوال
[ ٦ / ٢٩٤ ]
في رفعه وجلاله ومكانة ونفاذ أمر نافذ الأحوال
يا أيُّها السلُّطان والملك الَّذي فاق الخلائق في خلال جلال
أعجزت أرباب المكارم والعلا بفضائل جلَّت عن الأمثال
وجمعت شمال الدِّين بعد تشتُّت ونفيت عنه شعب كلِّ ضلال
وصرفت عن حرماته قصد العدا بكتائب الأجناد والأبطال
ورفعت أمر الشَّرع أرفع منزل ودفعت أهل الطَّبع بالأبطال
ونصبت أعلام الهدى بسياسة وظبات أسياف وطعن عوالي
قال: وهي أبيات كثيرة، وعقبها بكلام منثور الحاجة في إيراد ذلك.
[٨٤٤]
/٢٢٩ ب/ محمد بن غزة بن أبي الفتح بن سالم بن غرة بن مرة أبو عبد الله المري ثم العمريُّ الكلابيُّ.
من أهل حرّان
أخبرني أنه ولد بها في شهر شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. شيخ أشقر، عبل الجثة، قرأ طرفًا من مذهب الإمام الشافعي –﵁- على الضياء عثمان الزرزاريّ.
رأيته بحلب، وهو ينوب محتسبها محي الدين أبا صالح عد الكريم بن عثمان بن عبد الرحيم بن العجمي، عنه في الحسبة. ومن يرى شكله وهيأته يحسبه معلم صبيان المكتب لرقاعته وحماقة في رأسه، ويتعاطى الفضائل، ويدّعي قول الشعر، وليس عنده من الذي يدّعيه شيء، بل يغلب على طباعه الحماقة والعاميّة. وزعم أنَّ له شعرًا كثيرًا.
ومما أنشدني لنفسه بحلب في شعبان سنة أربع وثلاثين وستمائة: [من الكامل]
لو سار طيب خيالكم أو زارا لحملت من ثقل الهوى أوزارا
لكنَّه كان الطَّليق من الجوى فجفا ولو يسري لفكَّ أسارى
[ ٦ / ٢٩٥ ]
ولقد أقول لبارق من بارق بوميضه لمَّاورى وتوارى
/٢٣٠ أ/ يا أيُّها البرق الَّذي بخفوقه أهدى إلى قلبي الخفوق وسارا
أبكيت طرفي حين تبسم في الدُّجى فلذاك أجريت الدُّموع غزارا
بالله قل هل عند من خلَّفته علمٌ بما جرَّ الفراق وجارا
أم هل ترى أنسوا لصحبه ذاكر يتمثَّل الأوطان والأوطارا
يا حار روِّح بالمطيِّ من السُّرى نفسًا فإنَّ دليلها قد حارا
وأرفق بأبناء الغرام فإنَّهم من خمر كاسات الفراق سكارى
قد طلَّقوا لذًّاتهم فنهارهم فكرٌ وأمَّا ليلهم فسهارى
من كلِّ مطبوع على دين اللهوى وكفاهم هذا المقام فخارًا
أنضاء شوق تستقلُّ بحملهم أنضاء سوق كالقسىِّ تبارى
للنوح تحسبهم حمائم أيكة صارت لهم أكوارها أوكارا
وكأن أحداج المطيِّ وهم بها أبرأج حسن أطلعت أقمارا
وأنشدني أيضًا لنفسه إملاءً: [من الطويل]
إذا مغرمٌ صبٌّ خلا من معينة فنجدته دمعٌ جرى من معينه
ولم يك معتاضًا عن الحبِّ شأنه إذا عزَّ لقياه بفيض شؤونه!
