يحيى بن أحمد بن موسى، أبو زكريا الضرير المقرئ،
الموصلىٌّ الدار والسكنى.
وكان من قرية من قرى العراق تدعى برفطا.
هاجر إلى الموصل واستقرَّ مقامه بها إلى حين وفاته فى شهر رمضان سنة ثمانى عشرة
وستمائة. ورأيته بها شيخًا طويلًا أسهر اللون ساكنًا بالمدرسة العتيقة. وكان شاعرًا
قارئًا للقرآن العزيز فاضلًا.
وحدَّثنى الصاحب الوزير أبو البركات المستوفى الإربلى بها - ﵁ - قال:
اخبرت عنه انَّه كان يضرب بالعود، وينادم الأكابر، ويشرب الخمر. ورد إربل غير مرَّة،
ولم أستنشده من أشعاره إلى أن ورد فى سلخ ذى الحجة سنة عشر وستمائة، فأنشدنى لنفسه
من قصيدة يمدح بها أتابك نور الدين أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود - صاحب
الموصل -: [من البسيط]
/١٨٠ ب/ دين الصَّوارم والعسَّالة الذبل عز تدين له الأعناق فى القلل
إركب على صافنات العزم متَّخذًا مواطنًا فى ذرى العلياء للنق
ومنها فى المديح:
كل الملوك اكتست من فخركم حللًا كما اكتسى آدم من سيِّد الرُّسل
اتى اخيرًا وحاز السَّبق قاطبةً كذلك القيل نور الدِّين فى المثل
وقال من قصيدة أولها: [من الكامل]
منح القضيب رشاقة وتأودُّا رشا بوجنته الضَّلالة والهدى
آلت محاسنه إليَّة قادر لتتيِّمن مفوَّها ومبلَّدا
رحلت إليه من الصدور قلوبنا فكأنَّها بدن تحث بها الحدا
لمَّا رات انوار كنه جلاله خرَّت إليه مع الجوارح سجَّدا
[ ٧ / ٢٠٧ ]
وقال يمدح أتابك نور الدين أرسلان شاه صاحب الوصل: [من الطويل]
اتعلم ما يلقاه فى كلِّ معلم محب يروِّى ساحة الربع بالدَّم
يثير له التَّذكار نار صبابة تزيد على حرِّ الجحيم المضرَّم
/١٨١ أ/ سرى طائر عن سانح عن يمينه يبشَّره بعد الفراق بمقدم
الا يا ابنة الرومىِّ هل لك موعد فبعض الأمانى راحة للمتَّيم
إذا كان فيك الغدر طبعًا تكلَّفى وصالًا وإن لم تعلمى فتعلَّمى
فباتت ولى إخلاص نيَّة مؤمن وبانت ولى فيها عقيدة مسلم
فلا همَّتى فيها تهم بريبة ولا ناظرى فيها يبوء بماثم
واحلم عنها عفَّة بعد قدرة كحلمك نور الدِّين عن كلِّ مجرم
مليك تخاف الأرض سطوة باسه ويفتك باللَّيث الهصور الغشمشم
اجار فما فوق البسيطة خائف واغنى فما فى الأرض خلق بمعدم
راينا عيانًا منه بعد سماعنا الأ حاديث ما لم توضح العين للفم
جرئ كموسى صامت مثل صالح تقى كيحيى ناطق كابن مريم
ايا معطى الخيرات فى كلّ لزبة ومخمد انفاس الجواد المطهَّم
وصلت فما الغيث الرَّوى بممطر وصلت فما اللَّيث الكمىٌّ بمقدم
خلقت لعزم واقتدار وهَّمة وعقل وذى رأى وًبأس مصمَّم
فانسيتنا قسًاوعمرًا وحاجبًا وكعبًا وقيس الرأى وابن مكدَّم
/١٨١ ب/ايا خير من يرجى لكشف ملمة واكرم مسؤول وافضل منعم
تهنَّ بعيد الفطر ما ناح طائر على فنن يشدو بطيب التَّرنم
ولازلت فى عزٍّ مقيم ونعمة مدى الدَّهر ما لاحت طوالع انجم
فدونكها عذراء كالمسكً نشرها ثنى دونها الطلَّاب سوم المقوَّم
وعش فى نعيم دائم وسعادة محدَّدة اركانها لم تهدم
وقال أيضًا يمدحه: [من الكامل]
احيا الصَّبابة باخل بوصاله وامات صبر الصَّبِّ يوم زياله
[ ٧ / ٢٠٨ ]
قمر يجود على الورى بصدوده طبعًا ويبخل عامدًا بوصاله
يهتزٌّ من مرح الشَّبيبة عطفه فالبان يخجل منه من تمياله
ما سلَّ سيف لحاظه فى جحفل إلَّا اغتنى عن سيفه ونباله
لبس العيون من الملاحة حلَّةً ما خاطها إلَّا بديع جماله
لو كان يعدى خلقه من خلقه لمحت محاسنه قبيح فعاله
قمر بدا من تحت ليلٍ مظلمٍ من فوق غصن فى كثيب وماله
اهوى استماع البحر خيفة هجره واراه حلوًا إذ خطرت بباله
/١٨٢ أ/ ويزيدنى كلفًا به إعراضه وصدوده بوصاله ومطاله
يا فتنة العشَّاق رفقا بامرئ لم يبق منه سوى خيال خياله
هى صبوة عذريٍّة لا يرتجى لسليمها الإبلال من بلباله
ولقد قتلت الدَّهر خبرًا والورى وبلغت مجدًا جلَّ عن اشكاله
حتَّى حللت بربع ملك ماجد اسمى نجوم المجد دون مناله
فى ربع نور الدِّين والملك الَّذى فاق الملوك ببأسه ونواله
ملك نرى صيد الملوك ببابه حزبًا لما ترجوه من إفضاله
التارًك الابطال فى يوم الوغى صرعى إذا اشتبك الوغى بمحاله
حبر يحير الحبر حسن جداله بحر ينيل النَّيل قبل سؤاله
[ما امَّه ذو عسرة إلَّا انثنى عنه ينول من كرائم ماله] (١)
كرم يبخِّل حاتمًا وشجاعة تلهى ابا الأشبال عن اشباله
وتريه اعقاب الأمور بصيرة شهد الورى بجلالها وجلاله
مولاى نور الدِّين يا من ربعه حرم يفوز مخيِّم بظلاله
حزت الصِّفات من الشَّجاعة والنَّدى والعدل حتَّى فقت عند كماله
امن الغنىُّ بك انتقاص غنائه واجرت ذا الأقدار من إقلاله
/١٨٢ ب/ وغدا الرَّعايا فى حماك بغبطة لا يرهبون الدَّهر مع اهواله
يا ايُّها الملك الَّذى فاق الورى والدَّهر طوع يمينه وشماله
[ ٧ / ٢٠٩ ]
وفتي تنقَّل في العلا حتِّي غدت وحش الفلا والطير بعض عياله
وغذا الوري أضيافه فيمرهم في سلمه أولاك يوم نزاله
أنت الذي أغنيتني وحميتني من صرف دهر كنت من اقتاله
فلشكرنك عبدك القنُّ الِّذي إفضال طولكً مخبر عن حاله
فتهنَّ بالعيد الَّذي وافاك يا خير الوري بالسَّعد من إقباله
واسلم ودم في نعمة وسعادة ما ناح قمري بأعلى ضاله
[٩٠٨]
يحي بن أحمد، بن يوسف بن أحمد، أبو زكريا الواعظ الحسني.
من أهل غرناطة.
ذكر الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي في تاريخه - رحمة الله تعالى - وقال: ورد إربل وعقد بها مجالس الوعظ. وكان له من العامة قبول عظيم. وكان يجيء الناس أكثر مجالسة ويتكفَّفهم.
وصلة الفقير إلى رحمة الله تعالى أبو سعيد كوكبوري /١٨٣ أ/ بن علي [بن] بكتكين بصلة، وأراد السفر فأمر العامة أن يطلبوا من السلطان أن يقيم عندهم فأجابهم إلى ذلك في خامس جمادى الآخرة من سنة تسع عشرة وستمائة.
ثم قال: أنشدني لنفسه من قصيدة طويلة التزم في أثناثها الإتيان بكلمات منثورة ذكرها لي، تبين إنها كتبت بلون غير المداد، يقول فيها: [من البسيط]
يا دوحة البان من شرقيِّ كاظمة سقاك من عبوات السحب هتَّان
لساكنيك علينا خدمة ولنًا عليهم بالوفا عهد وأيمان
كم أعذل القلب في تذكاره لهم دنوا فلمًّا دنا وملي بهم بانوا
[ ٧ / ٢١٠ ]
هم علَّموني الهوي ما كنت أعرفه حتَّي إذا ولجوا باب الهوي خانوا
هم الَّذين بسخر اللَّحظ قد سفكوا دم الهمام وشرع الحب إذ عان
فإن وضعت يدي بالصدر اكتم ما بالقلب غادره صبر وكتمان
[٩٠٩]
يحيى بن إبراهيم بن محمد، أبو تراب بن أبي إسحاق البراز البغدادي.
من أهل الكرخ.
ذكره الشيخ /١٨٣ ب/ أبو عبد الله محمد بن سعيد الدبيثي، وقال: سكن اللَّوزيّة من محال الجانب الشرقي، وتفقه على مذهب الشافعي - ﵁ - على أبي الحس بن الخلّ، وسمع منه ومن أبي الفرج عبد الخالق بن أحمد بن يوسف، وأبي الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي، وأبي بكر محمد بن عبيد الزاغوني، وأبي الوقت السجزي وغيرهم، وروى عنهم.
وسافر إلى الشام، وأقام بدمشق مدَّة، وحدّث بها وعاد إلى بغداد وأقام بها إلى أن توفي يوم الأربعاء ثالث عشر شعبان سنة أربع عشرة وستمائة. كتبنا عنه بعد عوده من الشام. وكان سماعة صحيحًا، ويفهم ما يقرأ عليه.
قال وسألته عن مولد، فقال: في السادس والعشرين من شعبان سنة ستٍّ وعشرين وخمسمائة؛ هذا آخر كلامه.
أنشدني أبو الفتح محمد بن بدل بن أبي المعمر التبريزي بإربل، رحمة الله
[ ٧ / ٢١١ ]
تعالي -في سنة خمس وعشرين وستمائة، قال: أنشدني أبو تراب لنفسه: [من الوافر].
/١٨٤ أ/ أحنُّ إليك من فرط اشتياقي لكي القاك من قبل التلافي
عدوُّك هالك يهوي سريعًا إلي النَّيران لم ينفعه راقي
ومن يهواك يكف ولا يبالي ومن يشناك يهلك وهو باقي
إذا جئنا عطا شي يوم نشرٍ لتسقينا فأنت هناك ساقي
[٩١٠]
يحيي بن إسحاق، الأمير، أبو زكريا الميورقيُّ.
صاحب ميورقة وودَّان.
كان مشهورًا بالبأس والشجاعة بطلًا من الأبطال، مقدامًا في الحروب جوادًا سخيًا أدبيًا بليغًا شاعرًا فضيحًا. لم يقع إلى من شعره غير بيت مفرد من قصيدة وهو:
[من الخفيف]
[٩١١]
يحيى بن أسعد بن يحي بن موسى، أبو المفضل - المذكور أبوه فى أوّل الكتاب في حرف الهمزة – السنجاري الأصل، الفارقيُّ المولد، الدنيسرىُّ الدار.
ذكره أبو حفص عمر بن الخضر بن اللَّمش التركي فى كتابه "حلية السريين من
[ ٧ / ٢١٢ ]
خواص الدنيسريين". وقال: من أهل القرآن، قرأه بالقرآت على أبي سعد سعد الله بن غنائم النحوي الحموي بها، وقرأ على شيخنا أبي الحسن النيلي بدنيسر جملةً من كتب القراءات، وله عناية بالتجويد، وحسن الأداء في القراءة.
وهو سامي الهمة في التشاغل بعلومٍ منها: الفقه والنحو والطلب وغيرها.
وله في النظم والنثر والترتيب والإنشاء تصرُّف.
ثم قال: أنشدني لنفسه إملاءً بدنيسر موعظةً: [من الكامل]
واخجلتي يوم الحساب وقوله ما كنت تصنع والزمان موسَّع
أو لم نعمِّرك الطَّويل ونستر السِّـ ـتر الجميل ألم يكن لك مرجع
/١٨٥ أ/ لو لم تكن لك في القرون من الألى عبر أما في ذكرهم ما يقنع
أو لم تكن [لك] اعين فترى بها أو لم يكن لك للمواعظ مسمع
ماذا أقول ولي ذنوب نكَّست رأسي حياء فهو لا يترفَّع
واحسرتا لو كان يغني حسرة واويلتا لو أنَّ ويلًا ينفع
ضَّيعت أيَّامي لغير إفادة ترجى فقلبي بالهموم مروَّع
وجوانحي من حرِّ شوقي في لظىً وجد به تحني عليه الأضلع
ما لي سوي الظَّنِّ الجميل وسيلة فهو الجواد وجوده لا يمنع
قال: وأنشدني لنفسه متغزلًا: [من الكامل]
يخفي الهوي ودموعه تبديه صبٌّ صبابه وجده تصبيه
وتميته أشواقه فإذا بدا من نحو رامه بارق يحييه
وإذا النَّسيم سري إليه بنشركم نشر الَّذي من حبكّم يطويه
فتردّه زفراته من خرِّها عنه وباعث شوقه يدنيه
يغريه عاذله وأين سلُّوه منه وطوع غرامه ناهيه
[ ٧ / ٢١٣ ]
/١٨٥ ب/ فهو السَّليم بوجده فلذا إذا هبَّ النَّسيم كأنَّه راقيه
رقَّ العدول لحاله من سقمه وبكي وحسبك عاذل يبكيه
آس إذا هبَّ النَّسيم من الحمي هيهات عزَّ من الأسي آسيه
ومهفهف عبث الصَّبا بقوامه ما فيه من عيب لمستجليه
سكرت لواحظه بخمر السَّحر من فتراتها ودلاله ساقيه
سلًّت سيوف التَّيه من إعراضه لحظاته فمحبُّة في التَّيه
يا بدر إن طال المطال فعد علي بعد البعاد تحيَّة تحييه
أين المفر ولا مفر لعاشق حكمت عليه يد السَّقام وفيه
قال: وأنشدني لنفسه إملاء: [من الخفيف]
أيُّ شيء أحلي من الحبِّ جهرًا لذَّة العشق أن تهتَّك سترًا
رحم الله من وش بي فإنِّي استلذُّ الهوي وإن كان مرًَّا
ليت شعري ماذا تقول وشاتي أنا مغري بحبِّهم أنا مغري
وإذا ما الحبيب كان علي الحـ ـبِّ معينًا لم تخش زيدًا وعمرًا
/١٨٦ أ/ وحياة الهوي وحقِّ زمان الـ ـوصل والجاريات يسرًا وعسرًا
لو اطقت المزيد في الحبِّ لازدد ت ولكنني تحمَّلت وقرًا
يا مني النَّفس يا نهاية آما لي بمن قد كسا جفونك سحرًا
بالَّذي صان ذا الجمال عن الرَّيـ ـبه بالطَّائفين شعثًا وغبرًا
لا تدع مهجتي تذوب من الشو ق غرامًا فأنت بالحال أدري
ففؤادي من التهاجر مفؤو دو عيناي بعد بعدك سهري
لست من يستطيع صبرًا علي البـ ـين من ذا يطيق للبين صبرًا
قال: وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الطويل]
الذُّ الهوي ما ذلَّ فيه عزيزه واقتله للعاشقين غريزه
وافتكه طرف كحيل إذا رنا تبلبل الباب البرايا رموزه
[ ٧ / ٢١٤ ]
قال: وأنشدني لنفسه إرتجالًا: [من مجزوء الوافر]
فديتك كفَّ عن ظلمي ففي الأيَّام معتبر
جني طرفي علي قلبي فكان جزاءه السَّهر
[٩١٢]
٨/ ١٨٦ ب/ يحيي بن إسماعيل بن موسى بن إبراهيم بن منصور بن العاص، أبو زكريا الموصلي.
المذكور والده في الجزء الأول من الكتاب.
أخبرني أنه ولد في الليلة المسفرة عن صباح يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة سنة ستمائة بالموصل؛ وهو شاب ذو نوادر ومضحاكات ومفكاهةٍ ومداعباتٍ وأزجالٍ وموشحات، وأشعار في الزكالش هزليات.
غلب عله نوع المداعبة والهزل فشهر به، واستمر ني نهجه وله معرفة بأحوال الساسانيَّة، وكلام أهل التلاَّريَّة، ومقالات المنجمين والطرقيّة. وعنده قحة في مخاطباته وقلة حياء ومصادفة وجرأة في الكلام الرديء الفاحش؛ إلاَّ إن فيه ذكاءً وله طبع في الشعر.
ومما أنشدني لنفسه يمدح بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله - صاحب الموصل - ويذكر الخلعة التى جاءته من أمير المؤمنين الإمام المستنصر بالله أبي جعفر المنصور بن محمد، /١٨٧ أ/ والسيف والسِّنجق، وأن يخطب له على المنبر ويضرب الدينار باسمة ومؤازرته ومعاضدته له: [من البسيط]
الحمد لله نال السُّول طالبه وقام في المنبر البدريِّ خاطبه
وأشرقت غرَّة الدُّنيا وابتهج الـ ـملك المؤَّبد واهتزَّت مناكبه
وشرِّف السِّنجق الميمون حين غذا تلوي علي ملك الدُّنيا عصائبه
[ ٧ / ٢١٥ ]
أبي الفضائل سلطان الرَّعَّية بد ر الدِّين ذي الشرف العالي مناقبه
سمعًا دعوت أمير المؤمنين إلي حق تجلَّت لرائيه كواكبه
واخترت أروع صفَّي الله جوهره يسمو به الدَّهر حقًا فهو صاحبه
البسته حلُّةً جاءت من الملأ الأ علي تهادي فزفتها سحائبه
وصارمًا أبدًا تغنو الرِّقاب له كأنما القدر الجاري مضاربه
قلَّدت أمر عباد الله خيرهم فأصبح الملك قد عزت مطالبه
فالآن قرَّت عيون العالمين بما أوتو اوأمَّ سبيل الحق راكبه
يا معشر النَّاي أوفوا بالنذور فذا الـ ـوفت الَّذي خطه في اللوح كاتبه
هذا الّذي ظهرت بالله آيته هذا الَّذي تفتح الدُّنيا كتائبه
/١٨٧ ب/ ملك له علم الإقبال منتشر والسعد رافعه والله ناصبه
ينبئك عن أصله أفعاله وكذا الا فعال تهدي إلي من ظل ناسبه
بيض مناقبه صفر مواهبه خضر مواطئه حمر قواضبه
هذا الَّذي يختم الملك العقيم فما من بعده ملك إلاَّ عواقبه
هذي البداية فانظر كيف تخطبه الـ ـبلاد طرًَّا وأطوارًا تجاذبه
فلا فتي الفلك الدَّوَّار يخدمه ما ذرَّ شارقه وانحطَّ غاربه
وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
ومتي شئت أن تنال من النمو صل حظًّا فقل بغير مخافة
إنَّني شاعر أتيت من الشا م وقصدي مقرُّ دار الخلافة
وأظهر النَّصب ترتفع وتجرُّ الـ ـمال من جمعهم بحرف الإضافة
وأنشدني مشوَّه الخلق ضعيف العينين: [من السريع]
/١٨٨ ب/ قالوا: نري الكوذين دون الوري فردًا بلاصيت ولا صوت
فقلت: كفوا ليته لم يزل بشخصه عندي إلي الفوت
أقل ما في وجهه أنَّه يفزع منه
[ ٧ / ٢١٦ ]
وأنشدني أيضًا فيه يهجوه: [من البسيط]
تتقلَّب الدَّهر تقليبًا عجبت له حتَّي لقد صار في الآته عبر
وكان عهدي بالكوذين من خشب نقي وجه يدقُّ الثَّوب ينقصر
وقد إذا يوسف الكوذين هامته تدقُّ الوجه منه أسود حجر
وأنشدني لنفسه يخاطب بدر الدين لؤلؤ ين قرب الشيطان الشاعر الإربلي؛ ويحي هذا كان ينعت بالنجم: [من البسيط]
قل للمليك الَّذي مازال معتصمًا يجب بالرُّحب والإكرام داعيه
حاشًا مقرَّك والأملاك تحرسه أن تبعد النَّجم والشَّيطان تدنيه
/١٨٨ ب/ وأنشدني لنفسه في حسين بن عمر بن العصار الشيرجي. وكان كبير الأنف جدًا: [من الكامل]
قل للحسين الشَّيرجيِّ عدمته قاضي الفسوق وحجَّة المتمرِّد
شبَّهت أنفك كر دكوه بعينها والفرق بينهما جليُّ المقصد
إنَّ الملاحد أصبحوا في قلعةٍ ورأيت أنفك قلعة في ملحد
وأنشدني لنفسه يخاطب بدر الدين لؤلؤ: [من الطويل]
أمولاي بدر الدِّين نعماك لم تكل إلي رحلة وسط الشِّتاء ولا الصَّيف
ملكت وملء الأرض جدب وروعة فاطعمت من جوع وآمنت من خوف
وأنشدني قوله: [من مجزوء الرجز]
/١٨٩ أ/ يا من يخاف العسر أو يخشي من المكاره
اقصد ابا الفتح ودر تفز بباب داره
فالأمن في يمينه واليسر في يساره
[ ٧ / ٢١٧ ]
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
وصائم جاءني والكأس مترعة وسط النهار تحاكي جذوة النَّار
فقال لمَّا رآها في فمي: غربت: الله أكبر هذا وقت إفطاري
وأنشدني لنفسه يهجو: [من الطويل]
وقالوا: يري مسعود شخصك منكرًا فأوضح لنا ما قاله ببيان
فقلت: صحيح ذاك مازال ظهره إلي فيا لله كيف يراني
[٩١٣]
يحي بن أبي بكر بن مكي، أبو زكريا الكاتب التميميُّ
من أهل بجَّانة من بلاد المغرب.
كان يكتب لبعض بني عبد المؤمن المستولين يومئذ على البلاد المغربية. وكان من الأفاضل في زمانه أدبًا وكتابةً وقولًا للشعر، وحفظة للأشعار؛ ذا حظٍّ جزيل من علم اللغة والعربية.
حدثني /١٨٩ ب/ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن يوسف الفرَّياني بحلب، قال: اتفق أن اجتمع جماعة من غلمان صاحب المغرب وخواصه يرمون بالنُّشاب فبينما هم في ذلك إذ أقبل الأمير حينئذ، ثم قصد القرطاس فأزاله من مكانة، ووضع يده عوضه، وقال للرماة: أيّكم أصاب يدي دفعت إليه ألف دينار فأشار إليه بعض الحاضرين، وقال: أعيذك أيها الأمير من السوء، هذا لا يمكن وإنما نجعل موضع يد الأمير الهدف ويرمى فأزال يده من ذلك فابتدر أحد الغلمان ورمى فأصاب الهدف الذي وضع، فدفع إليه الأمير ألف دينار، فقال أبو زكريا بديهًا في ذلك الوقت وكان حاضرًا ذلك كلّه، وأنشدناه: [من البسيط]
يا خامس الخلفاء الرَّاشدين عسى شكواك تقبض في الأيدي وتفترض
علمتها البسط للجدوى لسائلها حتى من السَّهم يصمي ليس ينقبض
لم يقصد السَّهم إلاَّ كي يعرفنا هذا الإمام الذي في كفِّه الغرض
[ ٧ / ٢١٨ ]
/١٩٠ أ/ وأنشدني، قال: أنشدني أبو زكريا أيضًا من شعره: [من الطويل].
بكيت فما أغنى البكاء ولا أجدي فكيف وقد أهدي لي البين ما اهدي
وما فرقة الأحباب إلاَّ زريَّة تبيد الفتى سقمًا وتقتله رجدا
هم أورثوا قلبي الصَّبابة والجوى وهم أورثوا عيني المدامع والسُّهدًا
أيا هند لا كان الفراق ويومه فقد طال ما شقَّ القلوب وما هدَّا
نسير وما ندري لفرقتنا مدًى سوى أنَّ هذا البين ما بيننا جدَّا
أيا هند إنِّي غير راض بسلوة ولا نافض ودّا ولا ناقضٍ عهدًا
ولو كان لي بدٌّ عن البعًد والنَّوى أقمت ولكن لم أجد عنهما بدّا
أيا هند لو أبصرت شوقي ولوعتي لجدَّدت لي حبًّا واسقعت لي ودَّا
أعندك أنِّي في بحور من الأسى غريق ولم أبلغ لغايتها حدَّا
فهاتيك حالي والدِّيار قريبة إذا ما أزددت عن داركم بعداَ
[٩١٤]
يحيي بن الحسن بن الحسين بن عليِّ بن محمد – ويلَّقب البطريق – ابن نصر بن حمدون بن ثابت بن /١٩٠ ب/ مالك بن ليت بن عامر بن غنم بن فهر بن دلجة بن بشر بن معاوية بن بدر بن ثعلبةً بن حبال بن نصر بن سواة بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دوادن بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معدِّ بن عدنان، أبو الحسين، وأبو زكريا الأسدُّي.
[ ٧ / ٢١٩ ]
كانت ولادته ومنشأه بالحلّة المزيديّة.
كان عالمًا فقيهًا قدوةً في مذهب الشيعة إمامًا من أئمتهم، سمع الحديث الكثير، وسافر [إلي] البُلدان، وسمع عليه أهلها عدَّة كتب من تصنيفه وتصنيف غيره؛ ثم عاد إلى الحلة المزيدية فكانت وفاته بها في سنة إحدى وستمائة.
وقد ذكره الشريف أبو عبد الحميد فخار بن معد بن أحمد بن محمد الحلي الموسوي في مشايخه، وقال: لقي أبو زكريا يس بن الحسن بن الحسين بن علي بن البطريق الأسدي الحلي الفقيه العماد الطبري تلميذ أبي علي بن الطوسي، وقرأ عليه ولقي غيره.
وعلة سنُّه حتى بلغ ثمانين سنةً، وصنَّف كتبًا حسنةً، ومضى /١٩١٤ أ/ إلى واسط، وأقام عشرين سنة، ثم عاد إلى الحلة فمكث بها قليلًا، ثم فارقها وقدم إلى الموصل، ثم إلى حلب واستوطنها مدّةً ثم رحل عنها. وكان حسن المذهب، طيب المعاشرة، هذا آخر كلامه.
صار إليّ من تصنيفه كتاب كبير لقبه بـ "العمدة من صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار علي بن أبي طالب وصيّ المختار وعلى الأئمة من ذريته الأطهار"، وصنف كتابًا آخر وسمة بـ"مستدرك المختار في مناقب المختار" استخرجه من المسانيد الصحاح المؤلَّفة. تكلم على الأحاديث ومعاني الآيات، وفصَّله فضولًا، وأضاف إلى ذلك مقطعاتٍ حسانًا من شعره في مدح الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - صلوات الله عليه وسلامة.
وكان شاعرًا أديبًا؛ وهو والد أبي الحسن علي بن يحي بن الحسن بن البطريق الذي مرَّ شعره متقدّمًا في مكانه.
ومن شعره ما أنشد ني الشريف النقيب الأجل العالم السيد الأطهر /١٩١ ب/ جمال آل رسول اللص صلي الله عليه وسلم فخر الدين أبو الوفا عبيد الله بن علي بن زيد بن محمد بن عبيد الله الحسيني الموصليُّ بها - ﵁ - قال: قرئ على يحيى بن الحسن الأسدي
[ ٧ / ٢٢٠ ]
لنفسه، وأنة أسمع في مدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهة: -
[من الطويل]
إذا حرفوا نصّا عليك نحبَّرًا فهل حرَّفوا ما في الكتاب المنزَّل
وأني سأبدي فيك ما نبذا العدا بظهر من الوحي العزيز المرتَّل
ومن مسند الآثار عن سيد الورى نبي الهدى المنعوت بالمتزمِّل
أبا حسن إنَّي إليك ممسَّك وبعد إله العرش أنت معوَّلي
وأنشدني أيضًا، قال: أخبرنا لنفسه قراءة عليه يمدحه - صلوات الله عليه: -
[من الكامل]
وإذا المدائح زينَّت فخر امرئ كان المديح بفخرك الممدوحا
وإذا المناقب زينَّت بمدائح جعلت مناقبك المديح مديحًا
/١٩٢ أ/ أنت الَّذي ردَّ الإله بقوله شاطي الفرات على البريَّة يوحى
أنت الَّذي مذ لم نزل في فضلة برسالة الرُّوح المؤيِّد يوحى
وأنشدني عنه قوله يمدحه - كرم الله وجهة – [من الوافر]
إمام للمعاند والوليَّ ومولى للموافق والقليِّ
له فرض الولاء بيوم خم بوحي الله في النص الجليِّ
فحسبك من مفاخرة قديمًا غدا نورًا على العرش العليِّ
وحسبك من مناقبه حديثًا وصيُّ للنبيِّ الأبطحيِّ
وأنشدني عنه أيضًا فيه ﵇: [من البسيط]
جاهدت فيك بقولي واللِّسان له فضل على السيف والعسَّالة الذبل
لولا اللِّسان لما سلَّ الحسام ولا الـ ـتقت جموع الوغى في معرك حفل
فالقول تخدمه الأسياف إن سعدت أربابها وبهم شوق إلى العمل
به عرفنا مقادير السَّعيد من الشَّـ ـقيِّ لا بالظباة البيض والأسل
/١٩٢ ب/ وأنشدني عنه فيه - كرم الله وجهة: -[من الكامل]
[ ٧ / ٢٢١ ]
تثني مقاصده الرَّدى عن قصده ومقاصد الرَّحمان غاية قصده
أبدًا رضا الجبَّار في سطواته وكذا رضا المختار في إفرنده
نهضت به رتب الكمال بسؤدد أعيا على من رام فيه بجهده
وأنشدني عنه أيضًا - صلوات الله عليه وسلامة -: [من الطويل]
مناقب في دين عليها طلاوة ومنها لجيد المكرمات تمائم
قلائد في بيت الدِّيانة والهدى ومنها لفخر المكرمات مكارم
[٩١٥]
يحي بن الحس بن أحمد بن مراون بن عليَّ بن سلامة بن مروان، أبو زكريا الطنزي – بالنون والزاي -
من طنزة، بلدة فوق الجزيرة العمرية من ديار بكر.
وقد أوردت من شعر جدّ أبية مروان بن علي في كتابي المتقدّم الملقب بـ "تحفة الكبراء المذيل محلى معجم الشعراء".
وكانت /١٩٣ أ/ ولادة أبي زكريا - هذا - في سنة ثلاث وسبعين وخمسائة بطنزة. ونشأ بها وانحدر إلى الموصل، وتفقه بها على الشيخ أبي المظفر محمد بن علوان بن مهاجر الموصلي الفقيه الشافعيّ مدَّة بالمدرسة الأتابكية العتيقة. وحفظ كتاب التنبيه للامام أبي إسحاق الشيرازي على ظهر قلبه. وقرأ شيئًا من مسائل الخلاف والفرائض على الإمام أبي المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الموصلي، ولازمة مدَّة، وتميزَّ فيما قرأ عليه.
وانحدر إلى بغداد وأقام بالمدرسة النظاميَّة يسمع درس الشيخ أبي علي يحيي بن الربيع بن سليمان بن حرَّاز ألعدوي الواسطي مدّرس النظامية. ثم انتقل بعد مديدة إلى دار الذهب وسمع بها الدرس من أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن فضلان، وكان المدرس بها يومئذ. واستدلَّ بين يديه ولازم الاشتغال وتمهَّر في المسائل الخلافية وعلم المذهب والفرائض.
[ ٧ / ٢٢٢ ]
ثم أصعد من بغداد في سنة خمس وستمائة، /١٩٣ ب/ وأقام بالموصل مديدةً يسرة، ثم توجَّه إلى بلده فولي القضاء والتدريس بها. فكان يقضي ويدّرس ويفتي وبقي على ذلك مدَّة. ثم صرف عن القضاء بسبب تغير وزير كان بديار بكر؛ ثم أعيد عن قريب.
وكان قد فقهت نفسه، ورقَّ طبعه، ينظم الشعر الرقيق. وكان اجتماعي بالقاضي أبي زكريا بحلب في شهر ربع الآخر سنة أربع وأربعين وستمائة بالمدرسة النوريّة المعروفة بالنفَّرية.
وأنشدني لنفسه: [من الكامل]
من لي بطيفك أن يكون مسامري يا غائبًا لم يخل منه خاطري
لهفي على ذاك الزَّمان وطيبة أيَّام كنت مصاحبي ومعاشري
تالله لو يرجى له من عودة أو يفتدى لفديته بالنَّاظر
هل أنت يا أملي على طول المدى أنسيتني أم هل فديتك ذاكري
أقسمت بالبيت العتيق ومن دعا بفنائه من محرم ومجاور
إن عاد شملي جامعًا بأحبَّتي من بعد طول قطيعة وتهاجر
/١٩٤ أ/ قضيت عمري للأحبَّة شاكرًا وغفرت زلاَّت الزَّمان الغادر
أنشدني أيضا لنفسه إملاءً: [من الكامل].
إن كان صدُّك عن قلًى وملال أو كان عن تيه وفرط دلال
فلقد علمت بأنَّني راض بما ترضاه لي يا منتهى أمالي
قسمًا بوجهك إنَّه لي كعبة حجِّي لها متتابع متوالي
لولاك لم أخضع لواش كاشحٍ كلاَّ ولا أغضبت فيك رجالي
لكن حبَّك قد تملَّك مهجتي كرهًا فلا الوي إلى عذَّالي
يا قامة الغصن الرَّطيب وفرحة الصّ ـبِّ الكئيب أما مللت مطالي
هب أننَّي راض بصدِّك والقلي لم لا تجود تكرُّمًا بوصالي
مولاي أنت جعلتني غرضًا لما أرمى الغداة به من الأقوال
وتركتني بين الرَّجال يسومني من كنت لا أرضى لحمل نعالي
[ ٧ / ٢٢٣ ]
[٩١٦]
يحيي بن حميد بن ظافر بن عليَّ بن الحسين بن عليَّ بن القائد أبي عليٍّ يعرف بمؤيَّد الحقَّ بن صالح بن عليَّ بن سعد بن كريم بن محمد بن الحسن بن الحارث بن عليَّ /١٩٤ ب/ بن سعد ين مسعود بن اليعقوب بن حارثه بن الأعصم بن غنم بن أسد بن سالم بن سعد بن الحارث بن صخر بن الحارث بن صخر بن الحارث بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن الأزد عامر بن حارثة بن أمرئ القيس بن ثعلبة – وهو غسان – بن الغوث بن مالك بم زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قطحان، أبو زكريا بن أبي طي الأزدي.
من أهل حلب، هكذا كتب نسبه من خط يده.
كانت ولادته في آخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
وتوفي بها يوم الأحد الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وستمائة.
وكان أبوه نجارًا - وكذلك جدُّه - واشتغل أبو زكريا بصنعة النجارة مع أبية برهةً من الزمان ثم تركها وحفظ القرآن العزيز، وتعلَّم الكتابة، ومال إلى طلب العلم والأدب، ولقي العلماء ومجالس الفضلاء؛ فقرأ فقه الإمامية على أبي جعفر محمد بن علي بن شهر اشوب السروي المازندراني.
[ ٧ / ٢٢٤ ]
/١٩٥ أ/ وقرأ الخلاف علي أبي الثناء محمود بن طارق الحلبي الفقيه الخفي.
ثم انتقل إلى تعليم الصبيان وإقراء القرآن الكريم، فلزم ذلك إلى سنة سبع وتسعين وخمسمائة، ثم جذبه الوزير نظام الدين أبو المؤيد محمد بن الحين الطغرائي وزير الدولة الظاهرية يومئذ إلى تعليم ولده، فلزمه إلي سنة ستمائة.
ثم ترغ عن ذلك، ولزم بيتة وطلب مشايخ الأدب، فقرأ على أبي محمد القاسم بن القاسم الواسطي، وأبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي الحلبي، وأبي القاسم أحمد بن هبة الله بن الجبراني الحلبي، وأبي الحرم مكي بن رياَّن الحري الحاكي وغيرهم.
ثم عمل الشعر وصار أحد شعراء دولة الملك الطاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب، وارتفعت منزلته عنده، وولاّه نقابة الفتيان في سنة تع وستمائة؛ فكان نقيب حضرته.
ثم أحبَّ التصنيف، وصنَّف كتبًا في التواريخ وتغير القرآن الكريم والآداب والفقه /١٩٥ ب/ والأصول كثيرة منها: التاريخ الكبير الذي وسمة بـ "معادن الذهب في تاريخ حلب" وهو كتاب جمع فيه أخبار الملوك والعلماء، واحتوى علي أخبار الشام التي لا يوجد مجموعة في كتاب قديم ولا حديث، وابتدأ به من أول الفتوح إلى سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وأوصل فيه الدول وأخبارها القديمة في الإسلام والحديثة؛ وهو كتاب نافع ومفيد، وكتاب "التنبيه على محاسن التشبيه" أتى فيه بجميع فنونه وما قال العلماء فيه؛ وهو كتاب حسن في بابه، وكتاب في "محاسن الغلمان" يحتوي على ألف وتسعمائة غلام. جمع فيه من جيد الأشعار اللطيفة المعاني ما لا يوجد مجموعًا في كتاب، وقدَّمه للملك الظاهر فأعجب به وأثابه عليه أحسن ثواب، وكتاب "لمح البرهان في تفسير القرآن"، وكتاب "البيان في أسباب نزول القرآن" وكتاب "غريب القرآن".
/١٩٦ أ/ مختصر، وكتاب "المجالس الأربعين في فضائل الأئمة الطاهرين"، وكتاب "خلاصة الخلاص في آداب الخواص"، وكتاب "حوادث الزمان" تاريخ علي حروف المعجم، وكتاب "تاريخ العلماء"، وكتاب "أسماء الشعراء"، وكتاب "شفاء الغليل في
[ ٧ / ٢٢٥ ]
ذم الصاحب والخليل"، وكتاب "الحاوي" ذكر فيه رجال الشيعة وعلماءهم وفقهاءهم وشعراءهم وأئمتهم المصنفين في مذاهبهم، وهو مرتب علي حروف الهجاء. وغير ذلك من التصانيف الكثيرة، وبلغت مصفاته أكثر من خمسين صنفًّا.
وكان هذا الرجل يأخذ نفسه بالتصنيف والجمع والتأليف ويختلق أسماءً وألقابًا لكتب فيضعها ويضيفها إلى نفسه وينتحلها. ولم يكن إلاّ صاحب دعاوى ومخاريق وأباطيل ويوهم أنه قد صنَّف وليس عنده ممّا /١٩٦ ب/ ذكر علم ما، ولا وجدت شيئًا من مصنَّفاته إلاَّ اليسير.
وحدثني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الخفي بحلب - أيّده الله تعالى - قال: كان إبن أبي طيّ كذابًا كثير الكذب والتحريف؛ وانَّ هذه الكتب التي عدّدها وادعاها، وعمل لها فهرستًا، تمويهًا وتوهيمًا لم أقف منها على شيء؛ إلا أنَّه كان يقول قد صنفت الكتاب الفلاني في العلم الفلاني فنسأله إحضاره فيحتج بحجة ما ويغالطنا ويوهم أنه فرغ. وكلّ ما يتلفظ به ويدعيه زور وكذب فإذا صح له ذلك وصدًق في تصنيفه فيكون قد أغار على بعض الكتب، فيقدم فيه أو يؤخر، أو يزيد قليلًا أو يختصر، ويختلق له اسمًا غريبًا وينتحله. هكذا كانت شيمته. وكان قد جعل التصنيف بضاعته، ورأس ماله وصناعته.
