[ ٢٧١ ]
له ذهن يكشف الغامض الذي يخفى، ويعرف رسم المشكل وإن كان قد عفا، أبصر الخفيات بفهمه، وقصر فكها على خاطره ووهمه، فجاء بالنادر الذي أعجز، وعطل التطويل بالمقتضب الموجز، ونظم أخبار الأمم المتفرقة في لبة القريض، وأسمعها الطرب في نغم معبد والغريض، وكان بالأندلس سرًا للإحسان ومزرئا على زياد وحسان، إلا أنه اختصر، حين احتضر، واعتبط، عنما استبشر به واغتبط، فلم يطل زمانه، ولم يهطل داركًا عنانه، وأغفل الأوان من وسمه، وأثكل لفقد اسمه، فأصبحت نواظر الآداب بعده رمدة، ونفوسها متوجعة كمدة، وقد أثبت له ما يبهر سامعه، ويثني إليه الإحسان مسامعه، فمن ذلك قوله: بسيط
مللت حمص وملتني ونطقت كما نطقت تلاحينا على قدر
وسولت لي نفسي أن أفارقها والماء في المزن أصفى منه في الغدر
أما اشتفت مني الأيام في وطني حتى تضايق في ما عن من وطري
ولا قضت من سواد العين حاجتها حتى تكر على ما كان في الشعر
وله من قصيدة: وافر
سطا اسدا وأشرق بدر تم ودارت بالحتوف رحى زبون
وأحدقت الرماح به فاعيا علي أهالة هي أم عرين
وله يتغزل: بسيط
هو الهوى وقديمًا كنت أحذره السقم مورده والموت مصدره
يا لوعة وجلا من نظرة أمل الآن أعرف رشدا كنت أنكره
جد من الشوق كان الهزل أوله أقل شيء إذا فكرت أكثره
ولي حبيب دنا لولا تمنعه وقد أقول نأى لولا تذكره
واغتيل فتى من فتيان اشبيلية ليلا، وجرت الأيام إليه حربا وويلا، فأصبح قتيلا قد قضى نحبه، ومضى وما ودع صحبه، وكان معروفًا بوجود، موصوفًا بكرم وجود، يباري بهما وابل القطر، مع كونه عينا من أعيان القطر، وكان لأبي جعفر هذا كثير الافتقاد، جميل الرأي فيه الاعتقاد، ينيله في كل وقت، ويزيله عن مواقف كل خزي ومقت، فقال يرثيه: طويل
خذا حدثاني عن فل وفلان لعلي أرى باق على الحدثان
وعن دول حسن الديار وأهلها فنين وصرف الدهر ليس بفان
[ ٢٧٢ ]
وعن هرمي مصر الغداة أمتعا بشرخ شباب أم هما هرمان
وعن نخلتي حلوان كيف تنآءتا ولم تطويا كشحا على شنان
وطال ثواء الفرقدين بغبطة أما علما أن سوف يفترقان
وزائل بين الشعريين تصرّف من الدهر لا وإن لا متوان
فإن تذهب الشعرى العبور لشانها فإن الغميصا في بقية شان
وجن سهيل بالثريا جنونه ولكن سلاه كيف يلتقيان
وهيهات من جور الزمان وعدله شامية الوت بدين يمان
فاجمع عنها آخر الدهر سلوة على طمع خلاة للدبران
وأعلن صرف الدهر لابني نويرة بيوم ثناء غال كل تدان
وكانا كندماني جذيمة جقبة من الدهر لو لم تنصرم لأوان
وهام دم بين الدكادك فاللوى وما كان في أمثالها بمهان
فضاعت دموع بات يبعثها الأسى يهيجه قبر بكل مكان
ومال على عبس وذبيان ميلة فاودى بمنجني عليه وجان