/٢٣٠ ب/ ولا تعذل المشتاق فيمن يحبُّه فعذلك يغريه بفرط جنونه
وما ينفع الذَّال جذب شماله وقد أكد الميثاق أخذ يمينه
أقام على دعواه عند عذوله براهين تنفي شكَّة بيقينه
محاسن من يهوى فعاد عذيره خلّها بها عن وهمه وظنونه
يموت ويحيا كلَّما شام بارقًا تألَّق من سهل الحمى وحزونه
يذَّكره وصلًا مضى كحقوقه وظلمة هجر بعده كسكونه
فلا تلما صبًا مشوقًا إلى الحمى ينوح على أوطاره لشجونه
فإنَّ به ورق الحمائم في الضُّحى تنوح على كثبانه وغصونه
وأنشدني أيضًا قوله إملًاء من لفظه: [من الوافر]
ترفَّق في ملامك يا ملوم فما إعراضه حالٌ تدوم
يريك قساوةَّ ويلين سرًّا كذا الأغصان من ميل تقوم
[ ٦ / ٢٩٦ ]
أبثُّ إليه شكواي ويبدي الـ ـتَّجاهل وهو بالشَّكوى عليم
بديعٌ في الجمال إليه يصبو ببهجة حسنه الرَّجل الحليم
عدتني صحَّتي لصحيح طرف وأعداني به الجفن السَّقيم
/٢٣١ أ/ وخدَّد مهجتي خدٌّ أسيلٌّ فبالأحشاء من كلفي كلوم
أنست بنار خدَّيه كأنَّي لفرط صبابتي موسى الكليم
أزال مدامعي من بعد صون فناثرها له ثغرٌ نظيم
وأهوى قدَّه الخطَّار عجبًا إذا ما مال لا القدُّ القويم
شكوت عقاربًا لدغت فؤادي ومادَّبت بوجنته تقيم
عجبت ولا سليمٌ من هواه يذوق كرى ولكنَّي السَّليم
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من البسيط]
ما رمت عن عاذلي وجدًا أكتِّمه اإلاَّ بوادر دمع العين تعلمه
أنَّى يفيق من البلوى به دنفٌ وصحَّة الحبِّ والأشواق تسقمه
بدرٌ له من ضياء الحسن أنوره ومن حنادس ليل الشَّعر مظلمة
عجبت كيف سبى قلبي تمايله وأقتل الرَّمح في الهيجا مقوَّمه
فلو ترى حين أشكو وهو يبسم من دمعي على صحن خدِّي كيف أسجمه
فما السَّحاب سوى جفنيَّ هاطلةً ولا البروق به إلاَّ تبسمه
يا باخلًا ظنَّ أنَّ الطَّيف يطرقني فصدَّه في السُّرى عنِّي توهمه
/٢٣١ ب/ ما ضرَّ أنَّ خيالًا منك ترسه وكان يحظى به في النَّوم مغرمه
وأنشدني أيضًا لنفسه، مما قاله في الغزل، مبدأ قصيدة: [من الطويل]
سلاسل برق لاح والرَّكب متهم تقيَّد في رؤياه صبٌّ متَّيم
ويخفق منه قلبه لخفوقه ويبكى لذكرى حبِّه وهو يبسم
ومن عجب نارٌ على البعد أوقدت بأحشائه نار الأسى تتضرَّم
أراقبها حتَّى الصَّباح لعلَّه يرى نسمة من نحوها تتنسَّم
ويرجع إمَّا منه تهدي تحية إليهم وإمَّا بالتحًّية منهم
[ ٦ / ٢٩٧ ]
خليليَّ كفَّا ليس عذلي ينافع وهيهات يصغى في الملامة مغرم
ولا تعذلا ما كان أشهى لسمعه أحاديث تروى في المحبَّة عنهم
فها رجبٌ سمعي وصبري لبينهم غدا صفرًا والنُّوم عنِّي محرَّم
فيا مالكي في القلب منك نويرةٌ وفي جفن عيني من هواكم متمِّم
وأنشدني لنفسه أيضًا عزلًا: [من الطويل]
أفي الفتك أمضى لحظة أم مهنَّد حسامٌ غدا في العاشقين يجرَّد
/٢٣٢ أ/ وغصن النَّقا فوق الكثيب إخاله وشمس الضُّحى أم وجهه يتوقَّد
أحاط عليه مقفلٌ من عذاره عجبت له، أنَّى له وهو أغيد؟
وأعجب منه قاتلي وهو آمنٌ على نفسه والخدُّ منه مزرَّد
حكى مدمعي في الخِّد رقَّة خدِّه ولكنَّه من لونه يتورَّد
وثغرًا له في فيه أضحى منضَّدًا فمن أجله دمعي عليه مبدَّد
رنا فسقى من لحظة الخمر صحبه فأعجب به صاح علىَّ يعربد
نظلُّ سكارى لا نفيق من الهوى إذا ما انقضى سكرٌ لنا يتجدَّد
تخيلته في خاطري فرأيته فمن عظم إجلالي له ظلت أسجد
فكم حاسد أو عاذل عاد عاذرًا إذا ما رأى الحسن الَّذي فيه أحسد
يروم صلاحي بالملا وما درى إلى العذل عنه في الحبَّة يفسد
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
ذكر الحبيب لدى الكئيب شجون وكذا الملام لدى الغرام جنون
مثل النَّسيم يزيد نيران الغضا لهبًا ويظهر ما بهنًّ دفين
ظبيٌ رأى قلتي بلحظ عيونه أثَّرن في قلبي فهنَّ عيون
/٢٣٢ ب/ لو لم تكن قضبًا تريق دماءنا ما قيل أغطية اللَّحاظ جفون
لا تحسبن خالًا يلوح بخدِّه لكنَّ إثمي للأنام يبين
[ ٦ / ٢٩٨ ]
إسودَّ فيه دمي ليبقى شاهدًا منه عليه في الحساب يكون
يحكي القضيب إذا عتبت بميله حينًا ويعطفه على اللِّين
أهوى لما يرضى وإن حتفي به ما عزَّ عندي ما عليه يهون
أشكوه أم أشكو إليه وكيف لي لو أنَّه عند العتاب يلين
إنِّي وإيَّاه قتيلٌ في الهوى ومبرَّاٌ في فعله وضمين
وأنشدني لنفسه أيضًا، وكان قد رحل من حلب إلى البيرة: [من الطويل]
أأحبابنا غبتم فأدناكم الهوى بقلبي فأنتم نازحون دواني
يمثِّلكم قلبي فأنظركم به كأن لم تزل أشخاصكم بعياني
ركبتم لحيني مركب الصَّدِّ جامحًا وشوقي إليكم آخذٌ بعناني
وعوَّضتم عن قربكم ببعادكم فجودوا فما لي بالفراق يدان
جنيت على روحي البعاد برحلتي كذا كلُّ جان للقطعية جاني
/٢٣٣٢ أ/ يقلُّ اصطباري كلَّما زاد موهنًا وميض بريق بالشِّام شجاني
على حلب مسراه في ظلمة الدُّجى كلمع ثغور أو فرند يماني
خليليَّ من ذكر الحمى وطويلعٌ دعاني فذكر الاسفريس دعاني
الأسفريس: محلّة بحلب.