ومن شعره ما أنشدي أبو الفتح نصر الله بن أبي العزّ بن أبي طالب الصفَّار الشيباني الدمشقي بها في المحرم سنة/١٩٧ أ/ أربعين وستمائة، قال: أنشدني يحيي بن أبي طي الحلبي بها، لنفسه ما كتبة إلى الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف ني أوّل قصَّة: [من الوافر]
غياث الدِّين يا مولى الموالي وغيث ذوي المفاقر والعيال
ومن أصبحت من نعمي يديه سعيد الجدِّ ذا جاه ومال
أتى شهر الصِّيام ولي عليه حقوق من عطائك والنوال
فخذ يا موجدي بيدي يديه بما عودت من كرم الخلال
فلم أذكرك شكًّا في اهتمام يقصِّر منك عن نظرٍ لحالي
ولكن خفت أن تعطي ابتداءً فتحرم منطقي شرف السُّؤال
[ ٧ / ٢٢٦ ]
وأنشدي أيضًا قال: أنشدني أبو زكريا لنفسه: [من السريع]
كم ليلة بتُّ بها وحدي ملازمًا بالهمِّ والوجد
أقلِّب الطَّرف بأرجائها ومدمعي يجري على الخدِّ
كأنَّها في طولها إذ بدت شعرك يا من زاد في الصَّدِّ
/١٩٧ أ/ وأنشدني، قال: أنشدني يحيي بن أبي طيّ لنفسه: [من الكامل]
صمت الأراك ولم يبح بسريرة فطفي ببرد الثَّغر منه أوارا
والعود باح بسرهَّ لوشاتهً فرقًا فأورده الكلام النَّارا
وأنشدني، قال: أنشدني يحيي بن حميد لنفسه: [من المتقارب]
تذَّكرت أيَّامنا بالحمى وطيب زمان لنا قد مضى
وندماننا رشأيُّ اللِّحاظ كالبدر وجهًا إذا ما أضا
إذا عبَّ في كأسه خلته هلال الشُّعاع إذا أومضا
وأنشدني، قال: أنشدني قوله: [من السريع]
يا قمرًا زاد غرامي به لمَّا بدا ليل عذاريه
قلت لعذَّالي عليه انظروا وردًا وريحانًا بخدَّيه
يحميهما أن يقطفها صارم قد سلَّه من غنج عينية
وأنشدني أبو العباس /١٩٨ أ/ أحمد بن يوسف بن عبد الله المؤدّب الحلبي، قال: أنشدني أبو زكريا بن أبي طيّ من شعره في الشقق: [من الكامل].
وكأنَّما شفق السَّماء وقد بدا في صحن خدِّ الشَّرق للمتأمِّل
خجل بدا في خدِّ روميٍّ وقد منح العتاب على لسان المرسل
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في المعنى بديهة: [من البسيط]
كأنَّما الشقق الشرقي حين بدا خد لأغيد روميٍّ به خجل
أو صفحة من لجين موِّهت ذهبًا أو درِّة مسَّها في سحرة بلل
وحدَّثني الصاحب الإمام أبو القاسم بن أبي جرادة، قال: استعار مني يحيي بن أبي طيّ النجار كتاب "الأخبار المستفادة في ذكر بني أبي جرادة" الذي /١٩٨ ب/ ألفتة
[ ٧ / ٢٢٧ ]
وجمعته في نسب أجدادي وأخبارهم - رحمهم الله تعالى - فبقي عنده مدَّة يطالعه، ثم سيره بعد ذلك إليّ فتصفحته فوجدت في أثنائه ورقةً بخطّ يده متضمنةً هذه الأبيات من شعره.
قال الفقير إلى رحمة الله تعالى، الراجي رحمة رّبه؛ المبارك بن أبي بكر بن حمدان بن أحمد الموصلي مؤلف هذا المجموع: أعارني هذا الكتاب المذكور الصاحب الإمام أبو القاسم - فح الله في أجله - فكتبت منه فوائد خطيرةً، ونكتًا جليلة، أودعتها كتابي الذي ذيلته على معجم الشعراء لأبي عبيد الله المرزباني، ونقلة الأبيات المذكور من خطّ /١٩٩ أ/ ناظمها وقد صدَّرها بهذه الألفاظ المسجوعة وهي: "ولما وقفت على هذا النسب الأصيل، والحسب النبيل، والفخر الجليل، قلت:
[من الكامل]
نسب عليه من الغزالة بهجة تعشي ومن فلق الصَّباح بهاء
لا يحتوي إلاَّ على متوطِّد شرفًا تخر لفضله العظماء
أو أروع وسم الزَّمان بنانه بفضائلٍ تعنو لها الجوزاء
رب اللَّواء أبو جرادة عامر لهم به بين الأنام لواء
ولهم بخاتم مجدهم وكمالهم عمر الكمال على الأنام علاء
بحر العلوم وأين عذب مذاق ذا من طعم ذاك إذا تمطِّق ماء
قسمًا أقول وان تقدَّمة الألى من قومه واتى به الأجزاء
فلقد سما وعلا بكلِّ فضيلة لا يستطيع لحاقها القدماء
فالسَّيف من نفس الحديد نجار وله على جنس الحديد سناء
/١٩٩ ب/ ومحمد من نسل آدم قد أتى وله عليه الفخر والعلياء
ومن شعره أيضًا في أهل البيت - صلوات الله عليهم وسلامة أجمعين: -
[من الكامل]
أنا في إسار غدائر ونواظر من كل أبيض ذي قوامٍ ناضر
ريَّان من مرح الصِّبا فكأنَّما رويت معاطفه بغيثٍ باكر
خمري ريقٍ لؤلؤيَّ ضواحك مسكيِّ صدغ صارميِّ محاجر
لله ليلتنا بكاظمةٍ وقد سمحت به الأيَّام بعد تهاجر
[ ٧ / ٢٢٨ ]
وقد اضطعجنا والنُّجوم كأنَّها في الأفق لؤلؤ ثغره في ناظري
والبدر سار في السَّماء كأنَّه من وجهة باد بنور باهر
والشِّعريانً كأنَّما أحداقها أحداق عاذل حبِّه المتكاشر
وسهيل الوقَّاد يخفق دائبًا خفقان أحشائي عليه وخاطري
والليل يرفل في فضول غلائلٍ رقَّت كشوقي أو كدمعي القاطر
والريِّح تنشر عرفها بنسيمها نشري مديح أخي النَّبي الطاهر
/٢٠٠ أ/ خير الأنام ومن يذّل مهابةً من بأسه قلب الهزبر الخادر
صنو النَّبي وصهره ووزيره وظهيره في كل يوم تشاجر
ومبير عتبة والوليد وشبية والعامريِّ وذي الخمار الكافر
ومزعزع الباب المشيد وقالع الًـ ـحجر الشَّديد عن القليب الدَّاثر
ومغيض تيَّار الفرات وقد طما ورمى البلاد بكلِّ موجٍ زاخر
سل عنه إن أنكرت سورة مريم والصف والشورى وسورة غافر
وأسأل حديث الشمس عنه فإن تجد رشدًا والاَّ سل حديث الطَّائر
والسَّطل والمنديل فيه معجز والجان أبين للَّبيب الخابر
وحديث يوم الدَّوح أعظم موقعًا عند اللَّبيب وكلِّ لحب خابر
إذ قام في يوم الغدير محمَّد وبكفِّه كفُّ الإمام الطًّاهر
من كنت مولاه فذا مولًى له في كلِّ أمرٍ باطن أو ظاهر
يا ربِّ وال من الأنأم وليَّة واخذل لخاذله الأذلِّ الصاغر
وخرج يومًا إلى بستان السلطان الملك الظاهر غياث / ٢٠٠ ب/ الدين غازي بن يوسف بن أيوب بحلب - رحمة الله تعالى - وتنوَّق في إحسان عمارته، وغرس فيه أنوار الغروس. وكان بَّوابة رجلًا اسمه مالك، فمنعه من دخوله، فكتب على بابه:
[من السريع]
قل لغياث الدِّين يا مالكا راح لأرواح الورى مالكًا
بنيت فردوسًا فلم أنت قد صيرت فيها خازنًا مالكا
وقال في هذا البستان أيضًا: [من الكامل]
إن كنت ترغب في النَّعيـ ـم وفي معاقرة السُّرور
[ ٧ / ٢٢٩ ]
فعليك بالقصر الغبا ثيَّ الأغر المستنير
قصر علا عن أن يحيـ ـط بوصفه فكر الخبير
فاق الخورنق حسنه وعلا علي حسن السَّدير
/١٢٠ أ/ فكأنَّه في الدَّوح في الـ ـميدان في الرَّوض البهير
كسري لدي الغلمان في الإ يوان في بسط الحرير
وقال في قبة الورد في البستان المذكور، وهي قبة بين يديها سطران من شجر الجوز الطَّوال، وبين ذينك السطرين نهر تحفّ به روضتان ومن غربيها نهر:
[من السريع]
كقبَّة الورد الَّتي حسنها تقصر عنه
كأنَّها والدَّوح من حولها تميس في أعصانها الملد
مملَّك من فوق كرسيِّه خفَّت به طائفة الجند
والنَّهر من غربيِّها سائحًا كصارم جرِّد من غمد
وقال يمدح الإمام علي بن أبي طالب – صلوات الله عليه وسلامه: -
/٢٠١ ب/ حبُّ عليٍّ شرف لمن به يلتحف
وبغضه النِّفاق والـ ـكفر الَّذي يقترف
ميِّز محبيه فهم إذا الأنأم انكشفوا
جواهر خالصة ومن سواهم خزف
وقال أيضًا: [من الخفيف]
يا أبا جعفر تجاف قليلًا كم تسامي بمنخر مبخوس
أنت من معشر كرام ولكن أنت فيهم قوائم الطاووس
وله يصف فوارة: [من الكامل]
لله ليلتنا والبركة الـ ـفيحاء والشطُّ
[ ٧ / ٢٣٠ ]
والماء فيها مرسلًا غدقًا جعدًا كأنَّ متونه الشمط
وكأنَّما الفوَّار فيها راقص قد جلَّلته ذوائب شمط
وقوله فيها أيضًا: [من مجزوء الرمل]
وترى الفوَّار يحكي في علوٍّ وانحدار
غادةً قامت تثنَّي لك من تحت الإزار
[وقال في راجح الحلي الشاعر: [من مجزوء الخفيف]
قيل لي راجح هجا ك فلم لا تجيبه
قلت من كلُّه عيو ب بماذا أعيبه]
[٩١٧]
يحيي بن خالد بن محمد نصر بن صغير بن خالد بن داغر، أبو جعفر بن أبى البقاء بن القيسرانيِّ، الكاتب المنشئ.
من أهل حلب.
كانت ولادته بها في ذي القعدة سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
من بيت مشهور بالرئاسة والجلالة والفضل والكتابة والأدب والشعر، فإن والده كان كاتبًا؛ له الخطّ الرائق المليح يضرب بجودته المثل، واستوزره الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكي بن آقسنقر سلطان الشام - ﵁ - وارتفعت منزلته لديه، وتقدَّم في دولته.
وأبي جعفر من أعيان أهل حلب في الفضل وأماثلهم وصدورهم المقدَّمين، وأفاضلهم وصاحب ديوان الإنشاء، ورأس كتاب الرسائل، وكاتب السّر والمعتمد عليه
[ ٧ / ٢٣١ ]
في دولة السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف – خلَّد الله ملكه - وقبله لأبيه الملك العزيز، وجدِّه الملك الظاهر / ٢٠٢ ب/ - رحمهما الله تعالى -
وذكر لي أنَّه حفظ القران العزيز، وسمع شيئًا من الحديث على أبي حفص عمر بن محمد بن طبرزد البغدادي، وأخذ طرفًا من علم العربية على الشيخ أبي الحرم مكي بن ريان الماكسي النحوي حين ورد حلب، وقال شعرًا سهلًا كتابيًا، وترسل ترسلًا فاق به على كتاب زمانه، واستظهر كثيرًا من الأشعار؛ وله يد في حلّ التراجع والغوص على معانيها وكشف مشكلاتها، والبديهة الحاضرة في إنشاء الرسائل. وربّما أنشأ الرسالة في المعنى المقترح عليه إرتجالًا من غير روية كأنه يحفظها من قبل وذلك لذكائه المفرط، وفطرته السليمة.
ثم إنَّه من المتمولين وذوي اليسار وأرباب النعم وعنده تواضع وحسن محاضرةٍ وفكاهة.
ومما أنشدني لنفسه من حفظة يهنئ السلطان الملك العزيز غياث الدين محمد بن غازي - رحمة الله تعالى -بالصوم: [من الكامل].
/٢٠٣ أ/ إسعد بأيَّام الصَّيام وشهره وأبشر بأنفس مغنم من أجره
يا مالكًا شرفت بنا أقدارنا لما أستكانت بالخضوع لقدره
لازلت فيه حائزًا ما رمته من صنع الطاف الإله وبره
تنمى لك الحسنات مثل هلاله وترى محاق السَّيَّئات كبدره
ويزيد قدرك رفعة تسمو على الأ قدار فينا مثل ليلة قدره
وختمته بسعادة توفي بشا ئرها على البشرى بموسم فطره
وأنشدني لنفسه ما كتبة إلى بعض من أهدى إليه تفاحا، ثم أنقذ له بعد ذلك رمانًا: [من الطويل]
أيا ماجدًا فاق الورى كلَّهم مجدًا وأهدى إلى عافية أنفس ما يهدى
أراك توخَّاني ببرَّك عامدًا وتبعث لي ما يبعث الشُّكر والحمدا
منحت خدودًا ثم أرسلت بعدها نهودًا فواها لو بعثت لها قدَّا
[ ٧ / ٢٣٢ ]
إذا كنت لا ابغي لرقِّي مالكًا سواك ولا ألوك في طاعةٍ جهدا
وأنشدني لنفسه متغزلًا: [من السريع]
/٢٠٣ ب/ يا قمرًا يختال في حلَّة وقيت من عيني بعين الله
سيف بألحاظك لم سلَّه على دم العشَّاق من سلَّه
وورد خدَّيك علي فتنتي أظنُّه دلُّك قد دلَّه
بعثت خطًّا منك مضمونة يضرم من نار الهوى شعلة
تلثم لي الأرض وأنِّي إلى لثم ثناياك لذو غلَّه
قبِّل فمي تحيي بها مهجتي فالأرض ما تصنع بالقبله
فالشوق بي نحوك لو بعضه حلَّ برضوى لم يطق حملة
ووصلة الوحشة بي لم تدع بين جفوني والكرى وصلة
فهل مزار منك يدنو لنا يا ليت شعري والمنى ضلَّه
واهًا ليوم فيه يقضى لنا اجـ ـتماع شمل بك واهًا له
وأنشدني لنفسه، وكان الملك العزيز قد توجّه إلى قنسرين، فخرج أبو جعفر بعده قاصدًا خدمته، وأمسي عليه المساء فبات بقريةٍ للصاحب كمال الدين/ ٢٠٤ أ/ أبي القاسم عمر بن احمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي، وتسعى القرية قذار، فكتب إليه منها: [من الوافر]
كمال الدِّين يا من طال فرعًا وطاب أرومةً وزكا نجارا
ويا بحرً خضّمًا لا يفيد الـ ـعفاة بدرِّه إلاِّ كبارًا
ويا مولى أرى إنفاق عمري إذا فارقت خدمته خسارا
مسيري عن جنابك عاض أنسي الـ ـذي أدناه قربك لي نفارًا
وغادر لي فؤادًا مستهامًا وقلبًا من فراقك مستطارًا
واحشاءً مقلقلة وعينًا مؤرَّقة وأنفاسًا حرارًا
ولمَّا لم أطق للبين حملًا وأضرم في حشاي الشوق نارًا
أتيت (قذار) استشفي ثراها واستجدي سكونًا واصطبارا
وآخذ عنكم أثرًا فيهدي إلي قلبي هدوًّا أو قرارا
فزادتني بذكراكم غرامًا وظلت بها مساءً وابتكارا
[ ٧ / ٢٣٣ ]
(أمرُّ علي الديار ديار ليلي أقبِّل ذا الجدار وذا الجدارا)
/٢٠٤ ب/ وأذري أدمعًا لو انبتتها جنيت من القلوب بها ثمارا
ورحت أرى بنفسي من تنائي مزاركم فتورًا وانكسارا
أسير هواكم وأودُّ أن لا يفك الدَّهر لي منه إسارا
فلا أخلت معالمك اللَّيالي ولا أقصت لك الأيَّان دارا
ولا زالت عراصك آهلات تفيض ندًي وتزداد اخضرارا
وأنشدني لنفسه فيما يكتب على حلقة باب دار: [من الطويل]
علوت على باب علا الباس رُّبه نوالًا وإحسانًا فحسبي بذا فخرا
أنا العروة الوثقًى من الفقر للورى فمن صافحتني كفُّه أمن الفقرا
وأنشدني لنفسه ما يكتب على مفتاح: [من الطويل]
إذا عدَّ أهل الفخر غرَّ مناقب سما كل ذي طول بها من يطاوله
فخرت بأن صافحت راحة مالكً مفاتيح أرزاق العباد أنامله
وأنشدني أيضًا: /٢٠٥ أ/ لنفسه حين فتح الملك العزيز محمد بن غازي بن يوسف – رحمه الله تعالى – شيزر، وكان صاحبها يومئذ شهاب الدين أبو المحاسن يوسف بن مسعود، عاصيًا عليه فلما ومل إليها لم يمكنه العصيان بها، ونزل وسلَّمها طائعًا. وصارت مضافة إلي مملكة الملك العزيز غياث الدين: [من البسيط]
يا مالكًا خافت الأملاك سطوته وعمَّ إحسانه الدَّاني مع القاصي
لمَّا رأت شيزر رايات نصرك في أرجائها ألقت العاصي إلي العاصي
والعاصي هذا المشار إليه اسم نهر يمرّ تحت قلعة شيزر.
وأنشدني، قال: كتب إليّ /٢٠٥ ب/ من ينتمي إلى قول الشعر بهذه الأبيات:
[من البسيط]
ما كلُّ من قال مدحًا فيك يكتسب وان أقلَّ فمود بعض ما يجب
ما فوق مديح المادحين له إن لم أقل فيك قال الجود والحسب
مولاي ما البدر محتاج إلى مدح كماله في المعالي شاهد عجب
فقت الكرام فأنت الغيث إذ بخلوًا واللَّيث إن جبنوا والسَّهل إذ صعبوا
[ ٧ / ٢٣٤ ]
لقُّبوك شهاب الدِّين فاختصروا لو انصفوك لقالوا السبعة الشُّهب
سمعت عنك حديث الجود يسنده ذوو الرَّجاء ولا مين ولا كذب
وعاقتي عنك غيث لم يزل كندى يديك يهمي على الدُّنيا وينسكب
لولاه ما فاتني حجٌّ إليك ولا الـ ـتزام ذيلك إن نابتني النُّوب
وقد بعثت أخي عمدًا لتكرمه فكن به محسنًا دامت بك الرُّتب
قال: فكتبت إليه الجواب عنها بهذه الأبيات على الوزن والقافية: [من البسيط]
/٢٠٦ أ/ يا فاضلًا قد سقانا من بلاغته مدامةً فبنها من شربها طرب
ويا أخًا سمح الدَّهر البخيل به والفضل مذ كان في أبنائه نسب
قد هاج نظمك لي شوقًا إليك غدت بحر أنفاسه الأحشاء تلتهب
وشب فيَّ غرامًا زاد ني كلفًا وددت منه بأنِّي جارك الجنب
فلو عرفنا مكانًا أنت فيه لزر ناه ولو سحبت أذيالها السُّحب
بل لو منحناك دنيانا وما ملكت أيماننا لفعلنا بعض ما يجب
فقد بلغت من الإحسان منزلةً نصيب من رام فيها شأوك النَّصب
وأملى علي من إنشائه هذه الرسالة، ثم وصلها شيء من شعره؛ وهي جواب أبيات كتبها إليه الصاحب الإمام كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله الخفي العقيلي - أدام الله أيامه -:
"يقبل اليد الشريفة المولوية القاضوية الإمامية العالمية المالكية الكمالية أعلاها الله ورفعها / ٢٠٦ ب/ وأولاها بطسةً وأوسعها، ونظم فيها أشتات المكارم وجمعها وينهي أولًا أشواقه التي هي في كل الأوقات متزيدة، وغرامه الذي قلبه منه في نار موصدة، ووحشته لذلك المحيَّا الذي محاسنه للقلوب مستبعدة، ورغبته إلي الله تعالي في أن يجعل أيام الاستسعاد بلقائه غير مستبعدة.
وثانيًا ورود الكتاب الكريم علي يدي مملوك المولى عّز الدين، فأقبل المملوك عليه، وتناوله من يديه، ووضعه علي عينيه، وهزَّ طربًا عطفيه، ووقف من فحواه علي بديع المقال، ورأي السحر الحلال،
[ ٧ / ٢٣٥ ]
وعرف كيف تتفاوت قيم الرجال، واجتلى تلك العقيلة التي فتنت العقول، وفعلت بالألباب ما لا تفعله الشَّمول، وحكمت لقائلها بالبلاغة على كل من يقول شعرًا، وبالتفصيل على كل من ينظم درًّا.
وجرأه الحسد علي التعرض للجواب، ولو ساعده التوفيق لكان إقراره بالعجز عن مجاراتها هو /٢٠٧ أ/ عين الصواب، ثم أطمعه في التصيُّد من بحرها علمه بأن المولى غريم كريم لا يناقش في الحساب. ويتقن أنَّ الله - سبحانه - يؤتي الحكمة من يشاء من عباده، وأنَّة قد أجزل مها إرفاد المولى فلا عار على أوليائه في استرفاده:
[من الطويل]
ويعجبني فقري إليك ولم يكن ليعجبني لولا محبتُّك الفقر
فظل المملوك منكرًا، وقال مقصرًا معتذرًا - ثم اتّبع ذلك بهذه الأبيات -:
[من الخفيف]
يا نسيم الصَّبا أثرت غرامًا في فؤادي فزدتني أسقامًا
يا نسيم الصَّبا لقد شفَّ قلبي منك وجد عصيت فيه الملاما
فتعمد مسرَّتي واعدلي ذكر مولًى أهدى إلى السَّلاما
خصَّني منه منعمًا بكتاب حين وافي قبَّلته إعظاما
ففضضت الختام عنه كأنِّي عن رحيق إذا فضضت الختاما
ولثمت النِّقس الذي ضمَّخت بالـ ـمسك منه الأنامل الأقلاما
وترشفته فدار على الافـ ـهام منه ما أطرب الأفهاما
/٢٠٧ ب/ قسًاما خميلة جادها الطَّـ ـلُّ فشقَّت ازهارها الأكماما
لا ولا روضة بحزن بكي المز ن عليها فاتبعته ابتساما
لا ولا الدُّر نظَّمته عقودًا في نحور ايد تجيد النظاما
عند ذي اللُّب منه أحسن مرأى حين يبدو له وأسنى مراما
رقمته كفُّ الكمال فحاز الـ ـحسن في طِّيه كمالًا تماما
[ ٧ / ٢٣٦ ]
تلك كفٌّ ما جارت الغيث في حلـ ـبة جود إلاَّ وجاءت أماما
يا كمال الدِّين الذي عصم اللّـ ـه به المسلمين والإسلاما
يا أبا القاسم الِّذي قسم الإ نعام فينا وأجزل الأقساما
يا سليل العديم كم لك عندي من يدٍ آمنتني الإعداما
انا والله في ودادك مغرًى مغرم ما أفيق منه غراما
لو تطلعت في ضميري وجدت الـ ـحبَّ قد مازج الحشا والعظاما
غمرتني نعماك حتَّى لقد غادرتني استكفف الانعاما
وصفت لي أخلاقك الغر حتَّى ملت سكرا وعفت [حتى] المداما
وحلت لي منك الشَّمائل حت رحت منها متيَّماُ مستهاما
/٢٠٨ أ/ إن تصف لي من التألمَّ والوحشة والشوق ما حماك المناما
فلقد هاج لي اشتياقك نيرا ن اشتياق اورت بقلبي ضراما
وعزيز علي أني في غيـ ـر تدانيك أنفق الأيَّاما
ولو استطعت جئتكم ات علي الأنعام ركضا بل فوق ظهر النعامي
فأبق ما شئت في اعتلاء مداه لا يسامي وقدره لن يساما
تسترق الأحرار جودًا وتحتـ ـلُّ من المجد غاربًا وسنامًا
وتمتلَّي مسرَّةً بسليليـ ـك ونجمي افقيك دمت وداما
لترى المجد ماجدا وأخاه الـ ـنجم بدرًا ينوِّر الإظلاما
فالإمارات منهما شاهدات لهما ان سيعلوان الأناما
وهما الأزكيان أصلًا وفرعًا وهما الأعدمان لؤما وذاما
وهما سرُّ أسرةٍ يصلون اللَّـ ـيل بالصُّبح سجَّدًا وقياما
بوجوه مثل المصابيح نورًا وأكفٍّ بها نباري الغماما
وغنوا دهرهم شعارهم التَّقـ ـوي وماتوا ما استحقبوا آثانا
فتذَّكر فراستي وارع لي حـ ـيًّا وميتًا بالصِّدق فيهال ذماما
[ ٧ / ٢٣٧ ]
/٢٠٨ ب/ اغتفر لي إطالة عذرها أنَّـ ـي بكراك ما أملُّ الكلاما
وإذا أبت فالقني لترى منِّـ ـي حساما قد قلدوه حساما
وأنشدني لنفسه، وكان قد عزم على الخروج إلى قريته المعروفة بالتيارة:
[من مجزوء الكامل]
عرجِّ بنا نحو التّياره نقضي بها حقَّ الزِّياره
ونهزُّ أغصان السُّرو ربها ونستجلي ثماره
ونشنُّ فيها للخلا عه غارةً في إثر غاره
فقلوبنا شوقًا إلي تلك المعالم مستطاره
قد حلَّ فيها الحسن فهـ ـي لسيل واديه قراره
ومتي حللت بدارها حللت إذن بداره
تلهيك أقمار تري لوجهها فيها استناره
ويشوق طرفك منظر فاقت محاسنه العباره
وتسوف ما ينسيك طيـ ـب شميم نجد والعراره
/٢٠٩ أ/ وهناك ورد العيش عذ ب لا تلم به مراره
والجوُّ اركن والغما م علي الرُّبي مرخ إزاره
والرَّوض أوحي والزما ن علي معاطفه نضاره
والطير في أشجارها يبدي لمسمعك اشتجاره
فاعنم بها طب الحيا ة فإنما هي مستعارة
وادر بها راحا تريـ ـح من الهموم المستثاره
صفراء تحسبها علي كفَّ المدير لها شراره
واجسر علي اللَّذات فالـ ـفطن اللَّبيب أخو الجساره
فالدَّهر يعدل تارة في أهله ويجور تاره
وأنشدني لنفسه يستدعي صديقًا له ينعت بالعفيف أبي طالب بن صفر:
[من الكامل]
قل للعفيف أخي النَّدي ربِّ القوافي والمدائح
يا ماجدًا قد أفحمت أوصافه منا القرائح
[ ٧ / ٢٣٨ ]
/٢٠٩ ب/ يا من لسان الحمد في تيِّار بحر نداه سابخ
يا من يخفُّ لنقصه عن نظمه الحلِّيُّ راجح
يا ذا الَّذي مازال طر في بالوداد إليه طامح
وعناق قلبي نحوه أبدًا علي الأيَّام جامح
مولاي لقَّيت الأيا من من زمانك والسوانح
وحماك سعدك أن يلـ ـمَّ بك الأشائم والبوارح
عندي وحقِّك صحن ششـ ـبرك بصافي الدُّهن طافح
وعليه من سنبوشج تاج تكلِّله الشرائح
حسب أقتراحك طعمه ومشمُّه كالمسك فائح
قد احكم الطاهي صنا عنه فأفحم كل مادح
وعصابة نبل إذا عاينتهم غر جحاجح
تري منهم عيناك فر سان الصحائف والصفائح
يترقبون إذا عزمـ ـت طلوع بدرٍ منك لائح
فهلمَّ تدل لهم من الأ نس المعجَّل كلَّ نازح
/٢١٠ أ/ وأعلم بأنَّ لهم إذا لم تأت السنة قوادح
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلي العفيف أيضًا: [من المجتث]
قل للعفيف أبي طا لب حليف العلاء
يا سيَّد الأدباء وواحد الفضلاء
يا ذا المحلَّ الَّذي جا ز قنَّة الجوزاء
غمرتني بأياد جلَّت عن الإحصاء
لولاكم لم أر خـ ـلًاّ صحيح عقد الإخاء
ملكت طرفي وسمعي سلبت لبَّي ورائي
بكاعب عذارء كالكواعب العذراء
جاءت إلي تهادي كالغادة الحسناء
[ ٧ / ٢٣٩ ]
لها سنيً يخجل البد ر في دجي الظَّلماء
تصبي السَّميع وتلهمي الرَّ أي لها والرَّائي
حلَّت بقلبي محل الشَّ ـفا علي الإشقاء
/٢١٠ ب/ وأشبهت بين جفنـ ـيَّ لذَّة الإعفاء
وأرشفتني برودًا عذبًا علي الإطماء
فرحت أسحب منها ملابس السَّراء
قرير عين وقلب فسيح خطو الرَّجاء
بقيت لي يا أباطًا لب سعيد البقاء
فصرت منك وادي علي كريم الوفاء
حلو الشَّمائل عذب الأ خلاق مرَّ الإباء
فأنت كهف اعتمادي وأنت كنز اقتنانئي
وأنت سيفي اسطو به علي أعدائي
ومن يجازيك نظمًا من سائر الشُّعراء
كمن يروم بجهل منه منال السماء
ورمت نظم جواب فلم أطق من عبائي
وقد بعثت عزانًا تمشي علي اسحياء
في خفية واستتار من أعين الرُّقباء
/٢١١ أ/ تكلَّلف الخطو من خو فهاك علي إعياء
خرقاء كفٍّ ولين الصَّـ ـناع من خرقاء
فأولها منك صفحًا يا سيِّد الكرماء
ولا تقل لي قدك أتـ ـئب من الغلواء
وأنشدني لنفسه ما كتبه إليه أيضًا جواب شعر ورد عليه منه: [من الخفيف]
عشت من طارق الَّردي في أمان ونبت عنك أسهم الحدثان
ووقانا إلاه فيك فأنت الرُّ وح الرُّوح والمني والأماني
وتولاَّك بالسَّلامة والصَّحَّـ ـة حتَّي تطول عمر الزَّمان
ساحبًا فضل بردة العيش تستنـ ـفد عمر القران والأقران
[ ٧ / ٢٤٠ ]
رافلًا في ملابس الفخر عالي الذَّ كر والقذر أهل الأوطان
آمن الظَّهر والمفاصل والرِّجـ ـليس والرُّكبتين من ضربان
تصرع الأسد قوةًّ وتفوت الـ ـضُّمير السَّابحات في الأرسان
/٢١١ ب/ يا عفيف الدَّين الَّذي حلَّ بالو دمن القلب في أعز مكان
وأديبا أطاعه الشَّعر حتَّى زاد فيه حسنا على حسان
وحوى العلم والفصاحة حتَّى سحبا ذيله على سحبان
علم الله أنَّ شوقي إلى وجـ ـهك من دونه لظى النَّيران
وتمادى أيَّام بعدك في قر بك شيء ما كان في حسباني
واصطباري يشح عنك به قلـ ـبي وعيني تجود بالهملان
وسروري بذي اليتيمة قد أعـ ـجر وصفي فكلَّ عنه لساني
أسفرت حين أقبلت فاجتلى طر في وسمعي منها عروس البيان
وترشفتها فبتُّ كأنَّي رحت منها معاقرًا للدَّنان
وتصفَّحتها فخيِّل لي أنِّـ ـي منها نزيل روض الجنان
ثم كرَّرتها ورددَّتها حتَّـ ـي اشتفى خاطري وقرَّ جناني
قسما ما سوالف الغيد زانت ـها عقود الجمان والعقيان
وثغور الرِّياض ضاحكةً غـ ـبَّ بكاء السماء في نيسان
زارها وافد الصَّبا فتبارت فيه فرسان ضمَّر الضَّيمران
/٢١٢ أ/ عند أهل التَّمييز في الحسن إلاَّ دون ألفاظها الحسان المعاني
لا تسمني الجواب عنها فإقرا ري بعجزي إليك مدُّ بناني
يا أخي يا عفيف إنَّ اعترافي لك في الشَّعر ظاهر البرهان
لا تقس خاطري بخاطرك الخطَّ ـار أين الثماد والرَّافدان
أنت روح الأخوان في خفَّة الرُّو ح فرفَّه خواطر الإخوان
واعفني من جواب شعرك إنَّ الشَّـ ـعر آباه مثل ما ياباني
وابق فينة ودون قدرك أهل الشَّـ ـعر حتَّي حبيب وابناهاني
[ ٧ / ٢٤١ ]
وكتب إليه أيضًا عن شعر له إليه وأنشدنيه: [من الخفيف]
يا عفيف الدَّين الَّذي جلَّ في نظ ـم المعاني ونثرها عن مثال
يا صديقًا ما حاد مذ كان عن حسـ ـن فعال أو عن صواب مقال
قد لعمري أصفيتني الودَّ وأستنـ شطت بالنُّصح خاطري من عقال
وتماَّكت رقَّ حمدي ومن شأ ن المعالى أقتناء حمد الموالي
بسلاف أدار فكرك في سمـ ـعي منها ما دبَّ في أوصالي
/٢١٢ ب/ فعلت بي وأنة أدرى بما تفـ ـعله بالعقول بنت الدَّوالي
وتوهَّمتها أتتني من الجـ ـنَّة لمَّا طافت بسكر حلال
وتلقيت كلَّ ما أعربت عن ـه بحسن القبول والإقبال
وتخلَّصت حين واجهني رأ يك بالنُّصح من خبيث السَّعالي
وتعوَّضت عنه عوَّضك اللَّـ ـه بخير الأعواض والأبدال
لا سقى الله صوبه لا ولا جاد ثري ضمَّ شبهه ببلال
ثمَّ من بعد ذاك أطرقتني با ب الأماني بزخرف الأقوال
يا عفيف الدَّين أعفني من أمور أنا من همَّها خليُّ البال
إنَّ حظَّي لم احظ منه بإسعًا دوفألي بوعده ما وفى لي
لي دين على الزَّمان وقدا نًسني منه بالمطال المطال
وبقلبي منه وما بحت بالشكـ ـوي جراح بطيئة الإندمال
لا اروم القصاص منه ومن يبـ ـغي قصاصًا من جائرٍ مغتال
ورجائي في السِّلم منه فإن سا لمني فهو منتهى أمالي
يا أخي يا عفيف حسبي بذكر أسـ ـمك راحا وراحة من لاكلال
/٢١٣ أ/ عدَّ عن هذه المني إنَّما العيـ ـش منام ونحن طيف خيال
لآ عدمنا منك أهتمامًا به جئـ ـت المعالي من الطَّريق العالي
وكتب إليه أيضًا جواب أبيات: [من السريع]
مالدُّرُّ زانته يدا ناظم والرَّوض غبَّ العارض السَّاكب
[ ٧ / ٢٤٢ ]
[والوشي من كفَّ صناع ولا الـ ـمك علي سالفتي كاعب]
أبهي لعين اليوم من روضة زخرفها فكر ابي طالب
الألمعى الأريحي الَّذي سدَّت سجاياه فم العائب
متى تعرَّفنا بمعروفه وفضلة الرَّاهن والرَّاتب
أودعها من درَّ ألفاظه لألئًا لم تدن من ثاقب
يضيء فيها للمعاني سنيً يعشي ضياء الكوكب الثاقب
ووصف أشواق غدا قلبه من برحها فى نصب ناصب
فاعتلقت طرفي بما أبدعت فيها بنان النَّاظم الكاتب
ورحت مسرورًا بها باسطًا إلى مجانيها يد الراغب
إيه عفيف الدَّين يا من به عزّ جنابى وا حتمى جانبى
/٢١٣ ب/ يا ذا النُّهى والفضل والمنطق الـ ـفصل الَّذي أعيا علي الخاطب
كم لك عندي من يد شكرها يعجز حصر الحافظ الحاسب
أقسم بالله يمينً امرئ لا أفك الفول ولا كاذب
وأنَّك من قلبي في منزلٍ ناءٍ على المصحوب والصَّاحب
وأنَّك اليوم لأشهى إلى نفسي من عود الصَّبا الذَّاهب
وأنَّ مراك له في الحشا لذَّة برد الماء للشارب
ولو اطعت الشوق ما كنت عن جنابك الممرع بالغائب
بقيت ما شئت البقا آمنًا فى الدَّهر من حادثة اللاَّزب
تهدى لى الشِّعر الَّذى نظمه يرخص سعر الذَّهب الذَّائب
وتجتني شكري الَّذي نثره على معاليك من الواجب
وكتب إليه أيضًا جواب أبيات: [من السريع]
قل لعفيف الدَّين ذى المجد ملكت رقَّ الشُّكر والحمد
ببنت فكر لك أرسلتها سافرة في طالع السَّعد
/٢١٤ أ/ ألفاظهًا احلي من الشَّهد ونشرها اذكي من الندِّ
[ ٧ / ٢٤٣ ]
جلوتها منك بخطٍّ غدا فيه شفاء الأعين الرمد
فقمت لمَّا أقبلت قائلًا لا عدم المهديُّ والمهدي
أمهرتها ودِّي وافرشتها صدري بل أوطأتها خدَّي
أعدت علي الهم ويا طالما قد كنت استعدي ولا معدي
وسَّرت القلب وقد كان من قبل نجيَّ الهمِّ والوجد
تفديك نفسي يا أبا طالب من أوحد من عصره فرد
أخلاقك السَّهلة معسولةً في هزلكً المهلي وفي الجدَّ
وذكرك الموصول بالحمد في حالتي قربك والبعد
دان لك الشَّعر فأزريت بالـ ـنظم علي الحلَّي والكندي
لا غرو أن أفحمتني مثل ما أفحمت من قبلي ومن بعدي
كيف أجاريك إلي غايةٍ فضلت لا يحصر بالعدَّ
وذلك الشَّخص الثَّقيل الَّذي يصحَّف اللَّفظ علي عمد
لم يكن التَّصحيف من شأنه وإنَّما الفخر له معدي
/٢١٤ ب/ حرَّره بالهجر فقد صار من تصحيفه في غاية البرد
وأبق علي الدَّهر تنال المني في عيشك المقتبل الرَّغد
وله أيضًا: [من الخفيف]
يا عقيق الدَّين الَّذي نلت بالو دَّله في الزمان جاهًا ورفعه
يا صديقًا له الوفاء إذا ما خاننا الأصدقاء دين وشرعه
حبَّذا أنت من فتي سهَّل الدَّهـ ـر لنا خلقه وكرم طبعه
وحبانا منه بذي أدب زا ن به أصله الكريم وفرعه
وأمتنان في كلِّ حالاته يو سع في بذله ويبذل وسعه
قد علًمنا حقيقةً أنَّ مطلو بك تقليدنا أياديك خدعه
وأمرنا مسكا تجيد لنا طبـ ـخ الَّذي اخترته وتحكم صنعه
وتهيَّأ فأنقل خطاك إلي عبـ ـدك إذ تنقضي الصَّلاة بسرعة
لأحيَّي منك المحيَّا الَّذي أجـ ـلو علي العين منه أيمن طلعه
يا أبا طالبٍ بقيت علي الأيَّـ ـام في عزَّةٍ عليها ومنعه
[ ٧ / ٢٤٤ ]
كيف لي أقطع الزمان وأيَّا مي بمرآك كلها يوم جمعه
/٢١٥ أ/ والعفيف هذا؛ هو أبو طالب عقيل بن الحسن بن عقيل بن صقر من أهل حلب، ومن بيت مشهور بها. شيخ حسن طويل أسمر اللون، ممتع الحديث، فكه المجلس جيد ني نفسه؛ عده مروءة وفية تودد وحسن عشرة لمعارفه وأصدقائه.
