الناظم الناثر، الكثير المعالي والمآثر، الذي لا يدرك باعه، ولا يترك اقتفاؤه واتباعه، أن نثر رأيت بحرًا يزخر، وأن نظم قلد الأجياد درا تباهى به وتفخر، وأن تكلم في علوم الأوائل بهرج الأذهان والألباب، وولج منها في كل باب، وقد كان أول من نجم بالأندلس وظهر، وتسمى بحوك القريض واشتهر، تسدد إليه السهام، وتتقده الخواطر والأوهام، فلا يصاب له غرض، ولا يوجد في جوهر إحسانه عرض، وهو اليوم بدر هذه الآفاق، وموقف الاختلاف والاتفاق، مع جري في ميدان الطب إلى منتهاه، وتصرف بين سماكه وسهاه، وتصانيف في الحكم ألف منها ما ألف، وتقدم فيها ما تخلف، فمنها كتابه المسمى بسر البر ورجزة الملقب بنجح النصح وسواها، من تصانيف اشتمل عليها الأوان وحواها، فمن حكمه قوله العالم مع العلم كالناظر للبحر يستعظم ما يرى ما غاب عنه أكثر، ومنها الفاضل في الزمن السوء كالمصباح، في البراح، قد كان يضيء لو تركته الرياح، ومنها لتكن بالحال المتزايدة، اغبط منك بالحال المتناهية، فالقمر آخر أبداره، أول أبداره، ومنها لتكن بقليلك، اغبط منك بكثير غيرك، فإن الحي برجليه وهما ثنتان، أقوى من الميت على إقدام الحملة وهي ثمان، ومنها المتلبس بمال السلطان كالسفينة في البحران أدخلت بعضه في جوفها أدخل جميعها في جوفه، ومنها التعليم فلاحة الأذهان وليست كل أرض منبتة، ومنها الحازم من شك فروى وأيقن فبادر، ومنها قول الحق من كرم العنصر كالمرءاة، كلما كرم حديدها أرت حقائق الصفات، ومنها رب سامح بالعطاء على باخل بالقبول، ومنها ليس المحروم
[ ٢٥١ ]
من سال فلم يعط وإنما المحروم من أعطي فلم يأخذ، ومنها يا ابن آدم تذم أهل زمانك وأنت منهم كأنك وحدك البري، وجميعهم الجري، كلا بل جنيت وجني عليك، فذكرت مل لديهم ونسيت ما لديك، ومنها اعلم أن الفاضل الزكي لا يرتفع أمره، أو يظهر قدره، كالسراج لا تظهر أنواره، أو يرفع مناره، والناقص الدني لا يبلغ لنفعه، إلا بوضعه، كهوجل السفينة لا ينتفع بضبطه، إلا بعد الغاية من حطه، ول قصل من رسالة،، توسل الهمم، أعزك الله توسل الذمم، ورب راق، بوسيلة، ذي اشتياق واستباق، إلى فضليه، رصد، فقصد، واحتشد، فتحرى الرشد، ولما طلع بك المجد، من معالمه، وأينع لك الحمد، من كمائمه، فلاح محياك قمرًا زاهرًا، وفاحت سجاياك سحرًا عاطرًا، وأنار بأفقك منار الأنوار، ودار على قطبك مدار الفخار، وخف لديك بالقلوب وارتياحها، وصار إليك بالنفوس جناحها، فجوامع الجوانح لديك حضور، ونواظر الخواطر إليك صور، وقد تخيلتك نظرات الغيوب، وتيمتك خطرات القلوب، فحنت إليك حنين اليفن إلى صباه، واهتزت اهتزاز الغصن إلى صباه، ولا غرو أن أرمت أليك القلوب بأرواحها، وتلقتك العيون بالتماحها، فقد يرقب الصباح، ويلمح القمر اللياح، وليس على عاشق الفضل جناح، وكتب إلى وزير، أطال الله بقاء الوزير الأمجد، الأجل الأوحد، وأعلى مرتقاه في رفعة العز، ومنعة الحرز، الوزير الأمجد دام الله عزه كالمطر الجود يملأ الحياض، وينبت الرياض، بل كالقمر يقذف بالنور، ويذهب بالديجور، وقد أتحفني في سناه، وسقاني من سقياه، بما أنار فأضوى، وجاد فأروى، فلله إيادي الوزير ما أنزلها بكل فناء، واسمعها لكل نداء، حين رعى قصدي وهو مجفي، ووعى صوتي وهو خفي، فالآن أدام الله رفعة الوزير أضرب بحسام، اعتناؤه جرده، حتى أظهر في سمائه، واشتهر بأرفع أسمائه،، ومن بديع قوله في قصيدة أولها، بسيط