به منزلٌ فيه من الرِّيم آنسٌ نفورٌ إذا ما رمته لتداني
حكى مدمعي ما ضمَّه من قلائد منظَّمة من لؤلؤ وجمان
ولكنَّه لمَّا تلوَّن في الهوى تلوَّن مني فهو أحمر قاني
عجبت له سكني فؤادي وما اعتنى بإسكانه من شدَّة الخفقان
وأنشدني أيضًا من شعره في إنسان كبير الأنف: [من السريع]
لو أن فرعون على أنفه لم يبن عالي الصَّرح هامان
وحلَّ كسرى في ذرى حزبه وقد حوى الإيوان إيوان
وجلَّ من أبدع في أنفه إذ هو على الصَّنعة برهان
[ ٦ / ٢٩٩ ]
[٨٤٥]
محمد بن غسَّان بن غافل بن نجاد بن غسّان بن غافل بن نجاد بن ثامر بن رفاعة بن نجاد بن محمد بن كامل بن محمد بن نجاد، أبو عبد الله الأنصاريُّ.
من أهل دمشق.
حكى محمد بن جامع الدمشقي، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن غسّان الدمشقي الأنصاري، قال: رأيت في المنام كأنّي في بستان كنّا نملكه في المزّة، وفيه جوزةٌ كبيرة. وكان والدي وأعمامي كثيرًا ما يتغدون تحتها، فقلت: لا إله إلاّ الله هذا موضع أبي وأعمامي!، فسمعت قائلًا ينشدني من أصل الجوزة، أسمع صوته ولا أرى شخصه، وهو يقول: [من الطويل]
أيا منزل الأحباب هل فيك مخبر يخبِّرني أم هل نرى فيك منجدا
عفوت فأعمى رسمك الموت والبلى وأقفرت حتَّى لا أرى فيك مسعدا
أحبَّه قلبي فرَّق الدَّهر بيننا فلا تشمتوا بالبين أشرار حسًّدا
بعدتم فذاب الجسم بعد بعادكم وأخليتم الأوطان أشمتم العدا
فعودوا يعود الوصل بعد قطيعة فهيهات راح اليوم فاصبر إلى غدا
فأنكرت آخر البيت، فسمعته يقول: هذا إقواءٌ.
[ ٦ / ٣٠٠ ]
[٨٤٦]
/٢٣٤ أ/ محمد بن فضل الله بن أبي بكر، أبو عبد الله الخطيب النيسابوريُّ.
كان يتولّى الخطابة الريّ.
وجدت له بخطّه نظمًا ونثرًا عربيًا وفارسيًا. ومما نقلت من شعره العربي، قوله وليس هو مختار شعره، ويغلب على أقواله العجمة والعجرفة.
وهو القائل: [من الرمل]
هبَّ ريح الشَّوق من برح النَّوى حين لاح البرق في وسط اللِّوى
لوعة الأشواق دعني أشتكي أوقدت في أضلعي نار الجوى
صرت من كأس الرَّدى في سكرة وغرامي دار بي دور النَّوى
أنأ في الحزن صدَّت سلوتي عزم الأيام ضرِّي نوى
حبَّذا آثار أنفاس الصَّبا آه من حالات لوعات الهوى
وقال أيضًا:
سقيًا لعهودنا الخوالي إذا عهد معهد الوصال
العين على مني رواه تبكي وتذرف كاللآلي
القلب بحبِّه يباهي إلًّا بهواه لا يبالي
لمَّا برقت وميض طيف أيقنت مخايل الخيال
/٢٣٤ ب/ أدي قمرًا إذا تجلَّى كالبدر أضاء في اللَّيالي
أمسيت وهجره سلوِّى أصبحت ووصله سؤالي
وقال أيضًا: [من الخفيف]
طلع الصُّبح هات يا صاح رغم أنف العذول والَّلاحي
قهوًة كالزُّلال صافية هي والله روح أرواح
[ ٦ / ٣٠١ ]
هيَّ في الجام أنجمٌ طلعت شعشعت نورها كمصباح
لا تقف في إبتغاء مطلوبي واسع في حاجتي بإنجاح
سدَّ باب الهموم فافتتحن بمفاتيح دور أقداح
إغتنم في الصَّباح كأس طلًا فمضى الصُّبح أيُّها الصَّاحي
أنا في الصُّبح عند ندماني راحتي في الصَّبوح والرَّاح
وقال يهجو قاضيًا: [من السريع]
قاض لنا في الفعل ممقوتًا في البغي والعدوان جالوتا
بالجهل والنُّقصان معروفًا قد صار بالخذلان منعوتا
في طلب الأير له همَّةٌ من شوقه لا زال مبهوتا
[يبخل بالمال ولا يوتى لكنَّه في خلقه يوتى]
[٨٤٧]
/٢٣٥ أ/ محمد بن أبي الفتح بن أبي بكر أبي الفتح بن الحسين، أبو عبد الله، الأشترُّ الأصل، المصريُّ المولد والمنشأ.
