ذو الخاطر الجايش، الباري لنبل المحاسن الرايش، الذي اخترع وولد، وقلد الأوان من إحسانه ما قلد، طلع في سماء الدولة العبادية نجما، وصار لمسترق سمعها رحما، وكان له فيها مقام محمود، وتوقد لم يعره خمود، ثم استوفى طلقه، ولبس العمر حتى اخلقه، صحب الدولة المرابطية برهة منم الزمان، لا يا لو تقليد نحرها لئالي وجمان، وقد أثبت له ما تستغربه، وينير لك به مشرقه ومغربه، فمن ذلك قوله من قصيدة أولها. طويل
لاحت وللظلماء من دونها سدلُ عقيقه برق مثل ما انتضى النصلُ
أطارت سناها في دجاها كأنّه تبلّج خدّ حفّه فاحم جثلُ
لدى ليلة رومّية حبشيّة تغازلنا من شهبها أعين شهلُ
تودّ عيون الغانيات لو أنّها إذا مرضت عند الصباح لها كحلُ
بدت في حلاها فالتقتنا نجومها بأنجم راحٍ في الشفاه لها أفلُ
إلى أن بدا للصبح في طرة الدجا دبيب كما استقرت مدارجها النملُ
نعيم أرى الأيام تثني عنانه علينا إذا القى تثنيته الحسلُ
أفى لهوات الليث ريع أبيه ولو علني فيها مجاحته الصلّ
نكرت الدنا والأرض فيها فليس لي بها عقوة آوى إليها ولا أهلُ
وأفردني صرف الزمان كأنّني طرير من الهنديّ اخلصه الصقلُ
وسير يخلّي المرء منه قريبه فريدا كما خلّى تريكته الرألُ
فكم من حبيب كان روضة خاطري يرفّ ويندى بين أفنانها الوصلُ
ضحى ظلّه إذا كوّرت لي شمسه فشخص نعيمي لا يقوم له ظلُ
غبرت وبادوا غير أنّ تلبثي وراهم عيش يلذّ له القتلُ
إذا كان عيش المرء أدهى من الردى ففأيذة الأيّام داهية ختلُ
ومن راد لم يعدم من اله نجعة ففي كلّ محل من غمامته وبلث
وله: متقارب
أعزّ البريئة في نفسه فتى خاشع الظرف من غير ذلّ
[ ٢٨٨ ]
ومن يزن القول وزن النضار فلا يفتح القول ويعتدل
ترى كلّ الوث من قوله يضاحك حكمته بالخطل
ويحكي الأقاويل جهلا بها كما حكت الصوت بنت الجبل
يكاثر نوع الأذى في الورى فلست ترى غير سمع أزل
وقلّ أولوا الفضل أن حصّلوا وهل يتحمل نور المقل
فخالط أناسا وزائلهم وكن فيهم ظلّك المنتقل
لقاؤهمَ يستدرّ الدموع ويذكي الضلوع كواهي الطلل
وفيهم تشاه ما في الفلاة خداع السراب وجوب السبل
وأبين ضلوعي ما بينها وينهضني الحادث المصمئل
وفي راحتي مرأى الهدى تربني انتعاشي قبل الزلل
وطعن قواف لها شكّة مجنّ وقاح ونصل خجل
يموت ويحيا بها من علا وليست تعوج على من سفل
حديقة فكر سقاها الحجى فأثمرتِ الكلم المنتحل
تمرّ إذا المستعيد مرور الحيا بالجديب المحل
يسربلها الحسن وصف الحسود ويصفي لها الودّ قلب الدغل
وله أيضًا: بسيط مجزوء
أرقن يبعدك البعاد فناظري كحله سهادُ
يا غائبا وهو فؤادي أن كان لي بعده فؤاد
الله يدري وأنت تدري أنّ اعتقادي لك اعتقاد
تذكر والحادثات بله ليس لها السن حداد
ونحن في مكتب المعالي يصبغ أفواهنا المداد
يسدل ستر الصبا علينا والمن من تحتنا مهاد
لا نتهدّى لما خلقنا نجهل ما الكون والفسادُ
تكلونا من حفاظ بكر لواحظ ما لها رقادُ
وهمّة ناصت الثُّريّا تقود صعبا ولا تقادُ
أذمةّ بيننا لعمري يحفظها السّيد الجوادُ
يا غرر المجد في جباه لم يبد أشكالها الجيادُ
[ ٢٨٩ ]
آثاركم في العلى قديما دانت لها جرهم وعادُ
سبحان من خصكم بأيد بهنّ تستبعد العبادُ
إذا استهلّت لنا سماء أورق من تحتها الجمادُ
والآن تبلى وربّ جود حلّ على ناره الرمادُ
وأنت في السن البرايا معنى بألفاظها معادُ
حسب العدى منك ما رواه لا وريت للعدى زناد
لم يعلم الصايدون منهم أنك عنقاء لا تصاد
وأنّ في راحتيك سعدا تندق من دونه الصعادُ
والليث شبعانُ لا يبالي إذا نزت حوله النقادُ