ملك تقرع من دوحة سناء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، وتحدر من سلالة أكابر، ورقاة أسرة ومنابر، وتصرف أثناء شبيبته بين دراسة معارف، وأفاضه عوارف، وكلف بالعلم حتى صار ملهج لسانه، وروضته أجفانه، لا يستريح منه إلا إلى متن سائل الغرة، ميمون الأسرة، يسابق به الرياح، ويحاسن بغرته البدر اللياح، عريق في السناء، عتيق الاقتناء، سريع الوخد والإرقال: من آل أعوج أو ولد العقال: إلى أن ولاة أبوه الجزيرة الخضراء، وضم إليها رندة الغراء، فانتقل من متن الجواد، إلى ذروة الأعواد، وأقلع عن الدراسة، إلى تدبير الرياسة، ومازال يدبرها بجودة ونهاه، ويورد الآمل فيها مناه، حتى غدت عراقًا، وامتلأت إشراقًا، إلى أن اتفق
[ ٣١ ]
في الجزيرة ما تفق، وخاب فيها الرجاء وأخفق، فاستحالت بهجتها، وأسالت عليها من الحوادث لجتها، فانتقل إلى رندة معقل أشب، ومنزل للسماك متنسب، وأقام فيها رهن حصار، ومهين حماة وأنصار، ولقيت ريحه كل أعصار، حتى رمته سهام الخطوب عن قسيها، وأمكنت منه يدي مسيها، فحواه رمسه، وطواه عن غده أمسه، حسبما بسطنا القول فيه، فيما مر من أخبار أبيه، وكان المعتمد رحمه الله تعالى كثيرًا ما يرميه بملامه، ويصميه بسهامه، وربما استلطفه بمقال أفصح من دمع المحزون، وأملح من روض الحزون، فإنه كان ينظم من بدائع القول لئلئ وعقودًا، تسل من النفوس سخائم وحقودًا، وقد أثبت من كلامه، في بث الأمة، واستجادة عذله وملامه، ما تستبدعه، وتحله النفس وتودعه، فمن ذلك ما قاله وقد أنهض جماعة من أخوته وأقعده، وأدناهم وأبعده: وافر
أعيذك أن يكون بنا خمول ويطلع غيرنا ولنا أفولُ
حنانك أن يكن جرمي قبيحًا فإن الصفح عن جرمي جميلُ
ألست بفرعك الزاكي وماذا يرجّى الفرع خانته الأصولُ
واخبرني المعتد بالله أن المعتمد أباه وجهه إلى شلب واليا وكانت ملعب شبابه، ومالف أحبابه، التي عمر نجودها غلامًا، وتذكر عهودها أحلامًا، فقال يخاطب ابن عمار وقد توجه إليها: طويل
إلا حيّ أوطاني بشلب أبا بكر وسلهنّ هل عهد الوصال كما أدري
وسلم على قصر الشراجيب عن فتىً له أبدًا شوق إلى ذلك القصرِ
وقصر الشراجيب هذا متناه في البهاء والإشراق، مباه لزوراء العراق، ركضت فيه جياد راحاته، وأومضت بروق أمانيه في ساحاته، وجرى الدهر مطيعا بين بكورة وروحاته، أيام لم تحل عنه تمائمه، ولا خلت من أزاهر الشباب كمائمه، وكان يعتدها مجنة أماله ومنتهى أعماله، يميل إلى بهجة جنباتها، وطيب نفحاتها وهباتها، والتفاف خمائلها، وتقلدها مكان حمائلها، وفيها يقول ابن اللبانة: طويل
أما علم المعتد بالله أنّني بحضرته في جنّة شقّها نهرُ
وما هو نهر أعشب النبت حوله ولكنّه سيف حمائله خضرُ
[ ٣٢ ]