وكان يخدم متصرفًا للأمراء، ثم لزم بيته وواظب على الصلوات الخمس ويترامى إلى نظم القريض، ويتعاطي فيه. يفعل ذلك مزاحًا وانبساطًا، وله ذوق قريب ني قوله وتركيب أوزانه، ويقول شعرًا ملحونًا، نازل الطبقة، وكانت بيه وبين أبي جعفر بن القيسراني الكاتب المنشئ صحبة قديمة، وصداقة وكيدة.
وكان أبو طالب يحبّ أن يكاتب أبا جعفر بالأشعار ويجاوبه عنها ويداعبه ويماجنه بالأبيات النادرة؛ ولولا سقوط شعر أبي طالب واللحن الذي يقع ني أثنائه، لأوردت منه شيئًا في كتابي هذا. وكنت أفردت له ترجمةً بذاتها لما كان بيني وبيه من أكيد الصحبة والاجتماع؛ لكنَّه من الهذيان / ٢١٥ ب/ الذي لا يعتدُّ به. ومن أصلح ماله من النظم توله من أبيات كثيرة، كتبها إلى بعض أصدقائه: [من مجزوء الخفيف]
نقذ الورق والورق والورق ففؤادي قد احترق
لا تدعني أصيح مثـ ـل السمامين طق طلق
وكانت وفاة العفيف أبي طالب ليلة الجمعة خامس عشر ذي القعدة سنة خمسين وستمائة، ودفن بمقبرة الجبيل شمالي القلعة بكرة يوم الجمعة بتربة مخصومة بهم - رحمة الله تعالي - وسألته عن ولادته، فقال: ولدت في سنة خمس وسبعين وخمسمائة بحلب.
ثم نرجع إلى ذكر أبي جعفر بن القيسراني. كتب المخلص عبد الله بن محمد بن عبد الرحيم التميمي إلى أبي جعفر عند عوده من دمشق، واتفق وصوله إلى حلب قبل عيد الأضحى بيومين وذلك سنة تسع وأربعين وستمائة.
/٢١٦ أ/ دم يا أبا جعفر مالًا لذي أمل يرجو نداك وعش للفضل والجود
ما عدَّ غيرك إلا واغتدت غررًا أفعالك البيض في أفعاله السود
اناي ارتحالك عنَّا كلَّ صالحه نادى إليها وأقصى كلَّ مقصود
[ ٧ / ٢٤٥ ]
لا ردَّ دونك باب الخير فاتحه فباب فضلك عنَّا غير مردود
فأجابه أبو جعفر بهذه الأبيات ٠ وأنشدنيها: [من البسيط]
أمخلص الدَّين قد أوليتني مننا ما شكر أيسرها عندي بمحمود
وقف منك على نظمٍ أدار على سمعي وفهمى ولبَّي بنت عنقود
لقد ملكت به ودِّي الصَّريح كما أوردتني منه بحرًا غير مورود
منحتني منه جودًا ما برحت إلى نفائس من حلاه ثانيًا جيدي
والله يعلم أشواقي إليك وما جنت يد البعد من همِّى وتسهيدي
وما نثرت بذاك القطر من دررٍ عليك في كلَّ نادٍ منه مشهود
ويوم القي محيَّاك الجميل فذا ك اليوم عيدي من حسن به عيدي
بقيت للفضل تبديه فأنت له كالماء للعود بل كالنَّار للعود
/٢١٦ ب/ ومن نثره ما كتبة إلى الصاحب الإمام كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي المدَّرس العقيلي - أسعده الله تعالى - من حمص عند توجهه إلى خدمة السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن محمد بن غازى - خلَّد الله ملكه – بدمشق، يعرّفه بوصوله:
"أدام الله نعمة المجلس السامي كمال الدين؛ ولا زالت محامده مفروضة، ومننه على الأعناق مفضوضة، والمسار على سمعة وقلبه الشريف معروضة، ولا برحت يده بالإحسان مبسوطة، وأيدي الحوادث عنه مقبوضة.
الخادم ينهي أنَّه سطر خدمته هذه من حمص وقد هبَّ عليه من /٢١٧ أ/ حمص، وقدم عليه من نسيم الاقتراب من الخدمة الشريفة السلطانية ما أحيا روحه، وبعث إليه مسيحة، وهاج أشواقه وتباريحه، واستشعرت نفسه سعادة المثول بأبوابها، واستنار جبينه لما سيباشره من ترابها، وتيقن أعتاب دهره عند تقبيله عتباتها، ونجاح سعيه بوقوفه في مواقف عبيدها وأهل موالاتها، والله تعالى يقرب له ميقات الاستسعاد بمرأى عظمتها التي تخشع لها البصار، وتخضع لها
[ ٧ / ٢٤٦ ]
الأقدار، ويستسرّ لأنوارها الأقمار، وتتوجه الوجوه والنيات إلى كعبة كرمها، ويحلّ الرجاء بأرجاء حرمها، وتترفع الأقدار باستنزال ديم فضلها ونعمها ليسترجع الخادم بصره وبصيرته منها بنطره، ويشم لما حلَّ حالة من سماء إحسانها ديمة ثَّرة، ويرد بحر كرمها الذي يقذف بدر الأنعام من معدنها، وتأخذها بقوة، ويأمر قومة أن يأخذوا بأحسنها، ويشافه /٢١٧ ب/ بالدعاء والإخماد والإبتهال إلى الله تعالى، في أن يمدّ ظلّ سلطانها على العباد والبلاد، وأن يمتع الخليقة منه بتلك الخليقة، التي هي ألذّ في الأجفان وأندى على الأكباد، ويفوز بخدمة المجلس التي هي مادة أنسه، وراحة نفسه، ومشاهدة محيّاه الذي له فيه مغًنى عن قمره وشمسة، فإنَّ مسألة الشوق إليه قد أخذت بحقّها، ومسافة الصبر قد الجأته إلى أضيق طرقها. وكيف به لو أعارته الريح إليه جناحًا؟ أو لو زويت له الأرض فغدا على خدمته غدّوًا ورواحًا؟ وسطرها ونفسه تعد، ويده من حجلة التأخر ترتعد. وما يدري بماذا يعتذر؟ ولا ماذا ينظر وينتظر؟ غير أنَّ نفسه واثقة بأنَّ سلطاننا - خلّد الله ملكه - شريف الطبع، كريم الصنع. لا يناقش في هذا الحساب، ولا ينافس إلاَّ في الثواب، وأنَّة إلى عادته في الأحسان أجنح، وأنَّ سجاياه الشريفة أندى وأسجح، ملكَّه الله الليالي خولًا، والأيام /٢١٨ أ/ عبيدًا، وجدّد له في كل يوم جديد ملكًا جديدًا، وأغنى الدنيا به عمَّن سواه كما أغنى جار البحر عن [أن] يتيمم صعيدًا، وحرس نعمة المولى وأبقاها، وضاعف له أسباب السعادة وأولاها، وعطف على مكارم أخلاقه أعنَّة الثناء وثناها - إن شاء الله تعالى –".
ومما كتبة إلى السلطان الملك الناصر صلاح الدين عزَّ نصره - بعد عوده من مصر، وقد بلغة عتب منه بانقطاع كتبة عنه:
"أعز الله سلطان المقرّ الأشاف الأعظم السلطاني، وزاده اقتدارًا وأعقبه ظفرًا وانتصارًا، وأوسع الدنيا بملكه افتخارًا، وحاطه بمعقباته
[ ٧ / ٢٤٧ ]
الحافظات ليلًا ونهارًا، وجعل ملائكة نصره أعوانًا وأنصارًا؛ ولا زالت الأقدار لأوامره معليةً، ولبعيد آماله مدنية، ولعقائل الممالك إليه مهدية /٢١٨ ب/ والى طاعته في كل مراد ومرام متهديّةً.
يقبل الأرض خدمةً يعتقدها فرضًا، ويلثم العتبات الشريفة التي لا يرضى لها السماء أرضاَ، وينهي مواصلته أيام مولانا بأدعيته التي يرضى وظائفها، وينشر صحفائها. واستفتاحه أبواب القبول بدوامه على ذلك واستمراره، ومحافظته عليه في أناء ليلة وأوقت نهاره. والله تعالى يسمع ويجيب إنَّه سميع مجيب، ويقسم بالله العظيم، وبحق نعمة مولانا وحقوقها عظيمة، وكفارتها معلومة أنَّ المملوك لم يؤخر مطالعاته عن الأبواب العالية إلاَّ استصغارًا لنفسه عن هذا المقام، وإجلالًا لعظمة مولانا التي تتضاءل عندها همم الملوك العظام، وتهيبا أن يخاطب مقرّ الشرف والعظمة بما يستمدُّه من خاطر بهمّ بعده عن الخدمة الشريفة مكدود، وقلب مُحلأ عن موارد السعاداتً مطرود، وجنان تبهره أنوار تلك العظمة /٢١٩ أ/ التي إذا حاول من قلمه سجودًا، بآيات حمدها قال جبينه أنا أحقّ منه بالسجود.
وعنده والله من الأسف لبعده عن الخدمة الشريفة ما لا تتخيلله الأوهام، ومن الأشواق إلى تعفير وجهة في مواطئ أقدام مولانا ما لا يطيق حصره (ولو أنما في الأرض من شجرةٍ أقلام)
ولئن أخَّره سوء حظّه، فإنه يتذمَّم إلى حلم مولانًا وعفوه بأنَّ له في ولاء الدولة القاهرة القدم المتقدمة، وعقيدة الإخلاص المستحكمة، وأنَّه مملوكها الذي ما نشأ إلاَّ في خدمة أبوابها، ولا شام غيث إحسان إلاَّ من سحابها، ولا فغر إلاَّ بالدُّعاء لأيامها فمًا، ولا أجرى في غير طاعتها قلمًا ولا قدمًا، ولا عرف غير سلطان الله تعالى وسلطانها
[ ٧ / ٢٤٨ ]
منعمًا. وآماله فيها تتأكد على الدوام، وتزداد اشتدادًا على تراخي الأيام، والله سبحانه يبلغه من خدمة مولانا ما يبلغه رضاه، ويفوز منه بسعادتي دنياه وأخراه. ويخلد ملك مولانا، ويضر الإسلام /٢١٩ ب/ بنصره، ويجعل أمره ني عباده وبلاده من أمره، ويسعد ممالك الآفاق بما يطلعه عليها من أنوار بدره وأضواء فجره، يغني آمال الأولياء بما يفذفه لقريبها من درّ بحره، ويبعه إلى بعيدها من متراكم قطره، والأمر أعلى - إن شاء الله تعالى –".
ومما كتبه إلى السطان الملك الأشرف شاه أرمن مظفَّر الدين أبي الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب - رحمة الله تعالى - وكان قد أبلَّ من مرض ناله - على لسان السطان الملك العزيز غياث الدين أبي المظفر غازي بن يوسف بن أيوب - رحمة انه تعالى:
"يقبل الأرض بالمقَّر الأشرف العالي المولويّ السُّطاني الملكي الأشرفي الشاهي - أعز الله سلطانه - ولا زالت ٢٢٠ أ/ الأيام مستبشرةً بعافيته، والآمال صحيحةً بصحته، الإسلام مستعليًا بسلامته، والأقدار متقاصرةً عن نيل قدرته، والدنيا مقبلة أبدًا بإقبال دولته، والتوفيق موافقًا لمماليك وأهل مودَّته، والحياة معرضةً، عن أعدائه وأضداده وحسدته. خدمةً يجدّدها علي اختلاف أحواله وطاعةً يتسربل منها ملابس إقباله، وينهي مواصلته أيام مولانا بالدعاء واختياله ني حلل السَّراء، واختصاصه بعظم الهناء، لما منَّ الله تعالى علي الإعلام والمسلمين والدنيا والدين من عافية مولانا التي أشرقت الآفاق بأنوارها، وسلامته التي عمَّت القلوب بمسارها، وصخته التي صحت بها زواجر الإقبال، واعتدال مزاجه الشرف الذي قضي للزمان وأهله بالاعتدال. ووقاية الله - تعالي - ذلك الجسم الذي هو من لطفه مجسم وإشراق شمس تلك العزَّة أضاء بها شقَّ الأمل الذي /٢٢٠ ب/ كان أظلم فالحمد لله على هذه النعمة التي لا يدانيها الشكر، ولا يقوم بحقّها الوصف والنشر، وهو المحمود على لطفه
[ ٧ / ٢٤٩ ]
بالمملوك حيث لم يبلغه خبر التياث مزاج مولانا إلا مقترنا بخبر عافيته، وكمال سلامته؟ ولولا ذلك لتفرقت أفلاذ كبده، وبرز قلبه إشفاقًا من جلده وجلده.
وهو من كل الكرم أكرم، والله تعالى يصرف عن مولانا كل مكروه، وينّور بعافيته القلوب والوجوه، ويضفي على جسمه شعار الصحة، ويخصه بالعمر الجديد المديد الفسحة، ويهدي إلى خاطره الشريف ما يهديه إلى خواطر أوليائه وممالكيه من الفرحة، ويبلغ المملوك عنه أطيب الأنباء، ويجعل الناس كلهم فداءً له من الأولياء والأعداء. والمملوك يسأل تشريفه بأوامر مولانا ونواهيه، والله تعالى يوزعه شكر أياديه، ويوفقه لحيازة مراضيه - إن شاء الله تعالى –".
[٩١٨]
يحيي بن سعيد بم المبارك بن عليّ بن عبد الله بن سعيد بن محمد بن نصر بن عاصم بن عباّد بن عصام بن الفضل بن ظفر بن غلاَّب بن حمد بن شاكر بن عياض بن حصن بن رجاء بن أبي بن شبل بن أبي اليسر كعب الأنصاري – صاحب رسول الله صلي الله عليه وسلن – بن عمرو بن المنهال بن عديِّ بن طريف بن عبيد بن شرَّاد بن زيد بن حامد بن لبيد بن الأشجع بن الحارث بن ربيعة بن ضبَّة بن جندب بن مرثد بن جشم بن ثعلبه بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن مالك بن زبد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الأزدي.
[ ٧ / ٢٥٠ ]
نقل هذا السب من خط تلميذ أبية، أبي الدُّر ياقوت بن عبد الله الكاتب الموصليّ - رحمة الله تعالى -
أبو زكريا بن أبي محمد النحويُّ، المعروف والده بابن الدَّهَّان.
كانت ولادة يحيى قبل موت أبية بثمانية أيام. وكان موت أبية /٢٢١ ب/ يوم الأحد غرَّة شوال من سنة تسع وستين وخمسمائة بالموصل.
وكانت وفاة يحيى هذا - بها أيضًا – في سنة ست عشرة وستمائة، ودفن على أبيه بمقبرة المعافى بن عمران الزاهد – ﵁ – ونشأ وأحبَّ الاشتغال بالعلم والأدب، ولم يزل راغباَ في تحصيله، مائلًا إليه بكلَّيته
وصحب الشيخ أبا المحرم مكيّ بن رياّن الماكسي النحوي تلميذ والده، ولازمة إلى أن توفي ودرس عليه أدبًا كثيرًا، واستفاد منه علمًا وافرًا؛ نحوًا وعربية وعروضًا ولغةً وأشعارًا قديمة حتى تميَّز وبرع في ذلك على أقرانه. وكان يرجع إلى جودة فهم وذكاء وفطنة، ونسخ بحطّه كتبًا كثيرة أدبية.
وكان فقيرًا مملقًا متعذرًا عليه القوت، واتصل بالأتابك عزّ الدين أبي الفتح مسعود بن أرسلان شاه بن سعود بن مودود - رحمة الله تعالي - صاحب الموصل، وولاّء التقدمّ في الرباط، وصار شيخ الشيوخ به، وحظي لديه، واكتسب منه رزقًا صالحًا، وولاّه بدر الدير أبو الفضائل لؤلؤ بن عبد الله خازنًا /٢٢٢ أ/ لخزانة كتب المدرسة التي أنشأها على دجلة، وألَّف عدة مجاميع باسم الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاء تحتوي على أشعار رقيقة غزليّة. وكان الناس يتجنبونه لما يرون في من المتكُّبر والتيه وشراسة الخلق والفظاظة. وكان مع ذلًك شاعرًا سهل الشعر، صاحب قصائد ومقطعات.
أنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي الإربليَّ بها - ﵁ - قال: أنشدني أبو زكريا يحيى بن سعيد بن المبارك النحوي ابن الدّهان لنفسه:
[من الطويل]
وقائلة أصبحت في النَّاس شاعرًا وقد كان يخلو من أماثلك العصر
[ ٧ / ٢٥١ ]
فقلت لها: يا ويب غيرك قرَّضي ملامك عنَّي واهدي أنَّى لك العذر
فإنَّي وان الفيت حني هابطا لذو همَّة من دون قمتها النسر
وما جلُّ فخري بالقريض ونظمه ولست أمرًا أسرى فضائله الشَّعر
ولكنَّني شرفت نثري بمدحه فأحببت أن يسمو به النَّظم والنَّثر
ومن كان بكرا للفضائل واجدًا لها فخليق أن تزف له البكر
/٢٢٢ ب/ وأنشدني أبو محمد عبد الله بن عمر بن سعدي البوازيجي الأنصاري بحلب - رحمة الله تعالى - قال: أنشدني أبو زكريا يحيى بن معيد بن الدهَّان النحوي بالموصل لنفسه ما كتبة إلى الأمير بدر الدين أبي الفضائل لؤلؤ بن عبد الله - صاحب الموصل - على ظهر كتاب أهداه له يتقاضى رسمًا كان له عليه في النيروز:
[من المنسرح]
مولاي يا سيَّد الملوك ويا أعظم من يلتجيه ملهوف
قد حان رسمي فانعم عليَّ به فأنت بين الأنام موصوف
ونقلت من خطه شعره من صدر كتاب ألغه وسمّاه "نتائج القرائح" خدم به الملك القاهر عّز الدين أبا الفتح /٢٣٣ أ/ مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود صاحب الموصل - رحمة الله تعالى -: [من السريع]
هل لغرامي فيك من آخر أم هل على صدَّك من ناصر
يا رَّبة الخدر الَّتي أصبحت فاتكة بالأسد الخادر
رقَّي لمن أصبح في وجده بحبكّم كالمثل السَّائر
ولا تظُّني بي سلوًا فما يخطر غيرك في خاطر
واهًا لقلبي كيف ملَّكته غزيرةً ساحرة النَّاظر
خلية عن فرط وجدي بها راقدةً عن جفني السَّاهر
تبدي إذا ما طلعت طلعهً غراء مثل القمر الباهر
فإن تثنت فلها قامة تقد قدَّ الغصن الناضر
وافرة الحسن فواحسرتا واحربا من حسنها الوافر
قاسيةً لم ترث لي من جوى قلبي ولا من دمعي الهامر
كأنمَّا ما علمت أننَّي عبد الجواد الملك القاهر
[ ٧ / ٢٥٢ ]
القيل عزِّ الدِّين ربِّ العلا معطي اللُّهي حلف النَّدى الغامر
/٢٢٣ ب/ نجل الملوك الصِّيد خير الورى الزَّاري على الأوَّل والآخر
مولاي يا ابن الأكرمين استمع مديح نحويكّم الشاعر
فإن يكن قصَّر فيه فما له سوى عفوك من غافر
لا زلت في عزٍّ منيع الذُّرى تكفُّ كفَّ الزَّمن الجائر
ليس لما تجبر من كاسرٍ ولا لما تكسر من جابر
وقال أيضًا: [من البسيط]
قالوا: إلى م تعاني الحبَّ قلت لهم ما دمت حيًّا ودام الحسن في النَّاس
كم تبت يومًا فيثني همتَّي رشا له عذار على الخدَّين كالآس
إذا كلفت بمن تهوى وكان له وجه مليح فما بالحب من باس
وقال أيضًا: [من البسيط]
مازلت أطلب من دهري لقاءكم حتَّى إذا ما تدانى الشَّمل واجتمعا
مدَّت إلينا صروف المحادثات يدًا أوهت قوى الوصل حتى صار منقطعا
فما أكتسبت سوى حزن أكابده عمري فليت التَّداني لم يكن وقعا
وقوله يتذكر /٢٢٤ أ/ الصَّبا ويتأسَّف عليه: [من الوافر]
وعهدي بالصِّبا زمنًا وقدِّي حكى ألف ابن مقلة في الكتاب
فصرت الآن منحنيا كأنَّي أفتِّش في التُّراب على شبابي
[٩١٩]
يحيي بن سعيد بن محمد بن سعيد بن أحمد بن إبراهيم بن الحارث بن سليم بن أبي تمامٍ القاضي، أبو المجد بن أبي الوفاء التكريتيُّ.
من ربيعة، قاضي ماردين.
[ ٧ / ٢٥٣ ]
حدثني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي، وقال: قاضي ماردين؛ هو يحيي بن سعيد، قدم حلب رسولًا في سنة ثلاث عشرة وستمائة، ونزل بخانكاه الملك الصالح نور الدين إسماعيل بن محمود بن زنكي بن آقسنقر - ﵁ - واجتمعت به وسمعت عليه شيئًا من الحديث، وأملى عليّ من شعره.
وهو شيخ حسن مفت فقيه من بيت الحديث والفقه، سمع ببغداد شهدة بنت الأبري، والرضي أبا الخير أحمد بن إسماعيل /٢٢٤ ب/ بن يوسف بن محمد بن العباس القزويني، وبالموصل خطيبها أبا الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد عبد القاهر بن الطوسي، وصدر الدين شيخ الشيوخ أبا القاسم عبد الرحيم بن إسماعيل بن أحمد بن محمد النيسابوري. وكان مدرسًا بمدرسة أبي الكرم محمد بن علي بن مهاجر الموصلي.
سألته عن ولادته، فقال: في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وخمسمائة بتكريت، وبلغتنا وفاته ونحن بحلب في ذي الحجة من سنة عشرين وستمائة، وتوفي بماردين؛ وقيل توفي ليلة الاثنين تاسع ذي القعدة.
وقد ذكره الإمام أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الفقيه الشافعي الموصلي في كتاب "طبقات الفقهاء الشافعية". وقال: ولد القاضي أبو المجلد بتكريت، وتفقه بها مدَّة وتوجه إلى الموصل وتفقه بها مدَّة على الشيخ أبي المظفر محمد بن علوان بن مهاجر الفقيه المدّرس بها يومئذ. وأعاد له الدرس بالمدرسة الفخرية على دجلة مدَّة طويلة.
ثم توجَّه إلى ماردين وأقام بها وولي التدريس /٢٢٥ أ/ والقضاء بها زمانًا طويلًا، وتعين فيها للتدريس والفتوى والقضاء. وكانت له المناظرة بجامعها. وكان حسن السيرة، جميل الطريقة، عفيفًا في ولايته.
ثم قال: وذكر لي من أثق به؛ أنه لما عزم على الحج صعد المنبر يوم الجمعة، وقال: يا أهل ماردين قد ولية عليكم القضاء مدَّة طويلة، فأسألكم بالله: إنَّ من كانت له علي مظلمة أن يقوم يطالبني بها فإن كانت من مال قضيتها، وإن كانت بسبب السلطان
[ ٧ / ٢٥٤ ]
تداركتها منه، وإن عجزت عن ذلك تضرعت عليه في عفوها عنّي. فضجَّ الناس بالبكاء وارتفعت أصواتهم بالأيمان المؤكدة أنَّه ليس فينة من له منك شكوى ولا يتخلفك مكروه؛ فنبلغ ذلك صاحب ماردين فعظمت مكانته عنده؛ وحجَّ في تلك السنة. وكان هو الرسول إلى ديوان الخلافة وغيره من الملوك عن صاحب ماردين، هل اآخر كلامه.
أنشدني الصاحب الإمام أبو القاسم بن أبي جرادة بحلب - أيده الله تعالى - قال: أنشدنا / ٢٢٥ ب/ القاضي يحيى بن سعيد بن أبي تمام التكريتي لنفسه هذه الأبيات يرثي بها أخاه فخر الدين أبا الفخر وقد توفي بتكريت في سنة أربع وثمانين وخمسمائة:
[من الطويل]
أيا نازلي أرض العراق لقيتما رشادًا ولا لاقاكما الدَّهر ذاعر
ولا زلتما في غبطة وسلامة تجيء بكم في القادمين بشائر
إذا جئتما تكريت في اللَّيل اهديًا سلامي إلى قبر سقته بواكر
ثواه فتًى لا يخلف الدَّهر مثله إلى أن ينادي في البرية حاشر
أبى الدَّهر أن يحيا أبو الفخر بعدما تولَّت من الدَّهر الخؤون مفاخر
بجانبها الغربي غيَّب بدره ولا غزو أن الغرب [للبدر] ساتر
سقى الله قبرًا ضمَّ عقلًا وعفَّة غمامًا ملثًّا قطره متواتر
ولا زال مخضر الجوانب مونقًا تمدُّ إليه من بعيد نواظر
وقولًا له إنَّي فقيد لفقده كأن فؤادي عند ذكراه طائر
وانك إن غيبِّت عن عين ناظري فلست بعيدا أن تراك البصائر
كفى بي حزنًا أنَّ فقدك سالبي رقادي وأنَّ الجفن مني لماطر
/٢٢٦ أ/ إذا مات أهل الفضل واندرس العلا وضمَّ سراة العالمين مقابر
وصار أخو الآداب والعقل والحجى وراجي حياة عمره متقاصر
فلا حبِّرت للكاتبين محابر ولا نصبت للخاطبين منابر
ولو أنَّ بالمقدار حولًا وقوة لما حكمت في العالمين مقادر
ولكَّنه الكأس المدار على الورى ليشربه بالموت باد وحاضر
وأنشدني أيضًا قال: أنشدني القاضي أبو المجد قوله: [من الطويل]
إذا كان عودي ناظرًا وشبيبتي لها رونق في نفسها وبهاء
[ ٧ / ٢٥٥ ]
وما نلت ما أمَّلته من وصالكم فمن لي إذا أستولى علىَّ فناء
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه وكتبها إلى صديق له: [من الطويل]
وإنَّي لمشتاق إليك وأنَّني لأعلم أنَّ الشوق لي منك أكثر
لأنَّ الَّذي اشتاقه منك حاضر بقلبي ومن تشتاقه ليس يحضر
وأنشدني، قال: أنشدني قوله: [من المنسرح]
/٢٢٦ ب/ لو أنَّ كتبى إليك واصلة بقدر شوقي ما أحصي عددا
لأنَّ ظنَّي أنَّى متى ولعت بى كفُّ دهري كون لي عددا
وأنشدني، قال: أنشدني له: [من الوافر]
ألا يا كعبة الإحسان طرّأ ومن هو في معانيه جماعة
لئن قصَّرت في قصدي وحجي إليك فشرط حجِّي الإستطاعة
وأنشدني، قال: أنشدني أبو المجد بن أبي الوفاء لنفسه: [من الوافر]
دكرتك والحجيج له ضجيج علي عرفات في يوم الوقوف
وأرسلت الدُّعاء وظلت أرجو إجابته من البرِّ العطوف
ومازالت ضلوعي في أجيجٍ وما برحت دموعي في وكوف
إلي أن قيل لي في نلت المنى وأمنت من أمر مخوف
وأنشدني قال: أنشدني القاضي يحيي بن سعيد من شعره: [من الكامل]
/٢٢٧ أ/ ضحك الرَّبيع وغنَّت الأطيار وتمايلت بيد الصَّبا الأشجار
وجرت علي زهر الرَّياض نسائم نسجت رقيق ثنائها الأسحار
وأنشدني/ وقال: أنشدني لنفسه: [من المنسرح]
سقتك دار السَّلام غادية صوب نداها تجود مزنته
فيك إمام الهدي ومن خجلت شمس الضُّحي مذ بدت أسرَّته
من طبَّق الأرض بالسَّماح ومن علت علي النَّيِّرين همَّته
هو الإمام الَّذي به انتصر الدِّ ين وقامت للدين حجَّته
[ ٧ / ٢٥٦ ]
أحمد من أحمد عواقبه وسرَّت العالمين سيرته
لازال في نعمة مؤَّبدة محروسة بالدَّوام دولتة
ما فارق العبد تربها مللًا لكن لتهدي الدُّعاء بلدته
[٩٢٠]
يحيي بن سليمان بن شاؤول، أبو زكريا الحريزيُّ اليهوديُّ.
من أهل طليطلة.
كان شاعرًا قوي القريحةـ غزير المادة؛ له شعر كثير في المدح والهجاء. وكان رديء اللسان، خبيث الطوية؛ ما مدح أحدًا إلاَّ وعاد /٢٢٧ ب/ وهجاه.
وصنَّف مصنفات باللسان العبري كثيرة منها كتاب "المقامات" ومقامة مفردة سمّاها "الروضة الأنيقة" باللسان العربي.
وكان ذا قدرة في الشعر. وكان يعمل قصائد أنصاف أبياتها الأول بالعبري، والأنصاف الأواخر بالعربي. وكان قد طاف البلدان رجال في أقطارها؛ ثم سكن بآخرة حلب، ولم يزل بها إلى أن مات ليلة الأربعاء لليلة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
وقد ذكره الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي - رحمة الله تعالى - وقال: ورد إربل في العشر من محرم من سنة سبع عشرة وستمائة، وحدثني أنَّ اسمة بالعبرانية يهوذا، وإنما نقله إلى العربية. وكان طويلًا من الرجال أشيب.
سألته عن مولده، فقال: عمري إلى هذه السنة خمس وخمسون سنة، فانظر متى يكون مولدي؛ ثم حسب معي فأخطأ في تنزيله. يسكن بين ظهراني الفرنج، وكلامه مغربي /٢٢٨ أ/ قريب عهدٍ بالخروج من بلده، تراه كأنه يعتريه سهر. وكنت أخبرت بوروده وأثنى عليه رجل من اليهود.
[ ٧ / ٢٥٧ ]
وأنشدني، قال: أنشدني الحريري لنفسه في التاريخ المقدّم ذكره: [من الطويل]
أما أنَّة لولا مححَّبة الخدر لما فضحت أيدي المدامع من سرِّي
وليل طرقت الحيَّ في بردة الدُّجى منمنم برد الأفق بالأنجم الزُّهر
سريت إليها حين هوَّم قومها كمثل حباب إستدار على خمر
تحيط بها بيض الصوارم والقنا وأسد من الأبطال دامية الظفر
وثغر المنايا باسم عن أسنَّة ويسفر عن خدٍّ من السَّيف محمرِّ
وقد برزت في حلة ذهبيَّة كما اشتبكت زهر النُّجوم على البدر
جنيت بها في جنَّة الحسن زهرهًا بمخصبة الأرداف مجدبة الخصر
لثمت بها هيفاء ريميَّة الطُّلي مداميَّة الألمى حبابيَّة الثَّغر
ثم قال أبو البركات: هذا منقول من قول المعتمد محمد بن عبّاد – ملك الأندلس -: [من الطويل]
/٢٢٨ ب/ وكم ليلهٍ قد بتُّ انعم جنحها بمخصبة الأرداف طيَّبة النَّشر
عاد شعر الطليطلي:
وبنتا يفرش الوصل ليلًا وفوقنا لحاف فراش مزَّقته يد الهجر
وقد لاح وجه الصُّبح حسنًا كأنَّه بشاشة وجه الملك ذي النَّائل الغمر
تبسَّم للقصَّاد جودًا وكفُّه تبسَّم فيها النَّصل عن مبسم الثَّغر
وللسف في يمناه لمح كأنَّه شهاب بها ينقضُّ أو قدر يجري
بحدَّيه أثار النَّجيع كأنَّها شقائق نعمانٍ على ضفَّتي نهر
مليك يلوذ الملك منه بأصيد صقيل فرند الحمد والعرض والبشر
عليه يمين أن تجود يمينه يبذل اليد العذراء والفتكة البكر
[ ٧ / ٢٥٨ ]
بعزم يهدُّ الطود هدًّا ونجده تهزُّ قدود السُّمر في كلل حمر
قال أبو البركات إلى هاهنا أنشدني ولم أسمعها منه. وأنشدته عنه قوله:
[من الطويل].
وذي قلم إن صال يومًا بكفِّه نسيت به فعل الردينيَّة السُّمر
/٢٢٩ أ/ بياض معانيه بسود سطوره يريك صباح الوصل في ليلة الهجر
لبيب فما تدري أرأيًا لحادث يدِّبر أم سهمًا إلى غرض بيري
يقسِّمه جود يفيض ودهمَّه فمن منهل غمر ومن جبلً وعر
رميت بامالي إليه وإنَّما حملت بها المرعى الجديب إلى القطر
وأنشدني أيضًا قال: أنشدني الحريزي لنفسه يمدح السلطان الملك الأشرف شاه أرمن مظفر الدين أبا الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب - رحمة الله تعالى -:
[من الكامل]
بسيوف عزمتك القضاء يصول ومضاء بأسك في يديه نصول
لفرند سيفك من بهائك رونق بكليهما ماء الجلال يجول
قد حزت بأسك مع ندى لكليهما أبدًا سيوف تنبري وسيول
فلقد ثنيت اللَّيث وهو فريسة ولقد تركت الغيث وهو نحيل
ولئن ذكرت على العدا يوم الوغى من ذكر كم نفس الكماة تسيل
/٢٢٩ ب/ ما لي وشرح خلالكم فخلالكم كالصُّبح لا بيغى عليه دليل
لكنَّ وصفك مفحم أهل النُّهى سَّيان فيه عالم وجهول
قال العدا ما لليود د وللندى فأجبتهم أخطاكم التَّحصيل
ما شقَّ موسى بحر جود للورى إلاَّ ليعبر فيه إسرائيل
وأنشدني أبو الفتح محمد بن أبي الخير بن أبي المعمرَّ بن إسماعيل التبريزي بإربل - رحمة الله تعالى - قال: أنشدني أبو زكريا يا بن سليمان الحريري لنفسه:
[من الكامل]
أرض سقت غيطانها أعطانها وزهت على كثبانها قضبانها
سلبت فؤادي حورها ونحورها وسطت بنا ولدانها ولدانها
[ ٧ / ٢٥٩ ]
ثملت بكأس عقارها أزهارها حتَّى أغتدى حيرانها ريحانها
ولثن جلا آثارها آدارها فلقد حوى إحسانها نيسانها
والشمس بالحمل المنير تزينَّت لمَّا رأت ما زانها ميزانها
/٢٣٠ أ/ وكواعب سلت صوارم لحظها فكأنَّما أجفانها أجفانها
ولقد تلألأً درُّها بنحورها وزها بجيد قيانها عقيانها
فتكت بالباب الكماة فسيفها من طرفها وسنانها وسنانها
لم تبق شخصًا بالبسيطة سالمًا إلاَّ سبى إنسانها إنسانها
خود نفور نافرت أقراطها رحلت بها خلانها خلانها
فاشرب بأرضٍ غازلتها مزنة فكأنَّما هتَّانها فتانها
فتعاشقت وتعانقت أفنانها وتصافحت وتناوحت أغصانها
تصاخبت وتجاوبت أطيارها وتداولت وتبادلت ألحانها
وتنسَّمت وتبسَّمت أيامها وتهلَّلت ووتكلَّلت أزمانها
بمديرها ومنيرها ومجيرها ومعيوها حسنًا جلاه عيانها
بحكيمها وعميمتا وكريمها وزعيمها عقدت له تيجانها
دوح المنى عذب الجنى عالي السَّنى .. سحب الغنى يروى بها ظمانها
فتجدَّدت ببهائه أيَّامها وتوطَّدت بعلائه أركانها
جادت يداه حيا نداه على النفر س وما أنجلى حتى أنجلى حرما نها
/٢٣٠ ب/ ليث الشرى غيث الورى نجم السُّرى نار القرى تعشو لها ضيفانها
فجماله أعماله ونواله أمواله سؤاله خزَّانها
شهم غدا هدى الهدى إن أوقدا نار النَّدى قلب العدا قربانها
بجنابه نشر الهدى راياته فحكى قلوب عداته خفقانها
عزم سما، باري السّماء ماضي الشَّبا مهما الظُّبا ليس الدُّمى غربانها
يا كاملًا بل فاضلًا يا فاعلًا ما قصَّرت عن فعلة أعيانها
أنعم بعيد بل سعيد في مزيـ ـد من أيادد أينعت أفنانها
لك في المآثر دولةً بل صولة بل جولة حًاز المدى فرسانها
[ ٧ / ٢٦٠ ]
[٩٢١]
يحيي بن عبد الله المَّرج بن درع بن الحسن بن الخضر بن حامد، أبو زكريا بن أبي القاسم التغلبي
قاضي تكريت، والمدرس بالمدرسة النظاميَّة.
إمام من أئمة المسلمين، ومن خيارهم.
كان فاضلًا عالمًا كاملًا فقيهًا، شافعي المذهب قارئًا مفسرًا نحويًا لغويًا عروضيا شاعرًا أديبًا مترسلًا، جامعًا لأشتات الفضائل، قيّمًا يفتق المسائل /٢٣١ أ/ اشتغل بتكريت على والده بحفظ القرآن العزيز والأدب، وشيء من الفقه. وبالحديثة على أبي محمد عبد الرحمان بن محمد البلخيّ.
ثم انحدر إلى بغداد فصحب الشيخ أبا النجيب السهروردي، والشيخ يوسف بن محمد الدمشقي والرضي أبا الخير أحمد بن إسماعيل القزويني، وقرأ إصلاح المنطق على الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن الخشاب النحوي، واشتغل مدَّة مقامه ببغداد؛ ثم عاد إلى تكريت.
وكان قد برز في علم الفقه والأدب، وولي قضاء تكريت مدَّة طويلة مع حسن سيرة واشتهار بالفضل والعفَّة والديانة والتفنن في العلوم. وكان يدرس ويفتي ويحكم؛ ثم استدعي من ديوان الخلافة إلى بغداد، وولي تدريس المدرسة النظامية، وذكر الدرس بها في يوم الأربعاء ثاني عشر ربيع الآخر من سنة سبع وستمائة.
ورد إليه النظر في الوقوف التي تختص بالمدرسة النظامية أيضًا، واستناب ولده الأكبر في تولي الوقف ولم يزل على التدريس بالنظامية /٢٣١ ب/ إلى سنة أربة عشرة وستمائة فصرف عنها؛ وولي مكانة محيي الدين أبو عبد الله محمد بن يحيي بن فضلان البغداديُّ الفقيه الشافعي، فسكن القاضي رباط شيخ الشيوخ إلى أن توفي به، ولم يزل مقبلًا على الاشتغال بالعلم والعبادة على أحسن طريقة، وأجمل سيرة.
وكانت وفاته عشية الاثنين ثامن شهر رمضان سنة ست عشرة وستمائة. ودفن يوم الثلاثاء غربيها بمقبرة الشونيزية - رحمة الله تعالى -
[ ٧ / ٢٦١ ]
وكانت ولادته بتكريت في مستهل المحرم منة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وتخرج به عالم كثير من التلامذة.
وكان شيخًا كيسًا لطيفًا في محاورته، ظريفا في مجالسته، حسن الإيراد مليح العبارة، ذا وقار وسكينة وهيبة؛ وله من التصانيف كتاب "تفسير القران العزيز" ينيف على عشرين مجلدًا، وكتاب "الحقير الناقع على مذهب إبن شافع" وكتاب /٢٣٢ أ/ "اللُّهنة في إزالة اللكنة" في النحو، وكتاب "التقريب في بضاعة الأديب" في صناعة الشعر، وكتاب في "العروض والقوافي"، وكتاب "الاختصاص في التاريخ الخاص" يدخل في ست مجلدات قصره على ذكر مشايخه الذين قرأ عليهم وتلامذته الذين قرأوا عليه، وأتبعه بذكر أقاربه وأهلة وأشعار ورسائل ومكاتبات إلى أصدقائه في المنظم والنثر وغير ذلك.