قامت تجر ذيول العصب والحبر ضعيفة الخطو والميثاق والنظر
تخطو فتولي الحصى من حليها نبذا وتخلط العنبر الوردي بالعفر
غيرى الخلي بما تبديه من قلق في الوشح أوغصص تخفيه في الأزر
[ ٢٥٢ ]
لم ادرهل حنق الخلخال من غضب عليه أم لعب الزنار من أشر
تلفتت عن طلى سنان وابتسمت عن واضح مثل نور الروضة العطر
إن نلت رياء لم أطمع بمطمعه لأن الروض الصبا نور الروضة العطر
ما لذ للعين نوم بعد ما ذكرت ليلا سمرناه بين الضال والسمر
تساقط الطل من فوفق النحور به تساقط الدر في اللبات والثغر
ومفرق الليل قد شابت ذوائبه فبت أدعو له بالطول في العمر
والليل يعجب الظلماء جانحة من ساهر يشتكي لليل بالقصر
فبت أجرع من ليل لواضحة تبدو وأبخل من روض على سحر
يا من جفا فجفاني الطيف هجرك لي بأي عذر فعذر الضيف في السهر
ذكرت بالسفح شملا غير منصدع بالنائبات ونظما غير منتشر
بكل بيضاء خود خلتها جمدت من السكينة أو ذابت من الخفر
ومنها في وصف السيف: بسيط
إن قلت نارا انتدى النار ملهبة أو قلت ماء يرمي الماء بالشرور
ومنها في وصف الدرع: بسيط
من كل ماذية انثى فيا عجبا كيف استهانت بوقع الصارم الذكر
وله من قصيدة أخرى أولها: بسيط
ما الرسم من حاجة المهرية الرسم ولا مرام المطايا عند ذي ارم
ردي شبا الخط تهدين الركاب فما بالبيد للركب من هاد ولا علم
حثي المطي وشدي في دوائرها هذا أوان اقتضاء الشد من زيم
ريعت لنبأة سام السوط فالتفتت صغر الخدود إلى سواقة حطم
ثبت على صهوات الناجيات وقد أخفت سروح المطايا صولة اللجم
منوطة بغواشي البيض راحته كأنما اختلطت بالصارم الخذم
بتنا نكالئ طرف العين عن سنة والطيف يستأذن الأجفان في الحلم
معرسين بإغفال البطاح سالكة بين السبيلين لم تقعد ولم تقم
ظنت بي العجز وارتابت فخاصمها جور الزمان فلم تعذر ولم تلم
إني وإن غرني نيل المنى لأرى حرص الفتى خلة زيدت إلى العدم
[ ٢٥٣ ]
فكما عكفت بآمالي على وثن ولا سجدت بأشعاري إلى صنم
أهل المناظر والألباب خالية لا يعدمون من الدنيا سوى الفهم
نالوا الخطوط فحازوها موافقة كما تقاسمت الأيسار بالزلم
لما رأيت الليالي قد طبعن على جدب الأسود وخصب الشاء والنعم
رجعت أضحك والأعوال أجدر بي من ميسر كان فيه الفوز للبرم
تقلدتني الليالي وهي مدبرة كأنني صارم في كف منهزم
ذهبت بالنفس لا الوي على نشب وإن دعيت به ابن المجد والكرم
فللمصارع وأطراف اليراع يد بنت لي المجدبين السيف والقلم
ومن مديحها: بسيط
وإن أحمد في الدنيا وإن عظمت لواحد مفرد في عالم أمم
تهدي الملوك به من بعد ما نكصت كما تراجع فل الجيش للعلم
رحب الذراع طويل الباع متضح كأن غرته نار على علم
من الملوك الألى اعتاد أوائلهم سحب البرود ومسح المسك باللمم
زادت مرور الليالي بينهم شرفًا كالسيف يزداد إرهافًا على القدم
تسنموا نكبات الدهر واختلطوا مع الخطوب اختلاط البرء بالسقم
معوق السيل لا تنفك راحته من كف معتلق أو ثغر مستلم
مكارم حكمت في ذاته يدها فكدت أرحمها من سطوة الكرم
أضنى فؤادي واوهاه تحملها حتى وضعت يدي منه على ألمي
كأنني إذا أوالي قبل راحته عجزت عن شكره حتى سددت فمي
ومن أخرى أولها: طويل
سروا ما امتطوا ألا الظلام ركابيا ولا اتخذوا ألا النجوم صواحبا
وقد وخطت أرماحهم مفرق الدجا فبات بأطراف الألسنة شآيبا
