مطبوع النظم نبيله، واضح نهجه الإجادة وسبيله، ويضرب في علم الطب بنصيب، وسهم يخطئ أكثر مما يصيب، وكان أليف غلمان، وحليف كفر لا إيمان، ما نطق متسرعًا، ولا رمق متورعًا، ولا أعتقد حشرا، ولا صدق بعثا ولا نشرا، وربما تنسك مجونا وفتكا، وتمسك باسم التقى وقد هتكه هتكا، لا يبالي كيف ذهب، ولا بما تمذهب، وكانت له أهاج جرح فيها صابا، ودرع منها أو صابا، وقد أثبت له ما يُرتشف ريقا، ويلتحف به الأوان شروقا، فمن ذلك قوله يتغزل: [كامل]
من لي بغرة فاتر يختال في حلل الجمال إذا مشى وحليه
لو شبّ في ضير النهار شعاعها ما عاد خير اليل بعد مضيه
شرقت بماء الحسن حتى خلصت ذهبية في الخد من قضيةِ
في صفيحته من الحياء أزاهرُ غذيت بوسمي الصبا ووليه
سلت محاسنه لقتل محبه من سحر عينيه حسام سميهِ
[ ٢٩٥ ]
وله: [رمل مجزوء]
كيف لا يزداد قلبي من جوى الشوق خبالا
وإذا قلت عليّ بهر الناس جمالا
هو كالغصن وكالبدو رِ قوامًا واعتدالا
أشرق البدر سرورا وانثنى الغصن اختيالا
إن من رام سلوي عنه قد رامة محالا
لست أسلو عن هواه كان رشدًا أو ضلالا
قل لمن قصّر فيه عذل نفسي أو أطلالا
دون أن تدرك هذا يسلب الأفق الهلالا
وكنت بميورقه فدخلها متسمًا بالعبادة، وهو أسرى إلى الفجور من خيال أبي عبادة، قد لبس أسمالا، وأنس الناس منه أقوالا لا أعمالا، وسجوده هجود، وإقراره بالله جحود، وكانت له بسواحلها رابطة كان بلوازمها مرتبطا، ولسكناها مغتبطا، سمّاها بالعقيق وسمى إلا جواه، ولا يشوقه إلا هواه، فدخلت عليه يومًا لا زوره، وأرى زوره، فإذا أنا بأحد دعاة محبوبه، ورواة تشبيبه، فقال له كنت البارحة مع فلان بحماه، وذكر له خبرًا ورى عنه وعماه، فقال مرتجلا: [وافر]
تنفس بالحمى مطلول روض فأودع نشره ريحا شمالا
فصبحت العقيق إلي كسلى تجر فيه أردانا خضالا
أقول وقد شممت الترب مسكا بنفحتها يمينا أو شمالا
نسيم بات يجلب منك طيبًا ويشكو من محبتك اعتلالا
ينم إلي من زهرات روض حشوت جوانحي منه ذبالا
ولما تقرر عند ناصر الدولة من أمره ما تقرر، وتردد على سمعه انتهاكه وتكرر، أخرجه ونفاه، وطمس رسم فسوقه وعفاه، فأقلع إلى الشرق وهو جار، فلما صار من ميورقة على ثلثة مجار، نشأت له ريح صرفته عن وجهته، وردته إلى فقد مهجته، فلما لحق بميورقة أراد ناصر الدولة أباحته، وإبراء الدين منه وأراحته، ثم أثر صفحة، أخمد لهيب ذلك الحنق ولفحه، وأقام ايامًا ينتظر ريحًا تزجيه، ويستهديها لتخلصه وتنجيه، وفي أثناء تلويه لم يتجاسر أحد من إخوانه على أتيانه، وجعلوا أثره كعيانه، فقال يخاطبهم: وافر
[ ٢٩٦ ]
أحبتنا الأولى عتبوا علينا فأقصرنا وقد ارق الوداعُ
لقد كنتم لنا جذلا وأنسا فهل في العيش بعدكم انتفاع
أقول وقد صدرنا بعد يوم أشوق بالسفينة أن نزاع
إذا طارت بنا حامت عليكم كان قلوبنا فيها شراعُ
وله يتغزل: وافر
بني العرب الصميم إلا رعيتم مآثركم بآثار السماح
رفعتم ناركم فعشا إليها عشاء فارس الحي اللقاحِ
وله في القاضي عبد الحق بن الملجوم: [بسيط]
وسائل كيف خالي إذ مررت به ومن لواحظه كل الذي أجدُ
ولي يد إذ توافقنا أشد بها على فؤادي وفي يمنى يديه يدُ
والخمر في خده الوضاح رونقه يندى وفي قلبي المشفوف يتقدُ
وله فيه أيضًا: [بسيط]