ذكر أنَّه من أولاد مالك بن الأشتر. أنشدني أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد البرزالي الأشبيلي بحلب، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح الأشتري لنفسه: [من الكامل]
لو صحَّ في شرع الغرام وفاك لرشفت من شعفي لماك وفاك
فعلام تعتمدين قتل متَّيم أترى نهاك عن الوصال نهاك
ماذا يضرُّك لو مننت بنظرة ماذا يضرك لو جفيت جفاك
حلَّلت قتل الصَّبِّ وهو محرَّم فبلحظك الفتَّال من أفتاك
لولاك ما ملك الغرام حشاشتي وأذاب جسمي عامدًا لولاك
أهوى الأراك وما الأراك بمنزلي لكن لعلَّ على الأراك أراك
[ ٦ / ٣٠٢ ]
واغضُّ عن ظبيات كاظمة الحمى طرفي وقلبي لا يحبُّ سواك
فبغزِّ عزِّك يا سعاد بذلًّتي بنحول جسمي بالَّذي عافاك
بعظيم ما في القلب منك بحقِّ من بالحسن قد حلاَّك إذا حلاَّك
لا تتركيني عبرًة لأولي الهوى وترفَّقي يا هذه بفتاك
/٢٣٥ ب/ وتعطَّفي من قبل قول مراقب لله يحسن في فلان عزاك
إن كان سفك دمي بغير جناية وتلاف روحي في الهوى برضاك
فاستغنمي فرص الزَّمان وذاك أنًّـ ـا يا سعاد وما ملكت فداك
وبكلِّ ما شئت إفعلي بي إنَّني بخطاك يا لميا غفرت خطاك
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو عبد الله قوله: [من البسيط]
خف الصَّديق وكن منه على حذر ولا تقل جاءني هذا على نسق
فالمرء يشرق بالماء الزُّلال إذا طورًا وطورًا به ينجو من الشَّرق
وأنشدني، قال أنشدني لنفسه في صديق: [من الكامل]
لا تعجبنَّ إذا دهتك مصيبةٌ من صاحب عكفت عليه ذئابه
واحذر مصافاة الصَّديق فرَّبما عانت على غرق الغريق ثيابه
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
قال الحبيب لصاحبي: صف داءه أبه جنونٌ؟ قال: لا، بل مغرم
بك بات يحلم ليله فأجابه أوما كفاه ينام حتَّى يحلم
لو كان في الدَّعوى محبًّا صادقًا ما كان يفني العاشقون ويسلم
وأنشدني، قال: أنشدني قوله: [من المتقارب]
/٢٣٦ أ/ يقولون لي: جلِّقٌ جنَّةٌ مزخرفةٌ للورى مفتنه
فقلت وما إن بها محسنٌ يرى للغريب ولا محسنة
إذا قطع الماء منها غدت كأربابها جيفةً منتنه
[ ٦ / ٣٠٣ ]
[٨٤٨]
محمد بن أبي الفخر بن أحمد، أبو حامد الكرمانيُّ الصوفيُّ الشيخ الزاهد.
ذكره الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي﵁- في تاريخه، وقال: ورد إربل غير مرَّة. وكان أوّل ما وردها معه جماعة من العجم، ونزل بالقبَّة الشمالية من المسجد الجامع يسرة الداخل من الباب الشمالي، وزاره الناس وعليه جبَّة صوف، واجتمع بالفقير إلى الله تعالى ابي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين- رحمة الله تعالى- في مجلس سماع، وأراد الحج في تلك السنة، فزوّده ومن معه، واكترى لهم الظهر إلى مكة، سائرين وقافلين بجملة من مال ثم صار في آخر قدماته خاصًا بأسراره ينفذه رسولًا إلى الأطراف، وصار له خول ودواب كثيرة. وكان شيخ رباط الجنينة مشارك عمّاله في النظر معهم على حاصله، فحوسب فبقي عليه مال أطلقه له الفقير إلى الله تعالى أبو سعيد كوكبوري بن /٢٣٦ ب/ علي، وخرج من إربل فهو في ديار بكر وما والاها شيخ مشايخ ربطها. كان يحب أن يكون في ألقابه علم الهدى.