فعوجا على جفر الهباءة فاعجبا لضيعة أعلاق هناك ثمان
دماء جرت منها التلاع بملئها ولا دخل إلا أن جرى فرسان
وأيام حرب لا ينادي وليدها أهاب بها في الحي يوم رهان
فهاب ربيع والكلاب تهنّره ولا مثل مود من وراء عمانِ
وأنحى على ابني وائلٍ فتهاصرا غصون الردى من كرّة ولدِان
تعاطى كليب فاستمر بطعنه أقامت لها الأبطال سوق طعانِ
وبات عديّ بالذنائب يصطلي بنار وغى ليست بذات دخانِ
فذلّت رقاب من رجال أعزة إليهم تناهى عزّ كلّ زمانِ
وهبّوا يلاقون الصوارم والقنا بكلّ جبين واضح ولبانِ
فلا خدّ إلاّ فيه حدّ مهنّد ولاّ صدر إلا فيه صدر سنان
وصال على الجونين بالشعب فانثنى بأسلاب مطلول وربقة عانِ
وأمضى على أبناء قيلة حكمه على شرس الوى به وليانِ
ولو شاء عدوان الزمان ولم يشأ لكان عذير الحيّ من عدوانِ
وأيّ قبيل لم يصدّع جميعهم ببكر من الأرزاء أو بعونٍ
[ ٢٧٣ ]
خليّي أبصرت الردى وسمعته فإن كنتما فير مرية فسلانِ
خذا من فمي هلاّ وسوف فإنّني أرى بهما غير الذي تريانِ
ولا تعداني أن أعيش إلى عد لعلّ المنايا دون ما تعدانِ
ونبّهني ناع من الصبح كلّما تشاغلت عنه عنّ لي وعناي
اغمّض أجفاني كأنّي نائم وقد لجّت الأحشاء في الخفقانِ
أبا حسن أمّا أخوك فقد مضى فوا طول لهفي ما التقى أخوانِ
أبا حسن إحدى يديك رزيتها فهل لك بالصبر الحميل يدانِ
أبا حسن أغر المذاكي شرّفا تجرّ إلى الهيجاء كلّ عنانِ
أبا حسن ألق السلاح فإنّها منايا وإن قال الجهول إمانِ
أبا حسن هل يدفع المرء حينه بأيد شجاع أو بكيد جبانِ
أبا حسن أن المنايا وقيتها إذا التقت لم تتّبع بضما
أقول كأنّي لست أحفل وأنبرت دموعي فأبدت ما يجنّ جنار
أبا حسن أن كان أودى محمد وهيهات عدوي فيك من رسفانِ
أجّدك لم تشهده إذا أحدقوا به ونادى بأعلى الصوت يأل فلانِ
توقّوه شيئًا ثم كرّوا وجعجعوا بأروع فضفاض الرداء هجانِ
أخي عزمات لا يزال يحثّها بحزم معين أو بعزم معانِ
رأى ملّ ما يستعظم الناس دونه فولىّ غنيا عنه أو متغانٍ
فتى كان يعرورى الفيافيّ والدجى ذوات جماح أو ذوات حرانِ
تداعت له أبيات بكر بن وائل ولم ترجعيه لا ظفرتِ بشأنِ
بنفسي وأهلي أي بدر دجنّة لست خلت من دهره وثمانِ
وأيّ أبيّ لا تقوم له الربى ثنى عزمه دون القرارة ثانِ
وأيّ فتى لو جاءكم في سلاحه متي صلحت كف بغير بنانِ
يقولون لا يبعد ولله درّه وقد حيل بين العير والنزوانِ
ويأبون إلا ليته ولعله ومن أين للمقصوص بالطيرانِ
رويد الأماني أن رزء محمد عدا الفلك الأعلى عن الدورانِ
وحسب المنايا أن تفوز بثله كفاك ولو اخطاته لكفانِ
سقاك كدمعي أو كجودك وابل من المزن بين السح والهملانِ
