المديد الباع، الفريد الانطباع، الذي ملك للمحاسن مقادا، وغدا له البديع منقادا، أي مقال: ينبئ عن معناه وفصله، وأي أرقال: ينتهي إلى مداه وخصله، وقد يشذ فما يشرك، ويبد فما يدرك، رقى إلى ما أحبه، وقطع سنام كل معارض وجبه، وتقلد النظام حسامًا لا تنبو مضاربه، وولد غرضًا لا يدانيه أحد ولا يقاربه، فبدا سابقًا، وغدا لفظه لمعناه مطابقا، وقد أثبت له ما تبصر له لمعا وشروقا، وتهصر غصنه ناعما وريقا، كان المعتمد على الله يميزه بالتقريب، ويستغرب ما يأتي به من النادر والغريب، ويوليه أنعاما وإحسانا، ويريد الزمان كله إذارا ونيسانا، فلما نبت صعاده، وأعوزه من دهره إسعاده، ورُحل به إلى المغرب، وحل فيه محل النازح المغترب، وغدرته الأيام غدر أهل خراسان لقتيبة، وفي له أبو بكر بالرحلة إليه وفاء الظعينة لعتيبة، وتراسلا هناك
[ ٢٤٤ ]
بإشعار شفى بها المعتمد نفسه، واستوفى سلوه وأنسه، وشكر له ما ناله من مسلانه، وحمد عقد موالاته، وصار له بذلك حق مشهور، وفخر لا تبليه الدهور، وقد أوردنا من ذلك في أخبار المعتمد أعدل شاهد، ووصفنا تلك المحاضر والمشاهد، ومن بديع قوله يتغزل: [وافر]
تولي السرب خيفة من يليه وأفلت من حبائل قانصيه
على شرف الخميلة كان حتى توجس نبأة من خاتليه
فمرّ على مهب الريح يعدو بأسرع من مدامع عاشقيه
تعلّق آخر البطحاء هضبا تأمل منه خيبة عامليه
وصادف عنك مرمى مريعا فأصبح يشرئب ويرتعيه
توجه حيث لم تقفى خطاه بمنسوب إلى عال الوجيه
بمياع الأديم يكاد يغشي بنقبته لواحظ مبصريه
ودخل ميورقة في عهد ناصرها، وسلامة مقاصرها، وهي باهرة الجمال، عاطرة الصبا والشمال، تقيد الناظر ببهجتها، وتتيه بندى ملكها على لجتها، فتلقاه ناصر الدولة بمعهود إجماله، وصدق له ظنون عامله، فقال يمدحه: [كامل]
حنيت جوانحه على جمر الغضا لما رأى برقا أضاء بذي الاضا
واشتم في ريح الصبا أرج الصبا فقضى حقوق الشوق فيه بان قضى
والتف في عبراته فحسبتها من فوق عطفيه رداء فضفضا
قالوا الخيال حياته لو زاره قلت الحقيقة فلتم لو غمضا
بهوى العقيق وساكنيه وإن يكن خبر العقيق وساكنيه قد انقضى
ويود عودته إلى ما اعتاده ولقلما عاد الشباب وقد مضى
ألف السرى فكان نجمًا ثاقبا صدع الدجا منه وبرقا مومضا
طلب الغنى من ليله ونهاره فله على القمرين مال يُقتضى
مهما بدت شمس يكون مذهب وإذا بدا بدر يكون مفضضا
هذا أفاد وفاد غير مقصر جهد المقل بأن يموت مفوضا
ولرب ربه خانه نبهتها والجو لؤلؤ طله قد رضوضا
وقد انطفت نار القرى وبقي على مسك الدجا مذرور كافور الغضا
واليل قد سدى والحم ثوبه والفجر يرسل فيه خيطا أبيضا
[ ٢٤٥ ]
ومتى ركبت لها أعالي أيكة نشرت جناحا للرياح معرضا
والبحر يسكن خيفة من ناصر أرضى الرياسة بعد موت المرتضى
ملك سمت علياه حتى دوحت وزكا ثرى نُعماه حتى روضا
ماء الغمائم جرعة مما سقى فكان صلا نحو صل نضنضا