أخبرني أنَّه ولد ببردسير سنة إحدى وستين وخمسمائة، يروي عن الشيخ أبي الغنائم غنيمة بن المفضل السجاسي، وهو صاحب خرفة في التصوّف. وسجاس قرية من قرى سهرورد بين زنجان وهمذان. هذا آخر كلامه.
وقدم بغداد وأقام بها إلى أن توفي ثالث شعبان سنة خمسين وثلاثين وستمائة ودفن بجانبها الغربي بالشونيزى، جوار قطب الدين الأبهري- رحمهما الله تعالى-
صار إلى قطعةٌ من شعره إلاّ أنَّ فيها لحنًا، وقد أثبتُّها هاهنا تبركًا بذكره،
[ ٦ / ٣٠٤ ]
صنعها على نهج ذوي الأحوال والمعارف، أنشدنيها شيخ الشيوخ عماد الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن أبي عصرون التميمي- أيده الله تعالى- بحلب قال: أنشدني الشيخ الصالح العابد أبو حامد محمد بن أبي الفخر الكرماني لنفسه: [من مخلع البسيط]
في الشِّدَّة والرَّخا جميعًا أرجوك ولم يخب رجائي
/٢٣٧ أ/ يا سمع جئت مستجيرًا أدعوك لتستجيب دعائي
أفنيت لحبّكم وجودي كي يحصل في الفنا بقائي
ما كان ولا يكون حاشا إلاَّ لرضاكم رضائي
ياربَّ محمد أجرني من مخرقتي ومن ريائي
إن يحسن أويسي صنعًا حالي معكم على السَّواء
ما حلت ولا أحول يومًا عن باب مناك يا منائي
[٨٤٩]
محمد بن القاسم بن هبة الله بن القاسم بن لعي بن محمد بن الحريريِّ، أو عبد الله بن أبي الحريريِّ أبو عبد الله بن أبي محمد الطبيب الحكيم.
من أهل دنيسر.
كان والده ممّن يشار إليه في زمانه في علم الطب والمداواة، وله الإصابة في الإنذار في غالب أوقاته.
وابنه هذا قرأ على الشيخ المهذّب أبي الحسن علي بن أحمد بن هبل البغدادي الخلاطي بالموصل شيئًا من كتابه "المختار". ورحل إلى بغداد، فظهر له بها القبول عند الناس، وعالج بها خلقًا كثيرًا بالأدوية، وبعمل اليد. ثم رحل منها إلى بلاد العجم.
[ ٦ / ٣٠٥ ]
قال صاحب كتاب "حلية السريين من خواص الدنيسريين": /٢٣٧ ب/ أنفذ كتابه إلينا من نيسابور، بأنَّه يقرأ على الإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي المعروف بابن الخطيب. وله خطٌّ مليح.
كتب على [خطٌ] الأمير أمين الدين أبي الدُّر ياقوت بن عبد الله الموصلي زمن اشتغاله بالطب على إبن هبل، وتقدّم بعلمه عند الملوك والسلاطين، ورغبوا في استخدامه، لاسيما في دولة الملك الأشرف موسى بن أبي بكر بن أيوب، فإنَّه حظي لديه، وصنّف له كتابًا سمّاه: "الروضة" على وضع "كليلة ودمنة" وكتاب "البلغة". ومع ذلك له مشاركة قويّةٌ في الفنون الأدبية، وقرض الشعر. وله خاطرٌ سريع في إرتجاله، ويدٌ طولى في صناعته، هذا آخر كلامه.
أنشدني الشيخ الحافظ صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد البكري بدمشق في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن القاسم بن الحريري لنفسه بسنجار في ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وستمائة، وأنشدها الملك الأشرف موسى بن أبي بكر بن أيوب –رحة الله تعالى- ونظم ذلك بديهةً: [من الكامل]
/٢٣٨ أ/ يا أيُّها الملك الَّذي بعلومه أصبحت بين يديه كالمتعلِّم
أبدعت فيما قلت حتَّى لم يقل أبدًا بأنَّ الفضل للمتقدِّم
وأنشدني أيضًا في التاريخ المذكور، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه يمدح الملك الأشرف- رحمة الله تعالى-: [من الكامل]
[ ٦ / ٣٠٦ ]
أهدي لمولانا دعاء صالحًا يدعو به في الصُّبح بعد صلاته
وسوى الدُّعاء فلست أملك غير ما أحويه من صدقاته وصلاته
[٨٥٠]
محمد بن أبي القاسم بن محمد بن أحمد بن محمد بن سعيد، أبو عبد الله الأمديُّ.
قال الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي﵁- في تاريخ إربل: ويعرف بالرشيد الدمشقي، وسألته عن مولده؟ فقال: بامد، فقلت له: في أي سنة؟ فقال: ما هو معيَّن، إنما أنا في حدود عشر الثمانين.
وحدثني أنَّه قرأ الخلاف والفقه، وسافر إلى خراسان وغيرها، وسمع في صغره شيئًا من الحديث، ولم يكن من مطلوبه، إنَّما سمعه في جماعة سمعوه. وذكر أنَّه لقي أبا بكر يحيى بن سعدون القرطبي وغيره. لزم /٢٣٨ ب/ طريقة أهل التصوّف، وقال بمذهبهم، وهو- كما ذكر – ورد إربل غير مرّة.