ومن شعره ما أنشدني ولده شرف الدين أبو محمد عبد الو هاب بن يس التكريتي بالموصل في سنة اثنتين وعشرين وستمائة - رحمة الله - من لفظة وحفظة، قال: أنشدنا والدي لنفسه هذه الأبيات كتبها في صدر رسالة طويلة أنفذها إلى بعض الكبراء:
[من الطويل]
ألمَّ وغربيب المدُّجنَّة مغدف خيال سليمى طارقًا يتعسَّف
نفانف لا يقطعن بالعيس كلَّما مضى نفنف منها تعرَّض نفنف
/٢٣٢ ب/ هجولًا تناصيها الهواجل ما بها أنيس سوى جنٍّ تجول وتعرف
وربد وعور هادجات ونعب وبوم إذا ما جنَّه اللَّيل يهتف
وقد هاج صرٌّ والسَّماء عرية عشَّية ليل يومه ظلَّ ينطف
فساور عول البيد غير مخادرٍ وناكر هول اللَّيل لا يتخوَّف
على حين حلَّ الحيُّ منها بواحف ومن دونها مجهولة ليس تعرف
والت سليمي حلفةً ما تحلّها بأن لا تزال الدَّهر تجفو وتصدف
ونائي القلي شرُّ البعادين مطلبًا لأن المطايا قطعة لا تكلَّف
فجاب الفلا بعد الفلا متعسَّفًا ومن أين يدرى ما الفلا والتعسُّف
إلى مدنف مضًنى ليهنا رقاده .. وقد كاد يضنه الضَّنى والتَّأسف
[ ٧ / ٢٦٢ ]
براه الهوى حتَّى تنكَّر شخصه على النَّاس لولا أنه يتعرَّف
وما كان طمَّاحًا إلى وصل غادة ولا شفَّه قدمًا قوام مهفهف
ولكن سليمى حين مرَّت كأنهًاؤ غزال بمنظور الصّريمة أهيف
ومنها قوله:
تكلَّف حبّا ثمَّ صار سجَّية وأوّل أحوال المحب التكَّلف
/٢٣٣ أ/ وطال على ذي الهمَّ حتَّى كأنَّما بلا وسط ليل على اللَّيل يعطف
وأنشدني أيضًا من لفظة وحفظة وأملاه عليّ، قال: أنشدني والدي الإمام يحيي بن عبد الله لنفسه: [من البسيط]
لأبد للمرء من ضيق ومن سعة ومن سرور يؤاتيه ومن حزن
والله يطلب منه شكًر نعمته مادام فيها ويبغًي الصبر في المحن
فكن مع الله في الحالين معتنقًا فرضيك هذين في سرٍّ وفي علن
فما على شدَّة يبقى الزمان فكن جلدًا ولا نعمة تبقي على الزَّمن
وأنشدني أيضًا قال: أنشدني والآي وقد سئل عن حركة الأمر، فقال:
[من الرجز]
لألف الوصل ضروب تنحصر في الفتح والضَّم وأخري تنكسر
فالفتح فيما كان من رباعي نحو أجب يا زيد صوت الدَّاعي
/٢٣٣ ب/ والضَّمُّ فيما ضمَّ بعد الثاني من فعلة المستقبل الزَّمان
والكسر فيما منه ما تخلَّى إن زاد عن أربعة أو قلًاّ
وأنشدني أبو نصر عبد الرحيم بن يحيي التكريتي ببغداد، قال: أنشدني والدي من شعره: [من المتقارب]
تأمل إذا قلت ماذا تقول فإنَّ لكل مقام مقالا
ولا تأت ما لست من أهله فإنَّ لكلَّ رجالً ل نعالا
وسل إن سألت الَّذي يستطاع لتعطي وإلاَّ أضعتً السُّؤالا
وحاذ قريبك قبل البعيد فإن من الأهل داء عضالا
[ ٧ / ٢٦٣ ]
وأنشدني الشيخ العلامة الإمام الزاهد أبو سالم محمد بن طلحة بن محمد الفقيه الشافعي المدرس النصيبي العدوي يثغر حلب إملاء من لفظة وحفظة في شوال سنة /٢٣٤ أ/ اثنتين وأربعين وستمائة - أسعده الله تعالى - قال: أنشدني القاضي تاج الدين أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن المفّرج التغلبي التكريتي - رحمة الله تعالى - لنفسه ببغداد: [من الهزج]
تعلَّم من ذوي الحكمـ ـة وأعمل بفتاويهم
فقد قالوا لمن يرغـ ـب في مثل مساعيهم
إذا سدت على قومـ ـك علمًا لا تقم فيهم
فإنَّ الحي لا يطر بهم صوت مغنيهم
وأنشدني الشيخ العالم أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الموصلي الفقيه الشافعيُّ يحلب - أيده الله تعالى - قال: أنشدني /٢٣٤ ب/ القاضي الإمام أبو زكريا يس بن عبد الله التكريتي لنفسه من جملة مقطعاته: [من الكامل]
لي في الربوع وما بهن أنيس قلب ودمع مطلق وحبيىس
هذا يد الأشواق تحلب درَّه ولذاك من حرِّ الفراق وطيس
شكواي لو نفعت شكاتي فرقة أضنت وشوقي في الحشا موسوس
داءان ما اجتمعا لحيٍّ فانثنى حيًا ولو د داواه جالينوس
وقال أيضًا: [من المتقارب]
عزائم صبري فرَّقتها وألفت بيني وبين السُّهاد
وصيَّرتني مثلًا للأنام أداول ما بين حضر وبادي
فشهر وصالك طيف الخيال ويوم صدودك يوم التَّنادي
وحسبك أنَّي على ما علمت إلى ما حكمت لسهل القياد
فقتلي حياتي إذا شئته وعلمي بأنَّك راضٍ مرادي
وقال أيضًا: [من البسيط]
هل لي على أن أسحَّ الدَّمع أعوان هذا الغوير وما بالدَّار سكَّان
/٢٣٥ أ/ ما أو حش الربع بعد الطاعنين وان تأنَّست فيه أطيار وغزلان
[ ٧ / ٢٦٤ ]
ترى يكون لعود الدَّار آهلة يوم وهل لاجتماع الشَّمل إَّبان
واخيبة السَّعي ما عندي سمحت به وعزَّتي في الَّذي أبغيه وجدان
قف ساعة أيَّها الحادي فقد نشأت للقلب منِّي صبابات وأحزان
واسأل أثيلة سفح المنحني بهم فربمَّا اخبرت عنهم متي بانوا
قل للشَّموت توقَّع فرقةً أممًا إن نمت هونًا فصرف الدَّهر يقظان
فالمرء ما عاش تطويه وتنشره .. من الزَّمان مسرَّات وأحزان
يا راقدًا وبقايا اللَّيل قد طويت إلي متى أنت بعد الصُّبح وسنان
حيران غيِّك أمسى فيك مهتديًا والرُّشد عندك أضحى وهو حيران
تصرَّم العمر فاستدرك بقيَّته .. وفي التدارك إن حاولت إمكان
[٩٢٢]
يحيي بن عبد الرزاق بن يحيي بن عامر بن شجاع بن كامل، أبو البقاء الكنانيُّ المقدسي الخطيب
كانت ولادته بأودلا قرية من قرى نابلس في جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. ونشأ ببيت /٢٣٥ ب/ المقدس - حمى الله حوزته - ونزل عقربا من الغوطة. وتولّي خطابتها سنين كثيرةً. وكان أبوه قبله خطيبها.
واستظهر الخطيب أبو البقاء القرآن المجيد، وقرأ طرفًا من الفقه على مذهب الإمام الشافعي - ﵁ - وسمع الحديث النبوي كثيرًا وقرئ عليه ببغداد ودمشق وديار مصر. وأجاز لمن سمع منه، وله مشايخ يكثر تعدادهم. وأنشأ خطبًا، ونظم شعرًا. وكانت له منزلة لطيفة عند ملوك الشام بني أيوب ينفذونه إلي البلاد وأطرافها رسولًا.
وتوفي بدمشق حين حاصرها معين الدين بن شيخ الشيوخ نيابةً عن الملك
[ ٧ / ٢٦٥ ]
الصالح نجم الدين أبي الفتح أيوب بن محمد بن أبي بكر بن أيوب - سلطان الديار المصرية - وكان بها يومئذ الملك الصالح إسماعيل بن أبي بكر بن أيوب متغلبًا ثامن عشر محرم سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ودفن بجبل قاسيون - رحمة الله تعالي _.
أنشدي أبو عبد الله محمد بن يحيي بن عبد الرزاق الدمشقي يحلب في المدرسة /٢٣٦ أ/ العصرونيَّة في ربيع الآخر سنة خمس وأربعين وستمائة، قال: أنقذ الملك الأمجد أبو المظفر بهرام شاه بن فرخشاه بن شهشاه بن أيوب - صاحب بعلبك - والدي ني رسالة إلى مدينة السلام في سنة اثنتين وعشرين وستمائة بهنيء الظاهر بأمر الله أبا نصر محمدًا بتوليته الخلافة ويعّزي بوفاة والده الناصر لدين الله بعد إنشاء خطبة وتقديم كلام منثور، وقال: سمعتها من لفظ والدي وهو يوردها غير مرَّة، وأتبعها بهذه الأبيات: [من السريع]
جئت أعزَّي وأهنَّي معًا بالسَّالف الماضي والباقي
همًا إمامان فمذ غاب ذا بدا لنا ذاك بإشراق
هم أمناء الله في أرضه لبيعه أو أخذ ميثاق
دام إمام الأرض فيها لنا ورحمة الله علي الَّراقي
[٩٢٣]
يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علىٍّ، أبو الحسين المصريُّ، المعروف /٢٣٦ ب/ بالجزار.
[ ٧ / ٢٦٦ ]
لم أسمع شعره إلاَّ من الصاحب الإمام أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه بحلب - أدام الله سعادته - لأنَّه لمَّا عاد قافلًا من ديار مصر إلى حلب في سنة ثمان وثلاثين وستمائة. وكان سافر إليها رسولًا من قبل السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف – خلَّدا الله ملكه – فاقام يها نحو ستة أشهر؛ فدخلت إليه مهنئًا بالقدوم والسلامة، وتجارينا في الأحاديث والمذاكرة.
ثم سألته عن من شاهد ولقي بتلك الديار من الشعراء الذين يشار إليهم ني الشعر المستجاد؛ فذكر لي جماعة كثيرة منهم هذا الجزّار الشاعر، وأثنى علي شعره، وتمكنه من استنباط المعاني اللطاف ووصفه بالشاعر البارع، وأنَّة لم يكن له نظير في زمانه، وذكره ذكرًا جميلًا.
ثم أشار إلى بعض غلمانه فأتاه بكتاب فدنعه إليّ؛؟ وهو مجلد لطيف الحجم من أشعار الجزار سمَّاه /٢٣٧ أ/ "تقطيف الجَّزار" قد كتبه ناظمه خدمةً له وسمعه منه جميعه. يشتمل علي أغراض غريبة، ونكت طريفة من مديح وهجاء ومجون وهزل، وأغراض مختلفة النعوت والأوصاف ناستطرفته جدًا، واقتضبت من أثنائه ما ينبغي أن يسطر ويثبت؛ فمن ذلك قوله يمدح أمير المؤمنين المستنصر بالله أبا جعفر المنصور بن محمد بن أحمد - ﵁-: [من الكامل]
بمدائح المستنصر بن محَّمد نافست كلَّ مرجز ومقصَّد
[ ٧ / ٢٦٧ ]
خير الخلائف من بني العبَّاس قد ورث الخلافة سيَّدا عن سيَّد
الله شرِّفه وشرَّف بيته وحمي به دين النبَّي ومحمَّد
سل عنه آيات الكتاب تجد له نبأ عظيما في العلا والسؤدد
وإذا غدا القاري ورجَّح مدحه أغناه عن ترجيح لحن المنشد
من معشر للدِّين والدُّنيا بهم شرف يروح به الفخار ويغتدي
ولكم أتينا فيهم من آية ولكم أتانا من حديث مسند
/٢٣٧ ب/ ما شكَّ في تفضيلهم إلاَّ امرؤ بالغيَّ ضلَّ عن السَّبيل الأرشد
وكذاك أنَّ الشمس يطرف جفنه للعجز عنها كلُّ طرفٍ أرمد
ومنها يقول:
يا أبن الأئمَّة دعوةً من مادح نادى نداك على مدًى مستبعد
أملي يقربني إليك مع النوى يا من بذيل رجائه علقت يدي
أرجو نداك مع الخمول وربَّما كان الحيا حظَّ الحضيض الأوهد
واحسرتا لو أنَّ لي سببًا إلى ذاك الحمى لأكون أوَّل منشد
ولئن أرى وجهي يعفَّر في ثرىً كالمسك مبثوثًا بفرق الفرقد
ولقد بعثت بها قصيدًا لفظها كالدُّرِّ إذ وافى بسلك منضّد
وجعلتها يوم الحساب ذخيرتي فاشهد بها عند ابن عمَّك في غد
وقال يمدح صدر الدين ابن القرميسيني: [من السريع]
بان اصطباري والكرى منذ بان بدر دجًى يحمله غصن بان
شاهده القلب وان كان قد غيِّب واستوحش منه العيان
/٢٣٨ أ/ لاقيت من بعد فراقي له وجدًا شجاعا بسلو جبان
ما ضره لو كان ن للصبِّ من خوف تجَّنيه عليه أمان
واحرَّ قلباه وللعين في خدَّيه من حسنهما جنَّتان
[ ٧ / ٢٦٨ ]
في صدغه الآس وفي خدهِّ الـ ـورد وفي مبسمه الأقحوان
أسكنته قلبي وفيه لظًي والحور لا تسكن إلاَّ الجنان
له من الَّصدر مكان وللـ ـصدر من العلياء أعلي مكان
العالم العامل والفاضل الـ ـفاصل حكمًا بوجيز البيان
والناظر اليقظان اغنته عن سود جفون اللَّحظ بيض الجفان
والكامل الفضل السَّريع النَّدى الوافر العرض البسيط البنان
عودِّ بسط الكفِّ حتَّى لقد عجبت منها عند قبض العنان
وخلقه ينبئك بالحسن عن أسرار أخلاق لديه حسان
ذو طلعة كالبدر في التمِّ بل كالشِّمس لولا هالة الطَّيلسان
لو جمع الرَّحمن شملي به تفرَّقت عني صروف الزَّمان
وقال فيه أيضًا يمدحه: [من الرجز]
/٢٣٨ ب/ أقبل مثل البدر في تمامه تحفُّه الهالة من لثامه
ومزَّقت انواره ثوب الدُّجى مذ اطلع الأنجم بابتسامة
وماس فاشتاقت غصون البان ان تنقل ذاك اللِّين عن قوامه
أصمي قلوب العاشقين طرفه ظلما بما فوَّق من سهامه
يا جفنه رفقًا بصب مدنف سقمك أضحى الأصل في سقامه
وأنت يا أعطافه هل عطفهً علي مشوق القلب مستهامة
من لي بمن في خدِّه نار حيًا فوق لهيب دام في اضطرامه
كم ليلة أسكرني بريقة اغنت بكأس الثغر عن مدامه
وبتُّ لا أجزع من حراسه إذ فرعه أبدي دجي ظلامه
وبيننا طيب عناق طالما ألزمني شوقي بالتزامه
هذا هو العيش الَّذي وددت أن لو ساعد الدَّهر علي دوامه
تلك ليال بل لآل شرَّفت جيد زمان كنَّ في نظامه
كنت بها فًي لذَّة الأمن كما غدت رعايا الصَّدر في أيامه
[ ٧ / ٢٦٩ ]
الآمر النَّاهي الَّذي عزمته تخدمها الهمَّة باهتمامه
/٢٣٩ أ/ والناظر اليقظان وجدًا بالعلا فاعذره إن اعرض عن منامة
صدر به لله سر مودع تذيعا الحكمة من أحكامه
عزائم ردَّ بها الأيام من اعو انه والدَّهر من خدّامة
ونقطة قد حصَّه الله بها توحي إليه الغيب من إلهامة
وسطوة لو نظر اللَّيث بها لأعمل الحيلة في إحجامه
وقال أيضًا وقد اكتسب بالشعر ثم عاد إلى الجزارة، فعاتبه على ذلك بعض أصحابه: [من الخفيف]
لا تلمني يا سيدي شرف الدِّيـ ـن إذا ما رأيتني قصَّابا
كيف لا اشكر الجزارة ما عشـ ـت حفاظًا وارفض الآدابا
وبها أضحت الكلاب ترجِّيـ ـني وبالشعر كنت أرجو الكلابا
وقال أيضًا: [من الرمل]
يا لقومي أنا من فقـ ـري في أنحس حاله
/٢٣٩ ب/ حين آلى الدَّهر انَّـ ـي لا أري من فيه آله
ضاق صدري وأضرَّت بي مع الفقر البطاله
وارى الآمال للمر ء وإن لذَّت علاله
وأبي قد بات منَّي يسأل الله الإقاله
ملَّني فقرًا وإن كـ ـان شفيعًا لا محاله
كلَّ يوم أطرق الخَّـ ـباز منه بحواله
فرغت دكانه لو انها دار الوكاله
وقال غي رجل اسمة الوجيه طلب منه فصًا من الكتان ومطلة به: [من الطويل]
طلبت من الكتان فمّا فجات لي الـ ـوجيه بوعد عوَّض المن بالمين
[ ٧ / ٢٧٠ ]
إذا جئته يدعو عليه لسانه إذا قلت أين الفص، قال: علي عيني
وقو له في النجم بن عديسة، وقد ادعى الشعر ووالده يعرف بالمعلم:
[من المتقارب]
/٢٤٠ أ/ ارى النجم نجل عليَّ غدا يذكَّرنا من مضى قبلة
هو أبن المعلَّم عند الفخار وعند القريض هو الأبله
وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]
من منصفي من معشر كثروا علي وكثَّروا
صادقتهم وارى الخرو ج من الصداقة يعسر
كالخطَّ يسهل في الطرو س ومحوه متعذر
وإذا أردت كشتطه لكن ذاك يؤثر
وقال أيضًا: [من السريع]
إن كنت ممن راعني هجركم أو وصفت ذرعًا بتجنيكم
فلا أدام الله لي سلوةً وردَّد قلبي عاشقًا فيكم
وقال في أمرد يعرف بابن النعيم: [من السريع]
يا أبن نعيم دام ذَّمي لما سلكته من قبح منهاج
خالفت من رًّباك في فعله إذا أنت دخَّال ابن خراَّج
/٢٤٠ ب/ وقال علي باب بعض الأمراء: [من المتقارب]
أمولاي ما من طباعي الخروج ولكن تعلَّمته بالخمول
وصرت أروم لديك الغني فيخرجني الضَّرب عند الدُّخول
[ ٧ / ٢٧١ ]
وله في مسلماني لا يبرح في يده كتاب: [من الكامل]
قالوا: النُّعيل وان تبيَّن غيُّه للعالمين وغاب عنهم رشده
يمشى وفي يده كتاب قلَّما علم أمرؤ في حملة ما قصده
فأجبتهم لا تعجبوا من فعلة فأبوه من أهل الكتاب وجدُّه
وكتب إلى شرف العلا هاشم بن الأشرف العلوي: [من الكامل]
شرفت بك العلياء يا شرف العلا لمَّا علوت بها جميع العالم
والكامل الملك ارتضاك لعزمة أغنته عن سمر وبيض صوارم
فاحرس برأيك مجد دولتة الَّذيً مذ شدته لا يستطيع لهادم
فاجمع به شمل الفخار فإنَّما بمحمد كمل الفخار لهاشم
/٢٤١ أ/ وكتب إليه وقد أمر له بغلَّة فوجدها قديمة: [من الوافر]
كتبت لنا بذاك البرِّ برًًّا وقصد في الثَّناء وفي الثَّواب
فكدَّر صفوه الكيَّال حتَّى بقينا منه في عجب عجاب
وجدناه عتيقا وارتضينا به إذ [عاد] وهو أبو تراب
وأخبرني الصاحب الإمام أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله العقيلي الفقيه الحنفي المدرس – أيده الله تعالى – بحلب، قال: كنت بالقاهرة جالسًا في المنزل الذي نزلت به في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وستمائة. وكان قد أهدي إلي السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن محمد بن أبي بكر رطبًا جاءه من قوص هدية مع المفرد الذي يصل ببشارة النيل /٢٤١ ب/ وكان الأديب أبو الحسين الجزار حاضرا قد جاء في، وقد قرب رحيلي عن القاهرة يشكو إلي ما يجده من الوحشة لقرب الفراق،
[ ٧ / ٢٧٢ ]
فقدمت للجماعة شيئا من ذلك الرطب، فارتجل أبو الحسين الجزار بيتين وهما:
[من مجزوء الرجز]
أطعمتنا التَّمر الَّذي للبركات قد حوي
لله ما أطيبه لو لم تشبه بالنَّوي
وكتب للأمير شرف الدين يعقوب سأله عن المجد وكيل الأمير سيف الدين علي بن قليج: [من الخفيف]
سيدي أنت هل أتأك من المجـ ـد لذاك الحديث عنَّب جواب
أو تناسى أمري وحاشا معاليه فيسري إليَّ منه عتاب
/٢٤٢ أ/ أدركوني فبي من البردوهم ليس ينسى وفي حشاي التهاب
البستني الأطماع وهما فها جسـ ـمي عار ولي فريً وثياب
كلما أزرقَّ لون جسمي من البر د تخيَّلت أنَّه سنجاب
وأنشد الأمير شرف الدين يعقوب، وقد مطلة بوعد: [من الكامل]
يا أيها المولى الَّذي لندى كفَّيه كلُّ الجود منسوب
لا غرو أن أصبحت تأمر بالـ ـصبر الجميل وأنت يعقوب
وقال أيضًا: [من الخفيف]
أنا في راحة من الآمال أين من همَّتي بلوغ المعالي
لي عجز أراح قلبي من الهـ ـم ومن طول فكرتي في المحال
[ ٧ / ٢٧٣ ]
طاب عيشي والحمد لله إذ كنـ ـن له حامدًا علي كلَّ حال
ما لباس الحريرير مما أرجَّيـ ـه فيرجي ولا كوب البغال
راحة السرَّ في التخلَّف عن كـ ـلَّ محل أضحى بعيد المنال
إنَّ عزَّ الإنسان في تركه العـ ـزَّ لذُّل في مبتدى الأحوال
/٢٤٢ ب/ يا معيني على الزَّمان أعنِّي فلقد قلَّ عن سطاه احتمالي
كل يوم أسعي ولكن بلا نفـ ـع فسيَّان فرغتي واشتغالي
عملي دائم ولي سيرة في الدَّ هر تروي كسيرة البطَّال
وقال في صدر الدين بن القرميسيني: [امن الكامل]
والقصر إن عداك في العصر وقد انتهوا لبداية الحشر
ظلموا فما ابقوا لهم وزًا ينجي ولا سلموا من الوزو
كفروا صنائعك الَّتي أشتهرت فيهم فتلك عقوبة الكفر
ظهروا لنورك وهو شمس ضحًى فتضاءلوا كتضاءل الذَّرً
مكروا وفد الإله بهم شتَّان بين المكر والمكر
دعهم فلا برح التَّغابن من حسد يواصلهم إلى الحشر
وأنشد إذا ما زرت تربتهم متكتَّمًا في السِّر والجهر
ماتوا بغيضهم وما ظفروا بمرادهم واضيعه العمر
تالله ما أخَّرت مدَّتهم إلاَّ لكسب مثوبه الصَّبر
/٢٤٣ أ/ زلرأفة ردَّت سطاك بكـ ـفِّ الحلم عند النِّهي والأمر
ومن العجائب كونهم جهلوا أنَّ العلوم وديعة الصَّدر
لله درك كلُّ ممتدح لعلاك قد ضاهى آبا ذر ٍّ
لولا أخاف الله قلت لمن يروي مديحك أتل يا مقري
حجت لك العافون فازدحموا كتزاحم الآمال في الفكر
نالوا المنى بمنى جنابك فاخـ ـتاروا المقام بها عن النَّفر
[ ٧ / ٢٧٤ ]
وقال أيضًا: [من الكامل]
إفعل ما أنت أهله يا من لديه الفضل كلًّه
يا حاكما عمَّ الرَّعيـ ـة بعد ظلم الغير عدله
يا من تشرَّفت المحلَّـ ـة إذا غدا فيها محله
مولاي لا تبد اشتغا لا عن محبٍّ أنت شغله
ضاقت عليه يا رجيب الصدر منذ رحلت سبله
كفرت به الأصحاب إذ ألأوارقه بالشٍّعر رسله
وتباعدت عن قربه أخوانه وجفاه أهله
/٢٤٣ ب/ وإلي متي طمعا يصرِّ ف جدَّ هذا الوقت هزله
ما بين قوم لا يعـ ـزم عليهم في الدَّهر ذلُّه
وإذا ارتضي الإنسان يو ما بالخمول فأين فضله
مولاي صدر الدَّين يا من فرعه زاك وأصله
يا منعمًا عم الوري في الدَّهر نائله وبذله
بك في الزَّمان المسغا ث من الزَّمان أشتد محله
مولاي دعوة من غدا متبدِّدًا مذ غبت شمله
يدعوك لما أن تنا قص صبره وازداد خبله
فأجره من زمن يرا م نداه والمعهود بخله
زمن مدامعه المدا مه فيه والزفرات نقله
وتبًا لعيش قد تنغَّـ ـص شربه فيه وأكله
ولباسه خلق تبـ ـرا كفُّه منه وشلُّه
وغدا دروزا مقنًا يالغاش والخيَّاط قمله
فهو الصَّحيح وإنَّما جلدي المفتَّق منه كلُّه
/٢٤٤ أ/ فأجر غلامك من زما ن قد اناخ عليه كلُّه
[ ٧ / ٢٧٥ ]
وانظر إليه فرأسه بالبرد مضرور ورجله
باع العمامة والشمشك فغلوه عار وسفله
هذا القران به تعكَّـ ـس نجمه فغدا يضلُّه
فمر الزَّمان فعقده في أيدي مولانا وحلُّه
وقال يمدح الإسكندرية: [من الوافر]
أرى الإسكندرية ذات حسن بديع ما عليه من مزيد
هي الثغر الذي يبدي ابتسامًا لتقبيل العفاة من الوفود
إذا وافيتها لم تبق همّا فقلبك مذيراها من بعيد
حللت [بطاهر] منها كأنَّي حللت إذا بجنَّات الخلود
فلا بئر معطَّلة وكم قد رأيت هناك من قصر مشيد
بياض يملا الآفاق نورًا يبشر برقة بسحاب جود
وأقسم لو رأتها مصر يومًا لكادت أن تغيب عن الوجود
/٢٤٤ ب/ وكم قصر بها أضحى كحصن منيع لا كزرب من جريد
يرص فصوصه بانية رصًّا يفضَّله علًى نظم العقود
لها سور إذا لاقى الأعادي يقاتلهم بوجه من حديد
هو الفلك استدار بها وكم قد رأينا فيه من برج سعيد
أحاط بسورها بحر أجاج ومنهل أهلها عذب الورود
وحسبك أنَّ صدر الدَّين فيها وذا من مدحها بيت القصيد
هم السادات لا يرجى ويخشى سواهم عند وعد أو وعيد
إمام جلَّ قدرًا أن يهنىَّ بشهر أوً بعشر أو بعيد
وله من قصيدة كتبها إليه أيضًا: [من الخفيف]
بذل وجهي إلاَّ لمثلك بذله واعتزازي إلاَّ بجاهك ذلَّه
[ ٧ / ٢٧٦ ]
يا جوادا سحاب كفَّيه بالجو د على كل قاصد مستهلَّه
والَّذي لو رآه في دسته الفضـ ـل بن يحيي لجاء يطلب فضله
لك نيل قد اخجل النَّيل جودا وغدا دونه الفرات ودجله
ومنها قوله:
/٢٤٥ أ/ يا أمينا قد زاده الله مجدًا دون هذا الورى وعلى محلَّة
لي نصفيَّة بعد من العمر سنينًا غسلتها ألف غسله
لا تسلني عن مشتراها ففيها منذ فصلتها نشاء بجمله
نشَّف الرِّيح صدرها ورآها كل يوم تشكو هواءً ونزلة
ظلمتها الأيّام حكما فأضحت في العذاب الأليم من غير زلَّه
كل يوم يحوطها الدَّقُّ والعصر مرارًا وما تقرُّ بعمله
وهي تعتلُّ كلَّما غسَّلوها ويزيل النَّشاء تلك العلَّة
أين عيشي بها القديم وذاك الـ ـنتق فيها وخطرتي والشمله
حيث لا في أجنابها رقعة قـ ـطُّ ولا في أكمامها قطُّ وصله
قال لي الناس حين أطنبت فيها: بسَّ أكثرت خلَّها وهي بقلة
فسير له صدر الدين بن القرميسيني نصفيَّة وملبوسًا فكتب إليه: [من السريع]
أشكر مولانا ونصفيَّتي تشكره أكثر من شكري
أراحها جدواه من كلِّ ما يسكن من دقٍ ومن عصر
/٢٤٥ ب/ كم ليلة كادت مع الماء إذ يغسلها غسَّالها تجري
وقال يمدح القاضي زين الدين ابن الزبير: [من الكامل]
بانت وقد كلَّفتها توديعي ما بين فيض جوى وفيض دموع
[ ٧ / ٢٧٧ ]
وتجلَّدت للبين مثل تجلُّدي والنَّار حشو ضلوعها وضلوعي
ولكم تعلَّلها مواعيد المنى منِّي عن المرئيِّ والمسموع
قالت: ذممت البين، قلت لها: عسى أن تشكري عقباه عند رجوعي
وقال أيضًا: [من البسيط]
إني لمن معشر سفك الدماء لهم داب وسل عنهم إن رمت تصديقي
تبيت أنعامهم مفهم على وجل إذ شملها بهم يفضي لتفريق
تزداد بالدَّمِّ إشراقًا عراصهم فكلُّ أيامهم أيَّام تشريق
وقال يمدح الأجل العدل شرف الدين أبا حامد محمد بن علي بن سعيد بن أبي جرادة الحلبي العقيلي: [من مجزوء الرجز]
/٢٤٦ أ/ لازم قلبي كمده وبان عنِّي جلده
وطال عمر اللَّيل حـ ـتَّي قلت قد مات غده
وارحمتا لعاشق في الحبَّ ذابت كبده
يستنجد الدمع إذًا لم يلق من يستنجده
إلى متى يقيمه حكم الهوى ويقعده
ما يصنع العبد إذا جار عليه سيَّده
لا يستطيع البطش في الشِّـ ـدَّة من غلَّت يده
يا عاذلي عنِّي فكم سهرت ليلًا ترقده
هيهات أن تدري بما يلقي العليل عوده
يا بأبي الغصن الَّذي يعجبني تأوُّده
تغبطه شمس الضحي والبدر امسي يحسده
ذو مبسم أحسن في تنضيده منضَّده
وريقه عذب ولـ ـكن أين منَّي مورده
/٢٤٦ ب/ وخده مورَّد يا حبَّذا مورَّده
يصدُّني عن لثمه إذا رنا مهنَّده
لحظ يسل أبيضًا علي القلوب أسوده
[ ٧ / ٢٧٨ ]
إلي متا ينالني من كل دهر نكده
لم يبق في الخلق فتي يغرُّني تودًّده
قد عدم الَّديق في الـ ـدُّنيا فمن ذا يجده
إنَّ السَّعيد من غدا وهو قليل عدده
فربما لارمي الفتي في الموبقات ولده
وإنَّ مثلي في الوري لم يخل ممن يحسده
وهكذا من شرف الـ ـدَّين الأجل يعضده
أي كريم لم يزل نشكره ونحمده
ولم يخب في الدَّهر من يؤمُّه ويقصده
تروي حديث الجود عن بنانه ونسنده
كم مسلم حققه اأنَّه محمده
/٢٤٧ أ/ وعزمه لا يتنا هي في المعالي أمده
فبيته قد نصبت علي الثريا عمده
لقد زكت أصوله فينا وطاب مولده
وقد سمت فخرًا به علي البلاد بلده
ذو راحة هان بها لجنينه وعسجده
وطالما عزَّ بذا الـ ـهوان من يسترفده
ولفظه الدُّرُّ إذا حرَّره منتقده
فطرسه بخطِّه كالرَّوض والغيث يده
فإن حسبت أنَّه سحر فأين عقده
ذو قلم كالسهم في نحر العدا يسدده
يهزه كالمشرفـ ـيِّ هزَّه مجرده
ما درَّ يومًا نفسه إلاَّ تبدَّت زبده
فلو تراءي لأبن عبَّـ ـاد لكان يعبده
ما ضلَّ عاف في ديا جي الخطب وهو مرشده
/٢٤٧ ب/ كلاَّ ولم يشق فتي في الدَّهر وهو يسعده
يا أبن الذَّين فضلهم يتعب من يعدده
[ ٧ / ٢٧٩ ]
ومن غدا بينهم ليس يرام سؤدده
يا من غدت فروعه طيَّبةً ومحتده
مولاي يدعوك فتًى قد خانة تجلًّده
هيهات أن يقوم يو مًا بالقوافي أوده
ضاع القريض فهو لا ينشده بل ينشده
ما بال هذا الدَّهر لا ينجز يوما موعده
مولاي لي حقٌّ ومد حي قد غدا يؤكَّده
ومن غدوت قصده .. ليس يخيب مقصده
وقال فيه أيضًا: [من البسيط]
هب خاطري العفر إن شحت غمائمه ما كلُّ وقت يجيد الشِّعر ناظمة
وطالما ركدت ريح الصَّبا سحرًا لدي الأراك ولًم تسجع حمائمه
ورَّبما جاد خدٍّ النور دمع حيًا فوق الغصون وما شقَّت كمائمه
/٢٤٨ أ/ لا يمكن المرء أن يمشي على سنن وإن غدا الرشد لا تخفى معالمه
قد يكتم السر من لم يخفه أبدًا عن الرجال وقد يفشيه كاتمة
يسالم الدهر من أضحى يحاربه كما يحارب من أضحى يسالمه
وقد يكون رفيع القدر جاهلة كما يكون وضيع القدر عالمة
أشكو إلى الله دهرًا ليس ينصفني وكيف ينصف من ذا الدَّهر حاكمة
كم ذا أذُّل قريضا بتُّ أحمله جهلًا إلى باب من عزَّت دراهمه
لولا ضرورات دهري كان ما دره قد استوى اليوم في عيني وحاتمة
بار القريض بمصر اليوم فهو إذا اعرضته عن شَّاريه وسائمة
لو قدر الله أن آتي الشَّام به ما أسلمتني إلى دهري عواصمه
وكنت أدرك ما ارجوه بابن أبي جرادة حسب آمالي مكارمه
عليك يا شرف الدَّين اعتماد فتى يشكو لك الدَّهر إذ عمَّت مظالمه
[ ٧ / ٢٨٠ ]
/١ ب/بسم الله الرحمن الرحيم
[تتمة حرف الياء]
[تتمة ذكر من اسمه يحيى]
[٩٢٤]
يحيى بن عبد القاهر بن علوي بن عبد القاهر بن علويِّ بن الحسن بن عبد الحميد بن عبد العزيز بن عبد المجيد بن المهنَّا بن زيد بن الرشيد بن عبد الرحمن بن المهنا بن صدقة بن محمد بن صدقة بن عويمر بن الحر بن فهم بن تيم اللات، أبو سالمٍ بن أبي المكارم التنوخيُّ.
من أهل معرَّة النعمان المعروف والده بابن خصا البغل.
وذكر والده ثابت في كتاب "تحفة الكبراء".
ووالده هذا كان يعرف صدرًا صالحًا من علم العربيَّة، وتصدر لإفادتها بالمسجد الجامع بحلب يجرى عليه رزقٌ لذلك، ولم يزل مقيمًا بحلب إلى أن توفي يوم الأربعاء تاسع شوال سنة أربعين وستمائة.
أنشدني لنفسه يمدح الملك العزيز غياث الدين محمد بن غازي بن يوسف- رحمه الله تعالى- من قصيدة طويلة أولها: [من الكامل]
/٢ أ/ لا كان بعدك لي حبيب ثاني في النَّاس ومنزل القرآن
والمرء أكثر ما يود لعينه اليمنى وحقِّك إنَّك العينان!
بي أنت من رشأ حفظت وداده فأضاعني وأطعته فعصاني
يغضي الجفون على ظبًا من أجلها يكفي عن الأغماد بالأجفان
ويهزُّ من ترف النَّعيم قوامه مرَّ النَّسيم نواعم الأغصان
فكأنَّ بهجة وجهه في قدِّه بدر التَّمام على قضيب البان
رام العواذل سلوتى عن حبِّه والمستحيل عن الهوى سلواني
[ ٨ / ٩ ]
سقمي أمان صحَّة الدَّعوى على ألمي وشأني مخبر عن شاني
سهمٌ رماني من سهام جفونه عن قوس حاجبه فما أخطاني
عجبًا لنار أسيله في مائه يصلي وكيف توافق الضِّدان
ولقدِّه الفتَّان لهدم صدره من لحظه الوسنان حد سنان
من منصفي من سورة الجاني الَّذي حكم الغرام إليه قد الجاني
سارقته نظر المريب محييا فازورَّ واستحيا وما حياَّني
فأماتني إعراضه عنِّ ولو حيَّا بمثل تحيَّتي أحياني
/٢ ب/ يا قاتلي بمدى الصدود وتاركي ذا مقلة عبرى وقلب عاني
ومكلِّفى حمل الصبابة والأسى ومطلِّهي بالصَّدِّ والهجران
أعباء وجد لو تحمَّل بعضها رضوى لأوهته فما جثماني
فيمن منعت مدامعي أن ترتقي من موق أجفاني فما أجفاني
ومن بعد أبيات كثيرة:
هلا انضويت إلى جناب محمد الـ ـملك العزيز القاهر السُّلطان
ملك ملائكة السَّماء جنوده وملاذة بالواحد الدَّيان
يمِّمه متنميًا إليه ولذبه وغناك في دركي وتحت ضماني
أنا من تبصَّره وراز خلاله فرأيت كلَّ النَّاس من إنسان
وأنشدني أيضًا من شعره: [من السريع]
هل جاء في شرعٍ وفي مذهبٍ حلُّ دم الصبِّ لهذا الصَّبي
هذا وقد زرفن أصداغه فقلت لاح البدر في العقرب
مجرِّدًا من جفنه صارمًا كم شقَّ من قلبٍ ولم يضرب
يستعذب التَّعذيب منه ولو لا الحب لم يحل ولم يعذب
/٣ أ/ شكوت ما ألقاه من حبه إلى تجنِّيه فلم يعب بي
أمات صبري ثمَّ أحيا الهوى شوقًا فآمنت بعيسى النَّبي
لو زارني من هام قلب به مختفيا في ظلِّه الغيهب
لثمته ألفا ونلت المنى منه ومن معسوله الأشنب
لم أنس لما سمته وصله فقال: يا أطمع من أشعب
[ ٨ / ١٠ ]
فقلت: عده، قال: ميعاده أن تطلع الشَّمس من المغرب
أحبابنا ما لذَّلي مطعمي ولا حلالي بعدكم مشربي
وليس عن حبكم معدل بلى إليكم منكم مهربي
ديني هواكم واعتقادي ولا كم وحبِّي لكم مذهبي
عاقبتموني بجفاُكم وما كنت له منكم بمستوجب
وبئس في الإنصاف والعدل أِّن يعاقب العبد ولم يذنب
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من المسرح]
يا صاحب الحكم والقضاء ومن لا حيف في حكمه ولا جنف
قل لي: لماذا وقيت كل أذى علَّي على ما جهلته أقف
/٣ ب/ قسمت "لا" بيننا فلي الـ ـلاَّم إن قمت ولابن المرصَّص الألف
أو فلماذا تحلُّه الصَّدر والسَّـ ـفله من شأن مثله الطَّرف
فضيلةٌ ما لديه ترفعه بها على غيره فيعترف
أم أجل شعر فالشِّعر مشتركٌ والفضل فيما عداه مختلف
تسعى إليًه تظنُّه عمل الـ ـصِّين ولا شكَّ أنَّه خزف
واخبر النَّاس سل حالهم فالزَّيف عند المحكِّ ينكشف
فأنت من قد فشت مناقبه وأنت من بالسَّخاء متَّصف
من عنصر فاخر له سلفٌ من بعدهم أنت حبَّذا الخلف
وأبق سعيًد الجدود ما طلعت شمس نهار وما دجت سدف
[٩٢٥]
يحيى بن عبد الواحد بن عمر بن يحيى الأمير، أبو زكريا بن أبي محمد الهنتاتيُّ.