وليل كطي المسح جبنا سواده كانا امتطيا من دجاه النوائبا
خبطنا به الظلماء حتى كأنما ضربنا بايدي العيس أبلا غرائبا
وركب كان البيض أمست ضرائبا لهم وهم أمسوا لهن ضرائبا
إذا أوبوا صاروا شموسًا منيرة وإن أدلجوا أمسوا نجوما ثواقبا
طوال طوال الباع والخيل والقنا تخالهم فوق الجياد أهاضبا
[ ٢٥٤ ]
فما يحملون السمر إلا عواليا ولا يركبون الخيل إلا سلاهبا
إذا اعتقلوا للطعن سمرا عواليا أو اتشحوا للضرب بيضا قواضبا
وطال بليل الدارهم أبت له نجوم الدياجي أن تعود غواربا
ومذ وطئت مروان ذروة من الشرق ألت تحب المغاربا
ثوابت في جو السماء تخالها بها لبني عبد العزيز مناقبا
وله من أخرى أولها: بسيط
أرح خطاك فحلي النجم قد نهبا وقد قضي الشرق من وصل الدجا أربا
أنا ركبنا من الظلماء جانحة كأننا من دجاه نمتطي نوبا
سل النجوم هل ارتابت بصحتنا لما أثرن اليهن من آثارها ندبا
تهفوا الركاب فتهدينا اسنتنا كأنما عارضت أطرافها الشهبا
وباتت الخيل يقدحن الحصا حنقًا حتى تضرم ذيل اليل والتهبا
تلك الفوارس لا تثني أعنتها عن وجهة أو ينال السيف ما طلبا
باتوا على نشوة ما هاجها طرب وقد أرادوا بطاسات السرى نغبا
إذا أثاروا القنا عن جنح مظلمة شالوا النجوم على أطرافها عذبا
وله: وافر
خيال زارني عند الصباح وثغر الشرق يبسم عن أقاح
وقد حشر الصباح له ونادى فأصغى النجم منه إلى الصباح
وفاض على الكواكب وهو طام فطار النسر مبلول الجناح
وزائرة طردت لي منامي وقد عقد الكرى راحا براح
وأدناها الهوى حتى أذلت وباتت بين ريحان وراح
تهز الغصن في حقف وتفري الليل عن قمر لياح
وأضناني الهوى فنعت نحولي ول ينعى النحول إلى الصفاح
وحملت عبء الحب ضعفي كحمل الخصر للكفل الرداح
أخن إلى رضاك وفيه برئ كما حن العلميل إلى الصباح
وقد أحللت حبك من فؤادي محل المال من أيدي الشحاح
سأفزع في هواك لحسن صبري ما فزع الجبان إلى السلاح
واقتدح الرغيبة من ركاب براهن السري برئ القداح
[ ٢٥٥ ]
تعنف إن رأت شاؤا بعيدًا ومن يثني الجواد عن الجماح
سرى جنبا به الظلماء حتى سبقنا البائتين إلى الصباح
إذا ونت الكواكب عن مداها حفزناها بأطراف الرماح
ومن كان الوزير له ظهيرًا يسم راعيه في حي لقاح
بحيث الرعي في أحوى أحم وحيث الورد في شيم قراح
من القوم العزيزيين أهل العلى والطول والنسب الصراح
أقاموا المجد من سمك علي ومدوا العز في أرض فياح
فأوى كل عاف من ذراهم إلى بيض اللمى خضر البطاح
وقد قام العلى عنهم خطيبا وصاح الجود حي على الفلاح
بأبنية وأعمدة طوال وراحات وساحات فساح
أبا بكر كتمت علاك حلما فنم على الري طيب الفواح
فكم تحيي الموالي بامتنان وكم تردي المعادي باجتياح
يمين ملكت رق المساعي وكف أعذبت ماء السماح
وفضل لا ينيب إلى نصيح وجود لا يصيح لقول لاح
وحلم أوسع الدنيا وقارا وقد خفقت له خفق الجناح
لأعمى الفكر عن عيب الموالي أصم الجود عن قول اللواح
فتى تجد الأماني في يديه وجود الري في الماء القراح
يجلو حادث الدنيا بوجه كان جبينه فلق الصباح
أضاء بوجهه أفق الدياجي وقام بكفه علم النجاح
طلعت على العلى من كل باب وحزت المجد من كل النواحي
وجاء بك الزمان على اكتهال فكنت الروض فاح مع الرواح
فكف للسيادة ذا بسط وطرف للمعالي ذو طماح
غضبت لكل حق مستباح ولم تغضب لمال مستباح
فكيف نصرت كل حمى مدال ولم تنصر حمى المال المباح