وأنشدني من شعره في سادس شهر ربيع الآخر سنة سبع عشرة وستمائة؛ برباط الجنينة المعمور. وكان فقيهًا حنفيًا إمامًا مقدمًا في مذهبهم، أنثى على علمه بعض الحنفيّة ثناءً كثيرًا. وكان نحويًا عالمًا بالنحو.
ثم قال: أنشدني لنفسه، وذكر إنه عملها في بلاد العجم، وقد عاجله الشيب: [من الكامل]
ما شبت من كبر ولكن شيَّبت رأسي شدائد للمتون قواطع
لو أنَّ بعض مصائبي يمني بها ويذوق شدَّتها غلامٌ يافع
لنضالها برد الشًّبيبة واغتدى للشيب في فوديه نجمٌ طالع
والنَّاس في اللأواء حين تعدُّهم رجلان: ذو صبر، وآخر جازع
فاصبر على مضض الحوادث إنَّها ميزان عدل خافضٌ أو رافع
ولتعلمن أن البلاء لأهله كالسَّبك للإبريز مؤٍذ نافع
[ ٦ / ٣٠٧ ]
[٨٥١]
محمد بن محمد بن أحمد، أبو عبد الله البرزيُّ.
من أهل وسط.
ذكره الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي –﵁- في تاريخه، وقال: ورد إربل في العشر الأولى من شعبان /٢٣٩ أ/ سنة أربع عشرة وستمائة. وكان يسأل الناس معرضًا لا يعف عن أحد ملك أو سوقه، رفيعٍ أو وضيعٍ
أنشدني أبو عبد الله البرزي لنفسه: [من البسيط]
لو لم تهج بالجوى المذكي بلابله ما لجَّ باللَّم والتعنيف عاذله
صبٌّ إذا قال: هذا الشَّوق قد ذهبت عنِّي أواخره عادت أوائله
يا مصلتًا من قراب اللَّحظ سيف هوًى مهنَّدًا لا يريد السِّلم حامله
هذا اللًّي أولعت عيناك في دمه ظلمًا لآيَّة حال أنت قاتله
واهيف كقضيب البان ما انعطفت أعطاف سمر القنا لولا شمائله
يكاد يوهيه ممَّا فيه من ترف مرُّ النَّسيم وتدميه غلائله
كالماء لو باشرته كفُّ مغتبق لسال ما قبضت منه أنامله
قالت لنا عينه سحري بلبتكم فأين هاروتكم أم أين بابله
يا من أمانيُّ عيني إن تراه ومن مالي سوى قربه وصلًا أحاوله
ما ذاق طعم حياة من تفارقه ولا يذوق حمامًا من تواصله
ولا يلذُّ الكرى في ليله ملكٌ بات أبن أرتق محمودٌ يصاوله
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
/٢٣٩ ب/ ثنى عنان هواه بعدما جمحا وراجع الحلم عن جهل الصِّبا فصحا
فما تتيَّمه سحر الجفون ولا يروقه الخدُّ محمرًّا إذا وضحا
وقلَّما تسكب الأطلال عبرته ولا الغريق أجدَّ البين منتزحًا
ما كان أوَّل مغرور بصبوته ثابت إليه أنأةٌ بعد ما مرحًا
ولا بأوَّل من أصغى إلى عذل أذنًا وطاوع من في الحبِّ قد نصحا
[ ٦ / ٣٠٨ ]
سجيةٌ عقدت بالمجد همَّته تهوى العلا وتعاف اللَّهو والقدحا
صمِّم إذا رمت من أمر مزاولة وقدِّم الحزم تردده وإن جمحا
وعش وأنت عزيزٌ أو فهمت كرمًا إن كنت حرّا ولا تقنع بما سنحا
فالمرء لا ترهب الأيَّام سطوته ما لم يكن لزناد العزِّ مقتدحا
سأرحل العنس عن أرض أقيم بها بين اللِّئام قليل الحظِّ مطَّرحا
وأعسف البيد ترمي بي جوانبها بحرًا من الكيل نعطو أكلها طفحا
لا يهتدي النَّجم فيه لين مسلكه ولا يلين لساريه إذا التمحا
وربما بات فيه البدر حلف سرًى فغاله بعد مسراه وما برحا
تركت للفقر يطوي كلَّ مأربة وللمطيِّ تباري المشية السُّجحا
ما لي أعلِّل نفسي بالمنى سفهًا وأحلب الحظَّ حلبًا مجحدًا وتحا
/٢٤٠ أ/ وفي القوافي وفي عرض الفلاسعةٌ تعدي على الهمِّ إمَّا جلَّ أو فدحا
وأنشدني، قال: أنشدني أيضًا قوله: [من المنسرح]
خذها عروسًا إليك تجلى ما نتجت مثلها الخواطر
من لقط غر إلا فمن ذا يقابل اللَّيث بالجاذر
وقال يهجو الهذّب أحمد الواسطي المنبوز بمدلويه: [من الخفيف]
أحمد الواسطيُّ أكذب خلق اللـ ـه في نطقه إذا ما فاها
لعن الله نطفةً صيغ منها فهو في قبحه الشَّنيع تناهي
إن رأى خلَّة تسرُّ لخل صدًّ عنها أو زلةً أفشاها
[٨٥٢]
محمد بن محمد بن محمد بن أبي حنيفة، أبو القاسم بن أبي عبد الله بن الفرضيِّ.
