أحد أدباء أشبيلية ونحاتها، العامرين لأرجاء المعارف وساحاتها، لولا مواصلة راحاته، وتعطيل بكره وروحاته، وموالاته للفرج، ومغالاته في عرف لأنس أو أرج، لا يعرج، إلا على ضفة نهر، ولا يلهج، إلا بقطعة زهر، ولا يحفل بملام، ولا ينتقل إلا في طاعة غلام، ناهيك من رجل مخلوع العنان في ميدان الصبابة، مغرم بالمحاسن غرام يزيد بحبابة، لا تراه إلا في ذمة انهماك، ولا تلقاه إلا في لمة انتهاك، رافعا لرايات الهوى، قارعا لثنيات الجوى، لا يقفر فؤاده من كلف، ولا يبيت إلا رهن تلف، أكثر خلق الله علاقة، وأحضرهم لمشهد خلاقة، مع جزالة تحرك السكون، وتضحك الطير في الركون، وقد أثبت له ما يرتحله في أوقات انسه وساعاته، وينفث به أثناء زفراته ولوعاته، فمن ذلك ما قاله في يوم ركب فيه النهر على عادة أنكشافه وارتضاعه لشغور اللذات وارتشافه. طويل
ركبنا على اسم الله نهر كانّه حباب على عطفه وشي حبابٍ
وإلاّ حسام جال فيه فرنده له من مديد الظلّ أيّ قرابٍ
وله في ذلك اليوم: طويل
عبرنا سماء النهر والجوّ مشرق وليس لنّا إلا الحباب نجومُ
وقد ألبسته الإيك برد ظلالها وللشمس في تلك البرزد رقومُ
وله فيه: كامل
لله بهجة منزه ضربت به فوق الغدير رواقها النشامُ
فمع الأصيل النر درع سابغ ومع الضحا يلتاح فيه حسامُ
[ ٢٨٣ ]
وله فيه: طويل
مررنا بشاطي النهر بين حدائق بها حدق الأزهار تستوقف الحدق
وقد نسجت كفّ النسيم مفاضة عليه وما غير الحباب لها حلق
وله فيه: خفيف
هبتّ الريح بالعشّي فحاكت زردا للغدير ناهيك جنّة
وانجلى البدر بعد هدء فصاغت كفّه للقتال منه أسنه
وله فيه: كامل
لله حسن حديقة بسطت لنا منها النفوسَ سوالفُ ومعاطفُ
تختال في حلل الربيع وحيله ومن الربيع قلائدٌ ومطارفُ
وله متشكيا من وجده وغرامه، متبكيا لظبائه وأرامه، على عادته في بوحه وسجيته في عومله ونوحه: بسيط
لابد للدمع بعد الجري أن يقفا وهبه سال فؤادي عنده أسفا
وبي غزال غذا صادفت غرته جنيت من وجنتيه روضة أنفا
كالبدر مكتملا كالظبي ملتفتا كالروض مبتسما كالغصن منعطفا
ما همت فيه ولا هام الأنام به حتّى غدا الدهر مشغوفا به كلفا
أيرتضي الفضل أن أطوى على حرق وفي مراشفه اللعس الشفاه شفا
ما صافح الروض مكفّ المزن ترمقه إلاّ أرتنا به من خطّه صحفا
وله في مثله: طويل
إلا يا نسيم الريح بلّغ تحيتي فمالي إلى ألفي سواك رسولُ
وقل لعيل الطرف عنّي بأننّي صحيح التصابي والفؤاد عليلُ
أينشر ما بيني وبينك في الهوى وسرّك في طيّ الضلوع قتيلُ
وله في مثله: كامل بأبي غزال ساحر الأحداقِ=مثل الغزالة في سنا الأشراقِ
شمس لها الجيوب مشارق ومغاربٌ بجوانح العشّاقِ
نثر العقيق ونظم درّ رائقٍ في مرشفيه وثغره البرّاقِ
عقد من السحر الحلال بلفظه وبها تحلّ معاقد الميثاقِ
هلاّ وقد مدّت إليه ضراعتي يدها تصافحها يد الأشفاقِ
[ ٢٨٤ ]
ديم الغمام يرعدها وببرقها كاثرتها بسحائب الأشواقِ
ما أدمعي تنهلذ سحّا إنّما هي مهجتي سالت على الآماقِ
وله: بسيط
الحبّ تسبح في أمواجه المهج لو مدّ كفذا إلى الفرقى به الفرجُ
بحر الهوى غرقت في سواحله فهل سمعتم ببحر كلّه لججُ
بين الهوى والردى في لحظه نسب هذي القلوب وهذي الأعين الدعجُ
دين الهوى شرعه عقل بلا كتب كما مسائله ليست لها حججُ
لا العدل يدخل في مسع المشوق ولا شخص السلوّ على باب الهوى يلحُ
كانّ عيني وقد سالت مدامعها بحر يفيض ومن آماقها خلجُ
جار الزمان على أبنائه وكذا تغتال أعمارنا الآصال والدلجُ
بين الورى وصروف الدهر ملحمة وإنّما الشيب في هاماتهم رهجُ
وله يتغزل: كامل
رقّت محاسنه وراق نعيمها فكأنّما ماء الحيوة اديمها
رشا إذا أهدى السلام بمقلة ولّي بلبّ سليمها تسليمها
سكرى ولكن من مدامة لحظه فأغضض جفونك فالمنون نديمها
وله في الوزير الجل أبي حفص الهوزني ﵀ وقد مات بنهر طلبيرة عند أفتتاحها قصيدة طويلة منها: طويل
وفي كفّه من مائع الهند جدول عليه لارواح العداة تحوّمُ
بحيث الصدى بين الجوانح يلتظي ونار الوغى بين الأسنة تضرمُ
وما من قليب غير قلب مدجّج ولا شطن غلاّ الوشيح المقوّمُ
ووجه الضحى من ساطع النقع كاسف بيوم لاه زرق الأسنّة انجمُ
ولمّا رأوا إلا مقرّ لسيفه سوى هامهم لذوا بأجراء منهم
فكان من النهر معينهم ومن ثلم السدّ الحسام المثلّمُ
فهلاّ ثنى عنه الردى في زلاله رداء برقراق الفقاقيع معلمُ
فياعجبا للبحر غالته نطفة وللأسد الضرغام أداه أرقمُ
وله يتعزل أيضًا: كامل
ليل يعارضه الزمان بطوله ما لي به إلا الأسى من مسعدِ
[ ٢٨٥ ]
نظّمت لؤلؤ معي في جيده فكأنها فيه النجوم الأسعدِ
وله أيضًا: منسرح
وسنان ما أن يزال عارضه يعطف قلبي بعطفة اللامِ
أسلمني للهوى فواحزنا أن يزّني عفتي وإسلامي
لحاطه السهم وحاجبة وإنسان عينه رامِ