نوالك من ولاتك ذو تدان وقدرك عن عداتك ذو انتزاح
تداركت انصداعًا بانشعاب وصيرت الفساد إلى الصلاح
فقد بدلت كربا بانفراج وقد عوضت ضيقًا بانفساح
[ ٢٥٦ ]
وداويت الليالي من رداها وقد نادتك يا آسى الجراح
فقد أشفيتها من كل داء وقد أسقيتها بعد التياح
دعوت المعتفين لخير ماوى وأحللت الطريد أعز ساح
فما للفضل فيها زوال وما للمجد عنها من براح
لقد أنسى زمانك كل عيد بعز ثابت واسى مزاح
وذي الأيام أعياد الأيادي فكيف تضيفهن إلى الأضاحي
وله فضل من رقعة،، مثلي أعزك الله في عناء، بلا غناء، كمن خض لماء يريد الزبد، ووعده للأبد، بل لا والله، واستغفر الله، ما استضاءت بغير منار، ولا اقتدحت بغير عفار، ولكن حرمت الدر والضرع حافل، طويل
وما يوجع الحرمان من كف حارم كما يوجع الحرمان من كف رازق
ومل فعلت أبا عبد الله تلك الأبيات، والرجاء الذي في بطون الحاملات، أأزعجته الأرحام، أم كره الزحام، أم استقر به المقام، فاقام، وتلك النتيجة هي حان نفاسها، أم خانها احتباسها، أم ولدت، ثم وئدت، أم وضعت ليلًا، وأرضعت غيلًا، في لا تدب، ولا تشب، والنجم أفل، والكفيل غافل، ومهما يكن من أمر فما ضاعت، إلا في ضمانك، ولا جاعت، إلا على خوانك، هلا حلبت أبا عبد الله ما در وطب، وطبعت والطين رطب، فلا أمان، من الزمان، ومن ذا الذي يبقى على الحدثان،، وكتب إليه ابن اللبانة: كامل
يا روضة أضحى النسيم لسانها يصف الذي تهديه من أرجائها
ومن اغتدى واهتدى لطريقة ما ضل من يسعى على منهاجها
طافت بكعبتك المعالي إذ رأت أن النجوم الزهر في حجاجها
شغلت قضيتك النفوس فأصبحت مرضى وفي كفيك سر علاجها
هلا كتبت إلى الوزير برقعة تصبو معاطفه إلى ديباجها
تجد السبيل لهم ولا تك للمنى وينير سعيهم بنور سراجها
أنت المساء فما بانت لها رقعة اطلع عليه الشهب من أبراجها
وضجت مفارق كل فضل عنده فاجعل قريضك دره في تاجها
فراجعه أبو الفضل: كامل
يا منجدي والدهر يبعث حربه شعثاء قد لبست رداء عجاجها
[ ٢٥٧ ]
لله درك إذ بسطت إلى الرضى نفسا تمادى الدهر في إحراجها
وأرقت ماء الود في نار الأسى كالراح يكسر وحدها بمزاجها
فياتني تلك الغمام فبردت من علة كالنار في إنضاجها
فأويت تحت ضلالها ووجدت برم نسيمها وكرغت في ثجاجها
حاولت مني أن أطارد حاجة مرضت فأعيا الناس باب علاجها
قل كيف تنعش بعد ول عثارها أم كيف تفتح بعد سد رتاجها
هيهات لا تثني النفوس لوجهة من بعد ما رجعت على أدبارها
لا زيد في أمري وضوحًا بعد ما قامت براهينه على منهاجها
فأكون إن زدت الصباح أدلة خرقاء تمشي في الضحى بسراجها
دعني أبرد بالقناعة غلة يأس النفوس أحق في أثلاجها
بكر بخلت على الأنام بوجهها ومنعتها من ليس من أزواجها
وصرفتها محجوبة بصوانها مثل السلوك تصان في أدراجها
كالنور في أكمامها والبيض في أغمادها والغيد في أدراجها
فالنفس إن ثبتت على أخلاقها أعيا على النصاح طول لجاجها
وله وقد استدعاه المتوكل في يوم ماطر، ونسيم روض عاطر، فصحبته في ممشاه إليه سحابة، وبلت عليه ثيابه، فلما دخل على المتوكل أدناه، وأكرم مثواه، وهز إلى القول في ذلك فاهتز، وأتى بما طبق مفصل الإبداع وحز، سريع
صاحبنا الغيث إلى الغيث لكنه غيث بلا غيث
سحابة تهمي حياها سرى لا تخلط الاعجال بالريث
يا ليث غاب حسنه باهر والحسن لا يعرف لليث
أجلني قربك في موضع يجل عن أين وعن حيث