ملك أفريقية.
[ ٨ / ١١ ]
ذكره صاحب "الدرة الفائقة في محاسن الأفارقة"، وأثنى عليه جميلًا، وقال عقيب ترجمة أبيه الشيخ أبي محمد: ومنهم ولده الطاهر النجيب الزكي الأريب السلطان الأعظم /٤ أ/ الملك المؤيد المعان المنصور المظفر، لم يرث المجد عن كلالة، ولا كأن الملك خلق إلَّا له. هيبة تنسف الجبال نسفًا. ورحمة تسع أهل الأرض حنانًا وعطفًا، وشجاعة ينثني بها الدهر عن عزائمه، وصرامة بطلت ملك الموت السلامة من صوارمه. مع ذكاء كالنار، وخلق ألين من الماء الحار، وأدب أغض من الرياض، ونظم ونثر أسحر من الحدق المراض.
أما أفريقية وقد نجم فيها النفاق، وقامت الفتنة على ساق، وخلت من الأموال والرجال، وريع فيها في الخدور ربات الحجال. فآمن من سربها وأزال خوفها وجدبها، وأعاد فيها وضرب بعربها بربرها وببربرها عربها؛ حتى فرح بعضهم ببعض وجعل الذئاب والنَّقد ترد في حوض، وجند الأجناد ورتب بين الملك، وبسط على تخوم المشرق يده اليمنى وعلى تخوم المغرب يده الشمال، فأمن السُّبل خمن باب تونس إلى ثغر الإسكندرية غاية الأمان، وقطع دابر المفسدين عرضًا من تونس إلى أبواب تلمسان؛ فدانت له البربر /٤ ب/ والعرب؛ وهما المتمرّدان على الملوك في القديم والحديث من الزمان وصارت الأندلس تستصرخه والمغرب الأقصى يطلب منه الأمان.
ثم أنشدني من خمريّاته: [من الخفيف]
وضعت في الزُّجاج فالتهبت وكسته برقًا من اللَّهب
وعلا فوقها الحباب فلم تبصر العين مثل ذا العجب
ضرم النَّار فوقه بردٌ كائنٌ عنه منه في النَّسب
مثل درِّ الجمان نظَّمه ناظمٌ فوق عسجد الذَّهب
[ ٨ / ١٢ ]
وقال أيضًا: [من الطويل]
حنانيك رفقًا كم تطيل صبابتي وتقدح نارًا في الفؤاد مضرّما
وتذكى غرامًا أوهن الصَّبر حمله وقلبًا رهينًا بالصَّبابة مغرما
تقطَّع وجدًا إذا تنفَّس زفرةً فأسبل دمعًا هامي السَّكب مثجما
أأحبابنا بالجزع والعيس معرقٌ وحبل اتِّصال الوصل منكم تصرَّما
أجدُّكما هل للمشوق لديكما تعلُّل ذكر بالخيال فينعما
وهل تذكران العهد والعهد نازحٌ وأيَّامنا بالوصل عقدًا منظَّما
/٥ أ/ أمالكتي قلب العميد تعطَّفا وساكنتي ربع الضلوع ترحَّما
على هائم أعياه حمل غرامه واعقبه فرط الغرام تألُّما
فلم يبق فيه البين إلَّا تنفسًا ولم يبق منه الشَّوق إلَّا توهُّما
[٩٢٦]
يحيى بن عيسى بم إبراهيم بن الحسين بن علِّي بن حمزة بن مطروح بن سليمان، أبو الحسين بن أبي البركات الأعرابي الحميريُّ.
[ ٨ / ١٣ ]
كانت ولادته في يوم الإثنين ثامن رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بمدينة أسويط من مدن الصعيد الأعلى بالديار المصرية، وتوفي بمصر في مستهل شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة.
وكان أوَّلًا يتولى الكتابة بديوان قرص، ثم هاجر إلى مصر وتولى بها عملًا جليلًا للملك الكامل أبي المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب المستولي يومئذ على الديار المصرية في ديوان الأحباس؛ ولما مات الملك الكامل قربة الملك الصالح أبو الفتح أيوب، وأشخصه من بين نظرائه ورتبه عارض الجيش، ورفع منزلته وازداد /٥ ب/ تقدمه حتى كاد أن يكون أجل رتبه من وزرائه.
لقيته بحلب وقرأت عليه قطعة وافرة من أشعاره؛ ومما أنشدني في جمادي الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، يمدح الملك الأشرف شاه أرمن بن موسى بن أبي بكر بن أيوب- رحمه الله تعالى- من قصيدة طويلة: [من الكامل]
وافى وأقبل في الغلالة ينثني فأراك حظَّ المجتلى والمجتني
ورنا فما تغني التَّمائم والرُّقي وأبيك من لحظات تلك الأعين
أغناه ذابل قدِّه عن ذابلٍ وبشعره عن بيت شعر قد غني
رشاٌ من الأعراب مسكنه الفلًا ولكم له في مهجة من مسكن
كم قلت للعذَّال فيه ألا اقصروا لا أرعوي لا انتهًي لا انثني
يا هاجري البستني ثوب الضَّنى واخذتني يا تاركي من مأمني
حتَّى فؤادي خانني ووافى له وكذا الرُّقاد صبا إليه وملَّني
يا قلب ما آنست بعداك راحًة فمتى أراك ويا كرى أوحشتني
عهدي به ويدي مكان وشاحه والوجد باق والتَّجلُّد قد فني
/٦ أ/ وشدا بشعري فافتتنت ويالها من فتنة شنعاء لو لم أفتن
شعري ومحبوبي يغنِّيني به وهناك تحًسن صبوة المتِّدين
لا شيء يطب سامعًا بحديثه إلاَّ الثَّناء على علا شاه أرمن
[ ٨ / ١٤ ]
وأنشدني أيضًا لنفسه من قصيدة: [من مجزوء الكامل]
بأبي وبي طيفٌ طرق عطر اللَّمى والمعتنق
ما إن مددت له يد يَّ معانقًا حتَّى أبق
ثمَّ انتبهت فما وجد ت سوى الصَّبابة والحرق
فطفقت أنشد بعده ولواء قلبي قد خفق:
أوحشت جفني ياكري وعدمت أنسك يا أرق
يا قوم من لمتيِّمٍ فتكت به سود الحدق
يا شمس قلبي في هوًا ك عطاردٌ وقد احترق
وأذاع عنِّي عاذلٌ أنِّي سلوت وما صدق
يا من يزاحم ادمعي أخشى عليك من الأرق
/٦ ب/ ملك الملامح ترى العيون عليه دائرًة يطق
ومخيِّمٍ بين الضُّلوع وفي الفؤاد له سبق
فاز الوشاح بضِّمه وحكيته أنا في القلق
أخجلت خدَّ الورد منـ ـك بوجنةٍ تحكي الشِّفق
حتَّى تقطَّر دائبًا وعلامة الخجل العرق
لا والَّذي اجتمعت على تفضيله كلُّ الفرق
موسى الذَّي اصطبح السَّما ح براحتيه واغتبق
كالمسك طيب ثنائه فمتى نطقت به عبق
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الرمل]
بات في أثناء صدري غصنٌ نيط ببدر
بدويُّ نازلُّ من شعره في بيت شعر
حاملٌ نجدًا وغورًا منه في ردف وخَّصر
[ ٨ / ١٥ ]
ما رنا واهتَّز إلَّا كان في بيض وسمر
حبَّذا ليلة وصل منه في ليلة قدر
/٧ أ/ أشرقت عن نور كأس وسنى وجه وثغر
وتعانقنا فما قولك في ماء وخمر
وتعاتبنا فقل ما شئت من غنًج وسحر
ثمَّ لمَّا ادبر الَّيـ ـل وجاء الصُّبح يسري
قال: إيَّاك رقيبي بك يدري قلت: يدري
وأنشدني أيضًا قوله: [من الوافر]
سقى صوب الحيا تلك المغاني وإن اقوت من الغيد الحسان
ملاعب أنسنا والشَّيب منَّا بعيد والشَّباب الغضُّ داني
وربعًا ما مررت عليه إلَّا لواني الوجد لي الخيزران
ولا أنسى وإن أنسي التَّصابي مصاحبه الشَّباب وإن جفاني
. العهد من شيمي وغيري تغيِّره تصاريف الزمان
ولا روضًا جررت به ذيولي خلىَّ البال منطلق العنان
يذكرني زمانًا لو صفا لي خليلٌ مثله فيه كفاني
فلو ذابت لياله لكانت تنوب عن العوالي والغواني
/٧ ب/ فما أبقت صروف الدَّهر منه سوى مثل المودَّة في القيان
وإلاَّ كالتَّجلُّد من محبٍّ وكالإقدام من قلب الجبان
وليلا بتُّ ساهر ولكن على نغم المثالث والمثاني
تطوف علىَّ ولدانٌ وحورٌ وتخدعني أحاديث الجنان
فما قبَّلت إلاَّ بدر تمَّ ولا عانقت إلاَّ غصن بان
فأحييت الدُّجى لعبًا ولهوًا على أنِّي سفكت دم القناني
وباكرني اخلاَّءٌ كرامُّ يشار إلى علاهم بالبنان
فجشَّمنا خدود الورد ظرفًا وضاحكنا ثغور الأقحوان
[ ٨ / ١٦ ]
وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الوافر]
بروحي من فتنت به على ما فيه من صلف
شبيه الطَّبي في كحل نظير الغصن في هيف
وقالوا البدر يشبهه وحاشاه من الكلف
وكم يوم خلوت به يطول لذكره أسفي
وكم عانقًت قامته عناق اللاَّم للألف
/٨ أ/وأقسم لا سلوت هوا هـ ولو أفضى إلى تلفي
وأنشدني لنفسه في غلام لابس أصفر: [من المنسرح]
أقبل يختال في غلائله والسُّكر باد على شمائله
وقد غدا ساحبًا ذوائبه قوموا انظروا البدر في حبائله
وماس في حلَّة مورَّسة يا من رأى الغصن في أصائله
لو أدَّعى عاشقٌ عليه دمًا عنَّى بخدَّيه عن دلائله
أسأله رحمةٌ فينهرني ما فيه من رحمة لسائله
وأنشدني قوله: [من المتقارب]
وقالوا: أسل عنه فقد شانه عذارٌ أراحك من صدِّه
فقلت: وهمتم ولكِّنَّني خلعت العذار على خدِّه
وأنشدني لنفسه: [من الكامل]
عانقته فسكرت من طيب الشَّذا غصنًا رطيبًا بالنَّسيم قد اغتذى
نشوان ما شرب المدام وإنَّما أضحى بحمر رضابه متنبِّذا
/٨ ب/ كتب الجمال على صحيفة خدِّه يا حسنه لا بأس أن تتعوَّذا
يا ناظري أمَّا وقد شاهدته والله لا رمدًا تخاف ولا قذى
[ ٨ / ١٧ ]
مهما اكتحلت بخدِّه وعذاره لم تلق إلَّا عسجدًا وزمرُّدا
أضحى الجمال بأسره في أسره فلأجل ذاك على القلوب استحوذا
وأتى العذول يلومني من بعد ما أخذ الغرام على فيه مأخذا
والله لا خطر السُّلو بخاطري ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
إن عشت عشت على هواه وإن أمت وجدًا به وصبابًة يا حبَّذا
إني ليعجبني تلافي في الهوى يلذُّ لي ما قدت لقيت من الأذى
لا أرعوي لا أنتهى لا أنثني عن حبِّه فليهذ فيه من هذى
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بهاء الدين أبي الفضل زهير بن محمد الكاتب يستهدي منه درج كاغد وقليلًا من المداد: [من المنسرح]
أفلست يا سيِّدي من الورق فانعم بدرج [كعرضك اليقق]
/٩ أ/ وإن أتاه المداد مقترنًا فمرحبًا بالخدود والحدق
وأنشدني لنفسه حين سمع عن الملك الناصر صلاح الدين داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب، قد أخرج الفرنج من البيت المقدس وأزالهم عنه، وصار بيد المسلمين –حمى الله حوزته- وذكر أنه عمل هذه الأبيات ارتجالًا: [من السريع]
المسجد الأقصى له عادةٌ سارت فصارت مثلًا سائر
إذا غدا للكفر مستوطنًا أن يبعث الله له ناصرا
فناصرٌ ظهَّره أوَّلًا وناصرٌ طهَّره آخره
وأنشدني له أيضًا في الملك الناصر صلاح الدين داود: [من الطويل]
ولو لم يكن في وجهتي غير أنَّني لثمت يمين النَّاصر بن المعظَّم
[ ٨ / ١٨ ]
/٩ ب/ وكنت جديرًا أن أمتَّ على الورى بما نلت من يمن وأمن ومغنم
فكيف وقد أمسيت فوق بساطه أقلب طرفي في سماء وأنجم
وأنشدني أيضًا قوله: [من السريع]
قد أثقلت ظهري أوزاري والويل إن ناقشني الباري
كم ليلة أسرعت فيها الخطى إلى الخطايا حلف إصرار
وكم تجرَّأت على فاحش ولا أجتراء الأسد الضَّاري
كيف يكونٌ العذر في موقًف يذُّل فيه كلُّ جبَّار
وتشخص الأبصار في حيث لا دارٌ سوى الجنَّة والنَّار
يا ربِّ عفوًا عن ذنوبي فما سألت إلَّا عفو غفَّار
وأنشدني لنفسه في غلام اسمه بدرون: [من مجزوء الرمل]
لك يا بدرون وجهٌ فيه عنوان السَّعادة
لا تخف نقصًا ومحقًا أنت بدرٌ وزيادة
وقال أيضًا: [من الكامل]
/١٠ أ/ بأبي غزالٌ تائهٌ متصلِّف لأنت معاطفه ولا يتعطَّف
سكران لا يصحو ولست بمنكر قد صحَّ أنَّ الرِّيق من قرقف
حلو الشَّمائل والتَّثِّني واللُّمَّى من يجتني من يجتلي من يرشف
شاكي السِّلاح وما تكلَّف حمله اللَّحظ سيفٌ والقوام مثقَّف
لمَّا بدا للغانيات وقد بدا من حسنه ما لا يحدُّ ويوصف
قطعن أيديهنَّ حين رأينه لما افتتنًّ وقلن هذا يوسف
هجر الكرى جفني وواصل جفنه يا قوم حتى النَّوم لي يستضعف
وسرى إلى جسدي ضنى أجفانه لا ياضنى جسدي أرق وتضعف
أشكو إليه وما عسى أن أشتكي هو بالَّذي ألقاه منًّي أعرف
[ ٨ / ١٩ ]
كبدٌ يفيض نجيعها من أدمعي حتَّى كأنِّي من جفوني أرعف
ووحقِّه لم يبق في بقيةٌ ولقلَّما يبقى الكئيب المذنف
وأراه لا يزداد إلَّا قسوةً يا ويح من يشكو لمن لا ينصف
وأرى الخضوع يلذُّ لي في حبِّه وسجيَّتي تأبى الخضوع وتأنف
وإذا سمعت بعاشق متعفِّف فأعلم بأنِّي العاشق المتعفِّف
/١٠ ب/ وقال أيضًا: [من مجزوء الرجز]
إن كنت ذا مقدرة حقًا فزد في أجلك
مالك شيءٌ غير مًا قدَّمته من عملك
وقوله: [من الطويل]
أسرب المها لا حبَّذا أنت من سرب فما فيك من حظٍّ لعيني ولا قلبي
ويا حبَّذا سربٌ إذا سار بي الهوى إليه التقاني بالبشاشة والرُّحب
وأنزلني فوق المنازل رفعًة لأنَّ مكاني منه في الطَّرف والقلب
وربَّ غزال فيه يهوى تغزُّلي فبات أسيري وهو يفتك بالغلب
وسمراء كالسَّمراء بتُّ ضجيعها تزيَّت بزيِّ التَّرك وهو من العرب
سقتني إجلالًا حميُّا رضابها ولم ترض لي شرب الحليب من النُّغب
وقالت أجل عينيك في ورد وجنتي فحمرته تلهيك عن خضر العشب
كريمة حي تبذل النَّفس في الهوى فلا شيء أحلى من مكارمه الحبٍّ
تقول وقد أوجست خيفة أهلها رويدك لا تحفل بأهلي ولا صحبي
وقال أيضًا: [من الطويل]
/١١ أ/ صبا وهو غربيب الذَّوائب ما صبا ووفَّى التَّصابي حقَّه زمن الصَّبا
فأنِّي وقد لا المشيب بفوده فأهلًا وسهلًا بالمشيب ومرحبا
[ ٨ / ٢٠ ]
ولم يبق إلَّا أن ينيب ويرعوي ويعرض عن ليلى ويهجر زينبا
وفي النَّفس منِّي صبوةٌ بعد ذا وذا إذا اعترضت يهلكن ماد تطربا
ولم أنس لمًّا زارني من أحبُّه نهارًا جهارًا والظُّبا تقرع الظُّبا
وما زارني ليلًا كما زار في الدُّجى حبيب زهير خائفًا مترقبًا
وما زاره حتَّى رأى النَّاس نوَّمًا وراقب ضوء البدر حتَّى تغيَّبا
فبادرت إجلالًا الثم الثَّرى وأبسط خدِّي في التُّراب تأدبا
وقلت له: تفديك نفسي وأسرتي تغيَّب من أجلي فأبدى تعجبُّا
وقال: على رأسي أزورك صاغرًا إذا لم يكن إلَّا الأسنَّة مركبا
وعاطيته الصَّهباء حتَّى انثنى وماد كغصن البان مالت به الصَّبا
فنادمت بستانًا وغازلت جؤذرًا وعانقت أملودًا وقبَّلت كوكبا
وتمَّ لنا ما لا سمعت بمثله وقضيته يومًا من العمر مذهبا
سلامٌ على ذاك الزَّمان الَّذي مضى وسقيًا لهاتيك المعالم والرُّبى
/١١ ب/ وقال أيضًا: [من المديد]
يا ملاذ المستجير به لا تؤاخذني بما سلفا
وأعف عنِّي عفو متقدر أنا عبدٌ مذنبٌ وكفى
وقوله: [من الطويل]
خذوا حذركم من طرفها فهو ساحر وليس بناج من دهته المحاجر
فإن العيون السُّود فهي فواترٌ تفلُّ السُّيوف البيض وهي بواتر
ولا تخدعوا من رقَّة في كلامها فإنَّ الحميَّا للعقول تخامر
منعمةٌ لوصافح الورد خدَّها بكت وجرت من مقلتيها بوادر
من القاصرات الطَّرف غارت لحسنها ضرائرها والنَّيِّرات الغرائر
فلو في الكرى مرًّ النَّسيم بطيفها سرى لبدا من طيبها وهو عاطر
قلائدها تشكو الظما ووشاحها وإن شرقت في معصميها الأساور
[ ٨ / ٢١ ]
بعيدة ما بين المخلخل والطُّلى ترى الطَّرف منها ينثني وهو حاسر
إذا ما اشتهى الخلخال إخبار قرطها فيا طيب ما تجلى عليه الضَّفائر
ويا عاذلي والله ما أنت منصفٌ أعن مثل هذا الحسن تصبى النَّواظر؟
/١٢ أ/ وقال أيضًا: [من الطويل]
خلائقه والدُّرُّ فيه منضَّدٌ ومن ذا رأى في العذب درًّا منضَّدا
رأيت بخدَّيه بياضًا وحمرة فقلت: لي البشرى اجتماعٌ تولَّدا
وقوله: [من الكامل]
ومهفهف ماس القضيب وقدُّه وكلاهما متأوِّد ريَّان
لكن يروقني الَّذي في خدِّه الـ ـبستان لا ما ضمَّه البستان
ورنا إلىًّ وقد رأى ريم الفلا يرنو وكلٌّ منهما وسنان
فاصطادني إنسان من خالسته لا ما تصيد مثله الإنسان
ولقد نظرت إليه يوم شهدته فتشابها لولا فمٌ وبنان
وذؤابة لولا سلامة من دنا منها حلفت بأنهَّا ثعبان
أفلا أهيم بمن حكت أوصافه الأقمار والغزلان والأغصان
والحسن يعشق حيث كان فكيف لا أصبو لحسن زانه الإحسان
وإذا نسيت فلست أنسى قوله إن خنتني فحسيبك الرَّحمان
وشقائقًا قبَّلتها من خدِّه حتَّى رثى لذبولها النُّعمان
/١٢ ب/ وقال أيضًا: [من الكامل]
بعثت إلىَّ بنرجس وبوردة ففهمت أفديها حقيقة قصدها
لمَّا تعذَّرت الزَّيارة أرست بشبيه ناظرها إلىَّ وخدًّها
وقال أيضًا: [من الكامل]
[ ٨ / ٢٢ ]
إن قسته بالبدر ما أنصفته أو بالغزال وجدته مظلوما
هذا نبيُّ الحسن جاء فكلُّكم صلُّوا عليه وسلُّموا تسليما
وقال يمدح الملك الناصر صلاح الدين داوود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب: [من السريع]
ثلاثةٌ ليس لهم رابعٌ عليهم معتمد الجود
الغيث والبحر وعزِّزهما بالملك النَّاصر داوود
وقال في الملك المسعود بن الملك الكامل محمد حين توفى: [من البسيط]
/١٣ أ/ قالوا: قضى الملك المسعود قلت لهم: لا تطمعوا في بقاء الشَّمس والقمر
قل للملوك: استقرُّوا في ممالككم مات الَّذي كنتم منه على حذر
وقال أيضًا: [من الطويل]
ولمَّا تيمَّمناك قال رفاقنا إلى أين تبغي قلت: خير جناب
فقلت لصحبي: شرِّقوا نبلغ المنى فغير صواب قصد غير صواب
وقوله في غلام لسعته أفعى: [من البسيط]
قالوا: حبيبك ملسًوعٌ، فقلت لهم: من عقرب الصُّدغ أو من حيَّة الشَّعر
فقيل بل من أفاعي الأرض قلت لهم: من أين ترقى أفاعي الأرض للقمر؟ !
وقال أيضًا: [من البسيط]
أصدرتها والعوالي في الطُّلى ترد في موقف فيه ينسى الوالد الولد
وما نسيتك والأرواح سائلةٌ على السُّيوف ونار الحرب تتَّقد
[ ٨ / ٢٣ ]
وقوله مما كتبه إلى بهاء الدين زهير بن محمد الكاتب من الحصار:
[من الكامل]
/١٣ ب/ ولقد ذكرتك والصَّوارم لمَّع من حولنا والسَّمهريَّة شرَّع
وعلى مكافحة العدوِّ ففي الحشا شوقٌ إليك تضيق عنه الأضلع
ومن الصِّبا وهلمَّ جرّا شيمتي هذا الوفاء فكيف عنه المرجع؟
ومما كتبه إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين أبي الفتح أيوب بن محمد بن أبي بكر بن أيوب- صاحب الديار المصرية- حين أنفذه رسولًا إلى الديوان العزيز: [من الطويل]
أعلِّل طرفي عنك بالبدر طالعًا وبالظبي وسنانًا وبالغصن يانعا
ووالله ما ازداد إلا صبابةً بفرط حنين قد أقضَّ المضاجعا
أفي كلِّ يوم للتَّفرُّق رحلةٌ ترى عندها للعاشقين مصارعا
كأنَّ النَّوى تبغي ذحولًا قديمةً لديًّ وألا تقتضيني الودائعا
وموقف بين ضمَّنا لو شهدته رأيت مقامًا للمحِّبين رائعا
وقلت: أحلِّى الأرض من درِّ أدمعي فجاء العذارى يلتقطن المدامعا
يغرن على تلك اللاَّلي لأنَّها بقية ما أودعن منِّي المسامعا
/١٤ أ/ ففي أين قل لي يا هوًى كنت كامنًا لقلبي لقد أبدعت فيه البدائعا
فهل من صديق يشتري لي سلوةً يقلًّدني ما عشت منها الصنائعا
وما كان ذا القرب إلا لذا النَّوى فيا ليت أن الدَّست أصبح مانعا
وكتب إلى عماد الدين بن شيخ الشيوخ بن حموية: [من الطويل]
[ ٨ / ٢٤ ]
وكلُّ حضاب سوف ينصل صبغة وما لخضاب الودِّ فيك نصول
ووالله ما أنسًى جميلك لو غدت تدافعني عنه قنًا ونصول
وقال فيه أيضًا: [من الطويل]
ولو أنَّ قسًّا في إياد أعارني بلاغته وابن المقفَّع بعده
تجاوزت في الإعياء رتًبة باقل إذا رمت أن أحصي نداه ورفده
وقوله: [من المتقارب]
ونحن من الله في نعمة تقصر عن شكرها الألسن
وإحسان سلطاننا سابغٌ علينا فلا عدم المحسن
وقال أيضًا: [من الطويل]
/١٤ ب/ ولمَّا جفاني من أحبُّ وخانني حفظت له الودَّ الذي كان ضيَّعا
ولو شئت قابلت التجنِّي بمثله ولكنَّني أبقيت للصُّلح موضعا
وقد كان ما قد كان بيني وبينه أكيدًا ولكِّني رعيت وما رعى
سعى بيننا الواشي ففرَّق بيينا لك الذَّنب يا من خانِّني لا لمن سعى
وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]
أنظرت أم فوَّقت سهما فلقد أصبت القلب لمَّا
لا يا معذِّب مهجتي والله ما أجرمت جرما
أحسبت لي رمقًا وهل أبقى صدودك فيَّ مرمى
أوما لميعاد الرِّضا يا هاجري أجلٌ مسمَّى
يا عاذلي وأخو الصَّبا بة لا بليت أصمُّ أعمى
عنَّا إليك فما أظنُّـ ـك بالغرام عرفت طعما
[ ٨ / ٢٥ ]
لو كنت ثالثنا وقد زار الحبيب عجبت ممَّا
كتم الزِّيارة وجهه فوشي العبير به ونمَّا
وبدا الحياءٌ بخدِّه حتَّى خشيت عليه يدمى
/١٥ أ/ وضممت منه مهفهفًا حلو الرُّضاب أغنَّ ألمى
ورددت من شعف أفـ ـِّتت عطفه الممشوق ضَّما
بل لو قدرت أكلته وشربته عضًا ولثما
ويغيرني المسواك حيـ ـن أراه يرشف منه ظلما
ولقد يعزُّ عليَّ أن يروى البشام به وأظما
ولرُّبما عاطيته راحًا تفوق سنى وشمَّا
باتت تضيء كأنَّما أودعت منها الكأس نجما
وقال أيضًا: [من المنسرح]
سمعتها تشتكي لدايتها شكوًى تذيب القلوب والمهجا
تقول يا دايتي بليت به وما أرى من هواه لي فرجا
ومثل ما بي به ولا عجبٌ هوًى بقلبي وقلبه امتزجا
فهل سبيلٌ إلى زيارته ولو ركبت القفار واللُّججا
وإن درى والدي بقصَّته أراق يا دايتي دمي حرجا
فرحت ممَّا سمعت في طرب كشارب الرًّاح راح مبتهجا
/١٥ ب/ وقال في الغزل: [من الوافر]
بديع الحسن كم هذا التَّجنِّي؟ ومن أغراك بالإعراض عنِّي؟
حويت من الرَّشاقة كلَّ معنى وحزت من الملاحة كلَّ فنِّ
وأهديت الغرام لكلِّ قلب ووَّكلت السُّهاد بكلِّ جفن
وأعرف قلبك الأغصان تجني فيا غصن الأراك أراك تجني
[ ٨ / ٢٦ ]
وعهدي بالظَّبا تصطاد حتَّى تصيَّدني هوى الظَّبي الآغنِّ
وأعجب ما أحدِّث عنه أنِّي فتنت به ولا يدري بأنِّي
ولو أضحى على تلفي مصرا لقلت: معذِّبي بالله زدني
فلا تسمح بوصلك لي فإنِّي أغار عليك منك فكيف منِّي؟
وأنت ومتُّ حيا هوانا بالهوى كم ذا التجنِّي؟
وقال أيضًا: [من مجزوء الرجز]
سألت من أمرضني في قبلة تشفي الألم
فقال: لا لا أبدًا قلت له: نعم نعم!
فقال: غصبا، قلت: لا إلا سماحًا وكرم
/١٦ أ/ قال: فسرّا، قلت: لا إلَّا على رأس علم
فقال: خذها بالرضا منِّي حلالًا وابتسم
فلا تسل عمَّا جرى استغفر الله وثم
فظنَّ ما شئت بنا فالحبُّ يحلو بالتُّهم
ولا أبالي بعد ذا باح حسودٌ وكتم
وقوله: [من الطويل]
أسائل عنك القادمين فكلُّهم يبشِّرني من بشر وجهك بالقرب
وقالوا: نراه بالسُّويداء نازلًا فقلت: صدقتم في السُّويداء من قلبي
وقال أيضًا: [من المجتث]
أصبحت عبدك رقَّا لا أبتغي منك عتقا
يا من تملَّك رقِّي أما ترى أن ترقَّا؟
[ ٨ / ٢٧ ]
قدمت فيك غرامًا تعيش أنت وتبقى
من السُّهاد معافى من الغرام موقَّى
يا ناعم الخدِّ قل لي: إلى متى بك أشقى؟
/١٦ ب/ وقد لقيت من العذ ل فيك أعظم ملقى
زدني قلى وصدودًا أزدك حبًّا وعشقا
لا عشت إن قلت يومًا من فرط جورك: رفقا
وقال أيضًا: [من الرمل]
لا وعينيك ويكفي ذا القسم ما رأت عيناي نومًا منذ كم
أيُّها الرَّاقد في لذَّاته نم هنيئًا إنَّ طرفي لم ينم
ويح قلبي من هوى مستهتر ما رأى صبًّا بكى إلَّا ابتسم
شاهدوا مبسمه مع أدمعي تنظروا أيَّ أقاحٍ مع عنم
بدويُّ الزِّيِّ إلَّا أنَّه لا يخاف العار في خفر الذِّمم
ربما همَّ بلثمي هازئًا فإذا ما سمته اللَّثم التثم
أشتكي سقمي إلى أجفانه ومتى يشفى سقامٌ بسقم
قمرٌ نمَّ على عشَّاقه كلُّ كيد منه لمَّا قيل تم
لا تراه ناسيًا لفظة لا مثل ما يوسف لا ينسى نعم
وقال أيضًا: [من الكامل]
[ ٨ / ٢٨ ]
/١٧ أ/ هي رامةٌ فخذوا يمين الوادي وذروا السُّيوف تقرُّ في الأغماد
وحذار من لحظات أعين عينها فلكم صرعن بها من الآساد
من كان منكم واثقًا بفؤاده فهناك ما أنا واثقٌ بفؤادي
يا صاحبيَّ ولي بجرعاء الحمى قلبٌ أسيرٌ ما له من فادي
وبحيِّ من أنا من هواه ميِّتٌ عينٌ على العشَّاق بالمرصاد
وأغن مسكيِّ اللَّمى معسوله لولا الرَّقيب بلغت منه مرادي
كيف السَّبيل إلى وصال محجَّبٍ ما بين بيض ظبًا وسمر صعاد
في بيت شعر نازل من شعره فالحسن منه عاكفٌ في بادي
قالت لنا ألّف العذار بخدِّه: في ميم مبسمه شفاء الصَّادي
حرسوا مهفهف قدَّه بمثقَّف فتشابه الميَّاس بالميَّاد
يا هل أبيت وهل يبيت معانقي كمهنَّدي وذؤابتاه نجادي
واضمُّه ضمَّ المناطق خصره شغفًا أو الأطواق للأجياد
وأحلُّ فضل لثامه عن كوكب أنا في هواه أعبد العبَّاد
يا حبَّذا سهر الدُّجى في حبِّه إن كان يرضي البدر فيه سهادي
/١٧ ب/ ومن المنى لو دام لي فيه الضَّنى ليرقَّ لي فأراه في عوَّادي
ومفنَّد لي في هواه مسمعي والعذل منه كناظري ورقادي
ماتت يطيل الله عمرك سلوتي يا عاذليَّ وضلَّ فيه رشادي
أنا من جبلت على الغرام من الصِّبا وبه سألقى الله يوم معادي
فإذا أتى العشَّاق كنت أميرهم وجميع من قبل الهوى أجنادي
وقال أيضًا: [من الكامل]
من لي بغصن باللَّحاظ ممنطق حلو الشَّمائل واللَّمى والمنطق
مثرى الرَّوادف مملق من خصره أسمعت في الدُّنيا بمثر مملق
وغريرة زارت على بخلٍ بها لمَّا نعيت لها زيارة مشفق
[ ٨ / ٢٩ ]
لم أدر ما قالت وقد لمست يدي ماذا لقينا منه أو ماذا لقي
لا شيء أكتم من دجنَّة شعرها لو أنَّ صامت حليها لم ينطق
متوسوس حتَّى الحليُّ بحسنها فاعجب بحسن للجماد منطِّق
خدٌّ وقدٌّ إذ ترقرق ماؤه لهفي على المتوقِّد المترقرق
فبحسنها هي زهرةٌ للمجتلي وبطيبها هي زهرة المستنشق
/١٨ أ/ ونظرها الغصن النضير إذا أنثنت في حلَّة خضراء من إستبرق
ويروقني منها أخضرار خضابها والغصن ليس يروق ما لم يورق
تعصي العذول على الهوى وتطيعني فأنا السَّعيد بها وعاذلي الشَّقي
ولكم بها في خلوة في حلوة كرضابها كعتابها كتملُّقي
وأقول: يا أخت الغزال ملاحةً فتقول: لا عاش الغزال ولا بقي
يا شمس قلبي في هواك عطاردٌ لولا تعلُّقه بها لم يحرق
ومما كتبه إلى الشيخ عزّ الدين أبي الفضائل عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن محمد بن أبي عصرون الفقيه الشافعي- رحمه الله تعالى-: [من البسيط]
يا فاضلا بهرتنا من فضائله بلاغةٌ لم تكن في قدرة البشر
أرسلتها دررًا حلَّت مسامعنا يا بحر حسبك ما أهديت من درر
لفظًا وخطًّا وكلٌّ منهما حسنٌ من محسن فهي مثل السَّمع والبصر
فلم أزل اجتلى ليلي محاسنها وأجتليها فقل في الزُّهر والزَّهر
/١٨ ب/ وقال مما يكتب على سيف: [من مجزوء الخفيف]
أنا سيفٌ على السُّيوف على عزِّها خدم
شرفي أنَّ صاحبي صاحب السَّيف والقلم
وقوله فيه أيضًا: [من مجزوء الرمل]
للأماني والمنايا بين حدَّيَّ ومتني
[ ٨ / ٣٠ ]
يتَّقي الأعداء فتكي ويروق العين حسني
فتأمَّل هل ترى فيـ ـما ترى أعجب منِّي
لم يذق جفني غرارًا وغراري ملء جفني
وقال أيضًا: [من البسيط]
سكنت عيني فصنها عن مدامعها إنَّ المدامع يا مولاي تؤذيها
وقد حسبتك من إنسانها عوضًا فإنَّ إنسانها من كان يحميها
وإنني حين أرعاها وأكرمها فلست أكرمها إلَّا لمن فيها
وما أوصِّيك في دارٍ سكنت بها حاشاك تهمل دارًا أنت تأويها
وقال أيضًا: [من الوافر]
/١٩ أ/ بحقِّك حدِّث الأحباب عنِّي وشافههم بما شاهدت منِّي
وقل لهم: لقد فارقت يحيى يموت هوىً ويحيا بالتَّمنِّي
وكم أشكو إلى من ليس يرثي ولا يلوي على فرحي وحزني
عذولي [إذ تسمِّيه] حبيبًا أميل إليه وهو يميل عنِّي
وقال أيضًا: [من البسيط]
سقاك يا دار هطَّالٌ من الدِّيم ولا خلوت من اللَّذَّات والنِّعم
وما نسيت وما أنسى بها خلسًا حلَّت ومرَّت كما شاهدت في الحلم
ومجلسًا طلعت في كلِّ ناحية منه بدور دياجيها من اللِّمم
وراح يعتبني من بينهم قمرٌ جلا محيَّاه عنَّا فاحم الظلم
وخلوةً فسقت فينا نواظرنا وإنَّما طهَّرتنا عفَّة الشِّيم
هذا هو الحبُّ أم إثمٌ يدنِّسه أستغفر الله ما تخلو من اللَّمم
كانت لكلٍّ شكاياتٌ فباح بها ثمَّ انتصفنا ولم نحتج إلى حكم
[ ٨ / ٣١ ]
لو كنت تسمع شكوانا ورقَّتها سمعت أشهى من الأوتار والنَّغم
وبعدها وإلى ذا اليوم ما نسيت أذني حلاوة ذاك المنطق الرَّخم
/١٩ ب/ يا عاذلي قم تأمَّل حسن منظره فإن نجوت بقلبٍ سالم فلم
قلبي مقامٌ لبعض النَّاس يسكنه فليهنه أنَّه قد حلَّ في حرم
وكيف يجحد قتلي بعدما شهدت له غلالة خدٍّ ضرِّجت بدم
يا فارغ القلب قلبي منك في شغلٍ يا نائم العين عيني فيك لم تنم
أهوى العقيق وأهوى الأبرقين وقد أغنى بهذين عن خدٍّ ومبتسم
وقال أيضًا: [من مجزوء المتقارب]
أما وبدور الكلل حمتها قدود الأسل
وتفَّاح تلك القدود ونرجس تلك المقل
وغصن القوام الرَّطيب فوق كثيب الكفل
لأنت وإن ساءني جفاك وطول الملل
أحبُّ إلى مهجتي من الأمن بعد الوجل
وليلة وصل حلت فيا عاذل لا تسل
وفي طيِّ ذاك العنا ق عتبٌ كوشي الحلل
وخلَّيت ذاك الغزال بجوهر هذا الغزل
[فهي عائدٌ لي الصِّبا؟ وتلك اللَّيالي الأول؟]
ودولة أنسٍ مضت وهل نافعي قول هل
[٩٢٧]
/٢٠ أ/ يحيى بن غانم بن محمَّد بن عليِّ بن يوسف بن صالحٍ أبو زكريا الخزرجي.
من أهل غرناطة، كان رجلًا من أهل القرآن والأدب، يقول شعرًا لا بأس به.
