صاحب لسن، وراكب هواه من قبيح وحسن، لا يصد إذا صم، ولا يرد عما يتم، حمي الأنف لا يصام، قوي الشكيمة لا يرام، وقف للمطالبة والأسنة قد أشرعت وثبت والأطواد قد تضعضعت، حتى أقعد عدوه، وصفا رواحه وغدوه، وقد أثبت له ما يستطاب، ويسري في النفس كما يسري في البلح الأرطاب، فمن ذلك قوله: طويل
باتي حسام أم بايّ سنانِ أنازل ذاك القرن حين دعاني
من عري اليوم الجواد لعلّة فبالأمس شدّوا سرجه لطعانِ
وان عطل السهم الذي كنت رايشا ففيه دم العداء أحمر قاني
إلا أنّ درعي نثرة تبعيّة وسيفي صدق أن هززت يماني
وما قصبات السبق إلاّ لأدهمي إذا الخيل جالت في مجال رهان
تمنّى لقاءي من حللت وثاقه وأعطى غداة المنّ ذلّة عانِ
وقد علم الأقوام من صحّ ودهّ ومن كان منّا دائم الشأنِ
وما يزدهين يقول كلّ مموّه وليس له بالمعضلات يدانِ
ويزعم أنّي في البيان مقصّر ويابى بناني واقتدار لساني
وأنّي لنهاض بكل عظيمة يضيق عليها ذرع كلّ جانِ
نهضت بها وحدي وغيريَ مدّع يشارك أهل القول شرك عنان
أينسى مقامي إذا كافح دونه وقدطار قلب الذعر بالخفقانِ
[ ٢٩٠ ]
ويذكر يومًا قمت فيه يخطبة كآثار عدّ الماء بالسيلانِ
فقرّي جعاري أنّ دونك حارسا يمنيك بالأخلاف والولعانِ
وما هو إلاّ المرء يقطع رأسه وأن دهنوه حيلة بدهانِ
ولو كان يعطي الزائرين حقوقهم لما تركوه في يد الحدثانِ
وله: طويل
إلى كم يجدّ المرء والدهر يلعبُ ويبعد عنه الآمن والخوف يقربُ
وهل نافعي أن كنت سيا مصمما إذا لم يكن يلقى لحدّي مضربُ
أبيّتهم واليل كالنقس أسود وأهجمهم والصبح كالطرس أشهبُ
فلا أنا عمّا رمت من ذاك مقصّر ولا خيل عزمي للمقادير تغلبُ
أبا حسن سائل لمن شهد الوغى لئن كنت لم أصبح أهشّ وأطربُ
واعتنق الأبطال حتّى كأنّما يعانقني منهم من البيض ربربُ
أخاتلهم كالذيب وحدي وتارة يصول بهم منّي المزعفر يقضبُ
وفي كلّ باب قد ولجت لكيدهم ولكن أمور ليس تقضي فتصعب
فوا أسفا ذا أبيت بذلّة وسيفي ضجيعي والجواد مقرّبُ
وله أيضًا: طويل
أمستنكر شيب المفارق في الصبا وهل ينكر النور المفتّح في غصنٍ
أظنّ طلاب المجد شّيب مفرقي وان كنت في إحدى وعشرين من سنِ
وكتب إلى أبي عبد اله زنغي رحمه اله عند ولايته سجلماسة والشعر طويل اثبت بعضه. طويل
بمن حلّ في سرغ فؤادك هأيم وهيهات منك اليوم من حلّ في سرغٍ
وتكلف بالداعي هلمّ غلى النوى طماعا بأن تدنو من ابن أبي زنغي
وكنا به نبغي قضاء لبانة ولو انه يبقى لقضى الذي نبغي
سلام عليه عذّب النفس بعده عقارب همّ لا تفيق من اللدغِ
وشوقا غليه أصبح القلب عنده ولم تثنه خود معقربة الصدغِ
وله أيضًا: متقارب
أقلّ عتابك أنّ الكريم يجازى على حبذه بالقلا
[ ٢٩١ ]
وخلّ أجتنابك أن الزمان يمرّ بتكديره ما حلا
وواصل اخاك بعلاّته فقد يلبس الثوب بعد البلا
وقل كالذي قاله شاعر نبيل وحقك أن تنبلا
إذا ما خليل أسا مرّة وقد كان قيي ما مضى مجملا
ذكرت المقدمّ من فعله فلم يفسد الآخر الأوّلا
أبا حسن أن أتى حادث يجرّد لي سيفك المصقلا
فودّي جديدك لم أبله يروقك في حليه والحلا
أولي الملامة عنك الزمان وأصحبك الأكوم الأفضلا
أقول وأنت لسان المقال وعين الكمال ورأس العلا
لئن جار فيك عليّ الزمام فقد كان لي حكمًا اعدلا
لياليَ كنت صحيح الأخا صريح الوفاء بما أمّلا
تدافع عنّي خطوب الزمان يضرب الرقاب وطعن الكلا
ولكن أطعت غواة الرجال وبعت صديقك لا بالغلا
سأصبر للخطب حتى يزول وأدعو له رأيك الأجملا
ودونكها كالعروس الكعاب عليها من الحلي ما فصّلا
فكالزبد بالدهن في لينها وتخزي بشدّتها الجندلا
إذا صيد للشعر طير بغاث رأيت لها الطائر الأجدلا
ولم ألف جدّك جدّ الذي أكفّ به النازل المعضلا