[ ٢٧٤ ]
شابيب غيث لا تزال ملثة بقبرك حتّى يلتقى الشريانِ
أبا حسن وفّ اعتزاءك حق فقد كنتما أرضعتما بلبانِ
تماسك قليلًا لست أول مبتلى ببين حبيب أو بغدر زمانِ
أثاكلتيه والثواكل جمّة لو أنّكما بالناس تاتسيانِ
إذيلا وصونا واجزعا وتجلدا ولا تأخذا إلا بما تدعانِ
وعودا على الباقي المخلّف فيكما بفضل حنّو منكما وحنانِ
خذاه فضماه إلى كنفيكما فإنّهما للمجد مكتنفانِ
سدى ليس يدري ما السرور ما الأسى محيل على ضعفي يد ولسانِ
لعلّكما أن تستظلا بطله غدا أنّ هذا الدهر ذو ضربانِ
لشعر السلوان أن محّمدا مجاور حور في الجنان حسانِ
وقال يمدح القاضي أبا الحسن علي بن القسم بن عشيرة بقصيدة منها: بسيط
كم مقلة ذهبت في الغيّ مذهبها بنظرة هي شأن أو لها شانُ
رهن بأضغاث أحلام إذا هجعت وربّما حلمت والمرء يقضانُ
فأنظر بعقلك أن العين كاذبة واسمع بحسك أنّ السمع خوّانُ
ولا تقل كلّ ذي عين له نظر أنّ الرعاة ترى ما لا ترى الظانُ
دع الغنى لرجال ينصبون له أن الغنى لفضول الهّم ميدانُ
وأخلع لبوسك من شحّ ومن أمل لا يقطع السيف إلا وهو عريانُ
وصاحب لم أزل منه على خطر كأنّني علم غيب وهو حسّانُ
أغراه حظّ توخاه وأخطاني أما درى انّ بعض الرزق حرمانُ
وغرهّ أن رأه قد تقدمني كما تقدّم لبسم الله عنوانُ
ومن مديحها: بسيط
أنّي استجرت على ريب الزمان فتى إلا يكن ليث غاب فهو إنسانُ
حسبي بعليا عليّ معقلا أشبا زمان سرّري به في الأمن أزمانُ
صعب المراقي ولكن ربما سهلت على المنى منه اوطار وأوطانُ
الواهب الخيل عقبانا مسوّمة لو سوّمت قبلها في الجوّ عقبانُ
من كلّ ساع أمام الريح يقدمها منه مهاة وأن شاءت فسرحانُ
دجنّة تصف النوار غرّتها ونبعة يدّعي أعطافها البانُ
[ ٢٧٥ ]
عصا جذيمة إلا ما أتيح لها من أمر موسى فجاءت وهي ثعبانُ
ومنها في صفة السيف: بسيط
هيم رواء لو أنّ الماء صافحها لزال أو زلّ عنها وهو ضمان
يكاد يحلق مهراق الدماء بها فلا تل هي أنصاب وأوثانُ
موتى فإن خلعت أكفافها علمت أنّ الدروع على الأبطال أكفانُ
نفسي فداؤك لا كفا ولا ثمنا ولو غدا المشتري منها وكيوانُ
والتبر قد وزنوه بالحديد فما ساوى ولكن مقادير وأوزانُ
وله يتغزل: كامل
بحيوة عصياني عليك عواذلي أن كانت القربات عندك تنفعُ
هل تذمرين ليالي بتنا بها لا أنتِ باخلة ولا أنا أقنعُ
وله يرثي: كامل سل دمعي المبذول هل من حيلة=لي أوله في نوميَ الممنوعِ
وحنيني الموصول كيف تعرّضت شبهاته لرجائي المقطرعِ
لا تركننّ إلى الزمان وصرفه فتك الزمان بأمن ومروعِ
ودع الأحّبة والدنوّ أو النوى ما أشبه التسليم بالتوديعِ
