أحد الفحول، البريء من المطروق والمنحول، تفتحت كمآثم رويته عن زهر المعاني، وأبدت قصايده غرض المداري لها المعاني، فما يبين في معناه انحلال معاقد، ولا تلين قناته لغمز ناقد، مع أدب منساب، تفرّع من دوحتي روية واكتساب وكان بينه وبن ابن عمار ذمام تذكره لما أسهل، وأعاد معلمًا ذلك المجهل، فأعلقه بدولته، وألحقه بجملته، ونفّقه بعد الكساد، وطوّقه من استخلاصه ما أغاظ به الحساد، وكان يعتقد تقدمه، ويعقد بنواصي الشعراء قدمه، إلا أنه مع تمييزه له بالأخطاء، وتجويره إياه عند الاقتضاء، لم يوصله عندالمعتمد إلى حظ، ولم ينله إلاكرة لحظ، فمن بديعه الحسن ومطبوعه المستحسن، أنه ركب بأشبيلية زورقًا في النهر الذي لا تدانيه السرات، ولا يضاهيه الفرات، في ليلة تنقبت بظلمتها، ولم يبد وضح في دهمتها، وبين أيديهم شمعتان قد انعكس شعاعهما في اللجة، وزاد في تلك البهجة، فقال مرتجلًا في الحين، [منسرح]
كأنما الشمعتان إذ سمتا جيد غلام محسن الغيدِ
وفي حشا النهر من شعاعهما طريق نار الهوى إلى كبدي
وكان معه غلام البكري معاطيًا للراح، وجاريا في ميدان ذلك المراح، فلما جاء عبد الجليل بما جاء، وحلى للإبداع الجوانب والأرجاء، حسده على ذلك الارتجال،
[ ٢٤١ ]
وقال بين البطي والاستعجال، [كامل]
أعجب بمنظر ليلة ليلاء تُجنى بها اللذات فوق الماء
في زورق يزهى بغرة أغيد يختال مثل البانة الغيناء
قرنت يداه الشمعتين بوجهه كالبدر بين النسر والجوزاء
والتاج تحت الماء ضوء منهما كالبرق يخفق في غمام سماء
وساير الوزير الأستاذ أبا بكر بن القبطرنة وهو غلام يحار مجتليه، ويغار غصن البان من نثنيه، وقد وضع يمناه في شماله، وتضوع عرف أماله، والناس ينظرون هلال شوال، فقال: [خفيف]
يا هلال أستتر بوجهك عنا إن مولاك قابض بشمالي
هبك تحكي سناة خدا بخد قم فجئني لقده بمثالِ
وله من قصيدة هو فريد: [بسيط]
بيني وبين الليالي همة جلل لو نالها البدر لاستحذى له زُحلُ
سرابُ كل بيات عندها شنب وهول كل ظلام عندها كحلُ
من أين أبخس لا في ساعدي قصرُ عن المعالي ولا في مقولي خطلُ
ذنبي إلى الدهر فلتكره سجيته ذنب الحسام إذا ما أحجم البطلُ
ومن هذه لقصيدة وهو بديع في بابه: [بسيط]
جيش فوارسه بيض كأنصله وخيله كالقنا عسالة ذبلُ
أشباه ما اعتقلوه من ذوابلهم فالحرب جاهلة من منهم الأسلُ
يمشي على الأرض منهم كل ذي مرح كأنما التيه في أعطافه كسلُ
ودخل المرية وقد أحرج المعتمد على الله وأضجره حتى أبعده وهجره فلما كان يوم العيد وحضر المعتصم شعراؤه، واجتمع كتابه ووزراؤه، بعث في عبد الجليل فتأخر، وزرى بالحال وسخر، وقال أبعد المعتمد أحضر منتدى واستمطر جودا أو ندى، وهل تروق الأعياد إلا في فنائه، أو تحسن الأمداح لا في سنائه، ثم قال: [طويل]
دنا العيد لو تدنو لنا كعبة المنى وركن المعالي من ذوابة يعربِ
فوا أسفا للشعر ترمى جماره ويا بعد ما بيني وبين المخصّبِ
