رافع راية القريض، وصاحب أية التصريح فيه والتعريض، أقام شرائعه، واظهر روائعه، وصار عصية طايعه، إذا نظم أزرى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رقم البرود، ضفا عليه حرمانه، وما صفا له زمانه، فصار قعيد صهوات، وقاطع فلوات، مع توهم لا يظفره بأمان، وتقلب ذهن كواهي الجمان، وقد أثبت من قوله ما يستحلى، ويتزين به الزمان ويتحلى فمن ذلك قوله: بسيط
عندي حشاشة نفس في سبيل ردى أن سمتها اليوم لم أمطل بها لغدِ
وكيف أقوى على السلوان عنك وقد رتبت حبكّ حتّى شاب في خلدي
خذها وهابِ ولا تمزج فتفسدها الماء في النار أصل غير مطّردِ
وله: طويل
وقالوا إلا تبكي فتلك مطّيهم على الشهب تحمل الوانس كالدما
لئن بعدت مني الدموع تغامزوا وقالوا سلا أو لم يكن قبل مغرما
فهلا أقاموا كالبكاء تنهدّي إذا ما بكى القمريّ قالوا ترنمّا
وله: كامل
عاطيته واليل يسحب ذيله صهباء كالمسك الفتيق لناشقِ
حتّى إذا مالت به سنة الكرى زحرحته شيئًا وكان معانقي
أبعدته عن أضلع بشياقة كيلا ينام على وساد خافقِ
وله: طويل
إلى الله أشطوها نوى أجنبية لها من أبيها الدهر شيمة ظالمِ
إذا جاش صدر الأرض بي كنت منجدا وأن لم يجش بي كنت بين التهائمِ
أكّل بني الآداب مثلي شائع فأجعل ظلمي أسوة في المظالمِ
ستبكي قوافي الشعر ملء جفونها على عربّي ضاع بين أعاجمِ
وله من قصيدة: طويل
هو الشعر أجرى في ميادين سبقه وأفرج من أبوابه كلّ مبهمِ
وسل أهله عنّي هل امتزت منهم بطبعي وهل غادرت من متردّمِ
سلكت أساليب البديع فأصبحت بأقوالي الركبان في البيد ترتمي
[ ٢٧٨ ]
وربّما غنّى به كل ساجع يردّده في شجوه والترنّمِ
وضّيعني قومي لأني لسانهم إذا أفحم الأقوام عند التكلّمِ
وطالبني دهري لأّني زنته وأنّي فيه غرّة فوق أدهمِ
وله من قصيدة أخرى: بسيط
صبحّت كلّ حريم في قلمريةِ بغارة أنت فيها الفارس النجدُ
بس الصباح صباح المنذرين بها وعمَ غزو أمير أمره رشدُ
لها الصفايا مع المرباع من نفلٍ في طيّه سيّد الكفّار والبلدِ
قالوا لعلّ ظباء أقبلت سنحا إلى خمائل ترعاهنّ أو ترد
تلك الظباء عراب الخيل دونكم نهد وورد وذبّال ومنجرد
من كلّ سابحة طارت بفارسها كأنّها لقوة في عطفها أسدُ
يسبيهم الجيش ما امتدت أعنته كالنار توسع حرقا كلّ ما تجدُ
فكانت الخيل تطماهم دواهمه والمشرفيّة تلقاهم فتنتقدُ
تخلى الرقاب من الأعلاج أن غلبوا على الحريم وتستحيى المهى الخرد
إذا رأى ابنته الغيران قد سبيت مضى يقول إلا الله من يئد
لمّا أراك وبحر الموت ملتطم ومن حميم المذاكي فوقه زبدُ
صلّوا إلى سيفك المسلول وانحرفوا عن الصليب تلقاءه سجدوا
وكان موعدهم والحسين أنجزه لكي تراق دماء ما لها قودُ
يومًا من القيظ يسودّ السلام به كانّ كلّ كلام فيه مفتأد
وفاض سيفك نهرا في ظهيرته=فأقبلت نحوه الأرواح تبتردُ وله من أخرى: بسيط
أما ترى اليل قد ألهبته شمعا مثل الكواكب كانت حوله حرسا
من كلّ ناشرة فرعا له شعب عند القيام وأسبال إذا نكسا
وله من أخرى: بسيط
وفتية لبسوا الأدراع تحسبها سلخ الأراقم إلاّ أنّها رسبُ
إذا الغدير كسا أعطافهم حلقا طفا من البيض في هاماتهم حببُ
وله من قصيدة: بسيط
يا قتل الناس الحاظا وأطيبهم ريقا متى كان فيك الصاب والعسلُ