[ ٨ / ٣٢ ]
أنشدني من شعره أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الأشبيلي البرزالي- رحمه الله تعالى- بحلب، قال: أنشدني أبو زكريا يحيى بن غانم بن محمد الخزرجي الغرناطي لنفسه: [من الطويل]
خليليَّ ما للواله المتغرِّب بأرضكما قد فاته كل مطلب
خليليَّ قولا والحديث كما حكوا شجونا ودهري ساخرٌ بكما وبي
هل الزَّمن الماضي بما قد مضى به يعود ولو من كلِّه بالتَّقرُّب
ومنها في المديح: [من الطويل]
سأصرف آمالي إلى ذروة العلا وأوقفها بالأسعد بن مقرَّب
هو الملجأ المفضي إلى كلِّ غاية بجد وجدٍّ أشربا بتهذُّب
إمام هدّى أحيا به الله شرعةً من الدِّين قد نيطت إلى خير مذهب
ومهما دجا ليل الخلاف لشبهة فآراؤه تجلو دجى كلِّ غيهب
/٢٠ ب/ أيا من له ألقيت كلَّ مقالدي وجبت إليه سبسبًا بعد سبسب
وعوَّلت في نومي على يقظاته فهنَّ زلالي إن تكدَّر مشربي
أجرني فإنَّ الدَّهر ما قد علمته وهذي اللَّيالي أولعت بالتَّقلُّب
بقيت مدى الأيَّام ترجى وتتَّقى ولا زلت ذخر الواله المتغرِّب
ورمت دوام الدَّهر في خفض عيشةٍ وتبليغ آمالٍ ورفعة منصب
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو زكريا لنفسه: [من البسيط]
الحمد لله [حمدًا] نستديم به دوام عافية المولى وراحته
والشُّكر لله شكرًا نستزيد به في عمره ونهنِّيه إقالته
يا من به وعوافيه أضاء لنا وجه الزَّمان وأولانا سماحته
إنَّ الزَّمان أرانا من تصرُّفه عجائبًا أحكمت فينا إرادته
ولم يزل يا سليل المجد يضربنا ظهرًا لبطن ويولينا نكايته
وليته إذ سطا أبقى لنا رمقًا نأوي إليه ونستسقى بلالته
ومثلكم من شكا مثلي إليه ومن يشكي الغريب ويرعيه رعايته
/١٢١ أ/ يا من أنار منار العدل في نفرٍ كلٌّ إلى ضدِّه قد مدًّ راحته
[ ٨ / ٣٣ ]
بقيت للحقِّ تعليه ودمت أبا محمَّد للعلا تعلي إشادته
ما أمَّ وجهة بيت الله معتمرٌ يمحو بخطو خطاياه خطيئته
ونقلت من خطِّه قوله يمدح الصاحب الإمام كمال الدين أبا القاسم عمر بن أحمد ابن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي العقيليَّ: [من الكامل]
لولا ملاحظتي عيون العين ما كنت أقنع في العلا بالدُّون
ولقد يقال: سلا، ولو كان الَّذي قالوه ما استنجزت وعد ضنين
قل للغواني قد كبرت عن الصِّبا وغدت دواعي شأفتي تدعوني
وتركت للشوق الدِّيار وأهلها وقصدت منتجعًا كمال الدِّين
ربَّ الحمة الأحمى الَّذي نزَّاله ألقوه بين قرارة ومعين
والعالم الصَّدر الَّذي بفنائه مأوى الغريب وراحة المسكين
/٢١ ب/ والمنتقى من سادة ما منهم إلَّا مكينٌ ينتمي لمكين
طلق المحيَّا سيِّدٌ متواضعٌ بادي السَّكينة شامخ العرنين
وإليكها يا ابن العديم عجالةً من ذي غرام واله محزون
متحيِّر ما إن يرى مستحسنا وكأنه في عقدةً التِّسعين
وقِّيت أسباب الفراق ودمت في دعة ولا حمِّلت مثل شجوني
وبقيت في حلبٍ على رغم العدا في كلِّ خطبٍ منجدي ومعيني
[٩٢٨]
يحيى بن الفضل بن يحيى بن عبد الله بن القاسم القاضي، أبو طاهر بن القاضي أبي سعيدٍ الشهرزوري.
من أبناء القضاة الشهروزرين وبيت القضاء.
كان قاضيًا بالجزيرة العمريَّة ثلاث عشرة سنة، ثم استعفى من ذلك وتوجَّه إلى الموصل وسكنها إلى أن توفي بها يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة تسع
[ ٨ / ٣٤ ]
وعشرين وستمائة، ودفن من الغد بمقبرة المعافى بن عمران الزاهد﵄- وصلّى عليه الخلق الكثير. وكانت جنازته مشهودةً، وأصابه/ ٢٢ أ/ دوسنطاريّا، فبقي بها خمسة أيام.
وأخبرني أنَّه ولد يوم الجمعة بين صلاتي الظهر والعصر ثامن شوال سنة اثنتين وستين وخمسمائة بالموصل.
وكان رجلًا متدينًا متواضعًا كثير الصلاة والذكر لله تعالى، يكره التكبر، ويلبس الملابس الخشنة؛ وكان ينظم الأشعار.
وقد ذكره الإمام أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الفقيه الشافعي الموصلي في تاريخه، وقال: قاضي الجزيرة، ولد بالموصل ونشأ بها وتوجَّه منها إلى عمِّه أبي الفتح المبارك بن يحيى إلى الجزيرة العمريَّة. وكان يومئذٍ قاضيها فأقام عنده وتفقه بها على الرضي إبراهيم بن محمد بن مهران، ثم على محمد بنوزي المدرس بها، وتميز في معرفة المذهب، وتولّى قضاءها في أيام عمِّه أبي الفتح وبعده؛ وبقي على ذلك مدّة، ثم ورد الموصل وأقام بها إلى حين موته. وكان على طريقةٍ حميدة من الديانة والتُّقى والاحتياط في الطهارة والمحافظة على الصلوات الخمس.
وكان فيه فضل /٢٢ ب/ وتميُّز، سهل النظم والنثر، وروى الحديث بالإجازة عن أبي طاهر السلفي، وحجَّ إلى بيت الله الحرام، وتوجَّه بعد قضاء الحجّ إلى زيارة البيت المقدّس.
وكانت تلحقه وسوسةٌ حين يتوجَّه إلى الصلاة ويدخل فيها؛ هذا آخر كلامه.
أخبرني من أثق بقوله، قال: حدثني قاضي الجزيرة أبو طاهر يحيى بن الفضل، قال: شرعت يومًا لأصلي صلاة العصر، فأذّنت المغرب ولم أعقد النيَّة وذلك لما كان يصيبه من الوسواس. وكان ربما ركع الخطيب وهو قائم لم يتم عقد النيَّة. رأيته مرارًا يفعل ذلك يوم الجمعة- رحمه الله تعالى-.
ومما أنشدني لنفسه واملاه عليَّ من لفظه بالموصل في سنة اثنتين وعشرين وستمائة:
[من الكامل]
أمَّا اصطبارك والسُّلوُّ حرام والدَّمع ما منه إليك ذمام
[ ٨ / ٣٥ ]
من بعد ما رحل الَّذين تحبُّهم قومٌ عليك وإن مضوا فكرام
كانوا لعينك قرَّةً فترحَّلوا بالرُّغم لمَّا جارت الأيَّام
/٢٣ أ/ وكأنَّهم كانوا خيالًا وانقضى سمحت بهم في نومك الأحلام
سلبوا فؤادك والرُّقاد مخافةً أن يجلب الطَّيف النُّفور منام
وتوهَّموا السُّلوان منه بطيفهم كذبت عليك بزعمها الأوهام
كيف السُّلوُّ عن الحشاشة والحشا فيه امن البين المشتِّ كلام
ومحبَّةٌ ثبتت بقلبٍ في الصِّبا تبقى وإن بليت بها الأجسام
ووجدت له أيضًا قوله: [من الكامل]
يا راحلين بمهجتي وبخاطري ومحلُّتهم في ناظر من ناظري
ومن العجائب أنَّ بحرًا زاخرًا عذبًا يحلُّ على أجاجٍ زاخر
وقال أيضًا: [من الكامل]
يا راحلين وما رأوا توديعي هلَّا تركتم كالوداع هجوعي
وتركتم كالنَّار قلبًا في الحشا يبقى ويبقى القلب بين ضلوعي
وقوله: [من الكامل]
ورد الكتاب فظلت أنظر خطَّه فوجدته غير الَّذي أنا آمله
فعجبت من منع الكريم وما الَّذي منع الكريم بأن تجود أنامله
[٩٢٩]
يحيى بن محمَّد بن محمَّد بن محمَّد بن عليِّ بن زيد بن محمَّد بن أحمد بن عبيد الله بن عليِّ- ويلقَّب باغر- بن عبيد الله بن عبد الله بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالبِ النقيب، أبو جعفرٍ بن أبي طالبٍ الحسنيُّ.
[ ٨ / ٣٦ ]
من أهل البصرة المعروف بابن أبي زيدٍ.
كان من الشرفاء الفضلاء الأعيان النبلاء، ولي نقابة الطالبين بالبصرة بعد أبيه مدَّة. وكان ذا معرفةٍ بالأدب والأنساب وأيام العرب وأشعارها. وكان شاعرًا مليح الشعر، رائق الكلام، حسن المقاصد. وكان على خاطره أكثر كتابة الأغاني ويذاكر به في محاضراته؛ لأنَّه كان كثير الاعتناء به.
ورد مدينة السلام وامتدح بها الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين أبا العباس أحمد بن الحسن- رضوان الله عليه- وتوفي بها في ليلة الخميس ثالث عشر رمضان سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن يوم الخميس بجانبها الغربي بمقابر الإمام/ ٢٤ أ/ موسى بن جعفر- عليه أفضل السلام-. وكانت ولادته بالبصرة في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
أنشدني أبو الحسن علي بن محمد بن صدقة الخفاجي البغدادي بها، قال: أنشدني نقيب البصرة أبو جعفر لنفسه يمدح الناصر لدين الله أبا العباس- رضوان الله عليه-: [من الوافر]
يلوم على محبَّتك العذول وليس للومه عندي قبول
فطوِّل في ملامك أو فقصِّر فإنِّي لست أسمع ما تقول
هوى عاشرته عشرين حولًا تصرُّمه للومك مستحيل
وكيف يطيق صبرًا عنك صبٌ يهيج غرامه ليلٌ طويل
وعينٌ في محاجرها دموعٌ وقلبٌ في جوانحه غليل
إذا جحد الحبيب هوى محبٍّ فإنَّ شهود لوعته عدول
أمارات الهوى وضحت عليه جواه والتَّوُّله والنُّحول
فيا من شيمتي ولهٌ عليه وشيمته التَّجنُّب والذُّهول
سأسلوا والمحبُّ له سلوٌّ إذا ما أفرط الحبُّ الملول
[ ٨ / ٣٧ ]
/٢٤ ب/ وأعتقد الولاء لها شميٍّ وفيٍّ لا يملُّ ولا يميل
من القوم الَّذين لهم عهودٌ كرامٌ لا تخون ولا تحول
خيار النَّاس آخرهم إمامٌ يشرِّفهم وأوَّلهم رسول
تسمَّى باسمه وحكاه هديًا وضمَّهما العمارة والقبيل
فما في المرسلين له شبيهٌ ولا في الرَّاشدين له عديل
ومنها يقول:
أمير المؤمنين دعاء عبد هواه ظلُّ دولتك الظَّليل
أقام به وغصن العمر نضرٌ وقد أودى وأنحله الذُّبول
وإنِّي مثل ما خبِّرت شيخٌ ضعيف البطش ممراضٌ عليل
فصيِّر حسن رأيك لي وداعًا أسرُّ به فقد أزف الرَّحيل
ومن أولى طوال العُّمر أولى بأن يولي وقد بقي القليل
فكم لك من يد تجزيك عنها غدًا في الحشر فاطمة البتول
تثيبك بنت عمِّك من أبيها فأنت لولدها برٌ وصول
وجاد الرَّوضة الزَّهراء جودٌ سقته وقد تحَّمَّل سلسبيل
/٢٥ أ/ ففيها من بني المنصور خرقٌ أغرُّ كأنَّه سيفٌ صقيل
وقال أيضًا يمدحه: [من الطويل]
ليهنك سمعٌ لا يلائمه العذل وقلبٌ قريحٌ لا يملُّ ولا يسلو
كأنَّ عليَّ الحبَّ أمسى فريضةً فليس لقلبي غيره أبدًا شغل
وإنِّي لأهوى الهجر ما كان أصله دلالًا فلولا الهجر ما عذب الوصل
وأمَّا إذا كان الصدود ملالةً فأيسر ما همَّ الحبيب به القتل
بنفسي إذا سال العقيق شعابه إذا ابتسم النُّوَّار وأكتهل البقل
ويا حبَّذا خضراء روح بن حاتم وما طمَّ واديها وأجرعها السَّهل
فسلَّت على جوِّ العقيق عقائقٌ من البرق لا نزر العهاد ولا حفل
وراح على خضراء روح بن حاتم كجواد أبي العبَّاس أيسره الوبل
إمام هدّى من هاشمٍ في أرومةً زكا الفرع لمَّا طاب من تحته الأصل
كفيلٌ بأرزاق العباد نيابةً عن الله كلٌّ من يديه له كفل
[ ٨ / ٣٨ ]
وقال أيضًا يمدحه: [من مجزوء الكامل]
ليلٌ بذي سلم أمير والصُّبح في يده أسير
/٢٥ ب/ عبَّا كواكبه جيوشًا لا تحول ولا تسير
يا أخوتي من هاشمٍ هل لي على ليلي نصير
نمتم وبين جوانحي داءٌ ينمُّ به الزَّفير
مالي وما لبنات نعشٍ لا أنام ولا تغور
أشكو الجوى وكأنَّها في جوِّها درٌّ نثير
والنَّسر مقصوص القوادم لا يدُّب ولا يطير
لم أدر طال اللَّيل أم جفني بذي سلم قصير
وغريرةٍ كالظَّبي يحسدـ - طرفها الظَّبي الغرير
نشطت عقال صبابتي بلواحظٍ فيها فتور
سمراء تنعم لي بزورتها إذا رقد السَّمير
حتَّى إذا خفق السِّماك وغارت الشِّعرى العبور
وهوت مع الفجر الكواكب مثل ما تهوي الصُّقور
وعلا السُّبات على الكلاب فلا نباح ولا هرير
جاءت كما اهتزَّ القضيب الغضُّ واضطرب العبير
/٢٦ أ/ بعدًا لأيَّام الشَّباب فإنَّ أكثرها غرور
مالي وما للَّهو والإقتار يمنع والقتير
من شاء يسأل عن قريش إنَّني بهم خبير
لهم النُّبوة والخلافة والمنابر والسَّرير
ولهم أبو العبَّاس أحمدـ - ناصر الدِّين الغيور
ملكٌ يغار على أقاصي المسلمين ولا يغير
ويجير من حدث الزَّما ن بني الزَّمان ولا يجور
بنداه تبتسم الثُّغور وباسمه تحمى الثُّغور
تدعو أعاديه الثُّبور وحمله الرَّاسي ثبير
وقال مبدأ قصيدة: [من البسيط]
[ ٨ / ٣٩ ]
هذا العقيق وهذا الجزع والبان فاحبس فلي فيه أوطارٌ وأوطان
آليت والحرُ لا يلوي أليَّته أن لا تلذَّ بطيب النَّوم أجفان
حتَّى تعود لياليَّ الَّتي سلفت بالأجر عين وجيراني كما كانوا
واهًا لعيش مضى والدَّار جامعةٌ والدَّهر يسعف والجيران جيران
/٢٦ ب/ أيَّام أغصان وصلي غير ذاوية وروضها خضلٌ والعمر ريعان
يا حبَّذا شجر الجرعاء من شجر وحبَّذا روضه المخضلُّ والبان
إذا النَّسيم سرى مالت ذوائبه كأنَّما الغصن الممطور سكران
فللنسيم على الأغصان هينمةٌ وللحمام في الأفق الغربيِّ حيران
وبارق لاح والظلماء داجية والنجم في الأفق العربي حيران
هفا فذكرني هيفاء ضاحكةً فلم أنم وعراهمٌّ وأحزان
يا هذه برِّدي بالوصل نار جوى في القلب فالقلب صادمنك حرَّان
كتمت حبَّك والأجفان تظهره وليس للحبِّ عند العين كتمان
غادرت بالغدر في الأحشاء نار جوى ومذ هجرت ففيض الدَّمع غدران
[٩٣٠]
يحيى بن محمَّد بن عليِّ بن مجاهد بن مجاهد بن عبد الرحمن بن سعيد بن خلف بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سماعة بن سلمة بن مازن بن مالكٍ، أبو زكريا الخزرجي.
من أهل تلمسان من بلاد الغرب.
نزل حلب وسكنها، وأدب سلطانها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد/ ٢٧ أ/ بن غازي- خلَّد الله ملكه-.
شاهدته بحلب المحروسة بمجلس الصاحب الوزير مؤيد الدين أبي نصر
[ ٨ / ٤٠ ]
إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيباني- أدام الله إقباله- في ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وستمائة؛ وسألته عن ولادته، فقال: لا أتحققها غير أنَّ لي الآن ثمانيًا وثلاثين سنةً. وهو من أهل الأدب والفضل، ويحفظ القرآن الكريم، ويقول الشعر الحسن.
أنشدني لنفسه يمدح الصاحب مؤيد الدين أبا نصر الشيباني- أسعده الله تعالى-: [من الطويل]
سرورك ما هبَّ النَّسيم يدوم وعزُّك ممدود الرُّواق عميم
وسعدك ضاف والمؤمِّل طوعه وعيشك صاف والزَّمان خديم
ثنت نحوك الشُّهب الجواري سعودها وجدُّك فيها بالثَّبات زعيم
ومن كانت العلياء بعض خلاله تشير إليه بالسُّعود نجوم
لك الخير ما ذرَّت شوارق أو سرى نسيم صبًا قد عنبرته غيوم
يمرُّ على زهر الرِّياض مغلِّسًا تصُّح به الأنفاس وهو سقيم
/٢٧ ب/ وما طربي من ساجعٍ فوق أيكة يذَّكرني عهد الصِّبا فأهيم
ويعتادني عيد الأماني الَّتي هلت وشمل لذاذاتي بهنَّ نظيم
بأطرب منِّي والمؤيَّد كافلٌ ذوي الفضل يحيي ذكرهم ويقيم
فتى وشَّح العلياء فاحتلَّ رتبةً حواها له أغرُّ وسيم
علا فعلا ناديه أبهج ميسم وساد فشاد المجد وهو فطيم
إذا خطَّ في طرسٍ أقرَّت لزهره وزهر معانيه الحسان فهوم
وينظم في سلك الكلام فرائدًا لها في قلوب الحاسدين كلوم
إليه تناهى الفضل لم يزل له وعليه للثناء رسوم
عليك له مغنّى يكسِّبك الغنى فقلَّ امرؤٌ بالمكر مات يقوم
يسرُّ بنجح الحاج من كلِّ قاصد ويرتاح للعافين حيث يقيم
له خلقٌ راقت أرقُّ شمائلًا من الماء إذ ما صفَّقته نسيم
تداوى به مرضى الهموم لأنَّه إذا جالسته الرُّوح وهي حسوم
أمولاي خلنا في معاليك غبطةً بأنَّ معاليك الغبيّ ذميم
تهنَّ بها قدًّا وطل واسم سيِّدًا فما لك بين الخافقين قسيم
/٢٨ أ/ ودم ما بدا نجمٌ وأينع مثمرٌ وما ضاع من وادي الأراك شميم
[ ٨ / ٤١ ]
وأنشد لنفسه في الغزل: [من الكامل]
ومنزَّه الأوصاف عن نظرائه سلب العقول بحسنه وبهائه
طاوي الحشا ألمي كأنَّ جفونه في الذَّبِّ عنه صرن من رقبائه
ما رمت منه نظرة إلاَّ انثنى منها الفؤاد مضرجًا بدمائه
بين القلوب وبينها حرب متى يرنو وما إن هنَّ من أعدائه
لن تفعل البيض الرِّقاق ولا القنا كفعاله بفؤاد صٍّ تائه
يرنو فيكلم ثمَّ يسير كلمه برنوِّه فدواؤه من دائه
وأنشدني أيضًا قوله في غلام شهر سيفًا: [من الكامل]
ومهفهف ساجي الجفون أحمَّها دانت للحظته الظُّبا والذبل
شهر الحسام لكي يرى ما طرفه بأخي الصَّبابة يفعل
أنشدته لمَّا رأيت فعاله: (لفتور طرفك من حسامك أقتل)
وأنشدني لنفسه في غلام كاتب: [من الطويل]
/٢٨ ب/ أنامله خطَّت بسحر كأنَّما لواحظه تملي عليه فيرسم
فمن يده سطر على الطِّرس معرب ومن لحظه سطر بقلبي معجم
وأنشدني له في الشمعة: [من الطويل]
وباكيه لم تعرف الحزن والآسي ولا شدَّة الأهوال كيف مراسها
تكاد بأن تقضي لفيض دموعها وتحيا إذا في الحين يقطع رأسها
وأنشدني لنفسي في البنفسج: [من الكامل]
كلُّ الأزاهر إن حسن نضارة فهوى فؤادي دونهن بنفسج
أهواه دون جميعهنَّ لأنَّه يحكي خدودًا بالعضاض تضرَّج
[٩٣١]
يحيى بن محمَّد بن عبد الكريم بن سعيد بن أبي حصين بن عمرو، أبو القاسم التنوخيُّ.
من أهل معرة النعمان
[ ٨ / ٤٢ ]
رأيت من شعره يرثي أبا المعالي محمد بن عبد الواحد بن المهذَّب التنوخي، وكانت وفاته يوم السبت الثامن عشر من ربيع الآخر سنة خمس عشرة وستمائة:
[من الوافر]
لقد حطَّت عن الرُّتب العوالي وقد هدَّت شماريخ الجبال
/٢٩ أ/ وقد درست رباع المجد حتَّى عفت وغدت معالمها بوالي
وعادت بهجة الأيَّام جمعًا مسوَّدة الأسافل والأعالي
وأصبح خاليًا من كان مليًا وعاد معطًّلا ما كان حالي
وفاضت دمعة مقل العذارى وشبَّت لوعة مهج الرِّجال
فنو حوا يا بني الآمال وابكوا على الشَّيخ الجليل أبي المعالي
على شيخ المعرَّة والبرايا على زين الماثر والجلال
على أحلى الورى مرأى وأشهى إلى الظَّامي من الماء الزلال
فتى رام النهى مذ كان طفلاِّ ونال من العلا أوفى منال
فتى كبت المعاند والمعادي وساءهما بما سرَّ الموالي
أعدَّ لمن يعاديه وبالًا وعوَّد كفَّه بذل النَّوال
وساد النَّاس معروفًا وبرًّا وال إلى الفخار بغير ال
ومما ينسب إليه من أيضًا: [من الطويلٍ]
فؤادي عليكم لا على غيركم يحنو وطرفي إليكم لا إلى غيركم يرنو
وفي أضلعي نار يشبُّ وقودها سحاب له من أدمعي أبدًا هتن
/٢٩ ب/ وأرق أجفاني بكم قلق الحشا وليس يقرُّ القلب مذ أرق الجفن
فجفني جفاه النوم فيكم ومهجي لفرط نواكم للهوى أبدًا سفن
فيا ويح جسمي إذ تكلَّفه الظَّنى عليكم حوي قلبًا تكنَّفه الحزن
أحباي دار بنتم عن ربوعها جحيم ودار أنتم أهلها عدن
سقاها من الأنواء هاطل مزنها وجاد عليها الغيث إذ بخل المزن
إلى الله أشكو من أناس صحبتهم زمانًا فما أحنوا علييَّ ولا حنُّوا
ألفتهم والعيش غضٌّ وغضنه رطيب وفيهم قد ذوى ذلك الغصن
فمالوا إلى غيري وملُّوا تواصلي ومانوا مواعيدي وبالعود ما منُّوا
[ ٨ / ٤٣ ]
وعادوا إلى العدوى عليَّ وبالنوى أعانوا على البلوى عليَّ وما عنُّوا
وحبل الوفا جذُّوا وحالوا عن الهوى وطرق النُّوى سنوا وخيل الجفا شنُّوا
فإن رمت أسلوهم فباعي وحالي به نقص وعزمي به وهن
ولكنَّني إن بنت عنهم بقالبي فقلبي لهم وقف وعندهم رهن
ألا قاتل الله اللَّيالي لقد قضت عليَّ بأسباب وأيسرها الغبن
وقد ملكتنى دولة الدَّهر للنوى كأنِّي لها قنُّ
/٣٠ أ/ وقاتلتي بالبعد حتَّى كأنَّما عليَّ له ثأر وعندي له ضغن
أبا الفضل والرَّحمان إنِّي مغرم بكم ولرحى الشَّوق في كبدي طحن
علمتم بأنَّ الوجد عندي مخيِّم وللصبِّ عن قلبي لظعنكم ظعن
أما والَّذي يرمي الرِّكاب إلى مني ليطوي بها سهل المهامه والحزن
لقد ساءت الدُّنيا عليَّ لفقدكم وضاقت فكلُّ الأرض مع وسعها سجن
وعامرها بال وشامخها لقى ومؤنسها وحش ونيِّرها دجن
لك الله من ندب تفرد بالعلا فطاول ذا فنٍّ وما فاته فن
إذا نشرت بين الأنام صفاته فمن من العلا عمرو ومن في النَّدى معن
وإن حصروا أهل البلاغة والنُّهي جميعهم يومًا لديك فهم لكن
له في ازدحام الوفد نائل حاتم وليس له مطل وليس له منُّ
وفي معرك الأبطال إقدام عنتر وليس به نكل وليس به جبن
فإن جاد للعافين غير مماثل وإن جال في العادين ليس له قرن
فيوم الوغى في فيه تعتقر العدا ويوم النَّدى في حبِّه تعقر البدن
فقم واقعد الأعداء وأرق إلى العلا فأنت لها خل وأنت لها خدن
/٣٠ ب/ وأنت لها واف وكاف وكافل وأنت لها ركن وأنت لها حصن
فدم أبدا التعري من البؤس والأذى وتعزى إلى عليائك العزُّ والأمن
وتعزى بكسب الحمد والمجد والثنا وتعزى بك الأعداء والإنس والجنُّ
وتبقي على مرِّ الزَّمان مخلَّدًا وتنفى بك الأضغان والإفك والإفن
[ ٨ / ٤٤ ]
[٩٣٢]
يحيى بن محمَّد بن مختار، أبو الحسين المصريُّ
هو أخو جعفر الذي سبق ذكره، ويعرف بابن شمس الخلافة.
كان شاعرًا متأدبًا له عدة قصائد مدح بها الملك العادل سيف الدين أبا بكر محمد بن أيوب بن شاذي- رحمه الله تعالى.
ومن شعره يقول: [من الطويل]
تقول وقد ودَّعتها ودموعها تسحُّ ونيران الحشا تتضرَّم
خليلي إذا شطَّت بك الدَّار لا تدع تحيَّتنا إنَّا لها نتنسَّم
فقلت إذا سلَّمت والبعد بيننا على غير ميقات لكم كيف نعلم
فقالت إذا الشَّمس المنيرة أشرقت فسلِّم فإنَّا حين تبدو نسلِّم
وقال يمدح: [من البسيط]
/٣١ أ/ يا ليلة ظلَّ فيها النَّجم منتصبًا وسط السَّماء وضلَّ النَّوم في بصري
نام الخليُّون والخلاَّن ليلهم وبثُّ مغرى برعي الأنجم الزُّهر
كأنَّ لي موعدَا في الصُّبح أرقبه بالوصل فالعين من نومي على حذر
ما أطول الليل في عين مسهَّدة وأبعد الصُّبح من إنسان منتظر
أخاف إن سمته وصلًا معاجلةً تصدُّ عنِّي وتقصيني عن النَّظر
فأمسك النَّفس صبرًا كي تلين علي التَّدريج والصَّبر مشتق من الصَّبر
قل للنوائب إنِّي قد رميت له عنان رقِّي فلا تبقي ولا تذري
وحلِّقي وأسفِّي واهجري وصلي أو خالفي أو أطيعي واعدلي وجري
ومنها في المديح:
يا من نداه حياة العالمين كما ندى السَّحاب حياة الرُّوض والزَّهر
أسلم لنا وابق عمر الدَّهر في رغد فأنت منه مكان السَّمع والبصر
[ ٨ / ٤٥ ]
[٩٣٣]
يحيى بن محمَّد بن عمر بن محمَّد بن عليَّ، أبو الفخر بن أبي الفضل الكاتب، الجزريُّ المولد الموصليُّ المنشأ والدار.
ذكر لي أنَّه ولد بالجزيرة العمريَّة سنة إحدى وخمسين/ ٣١ ب/ وخمسمائة. وانتقل إلى الموصل- وهو صغير السنّ- واتخذها دار إقامة. وكان يتولّى بقلعتها كتابة الرقاع والروزات إلى القرى والنواحي، وذلك في أيام نور الدين أتابك رسلان شاه بن مسعود بن مودود صاحبها.
شاهدته بالموصل شيخًا كبيرًا في جمادي الآخرة سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، شيعي المذهب، له ديوان شعر استفرغ أكثره في مديح أهل البيت- صلوات الله عليهم وسلامه، لقَّبه بـ "الكواكب المنيرة في المناقب الخطيرة"، وأنشأ تسعًا وعشرين خطبةً على توالي حروف المعجم.
ومما أنشدي لنفسه وأملاه على يمدح الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- صلوات الله عليه وسلامه: -[من الكامل]
قل للرقيب وفي الحبيب بوعده حتَّى يموت بدائه وبوجده
ملَّ الملال ولمَّ شمل محبِّه ونفي الجفا ورفا ممزَّق ودِّه
لولا بنفسج عارضيه ونرجس في مقلتيه ووردة في خدِّه
وعذوبة في خندريس رضابه المروي لراشفه ولذَّة شهده
ولباقة في مشيه ولطافة في نطقه وتعدل في قدِّه
/٣٢ أ/ ما كنت محسودًا عليه فليمت كمدا حسودي قد حظيت برفده
ومنها قوله:
فاصبر على مضض الحسود وكيده فبصبرك المنجي يموت بجهده
وإذا ابتليت بجار سوء فارتجل عنه وشيكًا وانتقل من عنده
وإذا نطقت زن الكلام محاذرًا مر الجواب وخائفًا من ردِّه
[ ٨ / ٤٦ ]
واحذر مصاحبة السًّفيه فإنًّه لا خير في هزل السَّفيه وجدِّه
وارحم لترحم واعف وأحسن واقتنع فالله يا هذا مجازي عبده
والسِّر صنع فكاتم الأسرار لا يخشى عتاب صديقه أو ضدِّه
واصنع جميلًا ما استطعت فصانع المعروف يبقى ذكره من بعده
وإذا نزلت بدار أحمق داره فلربما رقص اللَّبيب لفرده
واعرض عن الجهَّال واهرب منهم إنَّ الجهول يهرب خطاه كعمده
واصف الوداد ووال آل محمَّد فوليُّهم يجد النجاة برشده
قوم محبَّتهم وصدق ولائهم ينجيك من حرِّ الجحيم ووقده
وتقيك شرَّ الزَّمهرير إذا ثوى فيه العصاة غدَا وشدَّة برده
/٣٢ ب/ قوم إذا ذكروا يبين بذكرهم مبيضُّ وجه المرء من مسودِّه
أو ما ترى الدِّينار يظهر صرفه وعياره في حكِّمه أو نقده
هم أرغموا الشِّيطان لمَّا كسَّروا الأوثان في قرب المكان وبعده
هم أوضحوا سبل الهدى لمن اتَّقى ورجا النَّجا في سعيه أو قصده
يا لائمي في حبِّ حيدر جاهدًا بجلاله وبفضله وبمجده
أو ما علمت بأنَّ صنو المصطفى خير الورى وأجلُّهم من بعده
حسبي ولاء المرتضى فولاءه فخر الوليِّ وأنسه في لحده
أألام في حبِّي إمامًا لم يزل جبريل خادمه وخادم ولده
[آخاه أحمد وارتضاه لفاطم دون الورى من أهله أو جنده]
مولى فدى روح النبيِّ بنفسه وحمى حماه وغيره لم يفده
مولًى رقى كتف الرَّسول فنكَّس الأصنام إرغامًا لهم ولندًّه
مولًى أباد المشركين ولم يزل في طاعة الرَّحمان بازل جهده
مولًى له الآيات في عزماته ما تختفي في حلِّه أو عقده
مولًى يبين ببغضه وولائه للمؤمنين شقا امرئ من سعده
فوليُّ حيدر قد هداه إلهه وعدوُّه ربُّ العلا لم يهده
[ ٨ / ٤٧ ]
/٣٣ أ/ من ذا يضاهيه وليس كمثله في علمه أو حكمه أو زهده
من طلَّق الدُّنيا ثلاثًا غيره حتَّى غدت مرفوضةً من عنده
صام الهجير ولم يزل بصلاته يفني لياليه الطِّوال وورده
عبد الإله موافقًا لمحمَّدٍ والغير في العمياء ساحب برده
لم يتَّخذ صنمًا إلهًا دهره حاشاه ليس الشِّرك عقدة شدِّه
صه أيُّها الشَّاني وسل عن حيدرٍ وفعاله في بدره أو أحدخ
كم بحر حرب خاض فيه ولم يخف من جزر بحر الحرب أو من مدِّه
ولكم أراق دمًا وفرَّق جحفلًا وأذاق صنديدًا مرارة فقده
آيأته مشهورةٌ كالسَّيف لا يخفى إذا جرَّدته من غمده
أو ما سمعت بقلع باب خيابرٍ إذ هزَّه هزًّا وسرعة هدِّه
كم للوليِّ المرتضى من معجزٍ ضربت به الأمثال عنه بجدِّه
يحيى النظام عبيده ما يأتلي رطب اللِّسان بمدحه وبحمده
يرجو بذاك شفاعةً منه غدًا تنجيه من برق العذاب ورعده
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
/٣٣ ب/ وما كلُّ ما تبغيه نفس مؤمَّلٍ ينال ولا ما تكره النَّفس يدفع
ليعلم أنَّ الأمر لله وحده وليس سواه من يضرُّ وينفع
وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
إكتساب الثَّناء خيرٌ من الما ل فحصِّل شكر الورى واكتسبه
وأمر النَّاس بالتُّقى واتَّبعه وانه عن منكر الهوى واجتنبه
وأنشدني لنفسه يمدح القاضي الإمام العالم الفاضل محيي الدين أبا حامد محمد بن محمد بن عبد الله بن الشهرزوري- رحمه الله تعالى- بالموصل:
[من السريع]
مولاي محيي الدِّين يا ذا الَّذي عمَّ الورى إفضاله الشَّامل
وعدت نفسي منك آمالها وعرفك المعروف لي كافل
فخذ ثنائي واغتنم دعوتي واسمح بتعجيل الَّذي آمل
[ ٨ / ٤٨ ]
فخير برِّ المرء تعجيله وعنك يروى الكرم الكامل
[٩٣٤]
يحيى بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّدٍ، أبو زكريا الكنَّري وقيل الكنَّاري.
- وكنَّر بكسر الكاف وتشديد النون آخرها راءٌ مهملة- قرية كبيرةٌ من قرى دجيل من أعمال بغداد.
أخبرني أنَّه ولد بها في ذي القعدة سنة اثنتين وستين وخمسمائة. وتوفي بنصيبين في شوال سنة إحدى وثلاثين وستمائة.
كان شاعرًا ضريرًا لسنًا، غزير الشعر متصرفًا فيه، ذا نفس قوي في نظمه، واقتدارٍ شديدٍ في إنشائه، وخاطر سريع في البيدهة والإرتجال، يحفظ جلَّ أشعاره، ويوردها عن قلبه، ولم يتوقف في إيرادها.
وكان رديء اللسان قبيحه، مشوَّه المنظر، أفطس الأنف، هجاءً كثير الوقيعة في أعراض الناس، يتعاطى الكفريات في شعره. وشهر بقلَّة الدين، وفساد الإعتقاد- سامحه الله تعالى-.
رحل إلى الملوك واسترفدهم بشعره ولم يزل يضرب في البلاد ويتجولها ويرتزق من أكابرها وصدورها. وكان أكثر مقامه بالموصل، يصنع الحصر /٣٤ ب/ بيده، وكتبت عنه من شعره بالموصل وإربل جملةً.