كا إربلي المولد والمنشأ، بغدادي الوالد والأصل. أستشهد بدمياط في
[ ٦ / ٣٠٩ ]
سنة ست عشر وستمائة.
قال الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي: لم يكن يعرف ما يقوّم به لسانه، ثم قال: أنشدني أبو القاسم محمد بن محمد بن محمد بن أبي حنيفة البغدادي لنفسه: [من الكامل]
/٢٤٠ ب/ أشتاقكم فإذا ذكرت لقاءكم أجرت دموعي لوعةٌ وتفرُّق
خوفًا على أنِّي إذا لاقتيكم يبقى القليل وبعده نتفرَّق
وأنشدني، قال: أنشدني أبو القاسم بن الفرضي لنفسه: [من الخفيف]
زاد شوقي إذ قلَّ فيه احتيالي قمرٌ ذو ملاحه ودلال
بقوام كأنَّه غصن بأن غرسوه على كثيب عالي
وبوجه كأنَّه بدر تًم ولحاظ ترمي الحشًا بنبال
[٨٥٣]
محمد بن محمد بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب السلطان الملك الكامل، أبو المعالي بن السُّلطان الملك العادل أبي بكر.
كانت ولادته في ربيع الأول سنة ستًّ وسبعين وخمسمائة. وتوفي يوم الخميس منتصف نهاره، الثاني والعشرين من شهر رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن بها –﵁-.
خطب له بولاية العهد في زمان أبيه. وكان أتم ملوك زمانه عقلًا وأحزمهم رأيًا وفعلًا. وكان كامل الأوصاف كنعته، وأبا المعالي محمدا في وقته.
ملك الديار المصرية /٢٤١ أ/ بكمالها، ودمشق وأعمالها، ومملكة اليمن
[ ٦ / ٣١٠ ]
ما خلا صنعاء وديار بكر بأسرها. ومن الجزيرة حرّان والرُّها والرّقة ورأس عين ونصيبين وسنجار والخابور. وخطب له من باب الموصل إلى حضر موت، وضربت له الكسة بها، فكادت أعواد المنابر أن تنطق طرقًا نطق الأعواد، واستنار الدينار والدرهم برسمه إستنارة الكوكب الوقاد.
وكان محافظًا على إقامة منار الشريعة المطهرة، وأمر بإجراء أحكامها على أدلتها المعتبرة المقرّرة. أحيا نسة النبي ﷺ وأنشأ بالقاهرة المعزّية دارًا للحديث النبوي، وولّي رواية الحديث بها، وإقرائه الإمام العلامة ابن دحية، وأمر أن يتحفظ الحديث بها كحفظ دروس الفقه بكرةً وعشيًا. وعين للطلبة بحفظ ملخّص القابسيّ، وأظهر في ذلك رغبة، وأقرَّه حتى كان أكثر مجالسه تنقضي بالبحث فيه، وأمر بحذف أسانيد صحيح مسلم. وكان كثير المطالعة له. فذكر لي أنَّ ولده الملك العادل سيف الدين أبا بكر/ ٢٤١ ب/ قال: كنت كثيرًا ما أرى السلطان والدي- قدس الله روحه- إذا انفصل من مجلس أمره ونهيه، وطلب الراحة لنفسه، يديم المطالعة في كتاب، فإذا أراد النوم استلقى واستدام مطالعته فإذا نام ترك الكتاب على صدره فطالبتني نفسي بالإطلاع على ذلك الكتاب لمّا رأيت من محافظته على تأمله، فاتفق إن نام في قائلة يوم من الأيام على هذه الصورة وأمرني بالمقام عنده، فلما انتبه وقام من ذلك المكان تباطأت بعده إلى أن غاب عني، فعمدت إلى الكتاب إذا هو صحيح مسلم محذوف الأسانيد.
وحين ملك مكّة- شرفها الله تعالى- وأذعن له مالك المدينة النبوية- على ساكنها أفصل الصلاة والسلام- بالطاعة وأنتظم في جملة أشياعه، آثر أن يتشرّف بذكر الحرمين الشريفين مع ذكره على المنابر، وقرّر أن يقال ملك الحرمين، فأبى ذلك، فقيل: مالك الحرمين، فقال: لا أوثر أن يقرن ذكري بذكر الحرمين الشريفين مع تعظيم، فقيل خادم الحرمين الشريفين فسرَّه ذلك وابتهج به، وقال: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد على خدمتهما.
