شيخ الانقباض، وسهم المعاني والأغراض، لم يكن له ظهور، ولا يوم في الحظوة مشهور، مع أدبه الباهر، ومذهبه الطاهر، ونفسه الزكية، ومنازعه الذكية، فاقتصر على القاضي أبي أمية، ينتدب بربعه انتداب غيلان بأطلال مية، واقتنع بوشله، فاضطلع بعبء تكاليفه على ضعفه وفشله، لم ينتجع سواه، ولم يسترجع إلا من ضيق محله لديه ومثواه، وقد أثبت له ما تستعذبه وتستطيبه، وتعلم به أنه أمام الإحسان وخطيبه، فمن ذلك ما كتب به إلى: [بسيط]
الدهر لولاك ما رقت سجاياه والمجد لفظ عرفنا منك معناه
كأن العلى والنهى سرًا تضمنه، صدر الزمان فلمّا لحت أفشاهُ
آيات فضلك نتلوها ونكتبها في صحة البدر ما أبدى محياه
فأنت عصب وكفّ الدهر ضاربة تنبو الخطوب ولا تنبو غراراهُ
وله إلى أبي العباس الغرباقي وقد وافى مرسية فعزم على زوره، وقطف أزهاره ونوره، فإنه من إبداع المجالسة، وإمتاء الموانسة، في حد يستنبل، وكأنه شهاب
[ ٢٩٤ ]
يقتبل: [كامل مجزوء]
يا ماجدًا في قربه من كل هم لي فرج
ومملكا بمقاله وفعاله رق المهرِ
هل طنّ أذنك للقا فإن عيني تختر
وصحب أبا أمية إلى العدوة فمروا بفاس وفيها الوزير أبو محمد بن القاسم وزير ملكها، وبدر فلكها، وكان من سمو الهمةة بحيث يجلو الظلام العاكر، ويخجل الوسمي الباكر، فكتب إليه: [متقارب]
نسيم الصبا بذمام العلى تمش على الروض مشي الكسيرِ
وسر عبق النشر حتى تحل محل السيادة ربع الوزيرِ
فطأ من حشاها دوين الضلوع حذار مهابته أن يطيرِ
وقبل أنامله أنها ضرائر في فيضها للبحورِ
وذكر بحاجة ضيف له فؤاد يقيم وجسم يسيرِ
له أمل قبل وشك الرحيل طويل المدى ومداه قصيرِ
وقل أن لقيا الوزير الأجل يقرب كل بعيد عسيرِ