وكان المرتضى ﵀ الذي أورث ناصر الدولة الملك، ونظم بلبته ذلك السلك، فلك يكفريك، ولم ينثن عن مجازاة ما قلك، ولم يزل يتعهد سافتة، ويعتقدها، ويبر من كان يوالي دولته ويعتقدها، إلى أن ماتت أخته فاحتفل في جنازتها احتفالًا شكر فيه فعله، ومشى إلى لحدها وما ركب إلا نعله، وندب الشعراء إلى رثايها وتابينها، وإيضاح فضائلها وتبيينها، فقام أبو بكر على قبرها وقال: [طويل]
أبنت الهدى جددت منعا على منعا مضى المرتضى أصلًا واتبعه فرعا
جرى الموت جري الريح في منبتيكما فأذواك ريحانا وكسرة نبعا
على نسق جاء المصاب وإنما تقدم وترًا واتبعته شفعا
وقال يمدحه بقصيدة أولها: [كامل]
هلا ثناك علي قلب مشفقُ فترى فراشا في فراش يحرقُ
أنت المنية والمنى فيك استوى ظل الغمامة والهجير المحرقُ
لك قد ذابلة الوشيح ولونها لكن سنانك أكحل لا أزرقُ
ويقال أنك أيكة حتى إذا غنيت قيل هو الحمام الأورقُ
يا من رشقت إلى السلو فردني سبقت جفونك كل سهم يرشقُ
لو في يدي سحر وعندي أخذة لجعلت قلبك بعض وحين يعشقُ
جسدي من الأعداء فيك لأنه لا يستبين لطرف طيف يرمقُ
لم يدر طيفك موضعي من مضجعي فعذرته في أنه لا يطرقُ
جفت لديك منابعي، ومنابتي فالدمع ينشع والصبابة تورقُ
وكان أعلام الأمير مبشر نشرت على قلبي فاصبح يخفقُ
الخيزرانة تلتظي في كفه والتاج فوق جبينه يتألق
وكان صوب حيا وصعقة بارق ما ضم منه نديه والمازق
[ ٢٤٦ ]
متباعد الطرفين جود غافل عما يحل به وعزم مطرق
باس كما جمد الحديد ورآءه كرم يسيل كما يسيل الزئبق
لا يعجب الأملاك كثرة مالهم النبع أصلب والأراكة أورق
ضدان فيه لمعتد ولمعتفٍ والسيف يجمع والعطآء يفرق
وبنو الحروب على الحرابي التي تردي كما تردي الجياد السبق
خاضت غدير الماء سابحة به فكأنما هي سراب أنيق
ملأ الكمأة ظهورها وبطونها فاتت كما ياتي السحاب المغدق
وله: وافر
رأت بك أوجه العليا مناها وعاد على لواحظها كراها
وجاءت فيك السنة المعالي بأيات تشرق من تلاها
ساك يسير في أرض فأما خطاك فبالمجرة لا سواها
كان الشهب إذ تجري لسعد تخط لك الطريق على ذراها
وله أيضًا: طويل
بكت عند توديعي فما علم الركب أذاك سقيط الدرام لؤلؤ رطب
وتابعها سرب لمخطئ نجوم الدياجي لا يقال لها سرب
لئن وقفت شمس النهار ليوشع فقد وقفت شمس الهدى لي والشهب
عقيلة بيت المجد لم ترها الدجى ولا لمحتها الشمس وهي لها ترب
ظبي الهند مما ذب عنها وإنما تلطف لي فيها بخدعته الحب
سرت وبروج النيرات قبابها وقدامها من كل خاطفة قب
وما دخلت إلا المجرة واديا فليس لها إلا بأعطانها شرب
وبحر سوى بحر الهوى قد ركبته لأمر كلا البحرين مركبه صعب
غريب على جنبي غراب نهوضه بقادمتي ورقآء مطلبها شعب
كأني قذى في مقلة وهو ناظر بها والمجاذيف التي حولها هدب
ولما رأت عيني جناب ميورق أمنت وحسب المرء بغيته حسب