يا وانيا يأسى على ما فاته أن الونى طرف من التضييعِ
ومداجيا تخذ الخديعة جنّة إلاّ أنفت لرأيك المخدوعِ
دافع بعزتك أو بجهدك أنّها عزمات حكم ليس بالمدفوعِ
وانظر بعينك أو بقلبك هل ترى إلا صريعا أو مأل صريعِ
أبني عبيد الله أين سراتكم من عاثر بعنانه المخلوعِ
دهر كانّ صروفه قد جمّعت من نثر منتظم وشتّ جميعِ
يهني البقيع وليته لم يهنه قبر غدا شرفا بكلّ بقيعِ
عجبا له وسع المكارم والعلى ودعا له الدعوان بالتوسيعِ
وإذا عجبت من الزمان لحادث فلتابع يبكي على متبوعِ
وإذا اعتبرت العمر فهو ظلامة والموت منها موضع التوقيعِ
وله في المعنى: بسيط
اليوم حين لففت المجد في كفن نفسي الفداء على أن لاحت حين فدا
[ ٢٧٦ ]
يا حسرة نشأت بين الضلوع جوىّ ما ضرّ لاعجها أن لا يكون ردا
في ذمّة الله قبر ما مررت به إلاّ اختبلت أسى أن لم أمت كمدا
أودى الزمان وكيف أسطاعه بفتى قد طال ما راح في اتباعه وغدا
ملأ القلوب جلالا والعيون سنا والحرب باسا وأكناف الندّي ندا
من لا يقدّم في العلى قدما ولا يمدّ لغير المكرمات يدا
كأنّه كان ثأرًا بات يطلبه حتى رأه فلم يعدل به أحدا
يا يوم منعى عبيد الله أتى أسى بين الجوانح يأبى أن يجيب ندا
وأيّ غرب مصاب لا يكفكفه دمعي الهتون ولا أنفاسي الصعدا
ولا البلابل من مثنى وواحدة باتت تسلّ سيوفا أو تسنّ مدا
ولا الهموم وقد أعيت طوارقها كأنّما بتن لي أو للدجا رصدا
قل للدجى وقد التفّت غياها فلو تصوّب فيها الماء ما أطرّدا
أنّ الشهاب الذي كنّا نجوب به أحوازها قد خبا في الترب أو خمدا
لهّفي ولهف المعالي جاربي وبها صرف الردي وأرانا أيّة قصدا
يا صاحبَّي ولا يحبسكما ضمأ طال الحيام وهذي ادمعي فردا
أجدّها قد عداها بعد أوبته عن أن تهيم بذكراه أو تجدا
وحدّثاني عن العليا وقد رزيت مسنونها اللدن أو مصقولها الفردا
أه لها وترته ثمّ قد علمت أن لا تنال به عقلا ولا قودا
هل نافع والأماني كلّها خدع قول له اليوم لا تبعد وقد بعدا
وهل تذممّ هذا الرزء من قلق قام المصاب به أضعاف ما قعدا
أما يوم عبيد الله وهواسى لقد تخير هذا الموت وانتقد
يا ماجدا أنجز العلياء موعده اليوم انجزفيك الموت ما وعدا
أنّ الفؤاد الذي مازلت تعمره قد ريع بعدك حتّى صار مفتادا
سل المنايا على علم وتجربة في أيّ شيء بغى الإنسان أو حسدا
تنافس الناس في الدنيا وقد علموا أن سوف تقتلهم لذّاتها بددا
تبادروها وقد أذتهم فشلا وكاثروها وقد أحصتهمُ عددا
قل للمحدّث عن لقمانَ أو لبد لم يترك الموت لقمانًا ولا لبدا
ولا الذي همه البتيان يرفعه أن الردى لم يغادر في الشَّرى أسدا
[ ٢٧٧ ]
ما لابن أدم لا تفنى مطالبه يرجو غدا وعسى أن لا يعيش غدا