وكان كلفا بالغلمان، مكسفا بين الخوف والأمان، فإن الانفراد بهم كان
[ ٢٤٢ ]
عليه محجورا، وكان من أجلهم ممقوتا مهجورا، فإنه اشتهر في حبهم أشد اشتهار، واستظهر على كلفه بهم بالشظف والاقتتار، فعلق بأشبيلية علاقة لم تدع له مجالًا، ولم يبق له روية ولا ارتجالا، فبينا هو يستدني منه عطفة المساعد ويجتني زهرات المنى بساحات المواعد، سنحت له رحلة ما أمهلته، ولا راعة منها إلا كل روعة أذهلته، فقال: وما عطل من حلي الإبداع ذلك المقال: [كامل]
إن سرت عنك ففي يديك قيادي وإن بنت عنك فما يبين فؤادي
صيّرت فكري في بعادك مونسي وجعلت لحظي من بعادك زادي
وعلي إن أدري دموعي إن أنا أبصرت شبهك في سبيل بعادي
كم في طريقي من قضيب يانع أبكي عليه ومن صباح بادِ
تلقاك في طي النسيم تحيتي ويصوب في ديم الغمام ودادي
وله في غلام وسيم كان يشار به، فنام وتقلد سمطًا من در العرق شاربه، [بسيط]
وشادن قد كساه الروض حلته يستوقف العين بين الغصن والكثبِ
مموه الحسن لم يعدم مقبله في خده رونقا من ذلك الشنبِ
تدعو إلى حبه لمياء كللها زبرجد النبت يجلو لؤلؤ الجمبِ
وعلق بأشبيلية أحد فتيانها وأنجد عيانها، وكان أجمل من جال في خلد، واستظال على جلد، وهام به هيام الأخوص بدعد، والرعي بهند بني سعد، وكان الفتى ينافر وصله، ويطرد في مباعدته أصله، إلى أن أطل شعر عرضه، وذل لمعارضه، فعاد إلى مساعدته، واستعاد بدنوه من مباعدته، فقال: [بسيط]
يا نوم عاود جفونا طالما سهرت فإن باعث وجدي رق لي ورثا
عانقته وهلال الأفق مطلع فعاد من حسدي حيران مكترثا
وكان للحسن سر فيه مكتتم وشى به ناظري من طول ما بحثا
لام يدل على بلبال مبصره مازال يبعث وجدي كلما انبعثا
من آل مدحج في شخص كلفت به لم ينقض العهد من ودي ولا نكثا
وله يتغزل: [كامل]
أهوى سكيران اللواحظ ما رنا إلا وأسكر كل قلب صاحِ
أمل من الآمال أحور أهيف خلعت عليه لطافة الأرواحِ
متجند جعل الفؤاد وطيه ولحاظه بدلًا من الأرماحِ
[ ٢٤٣ ]
عليته سفك الدماء بمهجتي وتركته يجني بغير جناحِ
وله يصف بازيا: [منسرح]
وصارم في يديك منصلت لو كان للسيف في الوغى روحُ
يجتاب مما لبست ضافية لها على معطفيه توشيحُ
متقد اللحظ من شهامته فالجو من ناظريه مجروحُ
والريح تهفو كأنما طلبت سليلها في يمينك الريحُ
وله يصف حرشفة: [طويل]
وحرشفة إن كنت ذا قدرة على نفوذ إلى ذاك الجنى الحلو فانفذِ
كأني قد توجهت منها ببيضة وقد وضعت للصون في جلد قنفذِ
وله وقد اجتاز على فرن ويده مرتبطة بيد أحد فتيان أهل أشبيلية يسمى ربيعًا فقال له صف لنا هذا الفرن فقال: [خفيف]
رب فرن رايته يتلظى وربيع مخالطي وعقيدي
قالشبه فقلت صدر حسود خالطته مكارم المحسود
وله يتغزل: [طويل]
سقى فسقى الله الزمان من أجله بكاسين من لميائه وعقارة
وحيا فحيا الله زهرًا أتى به بناسين من ريحانة وعذاره