[ ٢٧٩ ]
في صحن خدّك وهو الشمس طالعة ورد يزيدك فيه الراح والخجل
إيمان حبّك في قلبي تجدّده من خدّك الكتب أو من لحظك الرسلُ
إن كنت تجهل أنيّ عبد مملكة مرني بما شئت أتيه وأمتثلُ
لو اطّلعت على قلبي وجدت به من فعل عينك جرحا ليس يندملُ
وله يستنجد الوزير أبا محمد بن مسعدة ﵀: كامل
قل للوزير أبي محمدّ الرضى وفعاله وقف على العلياء
رعدت سائك ساحتي بسحابها فأنا أشيم بوارق الأنواء
وإذا مطلتَ بشاشة منطقي وذوى قضيب الروضة الغناء
وله في غلام مغن قام يرقص: كامل
بأبي قضيب البان بثنيه الصبا عوض الصَّبا في الروضة الغنّاء
نادمته سحرا فأمتع مسمعي بترّنم كترنّم الورقاء
وكأنّما أكمامه في رقصه تتعلّم الخفقان من أحشائي
ويمرّ يلتقط الزجاج بذيله مرّ النسيم على حباب الماء
وله منحيا على أهل المغرب وفد ذم عندهم مثواه، وصفرت من نائلهم يداه. بسيط
أقمت فيكم على الأقتار والعدمِ لو كنت حرّا أبّي النفس لم أقمِ
وظلت أبكي لكم عذرا لعلّكمُ تستيقظون وقد نمتم عن الكرمِ
فلا حديقتكم يجنى بها ثمر ولا سماؤكمُ تنهلّ بالديمِ
لا رزق عندكم لكن سأطلبه في الأرض أن كانت الأرزاق بالقسمِ
أنا أمرؤ أن نبت بي أرض أندلسِ جئت العراق فقامت لي على قدمِ
أين الرجا والعلى من حازم يقظ يغزو أعاديه في الأشهر الحرمِ
أن كان سهما فلا تنمي رمّيته أو كان سيفا فمسلول على البهمِ
لا يكسر الله متن الرمح أنّ به نيل العلى وأتاح الكسر للقلمِ
ولا أراق دما من باسل بطل ومات كلّ أديب عبطةً بدمِ
أوغلت في المغرب الأقصى وأعجزني نيل الرغائب حتّى أبتُ بالندمِ
ومنها: بسيط
وساقط نال من عرضي فقلت له إليك عنّي فليس السبّ من شيمي
أعرضت عنه ولو أني عرضت له سقيته حّنة الأفعى من الكلمِ
[ ٢٨٠ ]
وله من أخرى: وافر
ولي هممٌ ستقذف بي بلادا نأت أمّا العراق أو الشاما
والحق بالأعاريب اعتلاء بهم واجيد مدحهم اهتماما
لكيما تحمل الركبان شعري بوادي الطلح أو وادي الخزاما
وكيما تعلم الفصحاء أنّي خطيب علّم السجع الحماما
وقد أطلعتهن بكلّ أرض بدورا لا يفارقن التماما
فلم أعدم وأيّاها حسودا كما لا تعدم الحسناء ذاما
وله من أخرى: طويل
أجلاّي والآداب تجمع بيننا وبعض طباع لست أقضي على كلّ
ذوى أملي عند اهتزاز غصونه وارخصني الدهر الذي كان بي يغلي
منى النفس في حمص وحمص لذي الحجى فروك لأمر ما تصدّ عن البعلِ
نبت بي كما ينبو الجبان بنصله ويحمل ما يأتيه ذنبا على النصلِ
وأيأسني من كلّ خير رجوته كثير وما شاحيت في الكثر والقلِّ
أناس كما شاء الزمان ولا كما تشاء المعالي عقدهم بيد الحلّ
أزورهم لا للوداد وقد دروا فيلقونني بين التودّد والغلِّ
وأمدحهم يا حسبي الله كاذبا فيجزونني بالمنع شكلا إلى شكلِ
وما نقموا منّي سوى بعد هّمتي وأني أخيرًا جئت أخلف من قليِ
وله من قصيدة يمدح بها أبا العباس بن علي رحمه الله تعالى: بسيط
ونوبة من صهيل الخيل يسمعها بالرمل أطيب الحانا من الرملِ
لا ينفذ العزم إلاّ أن ينفذه والسيف يكهم إلاّ في يد البطلِ
يا كوكبا بغرق العافون في دفعَ منه وتحترق الأعداء في شعلش
تهويمة في بساط البيد يهجعها أشهى إليه من التهويم في الكللِ
لا يدرك الناس لو راموا ولو جهدوا بالريث بعض الذي أدركت بالعجلِ