يا من يعذبني لما تملكني ماذا تريد بتعذيبي وأضراري
[ ٢٩٧ ]
عاج للأمير أبي بكر حمامة، واستسرّ فيها تمامه، فأجنة الثرى، وحاز منه بدر دجنة وليث شرى، فعطلت الدنيا من علاء وجود، وأطلت عليها بفقده حوادث أجدبت تهائمها والنجود، وفيه يقول يرثيه بما يسيل الفؤاد نجيعا، ويبيت به الأسى لسامعه ضجيعا، [خفيف]
أيها الملك قد لعمري نعى المج د نواعيك يوم قمن فنحنا
كم تقارعت والخطوب إلى أن غادرتك الخطوب في الترب وهنا
غير أني إذا ذكرتك والدهرأخ ال اليقين في ذاك ظنا
[ ٣٠٠ ]
وسألنا متى اللقاء فقالوا الح شر قلنا صبر الله وحرنا
وكثيرًا ما يغير هذا الرجل على معاني الشعراء، وينبذ الاحتشام من ذلك بالعراء، ويأخذها من أربابها أخذ غاصب، ويعوضهم منها كل هم ناصب، وهذا مما أطال به كمد أبي العلاء وغمه، فإنه من قوله يرثي أمه: [وافر]
فيا ركب المنون إلا رسول يبلغ روحها أرج السلام
سالت متى اللقاء فقيل حتى يقوم الهامدون من الرجامِ
ومما تخلص فيه، واخترع كثيرًا من معانيه، قوله يندبه ويرثيه: [منسرح]
يا نازحًا لم تخطّ أرحله ولا جرى بالإياب سانحهُ
وهاجدا لو يجيب داعيه أيقض بالصهيل سابحهُ
وإن من لا تُحصى فضائله حربان لا تُحصى مدائحهُ
ولما أمكنت العدو بموته الفرصة، وارتفعت عنه الغصة، وزالت التقيه، واشتاق لملك البقية، سرى إلى سرقسطة سرى قيس لأهل الهباءة، وأسرع نحوها إسراع الحمام إلى التابي من حر الإباءة، وأقام عليها يمحور رونقها، ولا يالو استسلابا رمقها، حتى أعادها كالنظم الواهي النثير، ويويبقهن بما كسبوا ويعفو عن كثير، وما زال يورث أهلها كل هم كامل ويجدد كل كامن دخيل، ويغير جنات ممن أعناب وزرع ونخيل، حتى أصبحت كالصريم، وراح الفساد فيها لا يريم، فطاع له أهلها بحكم القسر، ورأوا الذمة أجدى من الغل والأسر، فملك منها معقلا يوم العقول، ويوهن وقع الصارم المصقول، وحين استباحها، وأدجى فجرها وصباحها، بحث عن قبر الأمير أبي بكر فمي عليه موضعه، وحُمي منه بالإنكار مضجعه، فدل عليه أحد المرتسمين بخدمته، المتسمين بنعمته، وأثار منه طود مجد وبحر ندى، وأعراه من ثراه بعد ما التحف بإحسانه وارتدى: [طويل]
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى
فأخرجه من مدفنه، وأبرزه من كفنه، وعاث في تلك الأشلا، ومزق منها ما قصرت عنه يد البلى، سيرة من أقبح السير، تنكرها نفوس الغير، وفي ذلك يقول: [خفيف مجزوء]
خلّ عيني كعهدها لبكاها وسهدها
إن بالثغر رمة سكنت غير لحدها
[ ٣٠١ ]
أبرزتها أيدي رجا لٍ غدوا عين مجدها
سكنوا ظل أمنها وأمتروا درّ رفدها
وله في ذلك: [مديد]
يا صدى بالثغر جاوره رمم بوركت من رممِ
صبحتك الخيل عادية وأثارتك فلم ترمِ
قد طوى ذا الدهر غرته عنك فالبس حلة الكرمِ
ولابن خفاجة في مثل ذلك: [مديد]
يا صدى بالثغر مرتهنا لممر الريح والديمِ
لا أرى لا أخا كمد باكيًا منك أخا كرمِ
كم بصدري فيك من حرق وبكفي لك من نعم
ولما فاتت سرقسطة من يد الإسلام، وباتت نفوس المسلمين فرقا منها في يد الاستسلام، ارتاب بقبح أفعاله، وبرئ من احتذائه بتلك الآراء وانتعاله، وأخافه ذنبه، ونبا عن مضجع الأمن جنبه، فكر إلى المغرب ليتوارى في نواحيه، ولا يتراءى لعين لائمه ولاحيه، فلما وصل شاطبة حضرة الأمير لأجل أبي إسحق ابراهيم بم يوسف بن تاشفين وجد باب نفاذه وهو مبهم، وعاقه عنه شيحان مدلول عليه ملهم، ناهيك من ملك سري، وليث جري، تبتهر العلياء بسجاياه، وتتأرج الدنيا بعبق مجده ورياه، فاعتقله اعتقالا شفى الدين من آلامه، وشهدله بعقيدة إسلامه، وفي ذلك يقول، وهو معقول، يصرح بمذهبه الفاسد، وغرضه المستأسد: [كامل]