ولما صدر عنها وقد حسنت آثاره في تدبيرها، وانسدلت رعايته على صغيرها وكبيرها، نزل المعتمد عليه مشرفًا لأوبته، ومعرفًا بسمو قدره لديه ورتبته، وأقام يومه عنه مستريحًا، وجرى في ميدان الأنس بطلًا مشيحًا، وكان واجدًا على الراضي فجلت الحميا أفقه، ومحت غيظه عليه وحقنه، وصورته له عين حنوة، وذكرته بعده فجنح إلى دنوه، وبينما استدعي ووافى، مالت بالمعتمد نشوته وأغفى، فألفاه صريعًا في منتداه، طريحًا في منتهى مداه، فأقام تجاهه، يرتقب انتباهه، وفي أثناء ذلك صنع شعرًا أتقنه وجوده، فلما استيقظ أنشده: متقارب
الآن تعود حيوة الأمل ويدنو شفاء فؤاد معل
ويروق للعزّ غصن ذوي ويطلع للسعد نجم أفل
فقد وعدتني سحاب الرضى بوابلها حين جادت بطل
أيا ملكًا أمره نافذة فمن شاء عزّ ومن شاء ذّل
دعوتَ فطار بقلبي السرور إليك وإن كان منك الوجل
كما يستطيرك حبّ الوغا إليها وفيها الظبا والأسل
ولا غرو أن كان منك اغتفار وإن كان منّا جميعًا زلل
فمثلك وهو الذي لم يزل يعود بحلم على من جهل
ومرت عليه هوادج وقباب، فيها حبائب كن له وأحباب، الفهن أيام خلائه من دولة، وجال معهن في ميدان المنى أعظم جولة، ثم انتزعوا منه ببعده، وأودعوا الهوداج من بعده، ووجهوا هدايا إلى العدوة، وألموا بها إلمام قريش بدار الندوة، فقال: بسيط
مرّوا بنا أصلًا من غير ميعادِ فأوقدوا نار شوقي أيّ إيقادِ
وذكّرونيَ ايّامًا لهوت بهم فيها ففازوا بإيثاري وإحمادي
لا غرو أن زاد في وجدي مرورهمُ فروية الماء تذكي غلّة الصادي
ولما وصل المعتمد لورقة أعلم أن العدو قد جيش إليها واحتشد، ونهد نحوها وقصد، ليتركها خاوية على عروشها، طاوية الجوانح على وحوشها، فتعرض له المعتمد دون بغية، وطلع له من ثنيته، وأمر الراضي بالخروج إليه في عسكر جرده لمحاربته، وأعده لمصادمته ومضاربته، فأظهر التمارض والتشكي، وأكثر التقاعس والتلكي، فرارًا من المصادر، وأحجامًا عن
[ ٣٣ ]
المساورة، وجزعًا من منازلة الأقران، ومقابلة ذوابل المران، ومقاسات الطعان، وملاقات أبطال كالرعان، ورأى أن المطالعة، أربح من المقارعة، ومعانات العلوم، أريح من مداوات الكلوم، فقد كان عاكفًا على تلاوة ديوان، عارفًا بإجادة صدر وعنوان، فعلم المعتمد ما نواه، وتحقق ما لواه، فأعرض عنه، ونفض يده منه، ووجه المعتد مع ذلك الجيش الذي لم تنشر بنوده، ولم تصر جنوده، فعند ما لقوا العدو لاذوا بالفرار، وعادوا بإعطاء الغرة بدلًا من الغرار، وتفرقوا في تلك الأماريت، وفرقوا من تخطف أولئك العفاريت، فتحيف العدو من بقي مع المعتد واهتضمه، وخضم ما في العسكر وقضمه، وغدت مضاربه مجر عواليه، ومجرى مذاكيه، وآب أخسر من بائع السدانة، ومضيع الأمانة، فانطبقت سماء المعتمد على أرضه، وشغلته عن إقامة نوافله وفرضه، فكتب إليه الراضي: بسيط
لا يكرثنك خطب الحادث الجاري فما عليك بذاك الخطب من عارِ
ماذا على ضيغمٍ أمضى عزيمته أن خانه حدّ أنياب وأظفارِ
لئن أتوك فمن جبنٍ ومن خورٍ قد ينهض العير نحو الضغيم الضاري
عليك للناس أن تبقى لنصرتهمْ وما عليك لهم إسعاف أقدارِ