وأجرى في أيامه على فقهاء المدارس، وربط المتطوّعة جراية من /٢٤٢ أ/ طعام طول شهر رمضان المعظّم، وأفرد لذلك مطبخًا يسيِّر منه إلى كل موضع
[ ٦ / ٣١١ ]
كفايته. وألى بلاءٌ حسنًا في الجهاد، واسترجع ثغر دمياط المحروس، وصبر على بلاء ما اتفق صبر أيوب، ونال من عاقبة نصره على العدوّ- خذله الله تعالى- ما نال من الفرح بيوسف يعقوب، ولم يمت أحد في خدمته من الأجناد وغيرهم إلاَّ وأجرى بعض رزقه على مخلفيه من الأولاد؛ ذكورًا أو إناثًا، فجزاه الله عن إحياء سنة نبيّه ﷺ الجزاء الأوفى، وأحلّه على إقامة منار الشريعة المحمديّة من دار مقامه المحلّ الأشراف الاسنى – بمحمد وآله وصحبه أجمعين-.
حكى أبو الزّ مظفر بن إبراهيم المصري العيلاني الشاعر الضرير. قال: دخلت على السلطان ناصر الدين أبي المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب، فقال لي: أجز هذا النصف: [من المنسرح]
قد بلغ الشُّوق منتهاه
فقلت: وما درى العاشقون ما هو
فقال الملك الكامل: وإنَّما غرَّهم دخولي
فقلت: /٢٤٢ ب/ فيه فهاموا بهم وتاهو
فقال: ولي حبيبٌ رأى هواني
فسكتّ ثم قلت: وما تغيَّرت عن هواه
فقال: رياضة النَّفس في احتمالي
فقلت: وروضة الحسن في حلاه
فقال: أسمر لدن القوام إلمى
فقلت: يعشقه كلُّ من رآه
فقال: ريقته كلُّها مدامٌ
فقلت: ختامها المسك من لماه
فقال: ليلته كلُّها رقادٌ
فقلت: وليلتي كلُّها انتباه
فقال: وما يرى أن يهين عبدًا
[ ٦ / ٣١٢ ]
فسكتُّ ساعةً، ثم قمت قائمًا، وقلت:
بالملك الكامل احتماه
قال: فألقى إليَّ الزين الدمياطي، وأمره بكتبها ليلًا، يكتب مدحه.
قال مظفر فكملت الأبيات وقلت:
/٢٤٣ أ/ العالم العامل الَّذي في كلِّ حلاه ترى أباه
فمن سطاه ومن نداه ليثٌ وغيثٌ يرجى نداه
ليثٌ وغوثٌ وبدر تمًّ ومنصبٌ جلَّ مرتقاه
وما ينسب إليه من الشعر، وهو مشهور بين الناس متداول قوله:
[من البسيط]
إذا تحقَّقتم ما عند صاحبكم من الغرام فذاك القدر يكفيه
سكنتم في فؤادي وهو منزلكم وصاحب البيت أدرى بالَّذي فيه
[٨٥٤]
محمد بن محمد بن محمد الفرغانيُّ.
قال الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي﵁- في تاريخه: ورد إربل في صفر سنة عشرين وستمائة؛ شاب طويل، حنفي المذهب.
وسألته عن لقبه فذكره لي، وسألته عن كنيته فلم يعرفها، وسألته عن ما بعد محمد الأخير، فقال: ما أعرف إلاَّ ذلك أو كلامًا هاذ معناه. حدثني أنَّه ولد بأرش من فرغانًة، ونشأ بكاشغر.
قال: وأنشدني لنفسه يمدح عميد الملك أسعر بن نصر وزير شيراز:
[من الكامل]
يا خير من بلغ المدى فيما سلك ورقاب أحرار الورى بذلًا ملك
/٢٤٣ ب/ خرَّت لك الثَّقلان طوعًا سجَّدًا مهما أظلَّهما ويخدمه الملك
مارست فيك السَّير ممتطي الوجا .. بحشاشة قد جاورت صبًّا هلك
إن كنت تقتلني أصبت ماربي أولا فأبت آيسًا والحكم لك
[ ٦ / ٣١٣ ]
فز بالعلا وحز المنى قطب المعا لي ما استدار رحا الفلك
وأخبرني أيضًا إجازةً، قال: أنشدني محمد بن محمد بن محمد الفرغاني من شعره، والتزم اللام: [من الطويل]
يد الفكر منِّي في امتداحك سلَّت حسامًا فلو سلَّت لغيرك: شلَّت
فأنَّك من فاق القروم بماله سجايا على العزَّ المخلَّد دلَّت
وأنت الَّذي الأحساب قد شرفت به ودين الهدى يزهي ودنيا تحلَّت
وطاولت الأرض السَّماء تفاخرًا بدولتك الغرَّاء منذ أظلَّت
هي الدَّولة الغرَّاء عند صيالها تردُّ ليوث الحادثات استقلَّت
تم الجزء السابع من قلائد الجمان.
ويتلوه في الجزء الثامن بقية من اسمه محمد.
محمد بن إبراهيم بن هذيل
وصلى الله على محمد وآله وسلم.
[ ٦ / ٣١٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ سهّل ووفق
[تتمة حرف النون]