نزلت بكافور وتبر وجوهر يقال لها الحصبآء والرمل والترب
وقلت المكان الرحب فيه فقيل لي ذرى ناصر المعليآء أجمعه رحب
وسعي به ناصر الدولة وبغي، ونبذ حق نباهته والغي، فلم يرع انقطاعه، ولا جوزي إحسانه ولا إبداعه، وهجر هجر الجرب، وأقام مقام الحائر المضطرب،
[ ٢٤٧ ]
وكانت عادة ناصر الدولة في غير طار ولا ضيف، النفي أو السيف، فلم يفتح مع أبي بكر في أحدهما باب، ولاأغبه جزع ولا ارتياب فكتب إليه يسترحه، متقارب
عسى رافة في سراح كريم، أبل ببرد نداه الغليلا
وعلي أراح من الطالبين فاسكن للأمن ظلال ظليلا
ومن بله الغيث في بطن واد بات لا يأمنن السيولا
لقد أوقدوا لي نيرانهم فصيرني الله فيها الخليلا
أفر بنفسي وإن أصجت ميورق مصر وجدواك نيلا
وقال يمدحه كامل
عرج بمنفرجات واديهم عسى تلقاهم نزلوا الكثيب الأوعسا
اطلبهم حيث الرياض تفتحت والريح فاحت والصباح تنفسا
مثل وجوههم بدورا طلعا وتخيل الخيلان شهبا كسنا
وإذا أردت تنعمًا بقدودهم فاهصر بنعمان الغصون الميسا
بأبي غزال منهم لم يتخذ إلا القنا من بعد قلبي مكنسا
لبس الحديد على لجين أديمه فعجبت من صبح توشح حندسا
وأنى يجر ذوآئبا وذوابلا فرأيت روضًا بالصلال تحرسا
لا ترهب السيف الصقيل بكفه وارهب بعارضه العذار الأملسا
رام العدا قتلي عليه ففتهم والنجم ليس بممكن أن يلمسا
وفككت بغيهم وفزت وهكذا فك الصحيفة قبلي المتلمسا
كابد إلى العز الهجير ولا تكن في الذل ما بين الضلال معرسا
وإذا وصلت إلى الأمير مبشرًا فاجعل بساطك في ثراه السندسا
نزع وجنس في مناك فإنه ملك تنوع في العلى وتجنسا
وكان بينه وبين وزيرة أبي القاسم ذمام ايتلاف، ومعاطاة سلاف، وروحات، والتها بكر، وراحات، راح السرور عليها وابتكر، ووداد أشبه عصر الشباب، عهد أقفر من التعاهد حتى عاد كالفقر اليباب، فلما وصل ميورقة تجدد دارسه، وعادت أجامًا مكانسه، فكان أبو بكر يظن أن تلك الموات تنفقه وإن كسد، وتخلصه وإن حصل في لهوات الأسد، ولم يعلم أن لا جديد لمن لم تخلفه الأيام ولم تبله، ولم يسمع وحديث الناس أخبر تقله، فلما تغير له ناصر الدولة وتنكر، ورأى
[ ٢٤٨ ]
من قعود أبي القاسم عنه ما أنكر، هب من غفلته، واحتال في نقلته، فلاذ بالفرار، وعاذ بيني حماد بحكم الاضطرار، وجعل يستنزله ويستعطفه، ويداريه من هناك ويستلطفه، ليمن بإعادته، بكل مقال يحل سخأيم الأحقاد، ولا تلين قناته لغمز الانتقاد، فمن بديع ذلك قوله، متقارب
نسيمك حتى مَ لا ينبري وطيفك حتى مَ لا يعتري
أعيذك من عرض أن يكون وأنت الذي كنت من جوهر
أتذكر أيامنا بالحمى وأيامنا بذوي الأعصر
ألا رافة من وفي صفي ألا عطفة من سني سري
رمى زحل من أظفاره وحل يدا عني المشتري
عطارد هل لك من عودة فارجع منك إلى عنصري
سيطلبني الملك مهما أراد لباس نسيج من المفخر
ولو أن كل حصاة تزين لما جعل الفضل للجوهر
فلم يراجعه بحرف، ولم يعطه بنفس منه ولا عرف، فكتب إليه: طويل