خفض عليك فما الزمان وريبه شيء يدوم ولا الحيوة تدومُ
واذهب بنفس لم تضع لتحلها حيث أحتللت بها وأنت عليمُ
يا صاحبي لفظا ومعنى خلته من قبل حتى بين التقسيم
دع عنك من معنى الإخاء ثقيلة وأنبذ بذاك العبء وهوذميم
واسمح وطارحني الحديث فإنه ليل كأحداث الزمان بهيمُ
خذني على أثر الزمان فقد مضى بؤس على أبنائه ونعيمُ
فعسى أرى ذاك النعيم وربه مرح ورب البوس وهو سقيمُ
هيهات ساوت بينهم أجداثهم وتشابه المحسود والمرحومُ
[ ٣٠٢ ]
ولما خلص من تلك الحبالة ونجا، وأنار من سلامته ما كان دجا، احتال في إعفاء ماله، واستيفاء آماله، فأظهر الوفاء للأمير أبي بكر بالرثاء له والتابين، دهيه في ذلك واضح مستبين، فإنه وصل بهذه النزعة من الحماية إلى حرم، وحصل في ذمة ذلك الكرم، واشتمل بالرعي، وأمن من كل سعي، فاقتنى قينات ولقنهن الأعاريض، من القريض، وركّب عليها ألحانًا أشجى من النوح، ولطف بها إلى إشادة الإعلان باللوعة والبوح، فسلك بها أبدع مسلك، واطلعها نيرات ما لها غير القلوب من فلك، فمن ذلك قوله: [منسرح]
إن غرابًا جرى ببينهم جاوبه بالثنية الصردُ
صاروا فها أنت بعدهم جسد قد فارق الروح ذلك الجسدُ
واكتتموا صبحة ببينهم أليس لله بئس ما اعتمدوا
وكقوله: [طويل]
سلام والمام ووسمي مزنة على الجدث النائي الذي لا أزوره
أحقًا أبو بكر تقضى فلا يُرى ترد جماهير الوفود ستورهُ
لئن أنست تلك القبور بلحك لقد أوحشت أقطاره وقصوره
ومن قلة عقله ونزارته، أنه في مدة وزارته، سفر بين الأمير أبي بكر وبين عماد الدولة ابن هود بعد سعايات عليه أسلفها، وذخائر كانت له على يديه أتلفها، فوافاه لأوغر ما كان عليه صدره، وأصغر ما كان عنك قدره، فآل به ذلك الانتقال: إلى الاعتقال: فأقام فيه شهورًا يغازله الحمام بمقلة شوهاء، وتنازله الأوهام بفطرته الورهاء، وفي ذلك يقول بخاطب ذا الوزارتين أبا جعفر يزيد بن مجاهد: [وافر]
لعلعك يا يزيد علمت حالي فتعلم أي خطب قد لقيتُ
وإني إن بقيت بمثل ما بي فمن عجب الليالي أن بقيتُ
يقول الشامتون شفاء بخت لعمر الشامتين لقد شقيتُ
أعندهم الأمان من الليالي وسالمهم بها الزمن المقيتُ
وما يدرون أنهم سيسقوا على كرة بكأس قد سُقيتُ
وعزم عماد الدولة يومًا على قتله، وألزم المرقبين به التحيل في ختله فنمي إليه ذلك الأمر الوعر، وارتمى في لجج الباس والذعر، فقال: [طويل]
أقول لنفسي حين قابلها الردى فراغت فرارا منه يسرى إلى يمنى
[ ٣٠٣ ]
قرى تحملي بغض الذي تكرهينه فقال طال ما اعتدت الفرار إلى الأهنى
ثم قضي له قدر قضى بأنظاره، وما أمضى من إباحته ما كان رهين انتظاره، ويمهل الكافر حكمه من الله وعلما، وإنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا، ثم القسم الرابع من قلائد العقيان ومحاسن الأعيان، وبتمامه تم جميع الديوان، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على سيدنا محمد رسوله وعبده
آمين
[ ٣٠٤ ]