لو يعلم الناس ما في أن تدومَ لهم بكوا لأنّك من ثوب الصبا عارِ
ولو أطاقوا انتقاصًا من حيوتهم لهم يتحفوك بشيء غير إعمارِ
فحجب عنه وجه رضاه، ولم يستلمه بذلك ولا أرضاه، وتمادى على أعراضه، وقعد عن إظهاره وإنهاضه، حتى بسطته سوانح السلو وعطفته عليه جوانح الحنو، فكتب إليه بهزل، غلب فيه كل منزع جزل، وهو: كامل مجزوء
الملك في طيّ الدفاتر فتخلّ عن قود العساكر
طف بالسرير مسلّمًا وأرجع لتوديع المنابر
وازحف إلى جيش المعا رف تقهر الحبر المقامر
واطعن بأطراف اليرا ع نصرت في ثغر المحابر
واضرب بسكّين الدوا ة مكان ماضي الحدّ باتر
أولستَ رسطاليس أن ذكر الفلاسفة الأكابر
وكذاك أن ذكر الخلي؟ ؟ل فأنت نحويّ وشاعر
[ ٣٤ ]
وأبو حنيفة ساقط بالرأي حين تكون حاضر
من هرمسٌ من سيبوي؟ ؟هـ من ابن فورك إذ تناظر
هذي المكارم قد حوي تَ لمن حاباك شاكر
واقعد فإنّك طاعمٌ كلسٍ وقل هل من مفاخر
فحجبت وجه رضاي عن؟ ؟ك وكنتَ قد تلقاه سافر
أو لستَ تذكر وقت لو رقة وقلبك ثم طائر
لا يستقرّ مكانه وأبوك كالضرغام خادر
هلاّ اقتديت بفعله وأطلعته إذ ذاك أمر
قد كان أبصر بالعوا قب والموارد والمصادر
فكتب إليه الراضي مراجعًا عنها، بقطعة مطولة منها: كامل مجزوء
مولاي قد أصبحت كافر بجميع ما تحوي الدفاتر
وفللتُ سكّين الدوا ة وظلت للأقلام كاسر
وعلمت أن الملك ما بين الأسنّة والبواتر
والمجد والعلياء في ضرب العساكر بالعساكر
لا ضرب أقوال بأق وال ضعيفات مكاسر
قد كنت أحسب من سفا ةٍ أنّها أصل المفاخر
فإذا بها فرع لها والجهل للإنسان غادر
ولا يدرك الشرف الفتى إلاّ بعسّال وباتر
وهجرتُ من سمّيتهم وجحدتّ أنّهمُ أكابر
مولاي أن تسخر فلا عار بنا أن كنتَ ساخر
ضحك الموالي بالعبي د إذا تأمل غير ضائر
لو كنتَ تهوى ميتي لوجدتّني للعيش هاجر
إن كان في فضل فمن ك وهل لذاك النور ساتر
أو كان بي نقص فمن؟ّ ؟ي غير أن الفضل غامر
ذكّرتَ عبدك ساعة يبقى لها ما عاش ذاكر
يا ليته قد غيّب؟ ؟ته عندها إحدى المقابر
أتريد منّي أن أكو ن كمن غدا في الدهر نادر
[ ٣٥ ]
هيهات ذلك مطمع يعيي الأوائل والأواخر
لا تنس يا مولاي قو لة ضارع لأقول فاخر
ضبط الجزيرة عندما نزلت بعقوتها العساكر
أيّامَ ظلت بها فري دًا ليس غير الله ناصر
إذ كان يغشى ناظري لمع الأسنّة والبواتر
وبصمّ أسماعي بها قرع الحجارة بالحوافر
وهي الحضيض سهولة لكن بها ثبتٌ مخاطر
هبني أسأتُ كما اسأ تُ أما لهذا العتب آخر
هب زلّتي لبنوّتي وأغفر فإنّ الله غافر
فقربه وأدناه، وصفح عما كان جناه، ولم تزل الحال آخذة في البوار، ومعتلة اعتلال حب الفرزدق للنوار، حتى مضوا لغير طية، وقضوا بين الصوارم والرماح الخطية، حسبما سردناه، وعلى ما أوردناه، وإذا أراد الله إنفاذ أمر مسبق في علمه، فلا مرد لأمره ولا معقب لحكمه، لا إله إلا هو، كمل خبر الراضي والحمد لله كثيرًا.