ومما أنشدني لنفسه من قصيدة أوّلها: [من الكامل]
حسب المحبِّ غرامه وسهاده تبكي عليه لما به حسَّاده
يمسب ويصبح بالخيال معلَّلًا فكأنَّ آفات الهوى أضداده
يخفي الهوى فإذا رأى أحبابه فقد التَّجلُّد واستطار فؤاده
كيف اصطبار فتًى له في خدِّه طرسٌ ومن دمع الجفون مداده
[ ٨ / ٤٩ ]
يبكي فيكتب دمعه ما قولكم فيمن يموت وما دناه مراده
يشجو الحمام إذا بكى حتَّى إذا أفنى الدُّموع بكت له عوَّاده
كلف الفؤاد بحبِّ من هجرانه أحزانه وأمانه أعياده
وفساده في الحبِّ عين صلاحه وصلاحه إن حاد عنه فساده
يا من رمى سهمًا فما أخطا الحمى لجَّ الظما قصد اللمى ورَّاده
صبي أبى سيفي نبا مهي كبا جسمي هبا يا من سبا ترداده
وأنشدني أيضًا لنفسه ممّا أملاه عليَّ من لفظه وحفظه: [من الوافر]
/٣٥ أ/ سمحنا بالقريض ولم نصافح بكفِّ قريضنا كفِّ انتصاف
ولكن حبُّنا للفضل يحدو خواطرنا على جمع القوافي
فلو علم القريض لمن يلاقي بحكمته لآذن بانصراف
ولو عرف النَّدى للشِّعر حقًّا عليه جاءه عريان حافي
ولو رمنا صفاء الشِّعر منَّا بقدر الجود لم نظفر بصافي
وأنشدني أيضًا قوله: [من المنسرح]
ليس على الشَّاعر البليغ سوى جهاده في صواب ما نظما
وما عليه بأن يحدَّ له أهلًا وهذا لا يلزم الحكما
قد يقطف الينع غير غارسه وقد يظلُّ الغراس محترما
ويضرب الدُّرُّ بالكساد وقد ينفق بعر الجمال مغتنما
والجود خبر الممدوح لا خبر الـ ـمادح والنَّاس فطنةٌ وعمى
هذا له درهمٌ وذاك له ألفٌ وهذا لا يعرف النِّعما
والأمر لله لا لنا وله الـ ـحكم علينا يجري بما حكما
وأنشدني لنفسه: [من المديد]
/٣٥ ب/ أطلقت بابًا لقصَّاد النَّدى فأتوا يبغونه فلقوا في الباب حجابا
فكابدوا فاصرف الحجَّاب وادع بهم ليعذب الجود أو لا فامنع البابا
وأنشدني له أيضًا: [من الطويل]
كفى الرَّجل المخدوم خيفة شرِّه بأنَّ له شرًّا يخاف ويجزع
[ ٨ / ٥٠ ]
فإن عاش قال النَّاس سهمٌ مفوَّقٌ وإن مات قال النَّاس شرٌّ مدفَّع
وإن زال عنه عزُّه في حياته سيعلم ما يجري له وسيسمع
وأنشدني لنفسه: [من مخلّع البسيط]
ما لي إذا قلت ألف خيرٍ للنَّاس في النَّاس أهملوه
وإن أتت غلطةٌ بشرً منِّي لهم قيل حاربوه
فليحذر المرء كلَّ خلٍّ له ولو أنَّه أبوه
وأنشدني في قوله: [من المتقارب]
تجنَّب بسرِّك أهل الصَّفا على كلُّ حالٍ وأهل الكدر
فإن أنت أخبرت بالسِّرِّ عنك أضعت الصَّواب وشاع الخبر
وأنشدني لنفسه في المعنى: [من المتقارب]
/٣٦ أ/ على السِّرِّ منك رقيبٌ عتيدٌ فباشر بسرِّك غير البشر
فما السِّرُّ إلَّا كنفع اللَّبيب فمن فارق النَّفع لاقى الضَّرر
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
كتبت إليكم بالحنين كتابا وعتابتكم فيما وجدت عتابا
جوابي لكم شوقي إليكم ولا أرى سوى الشَّوق والوجد القديم جوابا
أتوب إليكم من سلوِّي لحبكم ومن كظَّه الشَّوق المبرِّح تابا
ومن خاب من عند الأحبة حظُّه بكى حظَّه إذ زلَّ عنه وخابا
وحقِّ الهوى لا غاب عن خاطري لكم خيالٌ فهل منكم خيالي غابا
وهل قد غضبتم قاطعين رسولكم عن المرتجى منكم رسول غضابا
أجبنا رضاكم واستمعنا نداكم فكيف نسيتم من دعي فأجابا
وكيف رضيتم في الهوى بعقابه ولم يرج في حفظ العهود عقابا
وأنشدني وقد سمع قول بعض الشعراء: [من الخفيف]
نذر النَّاس يوم برئك صومًا غير أنِّي وحدي نذرت الفط
/٣٦ ب/ عالمًا أنَّ ذلك اليوم عيدي لا أرى صومه وإن كان نذرا
فأخذ المعنى وقال أنشدنيه: [من الطويل]
[ ٨ / ٥١ ]
على الخلق نذرٌ صوم يومٍ مبشِّرٍ ببرئك لكن ما عليه صيام
لأنَّ بذاك اليوم عيدًا متابعًا لعيدٍ وصوم العيد قيل حرام
وأنشدني لنفسه من قصيدة مطوَّلة الموقظة، أنشأها تنبيهًا فيمن يدّعي الفضائل والآداب ويتعاطى العلوم وهو صفرٌ منها وهي تزيد على مائتي بيت تتضمَّن آدابًا وفضلًا ومقاصد حسنةً: [من الرجز]
يا معشر الحكَّام بالعدل احكموا ولا تميلوا مع من يميِّلوا
كم بين من يعمل شعرًا خالصًا من تهمة وبين من لا يعمل
وأين من حرمة حبرٍ فاضلٍ في درجات الفضل لا يفضَّل
/٣٧ أ/ مالي أرى الشَّعر الجميل والَّذي ينشؤه في المدَّعين يجمل
لم أر إلَّا قائلًا مدَّعيًا ما ليس فيه قوله تقوُّل
ولم أجد إلَّا هذا منتحلٍ وهو يظنُّ غيره ينتحل
وربما قال: اسألوا وامتحنوا وهو بعيد الرُّشد عمَّا يسئل
لكنَّه يشغل من يجهله وعنده من كلِّ فضل شغل
يغمز أو يهمز أو يلمز أو يضحك في جلَّاسه أو يهزل
يعني بأن عنده فضائلًا والكلب منه في المعاني أفضل
كم مدَّع ما ليس فيه وله معنِّف في قوله معطِّل
ووجهه لا يلتوي وميله لا يستوي وطرفه لا يخجل
وهذه قبائحٌ لو أنَّها في أمَّةٍ ضاقت عليها السُّبل
وكتب إلى بعض الرؤساء يستنجز منه وعدًا وقد عزم على السفر: [من البسيط]
إعلم وأنت لعمري خير من علما يا ابن الأكارم أنَّ البرد قد هجما
وأنَّ يوم الخميس المستحبُّ به عزم المسافر والمملوك قد عزما
/٣٧ ب/ وقال في أهل حلب: [من الطويل]
بنو حلبٍ ظنُّوا اللِّباس رياسةً وليسوا وإن عدُّوا من الرُّؤساء
[ ٨ / ٥٢ ]
بغالٌ وغلمانٌ وكبر عمائمٍ وتوسيع أردان بغير سخاء
وقوله يمدح الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي، سلطان حلب- رحمه الله تعالى-: [من المجتث]
بشِّر جليس المكان عنَّا بنيل الأماني
وقل له قد تقضَّى ما كان من رمضان
فما قعود الفتى عن مسرَّة الإخوان
فادنوا الدِّنان لنحظى بالفوز عند الدِّنان
وخلِّ عذل فلانٍ فيها ولوم فلان
واملأ كؤوس مدامٍ تتلو الكؤوس قناتي
واجعل أوان التَّسلِّي لك انتصاب الأواني
/٣٨ أ/ فما أمرتك حتَّى سبقت أمر لساني
يا ناهيًا لو تناهى معقوله ما نهاني
إشرب ولو فرد كأسٍ على الوجوه الحسان
حتَّى ترى العذل فيها ضربًا من الهذيان
من كان أزهد منِّي أو شانه مثل شان
كان الجنيد وكان الـ ـحلَّاج من غلماني
حتَّى تناولت رطلًا على اتِّفاق المثاني
فما برحت إلى أن تركت زهدي مكاني
وصار سعيي إليها مستأنفا للأذان
دعني فطول اشتياقي إلى المدام دعاني
لو أن ماء قويق من قهوة ما كفاني
إيه ولا سيِّما من بنان رخص البنان
مقرطقٌ معنويُّ الـ ـصِّفات حلو المعاني
مهفهفٌ بابليُّ اللِّحاظ والأجفان
/٣٨ ب/ يزهو بأبيض عاجي تيهًا وأحمر قاني
وناظرٍ نرجسيٍّ ومبسمٍ أقحواني
[ ٨ / ٥٣ ]
رأيته واسطيًا فصرتٌ من حرَّان
سقاني الرَّاح حتَّى لم أعترف من سقاني
سكرًا به لا بخمرٍ لحانةٍ ولحاني
وكيف يسكر مثلي من سبعةٍ أو ثمان
ولجَّة البحر عندي ومثلها قد حان
يا ضامنًا لارتياحي في الرَّاح ضماني
فلو حلفت عليها كفَّرت عن أيماني
فما غواني إلَّا تهتُّكي في الغواني
ونصُّ علمي بين الـ ـعيدين بالعيدان
لا في الوجيز ولا في الـ ـبسيط ضاع زماني
سكَّن بكأس مدامٍ قلبي من الخفقان
ولا تهب طيلسانًا ما لي وللطيلسان
/٣٩ أ/ فلا مهابة إلَّا للظَّاهر السُّلطان
اللَّوذعيِّ الغياث الـ ـمستنقذ المستعان
المنعم البرِّ أهل الإ نعام والإمعان
مطابقًا في ضرابٍ ملاصقًا في طعان
محقِّقًا لشجاعٍ مخفِّفًا عن جبان
هو أبن يوسف غازي الـ ـغياث صدر جهان
ملكٌ دنا فتنائى من رعبه كلُّ داني
وخصَّنا بنوال وعمَّنا بامتنان
له أوائل في الخلـ ـق ما لهنَّ ثواني
كفٌّ كفيلٌ غوادي الأ حياء والأحيان
حيًا يحيِّي ويحيي غيري كما أحياني
عن أبن يوسف تروي فرائس الفرسان
وفي عواقب شانيـ ـه مرتع العقبان
وفي لبان مناويـ ـه منه رحب لبان
[ ٨ / ٥٤ ]
[مقرُّه اليمن قاضٍ ضربًا بكلِّ يماني]
[٩٣٥]
يحيى بن محمَّد بن الفضل بن يحيى بن عبد الله بن جعفر بن زيدبن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر بن محمَّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، الشريف، أبو جعفر بن أبي الفضل العلويُّ الحسينيُّ.
من أهل بغداد.
وهو ابن أخي الشريف أبي عليٍّ المظفر بن الفضل الذي مرَّ شعره متقدمًا.
وأبو جعفر هذا شاب أشقر؛ رأيته بكرخ بغداد، وله في قرض الشعر ذوق حسن، وطبع سهل.
أنشدني لنفسه بالكرخ في سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وقد اقترح عليه أن يوازن قول القائل: [من مجزوء الرجز]
يا ليل طل أو لا تطل لا بدَّ لي أن أسهرك
لو بات عندي قمري ما بتُّ أرعى قمرك
فصنع أبو جعفر أبياتًا من جملتها قوله: [من مجزوء الرجز]
يا مهجتي من غيَّرك ومن بقتلي أمرك
ومن على سفك دمي يوم الفراق أمَّرك
/٤٠ أ/ يا ناصبًا بلحظه للهائم الصَّبِّ شرك
أبصر بدرًا طالعًا في تمِّه من أبصرك
فمن رآك عاذري وعاذلي من لم يرك
[ ٨ / ٥٥ ]
[٩٣٦]
يحيى بن محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن يحيى بن عليِّ بن عبد العزيز بن الحسين بن محمَّد بن عبد الرحمن بن الوليد بن القاسم بن الوليد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان، القاضي أبو المفضّل بن القاضي، أبي المعالي الأمويُّ العثمانيُّ.
من أهل دمشق وأبناء قضاتها ومن بيتٍ كبيرٍ في القضاء على قديم الزمان وحديثه؛ لأنه يعدُّ ستَّةً من القضاة على نسقٍ واحدٍ.
شاهدت القاضي أبا المفضَّل بدمشق، وأخبرني أنَّه ولد بها ليلة الجمعة الخامس والعشرين من سنة ستٍّ وتسعين وخمسمائة، وذكر أنَّه سمع الحديث النبوي من أبي اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي، والقاضي أبي القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن الحرستاني الأنصاري وغيرهما.
وقرأ الفقه /٤٠ ب/ على مذهب الإمام الشافعي﵁- على أخيه أبي العباس طاهر بن محمد بن علي القرشي الأموي، وفخر الدين عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن عساكر الدمشقي.
واشتغل بالأدب على أبي الحسين يحيى بن معطي بن عبد النور الزواوي النحوي. وتولّى قضاء دمشق وله يد بيضاء في نوعي المنظوم والمنثور.
ومما أنشدني لنفسه وكتبه لي بخط يده بدمشق في سنة أربعين وستمائة في محرّمها، قوله: [من المديد]
حيِّ أيَّامي بذي سلمٍ واسأل اللَّذَّات عن خبره
أصلٌ مرَّت مفوَّفةً مثل برد العصب أو حبره
ونديم بتُّ أكرعه قهوةً توهي قوى مرره
فرجت داجي الظَّلام لنا فأضاء الليل من ستره
وتقضَّى مثل ما طرفت شفر موحي الغمز عن شفره
[ ٨ / ٥٦ ]
غير مذمومٍ ولا نكد (وهو من ليلي ومن سمره)
نتعاطاها مشعشعةً قد سمت في الدَّنِّ عن كدره
/٤١ أ/ حسب كفِّي أن تخبَّ بها لاقتراب الورد من صدره
ومغنٍّ غير مكترثٍ بمكان الحبسَّ من وتره
بات يلهينا وينشدنا (أيُّها المنتاب عن غفره)
وسط روضٍ في ذرى خمرٍ صدح القمريُّ في شجره
ثمَّ ولَّى ذاك أجمعه وكذاك الدَّهر في غيره
وقصارانا إلى حفر وهو شاو المرء من عمره
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مخلّع البسيط]
إنَّ جوادًا وإن سيفًا وإنَّ مهضومةً رداحا
حصنٌ ولهوٌ لذي مصاعٍ نال به الجدَّ والمزاحا
وكلُّ عيشٍ وإن تراخى وقال أهلوه لا براحا
يبيده الدَّهر بارتجاعٍ جرَّ على إثره الرِّياحا
فغاية اللَّهو أن تعاطى خلع عذاريك والمراحا
وغاية الجود بذل نفسٍ وفضل موجودك ارتياحًا
وغاية الرُّشد في اتِّقاء يشعرك الخير والصَّلاحا
/٤١ ب/ واللُّؤم أن يقدح المرجِّى منك زنادًا يري شحاحا
وأنشدني لنفسه: [من المتقارب]
أشدُّ البلاء بهذي البلاد غلاء الحمير لرخص الجياد
فكيف المقام بأرضٍ بها تقاد الأسود بأيدي النِّقاد
[ ٨ / ٥٧ ]
وأنشدني له أيضًا: [من الكامل]
ومخلَّل طابت مجاني غرسه تلقاك لذَّته بطعم حرام
بتنا على رغم الرَّقيب ونقلنا قبل الخدود على كؤوس مدام
وأنشدني قوله: [من السريع]
ما الأمر إلَّا نسقٌ واحدٌ ما تمَّ من حمدٍ ولا ذمِّ
وإنَّما العادة قد ميَّزت والطَّبع والشَّارع في الحكم
[٩٣٧]
يحيى بن المظفر بن الحسن بن بركة بن محرزٍ، أبو زكريّا البغداديُّ، الفقيه الحنفيُّ.
كان أحد شيوخ أصحاب أبي حنيفة﵁- درس بالمدرسة المعروفة بالتتشيَّة بدرب دينار مدَّةً؛ ثم /٤٢ أ/ بالمدرسة المعروفة بالموفَّقيَّة على دجلة وبغيرها.
وكان عنده فضل وله معرفة جيدة بمذهبه وبالخلاف والمناظرة، وقد سمع الحديث النبوي من أبي المعالي محمد بن اللجاس، وأبي الفضل أحمد بن شافع الجيلي، وابن التريكي وغيرهم.
وكان فصيحًا مفوَّهًا مقتدرًا على القول في المحافل ذا نظم ونثرٍ.
وكانت ولادته سنة ستٍّ وثلاثين وخمسمائة. وتوفي يوم الإثنين ثالث عشر ذي الحجَّة سنة خمسٍ وعشرين وستمائة، وصلّي عليه بجامع القصر. ودفن في داره بالمقتديَّة.
شاهدته غير مرَّة وجالسته واقتضيته شيئًا من شعره لأثبته عنه فلم يقدر لي ذلك.
[ ٨ / ٥٨ ]
أخبرني أبو طالب علي بن أنجب بن عبيد الله البغدادي فيما أجازه لي أن أرويه عنه، قال: أنشدني أبو زكريا يحيى بن المظفر بن محرز الفقيه الحنفيُّ لنفسه في داره بالمقتدية يمدح الناصر لدين [الله]- أحمد رضوان الله عليه-: [من الكامل]
/٤٢ ب/ يا عالمًا بمواجب الإيمان ومكلَّفًا شكرًا لدى الإحسان
ومطالبًا بجزاء أفعال العلا وعوائد الأحرار والفتيان
أدِّ الفيضة معلنًا بوجوبها وابسط لسان الحمد للسلطان
النَّاصر المنصور جلَّ مكانةً وركانةً كتبتهما الملكان
المالك الوهَّاب أحمد الَّذي أعطى السحاب سواكب التَّهتان
وممدِّ تيار الخضارم واهبًا لزلال ما يسري إلى الخلجان
ويفضُّ فائض عذبه وزلاله كرمًا لوارد شربه الملآن
ويدير قهوة كأسها وعقارها بحياة عالمها مدى الأحيان
قربٌ يكون جزاؤها وثوابها أضعاف ما يأتيه من جيران
فلنا الهناء بعدله وببذله وبفصله الوافي على ثهلان
ولنا الهناء بوجده ووجوده بمبرَّةٍ ومسرَّة وتهاني
وقيامه باللَّيل في ديجوره بدموع طرفٍ سحَّ بالهملان
يملي ويستملي خواطر رأيه ببلاغة تربي على لقمان
وإذا بدا قلم الفصاحة جاريًا ببديع لفظٍ رائقٍ ومعاني
/٤٣ أ/ كفَّت أكفُّ كفاة أكفاء الورى بشهادة علميَّة وبيأن
وقضى قضاة العلم في تفضيلها بفخارها حتَّى على سحبان
يخشى ولا يخشى بسالة باسلٍ حطم الحماة بمأقط الفرسان
لله درُّ كفاحه برماحه وصفاحه بمحاذف المرَّان
وقراعه بالمشرفيَّة واغلًا والحرب بالأهوال في الميدان
لم ينهدم ركنٌ لدين محمَّد أبدًا ومولانا الوزير الباني
فله الهناء بكلِّ عامٍ مقبلٍ وبه انصراف الجور والطغيان
[ ٨ / ٥٩ ]
وهذا شعر من حقِّه أن يطرح ولا يسطر؛ لكن من عادة الذي يعاني التاريخ وجمع الأشعار أن يكتب الغثَّ والسمين منها.
[٩٣٨]
يحيى بن المظفر بن شهاب بن موسى بن طلحة، أبو زكريا إبن الصابونيِّ.
من أهل واسط.
كان واعظًا متفقهًا، وسمع الحديث ولقي رجاله واشتغل /٤٣ ب/ بالعلم، ودخل العراق وسافر إلى الحجاز والشام وديار مصر. ثم عاد إلى واسط فمات بها اثنتين وثلاثين وستمائة وله نظم قريب.
أنشدني لنفسه بإربل في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة: [من الكامل]
يا من على ضعفي يجور تعمُّدا ويرى الضَّلال بقتلتي محض الهدى
ومن الملاحة كلُّها في أسره قد حازها دون الورى متفرِّدا
بجمال وجهك إنَّه لو يهتدى بضيائه في التَّيه موسى لاهتدى
وبطرفك الغنج الَّذي لولاه ما أمسيت مسلوب الرُّقاد مسهَّدا
لا تصغينَّ إلى الوشاة فما لهم شغلٌ سوى تفريقنا وهم العدا
[٩٣٩]
يحيى بن المبارك بن محمَّد بن يحيى بن عليِّ بن مسلَّم بن موسى بن عمران بن الزبيديِّ، أبو زكريا بن أبي بكرٍ البغداديُّ.
[ ٨ / ٦٠ ]
كان من بيت الحديث والفضل.
وكان أبو زكريا هذا فاضلًا يقول شعرًا مطبوعًا حسن الألفاظ.
أنشدني الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار /٤٤ أ/ البغدادي بها- رحمه الله تعالى- في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني يحيى بن المبارك بن الزبيدي لنفسه: [من الكامل]
قايست لؤلؤ ثغره بمدامعي فتشاكلا فأغرته من منعم
فعرفت ذاك فكدت أمنع عبرتي فأبت فعدت صبغتها من عندم
وطلبت برد لماه استشفي به فإذاقني من صدِّه كالعلقم
وقال أيضًا: [من الطويل]
وعاتبت دهري مستكينًا جنابه عسى أن يعود العود بالوصل أنضرا
فعاصى عليَّ الدَّهر حتَّى كأنَّه عليَّ بأوتا العداوة أصدرا
وربَّ كريمٍ ناله الدَّهر بالأذى وربُّ لئيم حظُّه قد توفَّرا
فعدِّ على العتبى وغضَّ على القذى فما زال هذا الدَّهر بالحرِّ أغدرا
[٩٤٠]
يحيى بن معطي بن عبد النور بن عليِّ بن نصر بن يلول بن تاشفين بن عليِّ بن بزيع بن حنيفة، أبو الحسين النحويُّ، الأديب الشاعر الزواويُّ.
[ ٨ / ٦١ ]
وزواوة قبيلٌ /٤٤ ب/ وكان من أهل بجاية.
وكانت ولادته في جبل يعرف بجرجرا. قرأ علم النحو والعربية بالمغرب على جماعةٍ منهم ابن الحداد وغيره.
ثم رحل إلى الديار المصرية، واشتغل على أبي محمد عبد الله بن بري، وسمع الحديث على عبد الحق صاحب كتاب "الأحكام".
ثم عاد إلى المغرب وجدّ في طلب العلم بعد أن حفظ القرآن الكريم، وله نحو ثلاث عشرة سنة على الشيخ أبي موسى بن عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت الجزولي النحوي بالجزائر.
ثم رجع ودخل ديار مصر في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة قصدًا للقاء أبي محمد بن بري فوجده لا ينتفع به لأنَّه عجز عن الإقراء، وأقام بالإسكندرية يشتغل بالفقه مدَّة عامين.
ثم رحل إلى الشام فكان اشتغاله على أبي اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي، يسمع عليه كتب الأدب والقراءات.
ثم إنَّه آثر العزلة عن الناس والإنفراد بنفسه فوضع كتبًا منها "شرح الجمل" على سبيل الإملاء.
/٤٥ أ/ وكان من أقدر الناس على المنظوم وصنعة الرجز؛ فإنَّه نظم قصيدةً في القراءات السبع، وكتابًا مضمونه "المثلث" نظمًا وهو على صورة الرجز مزدوج. وأخذ نفسه بنظم كتاب "الصحاح" لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهي، فنظم أكثره،
[ ٨ / ٦٢ ]
ونظم الفاظ "الجمهرة" من جنس خطبة كتاب "الفصيح" لأبي العلاء المعري؛ وله مقدمة تعرف بـ "الفصول" منثورة، ومقدمة تعرف بـ "الدُّرَّة الألفية" منظومة كملحة أبي محمد الحريري؛ وله مقدمة تعرف بـ "القبس في علم العروض" منظومة. وبدأ في منظومة جامعة سمّاها "الغاية في النحو"؛ وله كتاب في جمع أبيات سيبويه باختصارٍ منظوم، يجعل بإزاء كل بيت له يضمنه ما استشهد به فيه؛ وله في العروض نحو ذلك، وله قصائد مطولات وغير ذلك.
ثم فارق دمشق وسافر إلى الديار المصريَّة، واتصل بالسلطان الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالي محمد بن أبي بكر /٤٥ ب/ بن أيوب، فأقبل عليه وقرَّبه وحظي عنده؛ ثم لم تطل به الأيام حتى عاجلته منيته وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة.
وحدثني الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الفقيه الحنفي، قال: اجتمعت بأبي الحسين يحيى بن معطي بن عبد النور النحوي، فأنشدني من شعره وشعر غيره. وكان شيخًا حسنًا عدلًا من عدول دمشق يرجع إلى دين وورع، وأنشدني، قال: أنشدني أبو الحسين لنفسه: [من الطويل]
ولمَّا رأيت القلب منك مقسَّمًا تخيَّرت لي قلبًا يطيق جفاكا
أيحسن بي أن أمنح الودَّ من له هنا شبحٌ والقلب منه هناكا
مراعاتك الخلَّ القديم مروءةٌ فدعني لخلٍ اصطفيه سواكا
ومن وجد الدُّرَّ النَّفيس فباعه ببخسٍ فلا يربح لصفقة ذاكا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه لغزًا في الكعبة- حمى الله تعالى حوزتها وحرسها-: [من الطويل]
/٤٦ أ/ ولمَّا تبدَّى لي من السِّجف حاجبٌ ومقلة ليلى من وراء نقابها
بعثت رسول الدَّمع بيني وبينها لتأذن في قربي وتقبيل بابها
فما أذنت إلَّا بإيماض طرفها ولا سمحت إلَّا بلثم ترابها
[ ٨ / ٦٣ ]
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه وقد أشرف على مدينة الرسول ﷺ: [من الطويل]
نزلنا عن الأكوار نمشي مهابةً ولو كان إنصافًا فرشنا خدودنا
وماذا عليكم أن نريق دموعنا ونجري في تلك العيون عيوننا
وأنشدني أبو سعد قيس بن عمر بن عمرو العربيلي الدمشقي، قال: أنشدني أبو الحسين يحيى بن معطي بن عبد النور النحويُّ الزواوي لنفسه: [من الطويل]
رأى القوم بي فضلًا يعاديه نقصهم فمالوا إلى ذي الجهل والشَّكل أقرب
/٤٦ ب/ بهائم لا تصغي إلى شدو معبدٍ وتصغي إلى جافي الحداةفتطرب
وأنشدني أبو السعادات أحمد بن محمد بن يوسف الهمامي الواسطيُّ النحوي الفقيه الشافعي بإربل، قال: قرأت على الشيخ أبي الحسين يحيى بن معطي الزواوي النحوي بدمشق لنفسه كتاب "الدرة الألفيَّة" من تصنيفه، ورأيت خطَّه بالقراءة عليه في ظهر الكتاب: [من الرجز]
يقول راجي رِّبه الغفور يحيى بن معط بن عبد النُّور
الحمد لله الَّذي هدانا بأحمد دينًا له أرتضانا
فلم يزل ينمي به الإسلام حتَّى استبانت للهدى أعلام
مؤيَّدًا منه بخير الكتب وحيًا إليه بلسانٍ عربي
/٤٧ أ/ لكونه أشرف مابه نطق كما الرَّسول خير مخلوق خلق
صلَّى عليه الله ثمَّ سلَّما وآله وصحبه وكرًّما
وبعد فالعلم جليل القدر وفي قليله نفاد العمر
فابدأ بما هو الأهمُّ فالأهمَّ فالحازم البادئ فيما يستتم
فإنَّ من يتقن بعض الفنَّ يضطر للباقي ولا يستغني
وذا حدا إخوان صدقٍ لي على أن اقتضوا منِّي لهم أن أجعلا
أرجوزةً وجيزةً في النَّحو عدَّتها ألفٌ خلت من حشو
لعلمهم بأنَّ حفظ النَّظم وفق الذَّكيِّ والبعيد الفهم
لا سيَّما مشطور بحر الرَّجز إذا بني على ازدواجٍ موجز
أو ما يضاهيه من السَّريع مزدوج الشُّطور كالتَّصريع
[ ٨ / ٦٤ ]
فقلت غير آمنٍ من حاسد أو جاهلٍ أو عالمٍ معاندٍ
بالله رِّبي في الأمور اعتصم القول في حد الكلام والكلم
وهذا القدر فيه كفاية ومقنع منها.
/٤٧ ب/ وأنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن أبي عبد الله بن إبراهيم الإسكندريُّ بالموصل، قال: أنشدني أبو الحسين بن معطي بن عبد النور النحويُّ لنفسه من قصيدة بمدح بها الملك الأمجد مجد الدين أبا المظفر بهرام شاه بن فرخ شاه بن شهنشاه بن أيوب بن شاذي- صاحب بعلبك-: [من الكامل]
ذهب الشَّباب وريِّق العمر الشَّهي فأتى المشيب ورونق النُّور البهي
وجلا به ليل الذَّوائب فجره وأتى بناءه من نهاه مموَّه
وأطار نسر الشَّيب غربان الصِّبا فنعين في أثر الشَّباب المنتهي
ووهت قوى الآمال منه وما وهت هممٌ أبين على الحوادث أن تهي
قالت أمامة والعمار يروقها بئس الثَّغام تحيَّة للمزدهي
ما تنكرين من الصَّباح جلا الدُّجى وخضاب أسحم بالملاب الأمقه
/٤٨ أ/ سود العيون بمدمعٍ بيَّضن لي سود الذَّوائب والسُّرى في المهمه
ونعيب أغربة الحداة ببينها فإذا زجرت الوصل قالت: مه مه
وبوارح البرح استطار لها الحجى فرقًا فنادته السَّوانح: صه صه
فسخا له دمع الغمام بوابلٍ من غير مضحاك البروق مقهقه
فتفاوحت أزهاره وتناوحت أطياره بمولولٍ وموهوه
وافترَّ ثغر الأقحوان بدرِّه لعقيق مطلول الشَّقيق مطلِّه
ومنها في المديح:
ملكٌ تظلُّ الشَّمس ترصد وجهه نظر المحبِّ إلى الحبيب الملتهي
إن كان في أفق السَّماء قد انجلت شمس المعالي في سناها فهو هي
وفي آخرها قوله:
[ ٨ / ٦٥ ]
زادت على مائة ونيفٍ خمسها
لمَّا تكافا في السِّلاح عنت له جبهات صيدٍ قبله لم تعقبه
ودعاك مجد الدِّين دين محمَّدٍ للنصر علمًا بالشجاع الأمره
[٩٤١]
/٤٨ ب/ يحيى بن المقدام بن أبي الفضل بن زيادٍ، أبو الفضل البطائحيُّ.
من قرية يقال لها "حمادوية" من قرى البطائح.
ولمَّا توجهت إلى البلاد الواسطية صحبة الأمير ركن الدين أبي شجاع أحمد بن قرطايا بن عبد الله الإربلي- أدام الله سعادته- رأيت ولد يحيى فاقتضيته شيئًا من شعر أبيه، فقال: هو شيخ كبير قد ناهز التسعين، ولم يقدر على المجيء فبعد أيام سيَّر لي كرَّاسين من نظمه. وذكر لي ولده أنَّه ما قرأ شيئًا من العربية البتة.
وشعره موزونٌ يصدر عن خاطرٍ صحيح وطبع حسن؛ وهو القائل ابتداء مقطوعةٍ: [من الخفيف]
عدِّ عن ذكر دارسات الربوع يا نديمي يا إبن عبد السَّميع
واسقنيها بين الأزاهير مع ضر ب المزامير بين نور الرَّبيع
قهوةً تذكر الهرقل وقد كا ن يباهي بجمعه المجموع
أرجوانَّيةً إذا مزجت في الـ ـكأس لاحت كالعندم المنقوع
/٤٩ أ/ بنت كرمٍ نشا على جبل السُّـ ـماقِّ يسقى بالغيث والينبوع
في أوان الشِّتاء حيث تكون الـ ـشَّمس بين التَّغييم والتَّقشيع
وليكن بكرة الثُّلاثا فقد قيـ ـل الثَّلاثا جمانة الأسبوع
تحت ظلِّ الأغصان في زورة البسـ ـتان عند الرَّيحان وسط الزُّروع
فاسقنيها حتَّى أتيه فلا أفـ ـرق بين المخفوض والمرفوع
ثمَّ أملي واتبع الكأس بالطَّا س إلى أن أطيح كالمصروع
[ ٨ / ٦٦ ]
وإذا ما وقعت سكران لا أعـ ـقل خذني باللُّطف يا بامنيع
مع غزالٍ حلو المعأني غضيض الـ ـطَّرف ريَّان طيِّب المسموع
حبَّذا لحنه إذا عرك العو د وغنِّي بصوته المرفوع
وقال أيضًا: [من الخفيف]
من لصبٍّ متيَّم مستهام ولقلب بادي الكآبة دامي
خالسته لواحظ الخرَّد العين على الجسر [عند] باب السَّلام
من ظباء الأنيس كلُّ رداحٍ زانها الله باعتدال القوام
غادةٌ تخجل الغزالة بالحسن وتزري بالبدر بدر التَّمام
/٤٩ ب/ قد براها الباري بأحسن تقويـ ـمٍ فدقَّت معنًى عن الأفهام
فسقامي من سقم ألحاظها المر ضى وكلمي من طيب ذاك الكلام
ودوائي من رشف ريقتها العذ ب ودائي من هجرها وهيامي
لا رعى الله غير أيَّامنا اللَّا تي تقضَّت مع زينبٍ وقطام
وليالٍ أسهرن عينيَّ باللَّهـ ـو وحسو الطَّلا وشرب المدام
حيث رأسي مثل الغراب وقلبي آمن من حوادث الأيَّام
والصِّبا قائدي إلى نغم العيـ ـدان واللَّهو آخذٌ بزمامي
[٩٤٢]
يحيى بن منصور بن الجرّاح بن الحسين بن محمَّد بن داود بن الجراح القاضي، أبو الحسين بن أبي عليٍّ، الكاتب الخطَّاط المصريُّ.
كان مليح الخطّ جدًّا أعلى طبقة من الجويني وأقوى. وكان له من الأدب وقول الشعر حظّ وافر، وعناية بتحصيل الكتب ومعرفتها، وسمع الحديث على الإمام الحافظ أبي طاهر السلفي.
[ ٨ / ٦٧ ]
وكانت ولادته في يوم الحادي عشر من شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بالقاهرة، وتوفي /٥٠ أ/ بدمياط وهي محاضرة بالفرنج قبل أن يملكوها بعشرين يومًا. وكان تملكهم لها يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شعبان سنة ست عشرة وستمائة. وكانت ولادة جِّده بدمشق.
أنشدني القاضي شهاب الدين أبو المحامد إسماعيل بن حامد القوصي الفقيه الشافعي بدمشق بمنزله في سنة أربعين وستمائة في محرَّمها، قال: أنشدني القاضي أبو الحسين يحيى بن منصور بن الجرّاح الكاتب المصري لنفسه يمدح القاضي الفاضل أبا عليّ عبد الرحيم بن علي بن الحسن البيساني- رحمه الله تعالى-: [من الكامل]
إنَّ الوزراة آثرتك ولم تزل سكنًا لها تصبو إلى إيثاره
ألقى إليك الملك فضل عنانها وزوى إليك الأمر من أقطاره
ولقد حميت حماه بابن هزاهزٍ هو سهم غايته وقطب مداره
طفلُ عذارى الفضل من داياته ومحجَّبات الغيب من أظاره
بتحرُّك فيه سكون خطوبه وتصوَّب فيه علوُّ مناره
/٥٠ ب/ ومنمنمٍ يصف الرَّبيع تعانقت أغصانه وافترَّ عن أزهاره
وأنشدني أيضًا لنفسه فيه يمدحه ويصف القلم: [من الوافر]
لك القلم الَّذي نجواه سحرٌ ومزج لعابه صابٌ وشهد
إذا ارهفت سنِّيه لأمرٍ فأنياب النَّوائب عنه درد
حسامٌ بالَّذي يمضى ولكن حسام كلُّ صفحٍ منه حدُّ
وإن راشت بنانك جانبيه فسهمٌ من قضاء لا يردُّ
إذا نطق الَّذي توحي إليه تقاصر يعربٌ وجثًا معدُّ
تسابق جريه فقرٌ المعاني فما يعفيه كيما يستمدُّ
سطورٌ في سويدا كلِّ قلبٍ كأنَّ مدارها شغفٌ ووجد
منمنمةٌ تخال بها عذارًا بديع الحسن والقرطاس خدُّ
ومنها قوله:
بلوت الدَّهر حتَّى قال: حسبي ولم تحكم تجاربي الأشدُّ
[ ٨ / ٦٨ ]
ومارست الخطوب مراس فان ومن نسج الشباب عليَّ برد
/١٥١ أ/ وليس العيش إلا في كفاف وعافية تروح بها وتغدو
وأعلم ذاك ثم يصد علمي هوى يغري بأنَّ الغيَّ رشد
وقال أيضًا: [من الوافر]
عدوِّي منك مختقر هباء وقولي فيك مطرح هراء
وليس شئت اصطلمتك من لساني بقاصمة ولكن لا أشاء
فمت كمدًا بغيظك لست أهجو أخا نقصٍ فيرفعه الهجاء
وقوله في الغزل: [من المنسرح]
ومخطف جنده محاسنه من فات عينيه لم يفت ثغره
ما جئته بالتُّقى أحاربه إلا وكانت لحسنه الكرَّه
ظبي سويدا القلوب مرتعه لا جاسمًا يبتغي ولا وجره
في خدِّه روضة لأعيننا تسقى ففي كلِّ نظرة نضره
[٩٤٣]
يحيى بن وثّاب بن عبد الأعلى بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم الكاتب المصري، أبو زكريا بن أبي العزائم، العامري الليثي الكناني.
سمع يحيى /٥١ ب/ ابن المظفَّر بن الفاس المصري ووالده أبا العزائم. وكان عالمًا فاضلًا كاتبًا فصيحًا شاعرًا نبيهًا محسنًا ذا نظمٍ ونثرٍ. وتوفي سنة ثلاثين وستمائة.
أنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي العز بن أبي طالب الصفَّار الدمشقي بها في المحرّم سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو زكريا يحيى بن وثَّاب لنفسه من قصيدة أوّلها: [من مجزوء الكامل]
يا صائدًا أسد القلوب بلواحظ الرَّشأ الرَّبيْب
وقضيب بانٍ مقلتاه إذا رنا جفنا قضيب
[ ٨ / ٦٩ ]
ومصيب سهم الطَّرف ما اللَّحي عليه بالمصيب
ومعلَّلي ومعلَّني من رائق الثغر الشَّنيب
برد ولكن لا يذو ب ولم يزل لي بالمذيب
هو في فمي العذاب الزُّلال وفي الحشا يذكي لهيبي
فمتى أفيق من الغرا م ومسقمي فيه طبيبي
الأسمر المهدي الذبو لَ لجسم عاشقة الكئيب
/٥٢ أ/ أوفى على شمس النَّها روناب عمَّا في المغيب
وافى نصيب الحسن قد أضحى من الدُّنيا نصيبي
أفهل غريب أن أهيم بمبدع الحسن الغريب
فلقد حباه مهندس الإبداع بالشَّكل العجيب
أنشا الدُّجى فوق الضحى فوق القضيب على الكثيب
وغدا يحفُّ الورد في خدَّيْه بالاس الرَّطيب
لعب الهوى بمحبِّه من ذلك الصُّدغ اللَّعوب
وصوالج الأصداغ ليس كراتهنَّ سوى قلوب
تلك العقارب كم لها في قلب صبٍّ من دبيب
أنا والعواذل في هواه كلَّ يوم في حروب
ما ضرَّني سخط الأنا م إذا ﵁ عنِّي حبيبي
ما الحسن للألباب إلَّا بالخلوب بل الغلوب
كم جامح صعب القيا د ثناه طوع من جنيب
ومملَّك أضحى كممـ ـلوك لأجل هوى حبيب
/٥٢ ب/ هو فتنة الصَّابي الغو يِّ ومحنة الفطن اللَّبيب
فلقد غدا فيه النَّسيـ ـب لكلِّ قلبٍ بالنسيب
ومن شعره المختار من قصيدة يمدحُ بها الملك المنصور ناصر الدين أبا المعالي محمد بن عمر بن شهنشاه –صاحب حماة-: [من البسيط]
نيل العلا والمنى بالبيض والأسل من استطال بغير السَّيف لم يطل
والمجد في الفتكة البكر التي اشتهرت في الناس لا البكر ذات الحلي والحلل
[ ٨ / ٧٠ ]
يعني بذلك الغارة على حصن الأكراد، وكسره للاسبتار ومن انضمَّ إليهم وانهزامهم من بين يديه واعتصامهم بالجدار ورجوعه بالغنائم الجمّة. وذلك في شهر رمضان من سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
/٥٣ أ/ والعزُّ قد كفلته الأعوجيَّة في أكفالها لا ذوات الخصر والكفل
والعزم في كل سيف جفنه عنق لا كلِّ سيف له جفن من المقل
وكلِّ رمح أصم الكعب معتدل لا كلِّ ظبي رشيق القدِّ معتدل
وكل درع على العطفين منسدل لا كلِّ صدغ على الخدَّين منسدل
وكل عسَّالة في الحرب إن خطرت جنيت من سنِّها أحلى من العسل
وفي الثغور إذا أقبلت فاتحها لا في الثُّغور التي للرشف والقبل
والحزم في الغارة الشَّعواء يبعثها ذو الحزم يختال بين الخيل والخول
وفي تساقي نداماها مثمِّلةً من سمِّها لا تساقي الشارب الثمل
وصوت ماض على هام يجدُّلها في الرَّمل لا صوت مزموم ولا رمل
وإنما شرف الإنسان في همم تسمو لضرِّ عدوٍّ أو لنفع ولي
وفخره في عذارى المكرمات إذا يلهو بها لا عذارى اللَّهو والغزل
مثل الفتى المالك المنصور من عدمت أمثاله وعلا في المجد عن مثل
النَّاصر الفاتح الميمون طائره محمَّد ذو الأيادي والندى الخضل
أبو المعالي الَّذي لولاه ما شرفت في النَّاس دولة أيوب على الدُّوَل
/٥٣ ب/ وأصبحت وهي في الأيام مشبهةً بفضلها ملَّة الإسلام في الملل
فريدة الدُّول اللَّاتي بها حليت منه الدهور وكانت قبل في عطل
بدرٌ يحفُّ به من جيشه شهب أضحت تنوب على الأعداء عن زحل
ملك إذا سار في الدُّنيا أقام له بين الخلائق مجدًا غير مرتحل
أو إن يقم فسطاه أو فهيبته تسير من بأسه في السَّهل والجبل
وإن يسافر له عزمٌ فعن ظفر بفتح قفل يجلي مسفر القفل
أو يعضل الدَّاء في أرض ففي يده شفاؤها بحسامٍ حاسم العلل
وإن غدا راكبًا نحو العدا عجلًا ترجَّلت منهم الهامات عن عجل
ففي النِّزال له أعداؤه نزل وفي النُّزول الندى المشفوع بالنُّزل
[ ٨ / ٧١ ]
أو أخلف الجود إنَّ الجود من يده فينا ينوب عنالوكَّافة الهطل
وكلُّ أرض بها قد حلَّ حلَّ بها عزالي الوبل غيثٌ غير منتقل
ودهره فربيعٌ من مكارمه وعدله فكأنَّ الشَّمس في الحمل
يا مالكًا [عمَّت] الدُّنيا نوافله حتى غدا شكره فرضًا من العمل
فرَّغت كلَّ الرَّعايا من همومهم لمَّا غدوت لهم بالعدل في شغل
/١٥٤/ جمعت في عصرنا ما بين مفترقي فضل فقد سدت أهل الأعصر الأول
فريضة الصَّوم فيه والجهاد معًا حتى لقد حُزْتَ فضل النَّفل والنَّفل
تركت فينا تلاوات القران به متلوَّة من بني الكفَّار بالعول
أريتهم حملات لم يكن لهم في الضِّيق إذ بصروها وسع محتمل
ذكَّرتهم يوم حطين وشلَّهم ففلَّ أيديهم ضرب من الشَّلل
أقبلتهم أوجهًا في الحرب ليس لهم بها وقد عرفوها قطُّ من قبل
يا واحدًا في العلا فردًا فقد عجزت عن وصفه غاية التفصيل والجمل
وقال وقد سأله جماعة من غلمان الملك المنصور ممن يقول الشعر، أن يقول في النرد شيئًا وهي بين أيديهم يلعبون بها، فقال ارتجالًا: [من السريع]
كأنَّما النَّرد وقد صفِّفت جيشان من زنجٍ ومن ترك
/٥٤ ب/ وقعاتها ما بينها أشبهت وقائع المنصور في الشِّرك
وله في الملك المنصور يمدحه في قصيدة أوّلها: [من السريع]
فاه فقبَّلت من الوجد فاه لعلَّني أشفى بلثم الشفاه
لولا سقام الجسم في حُبِّه لما ترشَّفت لبرِّي لماه
ولم أشم بارق ثغرٍ إذا ما لاح كانت مقلتي مزنتاه
فكلُّ ماضنَّ [به] باخلًا جاد على الصَّبِّ المعنَّنى ضناه
وإن حماني رشفه عامدًا أباح قتلي وفؤادي سباه
وما تثنَّى عطفه زاهيًا إلَّا ومن عجبي به صحت زاه
ظبيٌ من التُّرك إذا ما رمى أصمى ولكن قوسه حاجباه
غصنٌ سقاه الحسن خمر الصِّبا فعربدت من نشوة مقلتاه
وبدرتمٍّ لم يزل شعره يطلع منه أبدًا في دجاه
[ ٨ / ٧٢ ]
والبدر قد يهوي وهذا إلى ضلاله العاشق فيه هداه
قلبي كليم منذ آنست في خدَّيه نارًا لم أفق من هواه
/٥٥ أ/ ومذ جرى ماء الصِّبا فيهما إنسان عيني سابحٌ في مياه
ومنها في المديح:
من ملكه للدِّين أمسى حماه إن عزَّ فيه الدَّافعون الحماه
الملك المنصور أعلى الورى قدرًا وأنداهم يدًا في نداه
موري زنادي مجده لم يزل موقد ناري حربه أو قراه
وإن يشأ أغنته آراؤه في الحرب عن راياته أو ظُباه
من عمرو في البأس ومن حاتم في الجود أو من أحنفٌ في الأناه
علا على كلٍّ فلو أنشروا لقبَّلوا بين يديه ثراه
ينميه في الملك إذا ما اعتزى آباؤه صيد الملوك السَّراه
من كلِّ من كان إذا [ما] بدا يغشى عيون الخلق منه سناه
أو ركض الطِّرف فبدرٌ على برق ولكن ديمتاه يداه
يفتن منها في العلوم التي تفتن من يسمعه أو يراه
أقسمت أن لو عاش إسكندرٌ فيها ورسطا ليس ما بارياه
يربي على نور ذكاء له مرآة فكل قد جلاها ذكاه
[٩٤٤]
يحيى بن وهب بن عسكر بن سلطان بن سيف بن طريفٍ، أبو سالم الأسدي.