اذكر من لم ينس عهدا ولا ينسى وابسط في أكناف ساحته النفسا
وانشئها خلقا جديدًا واغتدي بظل علاه اعتدي معه الانسا
والبس ريعان الشباب وطالما لبست الخطوب الحمر ما دونه ورسا
وإني وإياه لمزن وروضة يباكرني سقيا وازكو له غرسا
صفى بيننا من خالص الوة جوهر غلبنا فيه بنور جوهرها الشمسا
وما أنا إلا من علاه مكون غدوت له نوعًا وأصبح لي جنسا
مكارمه مرعى إلى جنب معقل أرود إذا أضحى وءاوي إذا أمسى
وأرود خمسا كل يوم يمآئه وكم لي دهر قد مضى لم أرد خمسا
أبا القاسم أشرب قهوة العز وانتقل ثنآءي ومن فضل الكؤوس اسقني كاسا
وخذ بيدي من ثغرة قصرت يدي وكنت أخا باس فلم تبق لي باسا
رميت لها فضفاضتي ومهندي وخطيتي والنبل والقوس والترسا
ثغور المعالي قابلتك ضواحكا فصل لثمها امصص مراشفها اللعسا
وأجيادها مالت عليك نواعما كما مالت الأغصان فانعم بها لمسا
ولا ذكر في لأفواه حاشاك إنما صفاتك آيات ولعنا بها درسا
[ ٢٤٩ ]
اليك بها درا تلقب احرفا وقطعة ديباج يسمونها طرسا
وفضلك في الأغضآء عما بعثته فليس يجيد الشعر من عدم الحسا
ولما نوى الانفصال، خاف الانتهاب والاستيصال، فأراد أن يكتم ذلك الفرار، ويطوي إعلانه في الأسرار، وخشي أن يفطن بخروجه، ويطلع علي من خلال فروجه، فعزم على موادعة بعض الإخوان، ومطالعة ما في ذلك الخوان، فكتب إليهم: وافر
أقول تحية وهي الوداع خداع لي وما يعني الخداع
اعلل بالمنى قلبا شعاعًا ولن يتعلل القلب الشعاع
واترك جيرة حاروا واشدوا أضاعوني وأي فتى أضاعوا
إذا لم يرع لي أدب وباس فلا طال الحسام ولا اليراع
لقد باعتني الأيام بخسا وعهدي بالذخائر لا تباع
أجفتني فلم تنبت ربيع وحطتني فلم يثبت يفاع
ومكنت العدى مني فعاثت بلحمي ضعف ما عاث السباع
ولما لم يره إعلانه وتصريحه، ولم تلق إعصارا ريحه، وأعلن بوداعه، وفتن بإحسانه وإبداعه، فقال يخاطت ناصر الدولة مودعًا ومعاتبًا، متقارب
سلام على المجد يندى بليلا كنشر الربى بكرة وأصيلا
سلام وكنت أقول الوداع ولكن أدرج قلبي قليلا
أخاف عليه انصداع الصفاة وألا يكون زجاجا عليلا
جرحت لديك وكنت البري كما يجرح اللحظ خدا أسيلا
ولو لم أكن ماضي الشفرتين لما فلني لدهر غضبًا صقيلا
أنت ذلة منك محبوبة فلم أرض بالعز منها بديلا
تلفيت فيها سواد الخطوب فاشبه عندي طرفا كحيلا
وله متغزلًا قي صاحب خيلان، متقارب
رضى المتوكل فارقته فلم يرضني بعده العالم
[ ٢٥٠ ]
وكانت بطليوس لي جنة فجيئت بما جاءه آدم
وله يتغول في صبي نساخ: كامل
أبصرت أحمد ناسخًا فرأيت ما أغمى واعيا أن يحد ويوصفا
فكأنما منح السماء صحيفة والليل حبرا والكواكب أحرفا
وله: سريع
أبصرته قصر في المشيه لما بدت في خده اللحية
قد كتب الشعر على خده أو كالذي مر على قرية
وله: متقارب
غناه يلذ ولا أكوس تسكن من أنفس طايشة
وأعجب كيف شدا طائر بروض منابته عاطشة