من أهل حمص نزل حلب.
كان شاعرًا منتجعًا كثير الشعر سمع زيد بن الحسن الكندي، وأبا الفرج عبد الله بن أسعد الموصلي الأديب الفقيه الشافعي.
اجتمعت به بحلب في جمادي الأولى سنة أربع وثلاثين وستمائة، وسألته عن ولادته، فقال: ولدت سنة إحدى وستين وخمسمائة.
[ ٨ / ٧٣ ]
وكان شيخًا خليعًا منهمكًا في الشرب مصرًّا عليه مع كبر السن والشيخوخة، امتدح الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب وبعده لولده الملك العزيز محمد ثم لولده السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف –خلّد الله ملكه-.
وكان على كبر سنه ينبعث خاطره بالشعر وتسمح قريحته بالنظم ويقصد الناس على أقدارهم، ولم يزل مقيمًا بحلب إلى أن توفي ليلة يوم الجمعة رابع ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وستمائة –تجاوز الله /٥٦ أ/ عنه ورحمه-.
ومما أنشدني لنفسه يمدح الأمير الكبير مظفَّر الدين عثمان بن منكورس بن خمارتكين –صاحب صهيون-: [من البسيط]
زار الخيال من الإلف الذي بانا واللَّيل كاس فعاد الصُّبح عريانا
طيفٌ ألمَّ بنا وهنًا فأطفأ من لواعج الواجد والبلبال نيرانا
كفى من البين قتلى لا حياة لنا حتَّى أتانا وحيَّانا فأحيانا
فقلت أهلًا بطيف إذ ألمَّ بنا جلا همومًا وأفكارًا وأحزانا
وبتُّ أرشف راحًا من مراشفه ومن سوالفه أستاف ريحانا
ومن معاطفه أثني قضيب نقًا غضًّا إذا ما تثنَّى يخجل البانا
غضًّا أرانا أقاحًا فيه مبتسمًا وجلَّنارًا وتفَّاحًا ورمَّانا
حتَّى انتبهت وكفِّي من زيارته صفرٌ فعاد الأسى إذ عدت يقظانا
وأقبل الهمُّ تغزوني عساكره وقلت ليت الَّذي قد كان لا كانا
وحاولت مهجتي عونا فما وجدت سوى المدامع أنصارًا واعوانا
واغرورقت مقلتي بالدَّمع وانبجست حتى لقد غادرت في الأرض غدرانا
/٥٦ ب/ دمع جرى دافقًا كالسَّيل أو كيدي مظفَّر الدِّين بحر الجود عثمانا
الباسل الباذل الرِّفد الَّذي غمرت نعمى يديه الوَرَى سرًّا وإعلانا
وهو الَّذي عمَّرت مجدًا عزائمه علًا فطال النجوم الزهر أركانا
ما زال ينمو ويسمو في مصائده حتى تجاوز بهرامًا وكيوانا
بناه حامي ثغور المسلمين ومن مازال مذكان مطعامًا ومطعانا
غمر النَّدى باسم ينهلُّ من يده غيث السَّماح على القصاد هتَّانا
[ ٨ / ٧٤ ]
يعطي الجزيل بلا منٍّ يكدِّره ويوسع الناس إنعامًا وإحسانا
وأنشدني أيضًا لنفسه يمدح الإمام الصاحب قاضي القضاة بهاء الدين أبا المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الأسدي الموصلي –رحمه الله تعالى-:
[من الخفيف]
حيِّ في الجزع أوجهًا نيِّرات مشرقات الأنوار مبتهجات
وثغورًا وضَّاحةً وشعورًا كالدَّياجي المسودَّة الحالكات
وغيونًا تنضو البواتر إذ تر نو فتردي القساور الضَّاريات
/٥٧ أ/ لظباء من عبد شمس حسان شامسات نوافر آنسات
تيَّمتني من بينهنَّ فتاةٌ تفتن العالمين باللًّفتات
ومن مديحها يقول:
وبليغ في النَّظم والنَّثر يأتي منها إذ يفوه بالمعجزات
نناصع اللَّفظ جوهريِّ المعاني سالمٍ فيهما من الهفوات
ربُّ فهم صفا ودقَّ إلى أن جلَّ عن حصر وصفه بصفات
في ذرى مجده غرسنا الأماني فجنينا من أطيب الثَّمرات
ماجدٌ جائدٌ هبات يديه دافقات كالأبحر الزَّاخرات
لا عدت مجده المواسم تأتي أبدًا بالسُّرور والفرحات
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى الشيخ الأجل المعدَّل بهاء الدين أبي محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن يحيى بن الخشاب الحلي –رحمه الله تعالى-:
[من الخفيف]
/٥٧ ب/ يا بني الجوهر المصفَّى من الأقـ ـذاء والغشِّ لا بني الخشَّاب
شرَّفتكم خلائقٌ زاهرات وهبات تفيض فيض السَّحاب
ضربت في السَّماء بيتًا من المجـ ـد لكم شامخًا رحيب الجناب
وكساكم من العلا حبُّ آل الـ ـبيت أغلى وأنفس الأثواب
فأبشروا بالنَّعيم والفوز والزُّلـ ـفى ونيل المنى وحسن المآب
وأنشدني لنفسه من قصيدة: [من الطويل]
[ ٨ / ٧٥ ]
منازلهم حيث اللِّوى فزرود سقتك بروق جمة ورعود
فإن ضنَّت الأنواء يومًا بمائها فلي مقلة عبرى عليك تجود
أحنُّ إلى تلك المعاهد لوعةً وإن نقضت من أهلهنَّ عهود
وأشتاق هاتيك الرُّبوع تشوُّقًا لنيرانه بين الضلوع وقود
ديارٌ ككثبان النَّقا وغصونه من الغيد أردافٌ بها وقدود
وكالنَّرجس المطلوب وسط حديقة عيونٌ وكالورد الجنيِّ خدود
وبيض مها مثل البدور تزينها شعورٌ طوال كالحنادس سود
رعابيب أشواقي إليها طوارقٌ طوار ووجدي طارفٌ وتليد
/١٥٨ أ/ أحاول منها الوصل والصَّدُّ مانعٌ وأطلب منها القرب وهو بعيد
ومن لي بتيَّاك الظِّباء ودونها موام تبيد النَّاجيات وبيد
وأسد جلاد إن تصل في عريكة تصلُّ بأعناق الكماة حديد
وتشرق في أعلى الصِّعاد أسنَّةٌ ويشرق من فيض النجيع صعيد
وأنشدني لنفسه من أخرى: [من الرجز]
لسيب حب لا يداوى بالرُّقى سليب لبٍّ بات يشكو الحرقا
مولَّه منذ جفاه إلفه ما جفّ دمع جفنه ولا رقا
ولم يذق من بعده لبعده طعم الكرى بل لم يزل مؤرَّقا
يشتاق أوقاتًا له تصرَّمت ما بين غزلان الصَّريم والنَّقا
يا برق عج على ربوع جلِّق والمم بها وحي عنِّي جلِّقا
وقل لها إنِّي إلى سكَّانها مازلت مذ شطَّ المزار شيِّقا
وفي حمى حماة هاجت لوعتي حتى لقد سدَّت عليَّ الطُّرقا
وفي ربوع شيزر إذ زرتها لم ألق ما يسمك منِّي الرَّمقا
/٥٨ ب/ لكنَّني في حلب وجدت ما أعاد عود اللًّهو غضًَّا مورقا
ونيِّر الطَّلعة كالشَّمس له خدٌّ عقيقيٌّ يحاكي الشَّفقا
أبيض قد ألبي لاذًا أحمرًا كوجنتيه وقباءً أزرقا
فيا تعالى الله ما أحسن ما جاءت به لبسته واليقا
وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط]
[ ٨ / ٧٦ ]
ما نلت في حبكم إلَّا أذى الوصب ولم يكن لي نصيب في سوى النَّصب
ولم ينل منكم قلبٌ أربَّ على هواكم بعض ما يرجو من الأرب
يا غادرين ولم أغدر وبعدهم وجائرين بلا جرم ولا سبب
كيف استحالت ولم آلت مودَّتكم صابًا وعهدي بها ضربًا من الضَّرب
ما كان أسرع ما ملتم إلى ملك كرعت منه كؤوس الحتف والعطب
كم بتُّ في غربة أبكي وتسعدني ورقٌ تنوح بأعلى البيان والغرب
يستحلب الدَّمع من عيني هوى لكم مقرُّه مهجتي يا ساكني حلب
جزأكم الله عنِّي الصَّالحات ولا غالتكم غائلات الدَّهر والنُّوب
كم قد سحبت ذيول اللَّهو بينكم والجوُّ محتجب الأرجاء بالسُّحب
/٥٩ أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه يمدح الملك المعظم شرف الدين عيسى بن أبي بكر بن أيوب –صاحب دمشق-: [من الطويل]
موارد حبٍّ ما لهنَّ مصادر أوائله ليست لهنَّ أواخر
وأشواق مغرًى مغرم وبلا بلٌ مبلبلةٌ منه بهنَّ الخواطر
سفحن بأعلى السَّفح سحب دموعه فهنَّ هوام كالغيوث هوامر
فتى فتنته من عقيل عقائلٌ بواد بواد كالبدر بوادر
عواط كعين الرَّمل غير عواطل من الحسن أبكارٌ زواه زواهر
تظلٌّ بها منَّا العيون زوانيًا وهنَّ عفيفات الذُّيول حرائر
من الحور حارت في كمال جمالها وبهجتها أبصارنا والبصائر
مريضات أجفان صحيحات أعين بنا مرضٌ من حبِّها متواتر
أدارت علينا الخمر من لحظاتها فخامرنا داءٌ الغرام المخامر
وأبدت لنا لمَّا جعلنا معاجنا عليها شموسًا تحتويها محاجر
سمعنا بها لمَّا رأينا وجوهها فصغَّرت الأخبار عنَّا المخابر
/٥٩ ب/ وفي بطن نعمان الأراك نواعمٌ لهنَّ الظِّباء السَّانحات نظائر
سوال لحسن الصَّبر منَّا سوالبٌ نواف لطيب الغمض عنَّا نوافر
صواب إلى وصل الصُّدود صوابرٌ غواد إلى نقض العهود غوادر
دعانًا هواها فاغتدينا صواغيًا إليه ولبَّينا ونحن صواغر
[ ٨ / ٧٧ ]
ولما نهتنا العاذلات عن الهوى وقلنا أطع ما النَّاصحات أوامر
رجعن بغيض لا تغيض عيونه وهن خواس لم يطعن خواسر
وكيف التَّسلِّي عن غوال غوالبٍ هواهنَّ لي عمَّا يحاولن زاجر
رعابيب تبدو في الدُّجى ببراقعٍ فتخجل أقمار السَّماء السَّوافر
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
راحت على حلب الفيحاء تسقيها سحائبٌ مستهلَّاتٌ تروِّيها
حتَّى تسربلها من نبتها حللًا خضرًا تزخرف دانيها وقاصيها
فلست أنسى لياليها الَّتي سلفت ولا الزَّمان الَّذي قضَّيته فيها
أيَّام ارفل في أكنافها مرحًا نشوان ذا عيشة رَقًّت حواشيها
أمسي وأصبح مسرور الفؤاد بها مترَّفًا وافر اللَّذَّاتِ وافيها
/٦٠ أ/ وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
كنت أمشي مشي البعير إذا ما أنا حرَّكت ماشيًا أفخاذي
صرت أمشي مشي الأسير بقيديـ ـن إذا ما خطوت في ثقل حاذي
واللَّيالي إذا توالت على الفو لاذ فلَّت مضارب الفولاذ
وأنشدني قوله أيضًا: [من الكامل]
بعد القريب عليَّ حتَّى إنَّني قد صرت آخذ ما دنا بمراحل
فإذا نهضت نهضت نهضة عاجز متساند متساقط متحامل
وإذا تكلَّفت المسير تفصَّلت بالشيء في قطع اليسير مفاصلي
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
إذا أنت فاوضت الأحاديث صاحبًا وحقَّقت منه أنَّه ما تمعناها
فتلك أحاديثٌ تيقَّن بأنَّها لغفلته عن لفظه مات معناها
وأنشدني من شعره: [من السريع]
سئلت عن من جئته قاصدًا منه عطاياه فما نلتها
فقال ما أعطاك إذ جئته قلت يدٌ مدَّت فقبَّلتها
/٦٠ ب/ وأنشدني من مقطَّعاته: [من الوافر]
[ ٨ / ٧٨ ]
يحدِّثني بما لا أشتهيه ويلكزني لأسمع ما يقول
ويزعم أنَّ ذلك منه فضل وذلك كله منه فضول
[٩٤٥]
يحيى بن يحيى بن محمَّد بن عمر بن أبي الخير، أبو زكريا [الأسديُّ] الأسعرديُّ المعروف بابن القويضيِّ.
رجل يتعاطى صنعة النظم والنثر، ويمدح الناس.
أنشدني من شعره الشيخ الحافظ صدرُ الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد البكريُّ الدمشقي بها بمنزله في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو زكريا لنفسه بأسعرد يمدح سيدنا رسول الله ﷺ: [من الطويل]
أرحها فما أبقى الذَّميل لها صبرا وما ترك الآساد من دمعها سرّا
وحسبك منها لو عقلت وكونها أنيخت هلالًا بعد ما ثوَّرت بدرا
لها في الفلا ما للفلا في جسومها من السَّير إن شبرًا فمن جلدها شبرا
ألم ترها مثل السَّفائن عوَّمًا ببحر من الأمراء لا يشبه البحرا
/١٦١ أ/ رعت عامها بين العذيب وبابل وعاد رعاها بين توضح فالمقرا
وما ذاك إلَّا أنَّ عزمي وهمَّتي تحمِّلها فوق السُّرى والوجى إصرا
لها سائقٌ مني ولي شائقٌ إلى معاهد لا أعطي لسلوانها صبرا
تهيِّجني الذَّكرى إليها صبابةً وأي غرام لا تهيِّجه الذِّكرى
وإنِّي إذا ما شمت برقة بارق وأعلام جمع والمعرَّف والجفرا
أذلت مصون الدَّمع حتَّى لقد غدت له قطراتٌ كدن أن تفضح القطرا
فيا حبُّ ما أدى على القرب والنَّوى ويا قلب ما أصبى ويا دمع ما أجرى
[ ٨ / ٧٩ ]
إذا ما تبطَّنَّا المحصَّب من منى ووادي منى والبان والطَّلح والسِّدرا
وأعلام سلع والحجيج ثباثبا تراهم بها شعثًا نواصيهم غبرا
وقد ملئت تلك الأباطح والرُّبى من النَّاس كلٌّ يطلب العفو والأجرا
فمن مدرك سؤالًا ومن بالغ منى ومن حامل أجرًا ومن واضع وزرا
أجلُّ المطايا أن أقول لها لعًا وأكبرها من أن أدوس لها ظهرا
وعندي لها إن بلَّغتني محمَّدًا أقبل أيديها وأرجلها شكرا
"ﷺ".
/٦١ ب/ جزاءً على إسادها وذميلها لها منِّي الحسنى وعندي لها البُشرى
إليك رسول [الله] أمَّت ولم أزل أناشدها نظمًا وأدعو لها نثرا
إلى هاشميٍّ لم يكن قبل بعثه ليعرف ما الإسلام يومًا ولا يدري
إلى خير هاد من تهامة لم يكن بفظً ولكن راحمًا بالورى برَّا
وخير نبيٍّ أنذر الناس للهدى وجاهد حتَّى عاد ليل الهدى فجرا
نبيٌّ رقى من قاب قوسين موضعًا تعالى فرسل الله تلحظه شزرا
وفاقًا وهديًا أصلح الناس بعدما تولوا وكلٌّ منهم بالغٌ أمرا
فهذا السِّراط المستقيم إلى الهدى وهذا الهدى ما إن ترى دونه سترا
وهذا الَّذي لولاه ما قيل حيعلا ولا طافت الحجَّاج بالكعبة الغرَّا
وهذا الَّذي عطَّى البسيط ذكره فالاؤه تتلى وأنعمه تترى
وهذا محلُّ الوحي بل مستقرُّه وموضع سرِّ الله والآية الكبرى
أخو الغزوات البيض والمعجز الَّذي به ألَّف الإسلام إذ شتَّت الكفرا
وقف راكعًا واستجد وقل عن عقيدة عليك سلام الله أنشده الدَّهرا
سلامٌ كنشر المسك بات يضوعه النَّـ ـسيم فيطويه وينشره ونشرا
/٦٢ أ/ يخصُّ الحجاب الهاشمي فإنه أجلُّ الورى جاهًا وأعلاهم قدرا
وما قلتها إلَّا لأبغي بقولها شفاعته لم أبغ ورقًا ولا تبرا
وغني امرؤٌ شرَّفت شعري بمدح وما كنت قبل اليوم أعدله شعرا
وأنشدني، قال: أنشدني له ما كتبه إلى بعض كبراء الناس وقد فُصِدَ:
[من البسيط]
[ ٨ / ٨٠ ]
مددت للفصد كفًّا قطُّ ما عرفت ضمًّا بل الفتح مقرون بأنعمها
جاءت فلم تبق خلقًا لم تنله ندى إلا الثَّرى فسقته الفصد من دمها
فاتت بك الغيث في جودٍ وفي كرمٍ فأكرم بأسمحها كفًّا وأكرمها
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في غلام قطع شعره: [من الخفيف]
قطعوا شعره لتنقيص حسنٍ حسدًا منهم فزادوه حسنا
قصدوا أن يغيِّروا منه معنى فأرادوا بقطعه ألف معنى
عن محوا آية الظَّلامِ فما كا دوا ليمحون آية الصُّبح عنَّا
/٦٢ ب/ وأنشدني أبو علي الحسن بن حمزة بن حمدون التغلبي الموصليُّ بها –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني يحيى بن يحيى بن القويضي لنفسه في غلام دَّبت على خدِّه عقرب: [من الكامل]
نظروا على الخدِّ المورَّد عقربًا فلقتلتها أبتدروا مخافة لدغه
لا تعجبوا من سعيها فلرَّبما قصدت زيارة أختها من صدغه
وأنشدني، قال: أنشدني ابن القويضي الأسعرديُّ لنفسه من أبيات طويلة:
[من الطويل]
بعهدك إني يا منى النَّفس واثق وحتى اللِّقا قلب المتيَّم شائق
مقيمٌ على حفظ المودَّة موقنٌ بأنَّك لي نعم الحبيب الموافق
وأنَّ الوفا بين الأصاحب خلَّةٌ محبَّبةٌ فيما تراه الأصادق
/٦٣ أ/ وإنِّي لمحزون الفؤاد ووالهٌ وراض بما ترضى وصبٌ وعاشقٌ
صبورٌ قنوع مستهام متيم عليك ولي قلب من الشَّوق خافق
ومنها:
بديع جمال واعتدال كأنَّما لشمس الضُّحى من وجنتيك المشارق
تفرَّدت بالحسن الَّذي ما استحقَّه سواك وحقَّت بالصِّفات الحقائق
وقال يمدح المولى الصاحب الكبير المنعم مؤيد الدين أبا نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيباني –أدام الله سعادته وبلَّغه أمنيته بمحمدٍ وآله وصحبه أجمعين: [من الكامل]
[ ٨ / ٨١ ]
ما بال رسمك أيُّها الطَّللُ مثل وذكرك بيننا مثل
هل عند أهليك الَّذين نأوا عليم بمن لك بعدهم يسل
وقف الغرام بنا وما وقفوا وأقام فينا الوجد وارتحلوا
وتحمَّلوا فحملت بينهم فسقوا ولا سقيت لهم إبل
/٦٣ ب/ فلانت تقري النازلين أسى أبدًا فشكرك أدمعٌ هطل
سيَّان عندك من ونى ونأى بل إنَّما الأطلال تنتحل
وعلى الرَّكائب من بني ثُعَلٍ قمر بكحل السِّحر مكتحل
سرقت من الأتراك مقلته فتكًا فهنَّ خوادع قتل
ومن الغصون الهيف قامته لينًا فدان لقدِّه الأسل
ومن الدُّجى الوحفيِّ طرَّته لونًا فهنَّ غدائر جثل
ومن أبتسام الصُّبح غرَّته نورًا ففيها الحسن يشتعل
خضل النَّبات تظنُّه غصنًا غضُّ الشَّباب كأنَّه ثمل
لبس الحياء على بضاضته فهو النَّسيم وثوبه الخجل
يمشي فيعثر بالعيون حيًا ممَّا تحدِّث نحوه المقل
لي في رضاه وسخطه عجب للأمن في هذا وذا الوجل
وبهجره وبوصله عجبٌ الصَّاب في هذا وذا العسل
هذا نبيُّ الحسن آيته بخلاف ما جاءت به الرُّسل
يدعو القلوب إلى محبَّته بالحسن وهو الغيُّ والخطل
/٦٤ أ/ فالسُّقم ما قد سنَّ وافترضت ألحاظه لا العلم والعمل
إن كان ذا فتن الأنام فقد فتن الجهالة قبله هبل
لله ليلة زار مستترًا تحت الدُّجى واللَّيل منسدل
حيَّا فكدت من السُّرور به أقضي وإن لم يُقض لي أجل
فظللت والمحبوب في شغل ليلي وعند عواذلي شغل
أسقى على خدَّيه ريقته ونديمي التجميش والقبل
ولكنت ظمآنًا إلى فمه وأعلَّني فتداوت العلل
حتَّى تبدَّا الصبح تحسبه وجه المؤيَّد أمَّه النزل
[ ٨ / ٨٢ ]
الصَّاحب المجبول من خلل تبقى وتبلى دونها الجبل
من باذل لا الفقر يحرجه أن يستفزَّ سخاءه العذل
تسمو العيون به إلى رجل في راحتيه العارض الهطل
لو قيس بالأعراب في كرم يومًا لما فضلوا ولا نضلوا
متيقِّظٌ للجود لا نعسٌ فيه لمكرمة ولا كسل
متقلِّدٌ بنجاد سلطنة غرَّاء دانت دونها الدُّول
/٦٤ ب/ نيطت بحقويه الأمور فمًا عنه لأمر في الورى حول
وجرت بأمر الله حين جرت أقلامه في الأرض تمتثل
فالرِّزق ما قطعته منقطعٌ والرِّزق ما وصلته متَّصل
والناس إثنان لديه فذا عللٌ تعطِّله وذا حلل
يزهو اليراع بكفِّه شرفًا فله على سمر القنا طول
وينوب فيما ناب عن لجب فيه الصواهل والقنا الذُّبل
العيش في أيامه رغدٌ لا ورده رنقٌ ولا محل
وهناك ماء الجود منسبل للواردين وفعلهم نهل
والسعد والإقبال قد جمعا حيث الوزير وظلُّه خضل
والأمن في يمناه منبسط واليسر في يسراه والخول
وفصاحةٌ ما حازها مدحٌر وصباحةٌ لم يحوها غزل
ما عن محبَّته لخادمه ومحبِّه عوضٌ ولا بدل
وإليه دون النَّاس يحملني حبِّي له والأينق الذُّلل
شعري وسيرته ونائله بلغوا الَّذي ما ناله زحل
/٦٥ أ/ فمفوَّض الأفواه إن رحلوا ومعرّس الأسماع إن نزلوا
والمدح يطويه وينشره عنِّي وعنه السَّهل والجل
إن غبت عنه فإنَّني رجلٌ بثناه مرتجزٌ ومرتجل
وقال يتغَّزل: [من الكامل]
ما عذر عينك في المحبِّ المغرم قتلته لمَّا إن رمته بأسهم
كم بات من كيد العداة مسلَّمًا ومن العيون النُّجل غير مسلَّم
[ ٨ / ٨٣ ]
ومحكَّم الألحاظ ما لأسيرها من منقذ منها ولا مستعصم
قلبي تصيَّدني هواه ومن رأى ظبيًا به خفرٌ يصيد لضيغم
فرمٌ على فلك العذار مداره وسراره في قلب كلِّ متيَّم
ريَّان من ماء الشَّباب يهزُّه مرح الصِّبا وفؤاد عاشقه ظمي
يلقاك من لحظاته وقوامه بمثَّف لدن القوام ومخذم
ومحاربًا لمسالم ومقاطعًا لمواصل ومقوِّضًا لمخيِّم
والصُّدع بين مسلم ومزرفن والخدُّ بين مضرَّج ومنمنم
وعليل ناظره سليم الصدغ لا ينفك يعقد عقربًا في أرقم
/٦٥ ب/ رقَّت حواشي وجنتيه فخذه غرض لسهم النَّاظر المتوسِّم
لم أدر ما بخدوده من حمرة هو من جنيِّ الورد أو هو من دمي
في خدِّه إن أنكرت لحاظاته سل عن دمي ما فوقه من عندم
أنا فيه مغرى بالصَّبابة مغرم وهو الفتى مغرى بقتل المغرم
ما فات من زمن العذيب وبارقٍ لي منه بين رضابه والمبسم
وقال أيضًا: [من البسيط]
قل للغصون استعيري من معاطفه وللشموس استنيري من سوالفه
وللندامى ذروا ما في الزجاجة من صرف المدام إلى ما في مراشفه
بدرٌ بوادر دمعي فيه ما تركت للغيث سحًّا وسكبًا من مذارفه
مشغول بالمرح المثني معاطفه عنِّي لما أترجَّى من عواطفه
فعوِّذوا خصره من كلِّ ناظرةٍ فقد تحمَّل ثقلًا من روادفه
[٩٤٦]
يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور بن المعمَّر بن عبد السلام، أبو محمد بن أبي الفضل الأنصاريُّ.
[ ٨ / ٨٤ ]
من أهل صرصر قرية مشهورة من قرى /٦٦ أ/ العراق المعروف بابن الزريرانيِّ.
كان رجلًا ضريرًا فقيهًا حنبليًا خطيبًا صوفيًا قارئًا شاعرًا مقتدرًا على النظم وإنشائه من أهل الخير والصلاح والفضل والأدب، ونظم كتاب الخرقي على مذهب الإمام أحمد بن حنبل –﵁- شعرًا، وسمَّاه "الدُّرَّة اليتيمة في الحجة المستقيمة".
أنشدني أبو نصر محمد بن أبي طاهر بن شجاع الهاشمي البغدادي بها في سنة اثنتين وعشرين وستمائة، قال: أنشدني الشيخ أبو محمد يحيى بن يوسف بن منصور الأنصاري لنفسه: [من الكامل]
جفني وقلبي مطلقٌ وأسير فلذاك مطويُّ الهوى منشور
أخفيه وهو يفيض دمعي ظاهرًا فدموع عيني للوشاة ظهير
وإذا الحبيب أدى فتوج وعده بزيارة وأميط عنه الزُّور
[أخفى زيارته مخافة كاشح فأبان عنه المسك والكافور]
ولقد فرقت من الفراق فلم يكن من جوره لي في الأنام مجير
/٦٦ ب/ وأشد ما لاقيت يوم تحمَّلوا أنِّي بنجد والرِّكاب تغور
والله لا اشتكت الضَّلال ركابهم وهم نجومٌ في الدُّجى وبدور
[ ٨ / ٨٥ ]
ولها الأمان وهل تخاف قلائص من دونها خفر الحسان خفير
وأنشدني أبو المكارم فتيان بن محمد بن فتيان بن سمنيَّة الجوهري الموصلي بها، قال: أنشدني أبو محمد يحيى بن يوسف بن يحيى الضرير الصرصري الأنصاري لنفسه: [من الطويل]
إليك رسول الله مبتهلًا أشكو أذى زمن فينا لصارمه بتك
ومشكل أمر لا أرى من يحلُّه وشدَّ وثاق ما لنا منه مفتكُّ
وعدت رسول الله أنا سنبتلى بطائفة تأتي يقال لها التُّرك
ذكرت سياقات ثلاثًا لجمعنا وجمعهم في كلِّهنَّ لنا الفتك
وبشَّرتنا أنَّا باخر مرَّة سنصطلم القوم اصطلامًا له عرك
فما بالنا فينا ارتياعٌ وذلَّةٌ وأنت لنا عزٌّ يذُّل به الشِّرك
/٦٧ أ/ ووعدك وعدٌ صادقٌ متيقنٌ ترفَّع قدرًا أن يلمَّ به شك
وما ذاك إلا أن فينا تخلفًا عن الله مخشيًا علينا به الهلك
فلو أننا تبنا إلى الله توبةً نصوحًا لزال الهمُّ وارتفع اللَّبك
وإلَّا فمما نحن نهمل أمره فما هو إلَّا الخوف والعيشة الضَّنك
فيس لتقوى الله صونٌ لمتق ولا لمعاصيه وإن سترت هتك
فمن مبلغ عنِّي الإمام رسالة رسالة صدق لا يخالطها إفك
أبا جعفر يا ابن الذين سمت بهم إلى المجد أعراقٌ مطهَّرةٌ تزكو
رعاك كالعقد النَّظيم وسلكها حفاظًا لئن أهملتها انقطع السِّلك
وقد ملئوا رعبًا وضاقت صدورهم لبطئك عن أمر يليق به الوشك
فتنت قلوب المسلمين بنهضة تزول بها عنَّا الكآبة والوعك
وألق العدا في لجِّ بحر من الوغى لجيحون مرساه وساحله الكشك
وأرسل إليهم من رماحك والظُّبا سحابًا متى تضحك بوائقه يبكو
ولا تقتنع إلا بسفك دمائهم فإنَّ دماء الناس يحقنها السَّفك
ولا ترج دفع الشَّر منهم بلينة ولكن بأغلاظ لهم ليس ينفكُّ
/٦٧ ب/ فما خبثٌ إلَّا وليس يزيله ويذهبه إلَّا لظى النَّار والسَّبك
وكن واثقًا بالنَّصر فالوعد مخبرٌ بذلك وعدٌ لا يبهر جه الحكُّ
وبيتك بيتٌ لا يزال مؤيَّدًا ينصر الَّذي تجري بقدرته الفلك
[ ٨ / ٨٦ ]
ومن دون ما تبغي العداة زعازعٌ تزول لها شُمُّ الجبال وتندكُّ
فكن ناصرًا لله ينصرك واعتصم بحبل التُّقى تسلم ويسمل لك الملك
وأنشدني، قال: أنشدني أبو محمد يحيى بن يوسف لنفسه: [من الطويل]
يقول عبيد الله يحيى بن يوسف الـ ـفقير إلى إنعام أكرم رزَّاق
رأيت رسول الله في النَّوم مرَّةً فقبَّلت فاه العذب تقبيل مشتاق
ولو أنني أوتيت رشدي نائمًا لقبَّلت ممشاه الشريف باماقي
فبشَّرني منه بأزكى شهادة بها جبر كسري يوم فقري وإملاقي
بموت سعيد في كتاب وسُنَّةً فبانت لبشراه شراسةُ أخلاقي
وها إنني والحمد لله وحده مقرٌّ لبشراه بأثبت مصداق
بأنِّي على حسن اعتقاد ابن حنبل مقيمٌ ولو قام العدالي على ساق
/٦٨ أ/ أقرب بأن الله من فوق عرشه يقدِّر إجلالًا ويقضي بأرزاق
سميعٌ بصيرٌ ليس شيءٌ كمثله قديم الصِّفات الواحد الأحد الباقي
له من أحاديث الصفات كما أتت أتابع فيها كلَّ أزهر سبَّاق
ولست إلى التشبيه يومًا بجانح ولا قابل تأويل أشدق فهَّاق
ومن صفة الرَّحمان جلَّت صفاته كلامٌ قديم ذو ضياء وإشراق
هو الذِّكر والقرآن والمعجز الَّذي دهت منه قلب الخصم دهشة إفلاق
هو المنزل المسموع من لفظ قارئ وتنظره الأبصار باطن أوراق
وعند صدور الحافظين حقيقةً به في جنان الخلد عاملهم راقي
وليس بمخلوق وليس بمحدث على رغم ضلّال من الدِّن مرَّاق
بصوت وحرف نظم آيات ربِّنا بنقل ثقات في الرُّواية حذّاق
وهذا مقال ليس يناسغ ذوقه لذي شبه ضافي الخيانة مذَّاق
ومن يمتحن بالصَّوت والحرف منهم ترى النُّكر منه بين نزر وإطلاق
ومنكر هذا للعيان مكابر بباطل زور تابعٌ كلَّ نغَّاق
وفي كتاب الله القديمة كلِّها كذاك اعتقادي لا ألين لعتَّاق
/٦٨ ب/ وإيماننا قولٌ إلى عمل له مزيدٌ ونقصٌ في أمين وسرَّاق
ومالي من خير القضاء وشرِّه إلى الله أمضاه من الله من واقي
وأومن أن الله يوم معادنا يراه جميع المؤمنين بأحداق
وإني لأرجو أن أرى الله والَّذي يخالفني يحظى بحجبٍ وأطباق
[ ٨ / ٨٧ ]
ولم ير في الدُّنيا بعينيه ربه سوى أحمد المختار رؤية إغراق
وإني بالميزان والحوض مؤمنٌ ليسقيني منه على ظمأ ساقي
وقد خلق الله الجنان لأهلها وللكافرين النَّار قدرة خلَّاق
وليس كبير الذَّنب مخلد مؤمن بنار وينجو بعد كرب وإحراق
ومعتقدي أن النَّبيَّ محمَّدًا نبوَّته بين الورى حكمها باقي
وأنَّ له يوم المعاد شفاعةً غياثًا لملهوف وفتحًا لإغلاق
وأبرأ من إضمار نقص لصحبه وأزواجه بل حبُّهم عقد ميثاقي
وأمسك عن ذكر الَّذي كان بينهم لأسلم من غسلٍّ يدنس أطواقي
أفاضل بالتَّرتيب بين مراتب لأربعة منهم إلى الخير سبَّاق
وإنِّي إذًا ما قلت إنِّي مؤمن حذار أفتتان مشفق أي إشفاق
/٦٩ أ/ فإني بالاستثناء بعد مقالتي ولا شكَّ لكن لا أقول بإطلاق
وإنِّي أرى مسحي على الخفِّ سنَّةً وإيجاب سعيي في الجهاد وإنفاقي
ولست وإن جار الإمام بخارج عليه بسيف باتك الحدِّ مخراق
فمن كان ذا داء يخامر قلبه ليحذ اعتقادي فهو أنفع درياق
ويتبع للآثار عن كلِّ ناقل بصير ولم يخلد إلى قول ورَّاق
فكم أفعوان في كلام مسقَّفً حواه كتاب ما لملسوعه راقي
ويحذر أرباب الكلام فداؤهم عضالٌ مزلٌّ مزلقٌ أيَّ إزلاق
لقد نقضوا أركان دين محمَّد فحكمهم أن يضربوا فوق أعناق
ولولا المحامون القليلون غودرت شريعتنا نهبًا لأهواء فسَّاق
رعى الله أصحاب الحديث بحفظه فكم قد نفوا من وضع زور وإلحاق
محبة أصحاب الحديث علامةٌ لإيمان ثبت ثاقب الفهم ذوَّاق
وبغضهم وسمٌ لكم ضلالة على وجه رواغ عن الرُّشد مقلاق
هم مقتفو الآثار لا يعتدونها إلى رأي سوء باطل الحكم زوَّاق
هم السادة الغرُّ الميامين حبُّهم يبين للقافين أحسن أخلاق
/٦٩ ب/ وميِّتهم يشقى بقبره سقوا تربهم روح الرِّضا كلَّ دفَّاق
وأشعاره كثيرة والذي ذكرناه منها فيه كفاية.
[ ٨ / ٨٨ ]